أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فارس تركي محمود - مبدأ ترامب والمواجهة مع إيران















المزيد.....

مبدأ ترامب والمواجهة مع إيران


فارس تركي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 6011 - 2018 / 10 / 2 - 17:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يمكن اختصار أو توصيف سياسة إدراة دونالد ترامب (Donald John Trump ) أو سياسة الولايات المتحدة الأمريكية بشكلٍ عام تجاه إيران بالقول أنها سياسة أو علاقة عداء بين طرفين يسعى كل منهما للفوز على الآخر ، كما أنها ليست علاقة حرب مفتوحة أو صراع كسر عظم فلا الجغرافيا ولا التاريخ ولا الأساس الفكري للطرفين ولا فرق القدرات يسمح بمثل هذه الخيارات ، فضلاً عن أن طرفي العلاقة لا يسعيان أصلاً لتحقيق مثل هذه الأهداف على الرغم من ضجيج التصريحات العدائية وقعقعة التهديدات المتبادلة . فالولايات المتحدة ليست قوة إقليمية من قوى الشرق الأوسط تسعى لتحل محل إيران في المنطقة ، ولا إيران قوة عالمية تنافس واشنطن على قيادة العالم ، إذاً فأن عامل الجغرافيا أو الجيوبوليتك – وهو عامل مهم جدا للدخول في صراع مهلك – غير متوافر فيما يتعلق بالعلاقة بين واشنطن وطهران . يضاف إلى ذلك أن دروس التاريخ أثبتت لنا أن الصراعات الصفرية لا تدور إلا في حالتين فقط أولهما : عندما يكون طرفا الصراع كلاهما دوغمائي (Dogmatic ) النزعة ، أو خاضعان لعقيدة أو أيديولوجيا معينة أي أنهما يسعيان لتحقيق أهداف مسبقة ، وفي الغالب هي أهداف غير واقعية ، كما يحصل في الصراعات الدينية أو القومية . وثانيهما : عندما يكون أحد الطرفين دوغمائي والآخر براغماتي (Pragmatic ) كما حصل في الحرب الباردة . أما إذا تقابل خصمان كلاهما براغماتي فإن هدف الصراع سيكون تحسين ظروف التفاوض ورفع سقف المكاسب وليس القضاء على الخصم نهائياً لأن البراغماتية أو الفكر البراغماتي يسعى لتحقيق ما هو ممكن وليس ما هو ( طوباوي ) غير واقعي ومستحيل التحقق ، آخذاً بنظر الاعتبار ظروف الزمان والمكان والمصالح المتوخاة .
يمكن القول أن الولايات المتحدة الأمريكية وإيران يعدان من أهم الدول التي تعتمد البراغماتية كمنهج عمل سياسي ، فهما يجيدان ممارسة لعبة المصالح باحترافية عالية ويستوعبان قواعدها جيداً ويتمتعان بقدرة كبيرة على توظيف كل شيء حتى المتناقضات من أجل الوصول لأهدافهم . إن مثل هذه الدول البراغماتية لن تسمح لنفسها بالانزلاق والانجرار إلى تخوم المواجهة المباشرة بل ستبقى تلعب لعبتها المفضلة وهي لعبة الضغوط المتبادلة للحصول على أكبر تنازل ممكن من الخصم . هذا فضلاً عن أن فرق القدرات العسكرية بين الجانبين يجعل الحديث عن مواجهة مباشرة بينهما نوع من الهراء .
استناداً إلى هذا التوصيف يمكننا القول أن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه إيران خلال العقود الأربعة الماضية كانت تسعى إلى : إما تغيير سلوك النظام الإيراني بالشكل الذي يتماشى مع المصالح الأمريكية في المنطقة أو على الأقل بالشكل الذي لا يسبب ضرر لتلك المصالح ، أو تغيير ذلك النظام بشكلٍ كامل ولكن بشرط أن يتم هذا التغيير بطريقة آمنة ومضمونة ولا ينتج عنه أي اضطرابات أو قلاقل . لقد اثبتت التجارب أنه من الصعب جداً إن لم يكن من المستحيل تطبيق الخيار الثاني في منطقة الشرق الأوسط وبخاصة بعد احتلال العراق والإطاحة بنظامه السابق . فواشنطن – وبحكم قوتها العسكرية الهائلة – تستطيع الإطاحة بأي نظام شرق أوسطي لكنها لن تستطيع أبداً أن توجه أو تسيطر على الأحداث والتداعيات التي ستنتج عن ذلك وستجد أن التكاليف والخسائر المترتبة على مثل هذا الفعل أكثر بكثير من فوائده . وقد أدركت إدارة ترامب هذ الحقيقة وصرح ترامب أكثر من مرة بأن إرسال قوات امريكية إلى منطقة الشرق وتغيير بعض الانظمة الحاكمة فيه مثل ليبيا والعراق كان خطأً استراتيجياً يجب أن لا يتكرر . والإدارة الأمريكية تدرك أن وضع إيران – بتركيبتها الداخلية وبتنوعها الإثني والمذهبي وبوضعها الداخلي المحتقن وبموقعها الجغرافي وبارتباطاتها الإقليمية - ليس أفضل مما هو عليه في ليبيا والعراق إن لم يكن أسوأ حالاً وأن الإطاحة بالنظام الإيراني سيفتح أبواب جهنم على الجميع وبدون استثناء .
إن هذا الإدراك الامريكي ليس مقصوراً على إدارة ترامب وحسب بل تحول إلى إدراك جمعي متحكم في العقل السياسي الأمريكي وموجه لكل سلوكياته بل وحتى في العقل الجمعي للشعب الامريكي برمته ، وأصبح بمثابة أساس متين وحجر زاوية للسياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام . إن الوصول إلى هذه الحقيقة وتبني هذا المُدرك والاقتناع به لم يأتِ بطريقة سهلة وبوقتٍ قصير ولم يكن مجاناً ، بل احتاج إلى أكثر من خمسة عقود من التفاعل الأمريكي مع المنطقة ، وتم دفع ثمنه غالياً من جانب الولايات المتحدة وكان الثمن الأعلى والأكثر إيلاماً لواشنطن هو ذلك الذي دفعته بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 ، وصانع القرار السياسي يدرك جيداً أن الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران أو إزاحة نظامها الحاكم بالقوة أو من خلال ثورة شعبية غير مخطط لها بشكلٍ جيد – وهو شرط غير متوافر حالياً – سيترتب عليها نتائج وخيمة وأثمان باهظة ستدفعها الولايات المتحدة والمنطقة بشكلٍ عام ربما لن تقل عن تلك التي دفعت ولا زالت تدفع في العراق وليبيا واليمن وسوريا . إذاً فإن المُدرك الأول الذي رسخ في الذهنية السياسية الأمريكية يتلخص بأن التدخل المباشر وإزاحة الأنظمة بالقوة في منطقة الشرق الأوسط خط أحمر وتابو ينبغي عدم الاقتراب منه .
إلا أنه وبالمقابل هناك مُدرك آخر أو ثانٍ يضغط بشدة على عقلية وسلوك صانع القرار السياسي الأمريكي يتلخص بأن الانسحاب من المنطقة يشكل خطأً استراتيجياً وتترتب عليه نتائج وتداعيات ضارة وسلبية تضاهي الضرر المترتب على المُدرك الأول ، وهو ما أثبتته سياسة إدارة أوباما عندما انسحبت من العراق ومن المنطقة بشكلٍ عام بطريقة متسرعة وغير مدروسة بدت وكأنها هروباً أكثر منها انسحاب تكتيكي ، وبدأت ترسل رسائل خاطئة للخصوم والحلفاء على السواء ، وانتهجت سياسة هشة ومتهاونة لا تتناسب مع أهمية المنطقة ولا مع الأوضاع والتطورات التي تشهدها ، ويعد الاتفاق النووي الذي عقدته تلك الإدارة مع إيران من أبرز أوجه ذلك التهاون والتفريط . وعلى الرغم من أننا ندرك أن سياسة أوباما كانت رد فعل لما ترتب على سياسة سلفه جورج بوش الابن من مآسي وكوارث إلا أن تلك السياسة بالغت في رد فعلها وذهبت بعيداً في تهاونها . فإذا كان بوش قد اقتحم المنطقة بطريقة ساذجة ومتهورة فإن أوباما خرج منها بطريقة أكثر سذاجةً . إن الضرر الذي ترتب على سياسة اوباما تمثل بخلق فراغ في المنطقة أغرى خصوم واشنطن بملئه من جهة ، وأربك حلفائها ودفعهم لإعادة حساباتهم من جهة أخرى ، فالسياسة مثل الطبيعة تكره الفراغ فما لا تملأه أنت سيملأه غيرك . وعليه أصبح لدينا مُدرك ثانٍ متحكم وموجه للسلوك الأمريكي تجاه منطقة الشرق الأوسط يتمثل بالحقيقة القائلة أن الانسحاب والانكفاء يجلب من الأضرار أكثر مما يحقق من المنافع .
إذاً فإن إدارة ترامب وجدت نفسها أمام مُدركين الأول يحذرها من إرسال قوات إلى المنطقة أو تغيير أنظمتها بالقوة ، بينما الثاني ينذرها بعواقب وخيمة في حالة الانسحاب منها وعدم الاشتباك الفاعل مع ملفاتها الساخنة والمعقدة . وبناءً على ذلك يبدو أن إدارة ترامب حاولت أن تطبق مقاربة مغايرة يمكن أن نسميها مبدأ ( ترامب ) تقع في منطقة وسط ما بين التابو الأول والثاني تتمثل بتوظيف واستخدام كل أدوات القوة الأمريكية ليس من أجل تغيير الأنظمة بل من أجل تغيير سلوكيات تلك الأنظمة ، بشرط إفهام الخصم وبشكل واضح وجدي أنه على الرغم من أن خيار استخدام القوة العسكرية والدخول في مواجهة مباشرة مستبعد جداً إلا أنه ليس مستحيلاً إذا لم يغير الخصم سلوكه .
إن السياسة الأمريكية الحالية تجاه إيران ما هي إلا ترجمة لمبدأ ترامب لذلك نستبعد حدوث مواجهة مباشرة وواسعة ما بين واشنطن وطهران لأن ذلك يعد بمثابة خرق للتابو أو المُدرك الأول ، كما نستبعد أن تتهاون إدارة ترامب مع إيران لأن هذا خرق للمُدرك الثاني ، بل على العكس فإن الضغوط والعقوبات القاسية جداً والغير مسبوقة ستتصاعد ضد إيران لإجبارها على تغيير سلوكها مع الحرص على أن لا تؤدي هذه العقوبات لانهيار نظامها بشكلٍ مفاجئ والدخول في مرحلة الفوضى واللادولة . وقد عبر أكثر من مسؤول أمريكي وبشكل واضح عن هذا التوجه الأمريكي تجاه إيران فقد صرح وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس بأن تغيير النظام الإيراني أو دفعه للانهيار ليس ضمن خطط أمريكا ، بينما أشار وزير الخارجية الأمريكي مايكل بومبيو (Michael Pompeo ) إلى أن الولايات المتحدة لا تسعى لتغيير النظام في إيران بل تغيير سلوكه . إن لعبة تغيير السلوك هي بلا شك لعبة محفوفة بالمخاطر وغير مأمونة العواقب لكن ليس هناك خيار آخر فالمُدرك الأول والثاني يحتمان هذا السلوك ، فعلى الرغم من أن تغيير النظام الإيراني ليس هدفاً استراتيجياً لواشنطن إلا أن بقاء هذا النظام بوضعه الحالي سيكون أكثر ضرراً على المصالح الأمريكية من التداعيات التي ستترتب على انهياره ، وبالتأكيد إذا لم تجدي العقوبات نفعاً ستضطر واشنطن إلى اختيار أقل الضررين ، فالقضية برمتها مرتبطة بالسلوك الإيراني ومدى استجابته للضغوط .
سواءً اختلفنا أو اتفقنا مع سياسة إيران الخارجية إلا أنه يجب القول أن إيران تتمتع بحنكة سياسية كبيرة وباحترافية عالية في إدارة ملفاتها الخارجية وهي من الدول القادرة على توظيف الفلسفة البراغماتية بقدرة كبيرة ، لذلك فهي تعرف متى تهجم ومتى تحجم ومتى تتقدم ومتى تتراجع ، وتتبع أسلوب القضم والهضم ، وتوظف كل شيء من أجل مصالحها . إن دولة بهذه المواصفات تعلم جيداً ما الذي تريده وتحدد أهدافها بدقة ، وبوصفها دولة براغماتية وليست دوغمائية فبالضرورة ستكون أهدافها أهدافاً واقعية ويمكن تحقيقها أي ضمن الممكن والمتاح ، على الرغم من أن الشعارات التي ترفعها طهران شعارات خيالية وموغلة في اللامعقول مثل القضاء على إسرائيل والانتصار على أمريكا وحلفائها وإخراجها من المنطقة وإقامة الجمهورية الإسلامية العالمية وغير ذلك من شعارات لا يمكن تحقيقها ، إذ أن الفرق الهائل في القدرات ما بين إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهم من جهة وبين إيران من جهةٍ أخرى وأهمية منطقة الشرق الأوسط وحجم المصالح الأمريكية فيها يجعل من هذه الشعارات نوع من العبث ، ولا يمكن لعاقل أن يتصور أو يصدق أن إيران تقصدها أو تسعى لتحقيقها بالفعل . إذاً ما الذي ترمي إليه طهران ؟ .
إن ما ترمي إليه طهران يتمثل برفع الثمن الذي ستتقاضاه في نهاية الأمر مقابل تغيير سلوكها من خلال زيادة حجمها الإقليمي وتحسين وضعها التفاوضي ومراكمة المزيد من أوراق الضغط التي تتحكم بها . أما الولايات المتحدة الأمريكية فأنها تسعى لتقليل ذلك الثمن قدر الإمكان من خلال زيادة الضغط على الجانب الإيراني بواسطة فرض المزيد من العقوبات والمزيد من والعزلة الإقليمية والدولية والعمل على إضعاف الموقف التفاوضي لطهران ، أي أن اللعبة في نهاية المطاف هي لعبة ضغط متبادل أو لعبة ( عض الأصابع ) مع حرص الطرفين على ضبط وتيرة اللعبة وعدم السماح لها بالخروج عن حدود السيطرة والوصول إلى الصدام المباشر أو المواجهة العسكرية .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,162,235,557
- النسق القيمي
- عقول وحقائق
- عقلنا عندما ينتخب !
- الانتخابات الأمريكية والتدخلات الروسية
- وهم المعرفة
- الكتلة المدنية
- العقل التآمري
- الواعظون
- المجتمع العبيط
- الثورة والتثوير
- ظلال الله على الارض
- التقليد والابداع
- صفات الشعوب واشتراطات الدولة
- الدولة الحديثة منتج اقتصادي
- الانسان البدائي
- اذا كان هذا صحيحا
- التمدن والتخلف بقوة الدفع الذاتي
- غياب العقلية الشمولية
- المنظومة الفكرية العربية والقضية الفلسطينية ، جدلية السبب وا ...


المزيد.....




- إسرائيل تعلن شن غارات على أهداف إيرانية في سوريا.. ودمشق: تص ...
- أردوغان: تركيا مستعدة لتولي الأمن في منبج السورية
- الجيش الإسرائيلي يقول إنه قصف أهدافاً إيرانية في سوريا ودمشق ...
- ماي تسعى لحل مشكلة "بريكست" بالاتفاق مع إيرلندا
- أردوغان: تركيا مستعدة لتولي الأمن في منبج السورية
- الجيش الإسرائيلي يقول إنه قصف أهدافاً إيرانية في سوريا ودمشق ...
- خبير عسكري يحدد فرص نجاة أمريكا من الهجوم النووي الروسي
- مصدر عسكري يكشف بعض تفاصيل العدوان الإسرائيلي على سوريا
- الجيش الروسي يوزع مساعدات إنسانية في منبج
- لحظة إطلاق صواريخ سورية ضد أهداف إسرائيلية


المزيد.....

- إسرائيل، والصراع على هوية الدولة والمجتمع - دراسة بحثية / عبد الغني سلامه
- صعود الجهادية التكفيرية / مروان عبد الرزاق
- الكنيسة والاشتراكية / روزا لوكسمبورغ
- مُقاربات تَحليلية قِياسية لمفْعول القِطاع السّياحي على النُّ ... / عبد المنعم الزكزوتي
- علم الآثار الإسلامي وأصل الأمة الإسبانية. / محمود الصباغ
- مراجعة ل حقوق النساء في الإسلام: من العدالة النسبية إلى الإن ... / توفيق السيف
- هل يمكن إصلاح الرأسمالية؟ / محمود يوسف بكير
- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فارس تركي محمود - مبدأ ترامب والمواجهة مع إيران