أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سمير النفزي - تونس: جمهورية تحكمها الايمّة















المزيد.....

تونس: جمهورية تحكمها الايمّة


سمير النفزي

الحوار المتمدن-العدد: 6003 - 2018 / 9 / 24 - 19:40
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لو انطلقنا في بحث مدقق عن دور الايمة و رجال الدّين في تونس الحديثة سنتعرّض لتفاصيل مملّة تزعج القارئ و تملئ عقله بالنشاز السردي لمهاترات فيها من النشاز التاريخي ما يؤسّس لليأس العلمي في مواجهة الجهل المقدّس، لذا سنكون مقتضبين و مقتصرين على الشواهد المعاصرة لهذا الدور لرجال الدّين و الأيمّة في تونس و كلّ من تزمّل بلحاف الدّين من أهل السلطة.
جاء في الفصل الاوّل من الدستور التونسي المؤرّخ في جانفي 2014 انّ "تونس دولة حرة، مستقلّة ، ذات سيادة، العربيّة لغتها، و الاسلام دينها و الجمهوريّة نظامها."
اذا تعامينا عن الطرادة البلاغية الواردة في توطئة الدستور المذكور و التي تشبّث فيها واضعوه بإدراج تونس ضمن الفضاء الاسلامي و العروبي ثقافة و تاريخا و حضارة و تحالفا ماضيا ، حاضرا و مستقبلا في ارادة سافرة للحفاظ على تونس ضمن الاطار القديم رعاية لمصالح غير وطنيّة. و الزجّ بها في أتون محاور و تحالفات تخدم مصالح الساسة الجدد و ليست في خدمة الوطن الذّي طالما انتظر أهله تغييرا في السياسات المنتهجة منذ الرئيس بورقيبة الى اليوم بما يحقّق لهم الانتقال الحضاري والتاريخي و الاجتماعي والانعتاق من سلاسل الجهل و الانحطاط التّي فرضت عليهم لعقود. فانّ الفصل الاول من الدستور التونسي و على أهميّة موقعه و ترتيبه من بقية الفصول فانّه يعتبر حجر الزاوية في عملية الاجهاز على تكوين النظام الجمهوري حينما أسند له عرقا و دينا و لغة ناكرا بذلك بقية اللغات و الاعراق و الديانات التي تكوّن الشعب التونسي بحيث أصبح الدستور و بقيّة تشريعاته على مقاس المكوّن العربي و الاسلامي في تونس فقط.
و بهذا الاحتكار التعسّفي في ادارة البلاد أعطي الضوء الاخضر للمنابر الدّينيّة خصوصا لتكون اداة لترويج الجهل المقدّس و ابتداع خطاب التباهي بالجهل و الخرافة الدّينية التي يصنعها هؤلاء على مقاس مصالحهم الشخصويّة ، سبق ذلك الاعلان عن نهاية الجمهورية ترهيب فكري و نفسي لعموم المتنورين و الناشطين فكانت الحصيلة جملة من الاعتداءات التي طالتهم من التيارات الدينية المتسلّلة داخل منظومة حريّة التعبير التي لا يؤمنون بها، ساعدهم في ذلك ذراع قانونجي من منظومة العدل المنخرمة منذ أمد جسّده بعض القضاة و المحامين كراعي قانوني لمظاهر التطرّف في الفضاء العام و احتكاره. تلى ذلك العديد من مظاهر استعراض القوة في الشوارع في تحدّ صارخ لاجهزة الدولة و بتغطية سياسية من عرّابي الفكر الدّيني في البلاد المتمترسين وراء أحزاب أصوليّة جعلت من الدّين وسيلة للانتشار الشعبي و التموقع السياسي. فتحوّلت منابر المساجد في غير ايام الجمعة الى منابر للتعبئة و التحريض ضدّ كلّ نفس تقدّمي و كلّ داع للديمقراطية و ذلك بكلّ تبجّح وسفور ممّا شجّع وزير الشؤون الدّينية نفسه على ان يكون خطيب جمعة في أحد مساجد العاصمة و يدعي من خلال المنبر الى تطبيق الشريعة و الجهاد في سوريا بعد ان كان من هو في زمرة توجهاته قد أعدّ سلفا مسالك لتسفير الشباب التونسي المغرّر بهم في هذه المعارك الجوفاء عبر دولة ليبيا و منها الى دولة تركيا الراعي الرسمي و الموجّه الميداني للقادمين لسوريا من شتى بلدان العالم.
بالعودة الى رجال الدين في تونس و الدور الذّي اضطلع به الأيّمة فقد استغلّوا ضعف الدولة في عديد المناطق ليجعلوا من المساجد قاعات للعمليات الارهابية كما حدث في مسجد بلال ابن رباح بولاية جندوبة الذّي جمّع فيه السلاح للقيام بعمليات ضدّ الدولة التونسية، و تحوّلت عديد المساجد الاخرى الى قاعات للاجتماعات و ترويج الفكر الدّيني المتطرّف على طول الاسبوع.الجدير بالحديث في هذا الموضع انّ الحراك الشعبي الذّي انطلق في تونس و الذي كانت مطالبه اجتماعية بالاساس و انتهى بانقلاب النظام على نفسه معيدا ترتيب ادارة السلطة بالشراكة مع التيار الاسلامي و الذان قادا البلاد نحو الهلاك الذّي يئنّ تحت سطوته الشعب التونسي في هذا الوقت باستثناء الاثرياء الجدد و المستثمرين السياسيين فيما يصيب البلاد من نوائب، فانّ الحراك الذّي انطلق يوم 17 سبتمبر 2010 و ما تلاه من انهيار لجزء كبير من البناء الهشّ لدولة بورقيبة و بن علي من بعده كشف عن سوءة في العقل المشترك للفرد في تونس الذّي كان ضحيّة لعقليّة جمعيّة اعتراها اليأس من الحاضر و سوداويّة المستقبل و لم يجد من يطرب وجدانه الاّ بالحديث عن أمجاد الماضي فتكوّنت طبقة تمنطقت بمفهوم ماضوي للنهضة الفكريّة و الاجتماعيّة و اشتغلت على احياء الجيفة من التراث الغابر بحكم التاريخ و الضرورة الطبيعية في التطوّر الايجابي نحو الافضل، فانّ انتفاضة اليأس في تونس كشفت عن واقع موغل في الكآبة و الرجعيّة التّي تحصّنت بالصمت و التعتيم لدهر من الزّمن، حيث برز التيّار الدّيني بمختلف تمظهراته السياسية كحركة الاخوان المسلمين بتونس و حزب التحرير او كحركات دعويّة او جهاديّة كتيّار مهيمن على العقول من جميع الشرائح الاجتماعية و الفئات المهنيّة. هذا الكمّ من الاستسلام العقلي لموجة الاسلمة الداعية لتطبيق الشريعة الاسلامية كشف أيضا عن عقليّة و ثقافة شعبويّة سائدة و مزدهرة الانتشار في صفوف المجتمع تتحيّن فرصة الرجّوع على الاعقاب في حركة معاكسة لحركة الكون. هده الجرعة الزائدة من الورع المخفيّ و التقوى المسستترة طيلة سنوات انفجرت ليصعد لهيبها فوق رؤس المتخاذلين في التصدّي لها زمن زرعها في أفئدة الناس في فترة قيل عنها فرصة لنشر القيم السمحة و الاعتدال و المقصود هنا هم من أطلقوا على أنفسهم عنوة بالنخبة المثقفة التي كانت تهلّل لتلك الشعارات، و حرصت من خلال ما أودع لها من سلطة عامة على غرس التديّن الذي قالوا عنه لا خطر من ورائه رغم أنّهم زرعوا نفس القيم الكاذبة التي تشجّع على النفاق و الرّياء و الحيلة التجاريّة و مهّدوا الارض لاشاعة الطقوس الدينية كأعياد وطنيّة و ترسيخها في الهويّة الجديدة المزعومة، فجاؤوا بالصيرفة الاسلامية و البنوك الدينية و فرّقوا بين المؤسسات التعليمية و أقحموا التعليم الديني في البرامج الرسمية دون ان يعلموا انهم مهدوا الطريق للقادمين الجدد من غرف المخابرات التي رعرعت أنيابا غاصت عميقا في جسد الوطن و درّبوا أجيالا تعتبر الانتماء لدين ما نخوة و شرف لا يحظى به باقي البشر، و بقت تلك الاجيال رهينة لمن يعيد تشغيل القيم الماضويّة التي زرعت في عقولهم.
المحصلة بعد هدوء المشهد زيف مقولة التعليم العصري الذي ظلّ مشلولا امام التحدّيات التي واجهته و ابرزها مغادرة حلقة التخلّف التي مكثنا فيها مطوّلا، كما فشلت هذه النخبة في تكريس مفهوم المواطنة و الحريّة في مواجهة مفاهيم الرعايا و الخلافة بل أكثر من ذلك فانغمست في الممارسات السياسوية الرعناء التي كانت غايتها جمع اكبر قدر من المصالح العائلية و الشخصيّة على حساب الوطن و ظلّ الوطن أسيرا للتخلّف و الفساد و الاستبداد .
هذا الزخم الكاذب من النخبة التونسية الهوجاء ترك فراغا مهما في تأطير الاجيال اليافعة ضمن سياق حضاري تقدمي و ديمقراطي فالتقف ذلك رجال الدّين و الايمّة و كرّسوا كلّ جهودهم في ترسيخ مفاهيم الخلافة و الجهاد و الحاكمية و غيرها و نجحوا نجاحا باهرا حتى ان هذه المصطلحات صارت محل جدل في الفضاء العام بكلّ غلبة لاصحابها. و أصبح الخطاب الدّيني هو المحفّز الشعبي لايّ حراك اجتماعي و صعد نجم رجال الدين و كثر اتباعهم و اصبح الباحث على الانتشار و الشهرة لابدّ له من تبنّي الخطاب الرجعي. السياسيون بدورهم لبسوا ثوب الامامة و تعالت اصواته منادية بالاحاديث و الايات تملّقا و تقرّبا من الوعي الشعبي السطحي، فأصبح لممثل حزب التحرير منبر في مسجد بجهة الساحل يعتليه كل جمعة لينشر افكاره السياسية و للاخوان منابر يخطب من عليها اعضائها و غير ذلك كثير، حتى ان رؤساء الجمهورية على اختلافهم لبسوا ثوب رجل الدّين و تحولوا الى أيمة آبقين كل خطبهم السياسية عفن سياسي و ديني، و لمّا كان هذا المسار مثمرا لدى الساسة استفرد الرؤساء بالاحياء و الاشراف على الاعياد الدينية الاسلامية و اعداد مسابقات في حفظ القران و شجعوا جمعيات الاحاديث و استحدثوا لها هياكل و مرتبات و مضى الامر على غيّه في الاذهان.
بهذا المسار العام و التيّار الفكري المشاع في الوطن أصبح الاقبال على المساجد و الخطب الدينية و التحريضية أفضل و أنفع عند الناس من الحضور في الندوات الفكرية و الثقافية رغم محدوديتها، بذلك فشلت النخب في جعل القيم الفكرية و المساهمة في تطوير العلم و المعرفة تيّارا منافسا للتيار الرجعي و فشلت في ان تكون ذات تأثير في المجتمع، فنجح الامام و فشل المدرّس و النتيجة ان الامام السياسي و الدّيني نجحا في صنع شعوب لها رصيد من التعاسة ما يشبع جميع الاجيال رغم انّ الواجهة تبدو حداثية لكنّها جوفاء و دون عمق أصيل، و خلقوا لدى شعوبهم تمسّك و تشبّث بأعراف مهترئة و بالية معتبرين ايّاها مكوّن جذري و خصوصيّة في هويّته التي لن يغادرها لا في التاريخ و لا في الواقع متسلّحة بمقاومة عقديّة لصدّ القيم الكونيّة و الانسانيّة، متسلحين بالاحاديث و الايات الدينية نافرين من كلّ اشكال المعرفة الحضارية مقبلين على الشعوذة الايمانية و الخرافة العاطفية و الاسطورة السماويّة.
اذا فنحن الان في تونس ازاء مجتمع بشكل عام كرّس فيه الفائز السياسي عدم قبول الاختلاف او قبول الاختلاف بطريقة يكون فيها هو المسيطر الوحيد استنادا عى العرق و اللغة و الدّين التي منحها له دستور البلاد و التيار الفكري الشائع في المجتمع الذّي ترعرع على عقليّة الاحادية و التنميط عنوة، طبعا لذلك تداعيات قانونية و اقتصادية و اجتماعية فالقانون التونسي الذّي ينضبط للمقدس الديني في تقسيم المراث منذ زمان و تكريسه لعقلية العدّة و المهر و الولاية و القوامة عرّض المرأة الى شتّى ضروب الاحتقار و التبخيس، حتى ان رئيس الجمهورية الحالي الباجي قايد السبسي حينما اراد ان يستعيد شعبيته في صيف 2018 باقراره مشروع قانون المساواة في المراث واجهه في ذلك ايمة المساجد بجميع تصنيفاتهم و رفعوا المصاحف بأياديهم في مظاهرات عارمة بعد التجييش الشعبي و التحريض الديني في صورة مشابهة لصورة من دعى لتحكيم القرآن في حرب علي بن ابي طالب و معاوية بن ابي سفيان. و قد وقع انذاك رئيس الجمهورية في تناقض صارخ في اقواله بمدنية الدولة رغم ان الدستور الذي يمنحه صلاحياته يقرّ بدينية الدولة. و فاز الايمة من جديد و تأخر مسار الاصلاح الفكري الى عقود قادمة مما اشاع حالة من الاحباط المتكرر لدى شوارد النخبة التونسية التي غادر معظمها البلاد تحت التهديد و من بقي اما انّه معزول او صامت مع بعض الاستثناءات التي تقاوم في ظروف مريبة و خطرة غير ان الثابت في تونس ان السياسات المتوخاة خلقت جوا عاما يصعب فيه التفكير او لا يسمح بالتفكير الا في حدود المراد له نتيجة طغيان مفهوم الثوابت الاجتماعية المضاد لعقلية التطور.
بقي ان نذكر ان امام الايمة في تونس الذي هو رئيس الدولة الذي يملئ فراغات كلامه السياسي المهترئ بالاحاديث و الايات الدينية حينما لايجد حلولا للمشاكل في حدود ماله من صلاحيات مرجئا كل المشاكل الى الاختبار الالاهي و الصبر كسلاح مفلس من ناحية و كاستمرار للمدرسة القيمية التي ينحدر منها و التي اغرقت تونس و شعبها في أتون التخلّف و الجهل من ناحية اخرى غير عابئ بان ما قام به ملهمه السياسي الرئيس بورقيبة قد أزهر لدى الارهاب.
سمير النفزي
اليابان في 24 سبتمبر 2018.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,558,103,353
- يهود تونس و المواطنة المسلوبة
- العمل السياسي في تصور حركة تغيير شمال إفريقيا- فرع تونس
- الفشل الحكومي و تخريب الدولة في تونس
- من هم المتوحشون؟
- اليات التحرر: الهوة بين الفكر واللغة
- مكيافيل يحكم العالم


المزيد.....




- إنقاذ 67 صبيا ورجلا من -مدرسة إسلامية- في نيجيريا
- أزمة بين روسيا وإسرائيل على خلفية سجن إسرائيلية تتعاطى الحشي ...
- حرائق لم يشهدها لبنان من قبل... تشعل نار -الطائفية- مجددا
- شيخ الأزهر: التسامح الفقهي لم يكن غريبا أو شاذا في المجتمعات ...
- حفتر يعلق على إعلان سيف الإسلام القذافي الترشح لانتخابات رئا ...
- الاحتلال الإسرائيلي يقرر إغلاق المسجد الابراهيمي غدا وبعد غد ...
- هل يعود تنظيم الدولة الإسلامية بعد التوغل التركي في سوريا؟
- اليهود المغاربة يحتفلون بيوم الغفران في مراكش
- مصر.. تطورات محاكمة قيادات -الإخوان- الهاربين إلى تركيا
- قطر: الإخوان المسلمين قصة تم اختلاقها


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سمير النفزي - تونس: جمهورية تحكمها الايمّة