أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جواد بولس - في -الغفران- تبكي القدس فيصلها















المزيد.....

في -الغفران- تبكي القدس فيصلها


جواد بولس

الحوار المتمدن-العدد: 6000 - 2018 / 9 / 21 - 04:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


للغفران في القدس حضور مختلف. في تردّده لعنة الترويض وطعم من الادمان البغيض ؛ تصير فيه ابنة السماء أرملة يسكن في ديارها البكم ويتربّع في حرجها الخوف والذلّ، وتغمر قناطر أحواشها بحور من الالتباس.

يقف أصحابها على أرض من زجاج أملس هشّ ولا يجدون في فضائها، فوقهم، غير الغبار وغير وجوه تطلّ منه بقسمات غريبة ليست كقسمات الملائكة ولا العباد. تنتشر في أجوائها روائح البطش و أصوات العجز الخرساء.

أقف أمام نافذتي محاولا استكشاف ملامح هذا النهار. تحاول السماء استعادة زرقتها، ولكنّ بعض الغيوم البيضاء البعيدة تمنعها من ذلك.

أحدّق من غير هدف وأشعر لوهلة أنني في مكان غريب. كانت البيوت قبالتي مثل صناديق موصدة، بلا شرفات ولا شبابيك، ولون سطوحها فاحم كرموش العتمة. شوارع الحي بلا نبض، تمتد أمامي طويلة كلسان تنين خرافي.

سمعت من احدى الفضائيات مذيع يصرّح: "إنّ الأمين العام لجامعة الدول العربية يحذّر من انزلاق الاوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة الى مزيد من التدهور خلال الفترة المقبلة". لم انتبه فيما اذا أوضحت الجامعة العربية ماذا ستكون ردود فعلها المنتظرة إزاء هذا الانزلاق المتوقع، فلقد انشغلت برقصة غيمة شقية كان شكلها كحصان يقف على رجليه الخلفيتين.

حمّل بعدها نفس المذيع "الولايات المتحدة المسؤولية عن خلق هذه الحالة من الغضب واليأس لدى الفلسطينيين .." بدأت أشعر بالغضب وبالحزن؛ وحاولت التقاط صوت هدير محركات مراكب بعيدة فلم أسمع غير صفير الريح.

انتقلت إلى شرفتي الجنوبية. لم يخرج الراهب القبطي ليتفقد ساحته، كما كان يفعل كل صباح ، ولم أسمع ضجيج طلاب المدرسة فبدت بناية الدير كأنها مهجورة.

حاولت أن أشغل نفسي، كما يفعل أهل الضجر ، بإحصاء سرب الحمامات الذي يستوطن "سطوح ضيعتنا العليانه" فلم أجد إلا واحدة فرّت ، كسهم مفزوع ، عندما شعرَت بوجودي.

عدت إلى كنبتي، صديقتي، وقلت ربما ما زال النهار يافعًا، والمدينة، كما يبدو، لم تستفق بعد من ليلها الطويل، الذي كان مثقلًا بتناهيد سكانها اليهود وبصلوات كهانها وبرجائهم من ربهم أن يغفر كل ذنوب شعبه المختار، مهما كبرت ومهما عظمت.

ما زالت أمامي صفحات من كتاب يحكي عن تاريخ حياة صاحبي ، أمير القدس فيصل الحسيني، والتي حاولت أن آنس ليلتي بعطرها، كعادتي في "مواسم القحط والغفران" .

لم أجد لنفسي في القدس مطرحًا بعد رحيل فارسها. كانت خيبتي موجعة ووقع اليتم قاصمًا، فلم ألق مثل ذكراه ظلًا واقيًا، ومثلها ملجأ يحميني كلما اشتدّ الحصار وسدّ القمع جميع الطرقات والأماني.

مرّت ساعتان شعرت فيهما كأنني أقف على أرجوحة تنقلني بين قدسين وحلم. استذكرت سنين الحصاد والجنى التي عشت فيها قريبًا من قلبه ومن عقله؛ غضبت ثم هدأت ثم حزنت ثم فرحت وابتسمت؛ تمامًا كما أوصانا الفيصل وهو في زنزانته حين قال : " الأوضاع التي تحيط بي عابسة والجدران في هذه الزنزانة عابسة وأنت عندما تقف أمام القضبان تكون عابسًا ، حتى النافذة الوحيدة في غرفتي يأتيني منها شعاع الشمس عابسًا، لا توجد أي ابتسامة إلا ابتسامتي؛ لذا فإنني لن أفقدها أبدًا". فهل ستكفي اليوم بسمة كي نبدد ظلام القدس ؟

سألت صاحبي اذا نجح في الوصول إلى القدس القديمة عساني أنضمّ اليه في هذا اليوم غير العادي. في الاخبار اعلنوا أن معظم الشوارع مغلقة بحواجز اقامتها شرطة الاحتلال لتمنع تحرك المواطنين العرب في أرجاء المدينة.

يمكنك الوصول الى القدس عن طريق شعفاط فمنطقة وادي الجوز فالبلدة القديمة ، هكذا أفادني عبدالقادر ؛ أي انك تستطيع التحرك اذا كنت تسكن في مناطق محيطة بهذا المسار فقط.

مع هذا فلقد نصحني بألا أجّرب، لأنّ معظم الشوارع مليئة بالجنود وبرجال الشرطة، والأسواق شبه خالية من الزائرين، والمستوطنون يمارسون تحدياتهم واستفزازاتهم ومحاولاتهم للدخول إلى باحات المسجد الاقصى.

"يعني الاوضاع بتقهر وبتوجع القلب"، أوجز صديقي وصفه للوضع واخبرني أنه في طريق عودته إليّ.

هل تعلم يا صديقي ما كان يقول معلمنا الكبير ؟ سألته وكنا نستعدّ لمغادرة البيت، فقرأت عليه ما جاء عن فيصل: "يمكن للقدس أن تكون إما شمس الشرق الأوسط الدافئة أو ثقبها الأسود الذي يبتلع كل شيء" !

نظرت إليه، وكان مطأطئاً، فرفع رأسه وقال: هذا الكلام صحيح لو بقي عاشقها يدافع عن حرمتها ويفتديها بروحه.

تركنا البيت وقررنا التوجه إلى رام الله.

سرنا في شوارع خالية إلا من الوهم والسراب؛ كانت المنطقة ككائن أصيب بجلطة قاتلة. في بيوتها يصلّي الرجال ويتمنون انقضاء الشقاء وتستمطر النساء الغيم والقدر؛ في الجو هدوء ساحر وفوقنا صارت الشمس عالية وعلى يمينها خيال للقمر .

"يا اخي معظم الناس تصرفوا كما توقع حكام اسرائيل منهم"، بادرني أبو شادي، وأضاف بمسحة من حزن "تمامًا كما أملت عليهم غرائزهم التي دُجّنت خلال عقود من القمع والقهر والحصار". لم أجبه، فالشرق خبير بتدجين نموره في اليوم السادس!

يرتفع على يميننا سور الفصل المستفزّ. كان باطونه يصرخ ، هكذا تخيّلنا ، ويردد كلام فيصل يوم كان يواجه الأمة العربية ويقول لحكامها "نحن هنا نكافح ونقاتل ونواجه. نستطيع ان نعد الأمة العربية والاسلامية بكفاح ونضال وصمود ، سواء دعمونا أم لم يدعمونا ، ولكن إن دعمونا فربما سنعدهم بنصر حقيقي".

كم كنا محظوظين أننا عملنا مع فيصل؛ ولكم شبعنا من عهركم أيها العرب. كم دشمنا من وعودكم ومن شعاراتكم الكاذبة، فتعالوا وانظروا كيف يسلبون من القدس، في يوم غفرانهم، سترها وكيف يعرّونها ليطأوا جدائلها ويدخلوا في عروقها.

وتعالي يا أمةً "ضحكت من جهلها الامم" وشاهدي كيف تُذبح باسم الرب حوريتكم في هياكل الاستغفار وتُهتك جميلة الشرق وتُباح حسناء القصائد وتُسبى سيدة المهور والبخور والدخان.

"لقد كان فيصل قائدًا جريئًا وانسانًا مميزًا ، تصرف دائمًا بصرامة وبحكمة، بعذوبة وبوضوح وبحنكة". فاجأني صديقي وأضاف: "لقد خشوه الصهاينة وعرفوا أنه صادق وشجاع ووفي". وافقته وكنا على مشارف حاجز قلنديا عندما استذكرنا معا ما قاله في لقاء عقده مع عشرات القياديين الصهاينة الذين جاؤوا ليسمعوه : "نحن نناضل من أجل تحرير شعبنا، وليس من أجل استعباد أي شعب آخر ، نحن نناضل من أجل اقامة دولتنا وليس من أجل تدمير دولة اخرى، نحن نكافح من أجل تأمين مستقبل آمن لأجيالنا القادمة وليس من أجل تهديد أمن أجيال أي شعب آخر". تذكرنا قائمة من غابوا بعده ومن صاروا "أسيادًا"، فشعرنا بغصة صعبة.

يوقفنا جندي على الحاجز ويحاول أن يظهر رقة مبتذلة، فينظر الينا ويحذّرنا، بصوت رشيق لا يشبه صوت الجنود، أننا سندخل إلى مناطق فلسطينية معادية، ولذلك سنتحمل، كمواطنين إسرائيليين، المسؤولية عن قرارنا.

فكرت لوهلة ان أسأله لماذا يفعل ذلك في هذا اليوم تحديدًا، أو أن أذكره بأهل القدس الذين تركناهم سجناء في بيوتهم، وبالمستوطنين المعربدين في ساحات البلدة القديمة وفي أزقتها، ولكني التزمت الصمت ولذت بعروة بسمة الفيصل.

دخلنا رام الله المحتلة ومن ورائنا كانت صرخات القدس تفضح عهر أرباب هذا العصر وثغاءات جواريهم اللواتي من زبد ...





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,559,528,555
- هل من بروكسيل سيأتي الخلاص؟
- حين كانت فلسطين محتلة!
- في فيينا او في كريات حاييم، الفاشية واحدة لا تلين
- من سيُسجن في سبيل العلَم؟
- البركة في مظاهرة تل أبيب
- إسرائيل والمسألة الدرزية
- قانون القومية اليهودية وصراعات القبائل العربية
- قانون القومية:-إسرائيل فوق الجميع-
- فلسطين دمعة التاريخ الحارة
- بين يسارهم ويسارنا
- فيليتسيا الفلسطينية
- القائمة المشتركة و- المثلية الجنسية- في الكنيست
- أسرى فلسطين الاداريون، إلى أين؟
- هل زهافا جلئون حليفة أم عدوة ؟
- قرار-عاجز-حكيم
- بين حيفا وغزة يمّ ومثقفون وحلم
- ماذا اذا كان قاضيك غريمك؟
- حيفا عيّافة الزبد وولّادة المنى
- ملاحظات أوّلية حول مسيرة عودة لم تبدأ
- مسيرة العودة، بين مد وهدّ


المزيد.....




- ألمانيا لن تستبعد هواوي الصينية من مشروع شبكة "5 جي&quo ...
- ألمانيا لن تستبعد هواوي الصينية من مشروع شبكة "5 جي&quo ...
- قائد -سوريا الديمقراطية-: جمّدنا عملياتنا ضد تنظيم الدولة
- أدين بالفساد.. شقيق الرئيس الإيراني يدخل السجن
- ترامب يهدد أردوغان بعقوبات مدمرة إذا فشل اجتماعه مع بنس
- اجتماع عاصف... ترامب ينفجر غضبا في وجه رئيسة النواب ويهينها ...
- ترامب لأردوغان: لا تكن متصلبا
- مصدر طبي بالحسكة: إصابات بذخائر -كيماوية- جراء القصف التركي ...
- إصابة عشرات الفلسطينيين برصاص وغاز الجيش الإسرائيلي شمال الض ...
- لحظة إنقاذ عامل في السعودية سقط في بئر ارتوازية بعمق 400 متر ...


المزيد.....

- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثامنة: القطاع ... / غازي الصوراني
- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جواد بولس - في -الغفران- تبكي القدس فيصلها