أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - سفيان الثوري- شخصية ومصير (2-3)















المزيد.....


سفيان الثوري- شخصية ومصير (2-3)


ميثم الجنابي
الحوار المتمدن-العدد: 5990 - 2018 / 9 / 10 - 20:22
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لقد توصلت في المقال السابق(الحلقة الاولى) الى أن سفيان الثوري قد حوّل الزهد العملي المرتبط بتقاليد الورع الإسلامي الأول إلى فكرة وأسلوب تتناغم فيهما وحدة المعرفة النظرية والعملية. إذ حدّه من حيث هو فكرة بما اسماه بزهد الفريضة والنوافل. وكلاهما بالنسبة له كلّ واحد. وذلك لأن حقيقة الزهد تبتدأ بالزهد بالنفس وتنتهي بتحقيقه في العلم والعمل. وليس تحقيقه سوى النتيجة المترتبة عليه بوصفه أسلوبا في إدراك حقيقة الأشياء كما هي، وكذلك بما اسماه أثره في إنبات الحكمة في القلب وطلاقة اللسان بالحق ورؤية اسباب العيوب والنواقص وكيفية علاجها. ذلك يعني، إن حقيقة الزهد هي علم وعمل بقدر واحد. من هنا أهمية ماهية المعرفة وحقيقتها في فكره مواقفه.
تحتل ماهية المعرفة وحقيقتها في شخصية سفيان الثوري وافكاره النظرية والعملية أهمية كبرى. ولا غرابة في الأمر، إذ أن المعرفة الحقيقة هي معرفة الحق، ومعرفة الحق هي الزام والتزام لا حدود لهما في الظاهر والباطن، والعقل والوجدان، والهواجس والحدس، باختصار في كل مسام الوجود والوجد والإدراك. وتتمظهر في سلوك الشخصية الفكرية الكبرى وسلوكها الفردي باشكال ومستويات مختلفة بالارتباط مع إدراكه للأولويات وأهميتها في تراتب المواقف والمعنى التاريخي.
وقد احتل الحديث (النبوي) المرتبة الأولى بالنسبة للمعنى (العلمي) والمواقف الشخصية. فقد كان الحديث الصيغة العملية للقرآن ونموذج العمل الحياتي للنبي محمد. وليس مصادفة أن يتحوّل في مجرى التطور الثقافي للخلافة إلى أحد المصادر الجوهرية لوعي الذات العلمي والعملي، وبالتالي إلى أحد أصول الإسلام، أي أحد أصول الأنا الثقافية ومرآتها العملية. والمقصود بذلك في آراء سفيان الثوري هو الحديث الصادق. من هنا تشديده على قيمة الاسناد وأهميته بالنسبة لتحديد الصادق من الكاذب لما له من أثر جوهري بالنسبة للموقف من القضايا التي يواجها، ومعالم روحه الباطن. وقال بهذا الصدد: "الإسناد سلاح المؤمن. فمن لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟!". وأن يقول بهذا الصدد أيضا: "تعلموا الآثار. فمن قال برأيه فقل رأي مثل رأيك" . ولم يقصد هو بذلك سوى إن المعرفة الحقة والصادقة تفترض استنادها إلى آثار من سبقنا. وهي الصيغة التي تستجيب لحقيقة المعرفة العلمية بوصفها تراكما لتجارب الأسلاف وتجديدا لها إستنادا إلى المعرفة الدقيقة والنقد الايجابي. من هنا تحديد قيمته العالية ومهمته الرفيعة بالنسبة للمعرفة والسلوك على السواء، أو قيمته كأسلوب ومنهج للمسلم. بحيث نراه يرفع مهمته إلى مستوى الصيغة الموازية لمهمة الملائكة في سماء العقيدة الدينية، كما في قوله: "الملائكة حرّاس السماء، وأصحاب الحديث حرّاس الأرض". بل نراه يتعدى هذه الرؤية إلى الحالة التي يتحوّل فيها الحديث إلى صوت الصدق الكامن فيه. من قوله: "لو همّ رجل أن يكذب في الحديث وهو في جوف بيته لأظهر الله عليه". وهذا بدوره ليس إلا الرؤية القائمة على أساس أن الحديث الصادق يكشف عن صدق المرء نفسه، وبالتالي فإن الكذب فيه هو فضيحة للمرء، انطلاقا من أن الصدق لا يقبل الكذب وكلاهما ينتميان إلى عوالم مختلفة تجعل كل ما في الإنسان مختلف على قدر ما في موقفه من صدق أو كذب. وهذا بدوره يرتبط بالقيمة الذاتية للحديث نفسه حالما يكون صادقا بذاته ولأجل قضية وحلول صادقة. من هنا قوله عن الحديث: "ما يَعْدِله شيء لمن أراد به الله". لهذا اجاب على سؤال:
- إلى متى تطلب الحديث؟!
- وأي خير أنا فيه خير من الحديث فأصير اليه؟ إن الحديث خير علوم الدنيا!
ولم يقل خير علوم الدين. بمعنى إن مهمته هي جزء من الخير، والخير جزء منه حالما يكون مرتبطا بالرؤية الصادقة والهادفة إلى ما يناسبها من مواقف حياتية عملية. من هنا قوله: "ما عملٌ أفضل من الحديث إذا صحَّت النية". لهذا طالب الآباء بأن يجبروا أولادهم على تعلم الحديث. وذلك لأنه "ليس شيء أنفع للناس من الحديث" كما يقول سفيان الثوري. ولهذا أيضا كان يختتم درسه لمن أراد معرفة الحديث بعبارة: "ذا خير لك من ولاية عسقلان وصور!" . لكنه وجد فيه في الوقت نفسه "قوة خطرة" يمكنها أن تحرق المرء أو تقيه منها. وضمن هذا السياق يمكن فهم العبارة التي قالها: "ما أخاف على شيء أن يدلني النار إلا الحديث". من هنا قوله الختم بهذا الصدد: "ركعتان اصليهما أرجى عندي من الحديث".
لم يكن مقصود سفيان الثوري عن تفضيل ركعتين من الصلاة على الحديث، سوى البحث عن اليقين. فالحديث وإشكالاته التاريخية والفكرية والسياسية والمذهبية جعلته كما يقال في مهب الريح العاتية للفرق وخلافاتها، والقوى المتصارعة وأهوائها ومصالحها. بينما مهمة الحديث الجوهرية تقوم في الحديث مع النفس، أي تربيتها بمعايير الحق. لهذا نسمعه يقول: "كان الرجل إذا أراد كتابة الحديث، تأدب وعبد قبل ذلك عشرين سنة" . فالحديث بالنسبة لسفيان الثوري علم. وللعلم، أيا كان، أصوله وقواعده وآدابه. وقد وضع سفيان الثوري هذه الأصول والقواعد والآداب في موقفه من العلم والمعرفة. وانطلق بذلك من فكرة عامة أقرب ما تكون إلى نصيحة منهجية وضعها بعبارة تقول: "زينوا العلم بأنفسكم لا تزينوا بالعلم" . بمعنى أولوية الأنا العالمة والعاملة بقواعد العلم وآدابه. وذلك لأن العلم، كما يقول سفيان الثوري، "إنما يطلب ليتقي الله به. فلولا ذلك لكان كسائر الأشياء" . وليس الله هنا سوى الحق. الأمر الذي يحدد الأبعاد الأصلية للعلم بوصفه أسلوب التربية العميقة لما اسماه الثوري بالخشية لله. ووضع ذلك في عبارة تقول: "ليس طلب العلم من فلان عن فلان، بل إنما طلب العلم الخشية لله" . وفيها نعثر على ما قاله ابو يزيد البسطامي عن طلب الحقيقة من "الحي الذي لا يموت" عندما كان يسأل: "من قال ذلك؟" فيقولون له "فلان" عن "فلان" عن "فلان" وما إلى ذلك. عندها قال كلمته الشهيرة: "انتم تأخذون علمكم من ميت عن ميت، بينما نحن نأخذ علمنا من الحي الذي لا يموت". وليس المقصود بذلك سوى جوهرية التجربة الفردية ومذاق معاناتها في البحث عن مصدر الحق والحقيقة. وقد سبق لسفيان الثوري وإن وضع هذ الفكرة ضمن سياق وتقاليد الفقه والحديث والعلوم الإسلامية الأخرى. فقد شدد على ما يمكن دعوته بالمعاناة الشخصية الحرة في البحث عن الحقيقة. اذ لا تعني الخشية هنا سوى القانون الأخلاقي الصارم للنفس أمام النفس، بوصفه منطقا باطنيا وحدسيا للحق والحقيقة، وللحق المطلق بوصفه فكرة ومبدأ ومنهجا للرؤية والعمل. لهذا أعتبر أنه "لا عمل أفضل بعد الفرائض من طلب العلم" . من هنا قوله "لا نزال نتعلم العلم ما وجد من يعلمنا" . وأن يطالب الآخرين بالتعلم والاستزادة الدائمة من العلم كما في قوله: "تعلموا هذا العلم، واكظموا، وافرغوا عليه ولا تخلطوه بضحك فتجمد القلوب" . وذلك لأن الغاية من طلب العلم تقوم في "حفظه والعمل به ونشره" . ووضع هذه النتيجة في بعض الثنائيات الحادة المتعلقة بقيمة وأهمية العلم والعلماء، كما في قوله "الأعمال السيئة داء، والعلماء دواء. فاذا فسد العلماء فمن يشفي الداء؟" . وأن يعتبر "العالم طبيب الدين، والدرهم داء الدين". واستقى هذه الأفكار أو توصل إليها بأثر تجربته الشخصية. فقد قال عن نفسه بأنه طلب العلم في بداية أمره، ولم تكن عنده آنذاك نية، ثم "رزقه الله النية" .
ووضع هذه التجربة المتعلقة بالموقف من العلم والمعرفة وطلبها ونشرها في عبارة مقتضبة تقول "ما أعلم شيئا أفضل من طلب العلم بنيّة". بمعنى أن يكون طلب العلم للعلم ذاته وعبره لنشر الحق والحقيقة والدفاع عنهما، أي تجرّده عن كل ما لا علاقة له بحقيقة العلم وماهية المعرفة وضرورتهما. الأمر الذي يجعل منهما مبردا يسّن به الروح والجسد. بمعنى إن العلم الصادق والعمل بموجبه عادة ما يجعل حياة المثقف الكبير ورجل العلم معاناة دائمة. من هنا قول سفيان الثوري: "من ازداد علما ازداد وجعا" . واستمد هذه الحقيقة من تجربته الشخصية التي وضعها في عبارة تقول: "لو لم أعلم لكان أقلّ لحزني" ، و"وددت أن انجو من هذا الأمر كفافا لا عليّ ولا لي" . ولم يعن ذلك سوى أن الإرادة العاقلة وإدراكها لمهمتها أمام الله، أي أمام مرآة العالم الباطني للنفس من أجل تأمل حقيقة ما في ملامحه من صدق وجمال أو كذب وقبح. اذ ليس للإنسان سرّ مع نفسه. من هنا جوهرية فكرة النيّة الصادقة في طلب العلم والعمل بما فيه وبما يؤدي إليه من قواعد وآداب. وقد أدى هذا به إلى بلورة الموقف الفكري والعملي العميق القائل: "إن العلم عندنا الرخص عن الثقة. فأما التشديد فكل إنسان يحسنه" .
ولا يعني "الرخص عن الثقة" في العلم سوى اختيار أفضل السبل وأكثرها واقعية وإنسانية للحلول، على عكس الأحكام الجازمة القطعية المباشرة. فالأولى نتاج التأمل العقلي والوجدان الصادق في معناة البحث عن حلول ترضي النفس والله، إي المجتمع والحق. أما الثاني فهو إما تحريم وإما تجريم متسرع أو قبول بما هو موجود دون تفحص ودراية لما في أعماقه من إمكانيات يصعب التكهن بها. من هنا فإن "الرخصة عن الثقة" هي نتاج الرؤية العلمية الدقيقة التي تأخذ بقدر واحد تجارب الأسلاف الذاتية والواقع والمستقبل. ولا يمكن بلوغ ذلك دون بلوغ حالة ومستوى الاجتهاد الحر.
تعادل حقيقة ومضمون "الاجتهاد الحر" فيما يخص سفيان الثوري معنى الاجتهاد العقلي، والوجدان الصادق، والضمير الاجتماعي. إذ نعثر في شخصيته وانتاجها العلمي على إحدى الصيغ الأولية الرفيعة لإرساء أسس مرجعية الاجتهاد الحر بوصفها مهمة شخصية وحقيقة فردية ومصيرا معرفيا. ففي مجرى تجربته الشخصية وانعكاسه في المواقف والأحكام نعثر على سبيل المثال، على الحكم القائل بأن الإنسان "إلى العلم أحوج منه إلى الخبز واللحم" . وهي العملية التي تؤدي بالمرء السائر في دروب العلم إلى إدراك الحقيقة القائلة، بأنه "ما بسطت الدنيا على أحد الا إغترارا، وما زويت عنه إلا اختبارا" . بمعنى إن السعة والراحة والدعة وما شابه ذلك من رفاهة العيش ليس الا غرورا سريع الزوال، وبالمقابل ليست متاعب الحياة ومشقتها وما يعاني المرء منه في دروب العلم (وأحيانا غيره أيضا) سوى اختبارا للإرادة والعقل والضمير. الأمر الذي يجعل رجل العلم أو المثقف الكبير في امتحان دائم للبرهنة أولا وقبل كل شيء أمام نفسه من أجل تثبيتها على أقدام اليقين أو ما أسماه أيضا بالرخصة في الثقة. من هنا قوله "رضى الناس غاية لا تدرك، وطلب الدنيا غاية لا تدرك" ، أي كل ما يترتب عليه بالضرورة من إدراك أولوية الأنا الباحثة عن الحق والحقيقة. من هنا قوله: "إذا عرفت نفسك فلا يضرك ما قيل فيك". فهي المهمة الأولية أو المقدمة الجوهرية للاجتهاد الحر. وقد عالجها سفيان الثوري بالشكل الذي وصفه في إحدى عباراته القائلة: "ما عالجت شيئا أشد عليّ من نفسي" . لهذا قيل عنه مرة : "كان من شدة تفكّره يبول الدم"(!). طبعا لا علاقة للتفكر الشديد بمظاهر الافرازات الجسدية، لكنها تحمل معنى التصوير المثير عما يمكن دعوته "بالعقاب" المناسب للتفكّر الشديد، أو أن للجهد والاجهاد المفرط أثره في الجسد. وهذه حقيقة. وأيا كانت مصداقية هذه الصورة، لكنها تبرع أساسا في تصوير المعاناة الباطنة لتفكيره في مرحلة انتقالية عاصفة لازمها تأزم وانفجار الطاقات الثقافية الكبرى لما أدعوه بصيرورة الإمبراطورية الثقافية(للخلافة).
لقد كان الاجتهاد الحر بالنسبة لسفيان الثوري يحتوي في ذاته على كل من الاجتهاد الشخصي وإخلاص الضمير. فعندما سأله مرة أحدهم:
- اصافح اليهود والنصارى؟
- برجلك نعم!
وعندما قال له أحدهم مرة:
- أي شيئا أقول إذا سمعت صوت الناقوس؟
- أي شيء تقول إذا ضرط الحمار؟
لقد رمى سفيان الثوري كل تفاهات اللاهوت الميت وحذلقة الفقهاء الغبية المتعلقة بسفاسف الأمور وتوافه الحياة في مزبلة السخرية التي لا تخلو من الاستهزاء المر. لقد استند الثوري إلى حقيقة الإخلاص للحق والحقيقة، التي وجدت الثقافة آنذاك وعائها في القلب. من هنا قوله: "ما استودعت قلبي شيئاً قط فخانني"، و"لو أن اليقين استقر في القلب كما ينبغي لطار فرحاً وحزناً وشوقاً إلى الجنة أو خوفاً من النار". واستكمل ذلك في موقف هو أقرب ما يكون إلى القاعدة الأخلاقية كما في قوله: "خذ من الدنيا لبدنك، ومن الآخرة لقلبك . مما حدد بدوره موقفه من مختلف مظاهر الوجود الفكرية والحياتية والأخلاقية وغيرها. ففي مجال المعرفة طالب بدفع الشك باليقين ، كما دعا المرء إلى أن يترك ما يريبه إلى ما لا يريبه . وفي مجال الأخلاق العملية طالب المرء بأن يخضع عند الطاعة ويستعص عند المعصية . أما موقفه هو من الآخرين فقد بناه على قاعدة "محبة الناس على قدر أعمالهم"، بوصفه المعيار السليم تجاه الأحياء والأموات على السواء. من هنا حكمه: "إذا ذكر الرجل الذي مات، فلا تنظر إلى قول العامة، ولكن انظر إلى قول أهل العلم والعقل" ، أي كل أولئك الذين تحتضنهم كلمة "الغريب". فالغريب والغرباء العاملون بمعايير الروح المعرفي والعقلي والأخلاقي بالنسبة لسفيان الثوري، هم حملة الحق والحقيقة. من هنا قوله: "استوصوا بأهل السّنة خيرا فإنهم غرباء". والمقصود بأهل السنّة أتباع الحق والحقيقة.
نعثر في الشخصية الروحية والعقلية لسفيان الثوري على ما يمكن دعوته بأجنة الفكرة الصوفية، بمعنى الارتقاء من الزهد والمواقف الأخلاقية والعقلية من الواقع إلى مستوى الذوق الصوفي العملي.
فقد ساهم سفيان الثوري في وضع الأسس الخفية لما ستطلق عليه تقاليد الصوفية لاحقا فكرة وحدة الشريعة والطريقة، والشريعة والحقيقة، ولكن بمعايير الزهد والورع الإسلامي وليس بمعايير الحقيقة الصوفية أو فكرة المتصوفة عن الحقيقة بوصفها نهاية الطريق، أو الذروة المترتبة على اعتصار الطريقة للشريعة بقواعد النقاء الحر ونفيها الدائم للأحوال في المقامات. لقد تراكمت ضمن سياق تجارب روحية وعقلية وعملية من طراز آخر، كان يجري إلى جانب النموذج الذي جسّده وحققه سفيان الثوري بذاته. بمعنى أنه حقق ذلك عبر تجربته الفقهية النظرية والعملية التي أدخل فيها أو توصل من خلالها إلى عدد من المواقف المنهجية التي أسس لها التصوف ورفعها إلى مصاف متسامية عبر انزالها إلى أعمق أعماق الغور الروحي للإنسان العارف. ونعثر على ذلك في بلورته لفكرة العلاقة بين السرّ والعلانية، وقضية البلاء الروحي والمعرفي، وفكرة الصبر، والمضمون المعرفي لعلاقة الحياة بالموت، وجوهرية "الله" في السلوك الظاهر والباطن بالنسبة للعارف الحق.
ففيما يخص علاقة السرّ والعلانية يقول، بأن "من كانت سريرته أفضل من علانيته فذك الأفضل. ومن كانت سريرته شر من علانيته فذلك الجور" . و"إذا عملت ذنبا في السرّ فتب إلى الله في السرّ. وإذا عملت ذنبا في العلانية فتب إلى الله في العلانية" . أما موقفه من النعمة والبلاء فقد بلوره في عبارة تقول: "ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة" . أما ما يخص المضمون المعرفي لإدراك طبيعة العلاقة بين الحياة والموت فقد وضعها في فكرة عميقة، تحولت إلى عنصر جوهري في الذوق الصوفي، والمقصود بذلك عبارته القائلة: "الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا". والشيء نفسه يمكن قوله عن موقع "الله" بالنسبة للعالم الروحي للإنسان ومواقفه العملية بشكل عام والإرادة بشكل خاص. فقد توصل بأثر تجربته بهذا الصدد للقول، بأنه "عرف الله بفسخ العزم ونقض الهمة"، بمعنى بلوغ معنى وحقيقة الحق من خلال الباطن بوصفها العملية التلقائية للمعرفة. ووجدت هذه الفكرة استكمالها في موقفه الذي خاطب به المرء قائلا: "لا تحب إلا في الله، ولا تبغض إلا في الله". ولا يعني الله هنا سوى فكرة المقياس أو المعيار الأعلى والأسمى للإخلاص المجرد من الأهواء والمصالح بما يخدم الانسان والحقيقة.
واستكمل ما اسميته ببلورة الأجنة الأولية للذوق الصوفي في صياغته الدقيقة على مستوى المواقف والفكر مفاهيم وقيم وقواعد الورع، والعزلة، وفكرة القلب الأخلاقي والمعرفي، ومن ثم ساهم، ضمن سياق وتقاليد الزهد الإسلامي الأول، في بلورة وتحديد الأفكار الأولية عن الحال بوصفه أدبا، ثم قاعدة، ثم مبدأ، ثم طريقة. كما انه أرسى، إلى جانب كل تقاليد الزهد الأول، فكرة وضع الحال في أساس المقام من الناحية التاريخية، والمقام في أساس الحال من الناحية النظرية.
لقد اعطى للقلب أهميته الجوهرية في الاختيار والاختبار والإرادة. من هنا قوله "ما استودعت قلبي شيئا قط فخانني" . بل ووضع الاحتكام إلى القلب تجاه كل دقائق ومظاهر الحياة والسلوك. من هنا قوله: "لا تجيبوا دعوة إلا دعوة من ترون قلوبكم تصح على طعامه" . وعندما سألوه مرة عن البناء الذي بنوه حول الكعبة، أجاب: "لا تنظروا إليه، فإنهم إنما بنوه لتنظروا إليه" . بعبارة أخرى، إنه أراد تفريغ القلب من كل ما لا علاقة له بتوحيد الأنا بمكونات الوحدة الفعلية، أي العمل بتلقائية الحال الصادق. ومن الصعب بلوغ هذا الحال دون الخلوة والعزلة، بوصفهما أدوات وأساليب تربية الإرادة وتنقيتها. ولا يمكن تحقيق ذلك دون ما أسماه سفيان الثوري بتصحيح النيّة، باعتبارها البداية الأولية، أو الأساس الضروري لتربية الإرادة. من هنا قوله عن نفسه: "احب أن أكون في موضع لا أُعرَف ولا استذل"، و"وددت إنني اتخذت نعلي هذه ثم جلست حيث شئت لا يعرفني أحد" ، و"إني لأفرح إذا جاء الليل ليس إلا لأستريح من رؤية الناس" ، وإن "كثرة الإخوان من سخافة الدين"، و"السلامة في أن لا تحبَّ أن تُعرف". بل وأوصلته هذه المواقف والتجارب الحياتية في إحدى الحالات الحرجة فيما يبدو إلى القول: "ما رأيتُ للإنسان خيراً من أن يدخل جُحْراً"! أما الخروج منه فقد وجده بين الغرباء كما في عبارته التالية: "وجدتُ قلبي يصلح بين مكة والمدينة مع قوم غرباء أصحاب صوفٍ وعباءة".
استمد هذا الاقتراب من عالم "الروح الصوفي" مقوماته الأساسية من تجربته الفكرية والأخلاقية التي أوصلته آنذاك إلى أولوية العلم والعمل ووحدتهما المتلازمة في الروح والجسد والمواقف. ففي هذه الثنائية الجوهرية المميزة للفكرة الصوفية وجد سفيان الثوري معيار الفقه وحقيقة الرؤية والمواقف، أي معيار كل شيء. وهنا تكمن القيمة العميقة والتاريخية لسفيان الثوري في المساهمة النظرية والعملية لما يمكن دعوته بلبنات أو عناصر الفكرة التأسيسية في الثقافة الإسلامية. وهي فكرة لها أصولها وجذورها وتاريخها الخاص. لكن خصوصية إبداعه بهذا الصدد تقوم في كونه إحدى الشخصيات الكبرى التي أرست أسس مرجعية الفقه الحر، ومرجعية الاجتهاد الحر، ومرجعية الالتزام بالتفكر ونتائجه. وهذه بدورها كان لابد لها من أن توسع وتعمّق تقاليد الفكرة التأسيسية. فالثقافة التأسيسية، سواء بمعايير الفكرة التاريخية أو التجربة الشخصية، (وكلاهما متوحدان بالضرورة من حيث تطابقهما المنطقي)، هي علمية - عملية، أي قول وعمل، أو فكرة وتحقيقها العملي.
واتخذت وحدة العلم العمل عند سفيان الثوري صيغ ومستويات متنوعة وتحقيق لها في مختلف المجالات والمواقف، لكنها موحدة بما يمكن دعوته بهاجس الحرية ومبدأ الاستقلال الفردي. فقد وصف الكثير من أولئك الذين قيموا شخصية الثوري بهذا الصدد، على إن أحدهم لم ير "عالما يعمل بعلمه إلا سفيان" . فقد توصل سفيان الثوري في مجرى تجاربه الشخصية العلمية والعملية إلى أن العلم إنما يراد للعمل. من مطالبته المرء بعبارة: "لا تدع طلب العلم للعمل، ولا تدع العمل بطلب العلم" . كما اوصلته تجربته الفردية بهذا الصدد لأن يؤسس لسلسلة العلم والعمل بالشكل التالي: "لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنّة" . إننا نعثر في هذه الفكرة على جعل العمل مرجعية جوهرية بالنسبة للعلم، لكنه ربطها في الوقت نفسه بالنيّة والسنّة. بعبارة أخرى، إننا نعثر في هذه الفكرة على نفي تأسيسي لحقيقة العلم والعمل بوصفها حلقات مترابطة بالنيّة ومرجعيات الثقافة، التي كانت "السنّة" (النبوية) أحد مصادرها الأساسية. من هنا اهتمامه الكبير بشخصية العالم وأثره بالنسبة لماهية وحقيقة العلم ووظيفة المعرفة. فقد كان من المعروف عنه كونه إذا التقى شيخا سأله: "هل سمعت من العلم شيئا؟" (فإن أجاب لا) عندها كان يقول: "لا جزاك الله عن الإسلام خيرا". بمعنى إن الإسلام بالنسبة له علم ومعرفة على الأقل بما فيه. وعندما سألوه مرة: "اي شيء شر؟"، أجاب: "العلماء إذا فسدوا" . بل وكان يتعوّذ بعبارة: "نعوذ بالله من فتنة العابد الجاهل والعالم الفاجر". من هنا قوله عن أن "العالم مثل الطبيب لا يضع الدواء إلا على موقع الداء" . ومن هنا أيضا ابتعاده عن الجهلة و"سفل الناس" بحيث كان لا يحدّث النبط وسفل الناس. وعندما قيل له بذلك، قال "العلم إنما أخذ عن العرب، فاذا صار إلى النبط وسفل الناس قلبوا العلم" . ويقصد بذلك النوع الجاهل من البشر وأهل البلادة من العوام. كما أنه موقف يدخل ضمن الرؤية القائلة، بأنه ليس من مهمة رجل العلم أو المثقف الكبير مجادلة وتصحيح "رؤية" الحمّال والاسكافي والحوذي في قضايا العلم والمعرفة.(يتبع.....).
***





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,919,931,555
- سفيان الثوري – شخصية ومصير (1-3)
- الحركة الصدرية والمستقبل: من الطائفة إلى الأمة، ومن المدينة ...
- أيديولوجيا الحركة الصدرية – اللاهوت الشيعي والناسوت العراقي
- الحركة الصدرية - الأنا والتاريخ أو اليوطوبيا والمستقبل
- الحركة الصدرية – تيار الداخل وصعود الباطن العراقي
- مقدمات المعترك السياسي والأيديولوجي للحركة الصدرية
- الحركة الصدرية- غنيمة الزمن العابر وتضحية الانتقام التاريخي
- مقتدى الصدر: ميتافيزيقيا -الثورة- الصدرية
- تقييم تجربة بناء الدولة العراقية (2003-2018)
- غاندي وعقدة -القادة العرب-
- إبراهيم بن ادهم - شخصية ومصير
- آفاق الصراع الديني في المشرق العربي المعاصر
- تصوف ومتصوفة
- إيران وسوريا في ميدان الصراع الروسي - الأمريكي (2-2)
- إيران وسوريا في ميدان الصراع الروسي - الأمريكي(2-1)
- الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي(3-3)
- الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي (2)
- الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي(1-3)
- فلسفة البديل العقلاني العراقي
- الطريق المسدود للطائفية السياسية


المزيد.....




- سكاي نيوز: بريطانيا تعتزم زيادة قدراتها على شن حروب إلكتروني ...
- الإعلام في ليبيا.. لماذا تدق أجراس الإنذار؟
- النقاط العشر للاتفاق التركي-الروسي حول إدلب... هل هي قابلة ل ...
- الطائرة الماليزية المفقودة موجودة في كمبوديا ؟
- إيران تجري مناورات قرب مضيق هرمز
- مدير -أف بي آي-: ندعم الجيش اللبناني
- حملة لمقاطعة أغاني سعد لمجرد في المغرب و حكاية -المنقبة التي ...
- اتحاد الشغل في تونس.. قوة نقابية بتأثير سياسي
- النقاط العشر للاتفاق التركي-الروسي حول إدلب... هل هي قابلة ل ...
- الطائرة الماليزية المفقودة موجودة في كمبوديا ؟


المزيد.....

- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي
- تأملات فى أسئلة لفهم الإنسان والحياة والوجود / سامى لبيب
- جاليليو جاليلي – موسوعة ستانفورد للفلسفة / محمد صديق أمون
- نفهم الحياة من ذكرياتنا وإنطباعاتنا البدئية العفوية / سامى لبيب
- أوهامنا البشرية - وهم الوعى وإشكالياته / سامى لبيب
- أساطير أفلاطون – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ناصر الحلواني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - سفيان الثوري- شخصية ومصير (2-3)