أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وديع العبيدي - كاموك- رواية- (36- 42)















المزيد.....



كاموك- رواية- (36- 42)


وديع العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 5985 - 2018 / 9 / 5 - 12:41
المحور: الادب والفن
    


وديع العبيدي
كاموك
(رواية)

الى: ايغور كركجورديان كاموك،
المناضل والانسان والشاعر..!


(36)
في سكون الليالي الموحشة تصدر أصوات متقطعة من نقاط متحركة في الحجرة.. روح تجوس خلال المكان.. شيء يتناغم مع وجودي الداخلي.. صوت يتفاعل مع أصوات في داخلي.. أصحو في منتصفات الليالي وأراقبه.. أشعر به في مكان ما من الحجرة..
وجوده لا يرتبط بوجودي.. كلامه لا صلة له بكلامي.. أتكلم فلا يجيب.. أحادثه فلا يستمع لي.. هو هنا من أجلي.. ولكنه ليس مرتبطا بي.. أجلس في وسط الفراش.. أراقب ضوءه المتحرك هنا وهناك.. نيزك صغير يضيء وينطفئ مثل طائرة حربية في ليل.. نحن في ليل..
أتحرك.. يرفع ذراعه باستقامة نحوي قائلا دون أن ينطق: لا.. ابقَ مكانك!.. أنا أقوم بعملي فقط.. أنظر إلى شاشة الساعة التي تضيء وتنطفي.. وأستعجل طلوع النهار.. سكون الليل يخترقني مثل سكين.. تقطعه أصوات زجاج يتكسر.. أقداح تتفطر في المطبخ.. ليس في المطبخ.. في مكان ما في داخلي..
مهما يكن.. عليك أن تطمئن!..
يردّد عليّ جملته القديمة..
ولكن!..
(يختفي)..
أنظر ولا أرى..
أرى ولا أنظر..
هو هنا قبلي.. يرى كلّ شيء.. يعرف كلّ شيء دون أن أقول له..
كلّ ما كان يكون.. كلّ ما كان هو كائن قبل أن أوجد.. ولا شيء جديد غير دهشة الاكتشاف.. اكتشاف جهلي بالأشياء.. الأشياء الموجودة قبل أن أوجد.. اكتشاف وعيي الكائن قبل أن أعي.. وعيي الكائن من دوني.. أنا أولد داخل وعيي..
أبي وحده يعرف وعيي لأنه قبلي.. وهو يبقى من بعدي.. وأنا مجرد نسمة في أفقه.. مجرد فكرة في خاطره.. فكرة لم تستقر ولم تتحول إلى مشروع أب.. فكرة لم تتكيّف في المكان.. ولم تنسجم مع الآخرين.. لم تتفاعل مع فكرة أخرى لتنتج اطفالا..
هل الفكرة عاقلة.. هل الفكرة والعقل واحد.. أم العقل خارج الفكرة..
لماذا الفكرة تسيطر عليّ.. ولا أسيطر عليها؟..
عندما يطلع النهار تختفي الأصوات.. تختفي النيازك.. يكفّ خشب الأرضية عن الطقطقة.. وتطغى جلبة الخارج على الداخل.. أدفن وجهي في الوسادة.. يصطدم أنفي بخيط شعر لامرأة عبرت مصادفة.. تاركة غابة شعر تظلل وجهي.. وأغفو..
عندما لم أجده في الحجرة.. وقفت.. أجلت ناظري على السطح.. اكتشفت وجها جديدا للمدينة.. وجها مختلفا.. باب حجرة أبي الخشبي مربوط بقفل أصفر صغير.. باب حجرة رفيقه الموارب بلا قفل.. يمكن النظر خلال الفراغ في عتمة الداخل.. ثمة حضارة قابعة هنا.. لن أفكك أسرارها.. وسوف أمضي وتبقى هي.. ولن يفكك لغزها من يأتي بعدي.. سوف تبقى تلك الحجرة.. ذلك النزل المهترئ.. رغم كلّ ضجيج الطائرات الحربية التي ما زالت تخترق سماء بغداد منذ ثلاثين عاما.. وسوف يبقى دكان العجوز في أول الزقاق.. شاهدا على ذاكرة المكان.. ويبقى العجوز يبتسم حين يراني، ويخبرني بعفوية آخر أخبار والدي..
بجوار باب حجرته المجاور بضعة أطباق طعام وقدر ومقلاة مغسولة بعناية.. وإلى جانبها بضعة أخشاب مركونة منذ زمن.. صامدة أمام الريح والمطر وحرارة الهجير.. غبت عن نفسي لحظة.. تعلقت نظراتي في مكان ما واقتربت خطواتي بتؤدة..
هذا هو!..
هو نفسه!..
ببنطاله القصير وجوربه الطويل ووقفته العسكرية..
أمعنت النظر في الصورة.. كأني أحاول استنطاقها.. أو الدخول في عالمها.. لماذا لا تنطق الصورة.. أليست كائنا حيا.. كيف تمنحنا هذا الشعور والعاطفة ولا تكون حيّة.. ما هي الحياة..
شارك والدي في حركة رشيد عالي(*) في أول شبابه وعمل في قسم المخابرة.. وفيها تعرف على عبد السلام(*) وبعض الوجوه التي سيحدّثني عنها من وقت لآخر..
عندما صفيت الحركة نقل والدي إلى وظيفة مدنية.. وبقي في سلك البريد والاتصالات حتى سن التقاعد.. وفي حجرته الخشبية الرثة تلك في منطقة الفضل.. يجلس على السطح وهو يدخن.. يرقب برج اتصالات السنك الذي ضربته الطائرات الغربية أكثر من مرّة، وأعيد تصليحه في كلّ مرّة.
هناك عمل والدي في نهاية خدمته.. وبعد تقاعده لم ينقطع عن زيارة البرج.. ولم ينقطع عنه زملاء العمل في مقهى الكندي.. عندما لا يخرج للمقهى.. يجلس والدي على سطح النزل.. يدخن وينظر نحو بغداد من فوق.. عندما تشتدّ حرارة الظهيرة يجلس داخل حجرته ويترك الباب مفتوحا.. هكذا تقع عيني عليه مع درجة السلم الأخيرة.
يستقبلني ببرود.. لا ينشّ ولا يبشّ.. ولكن بعد تبادل الحديث.. تروق تغضنات وجهه وتفوح حرارة كلماته ومشاعره..
نظراته الصامتة تقول: لقد تأخرت!..
أعرف أني تأخرت.. وأعرف أني لن أستطيع اللحاق بالوقت مهما أسرعت.. ولن أستطيع أن أكون كما تريدني مهما اجتهدت.. أعرف هذا وأعرف أن زيارتي هاته.. جلساتنا الصوفية هذه لن تقدّم أو تؤخّر..
لن يتغيّر شيء من مجرى حياتنا ولا حركة التاريخ المعاكسة لنا.. بعد حرب الواحد وتسعين(*) كنا أشدّ قربا من بعضنا.. من أي وقت آخر.. رغم أننا بالكاد كنا نقول شيئا.. أو حتى ننظر نحو بعضنا مباشرة..
بعد وصولي يقوم بعمل الشاي.. جزء من البروتوكول.. أحيانا يدعوني لتناول طعام أو تناول فطور مع الشاي.. ولا يأبه لي عندما أشكره أو أرفض تناول الطعام.. لطعام والدي نكهة خاصة.. تختلف عن غيره.. رغم أن ذلك حدث مرات قليلة.. وفي الغالب كان شيئا بسيطا.. حتى البيض المقلي طعمه مختلف.. أشعر أنني تناولته عنده كلّ عمري!..
كان يشعر بسعادة وهو يقدّم لي شيئا.. يحضر البيض بزيت الزيتون بأبهة.. مع رغيف خبز يحرص على تسخينه.. ولا يشاركني الطعام.. وعندما يراني أستعدّ للمغادرة.. يقول كلمته الروتينية.. ها تروح!.. كأنه لا يريدني أفارقه.. وليته ما كان..
في حرجه وهو يستقبلني شعور.. أنه يتمنى أن يقدم لي أهم شيء عنده.. لا يتورع عن تقديم حياته لو كانت بيده.. من أجل سعادتي أو تسديد حاجتي.. لكنه قصير اليد.. يشعر بالعجز ويحبطه الواقع عن اسعاد ابنه.. يدرك وضعي وظروفي.. ويدرك أن المشكلة أكبر منه ومني.. يصمت..
الوضع الجديد بعد الحرب جعل الناس يبدون أصغر من حجمهم الطبيعي.. كانت المشكلة محلية والظروف محلية.. الآن صار المشكلة المحلية قضية دولية.. رغيف الخبز تحتاج إلى قرار دولي.. كل شخص معلق بخيط من ياقته.. مصيره مرتبط بفيتو مجلس الأمن..
والدي الذي تعودت منه الصمت.. بقي صامتا.. بقيت هواجسه وأفكاره في داخله.. لا أدري كيف سألته في الأيام الأخيرة عن الأشياء التي كان يحبها في حياته.. أحلام والدي كانت بسيطة وجميلة.. ولكنها بقيت أحلام.. وبقيت حياته مشروع انتظار.. لكنني أيضا قصرت في حقه.. لقد كنت سلبيا أكثر من اللزوم.. ربما كان علي التفكير بعمل مشروع أو الذهاب إلى مدينة أخرى.. نجتمع فيها ونتعاون على دفع فواتير الحياة.. بدل أن يعاني كل لوحده.. وينتهي لوحده..
المرة الوحيدة التي أحسست بفرحه.. عندما عرف أنني سأهاجر.. كلهم يعتقدون أن الهجرة باب فردوس.. عندما يكون الواقع عقيما.. ينسى الانسان صعوبات المجهول.. يصبح المجهول خلاصا..
أن ما يخطر لي الان.. يعذبني أكثر.. لقد أخطأت في حقك يا أبي.. وأخطأت في حقّ نفسي.. فسامحني.. ليت الزمن يعود فنعيد تشكيله.. أحيانا يكون أكثر ودّية فيقول: وين رايح؟.. بعد وكت!.. ابق بعد شوية!..
لم أقدّر يومها حاجاته النفسية والعاطفية.. لم اعتبر وحدته وخسارته العائلية التي كنت قادرا على تعويضها.. بل ترميمها أيضا يومذاك.. أنا أيضا كنت بليدا في تلك الأيام.. لا أرى غير نفسي.. ولا أتبع غير نقطة كائنة في نهاية دماغي.. عندما أشعر بحاجتي الانسانية والأبوية.. أستذكر تقصيري وبلادتي مع والدي الذي أحبني وأحببته فعلا.. ولكن بصمت!..
أستمرّ في البقاء، لكنه لا يقول شيئا.. وأنا لا أقول شيئا.. وعندما أقوم مرة ثانية وأتركه.. أجدني مرغما على تركه.. رغم أن المكان الذي أذهب إليه هشّ ومهزوز.. أبدو مثل دخيل أو مستأجر بين أخوتي.. وعندما أصل البيت أجد الفراغ يفغر فاه في وجهي..
أجدني بين فراغين.. ورائي وأمامي.. أتمنى العودة فلا أستطيع.. وأدخل الفراغ لأضيع فيه.. لتكتمل دوامة الحياة .. أشعر أنني أترك شيئا مني ورائي.. أتمنى أن يعود الزمن وأكون ذلك الطفل الذي يتعلق بأصبع أبيه الصغير وهو يسحبني خلفه..
ذات مرة.. عندما كانت السيارة تنزل من الطريق السريع عند مفرق ام الطبول.. نظرت الى والدي الجالس بقربي وسألته: ما هي السيارة التي كنت تحبّ امتلاكها؟..
كان الشارع يعج بسيارات كثيرة مختلفة الماركات، عندما أشار بيده لسيارة صغيرة تمرق فجأة بالقرب منا، نظرت اليها، وقلت: (فولكس واكن)!.. فقال: أحسن سيارة!..
واستغرقت على اثرها داخل افكاري وميول والدي الوطنية القديمة من أيام رشيد عالي..
أشعر بالهزيمة لأني لم أفكر أن أعمل شيئا في تلك الأيام.. لم يخطر لي أن أغير من صورة العائلة.. والمساعدة لنعيش حياة شبه عاديّة.. كان هو مشرّدا في حجرته تلك.. وانا خارجا من الحرب من غير مستقبل.. لا بيت ولا وظيفة.. جميعنا كنا معلقين في بلد بلا مصير..
كان هو قد تعوّد حياته تلك.. أما انا فلم أستطع تعوّد شيء بعد عشر سنوات الحرب.. ولم أجد أمامي شيئا عاديا..
ـــــــــــــــــــــــــــــ
• تعود جذور حركة رشيد عالي الكيلاني إلى ظروف الاحتلال الانجليزي للعراق وملابساته السياسية المهينة للبلاد. ففي ظرف غامض جرى اغتيال الملك غازي [1912/ 1933- 1939م] الشخصية العراقية الوطنية والمناوئة للانجليز، ونصب بعده ابنه فيصل الثاني وهو في الرابعة من عمره، تحت وصاية امه وخاله عبد الاله بن علي [1913- 1958م] الذي يصبح وصيا على العرش [ابريل 1939- مايو 1953م] وفي ظل تحالف وثيق مع نوري السعيد [1888- 1958م]. وعندما دخلت انجلتره الحرب ضد ألمانيا في (3 سبتمبر 1939م) طلبت من العراق تأييده وقطع علاقاته مع المانيا. وفي (5 سبتمبر 1939م) قطعت حكومة نوري السعيد والوضي عبد الاله علاقات العراق مع المانيا، ووضع البلاد في حالة نفير عام، متعهدا بالدعم الكامل لحكومة لندن، في وقت لم تتعد العمليات الالمانية حدود بولنده. ومن اجراءات الوصي والسعيد تلك: فرض حظر التجوال، قانون الحصة التموينية، فرض الرقابة على الصحف ووسائل الاعلام، مصادرة ممتلكات عائدة لدول المحور وأتباعها. وقد استغل ثنائي الوصي والسعيد اجراءات الاحكام العرفية بذريعة طلب انجلتره للحد من تطور نشاطات المعارضة والانتفاضة الشعبية لكشف اسرار اغتيال غازي والمسؤولين عنه، وكانت اصابع الكثيرين تشير لمسؤولية الثنائي عبد الاله/ نوري عن الاغتيال، وتوجيه الاوضاع لخدمة أطماعهما الشخصية. ورغم الملابسات والمعارضات الضارية للساحة السياسية المطالبة بالاستقلال والتحرر، وعدم تجديد معاهدات (1930م، 1936م) أو تجديدهما، فقد اعاد الثنائي العراق الى ظروف معاهدة (1930م). على الطرف المقابل الرافض لاجراءات الحكومة، كان رئيس الاركان العامة الفريق حسين فوزي، ورئيس الديوان الملكي رشيد عالي على رأس حركة معارضة عسكرية وحزبية وشعبية، رأت في قرارات الحكومة خطرا على استقلال العراق وابقائه في فلك التبعية الأجنبية. وكان من اثر الصراع الداخلي استقالة حكومة نوري السعيد، وتشكيل رشيد عالي حكومة جديدة، لتستمر طاحونة الصراع الداخلي ونوري سعيد خارج السلطة، مما دفع انجلتره لاستغلال نفوذها والتدخل لصالح أعوانها، سيما بعد هرب الوصي والسعيد خارج بغداد. وفي نفس الوقت، استغلت انجلتره تلك الظروف لاعادة احتلال العراق عسكريا تحت غطاء الحرب الأوربية، في تكرار تاريخي لما حصل في عام 1914م.
• رشيد عالي الكيلاني [1892- 1965م] محامي وسياسي عراقي، من الرموز السياسية للعهد الملكي، من مواليد بعقوبا/ العراق. كان مقربا من البيت الهاشمي ومن الشيخ عبد الرحمن النقيب [1841- 1927م] رئيس أول حكومة عراقية عقب ثورة العشرين/(1920- 1922م).
• عبد السلام عارف [1921/ 1963- 1966م] من مواليد بغداد، تعود أصوله العائلية الى مدينة الفلوجة، شارك في حركة رشيد عالي الوطنية التحررية من اجل الاستقلال، وكان له دور ريادي في حركة الضباط الأحرار واعلان الجمهورية الاولى في العراق/(يوليو 1958م)، وقيادة حركة التصحيح في الجمهورية الثانية/(فبراير 1963م).
• حرب (1991م): بدأت في منتصف ليلة 17 يناير 1991م بهجوم جوي أميركي استهدف المراكز الحيوية والستراتيجية ومفاصل الاتصالات والمواصلات في بغداد وعموم العراق، واستمرت الطلعات والهجمات الجوية المكثفة طيلة اربعة اسابيع، اعقبها ما يوصف بالهجوم البري المحدود والملتبسة تفاصيله ووقائعه حتى اليوم. كانت بغداد تتعرض يوميا لطلعات جوية أميركية واطلاق صواريخ (جو- أرض) على مواقع التاجي شمالي بغداد ومؤسسة الاتصالات الهاتفية وشبكة الجسور على نهر دجلة، فضلا عن شبكات الكهرباء والاسالة التي تم تعطيلها من بداية المعركة. علما ان الدولة أغلقت كل مؤسساتها منذ الايام الأولى للحرب، وانسحبت الكوادر الحكومية من العمل، ومنهم المؤسسات الأمنية والحزبية التابعة للبعث. وعاشت بغداد حالة من الفراغ السياسي والامني والعسكري، مع مفارقة ان وحدات من الانضباط العسكري استمرت في مراكزها، ومنها مراكز طوارئ في مناطق الكراجات والاسواق، معظم كوادرها من محافظات شمالية وجنوبية، يقومون باعتقال الجنود وتجميعهم في باصات كبيرة لنقلهم الى (حفر الباطن) أو معتقلات عسكرية، دون متابعة او اجراءات رسمية. هذا الفراغ الحكومي والامني المخطط هو مقدمة ما دعي لاحقا بانتفاضة شعبية، وبحسب رأي الكاتب، كان الأمر كله ضمن صفقة شاملة بين الطرفين، وعلى العموم كان الاداء العراقي العسكري والامني ضد العدوان شبه غائب أو رمزيا بتعبير أدق، وذلك بالمقارنة مع ضراوة الموقف العراقي في مواجهة ايران أو الكويت قبل تدخل الأميركان. المفارقة الوحيدة خلال ذلك هو جدية الكادر الهندسي العراقي في اصلاح برج الاتصالات خلال زمن قياسي وإعادته للعمل المحلي. وهناك تفاصيل وملفات مطوية لليوم في هذا المجال.

(37)
بتردد ومحاولة للسيطرة على قلقه، خطواته تتقدم نحو النزل، تتناوشه مشاعر متناقضة، بل أنّ أدنى شعور مفاجئ يمكن أن يعكس اتجاه خطواته إلى وراء تماما. ألقى تحية عابرة على البورتر الجالس وراء زجاج مغلق، عيناه الصفراوان تركتا شاشة التلفاز المعلقة أمامه لتفحصه.
وهو يرتقي السلّم الملتوي ذي المائة وثمانية وخمسين درجة حتى الطابق الثاني. سأل نفسه على حين بغتة: هل من مفاجأة اليوم؟.. لكنه تدارك نفسه وحاول التخلص من شعوره متقدما نحو الكليدور حيث باب الحجرة.
قبل أن يدفع باب الكليدور أرسل نظره عبر زجاجة الباب الوسطية متوقعا أن يجد الباب مفتوحا أو أي أثر لحركة غير عادية هناك.. كانت الساعة قد تعدت الثانية والعشرين ليلاً.. وضع المفتاح وأداره فانفتحت الباب بهدوء على حجرة غارقة في الضوء.. وقف مكانه ليتأكد مما يراه..
وجد الأرضية كأنها تم تنظيفها للتوّ.. رائحة النفتالين النفاثة تفح من كلّ شيء.. السرير تمّ توظيبه جيداً.. كأنه يستقبل زائراً جديداً.. بنفس الطريقة المعهودة في الفنادق والمستشفيات.. اختفت الوسادتان اللتان كانتا هنا.. وحلّت محلّها وسادة واحدة منتفخة.
مكان الرأس انتقل من قرب الباب إلى الجهة المقابلة.. البراد تحرك من مكانه تماماً والتصق بجنب الكرسي الوحيد الموضوع الى الجدار قرب الطاولة.. آثار تنظيف الأرضية واضحة في كلّ مكان، تنظيف بالآلة الكهربائية تماما..
نعلاي ارتفعا قليلاً وجلسا في حضن الكرسي.. كما لو أنها طريقة جديدة للعرض بدون فاترينة.. الصور والخطوط التي كانت معلّقة حوالي المرآة فوق المغسلة.. تم انتزاعها من مكانها وجمعت مع صندوق الأدوية على سطح البراد..
المنشفة التي كانت تغطي الوسادة تم طيّها ووضعت مع الصور والأدوية.. بحثت جيداً، لأجد ورقة صغيرة عليها بضعة كلمات.. (غادر رجاء).. (أترك المكان فورا).. (انتهت الزيارة) (أنت غير مرغوب بك هنا).. سؤال مثل (ماذا تنتظر؟..) (هل لديك احساس؟..).. (سنقلعك من هنا.. سنقلعك!)..
تفقدت حاجاتي التي كانت في النافذة.. ها هي على البراد.. الحجرة نظيفة ولا يشوّشها غير وجودي .. وقفت أراقب مكونات الحجرة الصغيرة التي لا تزيد مساحتها عن مترين ونصف في الكثير، بضمنها مساحة السرير الحديدي المفرد، والطاولة الخشبية المربعة والكرسي الحديدي، والبراد المستهلك والمغسلة ورفوف المكتبة المعلقة بجانب المغسلة..
هذه هي الحجرة رقم 207 في لانكسترغيت التي تستخدمها الويست ايند منستر لايواء المشرّدين في إطار اجراء روتين أداري.. قبل تخصيص سكن مستقل مؤقت للشخص.. وذلك بعد سلسلة معاملات إدارية ملتوية للتخلص من الزبون.. رفضان وفي الثالثة قبول.. هذه هي نصيحة المحامي التي استنتجها من عمله المستمرّ مع البلدية طيلة سنوات..
أمضيت أربعة أشهر في تلك الحجرة قبل استلام الرفض الأول.. كانت الموظفة قد أخبرتني بالرفض منذ أول شهر في مراجعة خاصة.. وعندما اتصلت بالمحامي قال أنه لم يصدر قرار حتى الآن.. وأنهم طلبوا تأخير القرار حتى موعد معين..
تأخر القرار شهرا آخر بعد الموعد المعين من قبلهم.. ووصل أخيرا في الثاني من نوفمبر كما هو.. رفض بحسب الأصول.. سلّمني البورتر ورقة نوت لمغادرة الفندق (يسمونه هوستل وهي حاصل جمع كلمتين –househotel= hostel-) يوم الثالث من نوفمبر، تعلن أن الساعة الحادية عشر من يوم السادس عشر موعد لتنظيف الحجرة من أثر الأسير الأخير.
في وقت لاحق وصلتني رسالة من المحامي بتمديد الإقامة لمدة أسبوع لغرض اكمال الأوراق بموافقة البلدية على التمديد.
ما رأيته أمس هو ثالث مرة أرصد دخولهم الحجرة وتلاعبهم بحاجاتي، في المرة الثانية قاموا بتنظيف البراد نهائيا وفتحوا النافذة على آخرها للتهوية.. وعلى الفور اشتكيتهم وأنكروا في البدء، ثم قالوا أنهم سيخبرون الادارة ولن يدخلوا الحجرة بدون ورقة نوت، ولكن الاستفزازات استمرت وبشكل متعمد ومن غير إذن أو ورقة نوت.. وبشكل أكثر تجاوزا وعدوانا..
ورقة النوت تخبر أن موعد تنظيف الحجرة هو الساعة كذا من تاريخ كذا، ولكنهم قبل أن يحين التاريخ فعلوا ذلك كذا مرة وبشكل يتجاوز على الخصوصية الفردية وتدمير الحاجيات الخاصة.. مستغلين سلطاتهم تجاه شخص مهاجر.. لا يستطيع مواجهة سلطات الحكومة واستحصال حقه حسب القانون..


(38)
قطيع من أغنام تسرح في المنزل.. أطفال ينتظرون العلف.. تحت النافذة اثنان يتحادثان بجدية.. أحدهما يضحك بغرور. المرأة ذهبت إلى السوق في ساعة متأخرة من المساء..
لا أريد أن أبقى في البيت.. روحي ستنفجر!
يطلعلك!
أنت أبوهم.. ساعدني.. كل الحمل علي..
المرأة تخرج.. الظلام شديد.. أضوية مهلهلة.. الباب تصطفق.
الجميع يدورون حول البيت في ما يشبه هرولة خفيفة.. الرجل يقول: طالع للك..
والأطفال يجيبون: يا عدوي طالع! العتمة شديدة والنور خفيف..
أنا أفكر في أشياء كثيرة، وتفكيري يأخذ صورة جدية.. تفكير ملتزم، كما لو كانت لي أهمية ومسؤولية في أشياء العالم وحدوثها.. رغم أنني في واقع الأمر شخص هامشي، ليست لي أية أهمية أو تأثير في أدنى حلقة بشرية، وجودي يتساوى مع عدمي.. بل أقل بكثير من ذلك الذي وصف نفسه بالدوردة والنفاية..
أفكر رغما عني.. أخطط لأفكار أبدو مرغما عليها.. عدم اهتمامي بتلك الأفكار يجعلني مسؤولا ومشاركا في فساد العالم والنكاية به..
لا أستطيع السيطرة على نفسي، عقلي ليس تحت سيطرتي أو متناول يدي.. تفكيري يقودني إلى مزيد من التوزع والتشظي والاستلاب.. فكرة تقود إلى فكرة، عالم يدفعني لعالم، أفق يحيل إلى أفق آخر.. أنا قليل الكلام.. شخص معقد.. أجد صعوبة في الانسجام مع الواقع.. أي واقع، بما فيه العائلة، وأقرب الناس إلي.
عدم التكيف يجعلني جافيا، شرسا وعدوانيا.. بل حتى حقيرا ونذلا.. لكنني غير قادر على وقف تفكيري أو الخروج من حياتي الجوانية.. ليس بوسعي إفهام أي شخص قريب مني.. أنني أعيش في داخلي الفكري والنفسي .. وجودي في المحيط الاجتماعي ليس غير ظاهرة فيزيائية عارضة لا شأن لي بها، ولا تأثير لها علي..
دائم الكلام مع نفسي، لا أنقطع عن الاجتهاد في أفكاري، مما يشغلني عن التطلع والتعامل مع المحيط الخارجي.. هذا الكابوس الفكري النفسي يعيشني ويقودني تلقائيا ومن غير توقف في أي مكان أو زمان.. وعندما أخلد للنوم تجد الأفكار فضاء للتجسد.. في صور أحلام وكوابيس مثيرة ومتسلسلة..
حين يخلد الناس للنوم أجدني أعدو وأطير وأخطب، كأنني الحاكم بأمره؛ لا أجد راحة للنفس أو الجسد أو العقل.. طيلة النوم أصارع في عوالم وسيناريوهات مجهولة المؤلف والمخرج.. تنقلني من عالم إلى عالم، ومن بلد إلى بلد، ومن زمن إلى زمن.. ولا أبالغ إن قلت أنني قابلت كثيرا من مشاهير البشرية عبر التاريخ، ورأيت بأم عيني ما يفعله أجدادي في الحياة الثانية، حتى تساوى عندي الميت مع الحي، والواقع مع الغيب، ولي أناس لا أعرفهم، لكنهم حميمون لي في العالم الآخر..
ازاء ذلك يزداد شعوري اليوم، وأنا أسجل كلماتي هذه بوجود خطأ في داخلي، ليس حياتي فقط.. وأن الخطأ الذي يمثله قدري هو حكم أشغال شاقة، تحرمني من أي دور اجتماعي أو لذة في حياتي اليومية، وتحجب عني رؤية المستقبل كانسان عادي.
أحيانا أعتقد أن وجودي الفيزياوي مجرد غلطة.. وأن وجودي الحقيقي خارج هذا العالم، عالم أتواصل معه في أفكاري وأحلامي وهواجسي، وأن ما أفكر وأحلم به يجد استجابة في أماكن وخلائق أخرى، غير ملموسة لأهل هذا العالم..
الموت يهيمن على تفكيري.. أشعر به يسير معي.. لكنني أبقى موزعا بين عالمين.. في الحرب كان الموتى يتساقطون أمامي.. القنابل المتفجرة تطير في الهواء وتنشر شظاياها حوالي.. الموت يتنفس، بينما أنا أتلمس جسدي وأتلفت.. وقد اختلطت علي الرؤية بين الميت والحي..
انتقلت من حرب إلى حرب.. ومن بلد إلى بلد وقارة إلى قارة.. وما زلت أتمنى الموت.. كنت أضحك من النساء وبعض كبار السن وهم يتطيرون من ذكر الموت.. أجد صعوبة في فهم خوفهم من الانتقال من عالم زائف إلى عالم حقيقي خالٍ من الشرّ.
يمكن أن يعتبرني البعض مجنونا أو معقدا.. عالما فريدا ستبهر العالم يوما أفكاره ونظراته.. لكنني مع نفسي شخص عدمي، محبط، قانط.. عاجز عن مسايرة العالم.. غير مقتنع بمشاركة الناس لهوهم وانشغالاتهم.. أنا من نفسي لم أرد أن أكون عالما أو نبيا أو حكيما حسب وصف البعض..
أكره الزهد والتعفف والنبل.. أتمنى الانغماس في الرجس والدونية.. لو أكون قائد فرق الدونية والابتذال.. لكنه مجرد حلم مستحيل، أعرف أكثر من غيري أنه مستحيل.. لأنني محكوم بقدر أحاول التملص منه.. ومخالفته دون جدوى.. قدري هو أنا.. وأنا لا شيء.
صيانتي القدرية من أي سوء أو عطل فيزياوي، رغم الحروب والظروف المضطربة، هي لضمان استمرار وجودي في هذا الكابوس الشقي المدمر ليل نهار.. أنا لست أنا.. وهنا ليس هنا..


(39)
ما بين الساعة العاشرة والثانية عشرة تضيء الشبابيك وتنطفئ لأكثر من مرة.. قبل أن تنطفئ تماما.. شباك واحد يبقى مضاء طيلة الليل يبدو أنه طالب يقرأ ليلا.. ولأني لا أجد أو أجيد شيئا أعمله.. أنظر من نافذة حجرتي الوحيدة نحو الخارج.. تلتقط عيناي كلّ هدف متحرك.. أو ضوء يشتعل في وقت تريد الطبيعة فيه أن تنام...
أحيانا تمرّ خمس طائرات متشابهة على خط واحد.. بين الواحدة والأخرى خمس دقائق.. تتقدمها أضوية حمراء وبيضاء.. وفي نهايتها أضوية حمراء ضعيفة.. في أحيان أخرى تمرّ طائرات منفردة سريعة.. في ممرّ يتقاطع مع الأول.. له ضوء أبيض فقط من الأمام..
في تلك النافذة العالية.. وهي أوسع النوافذ.. امرأة تمشط شعرها في الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا.. ربما تحل رباط شعرها.. يبدو شعرها طويلا وكثيفا جدا.. ترفع شعرها للأعلى عدّة مرات بذراعين عاريتين.. فيبدو شعرها بارتفاعهما.. في الساعة الثانية عشرة الا ربع تتمدد الستارة من جهة اليمين.. ثم الستارة من جهة اليسار.. تاركة بينهما فراغا مستطيلا.. من خلال الفراغ يبدو رأس جالس يتحرك.. كأنه ينظر إلي.. من خلال ضوء المونتور المنعكس على وجهي.. في الساعة الثانية عشرة تماما ينطفئ النور ويختفي اثر الحركة.
تحت النافذة العلوية نافذة طولية مسدلة الستائر.. يضاء داخل الحجرة وينعكس النور من حافات الستائر.. الستائر قاتمة ولا أثر لحركة من خلالها.. لكن النور يبقى مضاء..
لا أثر لطائرات.. لا حركة جوية في الممر القريب قبالة نافذتي.. ثمة أنوار حمراء عالية لرافعات قوالب جاهزة.. تزداد أعدادها يوما بعد يوم منذ استفحال البركست.. لبناء مزيد من أبراج الفنادق والعمارات السكنية.. الحكومة تريد تحويل العاصمة المتروبوليتان إلى بازار سياحة وتجارة حرّة..
في داخلي رغبة في التقيؤ.. هواء فاسد في المعدة.. ضجيج العمل والسيارات في النهار.. أضواء الرافعات العالية في الليل.. تحل محلّ النجوم.. أما القمر.. فلا أثر له في هذه المدينة الميتة.. لا أدري ماذا تفعل الآن تلك المرأة ذات الشعر الطويل.. لحسن حظها.. لا شباك لها من الجانب الآخر..


(40)
ما زلت أحلم كثيرا.. تضطهدني كوابيس مثل أفلام هتشكوك(*).. الموتى يحاصرونني ويعيشون معي في الليل.. ليسوا موتى على الإطلاق.. كيف يتكلم الميت ويفكر.. أنهم يعرفون كلّ شيء.. ويقولون أشياء كأنهم فعلا هنا..
الآن أكثر من أي وقت مضى.. أحفظ صورهم وحكاياتهم.. تخلصوا أخيرا من خلافاتهم وأحقادهم التي لم يفارقوها في حياتهم.. أخيرا هم أشخاص طبيعيون ويعرفون قيمة الغفران..
إذا عادوا للعالم هل سيعاودون خلافاتهم وثاراتهم.. أغلب الظن أن الناس يتسلون بالأحقاد ومشاريع الانتقام الشخصي لتنفيس شعورهم بالملل.. طريقة للتخلص من الفراغ.. وعدم التفكير في الوجود والموت.. ماذا كسبوا من تلك الأحقاد غير تدمير كلّ شيء.. وبشاعة صورهم وهم يتشاجرون ويعتصرون أعصابهم..
هل تنتبه المرأة لصورتها وهي تتشاجر وتلوي شفاهها..!
بغير وعي أحيانا.. أدعو والدتي كما لو كانت معي!.. في البداية كنت أتضايق منها.. لا أريد أن أتذكرها.. لم تترك لي ذكرى طيبة أستعيدها.. أفضل تذكر والدي فهو يهتم بي أكثر.. وكلامه رصين وموزون.. أحتفظ لوالدي بصور كثيرة جميلة..
أول مرة جلست في المقهى كانت بصحبة والدي.. أول مرة ركبت الدراجة.. كانت معه.. الشاي الحامض وعصير البرتقال.. أول رؤيتي للمصعد الكهربائي وأنا طفل.. كيف كانت في بغداد مصاعد كهربائية أيام الملك.. يقول الناس أنني أشبهه كثيرا.. كلّما تقدّمت في السنّ صرت أشبهه أكثر.. حتى شعري يشبهه.. ربّما لهذا كرهتني أمي.. أمي لم تحب والدي أبدا.. ولم تقل عنه كلمة جيدة مرة.. لكن والدي لم يذكرها بسوء.. لا أدري لماذا.. عندما أصيبت بالشلل آخر سنواتها كان يسأل عنها كثيرا.. وللمرة الأولى كان يسترق النظر إليها في زياراته القليلة للبيت..
هل هو التقدّم في السن؟.. هي لم تكن تطيق رؤيته.. لكن عندما هدأت ولم تعد تنفعل .. كان يسألها بصوت مؤثر كيف تشعر.. ومرّتين رأيته يناولها قدح ماء.. أخذت منه القدح.. شربت وأعادت إليه القدح بغير كلام.. في عيونها استكانة وهدوء.. اختفت الانفعالات.. هم الآن هناك أكثر من أصدقاء.. بعد أن ورّثونا نحن أسوأ ما عندهم..
أراهم كثيرا في أحلامي.. ومعهم ناس غرباء.. المنزل في الحلم واسع.. حجراته كبيرة مثل قاعات.. ويوجد طعام دائما.. لكن لا أحد يأكل.. مكانهم هناك أفضل من هنا.. لا يتذكروننا ولا نهمهم في شيء.. لولا أني أعرف صورهم.. لقلت أنهم ناس آخرون.. والدي فقط يقترب مني ويسير معي أحيانا.. مثل أصدقاء.. أنا أقول له والدي.. لكنه يناديني باسمي.. مثل صديق!..
ـــــــــــــــــــــــــ
• الفريد هبشكوك [1899- 1980م] مخرج ومنتج افلام درامية يغلب عليها طابع الرعب الملغز مجهول الاسباب.

(41)
أنا الآن في سنّ والدي عندما كان يستأجر حجرة في درابين الفضل.. أنا الآن أيضا في سنّه عندما انكسرت مرآة حياته بعد زيجة ثلاثين عاما والتحق أبناؤه الكبار في العمل.. وربما أشبهه في مقامه الاجتماعي ونجاحه الوظيفي .. مكانته الوظيفية لا تناسب وضعه العائلي..
كان يومها أحد ثلاثة كبار مفتشي الحسابات في دائرة حسابات التوفير.. يسافر الى جنوب البلاد لتدقيق السجلات الحسابية .. يعود منها إلى أقصى الشمال.. لم يتنازل والدي عن أناقته وحلاقة ذقنه الصباحية حتى وداعنا الأخير في ساحة كراج العكَيلي في الصالحية.. لكنني لا أستطيع أن أعرف إن كانت مشاعره وأفكاره التي لا يعلنها كما هي عندي..
أنا أيضا لا أعرف إذا كانت مشاعري وأفكاري طبيعية في موضوع العائلة.. لكنني استنفذت آخر الإحتمالات والإمكانات.. وربما كنت مثل والدي في المقدرة اللانهائية على احتمال المعاناة والمهانات.. وكنت في كل مرّة أقمع كرامتي بمقولة لا أعرف مصدرها: بين الأحباب تسقط الآداب!..
يبدو أن سعة الاحتمال وعدم الرد المناسب.. يغري المقابل بالتمادي.. أو اكتساب طاقة إضافية للتجاوز وفقدان العقل.. لكن هذا ما حدث.. لم يكن للسان أمي حدود.. كان والدي يخرج صافقا الباب وراءه.. ثم يعود في المساء المتاخر من المقهى ويذهب للنوم مباشرة من غير عشاء.. وإذا واصلت والدتي الشجار يترك البيت لإسبوع.. يغيب عندها عند أحد أختيه..
أما أنا فلا يوجد مقهى ولا أصدقاء في غربتي.. كما أفتقد القرابة أو أي أحد أذهب إليه.. أستقل السيارة عند نفاذ قدرتي الإحتمالية.. أقودها في طريق خارجي بأقصى سرعة.. تاركا بقية السابلة يلوحون ويشتمون..
عندما أنتبه لنفسي ويتقدم الليل أفكر في وجهتي العمياء.. أقف عند أوتيل على الطريق.. أتناول العشاء والشراب وأتصرف مثل سائح متأخر.. ولكني نادرا ما استطيع النوم في فندق.. لا أدري إذا كان السبب هو السّكر أو التخمة أو الجنس.. الذي أرغم نفسي عليه للانتقام من نفسي..
لقد كان الاستمرار في الخطأ خطأ.. هذا ما تعلمته بعد فوات الأوان..لا تمنح الخطا فرصة ثانية تحت عنوان التفاؤل أو التقدمية.. القطع أفضل العلاج.. لأي غرض تمتلئ الأرض بالبشر، اذا كان المرء يقضي حياته في سجن من حجرة واحدة حتى الموت!..
لم تخل حياتي من نساء وفتيات وعيون تضحك بالوعود والرغبات.. وقد أخطأت.. عليّ أن أعترف.. عندما تظاهرت بالتحفظ والعفاف ولم أعرهنّ اهتماما.. لقد ضاع كلّ شيء الآن.. اليوم حيث تفترسني الوحشة واليأس والحاجة.. لا أجد أحدا يبادلني كلمة.. فما قيمة التزاماتي ومواقفي الرصينة..
أنا غبي بالمحصلة.. غبي أكثر مما أنا فاشل.. لست فاشلا.. ولكني حكمت على نفسي بالفشل.. لأني كنت أعبد إلها أخلاقيا لوحدي.. أنفق جهدي في بناء بيت لا يعود إلي..
عندما وصلت إلى هذا البلد.. رأيت صبيانا لبنانيين في العاشرة يضربون شيخا صينيا في عمر جدّهم في شارع أجورد.. لم يتوقف أحد المارّة لينقذهم من عبثهم.. كانوا يضحكون ويتسلون به.. وهو عاجز عن حماية نفسه.. وغير مسموح له بردعهم أو استخدام يده.. حيث يعتبره القانون الانجليزي معتديا على قاصر.. لم يخطر لي يومها كما اليوم.. أن المدنية تلفظ أنفاسها الأخيرة.. وأن آخر نفثات الأخلاق والانسانية دخلت متحف التاريخ إلى جانب آثار بابل وأشور والحضارات القديمة..
الحضارة عجزت عن تمدين الناس.. إذن لتعمل على تجحيشهم وتهميجهم.. وهذا هو شعار العولمة.. إلى اين يمضي العالم؟.. كثيرون يعرفون أن المدنية اختفت من مجتمعاتهم.. لكنهم يبتلعون ألسنتهم.. المدنية ليست سيارات وتلفونات وإلكترونيات لا ضرورة حقيقية لها لكثيرين.. الحضارة وعي وأخلاق.. ولكن.. حتى الكلمات فقدت معانيها الحقيقية..
الشارع الرئيس في ويمبلي سنترال ازدحم بالشحاذين في الأيام الأخيرة.. شحاذون من مختلف الألوان والأشكال واللغات.. يكرّرون نفس الحركات والكلمات كلّ مرّة.. ويفتقدون للاقناع.. لماذا يهاجر المرء من بلده ليشحذ في بلد آخر.. لماذا أهملت البلدية منع الظاهرة في الفترة الأخيرة.. هل يقصدون إثارة الراي العام ضدّ المهاجرين.. وتحميلهم مسؤولية ازدياد مظاهر الجريمة..
أحيانا يخطر لي التحدث لبعض الشحاذين وتسجيل قصصهم.. ولكنهم لا يبدون حقيقيين..
ما هو الحقيقي؟.. هل بقي شيء حقيقي اليوم؟.. الأكاذيب تتناثر من كلّ صوب.. الصحف.. الراديو.. المحلات.. الانترنت.. ترامب (*) يدعوها: فايك نيوز!.. أزمات الاقتصاد والحروب والاجتماعات الكثيرة.. وشكاوى الحكومات والساسة من المجتمع وارتفاع التكاليف.. فايك نيوز!.. يصحكون على الناس ليسرقوهم... لصوص وشحاذون.. هل هذا هو الفردوس الغربي!..
ـــــــــــــــــــــــ
• دونالد جون ترامب [مواليد 1946م] الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة الاميركية، مهندس أميركي سياسي جمهوري متطرف ومهووس بالظهور واجتذاب الاهتمام، ثري تنيف ثروته على ثلاثة مليارات، رجل أعمال مضارب في مجال الاعلام والاعلان والسياحة. متزوج ومنفصل لأكثر من مرة، وزوجته الاخيرة ميلاني كناوس ترامب يوغسلافية سلوفينية الاصل[مواليد 1970م]، عارضة أزياء وملكة جمال أميركا، هاجرت الى اميركا العام (1996م) وبعد عامين التقت رجل الاعمال ترامب، الذي تزوجته العام (2005م). وغالبا برنامج ترامب يتضمن ثلاث أجندة رئيسة على مستوى العالم: [الانترنت، العنصرية، الحرب الكونية الثالثة]. ترامب قدم نفسه في انتخابات الرئاسة الاميركية كشخص مستقل، رغم كونه جمهوري الاتجاه، وهو يمارس السلطة كشخص عفوي عادي غير سياسي/(تقليدي)، يقود انقلابا جذريا في المفاهيم والتقاليد السياسية، ولكنه بالمقابل يؤكد كارزماه الشخصية في حياة المستقبل، ومن رموز هذا الاتجاه المحدث بيرلسكوني الايطالي، والكسندر دي بوريس جونسون [مواليد نيويورك في 1964م] العامل في مجال الاعلام وعمدة لندن [2008- 2016م] ووزير خارجية حكومة المحافظين [2016- 2018م] بعد انسحاب ندّه ديفيد كاميرون [1964/ 2010- 2016/ ؟]. حاول جونسون في ممارسته السياسية ان يكون تلقائيا متقربا من الناس، لا يتورع عن انتقاد زملائه الساسة وممارسات الحكومة، والخروج عن سياسة الدولة، وبشكل يجتذب الاهتمام لشخصه، ويصنع منه شخصية شعبية، وكان هدفه الاساس زعامة الحزب والفوز برئاسة الحكومة، الأمران اللذان كمن لهما كاميرون وتعمد تسليم السلطة لامرأة لاحباط احلام جونسون السياسية، واخيرا ازاحته المرأة من وزارة الخارجية، لكن الامر لن ينتهي عند جونسون بسهولة. يذكر ان جونسون ونايجل فاراج (مواليد 1964م) من أصدقاء ترامب في لندن.

(42)
استغرقت العاصفة عدة أيام من أول عشرينيات فبراير.. بقيت الريح تعوي خلالها مثل ذئاب متوحّدة أو أرواح جائعة لموتى منسيّين.. بعد انتشار موجات الموت المجاني.. وانقلاع السكان من قراهم وأوطانهم.. بحثا عن مكان أمان ولقمة أمينة.. ربما كانت تشبه أشياء أخرى.. وربما كانت أسباب مختلفة وراء اندفاعها وعويلها.. مثل قصة البوق الذي يلعب به صبي عزرييل..
شكرا للخيمة التي عرفت نفسي فيها على يفاعتها.. وامتداد صحارى الرمل وهي تضمخ سمعي وبصري بموسيقى الخواء.. ورذاذ السليكون الخام.. الخيمة توحدني بالطبيعة في لحظات تصوف تملك عليّ كل حواسي..
كلّ هذا استعدته أمس مع عويل الريح على نافذتي وهديرها العرمرم المحيط بحجرتي العلوية من كل جانب، حتى كأنها ستنقلع من أركانها بين لحظة وأخرى..
- كيف كانت الايام الماضية؟..
- ماضية!..
أجبت وكيل العقار الباكستاني الذي كانت يتفقد الأضرار التي خلّفتها العاصفة على المبنى.. النزلاء يحيطون به وهو يسجل ملاحظاته عن الاصلاحات والترميمات الضرورية..
ضرورية لأنها تخصّ المبنى ومصالح اللاندلورد.. والضرورات غير المطلوبة تخص النزلاء وحاجاتهم.. هؤلاء لديهم خيارات مفتوحة للبحث عن نزل آخر أو بلد آخر.. وظيفة اللاند لورد ليست تبذير أمواله لإرضاء من هبّ ودبّ..
لو اجتهدوا مثله لكانت لهم عقاراتهم الخاصة.. لو كانوا محظوظين لكانوا تجار عقارات.. من يدري.. لكنه غير مسؤول عن حظوظهم.. ولا ظروف بلدانهم.. لقد كان مثلهم ذات يوم.. ولكنه عرف كيف يصنع نفسه..
إذن.. أنت يا بائع المثل.. انتفع بمثلك!.. وأنت يا زاهد زهدي.. لينفعك زهدك.. ولنرَ من يذهب إلى النار أو الجنة أولا!..
كان يقف إلى يميني.. الكتف بالكتف.. ويحدجني بين لحظة وأخرى وهو يسجل إملاءات السكان.. منتبها لعدم متابعة عيني مساقط قلم حبره..
- وأنت ليست لك طلبات..؟
- كلّ شيء جيد!..
يعرف أنها إجابة أخرى.. ولكنه سعيد لسماعها.. قال قبل أن ينصرف..
- أنا حريص على راحتك معنا!..
وهو يحدجني بقلق.. ثم نظر للجميع وقال قبل الانصراف..
- أنا حريص على راحتكم جميعا هنا.. بليز لا تتأخروا في الاتصال بي لأي شيء!..





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,591,721
- كاموك- رواية- (29- 35)
- كاموك- رواية- (22- 28)
- كاموك- رواية- (15 -21)
- كاموك- رواية- (8- 14)
- كاموك- رواية- (1- 7)
- في علم اجتماع الجماعة- ج2
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ...
- انتبهْ!.. الوطنُ لا يُباعُ وَلا يُستبدَلُ.. وَلا يُطرَحُ للإ ...
- ما بعد الحداثة/ ما بعد الانسان..
- نحو علم اجتماع عربي..
- محاضرات في لاهوت العولمة
- (المسيح الثائر) في اسفار الشاعر الاشتراكي المصري أمل دنقل
- (المسيح واللصوص) للأديب والفنان الاشتراكي نجيب سرور
- (اعترافتان في الليل، والاقدام على الثالثة) للشاعر الاشتراكي ...
- منفيون في جنة ابليس
- مقامة الثامن من أوغشت..
- باسكال: بين الشك والايمان
- الميّت الماشي- قصيدة الأديب الاشتراكي توماس هاردي
- انا عندي حلم/ I Have a dream رائعة المناضل الانساني مارتن لو ...
- (سلطان الكلمة) قصيدة للاهوتي الالماني مارتن لوثر


المزيد.....




- أفلام المهمشين.. أفضل 5 أعمال ناقشت قضايا الفقراء
- انتحار الشاعر الكردي محمد عمر عثمان في ظروف غامضة
- فنانون لبنانيون يحاولون -ركوب- موجة الحراك الشعبي
- بالصور... لأول مرة في تونس تدريس اللغة الإنجليزية للصم
- فرقة -الأمل- الصحراوية تقدم أغانيها الفلكلورية والمعاصرة في ...
- التحفة الملحمية -الآيرلندي- تفتتح الدورة 41 لمهرجان القاهرة ...
- ماجدة الرومي ترد على تأخرها في التضامن مع التظاهرات اللبناني ...
- -اليمن عشق يأسرك-.. فنانة قطرية ترصد السحر في أرض بلقيس
- فنانون يقتحمون تليفزيون لبنان احتجاجا على عدم تغطية المظاهرا ...
- بالفيديو.. فنانون يقتحمون مقر تلفزيون لبنان


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وديع العبيدي - كاموك- رواية- (36- 42)