أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - وديع العبيدي - في علم اجتماع الجماعة- ج2















المزيد.....



في علم اجتماع الجماعة- ج2


وديع العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 5973 - 2018 / 8 / 24 - 15:08
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


وديع العبيدي

في علم اجتماع الجماعة..
(خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والابداع)

Wadi Ubaidi
The Sociology Of Plural being


فهرست..

- تقديم.. (نكون أو لا نكون!)..

القسم الأول: جغرافيا العرابيا وتاريخها..

- في علم اجتماع الجيولوجيا..
- في علم اجتماع العرابيا..
- التوطن العربي تاريخيا..
- أور ذات الأسوار..
- فينيق لبنان..
- عرابيا الجنوبية: (ممالك اليمن وأرم/(حضرموت) وعُمان)..
- عرابيا الوسطى: (ممالك نجد وحوض الخليج)..
- عرابيا الشمالية: (ممالك الشام والعراق وسيناء)..

القسم الثاني: في علم اجتماع البداوة..

- في علم اجتماع البداوة..
- عن النسب والقبيلة..
- الأم ليست الأصل..
- الحاضنة الاجتماعية..
- العائلة والاستقرار..
- النظم العلائقية ومبادئها..
- غرائب الاغتراب..
- الصحراء هوية ومرجعية قيمية..
- من البحرين إلى النهرين.. تغريبة الماء..
- الجماعة الزراعية والجماعة الصحراوية..
- نجد وتهامة.. حتمية الجغرافيا والتاريخ..!

القسم الثالث: في علم اجتماع القبيلة..

- قبيلة.. قوم..
- أمّة.. اميّة..
- مزدوجات سوسيوثقافية..
- أمة.. لسان..

القسم الرابع: في علم اجتماع الحجاز..

- قريش.. قراءة راهنية..
- تاريخ مكة..
- كعبة مكة..
- أصل قريش..
- (القرآن)..
- اشكالوية زمكانية..

القسم الخامس: في علم اجتماع العروبة..

- (المدينة)، القرية والبداوة..
- الأم والأمّة..
- مصادر المعلومات العربية..
- تأطير ايديولوجي..
- وحدة ثقافية وتعددية قومية..
- العروبة.. القومية..


القسم السادس: العرب والقرن العشرون..

- العرب.. اصطلاحا..
- العروبة اصطلاحا في القرن العشرين..
- في علم اجتماع العثمانيين..
- في ظلال بني عثمان..
- تاريخ الأخطاء..
- نظرة مقارنة..


القسم السابع: عرب والألفية الثالثة..

- اللغة في مرمى العولمة..
- عرب وغرب..
- المدينة.. القرية.. البداوة.. من الجانب الآخر..
- قصور تنويري..
- علمانية مشوّهة..
- خروج من الهامش..
- عودة للصفر..
- اتحاد المشرق العربي..




القسم السادس: العرب والقرن العشرون..

[37]
العرب اصطلاحا..

(1)
وردت لفظة عرب في (القرآن) في مجال الإحالة على اللغة: (لسان عربي مبين)*/(النحل 103)، ووردت في مصادر اخرى بمعنى البداوة والتوحش. وفي المصادر القديمة تمييز بين لفظتي [عرب، اعراب]، والثانية كما يلحظ على وزن جمع: [فعل- أفعال، سبب- أسباب].
لكن الثقافة الشفاهية استخدمت (عرب) بمعنى (الحضر/ سكان القرى/ المستوطنين)، واستخدمت (أعراب) بمعنى (البدو/ جماعة دائمة الترحال ولا تقيم في مساكن ثابتة). وفي حديث موضوع: [نحن لا نزرع ولا نصنع]. حيث تقتضي الزراعة علاقة مستمرة مع الارض، تشتمل جملة عمليات ضرورية: الحرث - الغرس - السقي - الرعاية - الحصاد - تحضير الارض للموسم التالي.
بينما الصناعة هي العمل اليدوي والحرفي، والاعتماد على الذات، في تأمين المعيشة ومستلزمات الحياة، كما عرفت في اليمن ويثرب وخيبر وانحاء الشام والعراق ومصر. فهذا الحديث يحيل على البداوة بلغة المتكلم. وبوصف قائله من (مكة)، فهؤلاء لا يصنعون ولا يزرعون، ولا يختلف طراز معيشتهم عن البدو، كما مرّ معنا الخلاف بين يثرب الحضارة ومكة البداوة.
المصادر الاشورية/ البابلية واليونانية/ الرومانية، التي أوردت لفظة [عربي/ عريبي]، تحيل في جميعها على طراز البداوة، أو بيئة صحراوية مثل سيناء وبادية الفرات، أكثر من اشارتها الى جماعة أو قوم. وقد حصرها بعض المؤرخين في مجال الاشارة، الى سكان الجزيرة، بمثابة تسمية ثابتة أو عالقة بهم، وهو من قبيل التحميل أو الاسقاط.
وقد أورد باحث لغوي معاصر، ان (العرب) شرق الرافدين ايضا، وليس فقط جنوبها، في اشارة لطراز حياة البداوة، او معيشة الصحراء، او معاداة التحضر. ونعرف ان (وادي عربة) في سيناء يحيل على البيئة الصحراوية، كما هي (عربايا). وفي العراق الملكي كانت ألفاظ: [عْرُبي، عُرْبان] تحيل على جماعة، يبيعون الملح على (الجمال)، خلال النهار، وعندما تغيب الشمس، يسطون على بعض المنازل لسرقة الحيوانات او مواد المعيشة، ولا تفهم لغتهم من قبل الاهلين.

(2)
فهم عموما، الغرباء الطارئون أو الطارقون على مناطق الحضر، مع جمالهم. ويذكر التاريخ ان المناطق المستقرة في غرب العراق وجنوبي الشام، كانت تتعرض لغزوات بدوية خاطفة. وان أساس غزوات فيصل الدويتش العتيبي [1882- 1931م] حتى ما قبل ثلاثينيات القرن العشرين، كانت امتدادا لغزوات الكرّ والفرّ، التي يرافقها نهب الاموال والجمال/(غنائم)، وخطف النساء والاطفال/(سبي)، وتقتيل الرجال والذكور حتى لا يتركوا مجالا للملاحقة أو الانتقام.
حتى القرن السابع الميلادي، لم يكن العراق والشام ومصر واليمن، توصف بالعروبة او تنسب اليها.
بل ان تسمية (العرب) بقيت دالة على البدو وسكان الصحراء، وإطلاقها على بلدان الشرق الاوسط، كان بفعل الانجليز والحركات الاستعمارية، ودورها في التاسيس الثقافي والسياسي والمدني، بما فيها تشكيل اتحادات، على أسس عرقية او لغوية أو دينية، مثل (الجامعة العربية)، وفكرة اختيار الملوك من أصول قريشية.
ويذكر الدكتور جواد علي [1907- 1987م] ان الدارج هو استخدام المسمّيات المحلية: القبلية والبلدانية في الدلالة على الجماعات أو المناطق، ولم يشع استخدام لفظة (عرب)، على جماعة محددة أو منطقة معينة. وهي بهذا المعنى عمومية تشير الى البلاد الصحراوية، والسكان الصحراويين، حسب طراز معيشتهم.
وفي بعض الاشارات ورد تعبير (عرب العراق) و(عرب فارس او ايران) ويقال (عرب مصر)، (عرب افريقيا). وهذا يختلف في الدلالة عن القول اللاحق: (العراق العربي)، (مصر العربية)، كما في أدبيات القرن العشرين. فالاصطلاح الأول يتضمن وجود (عرب) في تلك البلاد، ولكنهم ليسوا عامة السكان، أو السكان الاصليين.
ومرة أخرى، فأن التعريب المطلق، كان بفضل الكولونيالية الحديثة. على أن عمليات التعريب في مجال المعاملات والدواوين الرسمية، والتحول السوسيوثقافي واللغوي، استمرت حتى القرن الرابع عشر الميلادي، وما زالت اللهجات المحلية من خواصها الثقافية القومية الاصيلة، وليست من العربية في شيء.

(3)
اما المفردات المتشابهة، فهي مما تداخل معها، بحكم النفوذ والتلاقح وهيمنة العرب على مقاليد البلدان. ذلك الى جانب حقيقة – مغيبة-، هي كون (العربية) نفسها، كانت (لهجة ارامية) اصلا، ما زالت تشترك مع العائلة [الارامية، السريانية والعبرية] في ألفاظ الأعلام والأرقام والأفعال الرئيسة، واختلاف العربية عنها، انما بقواعد النحو والإعراب.
ما ينسب للعربية من اختلاف، انما يعود في جوهره للتقعيد اللغوي، الذي قام بها لغويون، في القرن الثامن الميلادي، أمثال: نحو سيبويه [760- 796م] ومعجم الفراهيدي [718- 791م] وغيرهما؛ ممن اعتمدوا مبدأ القياس ومنطق ارسطو [384- 322 ق. م.] في بلورة مباني الألفاظ والإعراب. ولا شك ان (الإعراب) في النحو، يختلف عن (الإعراب) في لغة اهل اليمن، بمعنى التبدّي والغلظة.
وان لغة القرآن وتجميع/ تصنيف الشعر العربي القديم، تم بعد القرن التاسع عشر، ولم تستقر لغة (القرآن) وخطه/ (رسم المصحف)، حتى أيام عبد الملك بن مروان [646- 705م]. وما زالت كثير من ألفاظه مكتوبة على الطريقة الآرامية، وسنأتي على كل هذا في موقعه.
ورد لفظ (اعرابي) لدى أشعيا وإرميا في العهد القديم، بمعنى (متربّص/ كمين)، المصطلح العسكري المعروف. ويذكر ان الذئب، يكمن في تربص فريسته. ويبدو ان (الأعراب) الصّحراويين، اعتادوا التربص باهل الحضر في مدن العبرانيين. وجاء في وصف العبانيين لـ(الأعراب): أنهم يقصّون شعرهم بشكل دائري، أي الحلاقة من الجانبين والخلف وترك الشعر في ذروة الرأس، المعروفة اليوم عند ناشئة الأفارقة وموضات البوب الأميركية.
لكن نصا فرعونيا قديما أشار إلى أصحاب (الرؤوس الدائرية) من أهل سيناء أو ما وراءها بلفظ (عربو)، التي تشير الى جهة (الشرق)* في اللغة المصرية القديمة. ذلك ان سيناء وجنوبي الأردن تقع إلى الشرق من مصر. وقد أورد فيليب حتيته [1886- 1978م] هاته الملاحظة الأكثر قدما من الإشارة الآشورية، التي تعود للقرن الثامن قبل الميلاد لدى جواد علي [1907- 1987م].

(4)
وما زال المصريون يستخدمون تعبير (شراقوه)، في الإشارة للسكان غير المصريين في جهة الشرق، أو السكان المصريين من أصول (يعربية)؛ كما يستخدمون تعبير (غرابوه) في الإشارة للسكان غير المصريين، الى جهة الغرب من نهر النيل؛ كما في رواية (واحة الغروب) لبهاء طاهر، حيث ترد ألفاظ [الغرابوة والشراقوة] في الدلالة على القبائل من أصول أمازيغية أو من أصول عربية، بنفس المعنى، رغم وقوع -واحة سيوه- المقصودة، غربي وادي النيل.
وفي لغات السودان المحلية تستخدم ألفاظ معروفة، للدلالة على العرب، أو السّكان من أصول عربية، وموقعهم شرق السودان، ويعود ظهورهم غرب البحر الاحمر الى القرن التاسع الميلادي، على شكل (تجّار رقيق)، يتخذون صفة التدين ظاهرا.
وعندما قررت السلطات الانجليزية إلغاء صفة (الرقيق)، في مصر والسودان عام (1925م)، قدمت جماعات قبلية احتجاجا للسلطات، تتذرع بتعارض قرار (تحرير الرقيق) مع الفقه الاسلامي، مما اضطر الانجليز للتراجع، عن تطبيقه في السودان، مع إعفاء من شملهم القرار خلال ذاك.
وما يزال النظر يتجه لـ[لآراميين والسريان العرب والعبرانيين والهنود والاقباط والأحباش والامازيغ]، وغيرهم من الخبراء في اللغات والثقافات القديمة، المتداخلة في فضاء المنطقة، للدلوّ بدلوهم في تفكيك العوائل اللغوية، والمشتركات اللفظية والثقافية، على غرار ما قدّمه الدكتور كرستوفر لوكسنبورغ في شرح بعض ألفاظ القرآن وتعابيره ذات الأصول الآرامية. وبغير ذلك، تبقى ثقافتنا ومفاهيمنا، وخطابنا الثقافي والاجتماعي والاسلامي، هشا مرتبكا، بلا نهاية.

(5)
وبقدر ما يتعلق منهج هذا البحث، بتغطية الخلفية الاجتماعية لواقع النص القرآني، يلزم اشتقاق الأصل البيئي والثقافي للفظ (عرب)، وتغطية علمية أكادمية شاملة قدر الامكان، مما يساعد في فكّ طلاسم مصطلحات وألفاظ مبهمة، تطبع ثقافتنا اليومية والشفاهية، وتتكرر على مستوى التأليف والنشر، وكأنها تحصيل حاصل، أو مخلوق طبيعي اكتسب مشروعيته من واقع الخلق.
وقد استعرض الدكتور جواد علي في بحثه [المفصل في التاريخ] تاريخ ظهور اللفظة وتواردها، في المأثورات التاريخية، وسجلات الاقدمين، وبعض النصب والحفريات القديمة. وهو ما ينفع في مضان بحثنا، دون الاخذ بتخريجاته في تحويل اللفظ – تاريخيا-، صفة وتسمية لعموم شبه الجزيرة المعروفة اليوم بالعربية، أو (العرابيا)، حسب مأخذ هادي العلوي [1933- 1998م] في كتاباته التراثية؛ جنبا الى جنب: مصطلحات أو أفكار أخرى مثل (اللقاحية) و(المشاعية)، التي ترد في مكان آخر.
ان الأخذ باصطلاح [عرب، يعربي، عرابيا] لا يقدم ضوء لاشتقاق اللفظ وبنائه اللغوي، وهي مشكلة تواجه كثيرا من مفردات القواميس العربية واللهجات المحكية في مجتمعات الشرق الاوسط، التي يقتضي النظر في أصولها الثقافية والقومية.

(6)
في سياق هذا البحث، فأنني سوف أرجح استخدام التفسير المصري الفرعوني، لدلالة (ع ر ب) بمعنى (الشرق) – أحد الإتجاهات الاربعة. وهو من أقدم القواعد المعروفة لاطلاق الأسماء والاعلام. وفي حدود المنطقة، نجد ان اسم (الشام) مشتق من لفظ (شمال)، استنادا لموقع الجهة التي اطلقت التسمية، مما لا يستبعد ان يكونوا قدماء المصريين أنفسهم.
ان كلمة (مورو/ أمورو) المحيلة على (الاموريين)، ومنهم الملك [ها- مورو- بي]: مؤسس بابل في السلالة السومرية الثالثة، معناها اللغوي (غرب/ غرباوي)- أي الجماعة القاطنة في الغرب، أو المقبلة من جهة الغرب/ غرب النهرين. وهم من سكان حوض المتوسط القدماء. والمتوسط بالنسبة للعراق يقع في جهة الغرب. وبنفس السياق، عرف التاريخ جماعة (القدمونيين) المشتقة من لفظة (قدوم/ قدموس) بمعنى (الشرق). سواء كانت الجماعة تسكن في الشرق ، أو جاءت من جهة الشرق/ شرق المتوسط. ويبدو ان اللفظة من لغة الاغريق او الفينيقيين.
وفي وسط أوربا التي تقطنها جملة شعوب من أصول سلافية، جاءت من الشمال الاوربي عبر التاريخ، نجد ان لفظة (يوغسلاف) تعني (سلاف الجنوب) أو (السلاف الجنوبيين)، أي ان مقطع [يوغ/ يوغو= جنوب]. والبلد يوغسلافيا هو نهاية استيطان العرق السلافي من جهة الجنوب، حيث تليهم مقدونيا وايطاليا على البحر المتوسط.
بينما موقع (تشيكوسلافيا) الى الشمال منهم، ولكن لفظة (تشيك) لا تعني [الشمال- في مقابل- الجنوب]، وانما معناها (الوسط، المنتصف) وهم سكان منتصف/ وسط أوربا. أما السلاف الشماليين فهم التزار [Tsars]، الذين منهم الروس، ويعتبرون أمراء السلاف، حسب موروثاتهم الثقافية. ولابد أن السلاف الأصليين والشماليين، لما يزالوا في موطنهم الأصلي، الذي يعرف اليوم: لاتفيا وشمال السويد.

(7)
ان لفظة [ش ر ق] وتصاريفها المتنوعة [شرقي- شرقاوي- شروقي- شراقوه] استخدمت دالة على (البدو/ الرحالة غير المتحضرين)، بعدما شاعت لفظة (عرب) في الدلالة على سكان الجزيرة، أو سكان ضواحي المدن والحواضر، وفقدت معناها الاصطلاحي، فصارت لفظة (شراكَوه) دالة على البداة غير المتحضرين/ المعادين للمدنية والتحضر. وتشيع لفظة [شروكـ/ شراقكَوه/ شركَاويَ في العراق ومصر] حتى اليوم، وربما في بلاد أخرى. وما زالت دلالتها تتحدد في:
1- جماعة متنقلة غير متحضرة، وترفض تعاطي مظاهر الحضارة.
2- جماعات من أصول غير متحضرة، معادية للحضارة.
والشرق بحسب التحديد الاخير لا يعني الجنوب، اليمن جنوبي الجزيرة، أو الجزيرة جنوب الفرات. وانما يحيل إلى جهة الشرق عموما، مما يرجح أصل سكان شبه جزيرة العرب، من أصقاع الهند، عبر التاريخ. وثمة دلائل وافية تدعم هاته الرؤية، اشار علماء الحفريات والانثروبوجيا لقسم منها.
والملاحظ هنا، ان الجماعات البدوية/ المتبدية أو ذات الأصول البدائية، تميل إلى (التشريق)، أي اختيار جهة (الشرق) في التحرك، ومختلف الممارسات الحياتية. والدلالة اللفظية لمفردة (امشرّكـَ) عكس دلالة القول (امغرّب). فالتغريب تعني (تتركنا، تغيب عنا، تتغير عن عاداتنا). وعلى العكس منها (التشريق) بمعنى التأكيد والالتصاق، أو المبالغة في التمسّك بالعادات والقيم الأرثوذكسية. معنى (التشريق) هذا، غير بعيد عن الإصطلاح المسيحي الأغريقي الأصل: [أرثوذكس] التي توصف به الكنائس الشرقية، والأكثر تزمتا بالموروث والمأثور السلفي.
في واقع شبه الجزيرة العربية، نجد سكان شرق الجزيرة هم الأكثر بداوة أو تعلّقا بها. فاذا كانت سيناء والحجاز تقع الى الشرق من مصر والبحر الأحمر، فأن (نجد) شرق الحجاز، وأن [الأحساء ووادي حنيفة] شرقي نجد. ويبدو أن صفة (الاعراب) التي أطلقها أهل (اليمن) قديما، في صيغة الفعل [تعرّب]، كانت -أيضا- تشير إلى جهة (الشرق)، أكثر من اشارتها إلى شمال اليمن، أو اإحالة على البداوة والتصحّر،اذا قارنا هاته المعطيات على الأرض.
واليوم نجد أن مركز الثقافة والمدنية السعودية، هو في الأقسام الغربية من البلاد. وان نسبة المثقفين والعمران والتحضر الاجتماعي في جدة والطائف وأبها وغيرها، أكبر من اقاليم غرب المملكة. وهذا يعني أن ميل (غرابوة) نجد للتمدن والحضارة، اكثر من (شراقوة) نجد والرياض.

(8)
وقد اشار التونسي ابن خلدون [1332- 1406م] في (المقدمة..) إلى معاداة البدو/ الأعراب للحضارة، والنظر إليهم بعين الزراية والحقد والانتقام، واستهدافهم في غزوات: الغرض منها التدمير والاذلال وكسر الشوكة. وما يزال هذا الشعور سائدا عند سكان الخليج والجزيرة، نحو مجتمعات الشمال [شرق المتوسط وشمال أفريقيا]، اذ يصفونهم بالعجم والعلوج والكفار [بمعنى الفلاحين].
وفي رواية (سيّدات القمر) للكاتبة العمانية جوخة الحارثي، يرفض الاب التاجر الغني رغبة ابنه عبدالله في السفر إلى العراق لغرض الدراسة في الجامعة، ويحذره أن (يفسد)، وهناك. ولكن الرواية نفسها التي تتعرض لعائلة عمانية كان الوالد أكثر انفتاحا، وسافر بها إلى مصر، سوف يعود بعد زمن خائبا، ولم يكمل أي من ابناء العائلة دراستهم، مما يعني دال أخرى للفساد، وخيبة الأمل، في النظرة إلى الحواضر ومراكز التمدن.
ولما يزل هذا هو المتوراث في الثقافة العربية الشفاهية، في الموقف العدائي من الغرب الأوربي، ووصفه بكل ما يشين. بله ان ذلك هو عينه موقف الكاتب هادي العلوي من الغرب المادي الرأسمالي الامبريالي، مقارنة بالشرق الصيني الاشتراكي، الذي صرم فيه سنين طويلة من عمره.
فهو أمر لم يتغير خلال التاريخ، تعود أصوله إلى موقف العرب القديم، من الأغارقة والروم، واحتقارهم لمعارفهم العقلية ومنها الفلسفة ووصفها اللاحق بالزندقة، من واقع تلك المشاعر النفسية المنعكسة، نحو الخارج في جملة معطيات سوسيوثقافية. لكنها بالتدقيق، ليست العوامل الوحيدة والمطلقة، بقدر ما شكلت غطاء لأسباب أقدم، ولا تتصل بها مباشرة.
وفي الخلاصة، لا بدّ من تمييز الجانب اللغوي الاصطلاحي، من الجانب الثقافي الاجتماعي للفظة العرب، وعدم التضحية باللفظ على مذبح الصورة الاجتماعية التاريخية المعقّدة. وقد تعددت معاني اللفظ كما يلي..
1- دلالة مصرية: عرب بمعنى (شرق).. أي سكان الشرق- دالة اتجاه جغرافي، ولا تخلو من نبر وتهوين.
2- دلالة أشورية: عرب بمعنى سكان الضواحي/ لقاح باللفظ الارامي- دالة قصور التمدن ومعاداة أهلها.
3- دلالة عبرانية: عرب بمعنى سكان الصحراء/ البادية- دالة الجفاف والشحة الاقتصادية.
وقد تكون هاته الألفاظ مشتركة، ذات سياق تطوري عبر الأحقاب الزمنية، وهو ما يميايز الجماعات الثقافية السالفة، والأكثر تطورا مدنيا وسياسيا من أهل العرابيا قبل الإسلام. لكن لفظ (عرب) سوف يستحيل اصطلاحا مستقلا في الثقافة القرآنية، ويشكل قطيعة ابتسمولوجية مع كل ما سبقها. وبذلك فأن اسم (العرب) و (العربية) اليوم، لا يحيل على التأويلات القديمة، والتي عمل الاستشراق على نفض غبارها، وتشويه الاصطلاح القرآني من خلالها، ووقع في وزرهم، رواد الحداثة العرب والمسلمون المعاصرون بغير تبصر، وانتصرت لها الثقافة الشفاهية في البلدان تعددية الثقافة كالعراق، حيث النظرة غير الحضارية لدلالتها، على رغم أن الأطياف الاجتماعية لسكان العراق، لا يرتقون على المكون العربي في حضارة أو ثقافة أو علم.
ـــــــــــــــــــــــــ
• أنظر كذلك: (انا انزلناه قرآنا عربيا)/ (يوسف 2).
[ان العاربة (اليمانية) منهم قوم أتوا ي غابر الزمان من الحبشة وعبروا الى اليمن من بحر القلزم بالقرب من الموضع الذي فيه عدن اليوم.(..) أما المستعربة وهم (اهل الحجاز)، فهم كذلك من أفريقية، لكنهم عبروا الى الحجاز من خليج العقبة. وانتشروا في البلاد حتى تاخموا العراق والشام، وخالطوا السريان والفرس واليهود. ولذلك كانت لغتهم الى السريانية أقرب، واختلط بها شيء من ألفاظ الفرس واليهود]- جرجس سال في (حقائق عن العرب في الجاهلية)- ص86، 87.




[38]
العروبة اصطلاحا في القرن العشرين..

(1)
العروبة: بوصفها اصطلاحا سياسيا يعود على العرب، شهدت ثلاثة استحالات خلال القرن العشرين امنصرم، توزعت بين بدايته ومنتصفه وأواخره.
في خضم الثورة الدستورية لحركة الاتحاد والترقي التركية عام (1908م)، ظهرت لأول مرة فكرة القومية في علم الاجتماع العثماني، وابتداء بالقومية التركية المعروفة بالتورانية/ الطورانية، نسبة إلى جبل الطور في هضبة الاناضول وسط أسيا الصغرى. وكانت دعوة الاتحاد والترقي، تدعو لاستنهاض الحركات القومية للشعوب والسكان المنضوين تحت انفوذ العثماني، واستبدال حالة الخلافة والسلطنة والعثمنة، بإطار سياسي اتحادي بين الشعوب والقوميات، مع حق كل جماعة قومية غير تركية في الحكم الذاتي في اطار الاتحاد الكونفدرالي التركي، وبضمانة الدستور ومجلس المبعوثان.
كان عديد من المثقفين والضباط العرب من مختلف البلدان، أعضاء في الأحزاب التركية، ومنها حركة الاتحاد والترقي وحركة الائتلاف العثماني وغيرها. ومع استمرار بعضهم في تنظيماتهم اسابقة، فقد قام البعض الآخر بانشاء أحزاب وحركات سياسية قومية بلدانية، تسعى للعمل من أجل تمثيل بلادها في الحكم الذاتي الكونفدرالي أو الاستقلال التام، كما ظهر لاحقا بالانضمام إلى صف الانجليز ضدّ الدولة العثمانية.
بغرض النظر، عن طبيعة وعمق وسعة تلك الحركات السياسية التي كانت في الغالب نسخا للنموذج/ النماذج التركية والفضاء السياسي العثماني بين اواخر التاسع عشر المنفتح على الثقافة الفرنسية، فقد شكلت تلك الحركات البدوزر التي ستنمو وتتبلور تدريجيا، وبأشكال ومستويات وآفاق متنوعة من بلد لآخر، خلال النصف الأول من القرن العشرين.
ولكن السؤال الرئيس الراجح هنا، يتعلق بسبب عدم اجتماع الضباط والمثقفين العرب في الاستانة في تنظيم أو مؤتمر يتمثل فكرا وحدويا مركزيا منفتحا على الطيف البلداني العرابي، ومالوا للتشظي والفرقة.
كانت مصر خلال ذلك تحظى بنوع من الاستقلالية منذ عام (1805م) تحت حكم دولة محمد علي باشا وذريته، ومثل ذلك يصح على السودان التي شهدت ظهور دولة الفونج في القرن السادس عشر ثم الدولة المهدية، بينما كان النفوذ العثماني أكثر وضوحا في اقليمي الشام والعراق.
وفي بلاد الشام/ سوريا الكبرى، سوف تتبلور فكرة الحركة القومية العربية، وتشهد صيغ ونماذج متعددة، تتفاوت فيها درجة العلاقة والموقف من الدين والعلمانية والمحيط الجغرافي والاطار الوحدوي أو الاتحادي واموقف من الاقليات الاثنية والدينية. ولعل ابرز أمثلة ذلك التفاوت تتمثل بكل من..
الحركة المارونية اللبنانية، التي تعود بوادرها إلى اواسط القرن التاسع عشر.
الحزب الاجتماعي القومي السوري الذي يتخذ من سوريا الكبرى حدودا له، ويختلف الموقف بين شموله العراق بين رواده.
حزب البعث العربي الاشتراكي، وهو حاصل ائتلاف ثلاث مجموعات سياسية ظهرت بين الحربين في سوريا، واتحدت في اواخر الحرب الأوربية الثانية عام 1945م في صورته الاخيرة وبعده القومي الذي يجمع البلاد وسكانها من الخليج إلى المحيط.
وما يجمع الأطر السياسية القومية الثلاثة الآنفة، هو صدورها من محيط جغرافي وبيئة ثقافية تاريخية واحدة هي سوريا؛ والأمر الثاني هو ريادتها وصدارتها المسيحية العربية/ الأرثوذكسية، وباستثناء المارون المرتبطين بروما عقب أزمة القرن التاسع عشر، فإن قيادات القومي السوري والبعث العربي من أتباع المسيحية الأرثوذكسية.
وقد حظى حزب انطون سعادة بشعبية واسعة ما بين الحربين، وبشكل يضاهي شعبية حزب الوفد في مصر، بوصفه حز الاغلبية الشعبية في سوريا، لكنه تعرض لضربات موجعة خلال الحرب الثانية، دمرت تنظيماته وانتهت باعدام زعيمه غيلة في العام (ابريل 1947م).
وفي ما بعد الخمسينيات، يرتفع نجم حزب البعث العربي في سوريا والعراق، ولكنهما ينتهيان للانفصال والانشقاق الى قيادات قطرية متنافسة متحاربة، رغم استلامهما السلطة في البلدين طيلة النصف الثاني من القرن العشرين.

(2)
الحديث عن الحركة القومية والموقف من العروبة السياسية اليوم، في نظرة مراجعة دراسية، سوف تختلف بين الصعيدين النظري والتطبيقي، كما تختلف بين الشرق والغرب، وبين الاسلامي والعلماني، وتختلف من بلد لآخر، ومن فئة اجتماعية لسواها، والخلاصة العامة على الصعيد الاعلامي والشعبي، في غير صالح العروبة والحركة القومية.
وأعتقد أن الضرورة لازمة للفصل بين النظرية واتطبيق، بين الأفكار وترجماتها الميدانية. وذلك تبعية الفصل والتمييز واتفاوت ببن شخصية المنظر وشخصية المنفذ أو الفاعل في الواقع. أن كل علم يقوم على نظرية، والنظرية قابلة للدراسة والتطوير والتعديل، فلا نحرم الأمة من فكرة قابلة للتطوير والنفع، بسب تجربة ميدانية خرجت بها الظروف عن الصواب.
فهل من العقل اعتبار سقوط النظام الاشتراكي السوفيتي، دليلا على فشل النظرية الاشتراكية، أو إحالة ماركس للمحاكمة أو التقاعد أو الاعدام. ان الأزمة مكانها في العقل وليس في الأفكار والنظريات. ولابد لنا من فسح المجال للعقول الجريئة والمبدعة أن تعمل، لتحصد الأمة ثمارا نوعية، تقيها من التبعية المزدوجة، تبعية الجسد، وتبعية العقل، تبعية الفرد وتبعية وتبعية المجتمع.
لقد كانت فكرة القومية جديدة وطرية على المجتمعات والشخصية العربية خلال القرن الماضي، وتفاوت فهمها واستيعابها، كما افتقدت للتنظير والتقعيد الفكري والتاريخجتماعي المناسب، بله، افتقادها للكوادر الثقافية العلمية المختبرة. وإذا كانت الارثوذكسية السورية الشامية صاحبة المبادرة الرائدة، والوعي السياسي المتقدم يومئذ، فذلك يعود بالدرجة الاولى، لمشاعر التمييز والتهميش والامتهان التي عانتها خلال قرون الحكم العثماني المصطبغ بالاسلام، وتبعات قانون الذمة الذي لا يشمل مسلمي السكان، وو ما ينطبق على اقباط مصر خلالئذ.
أما العراق، فبقي رهينة حالة خاصة من معادلات الازدواجية والتشظي الذاتي، سواء في تأرجحه بين سكانه الرحل والمقيمين، وبين تشكيله القبلي وتمزقه الطائفي، وبين انقسامه بين التبعية العثمانية والتبعية الايرانية، مما أعاق – ولما يزل كذلك- تقدمه نحو مفهوم المجتمع الموحد أو الشعب الواحد، أو الشعور الوطني الصافي والحقيقي، ولذلك لم يتفق على عامل مشترك في الحكم او الدين أو التنظيم السياسي. ولم يشهد حزبا أو حركة سياسية على غرار الوفد المصري أو الالاجتماعي القومي السوري، وبالتالي، لم يظهر منه باع نظري او تطبيقي في مجال تأهيل الفكرة القومية أو العروبة ككيان توحيد سياثقافي موحد.
ابناء اليوم ينظرون للأشياء واأفكار في ضوء أحداث ونتائج القرن الماضي، وهذا يشمل المفاهيم والأفكار وتجارب الحكم. ويصطلح بعضهم عليها بتجارب الدولة العسكرية أو الأيديولوجية القومية، رغم أنها في واقع الحال، وعلى الصعيد العملي، كانت جميعا انظمة وطنية محلية.
ولكل نظام وتجربة وفكر عند التطبيق، محاسن ومساوئ، وهذا ينطبق على بلدان الشرق والغرب سوية، وقد سقطت الانظمة الاشتراكية في شرق اوربا، وتهلهل غيرها في الصين وكوبا وكوريا، كما سقطت انظمة وطنية ومناهج عروبية قومية في شمالي العربيا.
لكن ذلك السقوط الذي كان جزء من النضال الرأسمالي الكولونيالي، ضدّ الأنظمة والأفكار التي تعترض طريقها، أو تقاوم سياساتها في الهيمنة والاحتكار، لا يعتبر، ولا يجوز اعتباره معيار، لنجاح أو فشل نظرية حكم أو فكر معين، كما لو كانت تجربة كيميائية داخل مختبر.
اختبار كل تجربة يرتهن بواقعها المحلي. والواقع المحلي محكوم بطبيعته التاريخية والاجتماعية ودرجة مرونته وتفاعله مع الزمن، مما يختلف فيه بلد عن غيره، ووسط اجتماعي عن بيئة أخرى. ولا يوجد شيء اسمه شرّ مطلق ولا خير مطلق، ولا نجاح منقطع النظير.
وأعتقد –ان لم أكن جازما- ونحن نعيش في زمن الأخطاء والانحرافات التاريخية الكبرى، ان قدر الانحرافات والأخطاء والجنايات في الغرب الراسمالي، دولا ومجتمعات، حكومات ودساتير وسياسات، من الجرائم والجنايات والتجاوز على الانسان، ما لا يضاهيها زمانا ومكانا في العالم.
لكن من هو الذي يحكم في ذلك، أو يستطيع رفع صوته بهكذا حكم، والغرب الرأسمالي الكولونيالي والامبريالي، يحتكر السيادة والسياسة الدولية، منذ اقرن السابع عشر لليوم. وكل المنظمات والمحاكم وجماعات حقوق الانسان والاعلام العالمي تحت تصرفه.
ومن واقع اختباري وملاحظاتي المباشرة، وأنا اقيم في الغرب منذ ربع قرن، ان أغلب المؤشرات والانتقادات والمآخذ اتي وجهها الغرب للانظمة الاشتراكية والقومية والوطنية خارج أوربا، موجودة ومعششة ومتنفذة فيه. ولكن النظام الرأسمالي الذي يطالب بلدان العالم بالشفافية، هو نفسه الذي يتمثل نظام دولة داخل دولة داخل دولة، بحيث لا يمكن الوصول للمسؤول الحقيقي من جهة، ولا يمكن تذنيب شخص أو جهة بدقة، لأن المجرم والمذنب والمسؤول، هو النظام السياقتصادي، والنظام الامنجتماعي اذي له القسية، وكله في خدمة سلطة الدولار.

(3)
من مساوئ القرن العشرين، أو مساوئنا، هي (الحداثة) التي غزت عقولنا وثقافاتنا وكل مجالات حياتنا، حتى نسينا، انها ليست (حداثتنا). أنها نظام فكري واجتماعي يناسب بيئة غربية، مدعوما بعوارض كولونيالية، ترسخ عبودية العقل واللاوعي العالمي لمجسات النظام الرأسمالي.
ومن مساوئ الحداثة، هي تبعيتنا المطلقة لمنتجات الاعلام الغربي، واعتبارها في منزلة المقدسات والحقائق التاريخية، وما أسهل أن نسفه بعضنا وأنفسنا، مستشهدين بنص أو قرينة او اسم غربي. بكلمة واحدة، لقد ألغت التربية الثقافية والغزو الفكري الرأسمالي ذواتنا، وحوّلتنا الى روبوتات بافلوفية، انظمة تفكير ومنظومة مشاعرنا واستجاباتنا مرتهنة بالايعازات الامبريالية والتحكم من بعد. وهكذا تنقلب قطاعات اجتماعية في بلد اسيوي او افريقي ضد حكومته أو نصفه الثاني بين يوم وليلة،وعندما ينتهي من الواجب، يجد أن حاله زادت سوء، وبلده ضياعا.
فشل الفكرة القومية والعروبية ارتبط بمصير عبد الناصر، ومسيرة التطور السياسي المصري منذ السبعينيات، وليس بحركة البعث وما آل اليه في العراق أو سوريا. في نفس الوقت، منذ ظهور الاسلام، حركة توحيدية عابرة للحدود القبلية والبلدانية والاثنية، لم يشهد العالم العربي حركة ذات أفق قومي ثقافي او سياسي باستثناء النظرية الايديولوجية العربية الثورية؛ بل لم تظهر حركة ذات خطاب وطني اجتماعسياسي ناجز للحظة.
وفي المقارنة، بين مجتمعاتنا، ومجتمعات الغرب، لنا ان ندرس كيف تبلورت تلك المجتمعات وتطورت وازدهرت خلال ثلاثة قرون، واتيح لها، بفضل عوامل ذاتية استنبطتها من تطورها السياجتماعي، سيادة العالم، ونحن الذين تعود جذورنا الاف السنين، رهائن عاجزين عن الافلات من قيادها.



[39]
في علم اجتماع ال عثمان..
"نحن نطالب العثمانيين، بما لا نجرؤ على مطالبة أنفسنا به، وندينهم في أمر، نحن الأحرى بالقيام به بدلا عن الغير!.."

(1)
يعتبر شرق آسيا هو الموطن الجغرافي لأغلبية سكان الكرة الأرضية عبر الزمن، والجزء الشمالي الشرقي منه تحديدا. وشمال شرق أسيا شمال الصين اليوم الذي تلتقي عنده حدودها باتحاد بلدان روسيا أو الاتحاد السوفيتي سابقا. وإذا كانت الجزر والحدود المائية دالة شمال الشرق، فأن أواسط أسيا المفتوحة على البرّ الواسع لسطح الكرة الأرضية هو الاحتمال اللأكثر رحبا.
وترى مصادر الانثروبولوجيا انطلاق عدة موجات هجرة من اواسط أسيا غربا/(شمالا وجنوبا ووسطا)، تتوزع تواريخها على أحقاب مبكرة وصولا للتاريخ الميلادي. ويعتقد البعض وقوع أواخر تلك الهجرات بين القرنين التاسع والثالث عشر الميلادي. ويهمّنا من ذلك هنا، مصادر التكوين السكاني لشرق المتوسط وجنوبي غربي أسيا.
ان بلاد العرب المحددة جغرافيا بجزيرة العرابيا المحاطة بالمياه: المحيط الهندي والبحر العربي من جهة الجنوب، البحر الأحمر والبحر المتوسط من جهة الغرب، خليج عمان وحوض دجلة من الشرق، تنفتح خلال ذلك على برّ أسيا عبر بوابة ايران، والبرّ الأفريقي عبر بوابة سيناء، بينما تشكل هضبة الأناضول بوابة نسبية شمال جبال طوروس و الغرب الأوربي.
هذا يجعل ايران مصدر الهجرات الوافدة من أسيا والمتجهة لبلاد العرابيا والبرّ الأفريقي. هذا يعني ضمنيا، ان سكان ايران وسكان الأناضول هم من أصول أسيوية وأحقاب زمنية متفاوتة. وأن كليهما شكل عبر التاريخ، مصدر تدفق هجرات سكانية داخل البرّ العربي عبر الزمن، وهو ما يتأكد، مما مرّ معنا، عن الضغط الجيولوجي لكل من الطبقتين الايرانية والتركية المتسلط من جهة الشمال على الطبقة الجيولوجية العربية/[Arabian Plate].
ايران بلاد واسعة تحكمها ظروف جيولوجية وطبيعية من كل جهاتها تقريبا. لايران فتحتان برّيتان نحو حوض النهرين عبر جبال زاكروس المعقدة، أحدهما وهو الطريق الدولي المشهور بطريق الحرير (Seid Road) عبر بوابة قصر شيرين المقابلة لمدينة خانقين، والآخر صحراوي وعر عبر هضبة السيب المقابلة لمدينة الكوت العراقية جنوبي هضبة حمرين.
وللعراق ثلاث بوابات برية على حدوده الغربية والجنوبية.. أشهرها من جهة الشمال بوابة الأنبار مع حوض الفرات تجاه الشام وشرقي الأردن، بواية عرعر الصحراوية التي تتوزع نحو نجد جنوبا والحجاز غربا، وبوابة حفر الباطن المتصلة بشواطئ الخليج الغربية وسهول الأحساء والقطيف شرقي السعودية اليوم.
ويعرف حكماء القبائل والبدو والنسابة طرقا جغرافية تاريخية متوارثة متداولة بين عرب زمانهم، في حركة تنقلاتهم البرية في فضاء العرابيا عبر الزمن. ولا شك ، أن سلالات الشيوخ والحكماء المتصلة حتى اليوم، يحتفظون بتلك الممرات السكانية، ويفضل تدوينها وتوثيقها في سجلات المتحف والمكتبة الوطنية، لتكون امتدادا للذاكرة الوطنية القومية.
وهذا يعني ان هجرات المغول، وهي صفة/ تسمية قبائل بدو شمال غربي الصين، مرّت عبر ايران في اتجاهها نحو شرق المتوسط وجنوبي العرابيا. ولما كانت حركة الهجرات السكانية تعيش حالة متداخلة من السيرورة والصيرورة الطويلة زمنيا، فهي تمرّ بحالات استيطان بين مرحلة وأخرى، ومن النادر أن تخضع لخطط واهداف جغرافية سابقة، يتم الالتزام بمراحلها والسعي لتنفيذها على أرض الواقع.
ان الهدف من الهجرات، هو تنفيس التوترات السكانية وما يرافقها من أزمات تتعلق بـ[البيئة والمعيشة والعلاقات]، فإذا وجدت فئة منها متنفسا لأزمتها، لن تتورع في اكتسابها، والاستيطان في لحظتها. وفي مقابل، ذلك، فأن تلك الهجرات أو الحملات المهاجرة، يحصل أن تجتذب جماعات سكانية مستوطنة، عند مرورها ببمناطقها، وتحملها على مرافقتها، والانضمام لها، بينما تستقر فئات من المهاجرين بالمقابل.
يمكن تشبيه حركة الهجرات السكانية القديمة بحركة المياه في البحار والمحيطات، وحركة الرمال والكثبان الصحراوية خلال العواصف. ان العاصفة تقتلع كميات من الرمال والأتربة عند هبوبها، وتنقلها إلى مسافات جغرافية، بينما تحمل كميات أخرى من المكان الجديد إلى مسافات أبعد. ومن الطريف، أن تختلط كمية من الرمال القديمة بكميات من الرمال الجديدة وتتوفر على خصائص وسيمات طبيعية وكيمياوية جديدة.
والفكرة العامة عن مياه البحار والمحيطات أنها ساكنة. لكن أعماق البحار والمحيطات لا تخلو من مجاري أنهار وجداول خاضعة لتضاريس أعماق البحار، فضلا عن حركة أعماق المياه والتوترات الجيولوجية والتوترات الحرارية المستمرة في أزاء منها. وتلعب حركة الملاحة المائية، سيما الحديثة والهائلة منها، أثرا كبيرات في اصطناع موجات مائية هائلة تستمر لفترات زمنية متنفاوتة.
مياه البحار والمحيطات إذن قابلة للحركة. ولكن ليس بالجملة. ثمة مجاري مياه داخل المياه. ومن الصعب –علميا- الفصل والتمييز، أو معرفة العوامل والضوابط المتحكمة بحركة جزء من المياه غير الآخر، للتحكم بها، أو توظيفها لأغراض معاصرة. لكن هجرات البشر أكثر عرضة للتحكم، ومعرفة عواملها وظروفها، العامة والشخصية.
يتكون سكان ايران من قوميات وأعراق متعددة، تشكل الكبيرة منها خمسة: [ترك، عرب، كرد، بلوش، فرس]. وفيما يشكل الترك الأكثرية، وهم الأصول المغولية ويعرفون بالتركمان أيضا، يمثل الفرس الأقلية بين ذلك. لكن الأقلية الفارسية، هي المؤسسة للهوية السياسية والزعامات التاريخية لايران عبر الزمن. وبشكل، كان دافعا، لنسبة بعض سلالات الحكم من أعراق وقوميات أخرى، إلى أصل فارسي، سواء لتبرير زعامتها السياسية، أو اضفاء الصفة القومية الايرانية على حكام ايران.
وقد لعب الترك والفرس والعرب الايرانيين أدوارا متفاوتة في التاريخ الاسلامي عموما، والعهد العباسي تحديدا. بل أن الحكم العباسي ليس في جوهره وحراكه الاجتماعي والسياسي والديني غير صراع القوى السكانية الثلاثة فيما بينها، لتحقيق مكاسب سياسية مضافة في ميزان القوى الايرانية نفسها، وقد عرفنا منهم البرامكة والزنج والقرامطة والبويهيين والسلاجقة، حاول كلّ منها، تحقيق مواقع قدم جديدة في السباق السياسي الايراني.
وإذا كان العهد العباسي، انتهى وتفتت. فأن انعكاساته الدينية والقومية، ما زالت تتصارع وتتماحك، متفاعلة على نار الواقع، وتتجدد بفعل الظروف والمتغيرات الزمنية الاقليمية والدولية، لتقرير حالة استقرارها أو بلوغ أغراضها. وفي المقدمة منه، الصراع التركي الفارسي، والصراع الشيعي والسني، اللذين انبلجا في العهد العباسي.

(2)
وجود المغول، أو القبائل التركمانية المغولية في هضبة الأناضول، يضاهي تاريخ وجودهم في ايران نفسها. وهذا ينفي نسبة أصول ال عثمان لمغول ايران أو السلاجقة الذين حكموا بغداد بعد القرن العاشر الميلادي. كما أنه لا ينفي التحاق فلول السلاجقة خلال ذلك بجماعات الأناضول.
لكن المؤكد، وبحسب تواريخ بيزنطه، ان ترك الأناضول، سبقوا تأسيس القسطنطينية عاصمة بيزنطه. وأنهم كانوا ضمن التشكيلات العسكرية للجيش الروماني، مما مهّد لهم أن يشكلوا قلب القوات العسكرية البيزنطية لاحقا. فالمغول أو قدماء الترك كانوا على درجة من الاندماج والتلاقح مع العنصر والثقافة الرومانية، لا تقلّ عن اندماجهم وتلاقهم مع ثقافة بيزنطه الاغريقية.
لكن ما يميز مغول الاناضول، عن مغول أوربا، هو عدم ذوبانهم التام في الكيان والثقافة الرومانية، ومحافظتهم على ثقافاتهم المحلية وقيمهم القبلية. وكما أن الثنائية الثقافية الغريكورومانية كانت صفة الامبراطورية البيزنطية، كانت الثنائية المغولية البيزنطية صفة وهوية الامبراطورية العثمانية.
هاته الحقيقة الجوهرية، حاول المؤرخون الغربيون تغييبها، تجفيف أصولها، ولذلك اطلقوا تسميات وصفات مختلفة عن سكان الأناضول الذي يوصفون بالأصول القبلية والطبيعة الجافة القاسية. وهنا نحتاج ملاحظة ابن خلدون عن التربية القاسية واللياقة البدنية الصارمة لتربية البدو عموما، بوصفها مفتاح استمرارهم في الوجود.
ذلك، قبل أن تدرك المدنيات الغربية البروتستانتية اللاحقة، أهمية القوات العسكرية والثقافات الكولونيالية في الوجود والهيمنة والاستمرار فيهما، بينما يصار إلى تدمير الثقافات والعسكريات الأخرى خارج محيط الغرب.
كان لسكان الأناضول محيط جغرافي، ولهم كيان سياسي تتفاوت استقلاليته بين امبراطور وآخر، ولكن أيا من الأثنين، لم يصل إلى حدّ التناقض والتخلي عن الثاني. وكما كانت الأناضول، مستودع العسكرتاريا البيزنطية وذراعها القوية، سيما في تأمين بلاد الشرق؛ كانت كذلك ملجأ ومأوى قادة الجيش والأباطرة المعزولين عن الحكم أو المغضوب عليهم في العاصمة.
ولعلّ تلك المكانة المييزة، مما دعم الكيان السياسي للاناضول، في حفظ استقرار البلاط البيزنطي من جهة، وتعويضه بكل ما يلزم استمرار قوته العسكرية والسياسية دائما. ومن هذا المنظور، استنتجت دور سكان الاناضول، في استحلال الغياب السياسي والنفوذ البيزنطي المتراجع منذ القرن الثالث عشر، وعدم السماح لأباطرة روما بالقاء اليد أو موطأ القدم فيها، وذلك على جانبي بحر ايجه.
فاتساع نفوذ أمارة أل أورخان وعثمان وتشكل اتحاد الامارات المغولية في أسيا الصغرى، كان مرافقا لتراجع نفوذ بيزنطه وقرب انهيارها، وكان تلك الحركة الستراتيجية في ظرف تكتيكي بالغ الدقة والحراجة والخطورة، على قدر كبير في نشأة الدولة/ السلطنة/ الامبراطورية العثمانية، على أثر الارث البيزنطي، ولذلك كان دأب سلاطين أل عثمان استرجاع النفوذ البيزنطي كاملا، في وسط أوربا وغربها. وهو أمر لم يدر بخلد المسلمين والعرب، بينما كان الغربيون والصليبيون له بالمرصاد.
قرار قسطنطين بتأسيس بيزنطه، لم يحظ باجماع امبراطورية روما، وكان لحدّ ما قرارا فرديا. ورغم أن الامبراطورية الرومانية لم تكن متماسكة حرفيا عسكريا أو سياسيا في تاريخها من قبل، فقد وفر قرار قسطنطين، مبررا شرعيا لتقسيمها السياسي والعسكري والثقافي، وصولا إلى دخول الاثنين في حرب مستمرة مستميتة ضدّ الثاني، والتي تفاوتت ملامحها بين الحملات الصليبية المدفوعة من بابا الكاثوليك، والأطماع التجارية الدولية الملاحية المدعومة من جمهورية البندقية التجارية المالية.
لم يكن لمغول الأناضول يد في التجارة ولا الصليبية، ولكنهم لم يفرطوا في لياقتهم العسكرية ونفوذهم السياسي المستقل. ومن الغريب، اغفال حكام روما، خلال حربهم الطويلة ومؤامراتهم المتصلة ضد بلاط القسطنطينية، أهمية استمالة قادة الأناضول إلى جانبهم، في ذلك الصراع.
ما يهمّنا، هو، الوقوف على حكم التراكم الثقافي والسياسي، للعقل السياسي التركي، خلال تلك الحقب الطويلة من التلاقح مع الاغريق وروما وبيزنطه، والذي انعكس في امساك الخيوط والسيطرة على موازين القوى لصالحهم. ويكشف تاريخ بيزنطه، عدم تورط جمهورية البندقية ولا قوات البابوية، في تحدي النفوذ المغولي في حوض ايجه، وكان اكتساب ولاء تلك الاقاليم الى جانب امغول وضمانات حمايتهم، مفتاح سيطرتهم على قلب بيزنطه شرقي وغرب بحر ايجة.
السؤال الذي يشغلني في هاته التفصيلة يتعلق بالخيار الديني. ماذا لو كان سكان الأناضول، اختاروا عقيدة روما أو الاغريق، وأثر الدين في دعم اندماجهم الكامل في الهوية الأوربية؟.. وهذا السؤال يرتبط أيضا، بقرار مغول بغداد في اختيار الاسلام عقيدة لنفوذهم السياسي.
وإذا كان الاسلام مبررا للرفض الأوربي لورثة بيزنطه، فأنه لم يقدم شيئا في قبول العرب لحكم المغول ولا العثمانيين من بعدهم!.
فهل كان الخلاف قوميا، حضاريا، ثقافيا، أم دينيا، هنا أو هناك؟..

(3)
بحكم قراءة الواقع الجغرافي والسياسي والثقافي، تكوّنت الدولة العثمانية من جناحين: شرقي أوربا، وهو يمتد حتى حدود هنغاريا والنمسا، التي سوف تدعى بامبراطورية الهابسبورغ المدعومة من بابا روما الذي سيمنحه لقب (قيصر) وحامي حمى الكاثوليكية. والقسم الثاني، يشمل العالم العربي والاسلامي الذي شكل إرث الدولة العباسية التي لم يستطع حكام المغول من ورثة تيمورلنك المحافظة عليها.
وفي الزاوية المقابلة، سوف تستمر ايران، التي لعب دور الندّ والعدو، في مواجهة الاغريق والرومان وبيزنطه، في لعب دور الندّ والعدو ضدّ الدولة العثمانية، ذات العقيدة والأصول الثقافية المشتركة. وسوف يستعجل اسماعيل الصفوي في الانسلاخ عن العقيدة والعودة إلى العقيدة البويهية هوية ثقافية وديانة رسمية لايران الصفوية [1501- 1722م]. وذلك في أول انشقاق رسمي للاسلام، بعد انشقاقه العقيدي على يد بني بويه [945- 1055م].
لولا، الانشقاق العقيدي في الثقافة الايرانية وانعكاساتها الاقليمية الممتدة في الزمن، لعادت الامبراطورية الاسلامية الكبرى التي استمرت خلال [640- 1258م] للحياة، وتجميع البلاد والمجتمعات الاسلامية تحت لواء وزعامة موحد، وفي اطار هوية ثقافية وعقيدة منسجمة في ذاتها، وبشكل يوفر حصانة سياسية ثقافية لنصف سكان أسيا ونصف أفريقيا.
وإذا ما أدركنا ان الانشقاق العقيدي الصفوي والعثماني، تزامن مع بدء غزوات الملاحة الصليبية البرتغالية على جنوبي أسيا-(الهند وعُمان) بقيادة فاسكو دي غاما والبوكركه من قراصنة البرتغال ومؤسسي الكولونيالية الغربية الصليبية في العالم الاسلامي، أدركنا أهمية وخطورة القرار الصفوي في هدم كيان الاسلام، وتقديمه فريسة لأطماع الغرب.
وإذا حاولنا الربط بين ثلاثة احداث تاريخية ستراتيجية في تاريخ العروبة والاسلام:
1- سقوط الدولة العربية الاسلامية في الاندلس/ (1492م).
2- بدء الحملات الكولونيالية الصليبية ضدّ جنوبي العالم الاسلامي/ (1498م).
3- اعلان الانشقاق العقيدي والسياسي الرسمي في العالم الاسلامي/ (1501م).
أدركنا مرة أخرى، دور اتقية والباطنية، في قيادة الثورة الثورة المضادة داخل كيان الاسلام، وفي ظرف تاريخي حرج، يوازي في أهميته ويعاكسة في الاتجاه، في قرار محمد بن عبدالله في تأسيس الحركة والمركزية الاسلامية عام (601-634م) في وقت كانت الامبراطوريتان الرومانية والايرانية على شفا الانهيار.
لابدّ للقراءة التاريخية الستراتيجية، التمييز بين تأسيس الامبراطورية الاسلامية لال عثمان، لانقاذ النفوذ الاسلامي من الوقوع تحت اقدام الكولونيالية الصليبية الناشئة، وبين القرار الصفوي التدميري على عالم الشرق والاسلام ومستقبلهما. وسوف نرى، تبعات ذلك الخلاف في قرارين تاريخيين لاحقين..
1- وقوع معركة جالديران بين الصفويين والعثمانيين عام (1512م).
2- زعيم قراصنة البرتغال البوكركه يتعهد بتقديم المعونة لاسماعيل الصفوي في حربه ضد العثمانيين، وبالمقابل، يضمن له تسمية خليج عُمان باسم اخليج الفارسي، مقابل، ضمان حرية حركة الملاحة البرتغالية في مياه الخليج. الأمر الذي لما مثبتا في الخرائط والوثائق الدولية، والملزم تغييره حتما.
والواقع انه منذ ذلك العهد، وقعت ايران [صفوية، قاجارية، بهلوية، خمينية] تحت المخلب الصليبي الغربي، اذي وضعت نفسها فيه، بينما كانت، بغير ذلك القرار التدميري، شكلت أساسا للقوة الاسلامية المركزية العظمى، والدائمة حتى اليوم. فالعالم الاسلامي، بكل مظاهر هشاشته وتخلفه وميوعته وخلافاته الداخلية والخارجية، مدين للحظة تاريخية مثل تلك.
بل أننا اليوم، نجد انشقاق مجتمعات اسلامية وعربية، بين تأييد هذا الحكم ضدّ ذاك، وتأييد هاته العقيدة المنسلخة ضدّ سواها، وقد انفرط الاسلام في عقائد ومذاهب وفرق واجتهادات، عالة على الدين والعقل والالانسان والمستقبل، محتمية في حاضنة الشقاق وتجارة الحقد والثأرالمقدس، لا يجرؤ، أحد على قولة الحق فيها، أو التبرؤ منها، والعودة إلى أصل الدين التوحيدي الذي لا يقبل القسمة والخلاف.

(4)
تلك الأرضية الخلافية التي سادت الواقع الاجتماعي السياسي العربي منذ حوالي عشرة قرون، أسست خلافية قرائية وضدّية فكرية، انعكست سلبا على قراءة التاريخ العربسلامي، بمختلف مستوياته، حتى اليوم. ومن المؤسف، أن ما يسمى بالتنوير والعلمنة والحداثة، لم تقدم خيرا في هذا السياق، إن لم يكن العكس.
عقلية (أنصر أخاك ظالما أو مظلوما) هي التي تحكم العقل الاسلامي، بحسب خلافات مرجعية، تنقض الجوهر لتقيم الباطل. وكيف يستوي لمسلم أو عربي أن يضع نفسه بين طرفين كلاهما يزعم الاسلام، ويقتل الآخر. هاته الخلافية العقلية القاصرة، هي العائق الرئيس لتشكيل هوية وطنية أو قومية، أو عقد مجتمعي منسجم داخل الانتماء الوطني.
فلا غرابة، ان تكون التناسب عكسيا بين الطائفية والوطنية. ومعظم البلدان ذات الهوية الوطنية القومية والسلام الاجتماعي المنسجم، هي الخالية من الطائفية والتنابزات الخلافية، بينما المجتمعات العامرة بتعددية الطوائف ومركزية الخلافات والتنابزات، عاجزة عن الشعور بالسلام المجتمعي، وتأكيد انتمائها الوطني فعلا.
هاته الخلافية، تظهر في قراءة كل فرد للتاريخ السياسي بكل تفاصيله وأحقابه، كما في قصور القراءة أو تشويهها المتعمد في قراءة المدونة العثمانية التي مثلت امتدادا تاريخيا لمركزية اسلامية خلال القرون السابقة، لولاها، لما كانت ببقية باقية من رائحة الاسلام الأصلي.
ان حال العرب اليوم، ليس غير انعكاس لحالهم المنقسم أمس. وليس دخول الكولونيالية واخترقهم الاجتماع العروبي والاسلامي، غير نتيجة للخلافية والسياسات الانشقاقية داخل ما يفترض أنه بيت الاسلام ودار سلامه. الغرب الصليبي، يوطد سلامه الداخلي وانسجامه المجتمعي، ويصدر حروبه وخلافاته خارج حدوده القراي، والعكس هو مايفعل العقلي السياسي العربي والإسلامي.
وبدل نمو الوعي الفردي والجماهيري، إلى مستوى يتجاوز توريث الفرقة والخلافية والبدع الطائفية، بله التخريف الديني، يسود اعكس في مجتمعاتنا، سيما بعد تهالك الأنظمة، وميوعة الحدود والثقافات الرسمية لما يسمى قرن العولمة. والسؤال الاكاديمي هنا، كيف يمكن تقديم قراءة عقلية وطنية محايدة للتاريخ العثماني المعاصر، والذي شكل الحاضنة التي خرجت منها الدول العربية والأنظمة الوطنية خلال القرن العشرين!.
ان قصور القراءة أو طبيعتها هو ما ينعكس مباشرة على قراءة وموقف الفرد العربي تجاه دولته وحكومته الراهنة. بل أن المكتبة العربية تفتقد حتى اليوم، كتابا رصينا يؤرخ للحقبة العثمانية وتاريخها السياسي، بله، التاريخ السياسي العربي في ظل الحكم العثماني. فما هو سبب غياب هذا الكتاب، وسبب اهمال المؤلف العربي للتأريخ لتلك الحقبة؟.. وهل يكفي التعميم علاجا لنقص تاريخي؟.
من هذا المنظور، لا ترى هاته القراءة في الحكم العثماني شرّا مطلقا، بقدر ما شكلت غطاء سياسيا ومركزية اسلامية، في فترة هي أدنى للحقبة المظلمة، شهدت غيابا شبه كامل عن الوجود السياسي والوعي الثقافي، لولا اشارات محدودة متفاوتة، هنا أو هناك.
علينا التسليم عموما، بقصور الوعي، وعي الفرد، والوعي الجماعي، في الموضوع السياسي، على صعيد طبقي ووطني، في مجال الفكر كما في المجال الاجتماعي. وقد تساءلت من قبل، عن عدم ظهور انتفاضات محلية ذات خطاب سياسي وطني طيلة قرون الحكم العثماني، والواقع ان مثل ذلك لم يظهر على الاطلاق عبر التاريخ، لا قبل الاسلام ولا بعده.
وتبقى تجربة الحركة المحمدية بنت ذاتها، ومدينة لشخص مؤسسها. ولم يظهر أي قائد أو حركة وطنية أو قومية، تغير مجرى التاريخ. ربما ظهرت امارات ومشيخات مرتبطة بظروف ودواقع محلية طارئة، كالدولة المهدية في السودان، وامارة غرب الجزائر في بداية الغزو الفرنسي للجزائر، ولكن الدولة الوطنية العربية لم تتشكل خلال ذلك، كما تشكلت على يد محمد باشا في مصر، وهي السابقة العربية والظاهر شبه الفريدة في المنطقة.
لماذا لم يظهر في العراق قائد وطني أو حركة وطنية منذ القرن العاشر حتى حركة رشيد عالي/(1941م)؟.. كيف يكون العراق عاصمة للمركزية الامبراطورية، ويعجز عن تقديم حالة قيادية وطنية/ قومية واحدة خلال ألف عام؟.. لقد بقي العراق مجزأ ومتخلفا، وشبه حديقة خلفية لمحيطه الجغرافي، قبل أن يعيد داود باشا [1816- 1831م] توحيده كبلد موحد ومجتمع وطني، وعمل على تحريره من القيود والامتيازات الأجنبية.
لأجل قراءة عقلانية، يلزمنا تجنب التعجل والتعميم والخلط بين الأشياء والقطاعات، والعموميات والخصوصيات.
وبجانب كون الحكم العثماني لا يعكس نظرية حكم ناضجة أو رؤية امبراطورية متكاملة، فضلا عن انشغاله المركز بالجناح الأوربي واهماله الجناح الأسيوي والعربي، رغم كل ذلك، لا يجوز اهمال سياساته الاصلاحية بعد القرن السابع عشر، ضمن اعتماد برنامج (تنظيمات) للاصلاح الاداري والسياسي.
ورغم الانطباع غير الجيد لصورة الحكم، لا بد من تقييم سياسة الوالي والحاكم الاداري، كل بحسب حقبته وادارته، وحصيلة منجزات عهده. وقد كان بين اولئك الحكام من تجاوز امكانياته وحدوده الادارية، وهناك العكس أيضا. ونحن لم ننصف الوطني والمخلص، وارسلنا الجميع لخانة النسيان والاهمال. وبالتالي، فقد ألغينا أحقاب تاريخية من تاريخنا الوطني.
لابد للمؤرخ، والكاتب، ربط عهود الولاة في كل بلد، بالتحديات الخارجية والظروف المحلية لكل بلد، سواء كانت استفزازات سياسية أو اضطرابات قبلية أو كوارث طبيعية وصحية كالفيضان وانتشار أوبئة اقليمية. ولا ننسى، ان حقبة القرن التاسع عشر، واستقلال محمد بحكم مصر، انعكس على اجراءاتها في تعيين ولاة البلدان الأخرى، وتقصير مدة الولاية لأقل من خمس سنوات، حتى لا يستبد بالحكم ويتمرد على الامبراطورية.
ثمة تفاصيل وخصوصيات دراسية وميدانية، لابدّ من اجتماعها واعتبارها جميعا، لدى القراءة والتدوين، وتقديم رؤية موضوعية واضحة للقارئ العربي، عن حقبة رئيسة من تاريخه الوطني والاجتماعي. كلّ ذلك، بالمحصلة، يساعد في فهم الدور الثماني في بناء القواعد الهيكلية الارتكازية للدول العربية المعاصرة بعد القرن الثامن عشر، وهو الدافع لاعتماد السجلات والوثائق العثمانية في الدولة الوطنية في القرن العشرين، وليس من باب المجاملة وعقلية القبيلة والطائفة!.
لقد كان من نتائج الاهمال، تفويت محاسن لم يحسن العرب الافادة منها، واهمال مساوئ، لم يقدر العرب على تجنبها. وذلك، ان الميول العاطفية والمزاجية تقود مجتمعاتنا، بدل العقل والوعي والمصالح القومية الستراتيجية. بل أن العرب يفتقدون لليوم، أرضية علمية ستراتيجية تنظم علاقاتهم مع الدولة التركية، لادراك أن تركيا اليوم ليست السلطة العثمانية، والتمييز بين الحكومة التركية والدولة التركية، وعدم تجاوز وأهمال الهوية الدينية والمصالح الستراتيجية المشتركة التي تجمع البلدان العربية وتركيا من البلاد الاسلامية في خندق واحد.

(5)
في عام (1955م) اجتمع العراق وايران وتركيا لتوقيع ما وصف بحلف السنتو أو (ميثاق حلف بغداد). ورغم مرجعيته الكولونيالية، فأن قاعدة الحلف تتضمن رؤية سراتيجية اقليمية ثاقبة. والبلدان الثلاثة تعيش حالة مستمرة من الاختلاف والخلافات السياسية والحدودية، بينما يمكن لاجتماعها وانسجامها السياسي الاقليمي، أن يغير صورة واقع ومستقل المنطقة، بل يكون قاعدة لاتحاد اقليمي يضم المجموعة الخليجية وافغانستان وباكستان، وبشكل يدعم استقلال كيانه السياسي، ويشدد قواعده العسكرية والاقتصادية ودوره الاقليمي والعالمي في صيانة الامن والسلام.
لكل بلد ومجتمع مزايا وامكانات، ولكل بلد ومجتمع مساوئ وأزمات، وعلى العقل السياسي والمثقف التنويري، توظيف الايجابيات وتطويرها، ومعالجة الازمات، وتحجيم السلبيات، وبشكل يخدم ويؤكد نسق التطور والتقدم الاجتماعي للشرق العربسلامي. درستنا للتاريخ، ليست لتقديسه، ولا تبرير انقساماتنا وهوياتنا الطائفية والحزبي، وانما لتجاوز الأخطاء والتحرر من العقد والمثالب التي ما زالت تسحب مجتمعاتنا للخلف، وتضع الجميع تحت مطرقة الاطماع والصراعات الغربية، وهو أمر ينبغي الحدّ منه، والخجل أمام استمراره، في زمن، يدعي كثيرون، الثقافة وتضخم الشهادات الاكادمية العليا، بينما يثبت الواقع اليومي المحلي ضدّها.
نحن بحاجة لتعلم منهجية جديدة في القراءة، والتحلي برؤية جديدة، غير موروثة في التعامل مع الواقع والتاريخ، ومع المستقبل.




[40]
في ظلال بني عثمان..

(1)
لو لم يقم محمد بن عبدالله [571- 632م] بحركته الثورية الرائدة عام (611م) ويطلق الفرصة التاريخية لتفجير الطاقات الجماهيرية لشبه جزيرة العرابيا، ماذا كنا اليوم؟.. هل كان ثمة ما يدعى عربا أو عروبة، لغة أو ثقافة؟.. هل كان سيتقاطر على قفا هاته الأمة، هذا السلسال المتعاقب مما يدعى عهود أو عصور اسلامية، وهاته القاطرة الطويلة من الشعوب والقوميات الاسلامية التي تبلغ تعدادها ثلاثة مليارات. هل كان كل هذا ثمرة شخص واحد، شخص يشبهنا ونشبهه؟.. ربما..
إذا كنا نشبه (محمدا) أو يشبهنا، فما وجه الشبه؟.. ماذا يجمعنا به ولا يجمع غيرنا؟.. طبعا.. ليس الملامح والمظاهر الخارجية.. لكن العقل والارادة والقدرة الفائقة على الابداع والمبادرة والترويج والتنظيم وقيادة الثورة.. الثورة المستمرة التي سوف تقود نفسها بنفسها، طالما كان ثمة (مخلصون)، يحملون في قلوبهم نسغ الثورة والابداع والعمل التاريخي.
لولا محمد بن عبدالله لما كان (العرب): (أمّة)!. ولاستمروا قبائل وبداة قرونا حتى يغزو الغرباء أرضهم من جنوبها وشرقها ومن شمالها وغربها، وكان جرى لهم ما يحتمل مختلف الأوجه. وما يعننيا اليوم، هي تلك الأوجه الاحتمالية وغير المحتملة التي كان سكان العرابيا سينتهون إليها!..
والأمر الآخر، أن يفكر كل مسلم من غير العرب والعرابيا، ما كان يحتمل أن يكونه اليوم، وفي مقدمة هؤلاء أخوتنا في تركيا وايران. وسوف أجزم سلفا، أن يعتنق الترك من مغولهم حتى عثمانيهم وكمالهم الصليبية الأرثوذكسية، ولكن ماذا عن الايرانيين من غير الترك؟.. هل يختارون اليهودية أم المندائية؟.. أم يعودون لعبادة النار وطاووس الملائكة؟..
إذن، كانت سيفوت على الترك ابتداع الطرق الصوفية البكداشية والقزلباشية، ويفوت على الايرانيين ابتداع الطرق الباطنية والشيعية!. وعندها كان حكم العثمانيين سيستمرّ خلفا لأباطرة بيزنطه، ولن يجد نفوذهم في أوربا العداء الذي وصفهم بـ(قره حسن) واللصوص، باعتبار أن الأوربيين لا يعرفون ولا يفهمون في السرقة واللصوصية والغزو والنهب.
أما أخوتنا في أيران، فكانت دولتهم، أعني نجدتهم اليمنية، لحمايتهم من الأحباش الصليبيين، تأخذا طابعا تاريخيا، تترتب عليها حقوق الأقامة والجنسية والإرث والمصاهرة والسلطان. ولا بأس عندها بإشعال النيران على مرتفعات صنعاء وحضرموت وفتح مكاتب جباية على طريق قوافل الحجاز. وبدل أن ينسب شيوخ ايران أنفسهم للسادة الحجازية، كان شيوخ الحجاز ينسبون أنفسهم للبرامكة.
زرادشت لم يقد ثورة اجتماعية فكرية مسلحة مثل محمد، لكنه حكم بالموت في بلده. وكان مصيره أفضل من ماني الذي سلخوا جلده. وليس واضحا مغزى رعب الايرانيين من فكرة الدين. ولكن فضيلتهم أنهم بقوا بلا دين، يعبدون النار والنور.
لكن الغريب وغير المعقول وقوعهم في غرام الاسلام، وحبّهم الشمولي لآل بيت محمد، من غير محمد نفسه.
في جيش محمد، أو قوافل الاسلام، خرجت وتخرجت جيوش تحمل مختلف التسميات والرتب، وتتقاضى أعلى الهبات والخمس والصدقات والكرامات والوجاهات التي لم تخطر في بال محمد، بدء بالصحابة والعشرة المبشرة، والخلفاء وآل البيت، وشيوخ الدين والعلماء، ووالمجتهدين والآيات، والأئمة والأولياء، والسادة والأشراف، والمرجع والطالب والعبد والخادم، إلى مراتب الاماء والجواري وذات اليمين وذات الشمال.
كان ما كان، وكلّ ما كان، هو خروج العرب من المتن إلى الهامش، ومن الهامش إلى هامش الهامش.
وقد كان العرب في الهامش، فوضعهم محمد في المتن، والمركز، فلبثوا فيه حتى حين، والحين هو القرن، وما بعده زاغوا، وحنّوا لدفئ الهوامش.
لماذا لم يشهد تاريخ العروبة شخصا/ أشخاصا من معدن محمد بن عبدالله وطرازه الفكري والقيادي؟.. سؤال..؟!.
هل حصل.. من.. من.... الشخصيات القليلة ذات الجاذبية السياسية في الحكم العربي ليسوا سياسيين، بدء بعمر بن العزيز حتى صلاح الدين الأيوبي..
لماذا لم يقم بأمر هاته الأمة رجل تكون له الراية والرواية، القيادة والسيادة، وبه ترتفع الأمة وتسود، كما ارتفعت وسادت بمحمد؟.. الدين والدولة، السياسة والأخلاق، الغاية والوسيلة، الايمان بالذات، واجتماع الناس حوله.
لا توجد احصائية سكانية عن نفوس الحجاز في أول القرن السابع الميلادي، لكنهم بالتأكيد لا يعادلون نفوس مدينة متوسطة من مدن اليوم. حوالي المليون، أو أدنى. كم مدينة تتشكل منها خرائط بلدان العرب اليوم، وكم نفوس كلّ مدينة.. وكم (محمّدا) فيهم؟..
الفكرة هنا، هي تعاكسية.
فقد تعلّم عرب اليوم أن ينظروا للغرب ومجتمعاته، ويحتكموا لسياساته ونجومه الفنية.. ولكن لا لفتة للذات. ولا وقفة مع النفس ونظرة في عمق التاريخ، وأصل الشجرة التي زادت أغصانها واشتبكت، حتى لم يعد أحد ينظر إلى الجذع والجذر الذي حملها ويحملها. ونحن مع الجذر واجذع وليس مع الأغصان التي تتمادى مع الرياح، وتميل.

(2)
لم تتوفر المكتبة العربية على قراءة عقلية أكادمية شاملة، للعالم العربي بعد سقوط الحكم العباسي، وهذا يشمل طبعا، الموقف من الحكم العثماني، للعالم العربي. ونحن لم نعش هذا الحكم، كما عاشه أجدادنا، لكننا نجترّ آثاره وتبعاته، ونحاول تغطية فضولنا وحاجتنا من خلال ما يتعرض لذلك من أدبيات عربية وأجنبية.
والعثمانيون عموما، يعودون إلى قبائل مغولية من وسط أسيا، نزحوا شرقا في شكل هجرات سكانية شبه قبلية تارة، وفي شكل غزوات استيطانية عنيفة تارة أخرى، وما تزال مواطنهم الأصلية، حافلة بالسكان وتنظيماتهم القبلية، المتوزعة بين الجمهوريات الاسلامية الخمسة شرق الصين وجنوبي روسيا الاتحادية، وبين سكان التبت.
هناك ثلاثة احتمالات لتحديد (وقت وكيفية) دخولهم الخريطة العربية، وهي..
1- قبل الاسلام، وهذا يعني قبل ظهور المسيح أو تاليا له، لأن كثيرين منهم، اعتنقوا المسيحية.
2- بعد الاسلام، وهذا يعني عقب وصول المسلمين حدود الهند والصين وبخارى، مما فتح أمامهم هجرة غير عادية.
3- الحملات المغولية الثلاثة بدء بالقرن الثالث عشر واجتياح بغداد في (656 هـ/ 1258م).
ولا نغفل هنا، ان وسط أسيا تبدأ من شرق الهضبة الايرانية التي لا يفصلها عن العراقي غير سلسلة جبال زاكَروس. وأنهم يشكلون المكوّن السكاني الأكبر من سكان ايران المتكونة أساسا من خمس قوميات [فرس، ترك، كرد، بلوش، عرب]. وفيما يشكل الفرس أقلّهم عددا، يشكل الترك الأغلبية الساحقة، وهم على الدوام شركاء الحكم في الدولة والدين.
ثقافيا، ينتسب المغول/ الترك للتكوين الانثروبولوجي الأصفر، والممثل بالشعب الصيني مركزا. وفي الثقافة الصينية، يختلف مفهوم الدين ودوره، عنهما في محيط شرق المتوسط والعالم العربي. الدين ليس عنصرا رئيسا في تشكيل الفرد وهويته، أنما هو عنصر تنظيمي للحياة، يسند النظام السوسيوسياسي العسكري،ويملأ فراغاتها.
وإذا كان المغول تاويين وبوذيين في أصول عقيدتهم، فلم يتأخروا في اعتناق المجوسية والمسيحية والاسلام، كلا حسب ثقافة محيطهم السكاني. وهو ما ينعكس في تشيعهم في ايران الصفوية وتصوفهم في الدولة العثمانية والتركية. ولعلّ هذا ما يتصل من جهة، ويلقي ضوء بالمقابل، على جذور الدين السياسي التنظيمي في الإسلام.
الملاحظة الرئيسة، فيما يتعلق بالدّين، هي البراغماتية الديماغوجية. وهذا يفسّر في العموم، عدم اهتمام الدولة الايرانية باتخاذ دين رسمي لها قبل بني بويه، ولاحقا مع تأسيس الدولة الصفوية. وإذا يصف المؤرخون الامبراطورية الايرانية باللامركزية والانفتاح من هذا الجانب، ماكانت لتغفل أو تتسامح عن أي تهديد اجتماعي أو سياسي يشكله الدين.
لذلك أيضا، في مقابل التجارب السياسية الأخرى، المركزية وغير المنفتحة كثيرا في صعيد الدين، كانت ايران مثالا نادر المثيل، في التنكيل والتصفية والاضطهاد، مع كل من [زرادشت، ماني، ] وغيرهم. مما يكشف بالمقابل درجة التطرف الاستثنائية في مصادر حرية الاعتقاد وفرض دين رسمي بقرار ملكي أمبراطوري، تشكل حافته الأخرى، الوقوع خارج الانتماء والمواطنة.
وهذا كلّه يصبّ في الوظيفة السياسية لـ(الدّين)، وليس طبيعته وجوهره اللاهوتي والعاطفي. وقد كان البرامكة من كهنة المجوس وسدنة معابد النار، تولوا خدمة العائلة الحاكمة في بغداد العباسية. وإذا كان البرامكة، أسوة ببني بويه، من أصول فارسية، فقد استحث تصدرهم الدولة والدولة، العنصر التركي الايراني، ممثلا في (السلاجقة).
ولم يقبل (بنو سلجوق) بـ- نصف الكعكة- كما يقال، وانما استولوا عليها بالكامل. فبنو بويه ارتضوا بالتشيّع الديني، والبرامكة ، ارتضوا بالمركز السياسي الثاني في الدولة، فيما استولى السلاجقة على كل من الدولة والدين، وفي اتجاه مخالف ومناوئ للخط البويهي المتشيع، مروجين للتوجه السنّي.
معناه، ان الصراع الباطني/ الخفي/ غير المباشر، بين العنصر والخطّ البويهي/(فارسي متشيع)، والعنصر والخطّ السلجوقي/(تركي متسنّن)، هو الذي عاد وتكرر في الانقسام الصفوي العثماني، وكلاهما ظهرا في وقت متقارب وحقبة زمنية واحدة، عقب زوال نفوذ بيزنطه السياسي والعسكري.
عندما يكون ثمة صراع مستديم، بين خمسة إلى ثلاثة قرون، وعلى أرض خارجية، يجري تصفيته وغربلته: (خارج المحيط الجغرافي والسياسي لايران)، فلابدّ ثمة جذورا كامنة، لذلك الصراع على الوجود والسيادة، في داخل المحيط الايراني، صراغ الأغلبية التركية ضدّ الأقلية الفارسية، وهذا ما يمكن قراءته في اختلاف وتهاوي سلالات الحكم الايرانية عبر التاريخ، ومنها التاريخ المعاصر، بين الصفوية والقاجارية والبهلوية، وليس أخيرا الخمينية* وولاية الفقيه.
معناه، أن دخول (الطائفية) في حياة العرب والاسلام، منشأها (ايران)!.
وهي التي روّجت لها في قصور العباسيين، وتخذتها (أداة) لمصادرة الحكم وتسلق كاهل الدين والدولة. وكان التأطير الايديولوجي والفكري والاجتماعي لأيولوجيا الطائفية، بيد العنصر الايراني، الذي لما يزال يغالب ويفرض نفسه في منصة المرجعية الدينية في النجف وكربلاء على أساس الخلفية العنصرية/(الأصل والمرجعية الايرانية)، على حساب المرجعية الوطنية العراقية، للمجتهدين من أصول عربية عراقية.

(3)
فـ[السطحية والتطرف والاستغلال السياسي والسلطوي] للدين، ثلاث سمات لا غنى عنها، لفهم الاتجاهين الطارئين على الفكر والفلسفة الاسلامية. وقد كان الغزالي والطوسي، كما الطبري والبخاري، وكثير غيرهم، من أصول ايرانية، تركية وفارسية. ومركز الطوسي عند أتباع التشيّع، يضاهي مكانة الغزالي عن أتباع التسنن، وهما متعاصران نسبيا. ولعلّ هاته الملاحظة السريعة، تلقي بعض الضوء على محيط ما يعرف بـ(محنة الغزالي) ومغادرته بغداد، وهو من أرباب السلاجقة ورعاياهم يومذاك.
ولاكتمال القاعدة المثلثة لفهم الدّين عند المغول والفرس، لا بدّ من إضافة عنصر(القومية)!. وتقرأ الايديولوجية القومية في ظاهرتين:
1- تأكيد كتبة الاسلام العباسي على (عالمية/ أممية) الاسلام، وذلك بقصد مضمّر، لتهميش دور العرب والمركزية الحجازية القريشية في الدّين والدّولة.
2- ارتباط الزعامة الطائفية في الاسلام لليوم، برموز وعناصر غير عربية، وبشكل ينتهي لاختزال عنصر العروبة والعربية في الاسلام. فإذا كان الفرس وايران، يحكمون قبضتهم على صدارة التشيّع، نلحظ الدور نفسه، في تصدّر الترك/ (اربكان، اردوغان) لحركة الاخوان المسلمين العالمية.
لقد ارتبط الصعود السياسي والقومي للعرب بالإسلام، ولم ينجح العرب في المحافظة والاحتفاظ بالإسلام، في مواجهة التنافس القومي/(الشعوبي) الذي فتح بابه بنو العبّاس، فكان افتراق العروبة عن صدارة الاسلام، افتراق العرب عن الصدارة والسيادة بالمقابل.
واليوم، بعد حوالي عشرة قرون، من اشتعال جذوة الانقسام والتمرّد على البيت العربسلامي ومركزية شعار (التوحيد) السوسيوسياسي في الاسلام، تتصدر تركيا وايران قاعدة الخلافات والخلافة الدولية باسم الاسلام، مدعومين من القوى الرأسمالية والامبريالية، بينما يلعب العرب دور المتفرج والضحية: ولسان حال العروبة يقول، ما قالته امّ الأحمر لابنها:
ابكِ مثل النساء ملكاَ.. لم تحافظ!.. عليه مثل الرجالِ!
هل انتظر العرب الحماية والضمان من الترك العثمانيين، حتى وقعوا بأيدي الصليبية الحديثة، أم ينتظرون الحماية والضمان من الفرس الايرانيين، الذين جعلوهم ورق طاولة في المواجهة مع واشنطن!.. وما يزال العرب ينقسمون، وينتظرون..!
ــــــــــــــــــــــــــ
• في أعقاب اعلان الجمهورية الايرانية كان الصراع محتدما حول الزعامة الدينية بين الخميني ومنتظري والطالقاني، وقد حسم الموت ذلك الصراع مؤقتا.


(4)
أما شبه جزيرة العرابيا، فلم يكن النفوذ العثماني فيها إلا اسميا. ولم يبنْ لها أيّما دور أو محاولة، لعمرنة الأقاليم الجنوبية وتطويرها، وحمايتها من الهجمات الخارجية، التي كانت موافقة لحروبها في شرق أوربا، ومحاولتها اختراق النمسا، التي كانت – على غرار بطرسبرج لالمانيا- بداية نهايتها.
فشلها أمام النمسا، جعلها –هدفا- للهجمات المضادّة من جبهة الجنوب؛ وفتح عليها أطماع البلدان الغربية، التي بدأت منافسة النفوذ الامبراطوري العثماني، بنفوذ امبراطوري غربي، يعقب النفوذ الامبراطوري الروماني الزائل.
ولم يعن لساسة الأستانة واعلامها السياسي ونخبها الثقافية، الانتباه لظهور أساطيل فاسكودي غاما والبوكركه في المحيط الهندي، وتعرّضها للعرابيا الجنوبية. فغياب النفوذ العثماني في شبه جزيرة العرب والاهتمام بشؤونها وتطويرها اداريا، ترتب عليه أمران:
استمرار أوضاع شبه الجزيرة العربية، على ما هي عليه، دون تغيير أو تطوير منذ أيام العباسيين.
ظهور مبادرات قبلية وداخلية لسكان شبه جزيرة العرب، لتنظيم أمورهم وادارة بلادهم، وحمايتهم سياسيا وعسكريا.
وفي ظل النتائج المؤشرة أعلاه، لم يعن للأستانة التقارب ومد يد العون والدعم للامارات والحكومات القبلية المستجدة. وبدل تقديم الدعم العسكري والستراتيجي لها، في تصدّيها لهجمات الملاحقة الصليبية، فأنها نظرت إليها كحركات تمرّد وعصيان على المركز، وواجهتها بالقمع العسكري الذي سبق فشلت فيه أمام أوربا الغربية.
ومع أنها لم تحرز غير الهزيمة في معاركها ضد حكام الدّرعية، فقد أخلت المياه الجنوبية قوة الحماية الكافية، وكأنها تخفض جناحها وتسلّم الأرض - موارَبة-، للصّليبية الكولونيالية. وذلك هو تاريخ ابتداء تلك الكولونيالية التي ستتخذ من (الرأسمالية الغربية) صفة لها.
فالحكم العثماني من هذا المنظور، كان عدوّا للأوربيين في الغرب، بينما كان غطاء لهم في الشرق. ومن غير المصدق أن يجري تاريخ أربعة قرون من هجمات ومجازر صليبية في المحيط الهندي، - بين الهند ومصر- في ظل غياب تام للنفوذ العثماني الذي تخذ لنفسه ألقاب (أمير المؤمنين) تارة، واعتبر نفسه حاميا ووصيا للاسلام والمسلمين في العالم.
ويتضح من خلال سياساتها الاجرائية، وتكليف حكام العراق بالقيام بعمليات عسكرية في نجد والاحساء والخليج، اعتبارها منطقة الخليج وشبه الجزيرة تبعا لولاية العراق، سواء من بوابة بغداد الوسطية أو البصرة الجنوبية. وكان الأولى بها تقسيمها إلى ولايات يديرها ولاة رسميون مقتدرون.
فالاهمال العثماني للبلاد العربية من جهة، والتخلف العثماني على كافة الصعد من جهة مقابلة، كان له مباشر وسلبي في تردي حال العرب على مدة سبعة قرون. ومن المؤسف عدم ظهور قيادات سياسية وكارزماتية خلال تلك الحقبة الطويلة، لانشاء كيان سياسي اقليمي أو موحد، كان من شأنه تحسين صورة الجغرافيا السياسية والسكانية لعرب المشرق.
ومن الملاحظات الواردة في هذا السياق، تلك القطيعة السلبية بين مجتمعات شمالي العرابيا وجنوبها، وشرقها وغربها. وإذا أهمية التساؤل عن غياب العقل القيادي والكارزما السياسية، فالسؤال اللاحق له، هو دور الدين، أي شيوخ الدين وعلمائه وقادة مذاهبه في ولاية أمر الناس، وملء الفراغ السياسي المحلي والاقليمي والقاري.
ربما، ينبغي الالتفات إلى كون عرب أفريقيا أكثر وعيا سياسيا ووطنيا، ونجاحا في تولي أمورهم، ورأب الفراغ السياسي، منذ تردي النفوذ العباسي حتى القرن العشرين. بينما يبدو عرب المشرق، باستثناء تجارب مجتزأة في فلسطين ولبنان، مدعاة للأسف.

(5)
وعدبلفور.. المبررات والأبعاد*..
قبل (75) عاما/(2 نوفمبر 1917م) أصدرت بريطانيا على لسان وزير خارجيتها – بلفور- وعدها الشؤوم سيء الصيت... بتخصيص وطن قومي لليهود- الشتات- المتوزعين في بلاد الأرض. وكان ذلك بداية االجهود والمساعي الرسمية وغير الرسمية التي بذلتها بريطانيا لتحويل هذا الوعد إلى واقع حال. كما كان الضوء الأخضر الذي ارتكزت اليه الجماعات والفرق اليهودية، في التوجه إلى الفردوس المفقود.
على أن مسلسل الهجرة اليهودية الى فلسطين، قد سبق ذلك التاريخ، كما كشفت عنه الملفات والثائق الرسمية العثمانية، وتضمنت جداول بأعداد الوافدين اليهود وعقود مبايعات أراضي مسجلة في سجلات الطابو/(التسجيل العقاري)، مصدقة حسب الأصول الرسمية، مما يدل على أن مخطط الهجرة لم يبدأ مع وعد بلفور، وانما سبقه بكثير.
وأكثر ما يتم الربط بين اوعد المشؤوم، وبين مقررات المؤتمر الصهيوني الأول المنعقد في بازل بسويسره سنة (1897م)، دون اشارة لمغزى أو صورة الربط بين المؤتمر المنعقد في سويسرا، وبين حكومة بريطانيا بفاصل زمني مقداره (20) عاما/(1897- 1917). وهو أمر ليس من قبيل المصادفة التاريخية، إذا علمنا بوجود تيودور هرتزل زعيم مؤتمر بازل والحركة الصهيونية في بيت روتشيلد لندن/(بيكاديللي الرقم 4) خلال اعداد قرار بلفور واطلاعه المباشر عليه، قبل اقرارهو صدوره رسميا.
كما ان طبيعة الظروف السياسية والدولية، حيث تدور رحى الحرب العالمية الأولى، وظروف بريطانيا الداخلية اقتصاديا وعسكريا، ناهيك عن جملة الأحداث والمعاهدات التي سبقت ذلك، مما يضعنا أمام صورة الحتمية التاريخية، التي وجدت بريطانيا نفسها فيها، لاصدار مثل هذا القرار. ان ابرز المؤشرات الدولية والسياسية التي سبقت ذلك، يمكن ايجازها في..
6- بدء عمليات الحرب العالمية الأولى (1914م)، بين الحلفاء بقيادة بريطانيا ودول المحور بقيادة المانيا.
7- تحالفات بريطانيا مع العرب للوقوف الى جانبهم ضد العثمانيين، مقابل عهود ومواثيق قطعوها للشريف حسين بن علي/(حسين- مكماهون). وبدء عمليات الثورة العربية من الحجاز/[9 شعبان 1916م] ضد الدولة العثمانية.
8- اتفاقية سايكس بيكو/(1916م) بين بريطانيا وفرنسا، وهي الاتفاقية اتي أقرت واقع الانتداب، وتقسيم ارث الدولة العثمانية بين فرنسا وبريطانيا، وبالشكل المعروف.
9- نجاح الثورة البلشفية في موسكو، وظهور النظام الاشتراكي الجديد، وهي الثورة التي فضحت اسرار سايكس بيكو امام العالم.
10- كما تجدر الاشارة الى ان بريطانيا لم تكن حتى ذلك التاريخ/(1917م) قد حسمت عملياتها العسكرية في المناطق التي اندفعت فيها جيوشها، ولم تحكم سيطرتها عليها أو على دفة الحرب.
وثمة.. ما الذي يجعل الحكومة البريطانية في خضم ذلك... تفكر بحقوق اليهود وآمالهم القومية؟.. وما هي جملة النتائج اتي يمكن قطفها من هذا القرار؟.. وأثر ذلك في توجيه دفة الحرب؟.. وهل يمكن أن تكون لمثل هذا القرار كل هاته الاثار السياسية والعسكرية والدولية؟..
ان جملة الأحداث والتغيرات السياسية والعسكرية، بما فيها وعد بلفور، لا تنفصل عن جملة مقررات ما يسمى – تقرير بانورمان-. ذلك التقرير الذي تولى التنظير والتخطيط للوضع العالمي للقرن العشرين.. منذ بواكير هذا القرن.. وبالتالي.. فأن جملة ما تحقق ليس غير جزء من بروتوكولات بانورمان.
وكان كارل بنورمان وزير خارجية بريطانيا قد دعى نظراءه في الدول المهيمنة الكبرى في العالم، لمناقشة الاحتمالات المختلفة للوضع الدول الجديد، وسبل المحافظة على عناصر قوة وهيمنة دولهم على العالم. وقد انتهى اجتماع وزراء الخارجية ذلك سنة (1903م) إلى انشاء لجنة من علماء ومستشارين ومختصين، لاعداد دراسات سياسية ومستقبلية لازمة في هذا الخصوص. واستغرقت مداولات تلك اللجنة التي سميت لجنة بانرومان ثلاث سنوات [1904- 1907م]، قدمت بعدها تقريرها الذي تضمن جملة استنتاجات وتوصيات، راهنية ومستقبلية..
4- الدول المرشحة للانهيار والسقوط والزوال.
5- القوى الجديدة في الأفق، والتي يمكن أن تهدد ميزان القوى العالمي من خلال القوى الكامنة فيها.
6- أهم المواقع والزر والخلجان الرئيسة الستراتيجية في العالم.
وكان لامتداد الدولة العثمانية حول حوض البحر الأبيض المتوسط شمالا وشرقا وجنوبا، وهيمنتها على وسط وجنوب العالم؛ إضافة إلى البنية التقليدية لها، وتخلفها الاداري والاقتصادي والسياسي، أثره في إثارة أطماع الدول الغربية، للانقضاض على – رجل أوربا المريض-، وتوزيع ارثه وممالكه بين الدول الأوربية القوية. وذلك ما تحقق، فكانت ثورة الدستور/(1908م) الاسفين الأول لهدم صرح الامبراطورية الخرافية المتخلفة، بعد عام واحد فقط من انتهاء أعمال لجنة بانورمان. ثم استمر تهاوي ممالك العثمانيين، ونشوء حركات وجمعيات ومنظمات قومية داعية للاستقلال والتحرر، تأثرا بأفكار الثورة الفرنسية، ومنها الجمعيات العربية كالعهد ومصر الفتاة واجتماع القوميين العرب بباريس/(1913م).
وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، أسرعت بريطانيا بوضع قواتها في ثغر الخليج العربي واحتلال العراق، بينما وضعت فرنسا قواتها في مصر وطرابلس للاستئثار بالجانب الأفريقي. وكان لهذا التقسيم الجغرافي لممالك العثمانيين بين فرنسا وبريطانيا، أثر في وضع معاهدة سايكس بيكو/(1916م). على أن انهيار الرجل المريض واقتسام ارثه ليس غاية المراد، لأن ما يتهدد الغرب، هو الخشية من عناصر الوحدة والتكامل والانسجام، التي تكفل ظهور دولة قوية موحدة. وثمة ضرورة لوضع ما يعيق كل احتمال لوحدة ونهضة القوة العربية الاسلامية، وهو مبرر قرار وعد بلفور/(1917م) الهادف لتحقيق عدة أغراض..
9- فصل القسم الأفريقي عن القسم الأسيوي.
10- السيطرة على حوض البحر الأبيض المتوسط.
11- السيطرة على قناة السويس وشمال البحر الأحمر.
12- السيطرة على مركز الأديان السماوية الثلاثة.
13- ان زرع اسرائيل في وسط بلاد العرب، يعني زرع خطر دائم محدق، يهدد بالتوسع من النيل إلى الفرات باستمرار. مما يدفع العرب للانشغال بمواجهة هذا الخطر وتأمين الاستعدادات العسكرية اللازمة لمواجهته؛ ولذلك تنشغل عن تأمين عوامل ومستلزمات نهضتها العلمية والاقتصادية. فلا غرو أن تنشأ في الشرق الأوسط أكبر ترسانة أسلحة ونقاط توتر وتهديد دائم.
14- اضافة لكون زرع اسرائيل بين العرب سوف يوجه عداء العرب نحو اليهود، بدلا من الدول الغربية الكولونيالية، وسيما بريطانيا وفرنسا..
15- فأن ذلك يعمل على توجيه العداء اليهودي نحو العرب، بدلا من الغرب المسيحي الذي أعمل ضد اليهود عديد الجرائم والمجازر، فضلا عن الحقد والضغينة التي تشربها الطفل المسيحي الأوربي ضد اليهودي البشع المرابي. وربما توسمت بريطانيا، من خلال هذا الجميل والكرم الانجليزي مسح صفحة العداء والضغائن المتراكمة في نفوس يهود أوربا وغسل اثامها وسيما من خلال سيل المساعدات والاعانات التي لا تزال اوربا الغربية تصبها على دولة اسرائيل.
16- ان أوربا الغربية، ضربت عصفورين بحجر، التخلص من اليهود، الذين يتنامى دورهم ووجودهم ورساميلهم في أوربا(*)، وضمان اخماد طموحات العرب في الوحدة والنهوض والتقدم والتحرر، من خلال تهديد كل منهما للآخر.
ولا زلنا حتى اليوم نشهد سريان مقررات لجنة بانورمان، في ترسيخ التقسيم والتجزئة، والمزيد من المزيد من اتكتل والتذرية. بينما تعمل الدول الغربية على دعم هيمنتها على الشرق الأوسط والعالم ، وتزعمه في صورة النظام العالمي الجديد.
ـــــــــــــــــــــ
• جريدة صوت الشعب الاردنية- الثلاثاء 10 نوفمبر 1992م
• يعود وصول اليهود إلى انجلتره إلى العام (1070م) بدعوة ملكية لأغنياء يهود أوربا وألمانيا، للاستفادة من أموالهم في تمويل بلاط الملك وحروبه من جهة، وتقديم ضمانات لهم لبناء نواة اقتصاد محلي وحاشية ارستقراطية للملك. وعلى مدى عشرة قرون تتالى وصول يهود غرب أوربا لانجلتره، ولكن حقوقهم السياسية بقيت متواضعة، في مقابل الخدمات التي أسدوها للعائلة المالكة والاقتصاد التجاري الانجليزي. لكن الازدهار الاقتصادي والنمو الدمغرافي الانجليزي في النصف الأول من القرن العشرين انعكس سلبا على الجماعة اليهودية الانجليزية التي بدأت تهاجر غربا نحو الأمريكتين، ولم يتبق منهم في خميسنيات القرن العشرين غير عدد يقل عن ثلاثمائة ألف معظمهم من الفقراء على هامش المجتمع الانجليزي/(Londoners Jews) .

(6)
النظام العالمي الجديد.. واقع وتصورات*..
ارتبطت صورة ما يعرف بالنظام العالمي الجديد، مذ بدء الحديث عنه، بالتكتلات الدولية والسياسية الكبرى، وعلاقات التكامل والتوازن والتآلف اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، ممثلة بادئ ذي بدء بحلم الوحدة الأوربية الموعودة سنة (1993م)، البوتقة التي تذوب داخلها الأم الأوربية على اختلاف لغاتها وأعراقها وخصائصها وتراكيبها، وتصورات الحكومة الكونية الموحدة لشعب الأرض.
ولكننا مع أولى تطبيقات هذا النظام، نجد العكس هو الصحيح. من حيث تفتيت التكتلات الدولية والكيانات السياسية، إلى أجزاء وجزيئات صغيرة منشرذمة، كما حصل مع الاتحاد السوفيتي والاتحاد اليوغسلافي وبقية حلف وارشو، وكما يحصل الآن مع مشروع ماستريخت بين الدول الأوربية، من عراقيل وإعاقات وانقسامات إلى كتلتين بين مؤيدين ومعارضين للمشروع(*). وثمة، فأن صورة النظام العالمي الموعود والتي يمكن استنتاجها، من خلال قراءات الواقع الراهن، انما تتمثل في النقاط التالية..
1- تفتيت التكتلات والتنظيمات السياسية والدولية والكيانات الكبيرة التي يمكن أن تشكل قوة متكاملة مستقلة، إذا توافرت لها ظروف مناسبة؛ والاستمرار في التفتيت والتجزئة والتذرية(*) حتى تأمن تهديدها للنظام العالمي وتجردها من كل رموز قوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية. وهكذا تندرج في (حظيرة) النظام العالمي الجديد –من غير أنياب أو مخالب- راضية مرضية.
2- توزيع بؤر (جيوب) توتر وغليان وانفجار في كل مكان من سطح الأرض وزرع خلافات ونزاعات مسلحة وحروب جانبية حيثما أمكن الى ذلك سبيلا... واختلاق أسباب وخلافات وظروف تؤدي لذلكظ، للاستفادة من النتائج التي تسفر عنها تلك النزاعات..
أ‌. اضعاف القوى المتحاربة وتصفية الرؤوس والرموز، وما تتطلبه ظروف المعارك من حشود سكانية وقتالية هائلة لادامة زخم المعارك.
ب‌. زرع أحقاد وضغائن وثارات بين الطرفين، وتلطخ أيدي كل فئة بدماء الفئة الثانية، حيث تتحول الاحقاد والثارات الى احقاد تاريخية متوارثة في ذاكرة الاجيال. مما يضمن توافر نقاط توتر ساخنة تهدد بالغليان والانفجار في كل وقت. ويستلزم هذا حيزا من أولويات كل طرف لتهيئة جيوش وامكانات عسكرية لازمة لذلك.
ت‌. تدمير البنى التحتية والارتكازية القريبة في ساحة القتال أو البعيدة عنها أيضا، إذا كانت العمليات العسكرية تجري في نقاط عمق ستراتيجية، لاضعاف مؤخرات الجيش ومصادر التموين والذخيرة.
ث‌. اشغال قطاعات واسعة من الشعوب المتحاربة عن ممارسة دورها الاساسي في الياة الاقتصادية والعلمية والاجتماعية، وما ينجم عن ذلك من تحويل بنية الدولة والمجتمع من بنية تنموية انتاجية الى بنية استهلاكية تابعة.
ج‌. فسح فرص أوسع للتغلغ السياسي والاقتصادي والتلاعب في أمور البلاد الداخلية من خلال الطابور الخامس.
3- الغرض الأساس من وراء فرض النظام العالمي الجديد، وما يلقى عليه من لبوس الدمقراطية والحضارة والثقافة، انما هو التنفيس من الاثار التضخمية المتنامية للاقتصاد الراسمالي، وتأمين الأسواق الاقتصادية اللازمة. ولسنا هنا في معرض الربط بين أزمة الاقتصاد الأوربي عام (1938م) والحرب العالمية الثانية في السنة اللاحقة.
لأنه لا يمكن عزل التغيرات السياسية والاحداث العسكرية في أي مكان مكان من العالم، عن الأسباب الاقتصادية المؤدية لها، والمنافع الاقتصادية المترتبة عليها. لقد استطاع الغرب الصناعي، ومن خلال النقاط الانفة الذكر، ابعاد شبح الازمة الاقتصادية التي تضع الراسمالية على شفا الانهيار.. وذلك من خلال تسريب وتصدير اثاره التضخمية ومخلفاته الاقتصادية الى الدول الأخرى. فلكي يستمر النظام الراسمالي في انتاجه الكبير، ويستمر في قطف ارباحه المجنونة، ويبقى المجتمع الراسمالي بعيدا عن الازمات الاقتصادية وما يترتب عنها من ازمات اجتماعية وسياسية؛ لا بأس من تفكيك دول وانشاء كيانات ذيلية وتدمير قواعد صناعية ضخمة واغرق العالم في حروب ونزاعات مسلحة متواصلة. وهكذا يعود العالم سوقا لتصريف منتجات المصانع الغربية العسكرية والغذائية والاستهلاكية المختلفة، ومصدرا من مصادر المواد الخام الرخيصة/(المادية والبشرية). وهكذا ينبني النظام العالمي، الجديد القديم، وتبني الرأسمالية المهووسة امجادها المزيفة على حساب الشعوب وجثث العالم الثالث، وفوق بحيرات الدم البشري.
ان مراجعة سريعة للوضع الدولي، يبين كثرة عدد الحروب الاهلية المندلعة في العالم هنا وهناك، في مناطق كانت تعتبر من أكثر الاماكن استقرارا سكانيا في العالم. فقد عمل الغرب زرع اكثر من جيب في بنية المجتمع العراقي بعد فرض الحصار والعقوبات الدولية عليه. وتفنن في اثارة وتحريك تلك الجيوب بمختلف الوسائل والأسباب من الداخل أو من الخارج، لفتح معارك داخلية او اقليمية، في ألعاب يفترض أنها اصبحت مكشوفة من كثرة تكرارها عبر عهود السيطرة الاجنبية الطويلة في الشرق.
ومن الامثلة البارزة لتلك الاوراق صراعات الكرد عبر الحدود مع اشقائهم [العراق- تركيسا- سوريا] أو الازمات داخل الهند وباكستان أو بينها وبين اخوتهم في افغانستان وطاجكستان، أو صراعا البوسنة والكروات والصرب والالبان وكوسوفو، بعدما كان شعبا واحدا ومجتمعا موحدا. ومنها الصراعات والتوترات الافريقية لاسباب مياه أو أراض أو حدود أو قبائل، ويبقى الفيصل، ليس انتظار شفاء الغرب الامبريالي من أمراضه التي لا يعيش من سواها، وانما ارتفاع معدل الوعي والانتماء والوطنية في مجتمعات العالم، وفي ضمائر الساسة والمسؤولين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• جريدة صوت الشعب الاردنية- الجمعة 30 اكتوبر 1992م
• مجلة الوسط العربية الصادرة في لندن/(ع125- 20 يونيو 1994م- ص8) نشرت تقريرا من بروكسل بقلم أنور يونس، تحت عنوان (انتخاب البرلمان الأوربي: انحراف نحو اليمين) ورد فيه.. أنها المرة الرابعة التي يجري فيها الاقتراع المباشر لانتخاب البرلمان الأوربي. الا أنها المرة الأولى التي يبدو فيها المشهد السياسي العام على جانب كبير من التفتت. قوى جديدة تصعد وأخرى تقليدية تهبط. المجموعة الاشتراكية تبقى الأهم في ستراسبورغ للسنوات الخمس امقبلة، لكن الأكثرية المطلقة هي أكثرية يمينية. مع تزايد عدد النواب المعارضين للمشروع الأوربي ومعاهدة ماستريخت.(..) ان أزمة الاقتراع الوربي الأخير، هي سيطرة المسائل الامحلية والداخلية على الاهتمامات الأوربية. ومن النتائج المباشرة لهذه الحالة السياسية الجديدة، اضافة الى تدعي موقف كول، صعوبة موقف ميشال روكار كمرشح طبيعي لرئاسة الجمهورية الفرنسية، وسيطرة بيرلسكوني في ايطاليا وتهديد مباشر للمستقبل السياسي لجون ميجور على رأس الحكومة الانجليزية. في أي حال، أنه اخر اقتراع لبرلمان ستراسبورغ في الصيغة الحالية،وابتداء من العام المقبل، مع التوسع المؤكد للنمسا والمفترض لسكندنافيا، يتضخم العدد الحالي للنواب البالغ (567)، من دون أن يشكل ذلك أي تأثير واضح على الميزان العام لقوى السياسية.
• بعدما كان العرب تحت الاحتلال الأجنبي المباشر وغير المباشر، فأنهم خضعوا لمقررات دولية في التنمية المدنية والعسكرية باستمرار وذلك لمراعات متعددة ومتعاقبة: أولها، عدم تهديد المصالح الغربية في المنطقة، وثانيها تعدم تشكيل خطر يهدد الأمن الاسرائيلي، وثالثها: عدم تهديد النظام العالمي الأمريكي الجديد، والذي تم تتويجه بقلع تام للانظمة العسكرية ودفع المنطقة في براثن الانحطاط والفساد والتبعية المباشرة للغرب بالزعامة الأمركية.



[41]
تاريخ الأخطاء..

(1)
حتى الآن لم يعقل العقل العربي، أن سقوط الدولة العثمانية، كان سقوط العرب، بغض النظر عن طريقة تعريف بعض سكان شرق المتوسط وشمال أفريقيا لأنفسهم. باعتبار ان [عروبة/ عرابيا] اصطلاح سياسي جغرافي لهذه المنطقة، فرض نفسه في العصر الميلادي، وريثا للعصر الآرامي السابق له.
لكن الدولة العثمانية لم تسقط تماما، فقد نجحت الأمة التركية في الاستحالة من النظام الامبراطوري إلى النظام الوطني الجمهوري، وبشكل يتضمن من عناصر قوة العقل والارادة والاقتدار، ما منع الكولونيالية الغربية من دخول المياه التركية، واعترفت انجلتره بالسيادة التركية الكمالية بعد هزائمها المتكررة في بحر ايجه.
ولم يحصل هذا في تركيا وحدها فحسب، وانما هو ما حدث مع امبراطورية الهابسبورغ في النمسا والمجر أيضا. فللحال، مع نهاية عمليات الحرب، اعلن عن تأسيس جمهورية النمسا في الثاني عشر من نوفمبر 1918م، رغم أن ترسيم حدودها الجديدة استغرق سنوات من المفاوضات لتبلغ صيغتها الثابة، وما زالت مقاطعتها الجنوبية (تيرول)، يمرّ خط احدود الايطالية النمساوية من وسطها، وأهلها اليوم يتحدثون اللغتين.
ومع ظهور مطاليب عربية من أرض الشام عقب التحول الدستوري عام (1908م) للمطالبة بالحكم الذاتي، ونشأت جملة أحزاب وحركات وجمعيات عربية قومية ووطنية تطالب بحقوق بلدانها السياسية، فأن الدولة التركية الجديدة، عرضت الحكم الذاتي على العرب، منذ عام (1920م) تحت الحماية التركية. لكن العرب الذين توزعت اراضيهم بين الاحتلال الاندليزي والفرنسي، لم يستجيبوا للعرض التركي من جهة، ومن الجهة الثانية، لم يفلحوا في اعلان استقلالهم السياسي بالاعتماد على أنفسهم، دون العبور من سيطرة أجنبية إلى سيطرة أجنبية، ويفقدوا القدرة والأهلية على ادارة ذاتهم وتنظيم أمور بلدانهم بأنفسهم، حتى اليوم.
بمعنى، ان الذي سقط هو النفوذ الامبراطوري العثماني، خارج شبه جزيرة أسيا الصغرى، وهي شرق أوربا وجنوب غربي أسيا والشمال الأفريقي. ولم يكن هذا السقوط –كما يوصف عربيا وأوربيا-، مفاجئا، ولا جبريا، وانما سبق للوعي العثماني التركي تداركه، كما في الاصلاح الدستوري لعام (1908م)، وظهور حركتي الاتحاد والترقي وحركة الائتلاف، والجمعيات والاحزاب العربية، التي شكلت بداية تقليص سلطات السلطان، لصالح توزيع السلطات بين رئاسة الوزارة والاهتمام بالشأن الوطني الداخلي، ومنح الأقاليم الامبراطورية قدرا من الحكم الذاتي اللامركزي، وهو الأمر الذي لم يفهمه عرب زمانهم ولا كانوا مستعدّين له، -أمس كما اليوم-.
هذا يعني، ان موقف العرب والمسلمين، المسوق بالدعاية الغربية، والمعادي للدولة العثمانية، بعد سبعة قرون من السيادة العثمانية، كان خطأ بالمرّة. مصطلحات [ثورة، تحرير، استقلال] طفت على مجانية لغوية وبؤس فكري، لاستعارة قدر من كبرياء كاذبة، قائمة على تزييف حقائق الأرض والتاريخ.
وأي ثقافة وطنية وقومية، يتم بناؤها على الكذب والتزوير؟.
لو كان العرب والمسلمون في العالم؛ والذين دقّ ناقوس الخطر أمام عيونهم، قادة مثل جمال الدين الأفغاني [1838- 1897م] وعبد الرحمن الكواكبي [1855- 1902م] وغيرهم، وقفوا في الخندق الاسلامي ضد الكولونيالية الغربية وأطماعها في بلدان العالم، لتغيرت موازين القوى في المعركة، ولما سقطت الامبراطورية العثمانية، ولابتدأ من بعد ثمة فجر جديد، وعصر اسلامي أكثر أصالة واقتدارا في دخول المستقبل.
إما وأن الامبراطورية العثمانية قد سقطت، فأن البلدان والاقاليم والمقاطعات التابعة لها، تتفتت وتمتلك إراداتها وإداراتها الذاتية لتقرير مصيرها كما تشاء، بغير لزوم لبطولة دونكيشوتية واستعراض خيانات تاريخية. ويعرف المؤرخون والقوميون، ان قوات الشريف حسين التي وصلت شرق الأردن، التقت بقوات اللنبي/(1916م) التي كانت هزمت العثمانيين، مما أبطل أي دور عسكري حقيقي، لما تسطّره كتب التاريخ بالثورة الشريفية، والمقاومة العربية من أجل (الاستقلال).
الثورة الشريفية والعربية، كانت اعلانا موقعا بالدم، للولاء لانجلتره التي كانت للحال، تفرض نفوذها على حوض الخليج وجنوبي العرابيا والبحر الأحمر وقناة السويس وشرق البحر المتوسط، قبلئذ بقرنين. والسؤال الموضوعي هو، لماذا لم يثر العرب ضد العدوان الانجليزي في الجنوب والخليج منذ القرن السابع عشر؟.. ولماذا الهوان ازاء سياسة الدمار الشامل التي اتبعها ضد سكان السواحل الغربية للخليج: [القواسم في رأس الخيمة وقطر] لتصفية امكانيات المقاومة الوطنية والعربية لهم؟.
تلك الوقاحة والاجتراء الانجليزي حصل لاحقا، بعد تذليل كبرياء سلطان عمان وتفكيك نفوذه، ومن بعده الحكم السعودي الذي قاوم الوجود الأجنبي الصليبي إلى جانب عمان في البدء، قبل أن تنكسر موازين القوى، وتنتصر السيادة الانجليزية، وتتغير اتجاهات الحكم العربي الاسلامي، من المنازعة إلى المطاوعة.
الخليجيون، عمانيين وسعوديين وقواسم (تحالف عرب الخليج قبل الغزو الانجليزي الأول)، تصدو للغزو الأجنبي لوحدهم، وبامكانياتهم الذاتية المحدودة، وكان كفاحهم موضع فخر، وألحقوا هزائم متتالية بقراصنة البرتغال وهولنده وانجلتره، رغم كل الممارسات الوحشية وأساليب العدوان الصليبي السافر، ضدّ سكان يعيشون داخل حدودهم الصحراوية والمائية وبلدانهم التاريخية.
خلال القرون: بين السابع عشر وحتى العشرين، عندما كان الخليجيون يقاومون الغزوات الأجنبية المتعددة الألوان والأساليب لوحدهم، وبغير دعم سياسي أو عسكري من الخارج، لم يظهر أي موقف دعم وتحالف من إخوانهم في العراق والشام ومصر. والمقصود بالموقف هنا، لا يعني رسميا بالضرورة، والمتمثل بالسلطات العثمانية وحكم الباشوات، ولكن الموقف الشعبي على الصعيد القبائلي من جهة، والموقف الاسلامي على الصعيد الديني من جهة أخرى.
لماذا يعاني العربي والمسلم لوحده، يجاهد ويستقتل لوحده، يعاني ويلعق جراحه لوحده، فإذا انتصر، تداعى الآخرون لمقاسمته الغنائم، وان انكسر، تم تجاهله ووصفته كتب التاريخ بأبشع ما يكون. هذا السؤال عن الموقف العربي والاجماع الاسلامي – ليس في الفتاوي، وانما في الارادة السياسية- ينبغي وضعه في المقدمة، دالة على غياب (العرب)، وغياب الموقف الاسلامي عموما، والسقوط والتسليم لقدر الصليبية والاحتلال.
أين كانت المشيخات الدينية والعشائرية والاجماع السني والشيعي عن نجدة أخوة الدين والعقيدة في جنوبي الهند وغربها، قبل تقدمها نحو العرابيا. عرب اليوم، يضعون اللوم والمسؤولية كلّها على عاتق الحكم العثماني، مانحين أنفسهم براءة سكان الخدور من نعمة الخضوع السلبي واللامسؤولية. وهو أمر مخالف للنصوص والفقه الاسلامي، وبشكل يخرجهم من الملّة. لقد رفض كثيرون، عمليا ومعنويا المشاركة في حروب العثمانيين الامبراطورية، كما رفضوا النهوض لنجدة أخوتهم في أسيا. وكان لمواقفهم السلبية غير المسؤولة، أثر مباشر في تشويه حركة السيرورة والصيرورة الوطنية والقومية للبلاد العربية، وما زال سياق تلك الممارسات، يدفع المنطقة إلى وراء.

(2)
(اللاأبالية)/ (قانون الشعليّه) – (بالتعبير العراقي) مرض نفسي راسخ في عمق الشخصية المستعربة/ المتعربة، العالة على العروبة. بمعنى آخر، أنها الشخصية البراغماتية الانتهازية، التي تتبع حاسة شمّها، وتتجه دائما، حيث تتوقع [غنيمة أو فريسة]، حتى لو كانت من بني قومها. وحيث لا تتوقع فائدة ومكافأة، تستسلم لمبدأ (للكعبة ربّ يحميها)!.
اللامبالاة كظاهرة اجتماعية تبتعث من مصادر نفسية، هي الأخرى تفرزها البيئة والحاضنة الاجتماعية. والبيئة هي صحراء القحط والقنوط التي تترجم فظاظة الطبيعة وقسوتها إلى فظاظة الطباع وقسوة النفس التي تصل حدّ الوحشية. والوحشيّة هي ضدّ الانسانية. والانسانية اشتقاق من الاجتماع الانساني المصطلح عليه بالتمدن انثروبولوجيا. باعتبار ان الكائن الحيواني والبشري لا يمكنه الحياة والوجود بمفرده، بغير أعضاء من فصيلته ونوعه،ومن خلال التعاون والتكافل والتكامل داخل مجموعة أو عائلة، تتوفر ظروف مناسبة للمعيشة والتواصلية والتطور.
المجتمع الصحراوي هو مجتمع متخلف أولا، ومنغلق ثانيا.
وما بين التخلف والانغلاق يقوم (الخوف). والخوف هو العلّة الوجودية التدميرية للحيوان والانسان. وهو مصدر جملة السلوك الحيواني والاجتماعي البشري والفكري. وإذا كان الخوف من الموت، حاسة/ غريزة بدائية، فأن غاية العلوم والتكنولوجيا المتقدمة اليوم، هي اكتشاف سرّ الموت، أو ايجاد مضادّ حيوي لتأخيره.
استمرار غريزة الخوف من الموت، دالة عدم خروج النفس والعقل البشري من حالة البدائية أو الغريزة الحيوانية. وفي المسافة ما بين الحياة والموت، والمحكومة بعامل الخوف والهروب أو المقاومة، ظهرت العقيدة الدينية كأكسير نفسي اجتماعي لترويض نفس الانسان في احد اتجاهين، التسليم للموت، أو التمهيد له بطريق الاحسان والشفقة والتكافل، التي تشكل مقومات اللائحة الاخلاقية والقيمية.
لكن الفرد الصحراوي الخائف، والمعتز بجهله وتخلفه العقلي، خوفا من التعلم وماهيته وأبعاده واحتمالات مضاره، بقي موقفه سلبيا من الوجود والحياة والمعيشة والعلاقات والنظرة للآخر. هذه السلبية البشرية وأن كانت لها قرائن حيوانية بيولوجية أو غريزية، لكنها أكثر سلبية مما في عالم الحيوان.
عندما يواجه حيوان كائنا حيويا غريبا عنه أو عن بيئته، يتوفز ويأخذ موقفا متحديا، يجمع بين الهجوم والدفاع، وهو يثبت عينيه بشكل متصل في عيني الغريب ومجال حركته، وسوف يستمر ذلك لبضعة دقائق، وقياسا على رد فعل الغريب أو الدخيل، تتحقق حالة المواجهة والاشتباك غير التدميري، أو ينصرف كلّ في شأنه، دون غياب التوفز والحالة الدفاعية لديهما.
الانسان الصحراوي وملحقاته البدائية [البدوي، الريفي، الصياد والفلاح] يتجنب المواجهة، ويتجنب التعارف، ويلجأ للكمون والتربص من مكان (كمين) غير منظور للخارج، ومن خلال مراقبة طويلة لسلوك الدخيل، يتوصل لقرار، الخروج لملاقاته ومواصلة حياة العادية، أو الهروب والاختفاء، إذا توجس شرّا.
جرأة المواجهة -انثروبولوجيا- تستند إلى (المعرفة) و (التراكم المعرفي) القائم على التجربة. والمعرفة التجريبية هي خاصة عقلية متقدمة. في حياة البداوة، تاريخ طويل من مختلف التجارب والمواجهات المتنوعة مع عوامل الطبيعة والمناخ والحيوان والبشر، لكنها لا تنتج سجلا تراكميا في الوسط الصحراوي، لاستنباط أنماط للسلوك بما يناسب كلّ حالة. وإذا كان الصحراوي والبدوي، أكثر ألفة مع عالم الطبيعة والحيوان، فأنه أكثر نفورا وجبنا في مواجهة البشر.
عدم تشكل قاموس معرفي تجريبي هو دالة تخلف عقلي، أو ما يعرف بالجهل/ جاهلية/ جهلانية. والجهلانية اليوم وصف لكل حالة خوف من المواجهة والتعارف والتواصل الاجتماعي. الشخص المنعزل والمعتكف على ذاته، يخشى الناس، ويعاني من رهاب الجماعة.
وفي مرحلة المجتمع الرأسمالي المتقدم أو المتأخر أو ما بعد الرأسمالي في عصر الألفية، يشكل الرهاب الاجتماعي والانعزال عن الآخرين والتعامل عن بعد [من خلال أجهزة الكترونية وتكنولوجية ولا سلكية]، دالة غير طبيعة من دوال الارتداد للبدائية الصحراوية والهمجية /(ما قبل التمدن/ ما قبل التاريخ).
هذه الهمجية والوحشية وترسباتها في محيط العرابيا، وفي بيئتها الصحراوية كانت تشكل خطرا متزايدا على المجتمع الجزيري الحضري، القائم على اقتصاديات الزراعة والتجارة والحرف اليدوية، وبشكل أنتج انواعا من الازدواجية/ المزدوجات الاجتماعية.
وعلى رغم التلاقح الثقافي واللغوي بين البدو والحضر، وظهور لغة تواصلية مشتركة بين الأثنين، ممثلة في مستوى عام من اللغة العربية، إلا ان الاندماج الاجتماعي أو القبول المتبادل، والتصاهر والانصهار، بقي بطيئا ومحدودا، يختلف من مكان لآخر. ونحن نلمس آثار وبقايا الهجاء والتنافر الاجتماعي والثقافي ماثلة حتى اليوم، والقائمة على ازدراء كل نمط للآخر.

(3)
ظهور الاسلام، كان حركة حضارية تمدينية، لتجسير الخلافات الأثينية والحضارية والدينية داخل الاجتماع الجزيري، والعمل على جمعها في (بودقة) واحدة وصهرها بفعل جملة عوامل تقدمية، لتذويب خلافاتها، وتسديد نقائصها، ومعالجة عيوبها، وتقوية مآثرها ومميزاتها الايجابية، ونقلها من خانة (السلبية الاجتماعية الحضارية) إلى خانة (الفاعلية الايجابية)، وهذا هو أحد أبعاد مصطلح (التوحيد)، واعتماده أساسا لبناء [أمة] فاعلة ذات رسالة ايجابية في رؤيتها للحياة والوجود والآخر.
فشل العرب في فهم (محمد بن عبدالله): [570- 632م]، وحرنوا في فهم (الاسلام)، وقعسوا عن ادراك مغزى (التوحيد).
بل أعتقد إلى حدّ ما، أن غير العرب، من فرس وترك وأفغان ومغول، فهموا وأدركوا واستوعبوا التوحيد والاسلام المحمّدي ، أكثر من العرب الدوغمائيين المحكومين بزعماء قبائلهم وعشائرهم، والمغيبة عقولهم في خضم قيم وتقاليد القبلية الصحراوية.
من هذا المنظور في قراءة محمد وحركة الاسلام وفلسفة التوحيد، وتعسر فهمه وادراكه في تشظيات الاجتماع الجزيري، يتضح معنى (نخبوية) الفكر الاسلامي منذ بداياته. (محمد) وحلقته المقربة منه.
وما بين تعسر الفهم الجزيري وحالة النخبوية، ظهرت الحاجة المتأخرة للتحول إلى نظام عسكري، يعتمد لغة الضبط والالزام والالتزام والمركزية والتسلط، في العقد الأخير من حياة محمد، وكان ذلك تكتيكا طارئا استجابة لضرورات محلية، وليس مبدأ استراتيجيا ثابتا ودائما، في هيكلية الفكر الاسلامي.
ولعلّ هذا ما يفسر جانبا من الخلاف والاختلاف بين نصوص (قرآن يثرب) و (قرآن مكة). وهذا ما يفسر أيضا ظاهرة (النسخ) والتعطيل والتفعيل والتجويز، بحكم الضرورة الميدانية المحلية أو العالمية. والأثنان من مظاهر وسمات (المرونة والدينامية) التي تميز بها الفكر القرآني والإسلامي الأصيل، وسرّ نجاحه اللاحق وديمومته، ضدّا للقروسطية والجمود والانغلاق.
كيف يمكن تحديد النخبوية المحمّدية، أي المجموعة التي فهمت مشروع محمد بن عبدالله فهما حقيقا دقيقا، ومن واقع المدونة التاريخية، أكاد أقصر ذلك على جماعة صغيرة جدا. وليس في هذا القول بدعة. فقد سبق المؤرخون والفقهاء في نحت مصطلح الراشدين أي مقلدي محمد وأفضل من فهموه والتزموا بوصاياه وتعليمه.
وقد حصرهم التاريخ في أربعة، تولّوا أمر العرب من بعد محمد [632- 661م]، وهم (الخلفاء الراشدون) بالاصطلاح الاسلامي. وفي نسبة الحكم اللاحق إلى (أمية): [661- 750م] اقرار صريح بخروج السياسة والدولة عن المفهوم المحمدي الراشدي، ومثله ينطبق على حكم بني العباس [750- 1258م] الأكثر تبذلا وانحرافا عن سابقيهم، ومثله يقال لمن خلفهم وخلفهم.
(لقد كان محمد كلّ العرب): قول بليغ وعميق، يمكن البناء عليه: (لقد كان محمد وحيدا فريدا في تاريخ العرب!)، ولم يظهر من يضارعه أو يكافئه أو يقاربه أو يشابهه. وكما كان (الاسكندر المقدوني): [356- 323 ق. م.] رمز اعجاز ملوك روما وبيزنطه وأوربا والغرب عموما ليومنا هذا؛ كان محمد اعجاز العرب واعجاز المسلمين حتى يومنا.
كان محمد يدرك أنه وحيد وفريد، في أمة لا يعقلها ولا يضبطها شيء، ولا يرفعها أو يمكن تقويمها بشيء، غير حبل الله والسلطة المركزية.
وقف ذات يوم وابتهل إلى ربّه: (اللهم اهدِ لي أحد العمرين!).
ألم يكن الذين عنده بكافيه، ألم يكفه أهل بيته يومذاك؟..
ومع أن كلا العمرين: [عمر ابن الخطاب وعمرو ابن العاص] اهتديا إليه، إلا أن الأول فحسب، كان ذراعه اليمين، في السياسة والدين.
ولا عجب، أن تضيع الأمور وتفلت عن سياقها المحمّدي الأصيل من بعد (عمر).
ففكر محمّد ودولته ومشروعه، بدأ بمحمّد الذي لم يجعل نفسه حاكما سياسيا في حياته، وانتهت بعمر ابن الخطاب [590/634- 646م] الذي أرسى قواعد الدولة ورسم أصول الحكم والسياسة، فتنفس الناس الصعداء حتى حين.
ومع أن ضياع الدين والدنيا بدأ بعهد عثمان [576/ 646- 657م] ومن تبعوه، تجد هجوما عارما استقصد شخصية عمر ابن الخطاب أولا ومحمد بن عبدالله جملة.
يترتب على ما سبق، ان ما يوصف بالحكم الإسلامي والتاريخ الإسلامي، يتضمن قدرا كبيرا من الافتئات والافتراء على الإسلام المحمّدي، والموصوف بالأصيل. وأن المتحقق الميداني التاريخي في الجغرافيا وعلم السكان العرب والمسلمين، فضلا عن قطيعته الجذرية مع الإسلام الأصيل، فأن نسبته الدوغمائية بقضه وقضيضه ومسحه بثياب محمد، أمر يفتقد للعلمية والموضوعية.
وليس في هذا أي نوع من محاولة التبرير أو التنصل من تبعات معينة، يفندها القياس العلمي.
فلا سياسة عثمان وبني أمية، ولا سياسة بني العباس ومن والاهم وبادلهم المكرّ، واللاحقين من بعدهم في تجارة السياسة والدين، كانوا مقلدين مدركين أو مخلصين أتقياء لنهج محمد. وإذا توخينا الدقة العلمية، تنحصر قراءة الاسلام في عهد محمد وعمر، ويختزل من بينهما حروب الردّة أو حكومة عبد الرحمن ابن ابي قحافة.
لقد استغرق محمد ثلاثة عشر عاما في المحيط المكي [610- 623م]، مكتفيا بتبليغ الوافدين إلى مكة، من عرب وأعراب لأغراض التجارة وحج الكعبة. ولولا ضيق أهل مكة به، وهلعهم من تصاعد صيته وتزايد نفوذه وانتشار أفكاره، واعلانهم الحرب عليه وعلى أتباعه، لما دعا أتباعه للبحث عن ملجأ آمن، وتأخر هو حينا حتى طلب أهل يثرب أن يحلّ بينهم.
أقول: لولا تغير الظروف والمستجدات لما خرج من محيط مكة. ونعرف من خلال التاريخ، ان محمد وقادته كانوا يتحلون بالواقعية والمرونة والبساطة، في التعامل مع طوارئ الحياة ومستجدات الواقع.
في محيط يثرب الحاضرة الزراعية والمتنوعة قبليا، كانت فرصة التماحك والاحتكاك مع أهل الصحراء، أكبر مما في مكة التي يميل أهلها للاستعلاء والفوقية في النظر لسواهم. كما توفرت فرصة أكبر، للالتقاء بسكان الحواضر الأخرى، في محيط الجزيرة من تهامة واليمن حتى اليمامة. ان التبليغ والتنوير الثقافي هو محور عمل العهد المحمّدي، وغايته الأساسية نشر بذور أفكاره واستزراعها خارج مكة ويثرب، لتجد لها قبولا وثمارا في عالم الجزيرة.
لكن اللجوء للعمل العسكري واعتماد مبدأ (الجيش الشعبي) أو (القوات الشعبية) أو حتى (عسكرة المجتمع)، على رغم قدر من ضروراته المرحلية لتمدين وضبط جماعات البدو، فأن المبالغة فيها، وربما انفلاتها عن حدودها، وخروجها عن السيطرة، أنتج بدايات طبقة نفعية/(تجار حرب)، جعلت الاكتناز وكسب الغنائم المادية، هدفا رئيسا لها، وهو ما يفسر الحملة الكبرى لاعتناق البدو للاسلام، طمعا في الغنائم الدنيوية وليس تقربا للسماء وحياة التقوى. ويصف المؤرخون لهؤلاء بالمتأسلمين بعد فتح مكة، أي العام الأخير قبل وفاة محمد، وما هم من المسلمين.
هؤلاء المتأسلمين المتأخرين، رغبة في المشاركة في الغزوات وحصد المغانم، هم الذين سوف ينفضون ثيابهم من عقيدة الاسلام في عهد أبي بكر [632- 634م] وما تفتق عن مصطلح (حروب الردّة) مما لم تعوزه ضرورة، لو حصل الاحتكام للعقل والحكمة؛ ولولا عطش سيف خالد بن الوليد المخزومي [592- 642م].
معيار الحكمة، كان سياسة عمر في قرار تهجير تلك الجماعات المرتدة وأمثالها، وتوزيعها خارج المحيط الجزيري.

(4)
تعددت أنماط وموجات هجرة القبائل نحو الشمال، بتعدد ظروفها وأسبابها وأهدافها. ولا تشكل جماعات الارتداد غير فئة محدودة ومعروفة منها، كما تعرف مراكز حلولها الجديدة. وقد رصد الباحثون مبلغ الانعكاسات السلبية لأناركية تلك الجماعات على الاطر الاجتماعية والسياسية السائدة في البلاد الجديدة، والتي فسّرها ابن خلدون التونسي [1332- 1406م] بعبارته الأثيرة [صراع البداوة والحضارة] أو مفهوم (العصبية القبلية) والاعتزاز الأجوف بالذات والماضي.
منذ القرن الثالث قبل الميلاد حتى القرن العشرين، لم تنقطع موجات الهجرة السكانية، الجماعية والفردية من داخل محيط العرابيا نحو الشمال والبرّ الأفريقي، وبشكل أفرز تناقضا عمرانيا وارتدادا حضاريا وثقافيا في نسيج الاجتماع الشامي والعراقي، ما يزال يتحمل الوزر الأعظم في تعويق النهضة والوحدة والاستقلال الناجز لتلك البلدان.
وبينما كانت نتائج الهجرات القبلية تنعكس لصالح المجتمع الجزيري وتقربه من حالة الانسجام السكاني، كانت مجتمعات الشام والعراق تزداد ترديا وانقساما، وفصاما عن الحضارة والمدنية. وبينما حافظ المحيط الجزيري على وحدة النسيج الديني ووضوحه إلى حدّ ما، تحولت الشام والعراق إلى سوق بورصة، للفرق والطوائف والاجتهادات والهرطقات الدينية والمنسوبة إسميا للاسلام.
قليلة هي الكتب والمحاولات التي تتناول موضوع علاقات المهاجرين والنازحين بالمسألة الدينية، أو ما يمكن وصفه بعلم الاجتماع الديني للمهاجرين. والنقطة الأكثر أهمية في هذا الموضوع، هو التغيرات الدينية والطائفية للجماعات العشائرية بحسب لغة المصالح والأهواء ومظاهر الرياء الاجتماعي.
ان تدين المهاجرين، أو تلونهم الديني والطائفي في بلدان المهجر، يجعل منهم قوة اجتماعية ذات ثقل ديني وسياسي، تهدد النظام الاجتماعي والسياسي وموازين القوى السائدة في بلدان المهجر أو الملجأ، فضلا عن الاحباط والمسخ الذي ينعكس على السكان الأصليين وافتقادهم ضوابط الحماية والحصانة، ازاء الطارئين الذي صاروا يستحلون مكان الأهلين.
بعد القرن السابع عشر، اهتمت السلطات العثمانية بموضوع توطين القبائل وتوزيعهم في أقاليم زراعية أو قريبة من مصادر المياه، رغم تمرد العشائر وخوفهم من اعتماد التوطن وسيلة للتجنيد ودفع الضرائب. لكن صدور قانون الطابو العثماني (1869م) استأثر بطمع البعض سيما رؤساء العشائر، وتحولهم إلى طبقة ملاكي أراضي واسعة، سوف يتحولون تدريجيا إلى طبقة الإقطاع، وتتيح لهم الأنظمة الملكية مجال التمثيل البرلماني وتنكب مناصب حكومية، فيكون لهم مجال أوسع للحراك السياسي.
لكن التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للجماعات العشائرية والقبلية في بلدانهم الجديدة، لا يغير من حقيقتهم وعقلياتهم الشيء الكثير.. ويمكن ذكر بعض تلك المظاهر..
1- موقف عدائي من حقيقة الاسلام وقادة الاسلام الأوائل، سيما المسؤولين عن (الأسلمة) و (التهجير).
2- يترتب عليه موقف عدائي من (العروبة) و(القومية) ومسائل (النهضة والبعث) العربي.
3- تحويل الظاهرة (القبلية والعشائرية) لتحفيز الحالة (الطائفية) الدينية والنزعة (الشعوبية) القومية في المحيط الوطني والعربي عموما.
4- تشكيل المثلث [القبلي- الطائفي- السياسي] ككتلة سوسيو سياسية ذات هوية دينية، تطالب بحقوق دستورية مستقلة وامتيازات تضمن أولويتها على الغير، بما فيه تفضيل الهوية الطائفية على الوطنية.
5- ثقافة تسفيه وتفنيد المشروع المحمدي من كل أركانه، وانعكاسه على العرب عموما ومجتمع الحجاز ومكة خصوصا.
6- استعداء محمد والراشدين باستثناء (علي بن ابي طالب): [599/ 657- 661م] وذريته.
7- استعداء بني أمية وتزلف بني العباس.
8- استعداء العثمانيين وتوقير بني بويه [932- 1056م] والصفويين [1501- ؟] والحكم الاياني عموما.
9- استعداء السلطات الوطنية واتوجه نحوها بلغة الاتهام والتجريم والاستبداد وفقدان الشرعية.
10- ضعف مشاعر الوطنية والانتماء، وتسخير المحلي لصالح الخارج.

ان موضوع (الطائفية) و(الشعوبية) الذي ظهر للسطح في أيام العباسيين، لم يجرؤ أي كاتب أو باحث معاصر من تناوله بشكل مركز مباشر ومن غير تورية واختزال، لا من الوسط العراقي الشامي ولا من الشمال الأفريقي. بينما اقتصر موقف الاستشراق على الجانب الديني.
الاستشراق عموما، وبحسب مرجعيته الكولونيالية الصليبية، يؤيد التشظيات القومية والدينية، خارج المحيط الأوربي والغربي.
وهذا يجعله يسبغ صفة الشرعية على مختلف الأطياف والطوائف الاسلامية، ويدعم حقوقها الثقافية والسياسية أسوة بالاقليات الأثنية والدينية. وقد استفادت الأثينيات المختلفة في المحيط العربي، من طروحات الاستشراق والسياسات الغربية، كأحد عوامل الدعم وتبني مشروعية وجودها.
انجلتره، أكثر الغرب طموحا وطمعا في أسيا وأفريقيا، هو اللاعب الرئيسي في رسم الخرائط السياسية المعاصرة لمعظم بلدان العالم الاسلامي، واللاعب الرئيسي في شؤونها الداخلية واستقطاب نخبها المثقفة العلمانية والدينية سواء. وذلك بدء من الهند إلى السعودية ومصر، وفي وسطها، دورها المركزي في ايجاد اسرائيل وتشريد سكان فلسطين من أرضهم.
عمليا، كل من العراق والشام هم الضحايا الأكبر للطائفية القبلية، وكلاهما يعانيان من سطوة النفوذ الايراني السياسي والديني فيهما. ولكن مشروع التمدد الشيعي والايراني قفز للصدارة عقب الثورة الايرانية (1978م)، وسجل انتصارا ملحوظا في خندقة الحرب اللبنانية التي حسمت الجنوب الماروني المسلح لصالح حزب الله اللبناني.
بنما تشكل مرحلة ما بعد احتلال العراق، وخضوعه للحكم الشيعي الخاضع لطهران، نقلة نوعية في مركزة نشر (التشيع والتفريس) داخل العراق من جهة، وخارجه في البلاد العربية التي تزيد فيها نسبة الهجرة الشيعية تحت عناوين اللجوء أو التجارة أو الدراسة، كما في مصر والخليج وغيرها.
كيف يمكن قراءة وتقييم خريطة الاجتماع العربي اليوم، سواء من منظور قومي /[عربي توحيدي] أو منظور اسلامي محمّدي [ديني توحيدي]؟.
إذا كانت قراءة تاريخ المنطقة في العصر الميلادي ومنذ سقوط بابل (538 ق. م.)، أو العصر الاسلامي منذ القرن السابع الميلادي، تنتهي إلى خلاصة أنه تاريخ من الأخطاء، لا يكاد الصواب يجد مكانه فيها، فكيف ننظر اليوم لجملة المفاهيم والأفكار والأيديولوجيات؟.. وكيف يكون موقفنا وتعاملنا، مع اللاعبين الرئيسيين وراء تاريخ الأخطاء والانحرافات الذي أوصل الراهن العربي لحال الهوان والانحطاط؟.
عندما سقطت الدولة العثمانية، تنكبت النخبة المثقفة السياسية والعسكرية، مسؤولية انقاذ الشعب التركي والوطن التركي من الوقوع، تحت براثن الاحتلال والسيطرة الانجليزية الرخيصة. ولكن.. عندما سقطت الدولة الاشورية أو البابلية أو العباسية، لم يظهر من بينها أي نخبة قيادية ثقافية أو دينية أو قبلية أو عسكرية، تأخذ بزمام الأمور من جديد وتحمي بلادها من الاحتلال والتبعية والهوان.
وفي كل تلك الحالات وما قبلها، كانت الأطماع الايرانية تتربص بأرض النهرين، وقد اصطنعت لها غير ذريعة وموطأ قدم، لضمّ العراق لممتلكاتها، ليس عاصمة موسمية لملوكها، وانما بابا خلفيا لتصريف فضلاتها وأزماتها الداخلية على حساب عرب العراق.
وهذا يجرّ لسؤال مكرر، لماذا لم تظهر نخبة وطنية عراقية حازمة تتولى أمر العراق بعد الاحتلال الأنجلومريكي ظاهرا، والغزو الايراني باطنا.
وإذا كان الاجماع الامبريالي العالمي قد استقطب معظم القوى الدولية والاقليمية في حماقته، مما جعل أي حركة مقاومة، مجازفة في مواجهة اخطبوط أو تمساح أو وطواط دولي؛ فما هو موقف العالم العربي والعالم الاسلامي من النفوذ الغربي الصليبي في المنطقة؟.. وكيف ينظر هؤلاء إلى ضياع السكان العرب داخل المحيط العربي أو محيط المهجر، بما يمثله من (قهر و هدر) وطني- قومي- انساني، وخدمة مضاعفة ومركزة للعبودية الامبريالية!.

(5)
في أواسط القرن العشرين، كانت حكومات وأحزاب ومنظمات عديدة، ترصد خريطة المظالم الدولية وتنتصر للحق الفلسطيني والجزائري والفيتنامي وحتى البوسني ، فمن ينتصر اليوم للمظالم التي تضاعفت مئات المرات، وتملأ أكثر من نصف سطح المسكونة؟.. وما موقف المسلمين، الذي يحتجون على الكاريكاتور، ولا يعنيهم ضياع القدس أو تدمير بلدان اسلامية في شيء؟.
كل فعل هو في أصله قرار فردي، وكل قرار هو ترجمة لإرادة فردية، وكل فرد يريد أن يكون، وينظر إليه الاخرون كذلك، رمزا للشموخ والكرامة والعقل والحرية؟.. ولكن ما مدى حقيقة ذلك في الواقع، وما مدى قناعة الشخص بريائه الاجتماعي والذاتي؟.. وما هي صورتنا في متحف التاريخ؟.
هل تكفي قوانين الغرب الفردية، حول الحق الفردي وصيانته، لتأمين حماية قانونية لمظاهر الانحراف والسقوط والخيانة والتواطؤ ضد الذات والوطن والأمة؟..
أية قيمة لقانون يحاسب على قيمة القرش، ولا يتخذ اجراء في مواجهة الكذب والزيف والدجل الذي يحكم العالم، طالما يصبّ في خدمة الأقوياء، وعلى حساب الضعفاء. هل تصل ازدواجية المعايير حتى القانون والاخلاق والعلاقات الشخصية، وتصبح معيار أساسا بين أبناء الملة والعقيدة والوطن الواحد ضدّ بعضهم، طمعا بابتسامة المحتل؟!..
ان كل فرد حرّ.. ليكن إذن حرا حقيقيا، حرا اخلاقيا وقيميا.. وليس حرية الدجل والانحراف والعدوانية، الحر الطبيعي وليس المخالف لقوانين الطبيعة.. الحرية الشجاعة الواثقة بنفسها، وليس الحرية المدعومة من الأجنبي والشرير.
لقد كان القرن العشرون عصر الجماهير.. وقد عشناه..
ليكن القرن الواحد والعشرون عصر الحرية إذن.. ونرى ما يتكشف عنه..


[42]
نظرة مقارنة/ (بيئة فاشلة أم عقلية متخلفة)..

(1)
عندما قارف القرن التاسع عشر نهايته، لم تكن أوربا قد شفيت تماما من حساباتها الداخلية. فالأنظمة السياسية التقليدية ما زالت تواصل أنفاسها في ايطاليا واسبانيا وألمانيا والنمسا وروسيا والأناضول، وبعضها يحمل سمة الأمبراطورية والقيصرية [ألمانيا، النمسا، وروسيا والأناضول].
بتعبير آخر، ان أوربا عصر النهضة، والتي هي بيان الولادة الحقيقية لأوربا، وليس الولادة الجديدة المقترنة بالاصلاح البروتستانتي، كما يسود خطلا. وهذا هو أساس الفارق بين النهضة والبروتستانتية، ثم بين الاصلاح والأنوار والحداثة. وهو ما يتضح من قراءة المركزيات الجغرافية لكل منها.
كانت ايطاليا مركز عصر النهضة وقاعدتها، وكل ما اشتق منها أو تفتق عنها من تيارات وأفكار ونزعات في الفن والأدب والحياة والعمران والسياسة، ارتبطت آثاره باللغة والثقافة اللاتينية، التي كانت اللغة والثقافة الرسمية للامبراطورية الرومانية، التي بلغت حالة التفتت وانفصال الاقاليم عن مركزيتها السياسية والدينية، ولكنها لم تلفظ أنفاسها وتغادر لصالح نظام جديد، ينسجم مع حركة المتغيرات السياسية في أوربا.
والمعروف في التاريخ السياسي الأوربي ان امبراطورية الهابسبورغ التي تضم النمسا وهنغاريا وأجزاء من أوربا الشرقية التي كانت تتملص من النفوذ العثماني أحيانا، تولت – اسميا- حمل لقب (قيصر) منذ القرن الثالث عشر الميلادي. فكانت عائلة الهابسبورغ ثمة، ممثلة رسميا لاستمرار الامبراطورية الرومانية، وكانت تحظى بالدعم والرعاية المتبادلة مع المقر البابوي.
في مقابل، ذلك كانت عائلة امبراطورية ألمانية نجحت في تأصيل نفوذها والتحول إلى قوة سياسية حقيقة في أوربا، مقابل النفوذ الاسمي والهش للهابسورغ. وكان نفوذ العائلة الجيرمانية يحكم في ألمانيا واسبانيا وانجلتره وروسيا، بشكل مباشر أو من خلال المصاهرة.
الفكر السياسي الجيرماني كان يحتكم للواقعية الموضوعية منذ البدء، جعل من أرض أوربا وسكانها أرضية مستقبله السياسي. وهذا ما يبرر خموله الكولونيالي وضعف أطماعه خارج أوربا/ (يضاف لها روسيا القيصرية). في حين سجلت انجلتره رقما قياسيا في اكتساح ما وراء البحار بعد تراجع البرتغال واسبانيا وهولنده.
واقع الحال، ان خارطة أوربا كانت منقسمة الى نمطين من أنظمة الحكم ومراكز القوة، فلك الهابسبورغ الذي يشكل امتدادا للامبراطورية الرومانية، رغم عدم جدارته العسكرية والسياسية والكارزماتية. والنصف الثاني هو الفلك الجيرماني القوي سياسيا وعسكريا واقتصاديا، والمرشح عمليا لقيادة أوربا للمستقبل.
لكن القيادة الألمانية بكل مميزاتها وامتيازاتها، منعها الغرور العرقي والمثالية الالمانية من قراءة المتغيرات الأرضية. وربما بدت، أكثر ميلا -للسذاجة- في منظور العلاقات السياسية الخارجية، والاطمئنان لعرى الروابط العائلية الحاكمة. فلم تتمعن جيدا بما وراء اتساع نفوذ خالة العائلة فيكتوريا، التي حصلت على لقب ملكة الهند في منتصف القرن التاسع عشر، لقل امبراطورة الجزر البريطانية وايرلنده وما وراء البحار.
بريطانيا الفيكتورية كانت أوسع وأقوى نفوذا من الحكم الجيرماني داخل اليابسة الأوربية. وفيما يتميز الانجليز ببعد النظر وسعة الأطماع والطموحات المتوارثة من العصر اليزابيثي الأول والمدعومة بفلسفة فرانسس بيكون السياسية ومن بعده، فقد وجدوا الفرصة مواتية تماما، لاستخدام نفوذهم الامبراطوري وراء البحار، لمدّ نفوذهم داخل اليابسة الأوربية، وإزاحة الأنظمة والعوائل التقليدية، لبناء أوربا قوية متماسكة أولا، وفوز لندن بوراثة كل من عرش روما وكرسي الفاتيكان معا. ويذكر ان من المؤرخين الانجليز من يضيف للحكم الانجليزي لقب (ملكة البروتستانت)!، باعتبار البروتستانتية هوية أوربا المعاصرة، بدل الكاثوليكية الرومانية.
كانت فيكتوريا الأرملة، وحاشية حكمها، تعتبرها عميدة العائلة الجيرمانية الحاكمة في المانيا واسبانيا وروسيا، وبمقتضى التقاليد العائلية لابدّ للأباطرة والقياصرة الأحدث سنا، ليس توقير عميدة العائلة، انما طاعتها والخضوع لها سياسيا أيضا، ووضع بلدانها وشعوبهم رهن إشارتها.
وقد شهدت سنوات ما بين أواخر القرن التاسع، وبدايات القرن العشرين، زيارات واتصالات حثيثة بين العواصم وفروع العائلة، لمناقشة قضايا عائلية وسياسية مشتركة. وتؤكد المصادر الانجليزية على زيارة امبراطور المانيا الشاب لخالته في لندن لمناسبة عيد ميلادها، بوصفه تأكيدا للمرجعية الانجليزية البراغماتية، وليس شأنا عائليا محضا.
بالمقابل، كان التوتر بالغ التعقيد بين فردريك الالماني وفيكتوريا الانجليزية، وهدف زيارته الأخيرة تخفيف التوتر، دون توفر حلول وسطية، ويبدو –يومها- كما في عهد كاميرون الثاني، كان عمليات (شدّ الأذرع) في ذروتها بين لندن وبرلين، سعيا لتسجيل مركزية لندن القيادية على أوربا والعالم. وإذا كانت محاولات لوي الأذرع الكاميرونية قد انتهت ببركست (23 يونيو 2016م)، فأن (لوي الأذرع) الفكيتورية قد انتهت بوضع القارة الأوربية [1914- 1918م] تحت نيران الصراع العائلي من أجل السلطة والسيادة.
هاته الفقرة، لا ترد اطلاقا في المناهج المدرسية للتاريخ الحديث، التي تجعل من حادث اغتيال في شرق أوربا وأحداث هامشية سببا لحرب استهلكت ما يزيد على خمسين مليون قتيلا، ثمنا لاطماع لندن الامبراطورية. ولم يكم للهابسبورغ أي نفوذ خارج بلده والنفوذ الاسمي في بعض بلدان شرق أوربا. ولا يزيد نفوس النمسا ايوم على عشرة ملايين، مقابل سبعين مليون سكان انجلتره وتسعين مليون سكان ألمانيا.
لقد استغرقت صراعات أوربا الداخلية العائلية الحاكمة والسياسية نصف القرن الأول من القرن العشرين، لبلوغ حالة استقرار نسبي. باعتبار ان الحربين ترتبطان بمحرك واحد، هو السيادة المركزية على أوربا، ما بين لندن وبرلين. ولولا سقوط الطرفين خارج لعبة السيادة وظهور ثنائية القطبية الأمريكية الروسية، لما توقفت تلك الصراعات الدموية المكلفة، كما نلاحظ شرارات عودتها ما بعد بركست، وسوف تكشفه السنوات والعقود التالية.
قرار العثمانيين والعرب بدخول الحرب الأوربية كان قرار غبيا على كلّ صعيد، وفي مثابة من يشتري النار ليضعها على رأسه. والموقف العثماني بتأييد ألمانيا خصوصا، بحكم روابطها التاريخية من جهة، وعدائها للروس وضيقها للنفوذ الانجليزي في الخليج، انطوى على مجازفة كبيرة، وحصيلة حسابات عسكرية تقليدية، لم تترك بجنبها عوامل المناخ والمراوغة والدعاية.
لقد كان على العثمانيين، وهم ليسوا من القوى الأوربية الحاكمة، وهو ما يكان يفترض بالروس أيضا، الاعلان الرسمي عن موقف محايد، وعدم التداخل أو دعم أو تقديم أية تسهيلا للقوى المتحاربة، وبشكل يمنع وصول شرارات العدوان إلى حدودها.
فبدل ان يذهب الانجليز لحاربة ألمانيا والدفاع عن مدنهم، أرسلوا جيوشهم لاحتلال بلاد العرب الخاضعة للحكم العثماني. ففي نوفمبر (1914م) اقتحم الانجليز مدينة البصرة في جنوبي العراق، وكأنهم يقتحمون مدينة ألمانية، وكذلك فعلت قواتهم في الاسكندرية والسويس المصرية، بيننما يتباكون لليوم، من القصف الالماني على مدنهم التي غاب عنها الجيش الانجليزي لكسب غنائم على حساب العثمانيين والعرب.
أما موقف العرب، في الجانبين الديني والعلماني، فقد أسفر التاريخ يوما وما انتهت إليه حال العرب حتى اليوم، عن نتائجه ومقدار الخطأ وسوء التقدير وفشل العقليات والحسابات القديمة لمبدأ (عدو عدوي صديقي!). ولا أدري كيف يكون العثمانيون اعداء للشريف حسين بن علي وهو عضو في المبعوثان ومقيم دائم في الاستانة مع عائلته وهم الذين عينوه أميرا على مكة والحجاز، استثناء من بقية العرب والاقاليم، فقابلهم بالخيانة، وسمّاهم أعداء، وسلّم أمره وأمر العرب لشاب انجليزي منحرف سوف يسرق منه لقب الملوكية، بينما ينفيه اصدقاؤه الانجليز إلى قبرص.
العرب على مدى تاريخهم يدفعون حياتهم وكرامتهم ثمنا لحسابات فاشلة وعلاقات مجاملات شخصية للحكام والزعات الدينية والقبلية والسياسية. ومن يتنازل عن عقله ونفسه وعائلته ووطنه، لمصلحة زعيم، فهو يخون نفسه، ليكسب بضعة قروش أو يتجنب شرّ الحاكم.
وهذا أمر يتناقض وخريطة القيم والتقاليد العربية المعبرة عن الأنفة والكبرياء والكرامة ورفض الذل والمهانة. وعجبا لمن يقتل أخاه وابن قومه، بسبب كلمة أو سوء ظن، بذريعة (الكرامة)، يرضى بالذلّ للأجنبي والصليبي، كما يصفه الشاعر المعاصر..
فأما حياة تسرّ الصديق... وإما ممات يغيض العدا
فهل حياة العرب تسرّهم وأصدقاءهم، أم ماذا. والغريب، أنه في عراق الغزو الاميركي، استعادت الزعامات القبلية والعشائرية سطوتها، ومنها استرجاع بعض الممارسات الطفيلية مثل فكرة (ديّة) ليس عن حوادث القتل، وانما عن أي حالة يفسرها أحدهم مساسا (بكرامته)!، يكون جزاؤها ملايين وبلايين، أو دماء رخيصة، بينما الحكم الاجنبي المتعدد الجنسيات، لا يمس كرامتهم بشيء.

(2)
فشل العرب في التهيؤ لدخول القرن العشرين، وما لحق بهم من مهانة واحتلال وتجزئة، لم يمنحهم درسا أو عظة، لتهيئة مستلزمات وتحكيمات لازمة لدخول الألفية الجديدة، وفي ظروف أكثر صعوبة وتعقيدا من السابق. على رغم أن امكانيات العرب اليوم، لا تقل عن امكانيات بلدان متقدمة، ولا ينقصهم شيء في ادارة أمورهم وتحكيم مواقفهم والمبادرة بالمواجهة القومية المستقلة والمقتدرة، دون حاجة للانحناء، ورهن الشعوب والمبادئ في بنوك الأجنبي.
لقد نجحت الزعامات الدينية في افشال المشروع القومي العربي، وتطبيع الحكومات البلدانية المتناقضة والمتنافسة فيما بينها في القرن العشرين. وفي النصف الثاني منه، بدأت سياسات ومشاريع تفتيت كل بلد وتقسيمه تقسيمات طائفية وقبلية وسياسية إلى كانتونات أو أقاليم، بدعم خارجي مفضوح، وتواطؤ عام من أدععياء الزعامة الشعبية، الدينية والعشائرية والسياسية.
أما مخاضات الألفية والمستمرة عملياتها التدميرية، فلا تقتصر على تفتيت اطائفة إلى طوائف والعائلة إلى عوائل، والأفراد إلى حالات ازدواجية منقسمة ومتصارعة مع ذاتها، وانما تسعى لفصل الفرد عن لغته وهويته وانتمائه الوطني والقومي والثقافي.
والسؤال والمواجهة أمران ما زالا غائبين في حياة العرب. لا أحد يسأل أحدا عما جرى. ولا جيل يحتمل المساءلة عما اسفرت عنه قراراته الفاشلة. وإذا كان ثمة جمهور كبير من العرب ينسب نفسه للثقافة والفكر والأكاديما، فلم يظهر على أيدي هؤلاء أو بينهم تيار فكري أو جمعية ابحاث تتصدى للواقع والماضي بالدراسة العميقة والتحليل الجرئ ، واقدم اجوبة شافية وافية غير انتهاززية أو مجاملة لفئة أو حزب أو طائفة، يستطيع معها جيل الناشئة، تعديل مسارات تفكيرهم وامكانيات مستقبلهم.
واقع الحال، ان كل نكسة وانحطاط، تروج لردّة فكرية اجتماعية اخلاقية أبعد شأورا في الاجتماع العربي. وهنا أيضا، يبدو أن التفوق السكاني الذي انعكس سلبا على برامج التنمية والاستقلال السياسي، اصبح سلاحا بيد الرجعية المحلية والامبريالية العالمية معا.
هذا الجيش الهائل من أشباه المتعلمين، تحول إلى طابور مرتزقة تتملق الكسب الرخيص تحت أي عنوان، وهي من ملامح ومظاهر وظواهر الألفية الجديدة. ونظرا لتهميش العقل والثقافة والمثقف العلماني، فقد استخدام هؤلاء في صورة: [أفراد، شلل، مأفيات] لاضطهاد العلمانية والثقافة المناوئة للاحتلال والتبعية الأجنبية والتيارات الطائفية التقليدية المؤيدة للحكم الأجنبي. وبحسابات الجدوى القومية، يشكل جيوش الدوغما هدرا بشريا ثقافيا واقتصاديا، بدل أن يكونوا دعامة وطنية وقومية، ومصدر دعم للعلاقة بالأرض والانتماء للجذور.
يعاني العرب اليوم من عدة تحديات..
1- زيادات سكانية عشوائية غير موجهة.
2- تخلف في الادارة والاقتصاد والثقافة والعلوم..
3- غياب مشاعر الانتماء والهوية والوطنية..
4- تلبية الاحتياجات البطنية والنفسية وفق مبدأ براغماتي ميكافيللي.
5- انتشار نزعة الفردية وسعي كل شخص لداته، وعلى حساب أخوته في العائلة أو الوطن.
6- انكماش النخب المثقفة والوطنية، وانتهائها لليأس والعزلة والعجز عن المواصلة، فضلا عن سريان الفرديو والبراغماتية وغير من الامراض الفسية والاجتماعية في صفوف النخب أيضا.
7- حالة الشارع والمجتمعات انتهت بالحكام والمسؤولين الى حالة لامبالاة وعدم مسؤولية، وتحول المركز والوطيفة لتحقيق مكاسب شخصية أولا، والعمل في خدمة البلد والناس بالدرجة التالية أو الأخيرة.
معاناة العرب ومشاكلهم، والنتائج العامة لقرارات وممارسات فردية، تحولت إلى حالة معقدة متشابكة اخطبوطية، بحيث يستعصي حل أو تعرض لوحدة منها دون أن يتناول كل النسيج. بل أن اصلاح نقطة واحدة سوف يتعرض للتهديد والفشل من قبل النقاط المجاورة والمحيط المختل الطي توجد فيه.
كما أن حالة الانقلاب القيمي أو الانحطاط الاجتماعي والاخلاقي العام، ورواج تقليد الغرب غير المحدود وغير المعقول، يعيد الحاجة لوضع تعريف جديد للانسان والجماعة والاجتماع والعروبة والدين. فتناول أي منها، على خلفية الابتسمولوجيا السائدة يشكل خيانة للواقع ويحكم على كل مبادرة بالفشل من أساسها.
كل برامج الاصلاح والتجديد التي حاولتها الحكومات العربية خلال القرن العشرين انتهت بالفشل، أو انتهت خلاف أهدافها العلمية والستراتيجية. وهذا يشمل كل المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والسياسية،وذلك لعدم الأخذ بنظر الاعتبار، التخلف الاجتماعي والحضاري للفرد والبيئة العربية.

(3)
بيئات فاشلة..
وكيف يكون في البيت ماء كثير ولا يرتوي الشارب!..
تلك هي أزمة الشرق.. والشرق عرب.. والعرب شرقيون..
أزمة الشرق القديمة والعريقة عراقة جذوره، أنها غير عقلانية، والنتيجة بيئة مشوّهة، وعقلانية مشوّهة.
كيف يمكن تطوير الفرد..
كيف يمكن تطوير البيئة العربية إلى بيئة حضارية..
بالنسبة للأغبية، وهي الثقافة الفاشلة السائدة اليوم شعبيا واعلاميا، الحضارة هي الغرب والمدنية هي حقوق الانسان. والحضارة الغربية في نظر الشرقي هي قشورها وانحلالها الاخلاقي والاجتماعي، وحقوق الانسان اشباع لنزعة الفردية والاناركية التي كانت وراء فشل العرب سياسيا.
وعندما تلاقح الشرق والغرب، تلاقحا عنيفا أو مراوغا، بالجسد أو بالغريزة، بالعقل أو الروح، نجمت عنها ثقافة وحضارة ومدنية، نعم، ولكنها، ثقافة مشوّهة، حضارة مشوّهة، مدنية مشوّهة؛ وفي الحصيلة: مجتمعات مشوّهة، وشخصيات مشوّهة. وآفة الآفات، أن المشوّهة لا يعرف أنه مشوّه. وإذا أقنعته لا يعترف، أنها عصبية التشوّه، عصبيّة مشوّهة.
علّة الشرق هي البيئة، وهي العقل. وحاصل جمعهما والقسمة على أثنين هو: الانسان، وحاصل ضرب الانسان في نفسه هو: المرأة: الأم.
في الغرب، مراكز الحضارة الحديثة والتكنولوجيا وعلوم الفضاء، ما زالت الطبيعة الطبيعية كائنة بلا تغيير، في البحار والأنهار والغابات وتضاريس الهضاب والجبال وقمم الثلوج الدائمة، ما زالت طبيعية، بكل مهابة الطبيعية وجماليتها. التكنولوجيا أنتجت المدن، والمدن انتجت مجتمعات صناعية وتجارية، ولكن الطبيعية لم تتلوث ولم تتشوّه، ولم تصبح فريسة للغوغاء والجهلة والفاشلين. صيد السمك محكوم بقوانين ورخص، وصيد الطيور محكوم بقوانين وإجازات، وصيد الحيوانات البرية محكوم بقوانين وإجازات، ولا أحد يتجاوز أو يشوّه جماليات الطبيعة.
وفي أعالي النمسا التضاريسية حيث أقيم منذ ربع قرن، ثمة قياسات دقيقة لعرض الشارع، لطرق السيارات او السابلة. الغاية من هذا العرض الدقيق هو حماية الطبيعية، وعدم التمادي في التجاوز والاعتداء عليها. في المناطق الجبلية يتم شق طريق السيارات بشكل ضيّق لا يتيح حركة مرنة للسيارة الواحدة، ولكن على هذا الطريق استيعاب سيارتين عند تقابلهما، والأزمة عندما يكون ذلك في وقت الثلوج. وكل من زار انجلتره، انتبه لضيق شوارع السيارات داخل المدن، فإذا خطر باص ذي طابقين أو سيارة حمل كبيرة، على السيارات المقابلة الانتظار لسلامة الشارع.
في كل أوربا توجد الطبيعة الطبيعية في دائرة حياة الانسان: الباركات وهي الحدائق الشعبية الكبرى العائدة للبلدية، والبحيرات الطبيعية وهي لسياحة النظر والاستجمام وتتوزعها جحافل البطوط والطيور المائية العائدة للبلدية، وأحيانا تستخدم للزوارق السياحية، وثمة الغابات الطبيعية النظيفة والمنسقة، التي يستنشق فيها المرء هواء نقيا، ويتشمم رائحة الطبيعة الأم والبكر.
وحديقة الهايد بارك الكبيرة في وسط لندن يزيد عمرها على ألفين عام، وهو عمر مستوطنة لندن التي أنشأها الجيش الروماني في (43م). وما تزال الهايد بارك تحتفظ بنباتات وأشجار وأنواع من الحشرات والطيور والحيوانات المائية البكر، التي تحرص البلدية على المحافظة عليها، ويستخدم علماء البيولوجيا في تجاربهم العلمية.
في جنوب أوربا ومنها النمسا، ثمة أراضي ومقاطعات ومحميات طبيعية، لا تمرّ خلالها أو فوقها شوارع وطرق سابلة، وانما تمرّ الشوارع هناك في أنفاق طويلة تحت الأرض، تبلغ عشرات الأميال. ورغم كون الملاحة التجارية والسياحية، النشاط المركزي الذي قامت عليه الحضارة الأوربية، فأن خرائط الانهار والبحار والبحيرات والشواطئ، لم تتعرض للتشوه والدمار، ولم تتحول إلى مراكز لرمي النفايات ومستنقعات نتنة، لانتاج الجراثيم والحشرات والروائح غير المريحة.
تكتشف كلّ ذلك عندما تزور الشاطئ الجنوبي للمتوسط، وفي أشهر بلد يعتاش على السياحة، لتكتشف عطن الشواطئ وروائحها التي تجبرك أن تضع يدك على منخريك. تأمل حال الانهار والنهيرات والجداول والبحيرات في بلاد العرب، تجد الوسخ والنفايات وكل مظاهر العدوان والتجاوز على الطبيعة في ذروتها، وتجد الناس في لهوهم سادرين.
أنا أؤكد على الطبيعة، كما أؤكد على المزابل والمقابر، فحال هاته الثلاثة يكشف مضمار حضارة السكان وارتقاء العقل. تحترم أوربا لهذه، وتدين كل مجتمع بسببها. فالطبيعة هي أم الانسان وحاضنة الحياة وجوهرة جمال الوجود. عشنا طفولتنا ونحن نسرح أنظارنا في السماء، نغازل القمر والنجوم، هربا من حالة الأرض والبيئة المشوّهة، ونفورا من لا مبالاة الناس وجهلانيتهم.
أتعس بلاد الشرق هي أوفرها مياها. هناك ولدت المستوطنات البشرية الأولى. يومها كان كل سكان الأرض لا يكملون المليون. ذلك كان العصر الذهبي/ الفردوس/ عرس الأرض. من هناك بدأت تشكلات ملامح اللغة والقيم الاجتماعية والفكرية وبواكير الحضارة والمدنية، التي ما زالت البشرية تقتات عليها وتتداولها، دون أن تفكر في أصولها وجذورها، وكيف تشكلت في الاجتماع البشري، وليست من الطبيعة والفطرة المجانية.

(4)
إذن ثمة، مؤشر زمني، ثمة تاريخ طارئ، وعامل غير طبيعي كما يسميه البعض (الانحراف)، تغيّر عقبه مضمار الحياة على الأرض، تغيرت مسالك البشر، وأنماط علاقاتهم مع الطبيعة والبشر، وبالتراكم، أصبحت الحياة أكثر تشوّها. وبالديمومة والسيرورة وتراجع العقل وغياب الضمير، أصبح (التشوّه) عنوان لحياة الشرق، وجوهرا حركة ناسه.
في طفولتي وكهولتي، لم أجد الناس يبادرون ببناء قنطرة، على أحد الأنهار الصغيرة والكثيرة في بلادنا. في أفضل الأحوال، وفي حالات نادرة، أتذكر جذع نخلة مطروحا على جانبي الجرف، يستخدمه الأطفال للعب، وتمر عليه النساء يتأرجحن ذات اليمين وذات الشمال، وماذا عما يحملنه من سلال وأطفال صغار!.
لم يبادر سكان قرية أو محلة بانشاء مدرسة أو صف تعليم، أو مركز صحي لمداواة الحالات الطارئة، وحتى الستينيات، كان المريض ينقل بالسيارة إلى مركز القضاء للمركز الصحي أو الطبيب الوحيد هناك، ويكون غالبا من خلفية يهودية أو نصرانية، وقد يكون أجنبيا.
مغزى هذا الاستعراض هو استثارة سؤال دور الانسان في بيئته، وهو ما يعرف بالحضارة. الحضارة ليست في جهاز التلفزيون والسيارة ومظاهر الاستيراد المجاني المدمر، وانما نتاج العقل المحلي، والتصنيع المحلي لابن البيئة. وهنا أحيل السؤال للقارئ، لمراجعة بيئته، ومراجعة سني طفولته، لاستذكار، المبادرات المحلية، ودور الأهالي في تطوير بيتئهم وحياتهم المحلية من نتاج أيديهم وأفكارهم، وليس اعتمادا على الاستيراد والأجنبي والدخيل. وأقول، هنا تكمن علتنا. فلا تنتظر من شخص عاجز/ طفيلي/ لا أبالي، أن يصدر عنه شيء جيّد، يفيده ويفيد مجتمعه ويخدم بلده.
فالشعور القومي والوطني، والأداء القومي والوطني مرتبط بالشعور والمبادرة والاداء المحلي، ومن الحيثيات الصغيرة والتافهة، تنتج الهزائم الكبرى كما تنتج المنجزات العظيمة التي تتحدى التاريخ والعالم. هذا هو الفرق بين مصر الاهرامات وعراق الخرائب التي يسرق الناس أنقاض الآثار، ويستخدمونها بشكل وحشي. هذا هو الفارق بين الامبراطورية الرومانية التي رسمت خرائط الطرق والمدن والجسور والمسارح الماثلة لليوم، وبين الامبراطورية الايرانية التي عابثت سومر وبابل واشور والاغريق وروما والعثمانيين، ولم تترك على الأرض مدينة أو قنطرة أو أي أثر حميد يسجله لها التاريخ.
والسؤال، هذا الشرق الذي احتضن صورة الفردوس، وكان مولد الحضارة والمدنية والابداع، ومنه ظهرت كل ملامح الحضارة ومستلزمات الحياة والنظام والمدنية، كيف أصبح اليوم منتجا لكل الممارسات والأفكار والمظاهر والقيم السلبية والمهددة للحضارة والمدنية، بل الأمن العالمي كما يقول الغرب؟..
الشرق عموما، يعيش حالة هروب جماعي نحو الغرب، كما زحف أهل القرى نحو المدن في القرن العشرين،وحوّلوا العواصم إلى أرياف مشوهة، ينقلون اليوم تخلفهم وتشوههم الفكري والسلوكي لتدمير المدنية الغربية، واخراجها عن بكرة أبيها. وكان من نتائج فشل سياسات الاندماج ما دفع لتنامي تيارات اليمين واليمين المتطرف في الحكومات والمجتمعات، وتحول الهجرة والاجانب إلى هاجس مركزي في الغرب الراهن.



القسم السابع: العرب والألفية الثالثة..

[43]
اللغة في مرمى العولمة..

(1)
استهلال الالفية الثالثة كان ببيان أممي* –(منظمة الامم المتحدة)- يعلن ان اللغة العربية من اللغات التي ستنحسر وتندثر خلال قرن واحد.
لماذا (لسان العرب)؟.. ولماذا هذا التوقيت؟..
بدأت العروبة ظاهرة مجتمعية، ونمط معيشة، وتحولت إلى دالة لغوية بالإسلام. وكان اختزال العروبة باللغة، مصادرة لجوهرها الأصلي ومضمونها السوسيوسياسي/(القومي). وكل دوال اللسان واللغة في (القرآن)، تعود على (الأمة) و(كيانها السياسي) وليست مجردة بحال.
اختزال العروبة باللغة كان حصيلة المطبخ الديني للحكم العباسي، الذي سوّغ تفتيت المضمون والكيان الاجتماعي للعروبة ودوبانها في الآخر/ الطارئ عليها، وليس العكس. وهذا هو فارق جوهري بين العروبة والاسلام في العهد الأموي، وبينهما في العهد العباسي الميكافيللي، الذي تساهل بالكلّ، ليكسب الجزء.
فالاشتغال الرئيسي للمدوّنة العباسية/(الشرقية) ركزت على اللغة ومتعلقاتها، وجعلت من (لغة/ لسان) مفتاحا للدّين، لا غير. وهكذا تنامت فكرة/ مقولة: أن [العرب/ العروبة ليست غير ظاهرة لغوية]. فاذا ماتت اللغة، اندثر اهلها، وليس ثمة كيان عروبي خارج اللغة.
وهذا ما تلقفه الاستشراق الحديث/(الصليبي) ليكملوا ما انقطع من الجهد الاختزالي القديم/(الشعوبي)، فوضع الغرابوه مصنفاتهم حول تاريخ اللغة العربية وخصائصها وتفاصيلها، وألحقوها بعائلة اللغات السامية مع ظهور هذا المصطلح الهجين، كما اختزل الاسلام في كتاب لغوي بلاغي، هو دستور العربية وحصنها، ولولا القرآن لما بقيت اللغة.
فبعدما عمل المطبخ العباسي على اختزال العروبة/(الأمة) في اللغة، جاء دور الاستشراق في اختزال (القرآن) في اللغة. وقد دخل الاختزالان القديم والحديث في مناهج التعليم والثقافة العربية المعاصرة، وتخذ صفة الشيوع والعادية، بله، دالة من دوال المفاخرة القومية في القرن العشرين.
فالتركيز الدعائي المؤدلج على (لغة العرب)، ظاهر جميل لباطن مغرض، يصادر المضمون الاجتماعي السياسي للأمة العربية اتي جاء (الإسلام) لتوحيدها، ووضعها موضع الاستحقاق الجدير بها، وليس الدخول في مسابقة اللغات العالمية والتنافس بالنحو وحروف الجرّ وفنون البلاغة والبديع.
واسمع لمن يقول، ان (محمد) أراد أن يضع كتابا يبزّ به السابقين وينافس ديوان الشعر، فأخرج (القرآن) كتابا نثريا حوى خلاصة البلاغة والبديع والحكمة، وهكذا اريد اختزال شخصية محمد ورسالته وفكره، بمدح يشبه الذمّ أيضا. وهو ما أكمله الاستشراق، إذ جعل محمد قائدا سياسيا، لحرك سياقتصادية، باختزال لاحق.
العروبة ليست ديوان شعر ولا تواريخ/ (أيام) فقط.. والديوان والأيام مضامين اجتماعية عقلية، وليست تسالي لغوية. وليست العروبة ديانة، لا تتعدي اللغة: [لسان وقصص وموعظة]، مجرّدة من الجوهر والاطار القومي السوسيوسياسي، كما أدلجه أحبار البرامكة!.
اما ان العرب بامتدادهم القومي، ونشر رسالة اتوحيد الدينجتماعي، أسسوا جسورا عبر البحر الاحمر تربط جانبيه، ومثلها على ضفتي الخليج نحو الهند، فما تلكم جسور لغوية ودينية، لاغير!. ولعل هاته الايديولوجيا المضادّة، التي قادها وروّجها العلماء العملاء من الجيل القديم، وأعقابهم من مدارس الاستشراق وتلاميذهم باسم الأكاديما والحداثة، عامل رئيس في تدمير النسيج السوسيوثقافي العربي، وتوليد مظاهر الاحباط وكراهة الذات والاستعلاء على التراث والقيم العربية والدينية.
هذه هي القرينة التي اعتمدها قرار المنظمة الدولية، ورابطتها الثقافية، لترجمة مقولة (نهاية التاريخ) إلى (موت العرب)، بتقويض لغتهم، بحفارات اللغة الالكترونية/ الرقمية، القائمة في أساسها على قاعدة الأرقام العربية ومنظومة اللوغاريتمات الرياضية، ولولاهما لما تشكل نظام التشغيل الالكتروني المدعو بالكمبيوتر، وشفرات النت الهوائية.
وطالما كان اللغة دالة (القرآن)، وكتاب (القرآن) دالة العربية، والعربية هي دالة (الأمّة الاسلامية) التي خرجت على حين بغتة، وأسست أعظم أسرع امبراطورية في التاريخ، خلال أقل من قرن؛ ولأن أمة الاسلام وشريعته تحظر ترجمة (القرآن) وممارسة العبادة بلغة غير العربية؛ وطالما أن الامبراطورية الأسلامية والأمة الأسلامية التي تربط شرق العالم بغربه، وشماله بجنوبه، ولما تزل تشكل خطرا محدقا، وعنصر تهديد للأمن القومي الأمريكي الهش؛ لكل ذلك ولغيره، فمن الحكمة نسف كل ذلك الاخطبوط المركب، بقرار واحد، تهميش العربية من التداول، وتعويمها تحت ركام من العجمة الغربية، ولغة النت والمناهج الكولونيالية، فيتفتت (الاسلام)، وتموت الوشائج بين المجتمعات الاسلامية. وكما جعلت الانجليزية لغة البلاد الرسمية في بلدان أفريقية وأسيوية، تكون (الأميركانية) لغة رسمية في بلاد العروبة والمسلمين، والله من وراء القصد..!

(2)
لقد أنشأت (العولمة) جسورا هوائية وفضائية، تقارب الوحدات الكبيرة، وتفتت الوحدات الصغيرة، مما نسف المنظومات التقليدية وأدواتها. وابناء عرب اليوم يرطنون بلغات أعاديهم، ويتحدثون لغتهم (العربية) بلكنة اجنبية أو باكستانية، لتأكيد اندماجهم في العصرنة الأمبريالية.
أذكر ان الدكتور يوسف عزالدين [1920- 2013م] عضو مجمع اللغة العربية في القاهرة*، الذي كان يعقد اجتماعا سنويا دوريا في العاصمة المصرية، واظب الدكتور على حضوره حتى الثلاث سنوات الاخيرة قبل رحيله.
وفي كل اجتماع كان الدكتور يعدّ دراستين ، يتركز معظمها حول الغزو الثقافي ووضع بدائل للمصطلحات والتعابير الاجنبية المنتشرة بين العرب، والدعوة للحدّ من انتشار العجمة والالفاظ والاساليب الاجنبية في لغة الاعلام والتداول.
لكن المجمع اللغوي يشكو من عدم اعتماد قراراته وتوصياته لدى مؤسسات الدولة، أو اصدار توجيهات رسمية خاصة بها، للجهات المعنية في الاعلام والتعليم والمخاطبات والتداول. والواقع ان مجامع اللغة –اسوة بمؤسسات اكادمية وثقافية اخرى- ليست لها اي فعالية او دور في سياسة الحكومة او ادارة المجتمع، ويغلب عليها طابع النخبوية والعزلة عن المجتمع والشارع والاعلام.
وفيما تلعب الجمعيات الأكادمية والثقافية في الغرب، دور مرجعية قومية فكرية، ومشورة سياسية تتصل بمكتبة البرلمان، ومؤسسات النشر والاعلام والتعليم، جرى عزل الثقافي والاكادمي، وتهميشه في النظام السياسي العربي، الذي يحتكره شخص الحاكم او عائلته او طائفته او فئته الحزبية.
وخلاف حكام بني امية والعباسيين الذين ارتبطت مجالسهم بأهل العلم والفكر والثقافة، لم يحصل ان اهتم ساسة العرب أو رجال دينهم بمشورة العلماء والمفكرين. وفضلا عن اللغط اللغوي لساسة العرب وشيوخ دينهم، انتهت كل سياساتهم وفتاواهم، الى هدم الأمة وتدمير البلاد والعباد.
اللغة اداة تفكير وتأليف قبل ان تكون اداة اتصال وتوصيل. ما يرفع اللغة، يرفع منظومات التفكير والتحليل والتأليف، وما يقعد بها، يقعد بالبقية. فلا غرو أن ينحطّ تفكير العرب، وتتردى تقنيات التحليل والمقارنة والتركيب أو التأليف، بدء بتلاميذ رياض الأطفال* حتى قمة الهرم الاكاديمي، تبعا لتردي عنايتهم باللغة.
انتهى القرن العشرون ولم يتول [دكتور/ عالم/ مفكر] سدانة الحكم العربي. ولا تعجب ان يكون الشاعر الفيلسوف الدكتور سنغور على رأس السنغال، والشاعر المسرحي الأكاديمي فاتسلاف هافل على رأس تشيكيا. بينما بلاد العرب يتعاقبها رجال القبائل والدين والعسكر، ثم نشكو غياب نظريات الحكم ومنظري الدول، ونخبة المستشارين الستراتيجيين، وصولا لخريطة التخبّط السياسي.
فتراجع اللغة العربية لا يتصل بمنظومتها التقنية وخصائصها التعبيرية، وانما يتصل بتراجع تداولها واجادتها والاعتزاز بها، فضلا عن تفريغها من الخصائص التراثية والقومية، وأنظمة النطق والتحليل المعتمدة عليها، واستسهال استحلال الالفاظ والتعابير الغربية بدلا عنها.
تراجع اللغة العربية يتصل بتراجع مكانة العرب، وتردي صورتهم واسهامهم الحضاري والسياسي، في نظر ابناء اللغة انفسهم. وحتى اليوم لا يجد العربي ما يذكره باعتزاز او فخر. لذلك ظهرت فكرة الاعتزاز بالسلف، وانتقاء شخصيات تاريخية، توضع في اطار بطولي او انساني، كرموز يقتدي/ يفتخر بها ابناء اليوم.
فالعربي المعاصر، السياسي أو العسكري أو الثقافي أو رجل الدين أو رجل الاعلام، لم يرتفع بذاته وأدائه لتأهيل سجل وطني رصين ومتحف شخصيات. وهذا يعني أن الدولة العربية المعاصرة، عقب زوال العثمانيين، رسخت مشاعر الاحباط والخذلان على صعيد شخصي ووطني وقومي وديني.
ورغم ان تلك الاوضاع والنتائج، ليست عديمة الاسباب الذاتية والموضوعية، المحلية والخارجية، من جهة؛ ولا المجتمعات العربية بافرادها وجماعاتها واطيافها المتنوعة بريئة من النتائج المنعكسة عليها وعلى التاريخ العام، فابناء اليوم الذين يضرسون، يواصلون اكل الحصرم.
وهذا هو مركز علتنا: اننا لا نتعلم من دروس التاريخ واخطاء الحاضر!..
ونفتخر باجترار اخطائنا واخطاء سوانا!.
تراجع اللغة العربية، ظاهرة تدميرية وكارثة خطيرة، في زمن العولمة. العولمة بوصفها غزوا ثقافيا اميركيا عارما.. والعولمة بوصفها عولمة لغوية انجليزية [Englistic, Americanistic].
الانجليزية اليوم تنتشر بين العرب بوصفها لغة الارستقراطية ورفاه المعيشة/ (لغة طبقية)، وهي لغة الناشئة من جيل النت والالعاب الالكترونية. ولغة نساء التبضع والفيس بوك. وانظر الى قنوات التلفزة الفضائية ترى مهازل ومساخر، في اللغة والثياب واساليب التعبير والمضامين.
ان فهم العولمة ليس عسيرا، مهما تهافت المتهافتون، على تعقيدها وتأويلها والمبالغة التدميرية، في ترويجها بوصفها قدرا سماويا، كضرورة حتمية لتعجيل، ظهور المسيح/ المهدي، ونهاية الأزمان، أو تعبيرا عن أزمة الرأسمالية وعجزها عن التطور، وانحدارها الغرب وراء التاريخ*.
فالتراث الديني من ادوات تسويغ الخنوع والسلبية والانهزامية من الفعل الايجابي وارادة الحياة. والطريف، انه منذ بدايات العولمة وظهور النت وفيروساته، لم يظهر موقف او فتوى، من الاديان الرائجة في الغرب او الشرق. بل ان اجهزة النت والتسجيل والنقل الالكتروني غزت دور الصلاة والاجتماعات الدينية، اكثر من أي مؤسسة علمانية او نشاط علماني*.

(3)
فهم العولمة او أي ظاهرة حياتية او فكرية يعتمد على المقارنة. والمقارنة هنا في غاية البساطة، تستند الى عنصر الزمن وتقسيماته التقليدية: [ماضي- حاضر- مستقبل]. وقد عشنا وعرفنا الماضي والحاضر، مسوقين رغما عنا، بفعل عوامل الخارج/ المحيط، وعلينا الافادة من مراجعة انفسنا، ليمكننا التحكم وتوجيه طبيعة المستقبل/ مستقبلنا ومستقبل بلداننا.
بامكان كل فرد من ابناء اليوم، ممن يقضه وضعه ووضع بلده ومجتمعه، المقارنة بين ما كان في الماضي، وما صار اليه الحاضر. ولاهمية اعتماد نظام التدوين: ابدأ بوضع قائمة بالمستجدات في ظل العولمة، واعمل قائمة ثانية بالاشياء والافكار والمظاهر التي كانت في الماضي وتعرضت للاختزال او الانحسار.
حاول ان تكون محايدا، ولا تترك عنصر الشعور والموقف الشخصي يؤثر في عملك، لان احد امراضنا الفكرية والنفسية الشائعة هي الانتقائية/ المزاجية. ولنبدأ باساسيات الحياة: الطعام، الثياب، الاجهزة المنزلية، السيارة، المدرسة، الصحافة، العلاقات الشخصية، العلاقات العامة [دين، حزب، محلة، عشيرة]، معاملات الدولة ومؤسساتها، الاخبار العامة المحلية والدولية، الجرائم، الفضائح، البوليس، اشخاص الحكومة والحكام..الخ.
في العراق: كانت لدينا مؤسسة واحدة للاذاعة والتلفزيون، تابعة للدولة: منها قناتا راديو، وقناتا تلفزة، وفي بعض الاوقات كانت ثمة قنوات للاقليات الثقافية حسب نسبة انتشارها. وكان عدد الصحف اليومية على عدد اصابع اليد الواحدة. وكل وسائل الاعلام ومعظم قطاعات الحياة والمجتمع تابعة للدولة وتحت اشرافها.
بعد الغزو العولمي، لا يكاد الانسان العراقي يعرف عدد الصحف الصادرة في بلده. ويصعب تقديم احصائية او قائمة باسماء قنوات الراديو والتلفزة، او قائمة باسماء الجمعيات والاحزاب والتجمعات الدينية والقبلية.
وبينما كان يمكن فرز اسماء الناس والشخصيات العامة، لا يمكن اليوم التكهن بالعضويات والمناصب والمشاركات العامة لفلان او علان. وبينما كان واضحا في السابق، فرز العمل المحلي والوطني، لا يمكن اليوم التكهن او التأكد حول حقيقة ارتباط فلان بجماعة خارجية او اكثر، بل لا يمكن تحديد جنسيته وعنوان سكنه الاصلي، حتى لو كان رئيس حكومة.
في مجال الاتصالات كانت دائرة البريد والهاتف والبرق تغطي قطاع الاتصالات الداخلية والخارجية. اليوم فقدت دائرة البريد والبرق والهاتف دورها ووظيفتها الاساسية. واصبح الشخص يستخدم تلفونه الشخصي/ الخلوي وايميله الالكتروني ومواقع الاتصال الاخرى كالفيس بوك والتويتر وما سوف يستحدث لاحقا، لاجراء اتصالاته بشكل شخصي.
نظام العلاقات الشخصية والعامة اختلف جذريا، بين الواقع المحلي: علاقات عائلية وقرابية ومحلية من مجال الدراسة او العمل او المقهى والاهتمامات العامة، صارت العلاقات الالكترونية العابرة للجغرافيا، فوق العلاقات والاهتمامات التقليدية.
اختلاف عام في مجال الطعام والثياب والسكن جراء سياسة انفتاح السوق وغزو المنتجات والسلع الاجنبية وتراجع الانتاج والمنتج المحلي والوطني. وانعكس ذلك في مجال الافكار والامزجة والمشاركات الشخصية والمهنية وتداول الاخبار والطرائف.
ان دراسة عامة من هذا القبيل، لكل بلد وبيئة محلية داخل البلد، هي ضرورة ستراتيجية ملحة، ليس لاغراض التوثيق الاكادمي والارشفة التاريخية، وانما لقياس التأثيرات الاجتماعية والنفسية وابعادها الفردية والعامة، القريبة والبعيدة.
ان دراسة عامة من هذا القبيل، لكل بلد وبيئة محلية داخل البلد، هي ضرورة ستراتيجية ملحة، ليس لأغراض التوثيق الأكادمي والأرشفة التاريخية، وإنما لقياس التأثيرات الاجتماعية والنفسية، وأبعادها الفردية والعامة، القريبة والبعيدة، وهشاشة الثقافات الموهومة بالقفز نحو صدارة المستقبل على خيول العولمة المحكومة بكارتل احتكاري الكتروني ومخابراتي منغلق.
الدراسة العامة مهمة ومفيدة، ولكنها لا تلغي الدراسة والمقارنة الشخصية، لتكوين رأي مستقل وحر من أي تأثرات او املاءات خارجية. وما يبرر غياب الدراسات الاكادمية، هو الخشية من تولي مؤسسات عولمية اميركية وما يتبعها من (منظمات المجتمع المدني)، امر تلك الدراسات وتمويلها وتوجيهها لصالح املاءاتها، فتتضاعف طامة الغزو، بدل ان تكون الدراسة المقارنة طريقا للحصانة الذاتية والاستقلال الوطني والثقافي.
قواعد القياس واختطاط الاستقلالية (13م)..
ما يناسبنا وينفعنا..
ما ينسجم مع امكانيات بيئتنا..
ما ينسجم مع ظروفنا المحلية..
ما يتواءم مع اجوائنا الاجتماعية والمجتمعية..
ما ينسجم مع عاداتنا الاسرية وتقاليدنا المتوارثة..
ما هو اساسي ولا بدائل محلية له..
ما يكسبنا ايجابيات ولا يكبدنا خسائر في الاصول ومتعلقاتها..
ما يقدمنا للامام دون خسارة ذواتنا واصالتنا..
ما يضيف في الجانب الابداعي والتقدم الحضاري دون وقوع في التبعية من أي نوع او مستوى..
ما يمنحنا القوة والثقة، ويدعم رصانة اجيالنا الجديدة في كسب المستقبل..
ما يجنبنا الهزيمة الذاتية او التهميش الحضاري والسياسي..
ما يزيد تواشجنا المحلي والاقليمي..
ما يدعم روابطنا الثقافية والاجتماعية اساسا لبناء كتلة سياقتصادية سوسيوثقافية اقليمية محصنة وراسخة!..

(4)
في قطاع الثياب، كانت البدلة والبنطال دالة الفرنجة وتنسب للغرب، لها مجال محدود بين الطلبة والعاملين في مؤسسات الحكومة، فيما كانت البدلة العسكرية اجبارية في قطاع الجيش والبوليس. لكن الطبقات الشعبية والتقليدية استمرت في تداول الثياب التقليدية المتكونة من الدشداشة والعقال/ الكوفية. وفي عهد البعث صدر قرار يلزم سائق السيارة بارتداء البنطال، ومخالفة القرار مخالفة لقانون السياقة.
على العكس منه، كان البنطال محدودا وغير مرغوب عند الاناث. لكن تراجعا نسبيا تم تسجيله في اواسط القرن العشرين لارتداء المرأة للعباءة. فالبنطال او البيجاما لم يكن مألوفا او لائقا للفتاة داخل البيت او خارجه.
هذا الامر انقلب لعكسه تماما. فالبنطال النسائي اليوم هو العام والسائد، فيما يبدو الثوب او الرداء التقيدي محدودا وشاذا. ورغم شيوعية المظاهر الدينية، لم تتأثر شعبية البناطيل والبناطيل الاسفنجية الضيقة او الحسيرة، مقابل غطاء الرأس باصنافه الثلاثة: [غطاء شعر، حجاب يلف الشعر وجوانب الوجه، حجاب ونقاب كامل لا يظهر غير العينين]!(*).
فالرداء الديني، الذكوري والانثوي تكيف مع ثياب العولمة، مما جعله مظهرا خارجيا فارغا من مضمونه الاخلاقي او عنصر الحشمة والحياء والورع المفترض في أصل الدين. والمدّ الديني الاصولي والسف والمتشدد، لم يمنع الذوبان الكامل لاتباع الديانات من عبودية السمارت فون والايفون والايباد، ومتعلقاتها من فيسبوك وتويتر وانستغرام وتيوب وغيرها.
لقد مسخت العولمة –تفكيك بنيوي- الدين من خصائصه المحلية واصالته التراثية، واعطته صورة شكلية متميعة سائبة على شاشة العولمة. وإذا ما وقع (الدين) في فخ العولمة، وهو اغلى ما لدى مجتمعات الشرق عبر الزمن، فما الذي لا يمكن سفحه على مذبحها.
وفي جانب القيم التربوية، ازالت برامج العولمة تلك الغلالة الداكنة التي كانت توشح الكذب والرياء والوشاية والخيانة وملحقاتها. فمنذ البدء يحتاج متداول الشبكة او بعض خدماتها الى [nickname] و[facebok]، وقد يغير بعضهم كل بياناته الشخصية بضمنها الجنس والعمر، ويضع صورة طفل او فوتوشوب في حسابه الالكتروني.
وكل تلك التغيرات والممارسات العولمية لا تنال شيئا من شخصيات المتداولين ووعيهم القيمي والاخلاقي، فضلا عن ولائهم الوطني والديني. ولتجدن هؤلاء لدى المواجهة اكثر وطنية وتدينا واخلاقا وثقافة، وتلكم هي عقلية العولمة ونهجها التربوي.
نظام العلاقات الشخصية والعامة اختلف جذريا، بين الواقع المحلي: علاقات عائلية وقرابية ومحلية من مجال الدراسة او العمل او المقهى والاهتمامات العامة، صارت العلاقات الالكترونية العابرة للجغرافيا، فوق العلاقات والاهتمامات التقليدية.
اختلاف عام في مجال الطعام والثياب والسكن جراء سياسة انفتاح السوق وغزو المنتجات والسلع الاجنبية وتراجع الانتاج والمنتج المحلي والوطني. وانعكس ذلك في مجال الافكار والامزجة والمشاركات الشخصية والمهنية وتداول الاخبار والطرائف.
لقد جزأت العولمة المجتمع الى فئات واطياف، والاخيرة الى عوائل متباعدة عاطفيا واقتصاديا، وقامت بتفتيت العائلة الى افراد، يعيش كل فرد لنفسه ويعمل لحسابه الخاص، متجردا من العاطفة الاسرية والاجتماعية والانسانية. فلا يهمه من يحصل لغيره، ولا يشاركه في هم او فرح. لكنه بالمقابل، يستعبد ذاته لظاهرة او خبر او شخص في نهاية العالم، ليقنع نفسه بانسانيته او ضميره الواعي.
ان استقلالية الفرد تبقى هشة ومهددة، بدون توفر شروط المجتمع الثقافي والسياسي المستقل. ولابد لجماعة الافراد المستقلين/ المتنورين/ المتحررين، من عمل دائب ومنظم، لتشجيع الاخرين على الاستقلال، وصولا لبناء مجتمع مستقل وأغلبية تقدمية مستنيرة!.

(5)
والواقع ان ثمة معارضة غير قليلة لهذا الكلام، من قبل فئات مختلفة ولدوافع متنوعة، وذلك لمجرد اعتبارها العولمة وبرامجها وادواتها –امرا واقعا-. ان من حق كل شخص ان يكون له قراره ورأيه وموقفه.
ولكن قراره ورأيه وموقفه هو (تاريخي) و(أخلاقي). لأن الانسان كائن مسؤول. ومن حق التاريخ مراجعة المواقف والقرارات ومحاسبة المسؤولين عنها. وفي الشرق، يتم تعليق كل السيئات على عاتق الحكام، كتعليق الذنوب على كاهل ابليس.
ورغم خصائص الحسد والغيرة، والطمع والجشع، والانانية والوصولية، وحبّ الظهور والسيطرة واللذات، السئدة في مجتمعاتنا، وحجم الاغلبية الانتهازية اللاهثة وراء موائد الحكم والسلطة – ومن بينها الغزو-، يتلمص الجميع من تسلكاتهم، ويتقمصون براءة ذئب يوسف، مع تغير الحكومات، لتبدأ ماراثون الوضع الجديد.
ولعل من حسنات العولمة المشينة، انها جعلت من [الفساد/ corruption] كلمة عادية في فم كل مسؤول في اي حكومة او بلد، ليثبت –فساد النظام- او –فساد الناس- وتبرئة نفسه. ولذلك، لا غرابة ان تكون منظومة النت عامرة بالفساد. وذلك ليس لأنها فاسدة، وانما [الانسان شرير بطبيعته]!.
ولهذا صدق جون مكارثر بقوله: [Crime as usual]!. وصدق مدير البنك الانجليزي –باكستاني مسلم ملتحي- عندما قال لي: [Fraud is normal] ليقنعني باستخدام [on-line-banking]!.
ـــــــــــــــــــــ
• قرار منظمة اليونسكو عام (2006م) بترشيح عشرة لغات معرضة للانقراض خلال هذا القرن. جاء مقترنا باحصائية عن معدل القراءة في العالم، كان نسبة العرب فيها: ستة دقائق في العام!، فضلا عن احصائيات أخرى عن نسبة المشاركة العلمية للجامعات العربية المؤسفة هي الأخرى.
• الدكتور يوسف عزالدين [1920- 2013م] شغل منصب سكرتير المجمع العلمي العراقي خلال الستينيات في عهد ناجي الاصيل، وخلفه في رئاسة المجمع حتى عام (1978م) تاريخ مغادرته الاخيرة للعراق. وهو عضو مجامع وجمعيات لغوية عربية واجنبية ومقارنة حول العالم.
• رياض الأطفال العربية، خلاف رياض الأطفال الأوربية، لا تتعبر تعليم اللغة العربية والنطق الصحيح لحروفها الداخلية والخارجية، بقواعد سليمة وتعبير دقيق، وظيفة لها. وفي الغالب يتم التأكيد على تعليم الأرقام والحساب بالدرجة الأولى، فضلا عن بعض العادات والاتيكيت المستورد في السلوك والتعامل.
• ليوبولد سيدار سنغور [1906/ 1960- 1980/ 2001م] شاعر وأديب وفيلسوف، من مواليد السنغال، أول رئيس لبلده عقب الاستقلال. حكم لعقدين من الزمن [1960- 1980م] وتنازل عن الحكم طوعا.
• فاتسلاف هافل [1936/ 1989- 1992/ 2011م] شاعر ومسرحي ومفكر، من مواليد تشيكيا، اول رئيس غير شيوعي لبلده عقب انهيار المعسكر الاشتراكي. له مواقف واراء دولية مميزة، فيما يخص دعم وحماية الاقليات. يؤخذ عليه تأييده للغزو الانكلوميركي للعراق في [مارس 2003م].
• [اقول لكم: لا تهتموا لمعيشتكم، بشأن ما تأكلون وما تشربون؛ ولا لأجسادكم بشأن ما تكتسون. أليست الحياة أكثر من مجرد طعام، والجسد أكثر من كساء.. لا تحملوا الهمّ قائلين: ما عسانا نأكل؟.. ما عسانا نكتسي؟.. فهذه الحاجات كلّها تسعى اليها الامم. وأبوكم السماويّ يعلم حاجتكم الى هذه كلّها. أما انتم فاطلبوا ملكوت السموات وبرّه، وكل هذه تزاد لكم!]-(متى 6: 25، 31- 33). وفي كلمة لاسحق السرياني البحريني [640- 700م]: [كلّ ما زاد عن الضرورة فهو تفاهة!].
• في رواية (الكفار) التي تتناول مظاهر عولمية، تقوم سلطات المطار بتوقيف شخص عائد الى بلده بعد حضور اجتماع ديني في الغرب. فيردّ الشخص ان كل ما دار في الاجتماعات خضع للنقل المباشر، وكان للحكومة ممثلون فيها. فالحكومة تعرف كل شيء!. فيقول المسؤول: نحن نعرف كل شيء ، ولكننا نريد ان نتأكد من ولاء مواطنينا في تبليغ بلدهم بكل ما يحدث!.
• ينسب إلى ملكة انجلترا الحالية، أنها في أول عهدها سألت: ماذا يمكن فعله، مما لم يتم فعله من قبل؟. أنه لا جديد أمام الغرب، لا فتوحات، لا منجزات، لا تغيير. لا شيء غير الجمود والتكرار والاجترار الذي يقتل النص. ولذلك يجد العالم نفسه بفضل السياسات الانجلوميركية، في ظروف شبيهة، للظروف التي أنتجت حربي النصف الأول من القرن العشرين. وكان لابد منهما للاستمرار وليس الاجترار، رغم قرار أوربي سابق بعدم اللجوء للحرب بعد عام (1809م) واتفاق الاميركان والانجليز على انهاء حالة الحرب بينهما والميل للتعاون في (1812م).




[44]
عرب وغرب..
"نحن في بلد شديد الاعتزاز بنفسه، ولا يزال جديدا على الأوربيين. ولعنا أوّل أوربيين نأتي الى هنا منذ زمن طويل. وكم آمل أن نتركه من دون أن نعبث فيه، أو نلمس هذا الشعور بالاستقلال. وأعتقد أن لا سبيل لابقاء العربي سعيدا بما لديه، إلا أن نتركه في عالمه، يعيش حياته كما هي، إلى أقصى حدّ ممكن. اننا قد نختلف عنهم ببعض الاشياء المادية، لكن، فلنحذر أن نضع أمام هؤلاء الذين يمكن أن يخدعوا بسهولة، مجموعة من القيم التي تختلف عن قيمهم. ان التذمر من مستواهم ونمط معيشتهم هو الخطوة الاولى في انهيار الشرق. وقد تبدو تلك الفضائل التي تنبع من حياتهم القاسية، فقيرة وعبثية في أعيننا، مقارنة مع تقدمنا التكنولوجي، على أن ذلك سيفقدهم كرامتهم في هذا العالم، وايمانهم بالعالم الاخر!"- (فريا ستارك)/ بتصرف عن: قافلة الحبر لسمير عطالله

(1)
منذ تفكيك اللغة وفصل اللفظ عن المعنى، لم يعد للمفردات التقليدية، والاصطلاحات المستجدة معنى واضح ثابت، كما درجت عليه المعاجم اللغوية الموروثة، وقامت عليه منظومة المعرفة والثقافة الانسانية..
أن أخطر تهديد للعولمة يقع على اللغة، وأسوا تأثير لها يتناول الأخلاق. وفي الحالين يقوم بتفريغهما من دلالاتهما التقليدية، ويتركهما مثل توابيت مسندة على جدار العالم، جاهزة لحشوها بدلالات طارئة هشة، بحسب مستلزمات قوة الهيمنة.
فأن مصطلح [العولمة/Globalization] الذي بدأ مثيرا ومغريا لدى ظهوره في تسعينيات القرن الماضي، ودغدغ لدى المثقفين التصورات التي سادت في عصر التنوير، حول مبادئ العدل والمساواة والتعاون والاتحاد؛ سرعان ما تكشف عن أغراض معاكسة لشعاراته، وبدل مبادئه الشهيرة، وجد العالم نفسه ضحية الظلم والتمييز والعبودية والاستعداء.
وكان قد سبق الى ذلك بعناوين أكادمية وسياسية، على غرار: نظام عالمي جديد، نظام اقتصادي عالمي جديد، تنظيم الاقتصاد العالمي؛ مما لم يعن للمشارقة يومها ولا مثقفي الغرب، علاقتها بعقدة [السيادة والسيطرة]، وكونها إعادة صياغة، وشكل آخر لخدمة أطماع الغرب الكولونيالية، وامتداد هيمنتها الدولية؛ لم يعن لنا، ان التحول من الاحتلال المباشر إلى الاحتلال غير المباشر، ومن الكولونيالية التقليدية إلى الامبريالية غير التقليدية، والمقنعة بشعارات الحداثة وحقوق الانسان وعقاقير الدمقراطية والانترنت، كان تحولا من الأسوأ إلى الأكثر سوء.
وأننا –بل كل العالم، بما فيه المجتمعات الغربية- تسير اليوم للأمام، وأعناقها ملتفة للخلف، للزمن الجميل. الألفية الجديدة هي الخيبة العالمية العظمى. وإذا كان الاحباط وموت الأمل والخداع، مبررا لانفجار العنف داخل أوربا في سبتمبر 1939م، فماذا ينتظر العالم قريبا!.. شيء أكثر من حرب (عالمية ثالثة) كما يسميها دونالد ترامب!.
وما يزال الواردون في هذا المجال، يقدمون طروحات ومزاعم فضفاضة، تقوم على التبرير والتأويل، وخلط المركزيات بالثانويات. وكأنما سياسات (العولمة) واجراءاتها، تدور في نص أدبي أو فيلم فكشن، وليست واقعا يوميا، يتماس مع حياة البشر اليومية، وتكبّد اجراءاته المجتمعات والبلدان والمنظومات الفكرية والهويات الثقافية ما ضحت بالكثير لاكتسابه.
لقد فشل مشروع الحداثة والتنوير قلبا وقالبا، إن لم يكن -في أصله- مقدمة دعائية مزيفة لمشروع الهيمنة والسيطرة الغربية الامبريالية، الذي بدأ بالتدريج على مراحل..
- الحملات الصليبية للهيمنة على الشرق باسم الكنيسة المسكونية.
- القرصنة الملاحية للسيطرة على البحار والمضايق والموانئ والمراكز التجارية ومصادر المواد الخام حول العالم.
- تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ سياقتصادي كولونيالي بين الامبراطوريات الغربية بعد عصر النهضة.
- التحول من عالم انجلوفرنسي ثنائي القطبية، إلى عالم أمريكي- سوفيتي ثنائي القطبية.
- استفراد الولايات المتحدة بالهيمنة الدولية المطلقة وفرض مشروعها الامبريالي العبودي الذي يقسم العالم إلى مستويين: أوربا والصين واليابان وروسيا بوصفها العالم الثاني؛ وبقية أسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية بوصفها العالم الثالث.

ويغيب تماما أنه وراء إحالة رزمة من البلدان والدول [عراق- ليبيا- يمن- سوريا] إلى أنقاض وقطع غيار معروضة في سوق (السكراب). بل لا يعنّ لأحد العودة إلى مجريات/ مستحدثات بلدان أميركا اللاتينية في ما بعد الخمسينيات على أيدي المخابرات الأميركية، وما انتهت إليه مجتمعاتها وحكوماتها من اضطراب واحتراب داخلي، باستثناء حالتين مشوهتين ليس هذا مجال بيانها.
لقد اجتهد مؤرخو الغرب في سلسلة مراحل التطور الثقافي وحركة الأفكار منذ ديكارت وكوبرنيكوس ولوثر حتى بدايات القرن العشرين. لكن التحول من عصر الحداثة والتنوير، وقبلما تستنفذ أغراضها، إلى مرحلة العولمة وما بعد الحداثة، أو ما بعد ما بعد الحداثة، جاء سريعا ومباغتا وتدميريا وأنانيا في آن.

(2)
لقد كان قرارا أميركا انفراديا تستبدّ به ثنائية الخوف والطمع، بشكل لم يفرط بعقد سنين، بين سقوط الاتحاد السوفيتي/(1991م) وتطبيق المشروع الأمريكي/(2001م)، مستخدما في تسويغه وتبغيته، اسلوب الصدمة المباغتة/(shock) لشلّ امكانات العدوّ ووضعه أمام الأمر الواقع.
وقد فات الأمريكي، أنهم يضيعون بذلك فرصة (الرأي الآخر)، و(الردّ الودّي)، وينتصلون بضربة قلم أو قدم، من كلّ منجزات الحضارة والمدنية الغربية جملة، ليفرضوا نفوذهم باسلوب القهر والاستعباد ومصادرة عناصر الحرية والارادة والاختيار. وإذا كانت التجربة الأمريكية نفسها تسبح في بحر من الجريمة اليومية والانحلال الأخلاقي والانساني، مما يدفعها لتنفيس أزماتها الداخلية خارج حدودها، فأين تفرّ حين تستفحل الجريمة والكذب والتزوير الداخل والخارج!.
في مشروع الحداثة والتنوير، تفاعلت قطاعات الثقافة والفنون والفلسفة والسياسة والاقتصاد والعلوم الطبيعية والفلكية والطبية لانتاج تلك الحصيلة التي أثثت المجتمع المدني والثقافة الحديثة. فكانت العملية الطبيعية من القاع نحو صيغ الهرم/ النظام الاجتماعي والسياسي.
لقد جاءت اجراءات العولمة وتطبيقاتها بشكل معاكس تماما، وعلى شاكلة الانظمة الدكتاتورية الشمولية، في نزول القرارات والاملاءات من فوق إلى تحت، مفروضة بقوة العسكر والبوليس ولغة العقوبات والتصفيات الشمولية المطلقة التي تجنّد لها كل طاقم ما يدعى بالمنظمات الدولية بدء من مجلس الأمن والنانو وقمة الثمانية حتى الدورات الأولمبية ومسابقات ملكات الجمال.
وهذا هو حقا نهاية التاريخ، لا بل نهاية الحضارة والعقل الغربي، الذي تمخض طويلا، وانتفخ كثيرا ليعود بالعالم القهقرى إلى النظام الروماني القديم القائم على العبودية والقهر العسكري، الذي تتحكم فيه أقلية ارستقراطية سياتجارية بعالم من العبيد. ولا أعتقد أن امبراطوريات رومبيزنطه، تجدر بشيء يستحق التقليد، غير عجزها عن تطبيق الأمن والاستقرار طيلة تاريخها.
واقع الحال أن ما يجري منذ فترة [25- 10] عاما الأخيرة، لا يتناسب منطقيا مع الوعي الثقافي والمستوى العلمي والحضاري، الذي بلغته البشرية في نهاية القرن العشرين. ولكننا ندرك أيضا، اليوم أكثر مما سبق، أن العولمة التي قلبت الحداثة على رأسها، وهي التي همّشت العلمانية وحرّفت معنى اللبرالية، وشكلت أكبر مهانة للمثقفين والأكادميين والمفكرين، سواء داخل أوربا أو في بلداننا، مفضلة عليها أجيالا ناشئة من أكادميي الدواجن، إسوة بسياسييها المتعطشين لمغامرات المراهقة والتقليد الأميركي.
فإذا بالواقع يجري القهقرى، ويفرغ العقل والمنطق والثقافة والألقاب العلمية ومختلف العناوين الاجتماعية والدينية والسياسية والإدارية من مضامينها، إن لم يقلبها على أعقابها.
في هاته المداخلة، أعود لقراءة واقع (العولمة) من منظور سوسيوجتماعي تاريخي، واستقراء مدى تماهيه مع (منظومة الدين) فكرا وغاية وتقنيات. فالعولمة كمنتج أوربي غير منفصل عن بيئته الثقافية، وليس خروجا على الإستحالات السياسية والفكرية التي تخوضها المنظومة الرأسمالية الغربية في خضم صراعها [من أجل البقاء]!.

(3)
من حين لآخر، يتردد في ردهات الكنائس، فضل (المسيحية/ البروتستانتية) على [المدنية الغربية] والتاريخ الحديث.
فالتشكل الاجتماعي البلداني والسياسي/ (عصر القوميات الأوربية)، استند إلى الزخم الذي قدّمته الحركة البروتستانتية [Movement of Protestantism] بقيادة الألماني مارتن لوثر [1483- 1546م] عندما قام بتعليق اعتراضاته /(95 مادة) في انتقاد الكاثوليكية في عام (1517م).
لكن حركة مارتن لوثر لم تكن مجرد (احتجاج) ديني، بقدر ما كانت ثورة اجتماعية سياسية ثقافية شاملة، ممهدة وقائدة لحركة القوميات البلدانية والنهضة والتنوير، التي وضعت أوربا على طريق حياتها السائدة اليوم.
تلك الحركة التي ظهرت في وقت كانت الجماعات الأوربية المتشظية بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية، في مواجهة التهديد العثماني والإسلامي على مشارف فيننا/(1534م).
قبل البروتستانتية كانت أوربا تتكوّن من جماعات قبلية شبه متوحشة، خدمت في جيوش الإمبراطورية وسيلة لتأمين قوتها وبقائها على قيد الحياة. وفضلا عن دور الجيش في توحيد أحوال ومشاعر سكان الإقليم الواحد، فأن الجماعات الأكبر دورا وإسهاما في حروب الإمبراطورية، هي التي حظت بمساحات أوسع من الأراضي، ونفوذا سياسيا أوسع في الحياة الإقليمية. وهو ما يتمثل في دور الفرنجه والجيرمن.
الواقع إن الحراك الأوربي في الإمبراطورية الرومانية، كان وراء ما يوصف بأوربا التقليدية، وأوربا غير التقليدية. ومع انخفاض ايطاليا واليونان وتوابعها –قلب إمبراطوريتي روما وبيزنطه- وظهور فرنسا وجيرمانيا والنمسا وروسيا في عصر القوميات، تشكلت مبادئ الخريطة السوسيوسياسية الأوربية السائدة لليوم.
فلم تسطع أوربا الشرقية وأمم شمال أوربا السكندنافية أن تلعب دورا جديرا في تاريخ أوربا بعد البيزنطي، وما زالت كذلك. في أواسط التسعينيات، أطلق وزير خارجية رومانيا صرخة في وجه قادة أوربا التقليدية، مفادها: ان (رومانيا) هي أوربا الحقيقية تاريخيا، وأن الرومان- سكان رومانيا- هم نواة أوربا التي حملت عبء التاريخ الإمبراطوري خمسة عشر قرنا. ولابدّ أن رومانيا عائدة لمجدها العتيد، وسيأتي يوم تتبع فيه أوربا الغربية الشرق الذي هو أصل أوربا ومركزها الأصلي!.
كان بوسع الطليان واليونان قول أكثر من ذلك، لو كانوا بالقوة الاقتصادية المناسبة.
صرخة البروفسور السياسي الروماني تلك، كانت صرخة وطنية قومية، لها كثير من الصحة، واحتجاجا على حالة التهميش والنظرة الدونية لمجتمعات شرق أوربا عالميا، وليس أوربيا فحسب. فأوربا الشرقية لم تحظ بتقدير متكافئ من موسكو السوفيتية أيضا. ولكنها في نفس الوقت، كشفت مظاهر التنابز وعدم المساواة بين الأعضاء داخل العائلة الأوربية.

(3)
ولعلّ من عيوب إمبراطورية روما التي سادت خمسة عشر قرنا، أنها لم تنتج نواة اجتماعية، تذيب جملة المكونات القبلية في إطار [شعب، أمة]، وبقيت حتى لحظتها الأخيرة عبارة عن أرستقراطية عسكرية تقود البلاط الإمبرطوري قيادة عسكرية، تعتمد سياسات توسعية متصلة شرقا وغربا.
ولم تكن بلاد أوربا الحالية غير [مستعمرات/colonies] يحكمها ضباط رومان باسم الامبراطور. وحتى القرن الثامن الميلادي، عندما تزعمت فرنسا الجناح الغربي من الإمبراطورية، لم تكن ثمة أية ظاهرة مستقلة أو نزعة انفصالية عن الثقافة والدولة الرومانية. وهاته هي بداية التشكل الاجتماعي السياسي لبلدان أوربا.
ومن المفيد التنويه، بالخريطة الاجتماعية البنيوية للمجتمع الروماني، والمفترض أنه يتكون من طبقات جامدة. البلاط الإمبراطوري وقادة الجيش الكبار- الكليرك وإدارات الدولة العليا وحكام الأقاليم- الطبقة المتوسطة [تجار ومتعلمين وحرفيين]- العبيد والأجانب.
خلاف الإغريق، لم تعرف روما وبيزنطه نخبا فلسفية وفكرية –ما عد منظري دولة قلائل-، ولم تسمح أجواؤها بظهور تيارات ثقافية فكرية، مما حدّد من أفق ثقافة السلطة الرومانية/ البيزنطية، وأفرز حالة الإستبداد الكنسي، وحصر تطلعاته بالسلطة.
ربما افترض ببيزنطه المتعالقة بالأغريق لغة وثقافة، التمايز عن روما التي أهملت الإرث الفلسفي لأثينا. لكن قيام بيزنطه ارتبط بالمدّ المسيحي الذي وسم الفلسفة الأغريقية بميسمه، ووصف ما عداه بالوثنية، لتفقد ألقها سيما بعد حادثة اغتيال هيباتيا [351- 415م]عالمة الفلسفة والرياضيات في الإسكندرية.
فهذا الفراغ السيوسيوثقافي الجوهري في بنية الدولة الرومانية، كان وراء قرار قسطنطين الأول [272- 337م] في اتخاذ [المسيحية/Christianism]* عقيدة دينية رسمية للدولة، نواة لبناء مجتمع وثقافة وهوية اجتماعية مسيحية، تجمع بين فلسفة اللوغوس الإغريقي وعقيدة الإسخاتولوجيا المسيحية.
قرار قسطنطين رسّخ أهمية الفكرة الدينية، المتعوشقة مع تراث المجتمع/ (dogma)* في بناء المجتمع السياسي/ (أو) كيان سياسي للمجتمع. فالمسيحية الإمبراطورية في عهد الرومان، والبروتستانتية البلدانية في عصر القوميات في القرون الوسطى، شكلت خشب القاعدة السوسيوسياسية، لما نعرفه اليوم بأوربا والغرب الأوربي.

(4)
في هذا تميّزت بيزنطه عن الإمبراطورية الإيرانية التي لم تعر يومذاك (الدين) بالا، ولم تقدر دوره العقائدي في ربط المجتمع بالسلطة. ولكن إلى الجنوب من ايران، كان العرب أسرع إدراكا لديالكتيك التاريخ المحدث، فعلى مسافة قرنين إلى ثلاثة، تبلورت الظاهرة الإسلامية، جامعة بين الإرث الديني السابق، وتراثها البدحضري، لتنمو إلى إمبراطورية سريعة واسعة، تقضم نفوذ الروم وتقرض نفوذ إيران.
وفي (القرآن: 30) الذي يخصص سورة/ سفرا باسم (الرّوم)، دون سواهم من البلدان، يتكرر لفظ (أمّة) غير مرة: [كنتم خير امة..]. ويذكر أن مبنى لفظ (أمّة) مشتق من اللفظ العبري: [(عمّي)= شعب]. وتستخدم اللفظة العبرية نصّا في مفردات مستعربة: [عَم، عَمة، عٍمّة، عمامة، عامّ، عموم، عميم، عامّي]. أما لفظة (أمّة) فقد استتبعت قاعدة اشتقاقية: [أمّ- يؤمّ- أمامة، وصيغة الفاعل منها: (إمام)= قائد]، ومنها: [أمَة = المرأة دون الزوجة].
وإلى جانب العبرية واللغات القديمة، استخدم القرآن مفردات إغريقية ورومانية غير قليلة، ولعل أشهرها لفظة (صراط/ سراط) الواردة في مفتتح الكتاب (القرآن: 1) [اهدِنا الصّراطَ المستقيم. صراطَ الذين أنعمتَ عليهم..].
نعم. لقد بلغت الإمبراطورية العربية الإسلامية أقصى حدودها – من ضفاف السند حتى ضفاف الأطلسي، خلال القرن الأول من ظهورها. أما بيزنطه المسيحية، فكانت تخسر على الدوام مقاطعاتها هنا وهناك، وتعاني من انشقاق روما وما وراءها، عن القسطنطينية وممالك الأغريق ومقدونية.
والفارق بين العرب وبيزنطه، هو وحدة العقيدة المحمّدية في القرن الأول، مقابل تطيّف المسيحية البيزنطية. والواقع أن دولة بني أمية [661- 750م]، ذوي العروق التجارية الدولية العريقة، كانوا على أفضل صلات مع أباطرة الروم، إن لم يكن ذلك امتدادا للعلاقات السياسية بين ملوك تدمر وأباطرة روما.
وعندما انحاشت السلطة من بني أمية، ومركزية دمشق الحضارية التجارية العريقة، تبدّلت الخريطة السياسية، وانقلبت موازين القوى الدولية، في نقطة الاتصال والتواصلية بين أوربا وأسيا.
لماذا انقلبت.. لماذا تبدّلت؟؟!...
أولا:- خروج السلطة من دمشق: الولاية الرومانية القديمة، وانتقالها خارج حدود النفوذ الروماني التقليدي الذي كان ينتهي عند ضفاف الفرات شرقا، وعند هديسا/ سامراء جنوبا. وكان بناء العاصمة بغداد مركزا للحكم العباسي، إجراء غير ودّي لروما وبيزنطه.
ثانيا: قيام الحركة العبّاسية [750- 1258م] على دعوة دينية طائفية، جعلت عمقها الستراتيجي داخل إيران التي كانت تمثل عدوا تاريخيا للغرب، بلا مهادنة. وهذا يعني في الحسابات السياسية الدولية، عودة حالة الحرب السابقة لظهور الإسلام والحكم الأموي.
لم تقف بيزنطه على الحياد، ولم تتخذ موقفا سلبيا، ولكنها عملت على توظيف المستجدات لصالحها، بفضل الطرق الدبلوماسية والعرى الثقافية والتجارية.

(5)
صلة الودّ انعقدت مبكرا جدا، بحيث نشأت علاقة صداقة بين هارون الرشيد و(أوتو): إمبراطور بيزنطه، تبودلت خلالها زيارات ثقافية ووفود دراسية، بين بغداد والقسطنطينية، وعلى أعلى المستويات. ويقول تاريخ بيزنطه، أن الزيارة الإمبراطورية كانت تستغرق ستة أشهر، يرافقها وفد كبير من العلماء والفلاسفة في شتى مجالات المعرفة.
وفي خلال تلك الحقبة الطويلة، كانت لجان الوفد تطوف البلاد والمجالس، وتتعرف على ميادين الدولة والمجتمع. ومن ثمارها ظهور المدارس والجامعات كالمستنصرية والنظامية في بغداد، وأربعة جامعات في القسطنطينية، وفي كلّ منها طلبة من الطرف الآخر، يدرسون اللغة والأدب والتاريخ وأصناف العلوم. فظهر علماء عرب ومسلمون يتحدثون الإغريقية واللاتينية، وبيزنطيون يتحدثون العربية والفارسية، فضلا عن العلوم الدينية وفقه المعاملات.
حقبة التعاون العباسي البيزنطي، أنتجت ما تعورف بالحضارة الإسلامية/ ازدهار العلوم والفلسفة الإسلامية. وقد حاول أباطرة بيزنطه مدّ التقليد الدبلوماسي الثقافي على أعلى المستويات مع أبناء الرشيد [763/ 785-809م]: المأمون [763/ 813-833م]/ المعتصم *[794/ 833 -842م]/ الواثق [812/ 842- 847م]، لولا تمكن الطائفية والتمذهب من أساس الدين، والتي مهدت لانحسار العصر الذهبي والنفوذ الإمبراطوري الإسلامي، وشيوع الفرق والحركات الإنفصالية، وصولا إلى استقلال المقاطعات والأمصار، عن العاصمة المركزية.
هاته التفصيلة التاريخية الثقافية، تلقي ضوء على دوافع المعتصم* في بناء (سرّ من رأى)/ سامراء الحالية على نهر دجلة، على خطّ الحدود الجنوبي للنفوذ البيزنطي، أملا في تخفيف نسبة التوتر، وتخفيف النفوذ الإيراني على مركز الحكم.
لكن الانقلاب المتوكلي جاء ضدّا للاثنين، البيزنطي والفارسي، مسجلا انتصارا غير مسبوق، لأصولية حنبلية، ساهم في حفر أساساتها أتباع حنبل والشافعي والغزالي. وبهاته المناسبة، تذكر المصادر أمرين على قدر من أهمية، فيما يتعلق بشخصية أبي حامد الغزالي [1050- 1111م] الاشكالية..
أولهما: اعجابه بفلسفة أرسطو[384- 322ق. م.] التي قصد لأجلها أتباع ابن سينا [980- 1037م]..
وثانيهما: اعجابه بالمسيحية وسيما صوفيتها ورهبنتها.
لكن اعجابه المزدوج بالآخر، لم ينعكس ايجابيا، لصالح التجديد وتطوير علوم الدين، وانما تخذ مسارا سلبيا نحو الجمود والنهي عن الاثنين، وذلك لأمور ليس هنا موضع قراءتها.
نجح العصر الذهبي في نقل معارف الإغريق والرومان وبيزنطه للعربية، وسوف يفيد الرومان واللاتين من صداقة العرب وعلومهم، في زرع بذور النهضة الغربية.
وبالمقابل، تدخل الإمبراطورية العربسلامية مرحلة الإنحطاط والفترة المظلمة، حتى ذهب ريح العرب أولا، ثم المسلمين عامة، بفرسها وتركها وأفغانها.
وبينما عرفت المسيحية الغربية نوعا من الاتحاد، مع نهاية خلاف روما والقسطنطينة، ثم ظهور البروتستانتية لاحقا، غرق الإسلام في مستنقع التمذهب والتطيّف، والفرق الباطنية والنزعات السلطوية، والمستمرة في التشظي والإغتراب.
ـــــــــــــــ
• سمير عطالله [مواليد لبنان 1941م]: قافلة الحبر- الرحالة الغربيون إلى الجزيرة والخليج [1762- 1950م]- دار الساقي- ط2- 1998- ص281
• فريا مادلين ستارك [1893- 1993م] رحالة ومستشرقة وجاسوسة انجليزية تعلّمت العربية والفارسية، ووضعت عشرة كتب عن الشرق العربي منها (وديان الحشاشين)/ 1934م، (البوابات الجنوبية للجزيرة العربية)/ 1936م، (جزيرة العرب)/ 1945م/ (الشرق الأقصى في مهب الريح)/ 1948م.
• دوغما/ دوغمائية: باليونانية: [δόγμα]: الرأي أو المعتقد الأوحد. وتشير للتزمّت لفكرة معينة دون قبول النقاش فيها أو الإتيان بأي دليل ينتقضها، ولدى الإغريق هي الجمود الفكري. وفي الاعتقاد الديني هي التشدد لمبدأ أيديولوجي، أو موضوع غير قابل للنقاش أو الشك. وتجمع الدوغمائية بين الإستبداد والمعصومية والدمغية أو اللادحضية ، والقبول الخانع من قبل الملتزمين، وتمثل اللاشكية لبّ فكرة الدوغمائية.
• المعتصم كان واليا للشام ومصر في عهد المأمون، بينما كان المأمون واليا للري/(عرب ايران) في عهد الأمين.
• الواثق كان يدعى هارون الواثق ويشبّه بالمأمون.
• يكشف تاريخ بيزنطه كثرة حركات التمرّد العسكرية والعصيان القبلي، التي كانت تقوم بها القبائل الإقليمية أو قطعات الجيش المتشكلة منها، وفي الغالب كان يتم تحريض قبيلة مناوئة أو مجاورة لها للقضاء عليها، ويترتب على تلك التمرّدات، إقرار نفوذ أو زيادة منحة القبيلة، من قبل الامبراطور. فالصراع حول حيازة الأرض والمنحة، كان أساسيا في كفاح القبائل المتجحفلة عسكريا.
• واقع الحال أن المسيحيّة/(455م) كانت سبب انقسام الامبراطورية بين الغرب والشرق، وظهور مزيد من الانقسامات والهرطقات. وقد أنفق عديد الأباطرة عهودهم في جمع ممثلي الشرق والغرب والإسكندرية للإتفاق على توحيد العقيدة أو صياغة نص جديد، يرضى به الجميع ولكن عبثا. ويذكر أن بدايات الحروب الصليبية كانت تنظمها كنيسة روما لاحتلال القسطنطينية، ونهب وتقويض كنيسة سانت صوفيا الإمبراطورية الرئيسة في الشرق. وقد شجعت تلك الحروب والخلافات الداخلية في بيزنطه، بعض الجماعات التركية جنوبي بحر ايجه للاستقلال وبناء قوة عسكرية، سوف تتوسع وتنمو أثر كل نزاع، حتى محاصرة العاصمة البيزنطية، وظهور العثمانيين كقوة ترث بيزنطه الإمبراطورية.





[45]
المدينة.. القرية.. البداوة: من الجانب الآخر..

(1)
المدينة..
نحن لم نخترع (المدينة)، ولا (المدنية). وهاته الـ(نحن)، تشمل البعدين، الشخصي الذاتي، والعام البشري.
نحن ولدنا في المدينة والطراز السائد من (مدنيتها). وبالتالي فأن حكمنا عليها، أو ادعاءنا بها، سيكون فارغا. ولأننا في نطاق علم الاجتماع، فأن نسبة الإضافة البشرية عبر آلاف السنين، للمدينة والمدنية الأولى، ليس تافها فحسب، وأنما رجعيا.
المدينة الأولى أنتجت كلّ ما له قيمة ومعيار في الحياة البشرية، ومنها خرجت الحضارة والأنظمة الاجتماعية والتربوية والدين والدولة والقانون والنظام المجتمعي. والمدينة المعاصرة تنتج كل ما يدمر القيمة والمعيار الانساني والحضارة، والأنظمة الاجتماعية والتربوية، والدين والدولة والقانون، والنظام المجتمعي.
المدينة الأولى قامت على القبول والانسجام والانسانية والمحبة ومبادئ العطف والاحتواء والمشاركة، والمدينة المعاصرة تقوم على الرفض والمقاطعة والهمجية والحقد ومبادئ الرفض والنفي والتهميش والأنانية العمياء. المدينة الأولى كانت مشروع بداية قابل للانطلاق للأمام، وكل الشعوب والأمم خرجت من حاضنتها، والمدينة المعاصرة مشروع نهاية وقتل وانقضاض على الذات والآخر، وبدل استيعاب الآخر، فهي تطرد أبناءها خارجا.
نحن نتباهى بشعارات (مدنية، حضارة) ليست من صنع أيدينا ولا نتاج أفكارنا، ولكننا عالة عليها، وعنصر دمار لمرتكزاتها. ولأن المدينة والحضارة هي الأطار الذي نمت فيها برامج الثقافة والحداثة وأنظمة التواصل والاتصالات الراهنة، فأن لغتنا وثقافتنا واتصالاتنا قائمة على الكذب والافتراء.
انسان اليوم، أكثر انتفاخا وغرورا، من أي زمن أو عهد سابق حتى الآن. بل أن مواليد الألفية الذين لم يبلغوا العقدين من أعمارهم، ولم ينتهوا من التحصيل الأكاديمي، لا تكاد أقدامهم تطأهم الأرض. وكلّ من ألفاظ [انتفاخ، غرور] دالة على الفراغ، ولا ننسى أن الكائن الحي هو مخلوق اسطواني أجوف. وعندما كان المصريون القدماء يحنطون الجثة، يفرغونها من كل محتوياتها، كما يقوم الجزار بافراغ الخروف والثور من كلّ أحشائه، لكي يبيع اللحم والعظام كمواد غذائية.
وظاهرة التنابز والمكابرة والمفاضلة تبدأ في سنوات الطفولة الأولى، عندما يكون الطفل تحت الرعاية المنزلية والمدرسية. وعندما لا تهصره تجارب الحياة أو تقوّمه معايير أخلاقية انسانية، يستمر في الانتفاخ، حتى ينسى نفسه. ونسيان الذات هو الانفصام والغياب عن الحقيقة.
الغالب في (المدينة) الأوربية، أنها ذات دور وطابع تجاري. ومعظم المدن تقع على طرق قوافل التجارة القديمة أو المواصلات التجارية الأحدث. ومدينة (لنز) النمساوية التي أعيش فيها تقع على طريق الملح، أي قوافل التجارة التي كانت تحمل الملح عبر أوربا، بين الشرق والغرب.
وهي على شاطئ مجرى الدانوب، الذي كانت طرق المواصلات القديمة تستدل به. والدانوب يبدأ من سفوح جبال الألب وينتهي في غرب البحر الأسود، وعليه تقع كل بلدان وسط أوربا وشرقها بدء من النمسا حتى بلغاريا، وعلى ضفافها تتوزع خمسة عشر عاصمة أوربية، فضلا عن مدن ومستوطنات كثيرة.
لكن (لنز) هي مركز مقاطعة النمسا العليا/ الجبلية، وعاصمتها الادارية والسياسية، وبالتالي فهي مدينة كبيرة، تلحق بها مدن أدنى منها مستوى، هي مراكز المديريات. ومراكز المديريات هي عواصم أدارية بالدرجة الأولى، وليس لها ميزة اقتصادية أو سكانية، وقد لا تختلف عن مراكز البلديات المحلية، من حيث المستوى.
ان مركز المقاطعة هو نقطة ارتباط الوحدات الادارية داخل المقاطعة بالمركز، وواسطة اتصالها بالحكومة المركزية. وكذلك يمثل مركز المديرية نقطة اتصال مراكز البلديات وتوابعها بمركز المقاطعة. ومركز البلدية الذي هو مدينة مصغرة/ بلدة، هو نقطة التقاء القرى والسكان المتواجدين داخل الحدود الادارية للبلدية.
مما يترتب عليه، ان النسبة العظمى من سكان المقاطعة، في ما عدا عاصمة المقاطعة والمدن الكبيرة سيما ذات الأهمية الصناعية أو التجارية، فأن أكثرية السكان والنشاطات الاقتصادية تتوزع في الأطراف، حيث تسود البيئة الزراعية وتربية الحيوانات.
وبحسب خصائص هذا التوزيع، تعتبر النمسا ذات طبيعة زراعية، ويوصف سكانها بالفلاحين، مقارنة بألمانيا المميزة بأنها بلد صناعي، تشتهر بصناعة الحديد والصلب وانتاج السيارات والمكائن والعدد الالية المتنوعة. فالبلد الصناعي بحسب التصنيف العمراني، أكثر تطورا من البلد الزراعي، لأنه تجاوز المرحلة الزراعية.
وتنتمي للتصنيف الزراعي بلدان جنوبي وشرق أوربا عموما، مثل اسبانيا وايطاليا وغيرها. وهاته تجاهد في نفس الوقت لتفعيل الحياة الصناعية فيها واستيعاب صناعات متقدمة كالسيارات التي تشترك فيها كل من اسبانيا وايطاليا وجمهورية التشيك بشكل محدود.
لكن المعيار العمراني التطوري، يقوم أساسا على مصادر الانتاج الاجمالي في البلد. ان نسبة العائد الصناعي أو الزراعي الأكثر تفوقا هي التي تسم تصنيف البلد والمجتمع. وعندها يتبقى سؤال عن مصير البلدان ضعيفة الدخل والمساهمة المحلية في الميزانية.
وبعض البلدان العربية تصنف كبلدان نفطية، استنادا لنسبة الريع النفطي في ميزانية البلاد. فالانتاج المحلي ودوره في المجتمع والدولة: الأيدي العاملة وموارد الميزانية، لها دور أساسي في تقييم وتصنيف البلدان، وهو الذي يواجه كل مجتمعاتنا وبلداننا.
لكن النفط لا يزرع ولا يصنع. انه موجود داخل بطن الأرض. ولكن العرب الذين اشتهرت بلادهم به، واعتبمدت حياتهم ومداخيلهم عليه، لم يتوصلوا لاستكشافه وطرق تصنيعه، وآليات استخراجه وتسويقه، وتصنيع بواخر هائلة تتولى نقله وتوزيعه عبر المياه.
ومن المؤسف أن لا يكون للعرب باع في أي من مجالات النفط وبقية المعادن الكائنة في بلادهم، والمؤسف أكثر منه، أنهم سمحوا للغير بغزو أراضيهم واستغلال مواردهم، لقاء مقابل نقدي، تتحدد قيمته بقرار المعسكر الغرب نفسه. ولو قدر للعرب استغلال مواردهم الطبيعية، لتغيرت أنماط حياتهم ومعاملاتهم وتفكيرهم ونظرتهم لأنفسهم والعالم، ولانعكست نظرة العالم إليهم، وموقفهم من ثقافتهم ووجودهم. ولات حين مناص.
كلما انحدرنا في المستوى العمراني والاقتصادي والاداري للمدينة، تحصل جملة تغيرات عكسية..
1- تراجع المستوى العمراني والاداري.
2- زيادة المساحة الجغرافية وترامي الأطراف.
3- تناقص المراكز والخدمات المدنية.
4- زيادة نسبة القرى والأراضي الزراعية والمنشآت الصغيرة.
بينما تلتصق ألمانيا بتصنيع السيارات كمعيار وأساس لصيانة مستواها الاقتصادي والسياسي داخل محيط الغرب والعالم، عملت انجلتره دخول مجال تصنيع الطائرات والسفن، للتميز والتجاوز الصناعات التقليدية. وهو الأمر الذي سبق للولايات المتحدة اجتيازه بغير نجاح. فالسيارات الأميركية غير مناسبة خارج بلادها، والطلب لى السفن محدود والمنافسة قوية، بينما أصيبت صناعة الطائرات بفشل تقني أخرجها من سوق المنافسة مع فرنسا وانجلتره.
خروج انجلتره من سوق السيارات كان نتيجة فشلها في هذا المجال عقب الدمار الذي لحقها في الحرب العالمية الثانية، فعوضت خسارتها بالميل لتصنيع السفن والطائرات، وبعضهم يتنافس في انتاج أكبر سفينة وأكبر طائرة، للانمياز الاقتصادي والمدني.
لكن اشتداد المنافسة الاقتصادية والصناعية بين البلدان المتقدمة في العالم، دفع البعض للبحث عن انماط وأصناف جديدة للتفوق الاقتصادي أو التجاري والمالي بتعبير أدق. فطالما كانت معيارية الاقتصادي والتمدن، تتحدد بالعائد المالي الوطني، فأن التجارة والمقامرة والبورصة الدولية ونهب البلدان الفقيرة، يحق مردودا أفضل من تكاليف التصنيع العالية وارتفاع درجات التلوث.
من هذا المنطلق، بدأت انجلتره التحول من الاقتصاد إلى التجارة العالمية، ومن التنمية الاجتماعية إلى السياحة والهجرة. والتصنيف الاقتصادي المقترن بالأمبريالية الغربية، هو التصنيف التجاري، تجارة السلع والنقد. وبينما تحتكر الولايات المتحدة الأميركية منذ النصف الثاني للقرن العشرين، سوق النقد الدولي والمبادلات النقدية والتجارية في العالم؛ تحاول انجتره لاحتكار سوق المبادلات التجارية من كل الأصناف والمستويات عبر العالم.
فبالإضافة لنشاطها في سوق العملات والبورصة، تنشط شركاتها الوهمية وعملاؤها الكوكيز في عقد صفقات وهمية عبر النت، لتنشيط معاملاتها البنكية وفروعها حول العالم. علما أن انجلتره تلعب الان دور الندّ للولايات المتحدة وتحاول تقليده ومنافسته في كل خطوة.
وهذا يعود بنا للسؤال عن دور المجتمع ومصير قطاعات السكان في جنون سباق السيادة الدولية. سياسة الاقتصاد الحرّ وخصخصة المجتمع، تفيد تخلية الحكومة من الانشغال بمعايش السكان والسوق المحلية التقليدية، للعب على مستوى دولي. فلا غرو أن تفقد المدينة والعمران الاجتماعي اهميتها في انجلتره والولايات المتحدة. بينما تواصل أوربا تطوير انمطها التقليدية اجتماعيا واقتصاديا، دون اغفال السعي الاميركي لأمركتها وتضليها عن سياقها الوطني.
وأنا أعجب، من أولئك الذين يسيرون في الجنائز ومناسبات التأبين، ولا ينخفضهم ضغط أهواء في تجاويفهم. وفي الغرب يحضرون كرنفالا، متزاحمين بموديلات سياراتهم، ومتعذرين لعدم وجود باركات كافية لسياراتهم. لكن أحدا من هؤلاء لم يخطر له ان السيارة والأموال والشركات، لن تنقذه من حفرة التراب والنار.
الموت في الغرب، غريب ومرفوض. وظيفة الحروب تربية الناس على اكتشاف الموت. ولكن بعد أكثر من سبعة عقود على نفي الحرب من القارة الأوربية، نسي الناس معنى الحرب والكارثة والزلزال والوباء. وعندما يتم إعادة جثة جندي بريطاني أو أمريكي من الخارج، تعيده طائرة عسكرية إلى مطار عسكري مغلق، ومن هناك يجري تشييعه إلى المقبرة، التي تكون غالبا مخصصة للجنود. فلا يشعر بقية السكان بالانعكاسات النفسية للموت.
في المستشفيات عند موت أحد المرضى، ينقل إلى حجرة أخرى، ولا يذاع شيء عن مصيره، بحسب التعليمات. كأن الموت ليس حالة انسانية تلحق بكل مخلوق. الممرضات يتهامسن وكأنها فضيحة أو جريمة. لكن حتى في ثقافات أخرى، يتم تغشيش الموت بالعطايا والهبات والأموال، حتى ينسى أهل الميت وينشغلون بالمال.
المقابر، توضع خارج محيط المدينة، بعيدا عن النظارة والحركة العامة لحياة امدينة. وفي أوربا، المقابر حدائق زهور ووسائل تجارة، لتخفيف الوقع النفسي والفكري للموت. ومن النادر أن تجد شخصا يخطر له حزن أو بكاء وهو يزور المقبرة، إلا في حالات نادرة في بداية الوفاة، ولأسباب شخصية أكثر منها انسانية عامة.
وعند أي توسع عمراني أو تجاري، تقوم البلدية والتجار بتجريف المقبرة، وبناء أسواق وعمارات عالية على عظام الموتى. يقول القائل، حيثما تجد مقبرة، فثمة مدينة كبيرة، وحيثما تجد مزبلة كبيرة، فثمة (مدنية)!. ونحن اليوم نجد (المزابل الكبيرة والمتخصصة)، ولكننا لا نجد مقابر كبيرة. فكيف تكون (مدنية) من غير (مدينة)؟..
لقد تم قتل المدينة، وتحويلها إلى (حاويات بشرية).. العمران البشري الذي استغرق الكثير لبناء المسكن وتوزيعه وتصميمه، ودعي بالبيت والقصر والقلعة، وتوارثه الأبناء واعتبرته الشعوب رموزا تاريخية تراثية وقومية، مثل قصور الرومان والهنود، فقدت معياريتها الأخلاقية والنفسية.
قامت الرأسمالية التجارية الآنجليزية بتقسيم القلاع والقصور إلى منازل والمنازل إلى شقق والشقق إلى استوديوهات وغرف ايجار للطلبة والعمال الطارئين والعوائل الصغيرة. والمثل الانجليزي الذي كان يتفاخر بالبيت القلعة، فقد حقيقته الأرضية. بل هو اليوم معيار للخوف من المجتمع، وتحصين الشقة بالأقفال والأمن الالكتروني.
لكن الغرب لم يخترع المدينة، وانما استعارها ونقلها إلى حياضه من منشأها الشرقي، أسوة بأكثر مظاهر ومستلزمات الحياة البشرية الخاصة والعامة. بناء البيت الشخصي ظهر في سومر القديمة، وهناك، تم اكتشاف قاعدة (المربع) في حساب الأرقام، واستخدامه أساسا لبناء الحجرة ذات الأركان والجدران الأربعة، ومن قبلها كانت الحجرات دائرية، وتبنى من البردي والقصب.
المربع والطابوق المطبوخ في الشمس بدأ من هناك، من جنوبي حوض النهرين، ومنها أنتقل إلى أثينا مع علوم الرياضيات والفلك. ومن أثينا استقى الرومان فنون العمارة والبناء، دون الفلك والفلسفة، لاستخدامها في بناء قصور الأباطرة وشقت الطرق لتسهيل المواصلات والتنقلات العسكرية بين أطراف الامبراطورية.
انتساخ الرومان للمدينة، دون المدنية، كان بداية قتل الروح. بداية التجريد والمسخ والتسليع وتأليه المادة واعتبارها القيمة الأعلى والهدف الأسمى في حضارة الانسان. المادية الرّومانية هي رديف الفوضى الوثنية والهمجية المتوارثة بين الجماعات البشرية ومنظوماتهم القبلية التي وجدت في امبراطورية روما فضاء ومتنفسا.
تلك الوثنية الوحشية تنعكس في القصص والملاحم الأغريقية القديمة القائمة على الطمع والاغتيال والتآمر والخيانة، بحيث تشترك فيها الآلهة الوثنية مع البشر. لقد ساعد النظام الامبراطوري الروماني في نقل الصراعات البينية والعنف اليومي لتلك الجماعات البشرية البدائية، إلى نظام الحروب الامبراطورية والتنظيمات العسكرية للجيش الروماني الذي كان يتكون من وحدات وكتائب أو فيالق قبلية، يتزعمها رئيس من داخل الجماعة العرقية أو القبلية. وهو النظام الذي اعتمدته الكولونيالية الانجليزية، عندما سخرت سكان الهند لبناء كتائب قتالية في الجيش البريطاني على أساس عرقي أو ديني أو طائفي. مع فارق، ان الانجليز احتفظوا بمراتب الضباط وقيادات الوحدات لأنفسهم.
خدمة القبائل والجماعات الأوربية التي لم تكن لها يومها مصادر للمعيشة أو نظام اجتماعي لسدّ احتياجاتها الذاتية، ترتب عليه، لأغراض أمنية وسياسية، تخصيص أراض محددة لهم من قبل الأمبراطور مع منحة سنوية، يكفيها شرّ العدوان والاعتداء على سواها.
هذا القرار الامبراطوري السياسي الحكيم، شكل حجر الأساس لبناء الاجتماع الأوربي التقليدي الذي لا يتجاوز العصر المسيحي. في عرض تاريخي لأحد الكنائس المحلية، في البلد الذي أقيم فيه، قدّم المحاضر بيانات وسلايدات متقابلة، للعقائد والطقوس الدينية الوثنية، وانعكاسها في المسيحية الأوربية.
ولم يفته القول، ان رسل المسيحية/ (المبشرين)، عمدوا إلى (حيلة) مطابقة الرموز والمناسبات المسيحية الفلسطينية، مع الرموز والمناسبات والطقوس الوثنية الكلتية [Celtic Cult] القديمة، لاستساغتها وقبولها من قبل الأهلين. فالغاية تبرر الوسيلة. وليس هنا موضع التفصيل فيه.
لقد عملت السياسات الامبراطورية على تهذيب الشخصية الأوربية من الخارج، وبما يطبعها مع النظام والتصور السياسي للمدنية الرومانية. وهي مدنية جيش وعمران في أساسها. لذلك لزم قسطنطين الافادة من القوة الروحية والوحدة الدينية للعقيدة المسيحية، لتطوير الشخصية والمدنية الرومانية، أو الأوربية عموما. ولتقييم قرار قسطنطين السوسيوسياسي، يمكن تصور الانسان الوربي بغير وحدة العقيدة والحكم.
إذن، الأوربي الكلتي والهمجي لم يتطور ذاتيا ويتسلق سلم حضارة من اكتشافه وابداعه الذاتي، كما حصل في عالم الشرق القديم [من وادي النيل حتى وادي السند والكنج عبر وادي الرافدين]؛ وانما اقتنص مظهر المدنية في صفقة مبادلة معيشية، بما يتناسب مع خصائص البيولوجية والغريزية الأصلية. لم يتخلص من العنف، وانما سخره لصالح الامبراطور، وحصره في اطار الجيش وتعليمات القيادة. لم يتخلص من الغريزة، وانما وجهها في مجال الحرب، عبر القتالية الوحشية من جهة، وما يعقبها من نهب وسلب وقتل وسطو واعتداء على الأهلين من سكان المدن، وسيما الموسرين والعوائل الراقية.
وكانت تقاليد الجيش الروماني تمنح قواتها العسكرية شهرين لاستباحة كل مدينة تنكسر عسكريا. ولذلك كان وجهاء بعض المدن أو قادتها يتفاوضون مع الغزاة على الاستسلام، ودفع جزية مقدمة، شريطة عدم استباحة مدنهم بأيدي الجيش. والمشكلة هنا، لم تكن روما ولا قيادة الجيش، وانما كيفية ضبط الجماعات البدائية في كتائبها العسكرية، فكان يتم تقليص الاستباحة من شهرين إلى شهر، وفي أيام بيزنطة، أمكن تقليص الاستباحة إلى (اسبوعين). أما القسطنطينية نفسها التي وقعت احيانا بأيدي المتمردين، فكانت تستباح لمدة ثلاثة أيام، يتم فيها السلب والنهب وحرق القصور والكنائس ومرافق الحكومة واغتصاب النساء وقتل الرجال وسبي الأطفال والصبايا.
وعندما استولى السلطان محمد الثاني/ الفاتح على القسطنطينية، حاول منع استباحتها، وقامت قواته الخاصة بطرد الجنود والمتوحشين خارجها وحماية الأهلين وممتلكات المدينة. فالعنف الغريزي تم تطويعه في إطار عسكري سياسي، والعقيدة الوثنية الفوضوية والغريزية تم تطويعها في إطار المسيحية اللاتينية الأوربية.
وبعد حالة المثاقفة الغربية مع العرب عبر الحملات الصليبية قرابة القرنين من الزمان، والوقوف على حضارة عرب الأندلس، بدأ تاريخ جديد ونسغ جديد في الدماء الأوربية، ممثلا في النخب المثقفة والفكرية التي سيكون لها قيادة مشاريخ النهضة والتحديث والبروتستانتية والتنوير.
ولا ننسى، ان حركة الفكر الأوربي لم تحدث في فراغ، ولا استندت لفراغ، وانما ترافقت واقترنت، بسيادة الممارسات العنفية والهمجية بين الجماعات والأقاليم والزعامات القبلية الأوربية التي دامت على مدى قرون ثلاثة. ومعظم الفكر الانجليزي ذي الطابع السياسي والاقتصادي والبروتستانتي، كان انعكاسا لقراءات الأرض وصراعات العائلة المالكة، ومحاولة للخروج بالبلاد والسكان من أزمات الموناركية الداخلية.
كان ثمة هدفان لحركة الفكر الأوربي، هما..
أولا: بناء هوية أوربية سوسيوثقافية.
ثانيا: بناء مجتمع أوربي مدني على أسس حضارية.
وكان ذلك يعني ضمنيا، تحرير أوربا فكريا من كل من السيادتين العتيقتين: الأمبراطورية والكنسية. وسوف يستغرق ذلك قرونا مضنية على صعيد الفكر والاجتهاد العقلي، لتؤتي ثمراتها. لكن تلك الثمرات، لن تكون ناجزة، ولا تامة، فقد تعرضت للمحاصرة والمصادرة والقرصنة، من قبل القوى الامبراطورية البروتستانتية، لتطبعها بطوابعها البلدانية، وتسخرها لخدمة العوائل المالكة ومصالحها الغريزية والوثنية القديمة.
فلا غرو، أن تنقسم حركة الفكر والاجتهاد العقلي، في القرن الثامن عشر وما بعده، إلى شقين، شقّ أصلي حاول مواصلة النضال لتحقيق أهدافه الأصلية، وتقويض المركزيات الامبراطورية الدينسياسية ما بعد الرومانية وفي صدارتها الملكية الانجليزية. وهنا نجد ان هذا التيار، ركز هجومه على الشق الديني الكنسي والايماني، من جهة، وعمل على ترسيخ قيم الحرية الفردية وإرادة الفرد، لتقويض الهيمنات السياسية.
أما الشقّ الثاني فهو المرتزق الذي سخر نفسه لخدمة العوائل المالكة ومشاريعها الامبراطورية التوسعية. ويمكن أن نجد لممثلي هذا الشقّ، عينات وسوابق في تاريخ روما ومستشاري الامبراطورية في أحلك ظروفها؛ جمعا بين تأمين أسباب المعيشة والترف من جهة، وترك الباب مفتوحا للصعود السياسي والأرستقراطي؛ وهو النموذج الذي سيشيع في ظل الدولة العربية في القرن العشرين، مشكلة طبقة الاقطاع الثقافي والاستقراطيا الفكرية.
لقد حاول الفكر الأوربي في مشاريع الحداثة والتنوير إعادة بناء المدينة/ المدنية الغربية بأفق انساني مفتوح، وسمو لائق عن مستوى الغريزة والطمع والانغلاق. وقد نج هؤلاء بشكل غير قليل، منتجين الكثير من قيم السلام والانسجام والتوافق والتعاون الدولي، ممثلا بكل القيم والملامح الايجابية في المدنية والمجتمع الأوربي قبل الألفية الثالثة.
لكن الكمال المثالي، لم يتحقق لهؤلاء، لا في مشاريع التحديث والتنوير والبرتستانتية، ولا تواصلية الفكر واستجلاء آفاق أكثر رحبا وسموا. لقد اختنقت التطبيقات الفكرية والاجتماعية في أواخر القرن التاسع عشر، مع ترسخ القوى الامبراطورية العالمية، وانفلاتها من سيطرة العقل والدمقراطية الشعبية.
الدمقراطية ذات الجذور المشوّهة في أثينا وروما وبيزنطه، أصبحت أداة سياسية بيد العوائل الامبراطورية، لترسيخ سلطاتها وفرض وجودها على قطاعات المجتمع كافة. لقد حصرت العوائل المالكة حق الترشيح في حاشيتها المباركة. وحصرت حق الانتخاب والتصويت في نطاق الطبقات العليا في المجتمع، وفي احسن الأحوال، بقيت محصورة في نطاق العاملين من دافعي الضرائب. وبقيت المرأة محرومة حق الانتخاب والتصويت، حتى القرن العشرين/ ما بين الحربين، وذلك في حدود ضيقة وشروط مقننة.
ان الكثير مما اعتبر منجزات فكرية وتحديثية وثورة مدنية في المجتمع والأدارة العامة، انتهى إلى ترسيخ هيمنة الدولة البوليسية الأمنية التي تحكمها سلطة شمولية يمثلها ملك غير دستوري، أو قوة (غير منظورة) من وراء الدولة والحكومة. وقد كانت الحروب الأوربية الأوربية في مبتدأ القرن [1914- 1918م] ومنتصفه [1939- 1945م] نهاية مفجعة لحركة الفكر الأوربي والنهضة والفلسفة الأوربية ذات الآفاق واتطلعات الانسانية. فلا عجب، أن أوربا، واجترارها الطماع والهيمنة الامبراطورية الفاشلة لروما وبيزنطه، حفرت قبورها بنفسها، واحتقرت كلا من ثورة الفكر وإرادة الجماهير، واستسلمت عارية للكاوبوي الأمريكي.
أما الامبراطورية الأمريكية التي انفردت بقياد الأرض في الالفية الراهنة، فليست ثورة قاصمة للسيادات الوربية التقليدية الجامدة، وانما هزيمة قاصمة لحركتها الفكرية وشعارات التحديث والتنوير واللبرالية، ورغم عدم تحديد نفسها في أطر نظرية جامدة، فانها تتجاوز البراغماتية والميكافيللية وكل الأفكار والوسائل، ليس لاحياء مشروع امبراطوري روماني معاصر حسب زعم أحدهم، وانما بناء امبراطورية مقدونية وفق هللينية أميركية، تفصل بين العقل: (الأمة الأميريكية) والجسد: الذي هو (أوربا واستراليا)، والأطراف: (أسيا وأفريقيا وجنوب أميركا).
وإذا كان الشرق الاستهلاكي الكثيف السكان يريد الحصول على كفايته من كل الحاجات، فلا بد أن يدفع ثمن ذلك مقدما، على طبق من (العبودية) والتبعية الكاملة.
والمحصلة، ان المدينة الأوربية ليست المدينة المدنية، ولا تمثل المدنية الوربية لعصر التنوير. الثورة الصناعية والتكنولوجيا الالكترونية نقلتها من مدن قلاع وقصور واقطاعات سكنية إلى عمارات الاسمنت في القرن العشرين، ومن هاته تحولت إلى عمارات الزجاج، بدخول ما بعد الحداثة الأمريكية. البيوت في طريقها للانقراض، و(البيت) الأكدي الارامي القديم الحميم والدافئ، مات أثره في الغرب. والشقة: الستوديو/ أتيليه الراهن هو مجرد فندق مؤثث، تدخله وتخرج منه مثل الطائرة، بحقيبة ثياب لا غير, ويربما الا تحتاج حقيبة الثياب أيضا.
ليست ثمة مسقط رأس، ولا بيت عائلة، ولا معنى حسّي للوطن. هاته مفاهيم قديمة جامدة، وبتقنين طرز الحياة الأمريكية واللغة الأمريكية، سوف يتحول البشر إلى نوع من غجر العمل والجماعات الرحّل، ينتقلون من بلد لغير ومن قارة لأخرى، وراء لقمة العيش والأطعمة البتروكيمياوية، وسيتم نضد كل بياناتهالأساسية وأمنية داخل (chip) مزروع في رسغه أو جبينه أو أي مكان خفيّ من جسده، لتلبية حاجة البليس وصاحب العمل.
ليس الكلام ليس مبالغة ولا تنظيرا بقدر ما هو قراءة لواقع سائد منذ زمن. وكثير من النخب الانسانيين يعرفونه ويعترفون به، لكن الدمقراطية الرأسمالية الغربية الحديثة، لا تتيح أي فرصة للاختلاف أو السؤال النقدي. مثقفو أوربا، وسياسيوها الاشتراكيون ملتحفون بالجبن، بالتعبير الصريح، ولأنهم واقعيون وماديون وعضويون، فلا يقتربون تصرفا طوباويا، ولا يجازفون بمدّ أيديهم لقطف الورد من القمر.
في حديث شخصي غير رسمي مع أحدهم، توقع انفجار الغرب في موجة حروب داخلية أو (حرب عالمية) حسب توصيفهم باعتبار الغرب هو العالم. وما يتهدد به ترامب منذ بداية عهده (يناير 2017م) ويقض مضجع الرأسمالية الكولونيالية الأمبريالية، هو (الحرب العالمية الثالثة) التي طال انتظار أكثر من اللازم. والرأسمالي التاجر، لا يحتمل الانتظار.
وقد اعترفت خليفة كاميرون (تيريزا ماي) بذلك ووصفته بمشروع رئاسته الحالية. لكن ترامب الغربي العروق، لا يريد للحرب أن تنفجر على سريره، ولا سرير أوربا، ولذلك يطردها شرقا، حيث الكثافات السكانية الأسيوية، فتحقق كل الأغراض، دون أن يخسر الغرب شيئا.
فالمدينة والمدنية والحضارة والإنسانية، متلازمة رياضية هندسية، تكون مجتمعة وتدوم، أو تتضاءل وتختزل وتموت. وقد مات المدينة في الغرب. مات البيت ومسكن العائلة، مات المحلة والجيرة والمجتمع المدني، بما فيها الحياة الحزبية والممارسة الدمقراطية وتبادل الرأي. مات كل شيء في الغرب. تشارلز بن اليزابيث البكر وصف سكنى الشقق في العمارات السكنية التي عمّت بلاده بعد الستينيات بحياة الجوارير البشرية. كل جارور يضم كتل لحمية، تخرج من الثقوب أو تتسلل في مصاعد كهربائية. وتوصيف الجارور مشتق، من ثلاجات الموتى في المستشفيات، وربما من طراز الدفن في مقبرة النجف العالمية.

(2)
القرية الأوربية..
القرية الأوربية في أصلها زراعية، كبيرة المساحة قليلة السكان. تتكون من وحدات أراضي زراعية شاسعة المساحة، تشمل تلول أو سفوح جبلية ووديان، بحيث يؤمن مصادر مياه للسقي والارواء، فضلا عن الآبار العميقة لتامين مياه الشرب والاستخدام البشري.
فالقرية الأوربية، تتكون من وحدات زراعية متكاملة في حدّ ذاتها. وفي ضمن الأرض التي تستخدم للزراعة والرعي والارواء وسكنى الماشية والدواب، ثمة بيت كبير لسكنى الفلاح وعائلته. وعوائل الفلاحين هي عوائل كبيرة من حيث العدد، سواء من كثر الانجاب، أو اشتراك الزيجات الداخلية في سكنى العائلة الأم، وعملها بشكل أقرب للتكافلية التامة.
البيوت الفلاحية متباعدة المسافة عن بعضها البعض. والحياة الاجتماعية داخل القرية الواحدة ضعيفة، تجمعها وحدة المصالح ووحدة الهموم، وتميل للصرامة وقضاء معظم الوقت داخل الوحدة الزراعية، مما ينعكس على ضعف الحياة الاجتماعية داخل العائلة أيضا.
لكن التماسك العائلي والحياة الداخلية وصيانة الأسرار شديدة جدا ومركزية لكل عائلة فلاحية. ان أفراد الفلاحين، من نساء أو أبناء وأبناء بالمصاهرة، يخضعون تماما لنفس النمط ولا يكادون يغادرون الأرض ليلا ولا نهارا. فالتبعية كاملة لسبب المعيشة وتغطية حاجاتها.
الحياة الفلاحية ليست حياة ترف، انها زهد، قائمة على الضرورات الأساسية، والتبذير منبوذ. بعبارة أخرى، أنها وحدة اقتصادية كاملة ومتكاملة، تحاول تسديد احتياجاتها وتدويرها داخل الوحدة الزراعية. ويحظى شراء حيوان أو دابة وتطبيبها، أهمية أساسية، لكونها جزء من نمط الاقتصاد الزراعي المنزلي، بدلا من تناول وجبة أضافية أو المشاركة في عرس.
أعتقد اعتقادا، ان وراء صرامة الفلاحين، والحياة الفلاحية، سببا قاهرا، وهو نسبة الضرائب العالية والمساهمة العينية في تمويل الخزينة الامبراطورية وحاجاتها العسكرية. وهذا ينعكس على حجم التسويق المتاح له، بعد التخلص من مشكلة الدولة. فهو يضغط على مصروفه الخاص، ويقتص من زاده، لتحقيق ريع إضافي لخدمة الأرض وحالات الطوارئ.
والقرية الأوربية، حسب تبعيتها للقارة والنظام السائد في أوربا، كانت محكومة بالتزام قهري لا مفر منه، إذا كانت الضريبة الامبراطورية تترك فسحة للمساومة في بعض الحالات والظروف. ذلك هو سلطة الكنيسة التقليدية وأبرشيتها التي تفرض نفوذها على مساحات تغطي مقاطعة إدارية أو مملكة صغيرة.
ويلزم جميع القاطنين في محيط الأبرشية الاداري، تسديد ضرائب الكنيسة الممثلة أساسا بالعشور، فضلا عن الصدقات والزكوات وأعطيات أخرى بمسميات أخرى. والضرائب الكنسية الكنسية لها صبغة مقدّسة، لأنها من مصدر بشري، وانما مصدر كتابي، هو كلام الله ووصاياه.
والكنيسة الكاثوليكية الغربية كانت سلطة ادارية واجرائية، فهو مخولة باستحصال حقوقها ومعاقبة المخالفين بشكل فوري وبشري، دون تدخل من جهة الدولة أو المجتمع. فالامتناع عن تسديد حقوق الكنيسة وعشورها، يستتبعه تراكم الديون على صاحب الأرض، مما ينتهي به إلى مصادرة الأرض، واستعباده هو وعائلته، تحت سلطة الكنيسة.
فالفلاح، يجهد لكي يكون منتجا مثمرا في أرضه، بشكل يضمن له امكانية تسديد الضرائب والاتاوات والمطالبات المالية لموظفي الدولة والكنيسة من جهة، وضمان حريته وملكيته للأرض بالنتيجة. ولا شك أن الفلاح، لو توفر له سبب معيشة بديل، لاستغنى عن مشاكل الأرض، وكسب رزقه بطريقة أقل قهرا وابتزازا.
وحسب معايشتي الشخصية، لا يذهب الفلاح الأوربي للكنيسة في أيام الآحاد. بل أن الكنائس القروية لا تعقد اجتماعات اسبوعية أو خلال اسبوعية كما يفعل البروتستانت اليوم، أو الكنائس الشرقية في بلادنا. انما يوضع برنامج سنوي ينظم لقاءات عائلية [Familienversammlung]، كل أربعة أو خمسة أسابيع مرة، يتم فيه تسدد الالتزامات المالية والكنسية، ورؤية ما يسمى راعي الكنيسة، مع حمل كميات من منتجاتهم لباحة الكنيسة، لغرض المشاركة ومساعدة المحتاجين، وترك الباقي للكنيسة. فلا أحد يستعيد ما جلبه للكنيسة في المناسبة/ الاجتماع.
لا بد أن محاولات ومبادرات تمرد وعصيان، حدثت خلال تاريخ الكنيسة والقرية الأوربية، لرفع الاضطهاد والابتزاز أو تلطيفه. لكن أيا منها لم يكن بالقوة والنجاح التي توفرت للحركة اللوثرية [1483/ 1517- 1546م] مؤقتا. ونعرف أن فلاحي القرى كانوا أنصار لوثر الأوائل، وأول من انتزع نفسه من سلطات الكنائس والابرشيات الكاثوليكية.
كما أن الخسارة المادية وخروج ريوع الأراضي الزراعية من ميزانية الكنيسة، كانت ضربة موجعة للنفوذ الكنيسي الذي يسيطر على ثلث مساحة أوربا في القرن الثالث عشر. لقد كان اباطرة روما وبيزنطه يطمعون في الحصول على قرض من الكنيسة لتغطية عجز الميزانية الامبراطورية أحيانا.
ولعلّ سعة الوحدة الزراعية الواحدة جعل عدد العوائل محدودا داخل القرية الواحدة، لدى تصنيف الوحدات الادرية لأغراض بلدية. كما يعكس ذلك تداخل القرى في بعضها، من جهة، وتباعد بعضها، بحيث يترك مساحات شاسعة خالية على هامش الوحدة الأدارية أو في وسطها، بسبب عائديتها لشخص يقيم في طرف منها.
السؤال الوارد هنا، هو عن أصول الفلاحين الاجتماعية: الأثينية والقبلية. ان اعضاء القرية الواحدة ينتسبون إلى أصول اجتماعية أو قبلية مختلفة. ولا يشكل سكان القرية نسيجا اجتماعيا، بلدانيا أو قبليا واحدا. علما أن تاريخ الاجتماع الأوربي والقروي لا يتجاوز عصر النهضة.
ويبدو أن سقوط امبراطورية روما وبيزنطه، وتفكك سلطة الكاثوليكية، منح الناس حرية الحركة والانتقال داخل أوربا من جهة. كما أتاح للبعض الاستيلاء على أراضي وموارد، في مناطق مغرية بالنسبة له. في المثال النمساوي، يشكل الهنغار والسلاف والطليان والجيرمان، أصول السكان المحليين، وذلك حسب الدائرة المحيطية المحاددة للبلاد.
وبالنسبة للغرب النمساوي، فقد كان قبل ترسيم الحدود الرسمية/(في أواخر القرن الثامن عشر)، جزء من مقاطعة بايرن/ جنوب شرقي ألمانيا، وما زالت تتمتع بنوع من الحكم الذاتي في ألمانيا. وتبعا لذلك، كانت المنطقة التي أقيم فيها، تابعة لأبرشية بايرن. ونفس الأمر ينطبق على شمال النمسا حيث الأغلبية التشيكية، والسلاف والهنغار من جهة الشرق وسيما في فيننا وكراتس، بينما تتداخل الحدود والأعراق والمصالح النمساوية والايطالية على طول الحدود الجنوبية.
الفكرة الأساسية وراء ذلك، إلى جانب النزعة الفردية، هو تفضيل الجماعات القبلية التوزع في مناطق متفرقة، بدل اجتماع النسيج القبلي في مساحة واحدة، قرية أو مدينة أو مقاطعة. وربما كان لذلك ضمانات من الملاحقة أو الاضطهاد أو الانتقام، على خلفيات سابقة تعود للعهد الروماني.
فاختلاف الأعراق والخلفيات، وراء جفاف الطباع، وجدب العلاقات الاجتماعية، داخل مجتمع القرية، وأهل الجوار. ويفتقد عادات القرية لقيم الضيافة والأناسة والمشاركة الوجدانية والعاطفية. وما زال اهل القرى أكثر رفضا للأجنبي، من أهل المدن الأكثر انفتاحا.
وفي الغالب تواجه الفتاة القروية مقاطعة عائلية عند ارتباطها بشخص أجنبي، شرقي أو غربي. ويستغرق زمنا حتى يتم تطبيع نسبي بين الطرفين. هذا السلوك الفلاحي/ القروي يعكس أزمة ثقة بالنفس، سواء في علاقته بنفسه وأرضه، أو الخشية من الكلام والاستضافة.
وكما تنعدم قيم الضيافة والافصاح عن معلومات ذاتية عند المقابلة، فقد صادف أن دعاني أحدهم للداخل، ليس بسبب كرمه، وانما بسبب البرد، وحاجته لغلق الباب بحيث لا يفسد دفء المنزل. أخذني إلى الحجرة الدافئة في المنزل، وفي جانب منها المطبخ والموقد، واستمر الكلام الذي بدأنا على العتبة، ولم يخطر له تقديم الشاي أو القهوة.
ان فكرة الضيافة بالشاي او الطعام او المبيت غير واردة في القاموس الأوربي، وتتخذ طابعا اقتصاديا رأسماليا صرفا. وحتى في الاجتماعات الكنسية، حيث يسود جو اجتماعي داخل الجماعة الكنسية، لكن الاجتماع لا يكون داهل الكنيسة أو احد ردهاتها الواسعة، وانما في فندق ومطعم مجاور للكنيسة، وهو من أوقاف الكنيسة/ (غالبا). وهناك تنعقد موائد كبيرة للطعام والشراب والتسري، ويدفع كل منهم فاتورته ويخرج.
بالمنظور الاقتصادي المحلي، ان ثمة فرضا أدبيا أو وطنيا، يقوم من خلاله أفراد الجماعة المحلية بتدعيم الحياة الاقتصادية داخل القرية أو الوحدة الادارية. وهو بذلك لا يذهب الى سوق بعيد أو مطعم خارج القرية، عند وجود مطعم محلي، مهما كانت أسعاره وربما خدمته غير مناسبة.
هذا هو أيضا نوع من الانتماء والالتزام المناطقي داخل الوحدة الوربية، القرية أو البلدة الصغيرة، حيث الرقابة الاجتماعية والتجسس على البعض، جزء من تفاصيل الحياة اليومية. ان درجة وطنية اشخص، محكومة أيضا بدرجة اسهامه وتشجيعه للناتج والاقتصاد المحلي.

(3)
البداوة..
من عوارض الأفكار الخاطئة في الثقافة العربية، هي نظرتنا المثالية للغرب واتهامه بالتفوق والنظام والالتزام وقائمة نخبوية مزوّرة، هي غالبا الضدّ المقابل في نظرتنا لأنفسنا ولواقعنا. عند النظر للغرب، ننتقي أفضل ما فيه، ونعممه على كل الغرب. وعندما ننظر لأنفسنا، ننتقي أسوأ ما فينا، ونعممه على الكل.
فالنظرة الشائعة عن العرب، في أوساطنا الثقافية، انهم جماعا بدوية غير متحضرة، تميل للعنف، ولا تحترم القانون والنظام، وغير ذلك من مواضع القدح. لكن ما من مثقف أو سياسي، جهة اجتماعية أو حكومية، قامت بإحصائية رسمية أو تخمينية لتقدير نسبة البدو في المجتمع العربي. والاحصاءات العامة تشير إلى نسبة التصنيف القري والزراعي في حدود الثلثين، مقارنة بأهل المدن. لكن الريف والقرية والمجتمع الزراعي، لا يعني (البداوة).
لقد مرّ قرن كامل على تكرار هذه (الفرية) نقلا عن الثقافة الكولونيالية والدعاية الغربية المعادية، دون تصحيح أو يقظة وعي: وطني أو قومي أو علمي. ان المبرر الذي أقامت عليه الحركة الكولونيالية لاستعباد مجتمعات أسيا وأفريقيا، هو أفتقارها للتحضر وجهلها للنظام ورفضها للتطور ومسايرة العصر.
وللأسف، ابتلع رواد الحداثة من عرب ومسلمين وأسيويين وأفارقة، هاته المقولة والزاعم المسمومة، لتبرير احتلال بلدانهم وتسويغ حكمها من قبل الأوربي الكولونيالي، الأكثر تطورا وامتيازا بأمور الحكم والادارة والعلاقات الانسانية. بل أن هاته المزاعم تم ترويجها خلال الغزو الأمريكي للعراق (2003م)، بدعوى ان العراقيين لا يصلحون لحكم أنفسهم.
وخلال وجودي في الغرب، لما يزيد عن ربع قرن، جربت وعانيت امتحانات متنوعة ومتقابلة، بين امتحان الذات فردا وثقافة واجتماعا وعقيدة، وبين امتحان الاخر على غير مستوى. وقد التقيت ما أمكن بنخب المثقفين وانصاف المثقفين والفلاحين والناشئة الفاشلين في التعليم.
ولعل هذا وراء فكرة هذا الكتاب وما يأتي في سياقه. أنه نتاج معايشة شخصية وليس خلاصات أفكار وجماع نظريات، تفقد براءتها لدى الترجمة والتعريب. وكما أن علاقتي بالغرب كانت من خلال الفلسفة الغربية وطروحات الحداثة والتنوير. فقد وصلت إلى أوربا الغربية، بوصفها الفردوس.
ويبدو أن المعاناة المرسومة لي منذ اللحطات الأولى، كانت تريد أن تثبت أوهامي وخطل كل تصوراتي حول المثالثة والسمو وحقوق الانسان الأوربية. ويبدو أن تلك المماحكات الشخصية لم تكن كافية، فأضيفت إليها فصول الغزوات الامبريالية والعقوبات الوحشية والحصار اللاانساني على بلداننا لمدد تجاوز العقد، لا لوحشيتنا، بل لرفضنا بيت الطاعة الأمبرالية.
ان تربيتنا الاسرية ضعيفة ومشوّهة. وأنظمتنا وثقافتنا التربوية تنتمي للخطأ أكثر من الصحيح. والسبب أننا نشحن بالكراهية والخوف من بعضنا، بينما المفروض توجيه الكره واخوف والحذر من الأجنبي الغربي، سيما أن الكولونيالية كانت وسط بلادنا قبل ولادتنا، وما زالت هناك، بينما نتشرد نحن بلا بلد آمن.
الفرد الأوربي، يتمتع باعتداد بالذات، الفردي واعائلية والوطنية والوربية والكولونيالية، ما لا نتوفر نن، ولا يدخل في نسيج تربيتنا وتكوين لاوعينا الوطني. وجزء من انتماء الأوربي لهويته ووطنه وقارته، ايمانه بتفوقه على غير الأوربي، وانحيازه للأوربي، شخصا، ثقافة، سياسة، في مقابل غير الأوربي.
على العكس منه نسلك نحن، نفضح كل عيوبنا أمام الأجنبي، ونتبدل الاتهامات والافتراءات تملقا للغريب، ونخجل من تاريخنا العربي والاسلامي وانظمتنا الاجتماعية والعقائدية، أمام الجنبي، تملقا وتزلفا للنال ثقته وحظة في عينيه لا غير. وقد وجدت أناسا على درجة من التطرف، من هويات ودينية وطائفية معينة، يفضحون عقائدهم وطقوسهم ويصفونها بالخرافة والوهم أما الأوربي، وينفعلون ويطفر الغضب من أعينهم، عندما يتحدث أحد بني جلدتهم بكلمة تمسّ عقائدهم.
من هنا، أصف تجربة المهجر العربي بالفشل. وأتهم رواد الثقافة والحداثة والمهجريين القدماء، سيما ممن كتب في هذا المجال، بخيانة الحقيقة ومخالفة الواقع. وبذلك، ساهموا في ترويج الدعاية الغربية الكولونيالية ضد بلدانهم وثقافاتهم الأم، بغض النظر عن مدى التزامهم الوطني والقومي والديني.
وأدعو من هذا الباب، إلى البحث عن عدد الأوربيين، الذين خانوا انتماءاتهم الوطنية والقارية، رغم بؤس التاريخ الكولونيالي والرأسمالي الغربي، ومقارنته بعدد المثقفين المحليين والمهجريين المروجين للدعايات والسياسيات والأفكار الكولونيالية والمركزية الأوربية، مع الخذ بالاعتبار، ان الغرب هم الذين احتلوا بلاد العرب ونسجوا أنظمتها وقوانينها، وما زالوا يفعلون ويجاهدون للعودة الكولونيالية المباشرة.
ان الضعيف المهزوم والضحية، يصفق للغازي والقاتل والمستبدّ!. التقيت مع جماعات من الهنود والأفارقة، انخرطوا في خدمة المؤسسة الكولونيالية وعقائدها الدينية، وعندما ذكرتهم ببلدانهم وما تعرضت له من حيف كولونيالي مبكر، أبقاها في خانة التخلف والصراعات القبلية، وهو ما جعلهم يختارون انجلتره دون سواها، أشاحوا بوجوههم، وانسلّوا مبتعدين. مجرد هروب من الذات، ومن مواجهة السؤال.
وقد تتمليت وتأملت سطور (المفصل في تاريخ العرب)، وراجعته غير مرّة، فتجلت لي كثير من جوانب مخفية وباطنية، أو ما يوصف بين السطور، في عرض الذات، وترويج الاخر, ففي كل تفصيلة، يرد رأي المستشرق بوصف سندا كتابيا. والسند الكتابي في لغة الكنيسة، هو المبدأ الانجيلي أو التوراتي. ولكن لماذا؟!.
ان قاموسنا الثقافي المعاصر لا يميز بين المفكر والفيلسوف والعالم والباحث وأستاذ الجامعة ومؤلف كتاب حتى لو كان كتابا ادبيا. وثمة صفة مزورة اسبغت على الاستشراق صفات العلمية والبحث الآثاري والاثنولوجي والاركيولوجي، وغير ذلك. ومعظمه مزيف. ففيلبي الجاسوس الانجليزي الذي مات في الاردن، بعد اسغناء بلده عن خدماته، هو أحد مستشرقي جواد علي. والدكتور الأكاديمي والمؤرخ جواد علي الذي لا يضع هوامش أو قائمة مصادر لكتبه، لا يضيف ملاحظة تعريفية بالمصادر والشواهد القولية التي يوردها أو يعتمدها في كتابه. فغير واحد، من مصادره العلمية في كتابيه حول تاريخ العرب، هم من ضباط الجيش أو الجواسيس أو موظفي عهود الكولونيالية الغربية والدبلوماسية في بلاد العرب، يتم تسويقهم للقارئ بصفة الاستشراق ذي الصفة العلمية الاكادمية والموسوعية الفلسفية.
علينا ان نضع الاستشراق عموما، في قفص الاتهام، وتحرير عقولنا وتأريخنا من آثاره. وبذل جهد للفصل والتمييز بين طبقات الفلاسفة والمفكرين، الانسانيين والكولونياليين، والفصل والتمييز بين أساتذة الجامعات والعلماء، والخلفية الاجتماعية والسياسية لكل منهم، والفصل والتمييز بين مؤلفي الكتب من رجال دين أو موظفين كولونياليين وجواسيس كتبوا مذكراتهم وتجاربهم، فاعتمدها بعض كتابنا مصادر علمية للإستشراق.
ونجد أن اليوم موضة بين سياسيي الغرب، لكتابة مذكراتهم وسيرهم خلال أو بعد تقاعدهم من الخدمة، فهل نجعل من كتابات تشرشل وكيسنجر ومارلين أولبرايت، مصادر علمية للحكم على أساسها على مجتمعاتنا وعقائدنا وثقافاتنا التي كانت وسادت قبل صعود الغرب وظهور دولهم المسحدثة.
ان القبائل الأوربية اندمجت في بعضها في صور تحالفات سياسية أو قومية، وأخذت لاحقا هيئة البلدان والشعوب الأوربية التقليدية، كالبلغار والهنغار والسلاف والجيرمان والغال والفاندال. فالهوية القبلية تطورت وذابت في هوية بلدانية قومية. على أن مدى ذوبات امشاعر والانتماءات القبلية لا يمكن الجزم فيه.
وهنا تلعب القرية دورا مزدوجا، فكما أنها النواة القومية التي يتطور منها المجتمع المديني/ المدني السياسي للبلد، فانها من جانب آخر، تختزن تحت سطح التربة، الجذور والبذور الأصلية للأصول الأثينية والقبلية القديمة، قبل تبلورها في الهوية الوطنية.
لذلك تأخذ الحزازات والحساسيات المابينية متنفسا في مجتمع القرية، والذي يبرز في مناسبات التفاخر والتنابز. وطريقة تفاخر الغربي هي بالسخرية من الآخر. ليس الجنبي، انما جاره وابن قريته أيضا. وكما ياخذ التنابز بعدا اقتصاديا أو سياسيا، فأنه له أظافر وأشواك عرقية وقبلية لم تندثر بفعل التطور الداروني.
ان القبيلة الوربية والغربية لم تنذثر، ولم تسحقها سرفات التطور وانما أخذت مسميات واطرا مختلفة. وبعدما تخذت لنفسها هيئة تيارات في القرنين الثامن والتاسع عشر، أخذت تتلرو في عناوين وأيديولوجيات سياسية وحزبية. فلكا حزب أو تيار سياسي خلفية سوسيوثقافية واقتصادية مختلفة عن غيرها. والتصنيف القاري الغربي للمحافظين والعمال، أو الجمهوريين والدمقراطيين، وهو ما يترجم واقع أثينا القديمة قبل سقراط، انما يمثل عصبية قبلية متنابزة بين الأرستقراط والشعب. وفي ايام بيزنطه أخذا بعدا لونيا، الزرق والخضر.
أقول: أن العصبية القبلية التي نعت بها ابن خلدون [1332- 1406م] عرب الحجاز، وهو ممن نسبهم للبداوة؛ ماثلة في الحياة الأوربية من خلال منابزات الأحزاب والتيارات السياسية الفاعلة في البلاد. وأفضل سوق لتلك المنابزات، هي مناسبات الترشيحات والانتخابات.
تلك التعليقات الحادة والقاسية واتي تأخذ سمت الفضائحية أحيانا، ليست لغة عادية ولا كلاما عابرا، وانما مجرد إشارات إلى قصص وأحداث وتواريخ سابقة، تقتضي قارئا نهما، ومطلعا على التاريخ السياسي والاجتماعي لتلك البلاد وتطورها عبر الزمن.
فالتاريخ الانجليزي، غني جدا، سواء في جانبه الاجتماعي أو الاقتصادي، المني أو العسكري، السياسي الملكي أو الحكومي، الحزبي لهذا اتيار ولغيره. ولا يجمعه غير عنوان واحد هو الفضيحة، ويمكن إضافة مفردة (دسيسة) له، فيكتمل ولكنه بالعبارة، مخجل. ولذلك يقرأ الأوربي تاريخه بضمير ميت وشعور غائب.
وكتب المدرسة الانجليزية تقدم بعض الملوك والاحداث والمجازر على شكل نكت ومواضع سخرية. بينما يتناول الموضوع مواقف أخلاقية ومأسي انسانية. ومنها قصة هنري البطين الشره المزواج وهو سفاح النساء، أم الصراع الدموي الاجرامي بين بنتيه ماري واليزابيث.
ان خلاصة التاريخ هي الخلود. والخلود يكون بالفضائل، كما يكون بالمجازر. ومشاهير التاريخ ليس أفضلهم، وانما الطغاة واجزارون. والبقاء للأقوى، كما هو للأفضل. وحيثما تغيب الفضيلة، تظهر القوة والدسيسة. أما المعيار الأخلاقي ومشاعر الخجل فلا دور لها في تاريخ التطور البيولوجي.
طبيب عراقي كردي درس في فرنسا، في حديث معقبا على التغطية الالكترونية بالكامرات في شوارع وساحات انجلتره، فضلا عن الدوائر والشركات والمحلات العامة، قال: [لولا الكامرات لأفترسوا الناس!]. وهو يشير إلى همجية الانجليز المحجّمة بالنظام والبوليس.
أحد الشباب العراقيين، تعرض للضرب الوحشي دخل باص نمساوي من قبل جماعة يمينيين، في ساعة متأخرة من الليل، وعندما استنجد بالبوليس، لم يعبأوا له. دون أن يتعرض لأحد بسوء. فنحن نقول ان الغرب ولة قانون ونظام، ولكن في ؤسسات الدولة وفي هياكل البوليس من النفوس وأصحاب المشاعر المعادية للأجانب، وربما مرضى السادّية عموما، ما يتنهز الفرصة لاشباع نهمه الوحشي والأخذ بثأره. أما الشتائم والكلمات المسيئة والمهانات التي تصدر من الوربيين ضد الأجانب والشرقيين، فهي مخالفة للقانون المكتوب. ولكن ليس المكتوب يطبق، ولكن كل ما يجري تطبيقه له نص تدويني.
ان أخطر جهاز أوربي بالنسبة للأجانب اليوم هو البوليس والجيش. فبعدما كانت القوانين تمنع ظهور تشكيلات يمينية متطرفة، وتم تصفيه تجمعاتهم، قرر كثير منهم العمل في سلك البوليس والجيش، وبذلك يحصلون على تاهيل بدني عسكري متفوق، ويمكنهم انتهاز الفرص وسوء استخدام القانون للايقاع بضحاياهم.
وعام (2004م) قام ثلاثة جنود انجليز برمي شاب عراقي عابر سبيل، اسمه (كريم أحمد) في السادسة عشرة من عمره في قناة العشار في البصرة القديمة. ولدى استجوابهم لاحقا قالوا أنهم كانوا يتسلون به. وقد حكمت المحكمة الانجليزية على كل منهم بما يعادل تسعة أشهر، باسم العدالة الانجليزية.
أما جريمة الجيش الأمريكي في سامراء، عندما قام عدد منهم باقتحام منزل عائلة عراقية لديهم صبية في الثانية عشرة، ارادوا اغتصابها، وعندما رفض الأب أطلقوا عليه الرصاص، ث قاموا بتصفية كل العائلة، بما فيهم الصبية بعد تعاقبهم على اغتصابها. وقد قضت المحكمة الأمريكية بأنهم كانوا يعانوا من (الأحتصار والكآبة) نتيجة بعدهم عن بلدهم.
تحت أي عنوان، يمكن جدولة الممارسات والسلوكيات الغربية ضد الجانب والأعراق غير الأوربية. وهو السجل الذي يخشى الكل التطرق إليه، بما فيهم أدعياء جمعيات حقوق الانسان العربي والعراقي المدعومة من القوى الامبريالية نفسها.
اعراف المأفيات القبلية والتوحش البدوي والصحراوي، يتهدد كل لحظة ومنطقة يوجد فيها شخص أجنبي. ولولا تحلي الجانب بالخلق واللياقة الأدبية، وسطوة القانون خلال النهار، لانتشرت المجازر في الشوارع والساحات. ولكن ماذا لو تغيرت مواقف الحكومات الغربية من قضايا الأجانب، وازدهرت النزعة اليمينية على صعيد الحكومة والشارع، وهو ما يجري التمهيد والترويج له حاليا، لتنفيس أزمة الرأسمالية الامبريالية، وخلافات الغرب البينية، على حساب الأجانب اذين غزوا أوربا وسرقوا فرص العمل والمعونات الاجتماعية من الشعوب الغربية.
ثمة نزوعا عنيفا نحو اليمين في الحكومات الغربية. والحزب اليميني النمساوي الذي صعد منصة الحكم عام (1998م) في تحالف مع حزب الشعب المحافظ الوسطي، ما يزالان حتى اليوم (2018م) يستبدان بالحكم، بينما الحزب الاشتراكي: الأقوى والأعرق في البلاد، في البرلمان. وهو ما ينطبق على الحكومة الالمانية واحتمالات مفتوحة لاستمرار حزب المحافظين في الحكومة الانجليزية بعد اتهام الزعيم الحالي لحزب العمال البريطاني باليسار المتطرف، وهو مما لا يروق للأدارة الأمريكية طبعا.
وعل العموم، فأن مزيدا من القراءات يشير إلى عودة الغرب للمرحلة الوحشية، وتغيير قواعد العبة الدولية والنظمة الاجتماعية واللوائح القانونية التي تجاوزها عصر ما بعد الحداثة، مما يقتضي الانتصار الساحق للرأسمالية العنصرية وهزيمة أعدائها التاريخيين: الشرق والاسلام والاشتراكية!.


[46]
قصور تنويري..

(1)
ما نزال نفهم الحداثة على أنها مركزية العقلي والمادي، على حساب الغيبي والخرافي. ولكن هذا لا يقتضي ازدراء أنفسنا والتنكر لتاريخنا، والتوجه لاستنساخ الغرب واستهلاك منتجاته وطروحاته، من غير تبصّر.
نحن لسنا ضدّ العقل الذي هو امتياز البشر في الوجود، ولا ضدّ المادة التي هي أساس كل وجود، ولكن اعتبارهما المطلق، وإلغاء كلّ ما عداها من ضمير وأخلاق، وضرورات محلية بيئية وإجتماعية، هو المرض!.
نستخدم العقل والمادة، ولكن ليس بمعزل، عن الضمير الأسمى والأخلاق الإنسانية، وكلّ ذلك في إطار محيطنا الوطني والاجتماعي القومي. فلا ننسى أن العقل وسيلة، والمادة وسيلة، والضمير والأخلاق معايير عملية لابدّ منها، والوطن والمجتمع والتراث، هي الإطار والمختبر الذي ينبغي لكلّ حراك وتفاعل وفكرة، أن تعود عليهما بالفائدة أولا.
كان لا بدّ لنا من اعتبار التيارات العقلية، في تراثنا الوطني القديم والوسيط. لأن التراث ليس حكرا على الدّين، ولا التاريخ حكر على القومية. ونحن - العلمانيين- على العموم، لم نفهم (القرآن) والاسلام، فهما عقليا محايدا ومستقل،ا عن تأثير الموروث المحلي، وتراكمات الحداثة الغربية تجاه كنيسة روما.
ورغم احتجاجنا بالعقل الفلسفي والفكر العلماني المستورد مع الغزو الكولونيالي، لم ندرس المدرسة البصريّة وتيّاراتها وطروحاتها الفكرية والفلسفية، دراسات وافية، تعيد إحياءها وعصرنتها، لإعادة توظيفها في الراهن. وما زال موقفنا منها لا يضاهي موقف مثقفي الأديان من أدبياتهم التراثية.
ان انكسار التيار العقلي العباسي، في القرن العاشر الميلادي، لم يمنح فرصة استكماله خلال القرن العشرين أو التاسع عشر، في مصر والشام. والتاريخ ليس دراسات أكادمية جامدة، ومجال درجات علمية للتوظيف، وركن أبحاث تحت غبار المكتبات، وإنما مادة تثقيف وتنوير شعبي، وإعادة صياغة للتراث العلمي وتثويره وتقديمه راهنيا، حسب مستويات الفئات الإجتماعية والعُمُرية المختلفة. محققا هدفين: أولهما: التثقيف والتنوير، والثاني: تأصيل الهوية والإنتماء.
ان تاريخنا ليس غزوات فقط، ليس داحس وغبراء فقط.
لقد سوغنا نحن، تشويه ماضينا واعتماد سوءاته، على حساب إشراقاته الفكرية، التي اعتمدها الغرب لتحقيق نهضته، والإرتقاء بالتنوير والحداثة والتمدّن، بل فعلنا ذلك والتحقنا بالغرب، تبريرا لعجزنا عن القراءة المسؤولة والمستقلة، القراءة الانتاجية لتطوير انماط الحياة وتغيير الواقع.
أهملناها نحن- بحكم تشوهنا الاجتماعي وتخلفنا الثقافي- فزدنا تخلفا وانحطاطا، نتيجة كسلنا وخمولنا واستسهالنا مصادر المعيشة والثقافة والسلطة، التي كلفتنا تبعيتنا واعتزازنا بأوطاننا وشعوبنا وثقافتنا. وكان الدكتور يوسف عزالدين [1920- 2013م] غالبا ما يرد خلال حواراتنا بيت الشعر هذا.. بنبرة لا ينقصها أسى..
أننا نجني على أنفسنا.... ثم نشكو ونقول: من جنى؟..

(2)
نحن لم نقرأ تاريخ الغرب، لكنه ليس عريقا ومشرقا كتاريخ الشرق، الذي نحن جزء منه. ولأن الذين كتبوه، وقدموه للعالم، هم مؤلفون كولونياليون، حرص كل منهم على تمجيد بلده، وتسجيل تفوقه وفضله على البشرية؛ فانبهرنا –نحن- أمام الغرب، وبخسنا تاريخنا الحضاري، وخسرنا الثقة بداتنا، والاعتداد بإرثنا العقلي.
من مظاهر بؤسنا الثقافي المعاصر، ليس عجزنا عن المجازفة للبحث في تاريخ الآخر وعصره، لكتابة تاريخه بشكل محايد أو منظور خارجي، فحسب، بل أن احساسنا بالخواء والانحطاط الشامل، الذي تلقناه من التعليم الكولونيالي المؤدلج والمشوه، جعلنا نقبل (الوهم والخرافة) بمثابة حقيقة مطلقة.
وهذا وجه آخر لصورة التقاء/ انتهاء العلماني والديني، المثقف وغير المتعلم، في حفرة واحدة وخندق واحد. ولا نسأل بعدها، لماذا صار عدد المتدينين من العلمانيين وحملة الشهادات، ومن أعمار مختلفة، أضعاف أضعاف عددهم قبل نصف قرن. هل عرفوا (الله) للتوّ، أم أنهم احتاجوا الغزو الأميركي وسقوط الدولة، ليدركوا الحقيقة الالهية.
التفسير الصحيح أنهم اكتشفوا وهم ثقافتهم، أو حقيقة عجزهم الثقافي، أكثر من ادراكهم الديني، أو انسياقهم في البراغماتية الوضعية!.
واليوم.. رغم استهداف العنصرية الغربية، لمنطقتنا وشعوبنا وثقافتنا العريقة، فما كان له أن ينجح هذا النجاح المذهل في بلداننا، لولا أننا فتحنا له الأبواب والشبابيك على مصاريعها، وبايعناه (وصيّا) على حياتنا وتاريخنا وديننا، و(إماما) نتبعه ونقلده في عماء تامّ وبمحض قرارنا.
فهل نبقى على حالة الاسترخاء والعبودية والمهانة، أم نفكر في لملمة أشيائنا، والعمل على امتلاك أنفسنا وتنظيم أدواتنا، للبدء بالتصحيح والبناء!
نعم.. لقد ظلمنا أنفسنا – بالتعبير القرآني-، باجحافنا تراثنا وثقافتنا المحلية، واستنكافنا من القومية والتاريخ، ووصف العروبة بالبداوة، والإسلام بالوحشية والسيف، وكل هاتيك، من منتجات الدعاية الكولونيالية والصليبية ضدّ وجودنا.
ان ما يحصل اليوم، على أرض الواقع، ليس ضد الإسلام فحسب، وليس ضد العروبة فحسب، وانما ضدّ وجودنا كلّه، لكي يرث الغرب جغرافيا الشرق الأوسط*، ويتمكن من مشروع الاسكندر الذي قصرت عنه روما وبيزنطه.


(3)
بلادنا: الموقع الجغرافي الستراتيجي، الامتداد الطبيعي للجغرافيا الأوربية، المنطقة الغنية بالمياه والموارد الخام والطاقات الطبيعية، الموطن الأقدم والأول لنشأة البشرية والمدنية والدين والثقافة، الجغرافيا الأصلية للميثولوجيات القديمة، وامتداداتها في التوراة والإنجيل والقرآن.
وبإدراك هاته اللعبة السيادينية، ندرك مغزى تجميع شتات روس وبولونيين وأوكرانيين، وزرعهم في فلسطين، بعنوان: (إسرائيل التاريخية). هل بن غوريون يهودي اسرائيلي؟.. (لحظة).. بن غوريون، ليس اسمه الأصلي، وكل قادة الصهيونية عند نشأتها، ومؤسسي إسرائيل، قاموا بتغيير وتعديل أسمائهم، لمنحها صيغة عبرية توراتية.
لكن ما لم ينجحوا في تغييره وتعديله قبل اليوم، هو طبائعهم النفسية والإجتماعية وطرق سلوكهم وحركتهم ونظرات عيونهم. فالشخصية اليهودية في صورتها التاريخية هي التي عاشت معنا في مجتمعاتنا العربية، ونحن نلتقي معهم، كما يلتقون هم معنا، في كثير من الطبائع والقيم والتصورات وأنماط التفكير. ولكن يهود بلداننا لم يمنحوا مكانا في إسرائيل البريتانية.
بل لم يسمح لأغلبهم السكن في تل أبيب ودفعوا إلى مستوطنات في الأطراف، وبعيدا عن المركز والسلطة واليات القرار. وكثير من يهودنا يعترفون ويكشفون مرارة الفضيحة البريتانية. ومن بين أولئك البرفيسور والأديب ايلي عامر من مواليد ثلاثينيات بغداد، صاحب رواية (حمام بغداد). وفي لندن وغيرها كثير من اليهود العرب الذين هربوا من تعسف دولة إسرائيل الدمقراطية، ومنهم من رفض الذهاب إليها أصلا.
لكن يهود روسيا وأوربا الشرقية ما زالوا يستطيعون الذهاب هناك، عند ابن عمهم نتنياهو من يهود السلاف. طعنا في الروس – قياصرة وسوفيت- ونفوذهم التاريخي في شرق أوربا، وليس محبة في اليهود وإسرائيل.
فدولة إسرائيل، التي كان الاتحاد السوفيتي أول من يعترف بإعلانها، كانت ضربة للروس والعرب، للشيوعية والإسلام، عصفورين بحجر واحد!. ولو كان مبرّر أو زعم واحد، من مبرّرات قيامها بحسب اللائحة البريتانية صحيحا، نسأل أهل القرار، بما فيهم بلفور: لماذا لم يهاجر روتشيلد وعائلته إلى إسرائيل، وهو ثاني أثنين صادق على القرار، حسب الرواية الانجليزية؟..
وهل هاجر المناضل النمساوي تيودور هرتزل، وعمل في كيبوتساتها مع العمال اليهود، وهو طبعا رئيس ومؤسس الحركة الصهيونية. وعندما تدهور اقتصاد إنجلتره بين الحربين، هاجر يهود لندن/(اشكناز) إلى أميركا الشمالية، ولم يذهب إحد من يهود أوربا الغربية إلى إسرائيل، لكن البواخر المكتوب عليها (إلى فلسطين) عبرت بهم الأطلسي.
ويبلغ عدد يهود الولايات المتحدة فقط، عشرة ملايين نسمة، ما يعادل ضعف عدد اليهود في دولة إسرائيل نفسها، فأي وطن قومي هذا، أم هو فندق/ هوستل، على غرار تلك التي كان يبنيها روتشيلد والأغنياء مثله في إنجلتره لاستقبال فقراء يهود اوربا؟..

(4)
(مأساتنا هي ثقافتنا!)، يقول الدكتور صلاح نيازي. وأقول أن ثقافتنا المنسوبة للحداثة والتنوير هي ثقافة كولونيالية ، صاغها المحتلّ لغزو عقولنا وتلويث جيناتنا الفكرية، قبل غزوه العسكري لأرضنا.
ولكل منا أن يسأل، لماذا يختلف الشخص السوري واللبناني، عن العراقي والفلسطيني؟.. أليس يختلفون في آثار الثقافة الانجليزية والفرنسية؟.. ولماذا تصرّ الولايات المتحدة، على تصدير ماركات مطاعم مكدونالد لكل بلد تطأ رجلها فيه، مكدونالد في بلد غورباتشوف كما في بلاد الحرمين..
هل العائلة الشرقية صارت مثل العائلة الغربية، هل المرأة المسلمة العربية مثل المرأة الأمريكية، أم المطبخ العربي =المطبخ الأمريكي؟.. ثقافة المكدونالد والفاست فود والجينز وقماصل الجلد والكابس وغيرها هي أدوات غزو، ممهدة لغسيل المخ والمعدة، فيدخل العدو في المعدة والشعور والمخ، قبل السياسة والجيش والكرامة.
ان مشكلة العراق الأساسية اليوم، ليست القوات الأجنبية ولا التبعية الاقتصادية، ولا النفوذ الإيراني أو الحكم الديني، وإنما هو تحلل الشخصية الاجتماعية والثقافية للانسان العراقي، الذي يفضل المملكة المتحدة على بلده، ويفضل الإنجليز على شعبه!.. ومثله ينطبق على المحتل الأمريكي لفريق آخر من الناس.
وهكذا ترى العراقيين الذين لم يتخلصوا من الطائفية الدينية، والتعددية العرقية والقبلية، دخلوا في نفق جديد، طائفية إنجليزية وقبلية أمريكية، وميول ألمانية أو روسية.
وإذا كان التنوير العربي لم يعالج مشكلة العقلية الغيبية، فمن يعالج العبودية الغربية؟..
ــــــــــــــــــــــــــ
• كروزون: من مشاريع انجلتره الكولونيالية في المنطقة في القرن التاسع عشر، تحويل الشرق الأوسط إلى (هند) ثانية، تتبع دائرة الهند الانجليزية.




[47]
علمانية مشوّهة..

(1)
من مظاهر افتراق الغرب عن الشرق، مركزية (العقل/ المادة/ الارادة)*، في مقابل (الدين/ الاتكالية/ اللأبالية ) في الشرق.
ولابدّ من إشارة هنا، إلى أن العلمانيين والحداثيين العرب، قد بالغوا وتطرّفوا، في فهم دور العقل في الغرب، حتى أساءوا الفهم أو خرجوا به عن السياق.
وعندما أرادوا استنساخ المفهوم، وتطبيقه في حياتهم فشلوا، ولم يفطنوا لأسباب الفشل، فانكسر مشروع التحديث، وانتعذت التنمية الوطنية، ليتنفسوا الصعداء مع المدّ الديني، ويحمّلوا -الدولة- وزر فشلهم. بينما -في اتجاه مقابل-، تحمّلهم النخب السياسية والاجتماعية المستجدة، مسؤولية الانحطاط والردّة الثقافية.
واقع الحال أن صعود الأصولية في الشرق العربي، كان نتيجة منطقية لفشل العلمانيين، بكل ما ينضوي فيهم من تيارات سياسية وثقافية وأكادمية. ولا ننسى خلال ذلك كله، أمس كما اليوم، أن التعويل الأول والأكبر، في مجتمعاتنا كان ولما يزل، على عاتق الخارج/ الغرب.
علما أن تهميش العلمانية والنخبة الثقافية، وصعود المدّ الديني واليميني، في بلداننا، هو انعكاس مباشر ونسخ كولونيالي، لما حصل في الغرب، سيما عقب سقوط الاشتراكية/(1989م). وكلما زاد التدخل الأميركي في المنطقة العربية، زاد تماهي العرب/(أنظمة حكم ومجتمعات) في تقليد الغرب والتبعية لاملاءاته، وبالشكل الذي انتهى إلى تصفيه الأنظمة الوطنية الثورية خارج المحور الأميركي.
ورغم أن التيارات الثلاثة الفاعلة في بلداننا، تعارض الواحدة الأخرى وتستعلي عليها [الحكومة، الجماعات الدينية، المثقفين]، فهم يتشابهون في آليات/ عقلية العمل، سواء بالاعتماد على الغرب، أو السعي لاسترضائه وتزلّفه.
مغزى التطرف والمبالغة في تقدير العقل الغربي يعود إلى ثلاثة عوامل..
- استقاء المعلومات من مصادر الإستشراق الرائجة، ومن غير تبصر ارتباطها بالمشاريع الكولونيالية.
- سطحية الفهم واعتماد الرؤية الإعلامية أو الشعبية، فضلا عن التعامل من خلال وسيط وعدم اتقان لغة غربية، ومحدودية القدرات العقلية لرواد التحديث.
- تقصد النكاية والزراية بالتيار التقليدي، والموقف من التراث والعادات المتوارثة. وبدل تطويع الجديد مع واقعنا التاريخي، كان السعي لإلغاء المحلي وبتره واستبداله بقطع غيار مستوردة.
ولعل هذا سرّ اختلاف وانتصار التيار الديني على العلمانية، لاعتماد الدين على ثقافة البيئة، وتراث القيم والتراث الديني والقبلي، مما جعل الغالبية تميل إليهم، بينما بقي المثقفون العرب نخبة محدودة الحجم، ومقطوعة عن محيطها الاجتماعي، فضلا عن هيمنة الغربنة في مشروعهم.
ورغم أن الحكومات العربية، وقفت إلى جانب تيار التحديث والعلمانية، فلم يقدّر التيار العلماني ذلك الموقف للحكومة، ولم يستفد منه لحرق مراحل للأمام؛ انما توسل عوامل سياسية لاتخاذ جانب المعارضة، مطوحا بمشروع التحديث والعلمنة جانبا؛ ومتناسيا أن التعاون مع الحكم كان سيدعم ويسرّع تيار التحديث، مما يجعل المشاركة السياسية، والمساهمة المباشرة من خلال السلطة، نتيجة حتمية، بدل حالة العداء مع الحكم، الذي جعلها في خندق الجماعات الدينية، المعارضة للدولة العلمانية عموما، وزاد بالتالي من عزلتهم، عن [الدولة، المجتمع، المجمتع الديني].
ولعلّ في نتائج الحالة العراقية لما بعد صدام، وفشل العلمانية واليسار إزاء الأحزاب الدينية، درسا للتيارات العلمانية للتعلم من الأخطاء، وتجنب التطرّف والمراهقة السياسية. ان أداء أفضل للعلمانيين*، سيما الوطنيين الأصلاء، كان حريّا بالتفاف الشعب حولهم، واثبات جدارتهم بالحكم، بدل الجماعات الدينية الجاهلة بالحكم، وما يقتضية من خبرات وآليات وفنون إدارة وتطوير.
أما الجانب الآخر، وهو نتيجة متقدّمة أيضا، فهو المصير الذي آلت إليه الدمقراطية الغربية، والسياسات الإمبريالية والعنصرية المتطرّفة، التي قوّضت كلّ منجزات الحداثة والتنوير والمدنية الغربية، لصالح الرأسمالية الوحشية أو عبودية المال والبورصة.

(2)
كان لاختلاف الهيجليين الشباب حول سؤال: [من يصنع التاريخ؟] بداية نشأة الفلسفة الحديثة، ووسم هيجل [1770- 1831م] وما قبله بالفلسفة الكلاسيكية. ولكن جناح اليمين السياسي، تخذ إطروحة التاريخ الفلسفية، وسخّرها لصالح فكرة السلطة والهيمنة الدولية.
ونجد أن القوى الكولونيالية بالأمس والامبراطورية اليوم، تفرض هيمنتها الكاملة على برامج الإعلام والتعليم والنشر*، وقد أعادت كل جهة كتابة تاريخ العالم، وفق نظام البؤرة المركزية المتمثلة بنفسها.
فالثقافة البريطانية ، تسجل تاريخ العالم وفق مركزية وأولوية انجليزية، ومثل ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، علما إن عمر الأخيرة لا يتجاوز ثلاثة قرون، وعمر المملكة المتحدة لا يتجاوز خمسة قرون في أفضل الأحوال.
وبينما يعنى الإنجليز أكثر من بقية الأوربيين، بكتابة التأريخ وتاريخ البشرية، ترى تيارات أمريكية تسعى لتفريغ التاريخ من فحواه وأهميته، وإلغاء عنصر التاريخ الذي يؤرق سيادتها الدولية.
إذا كان التيار الديني، أو صراعات الزعامة في بلادنا، قوّضت الدولة والتمدن والتحديث الاجتماعي، فأن الغرب هو الآخر قوّض التنمية الاجتماعية والتحديث والتنوير، لصالح الصراع حول المال والهيمنة الدولية.
ولعلّنا – الشرق والغرب- نلتقي الآن في نفس النقطة، ما يمنحنا فرصة أفضل، لمراجعة أولياتنا ومصادرنا الثقافية بشكل مستقل، وإعادة صياغة مشروع وطني محلي، يوائم بين الإمكانات والمستلزمات، ويجمع كلّ عناصر قوتنا الوطنية، الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية باتجاه هدف موحد، وعمل موحد، وإخلاص وطني، يتجاوز مهاترات الماضي.

(3)
اكتشافات كوبرنيكوس وغاليلو وكيبلر الفلكية التي هزت اركان الفكر الديني، سجلت انتصارا للعقل البشري، وفرض منطقه على جغرافيا الفكر الأوربي والحياة المعاصرة. وبدا أن العقل [Rationalism] منح البروتستانتية معان وإطارا أوسع بكثير من مجرد خلاف/ اختلاف ديني في فهم النص وتفسيره.
فبعدما كانت الدراسة الدينية حكرا على الأديرة والكنائس، أخذت إطار الدراسة الأكادمية المستقلة قبل تحوّلها إلى مؤسسات علمانية، في ضوء الفلسفات والعلوم والمكتشفات الحديثة. ذلك، فضلا عن جهود رهبان كثيرين في البحث العلمي والفيزيائي، وباعتماد العقل والبحث التجريبي.
لقد منح التنوير [Enlightment] الفكر والحياة سمة إنسانية وسموا أخلاقيا، رفع من مستوى النظرة للحياة والإنسان الفرد، شكلت قاعدة لتغيير مبادئ الحكم السياسي، وإدارة الدولة والمجتمع. وكان من مظاهر ذلك انسجام القانون العام مع الميثاق العالمي لمبادئ حقوق الإنسان، وإدانة ممارسات الدولة المخالفة لها.
ثقافة العقل وفلسفة التنوير التي أسست للدولة المدنية الحديثة، وجعلت (ميثاق حقوق الإنسان) دستورها العملي، وضعت الفكر الديني والعقائد الدينية، أمام مرجعية جديدة، هي مرجعية الفكر الإنساني الإجتماعي والسياسي الحديثة: ميثاق حقوق الإنسان.
لكن علم الفلك الحديث وفلسفة التنوير وميثاق حقوق الإنسان، لم تكن أول محكّ للفكر الديني في الغرب، بل سبقها في هذا السياق، كتاب (الأمير) لبوكاتشيو ميكافيللي الذي أحلّ للحاكم التصرف المطلق بكلّ شيء يضمن له السلطة!. وهو المبدأ المشهور بميكافيللية الحكم/ (حكم ميكافيللي).
ففي وقت مبكر، كان البابا والإمبراطور في صراع مستميت، حول السلطة، ومن يكون على رأسها.

عملت الحداثة الأوربية على تقليص دور الكهنوت في الحياة العامة، وحصر نشاطهم داخل معابدهم، ولكن الثقافة الدينية وملامحها الاجتماعية، تواصلت في حياة الفرد وفكره، مع تراجع ملحوظ.
بعبارة أخرى.. هل يمكن استئصال [(فكرة)- (الدين)] من كيان الإنسان؟..
لا ينكر محاولة التنوير ذلك، لكنها لم تقدم بديلا كفؤا له.
من السهل الهدم، ولكن الحياة في الأنقاض يقود للـ(همجية).
ومحاولة [(بناء)-(بديل)] ليست يسيرة ومهيأة زمنيا.
ان كل فكرة/ كيان جديد بحاجة إلى مدّة اختمار كافية، وزمن طويل للتطبع والرسوخ، والتحوّل إلى مكوّن عادي من عناصر حركة التاريخ.
لقد حاول التنوير التعويل على [العقل المادي] بالمطلق، وحذف [الغيب والماورائيات] وكلّ ما لا يمكن إدراكه بالعقل والحواس، من دائرة المعرفة والحياة. ولعلّ ذلك من أبرز المآخذ التي ارتدت عليه بحكم التراكم الزمني.
فمن سمات النهضة/ الحداثة/ العقل الغربي، هو المبالغة والمغالاة في تقييم مكانة الإنسان من جهة، والمبالغة والمغالاة في تقدير إمكانياته وسلطانه. وهو أمر، غير خارج بحدّ ذاته عن جوهر المسيحية، وطرق تأويل شخصية يسوع الذي فتح باب إمكانية (تألّه إنسان)!.
لقد فات على أصحاب التنوير والحداثة أنه لا يمكن وجود [(إله مادي) –(روح/ غيب)]، لأنه في هاته الحال، يكون شبيها بالأصنام والتماثيل أو العجل الذهبي لهارون بن عمرام في برية سيناء.
ولعلّ هذا الخلل في بنيوية عقل التنوير، دفع نحو التركيز على حركة العلوم واضطراد المكتشفات والمخترعات من جهة، والوقوع تحت سطوة التكنولوجيا والأتمتة، على حساب الأخلاق ومجال الإنسانيات.
وبدل أن تكون المخترعات والإكتشافات والأفكار العلمية في خدمة الإنسان، وجد الإنسان المعاصر نفسه بالتدريج، أسير التكنولوجيا وعبودية الأجهزة والآلات المتحكمة به. فالمبالغة في التنوير العقلي، وانحراف بعض مساراته، دفعه باتجاه معاكس لغايته المثلى: سيادة الإنسان/ الإنسان السّامي/ المثال!.

(4)
ومع اضطراد منظومة الإكتشافات والإختراعات في القرن العشرين، والتي تكاد تغطي كلّ مجالات الحياة والمعاملات اليومية، سجل العلم الرياضي والتكنولوجي أعظم انتصاراته على الإنسان.
وبينما كان الإنسان عموما، يخشى الطبيعة وثوراتها، ويرتعب أمام كوارث الأوبئة المفاجئة، يعيش الآن في كابوس رعب زواله، واحتمالات انقراضه، أو تشوهه الجيني ومسخه عن طبيعته البشرية، بما يناسب ميكافيللية النظام السياسي العالمي، عبر مختبرات البيولوجيا وهندسة الوراثة، وما تغرق به الأسواق من أدوية مختلفة الآثار الجانبية المجهولة، وما تفرضه السلطات من لقاحات ودورات دوائية كالمعمول به مع النساء الحوامل والأطفال قبل سن السابعة.
ان التمادي في تسخير الميكافيللية في كلّ مجال، أتى على كيان الإنسان الطبيعي. وما من أحد منا، تفادى لليوم منتجات الغرب المتعلقة بالجنتك [gentechnic] كالأدوية والأغذية. والطريف أن أطباء اليوم ليست لهم فكرة كاملة وأكيدة، عن منتجات معامل الأدوية. وما الفارق بين المعامل الأوربية والأمريكية، أو الفارق بين معامل الأدوية الألمانية والإنجليزية. وما مغزى صراع كلّ من أولئك حول الأسواق؟..
أما أصحاب محلات بيع الأدوية، فلن يقدّموا معلومة خارج الأنظمة والتعليمات الملزمين بها. ولم يظهر بين أصحاب المختبرات الكيمياوية والبيولوجية، من يتولى إعادة تحليل كلّ علاج كيمياوي متداول، وكشف تأثيراته المتنوعة بتجرّد انساني وشجاعة حقيقية، قد تكلفه حياته أو مهنته.
ما أعرفه أن جماعات الخضر في ألمانيا، عارضوا في تسعينيات القرن العشرين، نشر الهواتف الخلوية، كما خالفوا منتجات (الجينتك) زمنا طويلا، ونشروا بيانات مطولة حول تسببها في داء سرطان الأذن على مدى طويل يصل إلى خمسة عشر عاما.

(5)
لقد اختلف عالم القرن العشرين في أوربا عن القرن السابق له، على صعيد الثقافة الإجتماعية والسياسية والعلاقات العامة، بكلّ مستوياتها وأنماطها. أما في الشرق الأوسط، فقد انعكس الاختلاف بين النصف الأول من القرن العشرين ونصفه الثاني في مجال القيم والمفاهيم والأنشطة والعلاقات الإجتماعية والعامة.
والواقع، أنه لولا استعجال الأنجلوميركان، في تغيير الأنظمة العربية الثورية، واستبدالها بوكالات حكومية تنفيذية فاسدة، لما انكشفت سياسات العولمة بهذا الوضوح. بل أن المعارضين للأنظمة السابقة، ما زالوا يمتدحون المشروع الأميركي، في ضوء مكاسبهم الفردية.
فالفردية والأنانية والرؤى المشوشة، والنزعات الإستهلاكية والمادية والانقياد الأعمى، للمنتجات الغرب وسياساته، هو جزء من المشروع الإمبريالي للهيمنة الدولية. وجمهور المستهلكين والمتداولين في هذا المجال، هو الطابور العالمي الخامس، في خدمة وتمرير (الأمركة).
الملحوظ أن برامج العولمة من خلال التلفزة الفضائية وشبكة النت، دعمت نفوذ الدّين وساعدته في استعادة دوره وانتشاره في العموم. واتسعت خلال العقود الأخيرة طبقة الكهنوت والإقطاع الديني اتساعا لم يسبق له مثيل، فضلا عن تحوّلهم إلى -رأسماليات- دينية، تعدّ مداخيلها الفردية
وهنا يقتضي وضع ملحوظتين..
ان العولمة تختلف في برامجها ومبادئها عن الحداثة والتنوير اختلافا جوهريا وتقنيا.
فـ(الدّين) العولمي الرائج في الفضائيات، هو نسخة جديدة ومعدّلة، لا يمكن جمعها والدّين التاريخي في سلة واحدة.
ـــــــــــــــ
• قارن: اطروحة ارثور شوبنهاور [1788- 1860م] الرئيسية: العالم كإرادة وفكرة/(1818م)-[The World as Will and Idea]؛ وهي تتأسس على اطروحته للدكتوراه بعنوان: (عن الجذر الرباعي للعقل الكافي)/(1813م)-[On the Fourfold Root of Sufficient Reason]؛ والتي تعتمد بدورها على قانون الفعل وردّ الفعل/(السبب والنتيجة) بكل بساطة، أما المبادئ الأربعة المشكلة للقانون فهي: [مبدأ منطقي لتقرير الخلاصة، مبدأ فيزيائي يحكم طبيعة الفعل والنتيجة، مبدأ رياضي يتحكم بقواعد القوانين الرياضية والميكانيكية، مبدأ أخلاقي يوجه الشخصية ونمط سلوكها]. لقد اعتبر شوبنهار نفسه الخليفة المباشر لايمانويل كانت [1724- 1804م] رائد التنوير الالماني للقرن التاسع عشر والمفند الرئيس لاشكالية الدين والمادة: [Religion and Reason]-(1790- 1793م). وقد اختار شوبنهاور ابتداء اطروحته الرئيسة بجملة مستفزة مفادها: [The world is my idea..]. مما يحيل على دور الفرد والعقل المادي في صناعة التاريخ/(صيرورة الحياة الأرضية). فالغرب يصنع التاريخ ويسخره لارادته ومصالحه، والشرق يقدس التاريخ ويجري وراءه!.فالتقدم العقلي الأوربي جاء بعد تفكيك أرضية الفكر الديني، بينما ما زال الشرق والعرب، ممتثلين للعقل الديني، وأبعد ما يكونوا عن احتمالات تفكيكه وايجاد بدائل له، ليس بالضرورة حسب الغرار الغربي. ولكن المأساة أوقع، لو تمادي العالم، في مسخ الشرق بنظريات الغرب سيما في ما يجري من توحيد مناهج التربية والتعليم والصحة والاقتصاد والسياسة وغيرها، وإعادة هيكلتها على أساس (تجاري مالي) ومرجعية (مركزية غربية) امبريالية!.
• حول دينامية العمل الثقافي واليسار في العالم الثالث، يمكن الاستفادة من تجربة حلقة اليسار الماركسي المصري بزعامة أحمد صادق سعد، وانفتاحه على مداخل الجماهير العريضة من خلال التقارب من النخب امثقفة والطلبة وناشئة المدارس، طريقا لتوقيع التأثير الشعبي – أنظر: كتابه: صفحات من تاريخ اليسار المصري- منشورات مدبولي- 1976م- القاهرة.
• رغم معارضة الإمبريالية الغربية لمبدأ تدخل الدولة في النشاطات العامة للدولة والمجتمع، والمنسوبة مبدأيا لطبيعة نظام التخطيط المركزي للماركسية اللينينية، فأن بلدان الغرب الراسمالية تهيمن على/، وتوجه آليات الإقتصاد والإعلام والتعليم بشكل صارم ومباشر، وهو جانب آخر للإزدواجية الغربية بين الداخل والخارج، وريائه السياسي على الصعيدين. فكل قطاعات البلاد الرأسمالية تعمل مشتركة في مشروع موحد ومتكامل، يكمل بعضه بعضا، بينما، تشيع دعاياته، صفات اللبرالية السياسية والسوق المفتوحة وحرية النشر والاعلام والحرية الشخصية، كمنتجات حداثية دعائية للتصدير، وليس للتداول المحلي، المحكوم ببرامج تنفيذية دقيقة، على غرار رواية جورج اورول (1984).



[48]
خروج من الهامش/ (عود إلى المتن!)..

(1)
نحن المتفرجين، في مسرح العولمة.. بل نحن المهمشين والهامشيين، نحن المشغولين والمنشغلين بأسفل بطوننا، والمتنافسين بكثافتنا السكانية، والمتفاخرين بالعدد وتجارة العدد..
ونظرا لصدارة البطن على الرأس، والميل للسلامة واجتناب المهالك، فقد صدر قرار ستراتيجي عالمي لمجموعة الشرق الأوسط، بعدم الاكتراث لحركة الحقائق وصراع المركزيات، و[لا تدوخ.. لك الصافي]، أو القول الأكثر حكمة: [الله يدبّرها]..
المفاخرة: قومية أو دينية أو جغرافية، ديدن طبيعي لكل شخص!.
وقد شكل الفخر والمباهاة، صدارة الشعر العربي والإسلامي على مدى الزمن. والمفاخرة أو النتاج الشعري والأدبي، هو حاصل لغة بلاغية مع مضمون إنشائي غثّ!. وما ينطبق على الشعر العربي، ينطبق على النص الديني الإنشائي البلاغي هو الآخر –مع ضرورة التحفظ-!.
الشرق الأوسط هو مولد الإمبراطوريات الأولى، والحضارات الأقدم في تاريخ البشرية، وهو الحاضنة الغنية بالإمكانات الحضارية والسياسية والثقافية على المدى. وهو كذلك المستهدَف الأول من كلّ الأطماع العسكرية والسياسية والاقتصادية، فضلا عن استقطابه السكاني المستمرّ، لسكان البيئات الجافة والأقل استقرارا.
منذ ظهور الاسكندر المقدوني، ترسخ مبدأ عالمي، فحواه ان احتلال الشرق الأوسط مفتاح السيطرة على العالم. وبعده تعاقب الرومان وبيزنطة والعثمانيون، حتى ظهور القوى الامبريالية الحديثة في القرن السادس عشر. ابتداء باحتلال البرتغال لمضيق هرمز عام (1506م)، وذلك بعد أربعة عشر عاما فقط من سقوط غرناطه (1492م). وفي العام (1590م) أوعز البابا ادريان الثامن بانشاء أول معهد استشراق يعنى بالإسلاميات واللغة العربية. وفي باريس ولدت أول دار معارف إسلامية من قبل D. W. Galan: [1625- 1695م].
وكان للعاملين: السياسي الخارجي والدمغرافي اللامنتمي، دور في زعزعة المنطقة، وحرمانها من الاستقرار والإستقلال والتنمية والنهوض. وما زال هذا الشرق ينتقل من أزمة إلى أزمة، ومن صراع إلى صراع، ومن كارثة إلى كارثة، بيد أبنائه والمحسوبين عليه أو المتسلطين من الخارج.

(2)
بلداننا في سباق مع نفسها، في سيناريو التشظي والانقسام والإحتراب والانفصال، وصولا لاتخاذ الجدل العقيم، والمناقشات الغبية والخلافات الجوفاء، طابعا عاما وسائدا، يؤكد معدّل الذكاء الفردي والجمعي/ لأمة تفترس ذاتها، وتذهب عارية من كلّ شيء إلى مذبح عدوها. ومن يراجع الصحافة العربية منذ تسعينيات القرن الماضي، يهوله الدوران داخل الفراغ.
بالتأكيد.. لا صلة للقارئ بفحوى الموضوع، وكلّ العرب والمسلمين، والمحيطين بهم، لهم براءة ذئب يوسف. وكلّ ما في المنطقة من شرور ودواه، هو من عمل إبليس، وقبل هاته الأيام.. كان الناس ينسبون الشر إلى أبي ناجي واليهود. أما اليوم فالإنجليز أقرب من حبل الوريد لبلداننا، بعد رواج العجز وفقدان الثقة بالذات.
وهؤلاء يفضلون، بعد أخبار التجارب الأخيرة والمريرة، أن تعود الإدارة الإنجليزية إلى حكم العراق، والإنجليز -بزعمهم- أهل دمقراطية وإنسانية، وأكثر من يفهم تاريخ العراق، والإزدواجية العراقية، وربّما الفصام العراقي أيضا. فالإنجليز بالتقدير العراقي، علماء نفس وأطباء، رغم أنهم يعتمدون على العمالة الهندية، في إدارة المستعمرات.
هل نتأمل بوادر أو مبادرات، اجتماعات ومؤتمرات دينية عربية، يعمل الفرقاء من خلالها على تجاوز الخلافات، وتقريب المسافات وتقارب الأفكار، وصولا إلى ميثاق ديني اجتماعي، يضع حدّا لأمراض التناحر والمنافسات العقيمة، ويساعد في بناء هوية ثقافية وخطاب اجتماعي، ويبني درجة صلبة، على طريق بناء مركزية ثقافية شرقاوسطية ستراتيجية!.
أم أن العرب ووكلاء الأديان، سيحتاجون إلى ترخيص وإذن، من عواصم الأعداء، تجنّبا لتعكير الخواطر، وتشويش أجواء الإستقرار والنعيم الشرقاوسطي.
ان كلا من السعودية وماليزيا وايران يهرعون لحضور اجتماعات حوار الاديان في نيويورك وخارجها، ولا يتأخرون عن تلبية دعوة البابا في نفس السياق، والعمل من أجل السلام العالمي. ولكن لماذا لا تجتمع أطراف سعودية وإيرانية وماليزية للعمل من أجل التقارب الاسلامي، ووضع حد لاجترار الغبراء وقميص عثمان، وإصبع نائلة وضلع فاطمة، والفوائد المتراكمة على أملاك فدك؟..
لماذا لا يخرج المسلمون في السعودية وإيران وسوريا والباكستان والمغرب ولندن وزنجبار، في مسيرات ومظاهرات تطالب قادة الإسلام والحكام، بوضع حلّ للخلافات والتناحرات وتدمير ذات البين، لفتح صفحة جديدة، لمستقبل مليارات السكان الضائعين والمهمّشين، بين بلدانهم وبلدان المهجر؟..

(3)
ايران والنظام العربي الاقليمي*..
شهدت الأشهر الأولى من هذا العام أو هذا القرن، تطورا ملحوظا على صعيد العلاقات العربية الخليجية والايرانية؛ تجاوزت صعيد الدبلوماسية التقليدية إلى خطوات تنفيذية فاعلة، سيكون لها لو تكاملت أن تمثل نقلة في الخطاب السياسي العربي نحو نظام اقليمي عربي أو نواة نظام اسلامي مستقل. ويأتي هذا التطور ضمن سلسلة خطوات تخذتها ايران في خطابها السياسي الجديد الذي أعلنه الرئيس محمد رضا خاتمي منذ توليه الحكم، للانفتاح الداخلي والخارجي، وبرنامج حوار الثقافات. وفي أعقاب سلسلة زياراته لبعض العواصم الأوربية مثل روما وباريس، ودفعت حكومات دول أخرى لارسال ممثليها ووزراء خارجيتها مثل المانيا وانجلتره إلى طهران، ليضمنوا حصتهم من الكعكة الايرانية.
يقابله من جانب آخر، اعتدال الخطاب الخليجي وعقلانيته التي تمثلت في قرارها الرائد لكسر الجمود الذي يلف المنطقة منذ التسعينيات، والذي يتجاوز النقلة الملحوظة في العلاقات مع ايران، إلى إعادة الاعتبار لعلاقاتها مع العراق للتخفيف من وطأة الحصار الدولي على الشعب العراقي. وبذلك يؤكد مجلس التعاون الخليجي الذي احتفل بمرور عشرين عاما على تأسيسه، كأول وأقدم منظومة عربية اقليمية جادة وفاعلة، استطاعت خلال سني عمرها اجتياز مراحل كثيرة على سبيل توحيد السياسات زالأنظمة، وتقريب المواقف بين الدول الأعضاء ومواكبة روح العصر. ان أهمية الخطوات الخليجية في ظل المتغيرات الدولية تتمثل في استنادها إلى..
1- الايمان بالحوار والتفاهم لحل المشاكل البينية والأزمات الطارئة.
2- ادراك أهمية التعاون والعمل المشترك، والمطبق فعلا داخل مجلس التعاون الخليجي.
3- ادراك أهمية التكتلات الاقليمية لمواجهة ومعادلة موازين القوى الاقليمية والدولية. ففي حين برزت ضرورة تأسيس مجلس التعاون الخليجي لمعادلة القوى وتوفير حماية ذاتية أمام الجارات الكبيرة [ايران، العراق- السعودية/(انضمت للمجلس لاحقا)]؛ تبرز أهمية التفارب والعمل المشترك مع كل من ايران والعراق لمواجهة التحالفات المناوئة/(تركيا- اسرائيل)، وهو الحلف الذي شغل بالكاد اهتمام دول المنطقة. ولم تسفر الاتصالات التي جرت يومذاك بين (ايران- سوريا- العراق) عن نتيجة حاسمة على أرض الواقع، لعد القدرة على التغلب على الحساسيات والخلافات البينية العالقة. ولا تزال العلاقات بين هاته الدول متأنية كثيرا دون اعارة الزمن اهميته التي لا تعوض.
4- القرن الحالي هو قرن العولمة، والذي تتحصن الدول أزاءه بتأسيس تكتلات اقليمية ودولية، لتأمين حمايتها الذاتية، ازاء مشاريع تفتيت الدول وهيمنة القوى الاقتصادية الكبرى في العالم. لذلك فأن تطوير التعاون بين دول حوض الخليج [دول مجلس التعاون الخليجي+ العراق+ ايران] سيحقق قوة اقتصادية تكاملية وسياسية فاعلة، تكافئ وتعادل التكتلات الدولية الغربية، وتحمي مصالح المنطقة، في ظل الموازنات الدولية الجديدة.
5- تحلي دول المجلس بروح المسؤولية والتسامح واحترام الجوار. فرغم مشكلة الجزر الثلاثة/(دولة الامارات) مع ايران، ومتعلقات الغزو العراقي/(دولة الكويت)، فأن ذلك لم يدفع الدول ذات العلاقة للخروج على وحدة الموقف الخليجي في سياسته الاقليمية، متأملين أن يسفر التقارب والتفاهم على تصفية المتعلقات، ايمانا بأهمية وخطورة المرحلة المقبلة. ويقتضي ذلك من الجارات الكبيرة ايضا، التحلي بروح المسؤولية والتفاهم الجاد لحلّ الخلافات العالقة والتي لا تصب إلا في مصلحة القوى المناوئة والمتربصة لتقسيم خيرات المتنازعين. وإذا كانت ايران أبدت الاستعداد واحترام الحوار سواء مع دول الخليج أو خطواتها مع العراق، فأن العراق ما يزال متمترسا بخطابه التقليدي وأحلام الزعامة الاقليمية التي قادت وتقود لمزيد من التفكك والتشرذم في الصف العربي والاسلامي. وفي حين يقوم بتعبئة اعلامه الرسمي ضد العولمة، ووصفها بالهيمنة الأميركية، فأنه لم يتخذ أية خطوة فعلية لمواجهتها، كما أعلنت ذلك ايران ودول مجلس التعاون الخليجي. ويمثل العرض الخليجي فرصة نادرة وتسؤلا جريئا، ازاء حلافات جوهرية/(اعتداء واحتلال: في الحالين)، من أجل المصلحة القومية والاقليمية العليا.
6- نواة هذا التكتل تستند إلى عدة مقومات: [نفط، رؤوس أموال، اسلام، موقع ستراتيجي/(قلب العالم)]، ترشح اتكتل ليتحول إلى نواة نظام عربي اقليمي شامل من جهة، وانواة تكتل اسلامي عالمي شامل في امتداده شرقا وغربا، كقوة عالية قطبية جديدة، مرشحة لمعادلة القطبية الغربية الرأسمالية.
ان مشروعا كهذا لا بدّ أن يثير توجهات الغرب واشتباه الأطراف التي ترى فيه تهديدا لمصالحها. وليس من المنتظر أن يكون طريقه مفروشا بالورود؛ ومن جهة أخرى، فأن الأطراف المفترض تعاونها، ليست بنفس الدرجة من الاستعداد والنهوض، ناهيك عن اختلافات توجهاتها السياسية عموما، وافتقاد الشفافية السياسية.
وقد نجم عن ذلك نتائج أولية تهدد بنسفه إذا لم تتحل الأطراف بالموضوعية والرغبة الأكيدة للتعاون. فبعد اشارات الى قرب توقيع اتفاقية دفاع مشترك جرى التمهيد لها بين وزراء دفاع كل من ايران والسعودية، أعلن ناطق سعودي أواخر ابريل الفائت، من طرف واحد وبشكل مفاجئ، ان بلاده لا تنوي توقيع اتفاقية عسكرية لدفاع مشترك مع ايران، ومن دون ذكر أية أسباب أو تفاصيل. ورغم التمهيد الذي جرى بين الطرفين، وعلى مستويات عليا، بما فيها زيارة الرئيس الايراني الى الرياض، جاء الاعلام السعودي المفاجئ غارقا في الابهام والقطعية، محققا صدمة غير منتظرة للمتفائلين من التطورات الخليجية. بينما التزمت ايران الصمت، بعد أن ارادته بديلا عن تعاون ثلاثي يجمعها مع العراق وسوريا. وكذلك الأمر لدول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، أو أمانة المجلس. أما التقارب مع العراق فقد تمثل بشكل فردي في قرار دولة الامارات المتحدة اعادة فتح سفارتها في بغداد. بينما لا تزال الكويت والسعودية متحفظة ازاء الموضوع. أما الظاهرة الأخرى الجديدة، والتي لا يمكن تحديد اثارها الخطيرة، فتتمثل في الانفجارات المتناوبة وتبادل التهم بين العراق وايران في تحديد مسؤوليتها عن الانفجارات. دون نظر أي منهما في مصلحة الطرف الآخر، المرتجاة من ورائها. ان توقيت الانفجارات وبشكل متقارب في البلداين، يشير إلى واحدية الجهة اتي وراءها، ومدى تنفذها في البلدين، وهو الطرف الثالث الذي يقتضي التحقق منه، وتتبع خيوط الأحداث، بدل ترام التهم وتسخين التوتر، لتضييع الحقائق، وتلبية شوق العدو المشترك لتدمير تقارب الطرفين.
وهو أمر، يمكن للأجهزة القضائية والتحقيقية توليه، بدل الواجهات السياسية والاعلامية. أما التنظيمات امعارضة التي يأويها كل طرف ضد الآخر، فقد مضى على وجودها لدى كل طرف أكثر من عقد، دون أن تعرف هذا التسخين الممكن ان يمهد لحرب اقليمية جديدة. وإذا ثبت فعلا مسؤولية الطرف عن التوتر، فالبلدان قادران على وقف نشاطاتها،وبشكل يخدم مصالحهما الوطنية. وقد ترافقت تلك الانفجارات مع اضطراب الوضع السياسي داخل ايران، واحتدام الخلاف بين المحافظين والاصلاحيين، عقب فوز الأخير بالاغلبية النيابية. مما يصدق نية اغراق في اضطرابات داخلية ومشاكل خارجية، تهدد مشروع ختمي في الانفتاح على العالم والمنطقة، وثمة يعطل توجهها لتسوية خلافات جانبية، وبناء كتلة اقليمية اسلامية، تستجيب لمتطلبات اتغيرات الدولية، وتحقق قدرا من التوازن بين الاطماع التركية في حلفها المزدوج مع اسرائيل من جهة، والجمهوريات الاسلامية الروسية التركمانية من جهة أخرى.
ان تاريخنا المعاصر، يبين ان الغرب قد استثمر ولا يزال كل نقاط الضعف والخلافات الساخنة داخل العالم العربسلامي، واتي يؤججها باستمرار بين الفينة والفينة، حسب حاجاته ومصالحه الحيوية، أو لاشغال المنطقة وتمرير سياسات وبرامج معينة. القراءة اموضوعية المتأنية للتاريخ القريب ومقارنتها بنتائج وأوضاع نعيشها اليوم، حرية بوضع نقاط على حروف، وتحديد الاصدقاء الحقيقيين من الأعداء؛ وتتوزع نقاط الخلاف المضطنعة بين الدول وداخل المجتمعات العبية والاسلامية نفسها من جهة، وبينها وبين جاراتها من جهة أخرى. وكان نصيب ايران من تلك الخلافات كبيرا، بل جرت تنميتها وتهويلها دون تفكر بعواقب ذلك، أو تقدير امكانات التعايش والحياة المشتركة مع جار تاريخي مسلم. وبينما تتراكض أطراف عربية لتسوية خلافاتها مع اسرائيل، لم يعن لها التوجه لتسوية خلافاتها العالقة مع ايران، ذات المشارب الثقافية والاجتماعية والدينية المشتركة. تلك امقومات اتي تؤكد الارتباط اتاريخي والثقافي مع ايران، ويحتم كونها جزء من أي مشروع اقليمي عربي أو اسلامي.
ورغم تغير النظام الملكي الشاهي إلى الجمهوري الاسلامي، والانفتاح احالي على مستويات عدة، فما يزال اخطاب العربي نفسه تجاه ايران. بينما يبدو أكثر مرونة وتوددا مع تركيا الأكثر براغماتية وانحيازا للغرب، رغم اطماعها الامبراطورية الأردوغانية في المنطقة، وعملها الدائب في هذه السبيل. ويدخل في ذلك، فضلا عن مشروع احتمال ترشيحها لعضوية المجموعة الأوربية مستقبلا، تحالفها الأخير مع اسرائيل، والذي لا يخرج عن املاءات العضوية الأوربية وافراج ازماتها الداخلية والاقليمية.
من هذا المنظور تبرز أهمية اعمل المشترك بين دولة مجلس اتعاون الخليجي وايران والعراق، بما يخدم المصالح الوطنية والاقليمية والاسلامية، ويهيء لتحالف اسلامي عالمي جاد.

7- المشاكل
ــــــــــــــــــــ
جريدة المشهد الاسبوعية- دورية عربية تصدر في الدنمارك/ رئيس تحرير وسام هاشم- ع 5- الجمعة 2 يونيو 2000م

(4)
علينا التفكير بحياتنا كأفراد وجماعات، مواطنين وهويّات. وإذا كان تفكيري ووضعي يبقى قاصرا ومضطربا، بغير التفاهم والتعاون مع جاري اليمين وجاري الشمال، فلماذا لا أقوم بالتفاهم والتعاون معهما، من أجل صالحنا المشترك؟.. أليس التفاهم والتسامح والعمل المشترك الجاد، أفضل من التشظي والتغرب، والتواطؤ مع الغرب والانحناء للعدوّ؟..
هل بلداننا قاصرة وفقيرة، أم أخلاقياتنا وثقافاتنا عاجزة؟.. أليس كلّ خلافاتنا هشة، ويخجل منها التاريخ؟.. أليس الانحناء لعدوّي الوطني والديني والثقافي، أفضل وأنبل من الإنحناء لعدوّي الأوربي والأجنبي، الذي يمتص دمي ويسحق عظمي، ويبني عمرانه واستقراره منذ قرون طويلة، على حسابي وحساب شعبي ووطني.
إنجلتره ومدنها الرئيسة تغرق في حملة إنشاءات عمرانية ومرتكزات مادية تحتية، وتعيد تطوير مدنها وترويجها سياحيا. وكلّ ذلك باستخدام العمالة الأجنبية [رومانية، بولونية، جزائرية..]؟.. النسبة الأكبر من رؤوس الأموال التجارية والسياحية المستثمرة، والموظفة داخل إنجلتره هي رؤوس أموال خليجية، يتم دفنها في تراب إنجلتره؟..
لماذا لا يجري توظيف رؤوس أموال العرب والمسلمين في بلدانهم، أو في بلدان عربية ومسلمة؟.. أليس توظيف المال العربي، في بناء مشاريع عمرانية واقتصادية وسياحية عربية، يساعد في توظيف نسبة من العمالة العربية العاطلة، ويغنيها عن عبور البحر للتحوّل إلى شغيلة رخيصة في أوربا.
ان الشباب المغاربي الوافدين بالزوارق، يصرمون سنوات من العمل الرخيص والأسود، في مزارع ايطاليا واسبانيا وجنوبي فرنسا، قبل أن يحصلوا على أوراق رسمية، تمكنهم من الانتقال إلى المدن والحصول على أعمال أفضل أجرا. وقوافل اللاجئين والمهاجرين، يجري استغلالهم واستفراغهم فكريا ومخابرتيا واجتماعيا، قبل منحهم رخصة العمالة وخدمة الماكنة الرأسمالية.
أين هي المسؤولية الأخلاقية، للفرد والرأسمال العربي في هاته المفصلية؟.. ثمة استثمارات خليجية عمرانية واقتصادية كبرى داخل مصر، ولكنها تثير حفيظة المصريين، وينظرون إليها بمثابة غزو غير بريء، فضلا عن حساسيات أخرى.
الاستثمار العربي الخليجي في المحيط العربسلامي ليس نزيها، ويتمادى في ابتزاز الآخر من كلّ الوجوه، السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية. لكنه لا يفعل ذلك في بلدان أوربا، ولم يظهر مستثمر عربي في الخارج، يشترط على صاحب الأرض، أن يعتمد على العمالة العربية، والطاقات الهندسية والبنوك العربية. لماذا؟..
حقبة الحكومات الوطنية والقومية، شهدت مشاريع قومية وتحولات اقتصادية وتنموية، يقوم بها بلد متمكن في بلد يفتقر للإمكانات. وفي التجربة العراقية جوانب متنوعة في هذا المجال، تستحق الاعتبار والتنشيط، لتوطيد أسس ومرتكزات التعاون الاقتصادي الشرقاوسطي، وتوظيف العمالة العربية.
واقع الحال، أن الجامعة العربية ومؤسساتها، - رغم ملاحظاتي الكثيرة والصارمة عنها جملة- هي حبيسة مصر، وأسيرة إرادة الخارجية المصرية حصريا. والمستفيد الوحيد من برامج الوحدة والتعاون والاستثمار العربي، كانت مصر والعمالة المصرية.
العمالة المصرية دارت على كلّ بلدان الوفرة العربية من الخليج والعراق وليبيا سوريا ولبنان، فلم تترك بلدا لم تنتفع منه، في نصف القرن الماضي. ومن هذا المنظور يتجه الاستثمار الخليجي والسعودي إلى مصر حصريّا، حتى لو كان صحراء سيناء، بينما تفتقد بلدان عربية أخرى، لتلك الاستثمارات ومجالات الإعمار والتنمية.
ماذا تريد السعودية أن تعمل، لتحرير ثلاثة أرباع تريليون حبيسة التربة الأميركية، معظمها في صور عقارات وأراضٍ (رؤوس أموال ثابتة). هل تقتلعها مع تربتها لمواجهة/ معاقبة ترامب على سياساته المعادية للمسلمين؟.. لقد نجح الأميركان في ابتزاز المزيد من أموال العرب، بطرق تافهة. وهو ما حرصت عليه الحكومة الانجليزية.
علينا أن نعرف فقط، أن الفرد الأوربي لا ينظر لنفط الخليج، على أنه خليجي أو عربي، وإنما يعتبره إنجليزيا، قياسا على شركة بتروليوم البريتانية، التي عملت على استخراجه، وقياسا على التبعية الكولونيالية لمنطقة الخليج لحكومة التاج منذ أيام كروزون.
وبالمقابل، فأن نصف ريع النفط العربي، هو في جيب الغرب. وما زال الغرب يحذق في ابتزاز البقية. فالعرب وبلادهم وشعوبهم، لم يكونوا غير أدوات وأسواق ورهائن بيد الغرب، الذي غزا الشرق الأوسط منذ القرن الثامن عشر ولم يخرج منها للان. ولا يحتمل خروجه منها، رغم كلّ الدّمار والإنحطاط الذي دفعها إليه.
الموقف المقابل والمعارض والحصانة الذاتية تبقى غائبة. لا تجد موقف عربيا، وطنيا أو اقليميا، لا يتهالك على اعتاب المحتل الاشر. فما قيمة التشخيص من غير تفعيله، على أرض الواقع، ومن غير توظيفه من أجل حصانة الكيان الذاتي، المحلي والوطني.

(5)
واليوم.. بعد أكثر من قرن من تمرير وترويج العلكة الإنجليزية والأميركية، نشأت أجيال على قناعات منحرفة، بالتفوق الأجنبي/ الغربي/ الإنجلوميركي. وأرى ناشئة اليوم ممسوحي الذات، مفرَغين من أية حصانة ثقافية أو مادية. وهو ما ينطبق على الأجيال السائدة، من ساسة البلدان وأبطال المشهد الإجتماعي والإقتصادي الرّاهن.
أليس هذا هو الدّجل والضحك على الذقون، والسخرية بعقول البشر، ونحن على أعتاب القرن الواحد والعشرين، حيث يلتزم العالم الصمت أمام منتجات الإعلام الأميركي وشبكة النت، ويخنع ويتغابى، منحنيا لتمرير أكاذيب الشرّير.
من هذا المنظور، ينكشف الدّور الإمبريالي الخبيث، في توسيع بؤر التوتر في بلدان الشرق الأوسط، والسعي الموتور لجون ترامب، في إشعال فتنة حرب عالمية ثالثة، وقودها: [السنة والشيعة].
حرب تقضي على أكبر البلدان الإسلامية وأغناها –اسوة بحرب الاحتواء المزدوج في الثمانينيات بين العراق وايران-، وتحويلها إلى قضيض وغنائم رخيصة، تمدّ في عمر هيمنة الرأسمالية الإمبريالية، وتخرجها من أزمتها الخانقة، التي سوف تقضي عليها في قعر دارها.
لو اراد ساسة المسلمين الانتباه لخباثة الغرب/ (حليفهم المدمّر)، واستغلوا الفرصة على أعتاب القرن الواحد والعشرين، لترسيم قواعد التعاون الستراتيجي والتآلف الثقافي بين البلاد المسلمة. سوف تخرج المنطقة من عنق الزجاجة أو حلقة الشيطان بالتوصيف الغربي/ (Teufelkreis).
ان النظامين السعودي والإيراني، مدعوّان لخطوة تاريخية فورية، للتقارب وتصفية الأجواء، وطيّ ملف عمر وفاطمة وفتنة عثمان؛ للنظر للأمام وكسب المستقبل، ووضع حدّ للهدر البشري والمادي للمنطقة، في خلافات وصراعات عقيمة، كانت على الدوام لخدمة أعدائنا، وسوق بلداننا ومجتمعاتنا، للدّمار والضياع والتشرّد.
ثمة حاجة ستراتيجية ملحة لتغيير أسس ثقافتنا العامة، ورؤيتنا لأنفسنا وبلداننا والعالم. وفي المقدمة منها أسس ثقافتنا السياسية، وقواعد الحكم، وجداول العلاقات الإقليمية والدولية. ولعلّ الشباب الطالع، على أعتاب هذا القرن، يتغيرون عن الصفة التي أريد لهم اتصافها، مضغة للأجنبي والعدو، ونكاية بالذات وخيانة للانتماء.
نحن بحاجة لإدراك أهمية الإعتداد بالذات، والإعتماد على امكاناتنا الذاتية، في الوجود والصيرورة والإدارة والتقدّم. كفى اعتمادا، على مبادئ مواثيق الانتداب والتبعية الاستعمارية، التي دفعت العالم الثالث إلى انحطاطه الراهن.
يكفي التعكّز على الماضي وأخطائه، واتهام النظام السابق والحاكم الفلاني، وتحميله مسؤولية التردي، وتبرير استمرارنا في الخيانة والسمسرة وعبادة الذات. ان كلّ فرد مسؤول مسؤولية كاملة، عن الماضي والحاضر والمستقبل. وعليه أن يدرك مسؤوليته تجاه نفسه وأمته وبلده والعالم. وعلى دكة هاته المسؤولية، يشكل الصمت وحب السلامة، خنوعا وجريمة، لا تقل عن الفعل المنحرف!.

أين هو الفعل السياسي والثقافي اليوم؟.. أين هو الحراك الاجتماعي، الاقتصادي، السياسي، الثقافي؟.. من دفن الوطنية والقومية والشرف تحت أقدام الألفية الثالثة؟..
لماذا تحوّلت مجتمعاتنا إلى تكتلات لصوص وشحّاذين؟.. عملاء وسماسرة وتجار أوطان وأديان؟.. هل نحن حقا إرهابيون ووحوش وضعفاء عقول، حسب المنهاج الثقافي للعنصرية الإنجلوميركية؟..
هذا الكلام يخصّنا كلّنا.. ويعني ذواتنا وانتماءنا، حاضرنا ومستقبلنا!..
العولمة حرب مفتوحة على غير الأوربيين والغربيين.. ونحن في صدارة المستعدين.. أكثر المرشحين للدّمار والتشريد والتبعية، ليس لمصادرة إمكانياتنا فحسب، وإنما لمنع عودة إمبراطورية عربية إسلامية، تقوّض الأطماع والغرور الغربي!..
يعتقد البعض أن العولمة إطار إنساني للجميع.. وأن العرب والمسلمين وجلّ الأسيويين، يشاركون فيه على مستوى الندّ، إسوة بالأميركي والإمبريالي. هذا الكلام الساذج كانت يكتبه شخص فلسطيني في جريدة الثورة العراقية في أوائل السبعينيات، مروّجا لنظام اقتصادي عالمي، يوفر فرصا متكافئة لبلدان العالم الثالث، إسوة بالعالم الغربي، وهو سبق روّجه فاتسلاف هافل.
والواقع أن العولمة هي معكوس العالم: [= أي العالم مقلوبا].
العولمة هي معكوس اتجاه الزمن: [= أي رجعية الزمن القهقرى].
العولمة هي عولمة القوي على حساب الضعيف، وعولمة الغني على حساب الفقير، عولمة الكذاب والشرير على حساب من لا يجيد الكذب وفعل الشر. العولمة هي تخصيص الغنائم لأقلية في قمة الهرم، وتعميم الجوع والذل والعبوديّة للملوّنين والأجانب.
العولمة حرب قهر وجبر وهدر.. لا تترك خيار لاحتمال ثالث!.
لا أكرر هنا صرخة ناصيف اليازجي في مستهلّ القرن العشرين، هنا بعد قرن منه:
تنبّهوا واستفيقوا أيّها العربُ.... فقد طما الخطبُ حتى غاصت الرّكبُ
ولكني أقول: أنت مسؤول؟..
سواء في الأرض، أو في السماء.. أنت مسؤول عن واقع الخراب والفساد وآلام الفقر والتشرد!..
وإذا كان أنبياء التوراة تخذوا من كثرة الأرامل والأيتام، سببا لإدانة ملوكهم وكهنتهم.. فما حال بلداننا اليوم؟..
افتح عينيك وانظر إلى جارك اليمين والشمال، لا لتشتهي زوجته وبقرته وحماره وثروته، ولكن لتتحمل مسؤوليتك الإنسانية والوطنية، في حمايته وصيانته والمشاركة في معاناته، حتى لو اقتضت قسمة الرّغيف والثياب!..
الإنسان بحاجة للسّموّ الخلقي.. لكي لا يكون مجرد روبوت رأسمالي!..
نحن بحاجة لبعضنا، لتدعيم جوارنا الإجتماعي، أكثر من أي شيء آخر..
الغرب كسب العقل وخسر الأخلاق والمحبة، ونحن امتيازنا الأخلاق والعقل، ونضيف لها المحبّة، لنكون أهلا للوجود، والمستقبل!.



[49]
عودة للصفر..
(بدء من اقتصاد المحلة/ القرية): (المحلة/ القرية: وحدة اقتصادية انتاجية استهلاكية تسويقية متكاملة)..

علي الشرق أن يعود للصفر. لما قبل الصفر. عليه تعلم الاعتماد على الذات، وتحقيق اكتفائه الذاتي.
ليس ضروريا أن تكون له سيارة آخر موديل، وتلفاز من أغلى نوع، ولا حتى الثياب التي يتباهى بها على سواه، ولكن الضرورة الماسة أن تقدح في ذهنه فكرة (المحرك) و(صناديق الضغط) و(كمائن الاحتراق الداخلي)، وآليات تطويع المعادن لحاجة المجتمع المحلي.
على كل بلد وجماعة محلية أن يكون سوقه الانتاجي وسلعه المحلية الخاصة. السيارات التي في البلد يجب أن تكون من انتاجه، حتى لو كانت سيارات خشبية. السيارات الأولية في الغرب كانت تقودها الحيوانات، والترامواي العثماني كانت تقوده الخيول، والمحراث الأقدم عهدا كان يجره الثور والبقر، قبل ظهور مكائن الحصار والتذرية وأجهزة المطر الصناعي والتقطير المائي التي تتولى كل تفاصيل العمل الزراعي.
في طفولتنا كانت لكل محلة (خياطة)، تتولى انتاج ثياب كل أبناء المحلة من الاطفال والعرائس حتى الرجال والنساء. وكانت لكل عائلة (كَصة) أو أثنين في العام، مرة في الصيف ومرة في الشتاء لتجهيز حاجاتهم من الثياب للاستعمال الداخلي والخارجي وثياب المناسبات. اليوم تحتكر الصين كل قطاع النسيج في العالم. ولكن من حق كل بلد وكل مدينة وسكان كل محلة، عدم شراء الثياب الجاهزة، وتشجيع الانتاج المحلي.
وبدل نمطية (الخيّاطة) التقليدية المندثرة، يمكن انشاء مركز تجتمع فيه خياطات المحلة لسدّ حاجة المحلية من ثياب مختلف المناسبات. وبدل نمطية (الخبّازة/ الخبّاز) التقليدية، يجتمع عدد من أصحاب مهنة الخبازة، في معمل للخبز وآخر لمنتجات الطحين، وآخر للحلويات، وطيفته تجهيز حاجة المحلة من الخبز والمعجنات والحلويات.
وكما تلتزم مراكز الخياطة والخبازة، بسد حاجة المحلة من احتياجاتهم، يلتزم سكان المحلة بالتبضع من داخل المحلة أساسا، وعدم التسوّق من خارج المحلة، إلا عندما يوجد لها بديل. وحتى عندما يكون النوع المحلي أدنى مما يوجد في المدينة، يمنح المواطن المخلص الأولوية للمنتج المحلي من اجل التشجيع والتوقير، والتشجيع والتوقير ينتج التطوير.
منهج اقتصاد المحلة، هو نفسه أيضا، منهج اقتصاد القرية الصغيرة أو الريف، يحيث تدخل اللحوم والألبان والجلود ومشتقاتها، لتضيف عناصر انتاجية جديدة، لا تتوفر تماما في اقتصاد المحلة. ولا ننسى امكانية تطوير صناعة الجلود لانتاج الثياب والبسط والسجاد والزينة. وعلى كل فرد منتج في هاته الحالة، أن يفكر ويبتكر ويبتدع مجالات جديدة في الانتاج ووسائل تطوير الانتاج، وتنويع منافعه، وترويجه.
وفي حال القرى الكبيرة، يفضل استقلال كل محلة أو قطاع بسدّ احتياجات سكانه، وعدم الخروج أو التعويل على جماعة سكانية لقطاع أو محلة أخرى. على كل فرد، رجل أو أمرأة، ان يكتشف دوره ويستخدم طاقته الحيوية والابداعية في مجال الانتاج المادي، وبما يضمن له نوعا من الاستقلالية المادية والاجتماعية، لا يكون معها عائلا متطفلا على أحد، ولا يجيز على نفسه وصاية الغير.
ولابد لسكان القرية أو القطاع، كما في حالة اقتصاد المحلة، أن يكونوا مسؤولين في التزام تصريف واستهلاك منجات المحلة أو القرية أو الحيّ الموجودين فيه، وعدم ادخال سلع ومنتجات من خارجه. واعتبار ذلك جزء من المسؤولية الاجتماعية الأدبية أمام محيطه المعيشي، ومعيارا للانتماء الحقيقي والمساهمة الوطنية الفعالة، سواء في الانتاج أو الاستهلاك والتصريف، وبشكل يحق دورة الدخل والقوة الاقتصادية داخل المحلة والقرية والحرية والقطاع.
ولا بأس ثمة، أن تكون مسابقات سنوية لكل منتج محلي، لاختيار أفضل محلة في الخبز، وأفضل محلة في الثياب، وأفضل محلة في النجارة وهكذا، بحيث تنفتح الافاق والامكانيات لتوظيف الطاقات المحلية واستغلالها في خدمة المجتمع المحلي، وبالتالي، تغير الصورة السلبية للانسان والمجتمع المحلي والوطن الى صورة ايجابية مفعمة بالاقتدار والدفء والتلاحم الاجتماعي.
ومن مضامير الترويج للمنتجات المحلية والمسابقات الدورية، يمكن توظيف المناسبات والأعطال والأعياد على اختلافها، لارتداء الثياب التقليدية، واعتماد الوسائل والأدوات والمناهج التراثية الخاصة بالجماعة المحلية، القرية أو القبلية، وبشكل يدعم فرصة انتاج الثياب والأدوات التراثية التقليدية والاستعراض بها في الكرنفالات والاجتماعات العامة بما فيها المناسبات التراثية والدينية الوطنية والقومية.
هذا المشروع، والمفتوح على كل مجالات السلع اليدوية والحرفية، في حال تحقيقه، يتطور إلى صورة (اقتصاد المحلة)، ومجموع (اقتصادات المحلات) و(اقتصادات القرى) ينتج (اقتصاد المدينة)، ومجموع (اقتصادات المدن)، يكون (الاقتصاد الوطني). وهذا لا يخص بلدا دون غيره، وانما يفترض بكل بلد السعي فيه، ليس لغرض اقتصادي أو اجتماعي، وانما من اجل مفهوم فلسفي شمولي يغير صورة الفرد وأداءه ويشجع مساهمته الحضارية في الوجود.
وباتباع هذا المنهج، وصيانته وترصينه اجتماعيا وثقافيا وسياسيا، يكون كل بلد كفيلا ومقتدرا على تحقيق اكتفائه الذاتي، وعدم التبعية للخارج. ولابد لهذا المنهاج الوطني بنموه وانتشاره ونتائجه الايجابية على كل الصعد، الداخلية والعالمية، أن يكون مشجعا لكثير من البلدان غير المتقدمة، وبشكل، تتغير فيه انماط الانتاج الرأسمالي الحالية، والمتمثلة بطراز (الانتاج الكبير) وما يترتب عليه من احتكار وابتزاز وهيمنة عالمية، وكبير يبتلع الصغير، وغني يزداد ثراء، وفقير يزداد فقرا، والغني يستعبد الفقير، مما يشكل نكوصا اخلاقيا وسوطا في المعايير الانسانية.
على الصين تحقيق اكتفاءها الذاتي، وبناء اقتصادياتها في حدود حاجاتها الوطنية، وعلى الولايات المتحدة، صاحبة فكرة (ميغا ستايل برودكشن) الانكفاء داخل حدودها، وعدم اتخاذ الانتاج الصناعي وعوامل الكساد والتضخم، ذريعة لاحتلال البلدان وتدمير اللاقتصاديات والمجتمعات كما فعلت مع العراق وليبيا وكل بلدان النفط، فضلا عن بلدان الكوميكون السابقة ذات الاقتصاديات المستقلة عن السوق الرأسمالية.
ولا ينبغي تصور، ان فكرة (اقتصاد المحلة)، لن تستثير الرأسمالية الغربية وما وراءها من سياسات وحكومات وجيوش ومنظمات أمم متحدة، وهؤلاء جميعا، هم الذين قاموا بفعل سياساتهم بتحويل أسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية الى اسواق مفتوحة لنهب المواد الخام المادية والبشرية من جهة، ولتصريف منتجاتها الصناعية من طرف آخر.
وبتعطيل طاقات مجتمعاتنا وتدمير برامج التنمية الوطنية لبلداننا، وما ترتب عليها من ازمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وموجات هجرة سكانية نحو الغرب، ظهر بريجنسكي، محتجا على خمول الشرق، واتهام مجتمعات الكثافة السكانية بالاستهلاك والاعتماد على الرأسماليات الغربية. وكأنه بذلك يبرئ السياسات الغربية والرأسمالية عن دورها الهمجي منذ القرن السابع عشر، لاحتلال العالم، وجعله سوقا مفتوحا حرة، ومبدأ (دعه يمرّ، دعه يعمل) العنصري البغيض الذي قامت عليها مشاريع الاحتلال وابتلاع القوي للضعيف، واستعباد الغرب للشرق.
نعم ستكون مقاومة غربية، لكل بادرة ينتهجها الشرق والعرب والمسلمون، ولكن الحياة لا تقم بغير التحدي والكفاح والارادة الجبارة، ولا تقوم بغير الاتحاد والائتلاف والتعاون المحلي والوطني، لاستعادة جدارتنا بالوجود، وابتعاث وجهنا الحضاري المشرق.
ــــــــــــــــــــــــــــ
• من شعارات الحملات الدعائية التجارية ذات الروح القومية القائمة على الأهلاتية البلدية التي تقوم بها بلديات نمساوية على صعيد أهلي داخلي يستهدف حماية رأس المال المحلي وتوظيفه داخليا ومنع خروجه عن نطاق البلدية والمجتمع المحلي، وبشكل يدعم ويرفع المستوى الاقتصادي والمعيشي للسكان المحليين. علما أن أمثلة البلديات المتخذة هنا هي بلديات حدودية مع ألمانيا، وبالتالي، وقف تسربها نحو الخارج الأكثر تقدما من النمسا، أو الحدود الأخرى الشمالية والشرقية الأدنى تقدما لكنها أكثر رخصا من جهة الأسعار. وهنا مثالان من جريدتين محليتين من غرب النمسا العليا، ويلحظ فيهما ربط الاقتصاد بالانتماء واستحثاث الروح القومية بالسلوك الاقتصادي والاستهلاكي..
• Wer regional kauft, stärkt unsere Region!- Bericht Seite 2, Unser Magazin, Auflage 59546, Bezirke Ried und Schärding, Braunau und Grieskirchen, Woche 24/2018, 12 Juni 2018, http://www.unsermagazin.at: Neue Imäge- und Bewußtseinskampagne für bewussten Einkauf in der Region, Wenn online, dann regional online
• Einkauf vor Ort stärkt die Region, Kampagne S. 16,Tips: Ried total regional, 13 Juni 2018, KW24, http://www.tips.at: Einkaufen wo man daheim ist
• Lust auds Land, Haushaltsausgabe der BauernZeitung, 5 Juni 2018, http://www.lustaufsland.at. Salben selber machen ist kein Kunst: S.8, Regionalität: Milch und Käse aus der Region für die Region: S.9, Gemüse aus Eferding statt weit gereist: Regionalität liegt im Trend, Heimische Erzeugung statt Importgemüse: Gemüse aus dem Ausland wird durch regionales Gemüse ersetzt erden: S.15, Jetzt wird s geschmackig: -dir-ektvermarkter: Zahlreiche bäuerliche Betriebe in Oberösterreich erzeugen und vermarkten qualitativ hochwertiges Frischfleisch sowie verarbeitete Fleischprodukte. Fie Landkarte zeigt 75 Betriebe in Ihrer Umdebung, die ihre Produkte unter der Dachmarke ``Gutes vom Bauernhof´´ anbieten. Diese Qualitätsmarke steht für bäurliche Lebensmittelproduktion auf höchstem Niveau: DatengrunlageÖ http://www.gutesvombauernhof.at, S.16-17, Holz: Ein Baustoff mit großer Zukunft, 42% der Landesfläche Oös sind mit Wald brdekt. Jedes Jahr wachsen allein in OÖ fast fünf Millionen Kubikmeter Holz nach. Ein Drittel des Zuwachses würde schon reichen, um alle Hochbauten eines Jahres aus Holz zu bauen. Allein mit der Jährlich nachwachsenden Menge könnten 156.000 Einfamilienhäuser errichtet werden. Das Rohstoffpotenzial wird nicht zur Gänze genutzt: Ein Viertel des Zuwachses verbleibt im Wald und vergrößert den Bestand, der sich in Oberösterreich momentan auf 163 Millionen Kubikmeter beläuft. http://www.proholz-ooe.at: S.18, Hingucker aus Holz: Prämiert und geachtet: Holzbauten wird eine höhre Reputation zugeordnet. zu dieser Erkenntiss kam jüngst eine Studie der Johannes Kepler Uni- Linz. Unternehmen können davon profitieren:S.19, Infrarotheizungen bieten wohlige Wärme und sparen Energie: S.19.




[50]
اتحاد المشرق العربي*..

(1)
كيف تبدو الصورة اليوم، عند النظر إلى العالم العربي والاسلامي، من منظار الواقع المحلي والعالمي؟.. هاته الصورة الاجمالية هي نفسها تنطبق على كل بلد على حدة، رغم أن هاته البلدان غير متوافقة ومنسجمة فيما بينها، ولا يجمعها ميثاق أو اطار تعاون ستراتيجي. واقع الحال ان صورة التوافق والانسجام العام، تخص جانب العلاقات الدولية/(الخارج)، وليس الواقع المحلي/(الداخل). وثمة، فأن هاته الصورة هي دالة (خلل) بينيوي هيكلي، في منظومة العلاقات والهيكلية السياسية للدول.
اليوم، أكثر من السابق، يتخذ (الخارج) صدارة الأولويات، في مجال الترويج والتسويق الرأسمالي، وفق منظور (العلاقات العامة الدولية). ليس هيئة الفرد ونشاطه، حسب منظور التحليل النفسي الغربي، وانما هيئة المؤسسات الجماعية والمجتمعية، أسيرة هذا التصنيف وهذا النظام. فمصداقية أي جهة اليوم/(فرد/ جماعة) نابعة من القبول الخارجي ورواج سوقه، وليس من طبيعة منتجاته وحقيقة نشاطه، ومبلغ ثقته واعتداده في ذاته وواقعه المحلي. وكل ذلك صار يتلخص في سلطة منظومة (النت).
وأمام نفوذ وعنفوان امبراطورية السوق الامبريالية، يتضاءل صوت الداخل الذاتي/(الضمير الاخلاقي)، والداخل الاجتماعي/(البيئة المحلية والوطنية). وهذا يضعنا أمام مأزق خطير، مأزق الطارئ الدائم الأبدي: الطارئ الذي أخذ صورة الثابت والمألوف والعادي في حياتنا، وذاكرة أجيال الحاضر. هذا الطارئ الذي لم يعد طارئا، له وجه مقابل، هو الثابت الذي لم يعد ثابتا. الثابت/(القومي/ الداخلي) الذي صار طارئا/(مهزوزا)؛ والطارئ/(الغازي/ الخارجي) الذي صار ثابتا ومستمرا في ترسيخ ثباته على حساب الأصول والجذور.
معيارية الصورة العامة تتمثل في بؤرة المرجعية السياسية، وآليتها المباشرة والرئيسة هي العلاقات (العامة). والمرجعية السياسية لبلدان العالم العربي والاسلامي تكمن في الغرب، اليوم أكثر من أي وقت سابق. قد تتحول من عاصمة لأخرى، لكنها تبقى في الدائرة الغربية. وهذا يخالف الحقائق الحتمية ومعطيات الواقع الجيوتاريخي. فمن ناحية الحتمية التاريخية نحن نستند إلى مبنى جيوتاريخي من ثلاثة طوابق، وهي:
1- نحن أسيويون/(الشرق)..
2- نحن مسلمون/(روح الشرق والسماء)..
3- نحن (عرب)/[متأتمنون على روح الشرق والسماء]..
هاته المعطيات الجيوتاريخية الحتمية، مضروبة عرض الحائط، في واقع الاجتماع السياسي المعاصر، أزاء التسليم والتبعية المضادة لمبدأ وجودنا الستراتيجي. فالغرب، قبل ظهور العرب على ساحة السياسة الدولية ، وقبل ظهور الاسلام في العالم، كان على الدوام منطلقا في نظرته ومعاملاته، من صورة [عدو/ غزو/ طمع/ تهميش/ استغلال واستعباد/ الغاء] نحو أسيا وكل ما هو خارج أوربا.
والعودة إلى مصادر الاغريق، ومن بعدهم مقدونية والرومان، حتى عصور الكولونيالية والامبريالية الحاضرة، تؤكد ثباته واستمراره على نفس المبدأ والالية، وبشكل يزداد عمقا وشراسة مع الزمن. اصطلح مؤرخو الغرب على عهد الاغريق بالانتيكا، وما بعد البروتستانتية بالانتيكا الجديدة، والعهد الأميركي بالسوبرنتيكا. فكلّ الأنتيكا قامت على مبدأ احتقار الشرق ونهبه والتسلط عليه ومصادرة امكانياته ووجوده. للأسف لم يتغير (الغرب)!. نحن الذين تغيرنا!.
على مدى قرون ناجز الفرس قراع الاغريق والمقدون والرومان، ولم يسمحوا لهم بموطأ قدم في أرض أسيا. وفي القرن الثاني قبل الميلاد، زحفت القوات الفارسية في عمق أرض اليونان ملحقة بهم هزيمة منكرة، قبل انسحابهم إلى حدود أسيا. وقد واصل العربسلام مقارعة الرومبيزنطه واخراجهم من شرق وجنوبي المتوسط. ومع خلود العربسلام للهدنة وعلاقات السلام والتعاون، لم يغير الغرب نظرته ومبادئه الستراتيجية، نحو الشرق والعربسلام. نحن الذين تغيرنا!.
وسواء كان موقف العربسلام يومذاك، عن قوة وسلامة نية، أم تراجع في المبادئ والأصول، فأن موقف العربسلام المعاصر، هو معطى هزيمة ودالة ضعف. الهزيمة هي الهزيمة الأولى للعربسلام في القرن السادس، منذ سقوط الحكم العربسلامي في الأندلس، وسبب الهزيمة هو الضعف وتفكك العرب والاسلام. ولنا مراجعة التواريخ التالية:
1- (1453م): العثمانيون يستولون على (كونستانتينوبل)/ القسطنطينية/ الأستانة/استامبول..
2- (1492م): سقوط الدولة العربية في الأندلس، وبداية زحف الغرب على الشرق.
3- (1501م) قيام الدولة الصفوية في ايران..
4- (1504م) قيام سلطنة الفونج في السودان..
5- سلطنة عُمان قائمة منذ تاريخ أقدم..
هاته الصورة تبين واقع الضعف العربي والاسلامي، وخريطة صراع الارادات وعنف الخلافات داخل البيت الاسلامي، وهو مؤشر خطير، إذ نقل اليات الصراع ومفاهيمه من مستوى [شرق- غرب]، إلى مستوى (شرق- شرق). وبعدما دأب الفرس على حراسة الشرق في مواجهة الغرب، تبنت السياسة الايرانية الحديثة، توجيه قواتها وعداءها داخل العالم الاسلامي: [العثمانيين في غربها، والعرب في جنوبهم]، ودخل الفرس والعثمانيون في صراع مستميت لبناء امبراطورية شرقية عالمية على حساب العرب والاسلام، فتحت الباب على كل مصاريعه لتوغل قراصنة الغرب في بلاد المسلمين، منذ بدايات القرن السادس عشر، انتهاء بعواصم الفرس والعثمانيين.
وفي إزاء تناهش القوى المرشحة لحماية [الشرق- الاسلام- ارض العرب]، كما رشحت عنه مزاعم حكامها ودعاياتها السياسية، لم يبرز لهم دور في حماية المحيط الهندي والبحر والخليج العربي ازاء القرصنة الغربية، مما ترك عرب الخليج وعُمان واليمن لوحدهم في المواجهة. ولم تنجح محاولات عقد تحالف [هندي- عربي- مصري] لدعم اليات المواجهة العسكرية الدولية، ووحشية الممارسات الغربية ضد سكان مدنيين يفتقدون اليات الدولة والجيش والأساليب المتقدمة، فوقعوا ضحية الوحشية والتفوق الغربي، الذي أسس لواقع احتلال البحر والخليج العربي أولا، ثم الشرق العربي والاسلامي لاحقا.
ان تنازع الفرس والترك، حول الزعامة الامبراطورية بورقة دينية، والذي يعود إلى القرن العاشر الميلادي، خلال الحكم العباسي، هو المسؤول عن فتح بوابة الشرق في القرن السادس عشر، لوقوعه تحت أقدام القرصنة والغزو والاحتلال والتبعية الكاملة المستمرة للعقد الثاني من الألفية الثالثة. ولا تبدو أية بوادر تغيير ستراتيجي في العقلية السياسية والاجتماعية المسلمة اليوم، انما يزداد اقتداء اهل الشرق والاسلام بمظاهر الغربنة والرأسملة، وتترسخ التبعية الاقتصادية والثقافية للزعامة الغربية.
ما كان ينقص العرب هو وحدة المشاعر والأفكار والأهداف والسياسات، ولو توافق عرب القرن السادس عشر والسابع عشر عليها، لشكلوا قوة حماية ذاتية تتصدى للغزاة والقراصنة، ولاختلفت صورة المنطقة والواقع العربي الحالي. ان صورة الوضع العربي والاسلامي الحالية تعود أصولها إلى حوالي خمسة قرون. ولم يعن، أو يتح، لحوالي المليار مسلم تغيير الصورة والواقع المستمر، مع تراجع مستمر في قيم الانتماء والوطنية والقومية، وهشاشة قيمية عامة.
ـــــــــــــــــــــ
* تعود أوليات التفكير في هذا الموضوع إلى ظروف نهاية الحرب الباردة وتضعضع مكانة ودور منظمة الأمم المتحدة ووقوعها شبه المطلق تحت قبضة الخارجية الاميركية، وقد نبّه الكاتب لذلك في حينه في مقال بعنوان: (أين هي الأمم المتحدة) المنشور في [جريدة الزمان اللندنية- ع 305- السبت/ الأحد 24/25 ابريل 1999م] وجاء فيه: " أين هي الأمم المتحدة؟.. مع انتهاء الحرب الباردة، واستفراد الولايات المتحدة الأميركية بالهيمنة على الساحة الدولية، تحولت منظمة الأمم المتحدة إلى دور التابع والمصادق على القرارات التي يقدمها المندوب الأمريكي في المنظمة. وقد ظهر ذلك جليا في تداعيات حرب الخليج الثانية، وفشل مساعي الوساطة في أكثر من بقعة ملتهبة من العالم، نتيجة افتقادها لاليات الضغط والتأثير.
وقد أدت القرارات الأمريكية من دون العودة إلى مجلس الأمن أو القنوات المعنية في المنظمة الدولية، إلى تحجيم المنظمة، وسيما في عهد أمينها العام الحالي كوفي عنان، والذي كان نجاحه في اقناع القيادة العراقية بقبول عودة المفتشين قبيل أزمة (نوفمبر 1998م)، هو النجاح الوحيد له منذ توليه المنصب؛ وتردد منظمة الأمم المتحدة في التدخل في القضايا الدولية العالقة، رغم صعوبة الظروف الدولية اليوم، قياسا بمثيلاتها في العوام السابقة.
جاء قرار الناتو الأخير في توجيه ضربة جوية إلى صربيا في يوم [24 ابريل 1999م] وقرار بدء الحرب البرية في [18 ابريل الراهن] من دون العودة إليها أو مجلس الأمن استفزازا دوليا مقصودا وضربة معنوية توجهها الولايات المتحدة الأمريكية للمنظمة الدولية وأعضائها، لفرض هيمنتها المطلقة، ورفض مساواتها مع الأعضاء الآخرين، في التفاف مكشوف للهربها من سداد التزاماتها المالية لصندوق المنظمة.
وفي كلمتها التي وجهتها وزيرة الخارجية الأكيركية الى شعب صربيا يوم السبت الماضي، ذكرت ان قرار (19) بلدا/(الناتو)، و(15) بلدا/(الاتحاد الأوربي) في الحرب على صربيا، لابدّ أن يكون له مبرراته الموضوعية. ولم تذكر المنظمة الدولية في هذا الصدد. وهي طريقة أميركية مراوغة أخرى مقصودة لتحجيم والغاء دور المنظمة وتخييرها بين الدوران في فلك الخارجية الأميركية، أو التحول إلى كائن لا يضرّ ولا ينفع.
بينما جاء حضور كوفي عنان الاجتماع المشترك للمجموعة الأوربية مع الناتو في بروكسل الاسبوع الماضي، هامشيا، ولم يتعد تكليفه بمهمة التوجه إلى بلغراد، لعرض شروط الناتو على رئيس الصرب، والذي أكد أكثر من متحدث من المسؤولين الوربيين عدم استعداده لمقابلته، وهو الأمر الذي لم يستجب له الأمين العام للمنظمة الدولية أيضا.
ويأتي تعطيل منظمة الامم المتحدة بعد تعطل أو تعطيل منظمات دولية أخرى، كان لها أن تؤثر في الساحة الدولية كمنظمات عدم الانحياز والكوميكون وحلف وارشو، بينما لا يزال بعضها يحتفظ بوجود شكلي، لا يتعدى عقد الاجتماعات وتسويغ الاملاءات الخارجية، مثل الاوبك والاوابك والجامعة العربية والمؤتمر الاسلامي ومنظمة الفرانكوفونية.
كان ظهور منظمة الامم المتحدة باسم جمعية الأمم المتحدة عام (1948م) لتستطيع مواكبة التغيرات الدولية الجديدة عقب الحرب العالمية الثانية، بعد أن اصبحت المنظمة السابقة/(عصبة الامم) امشكلة عقب الحرب العالمية الأولى، عاجزة عن استيفاء المتطلبات الجديدة.
واليوم وقد انتهت الحرب الباردة، وتغيرت موازين القوى الدولية، والعالم في تغير مستمر لصالح احادية القطب، ألا يقتضي ذلك إعادة نظر في ميثاق المنظمة الحالية واجراء تعديلات مناسبة فيه؟..
أم يقتضي من العالم البحث عن صيغة جديدة أكثر فاعلية وأهمية، في تقرير السياسات الدولية من جمعية الأمم المتحدة الحالية وقد فقدت الكثير من مصداقية ميثاقها الأساسي!."

(2)
البراغماتية الغربية انتجت برامج واقعية تطبيقية مباشرة جمعت النخب السياسية والفكرية والتجارية حول مبدأ ومائدة واحدة. وهي صورة الدولة الغربية والنظام الرأسمالي والدمقراطية البيرقراطية التي وضعت كل قطاعات الاقتصاد والتعليم والصحة والحياة الاجتماعية والسياسية، وفق مرسوم مركزي مخطط ونافذ بسلطة القانون والبوليس، رغم شعارات الدمقراطية والحرية والانتخابات، وسيل اتهامات النظام الاشتراكي بالتدخل في حياة الافراد وقطاعات الدولة.
من غير اتجار باللغة وحنكة وسائل الاعلان والدعاية التي تغرق المجتمعات الراسمالية الغربية حتى في ورق التواليت، فأن الدولة الرأسمالية هي دولة اقطاعية يسيطر عليها رأس المال الحاكم/(مآفياX)، والمجتمع الرأسمالي هو مجتمع عبودي، يسوده رجال العمال والشركات في كل المجالات والمستويات، من صناعة الطائرات والسيارات والدراجات، إلى شركات التنظيف وأسواق الثياب والطعام والمواد المنزلية. وكل الشركات تخضع لضوابط قانونية واملاءات حكومية دقيقة تغطي ابسط التفاصيل، بما فيها ما لا يدخل في صلب الانتاج وانما يخص طرق معاملة العمال، ومراقبة جو العمل لاغراض امنية وسياسية، ما يدعى بالقانون غير المكتوب، وحاليا، يتعرض ذلك لطرق معاملة المهاجرين والأجانب غير المرغوبين بقاءهم في البلاد. ابناء المجتمع، من غير رجال الأعمال والحكومة، لابد لهم من الخضوع لمتطلبات الشركات وشروط العمل فيها. دور موظفي الحكومة، هو مراقبة التزام الشركات باملاءات الحكومة، وحث الناس للانخراط في العمل ومدى خضوعهم لشروط العمل والقوانين العامة. فالموظف الحكومي، الذي يسلك وفق نمط مرسوم له، يختلف عن شخصيته ومزاجه خارج العمل، هو بمثابة (سركال/ زبانية) يشكل نقطة وصل بين الاقطاعي/(الحكومة/ رب العمل)، والمجتمع/(شغيلة اليد). مجتمع متدرج منظم في كل مستوياته وتفاصيله، والخروج عن أي مفصل، يترتب عليه حرم من فرصة أو معونة بل عقوبة قاسية.
هذا النظام المدروس والمخطط والمزوق بشكل جيد، حسب قراءات فرانسس بيكون وجون لوك وماكس فيبر وبقية مفكري البراغماتية، هو الذي رسم مجتمعا ارستقراطيا دمقراطيا، طبقيا عبوديا، بيرقراطيا متمدنا، له قشور ملونة، وحوافز رخيصة مغرية، (تكوين الثروة عبر الاستثمار أو العمل)، ولكن حقيقته لا تستدرك بغير دراسته والبحث عن أصوله وقواعده، ومعرفة ما وراء القرارات والدعايات الاعلامية، التي يتهرب ابناء البلاد من معرفتها، طمعا في راحة الفكر ونجاة من الملاحقة، لا يخطر للمهاجر استكناه حقيقة النظام وما يجري في الخفاء. ولما كان الاعلام القدم الثالث للنظام الرأسمالي، فأن الرأي العام المحلي والعالمي يمضغ منتجات الاعلام الغربي، ويصف الرأسمالية بالفردوس/ لكنه فردوس رواية/(1984).
ان الشرق بحاجة للصحو.. بحاجة ليقظة حقيقية، ينفض عن نفسه تبعات التبعية والاسنخذاء، ويمتلك وجوده ومصيره، ارادته ومستقبله بيده، وليس تحت اشراف الغرابوه وأتباعهم. ان العالم الاسلامي والعربي يواجه امتحانا مصيريا حول هويته وانتمائه، حول وجوده ومصيره. وهو امتحان عسير ومستحيل. فليس ثمة أية مرتكزات فكرية أو مادية، تؤسس للانتماء والاستقلالية. لا مجال لأية أطر وهيئات علمية وثقافية، تجرؤ على رفع شعار وطني أو قومي أو استقلالي اليوم، كما ظهر قبل قرن من اليوم. والفضاء السياسي العربي والمسلم،، قاتم وكاتم للداخل، لاسترضاء الخارج. ولم يعن للنظام السياسي العربي، والمتعاقب، بألوان وانماط متباينة، ان أشخاصه يتبدلون والنظام مستمر، ان الزمن يتقدم، وتبعية العرب وتشرذمهم مستمر. ومع أواخر القرن العشرين، ظهر جيل سياسي شاب، في بعض بلدان العرب، لكنه يعمل وفق ثوابت التبعية الامبريالية، كتم الداخل وارضاء الخارج.
على العالم عموما، وليس الشرق والعرب فحسب، الخروج من نظام الحكم الاقطاعي. النظام الغربي والحياة الغربية وما يسمى حضارة غربية، ليس غير امتداد سقيم لنظام الاقطاع والفرسان القديم. ولا تستوي الدمقراطية في ظل البيرقراطية، ولا تستوي مبادئ الحرية والعدل والمساواة في ظل الرأسمالية التي تزداد شراسة مع الزمن. نحن بحاجة للصحو والخروج من أنفاق اللغة وبهارج المفردات التي ابتذلت في ظل تسلط الرأسمالية الاقطاعية/ الصناعية/ التجارية/ الالكترونية على الغرب والعالم.
لقد قدمت المدارس الظاهراتية والبنيوية والتفكيكية، شهادات عريقة على موت اللغة وانفصالها عن المعنى، على سقوط الأخلاق وانفصالها عن القيم، على موت الدين وانقطاعه عن السماء، على موت الحضارة وقطيعتها عن الفضيلة، على موت العقل وقطيعته عن التخيل؛ ولكن الثقافة العربية والاسلامية، لم تأخذ ببعدها الواقعي السياسي، ومغزاها الراسمالي الوحشي، كنفثة أخيرة في منظومة الفلسفة الغربية، التي نفقت تماما، قبل خمسينيات القرن العشرين.
علينا الانصراف عن اللغة، واجترار المدائح الرأسمالية وامنقبات الغربية، ونحن نرسخ في واقع عبودي سالب، يتراجع ويركس يوما بعد يوم. ويوما بعد يوم، يحلم أطفال العرب والمسلمين بهجرة بلدانهم إلى ملاجئ الغرب. الفلاح والمثقف، الأكاديمي وغير الاكاديمي، عيونهم ونفوسهم متعلقة بفردوس الرأسمالية. وابناء المهجر، لا يجدون في بلدانهم الشرقية الأم، ما يشجع أو يساعد لعودتهم إلى أوطانهم، وانقاذ أطفالهم من براثن العبودية والمسخ المنظم.
من المؤسف، أن تبلغ الامبالاة وتغييب الوعي، درجة، تتحول فيها إلى مبادئ وأهداف واليات ستراتيجية، يعيشها السياسي والمثقف والشخص العادي، من العرب والمسلمين. المؤسف أكثر منه، غياب الأطر السياسية والنخبوية، وتراجع الأحزاب والهيئات الوطنية واليسارية والأكاديمية عن اداء أدوارها الوطنية التقليدية، وميوعتها في كرنفال العولمة، مما جعل ملايين الشباب المعانين من البطالة وغياب الرؤية والأمل، يتأرجحون بين اليأس والضياع والذوبان.
لكن الثقافة الرأسمالية والامبريالية لم تأتي على الكلّ، وعقلية التبعية محصورة في فئات محددة، وهي بدرجات وأنماط معينة؛ وما يزال ثمة وعي أصيل، ويقظة عربية، قومية واسلامية، في جوانح كثيرين؛ كلّ ما ينقصها هو التنظير والتنظيم والتأطير، الفكري والسياسي. وما حصل بين أواخر القرن الماضي وبدايات القرن الحالي، من حراك ثوري وانتفاضات شبابية، يستحق اهتمام النخب الفكرية والتفاف المثقفين الحقيقيين، لتطوير الحراك والتطلعات إلى مشروع فكري سياسي، يتنكب ناصية المستقبل العربي.
ان واقع الثقافة العربية، والمصير الذي بلغته مع نهاية الانظمة الوطنية الثورية، مدعاة للرثاء. وانكفاف المثقف من المفهوم الغرامشي إلى البراغماتية الشخصية الرخيصة، مأساة وانهيار. في تسعينيات القرن الماضي، كانت عبارة يستخدمها المثقف الألماني، لوصف شخص يعيش ليأكل. بعد عقدين من ذلك، يسلك معظم المثقفين [von Bauch aus!] نفس الاسلوب، ولا يتحملون اللوم.. فالامساك بالوظيفة والتعلق بالراتب، هو مركز اهتمام السياسي والمثقف والعامل، رجل وامرأة، ولا قيمة عليا غيرها. ومع استمرار روائح الأزمات المالية والسياسية، يتملق الكلّ ربّ العمل ويتوسل قرش زيادة. واقع المجتمع الغربي أتعس من سواه. وتوقع الكارثة العظمى وشيك، يتم تأجيله بصعوبة. يتم دفعه بذكاء نحو أسيا وتوريط بلدان عربسلامية بدفع فواتيره، وهذا يضع الجميع، مجتمعات وأنظمة، في مهبّ العولمة!
هذا المحك التاريخي الراهني، يعيد مؤشر الساعة إلى نقطة الصفر.
وعلينا الاستفادة من نقطة الصفر، وتجارب الماضي، للعودة للذات، والانطلاق منها نحو المستقبل، والاستقلال.
كيف يمكن تفعيل مضمون الانتماء و(التوحيد) بشكل واقعي حقيقي، دون اتجار باللغة وتلوين شعارات.

(3)
أين هي مكانة العرب/ العربي في العصر الراهن؟..
يعيش العربي على هامش مجتمعه، منضويا ضمن جماعة طرفية، توجد على هامش/ هوامش جماعات طرفية أخرى، تنتهي خطوط ارتباطها بالحكومة أو الرأسمالية الامبريالية. والفرد في كل ذلك يتصق بطرف الجماعة وهامش المعيشة والقيادة الطرفية. هذا يعني أن المجتمع العربي يفتقد البؤرة أو نقطة المركز/ منظومة الفاعلية المركزية أو المرجعية الديناميكية الشاملة.
والفرد لا يتحمل مسؤولية الوضع السائد، المحكوم والمسيس منذ أحقاب تراجعية وعصور سياسية متوارثة، نجحت في تجفيف الحواضن الاجتماعية من انتاج أفراد مميزين أو قيادات مجتمعية على صعيد الفكر أو السياسة أو الاقتصاد. وفي ضوء الفراغ القيادي المجتمعي/ السياسي، ظهرت قيادات ثانوية طفيلية، لملء الفراغ أو استغلال الظروف، من خلال أداء دور الوساطة بين التسلط الخارجي وتسخير قدرات الداخل لخدمته.
لكن المؤسف خلال ذلك، ان الادارات الطفيلية، تعدت مجال الوساطة الراهنية والتكتيكية الطارئة إلى مدى ستراتيجي خطير، هو قدع جذور، وتجفيف أرضية أي احتمال ظهور قيادات حقيقية منتمية مستقلة. ان الضمان الستراتيجي الوحيد لترسيخ التبعية في مجتمع ما، هو تجفيف حواضنه القيادية التاريخية. وفي حياة وتاريخ كل بلد عربي/ اسلامي/ شرقي، قوائم جديرة من شخصيات تعرضت للتشويه والتبخيس والاغتيال المباشر وغير المباشر.
ان مجتمعا بلا قيادات تاريخية ومبادرات حضارية، هو مجتمع ميت. مجتمع يفتقد امكانية النمو والحيوية والتطور. والعرب كانوا يفتخرون بسيف ذي يزن وابن ساعدة حتى ظهور محمد بن عبدالله. وما نزال نفتخر بمحمد لعدم ظهور قيادة تقارب مستواه. فالعرب بذلك يعانون حالة موت وعقم سياسي يتجاوز أربعة عشر قرنا اليوم. تاريخنا هو تاريخ أفراد، على أصابع اليد أو اليدين، ولكن مجتمعاتنا عاجزة عن انتاج أفراد مميزين، لتتحول إلى مجتمعات حضارية، وينتحول من تاريخ أفراد إلى تاريخ مجتمعات وبلدان.
منذ القرن الخامس عشر كانت أوربا تتوفر باستمرار على ما ينيف على مائة شخصية فكرية فلسفية أو علمية في القرن الواحد، مطورة للعقل والحضارة والحياة. أي أن أوربا قدمت على الأقل خمسمائة عالم ومفكر منذ عصر النهضة الغربية، رغم أن الحقيقة أضعاف ذلك بكثير. كم من أولئك تعرض للتسفيه والتهميش والاغتيال؟.. في تاريخنا العربسلامي، شهد القرن الثامن موجات من رواد العقل والفكر والفلسفة والعلوم، مع الوقت تعرضت للاضطهاد الديني السياسي بشكل متزايد، وفي القرن الثاني عشر وما بعده لم يتبق غير أفراد متوزعين في الأطراف والهوامش.
هل هي أزمة حاضنة وعجز تربوي أو عرقي؟.. أم أزمة هوية وانتماء؟..
الاسلام الأصلي كان خطاب صخوة وثورة ونهوض، كيف تحول إلى خطاب جمود وقمع ونكوص؟.. هذا التناقض لا يمكن أن ينتمي لشجرة واحدة وجذر واحد. ولا يمكن للأثنين الاجتماع تحت مدلول واحد، مهما كان توفيقيا أو تكتيكيا أو محافظا. وعلينا، إذا أردنا الخروج من خانة التخلف والتبعية، فرز الأصيل من الهجين، فرز الحنطة من الزؤان. التناقض المستمر يؤدي إلى نتيجتين، الانفجار الثوري، أو الدمار الذاتي. ونحن نعيش حالة دمار ذاتي مقنن ومستمر منذ قرون.
والحل يبدأ بتغيير مبادئ الثقافة السوسيوسياسية السائدة منذ القرن العاشر الميلادي. يلزمنا إعادة هيكلة مرتكزات البنى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والدينية، وخلق امكانيات الحياة والابداع والتفكير والتطوير، لكي نحصل على نسبة من الجدارة و استحقاق الوجود. ونقول للذين سجنوا العقل والارادة االعربية والاسلامية، للمحافظة على الدين والشريعة، أنهم استحقوا وسام الاستحقاق في تضيع الدين وتدمير الشريعة، وقلب كل مزاعمهم إلى الضدّ.
المجتمع العربي والاسلامي اليوم ضحية أزمة هوية وانتماء، وتسلط الهجنة والكراهة والثورة المضادة على مقاليد أمورنا وناصية الدين والحياة والسلطة!.
نحن حتى اليوم لا نعرف، ولا نريد أن نعرف هل مات محمد مسموما أو ميتة طبيعية؟.. أربعة عشر قرنا من غلق التحقيق وتسجيل القضية ضد مجهول!.. لكن أثنين لا يختلفان على أغتيال خلفاء محمد بنفس الاصرار والمنهجية السياسية، حتى ضياع الأصل وافلات الأمور. يتساءل المؤرخ حسين مؤنس/(كتابه: التاريخ الاسلامي- ص55) عن سبب عدم قيام علي ابن ابي طالب بتشكيل لجنة تحقيقية حول اغتيال عثمان بن عفان، ويمكن توسيع التساؤل، إلى أسباب عدم ظهور مثل هذا التحقيق والتشخيص والحكم ، إلى جرائم الاغتيال السابقة واللاحقة التي شكلت طابعا متصلا في تاريخ الاسلام السياسي!..
ينبغي أن يكون الانتماء والهوية على رأس مشروع نهضتنا وتجديد النظام العربي المعرفي والسياسي، لتأهيل الانسان العربي للوجود الحضاري، والخروج من الهامش. لقد تحولت بلاد العرب من سوق للعمالة غير الوطنية الرخيصة على مدى قرون، إلى سوق للمصالح والمنتجات الغربية في العصر الحديث، وكل ذلك على حساب الوطن والانتماء والسكان الأصليين. ولا بدّ.. لكلمة الحق أن تنطلق، ويشعر المواطن أن النظام السائد يعمل في خدمته، وليس على حسابه.
شعور الفرد وادراكه، بكونه مركز اهتمام وحركة النظام السياسي الحاكم في بلده، عامل رئيس لجعله يتفاعل في خدمة النظام وتطويره وحمايته، والعكس هو الصحيح والسائد. والعربي اليوم بحاجة لاستعادة ذاته، لاستعادة وطنه، لاستعادة ثقافته وانتمائه، ليكون مطمئنا لمستقبله ومستقبل أبنائه وأحفاده، دون وصاية أو رخصة من جهة أجنبية، تراقبه وتسرق منه عرق جبينه ولقمة معيشته.
في الهند تحظى البقرة بالاهتمام والتوقير، لأنها سبب معيشة السكان، وفي مصر يحظى نهر النيل بالقداسة، لأنه شريان معيشة البلاد، ولكن المشرق العربي الذي يعتاش عليه وعلى امكانياته وحساب مجتمعاته، أهل الشرق والغرب، يحتل اليوم صدارة الكره والزراية في الشرق والغرب. بل أن الطفيلية الأجنبية تدعي الفضل على البلاد وأهلها، وتتهمها بالتطفل على أفضال الخارج. ولابد من حسم هذا الموضوع، ضمن الاشكاليات والمتناقضات التي تحكم الوجود العربي، على أرضه، وفي صميم كيانه.
ان الخروج من المأزق الجيو السياسي التاريخي والاقتصادي الذي انقض على الكيان العربي السياسي والاجتماعي، وصادر تاريخه وراهنه ومستقبله حتى الان، يقتضي تغييرا جذريا، لكل المعادلات والموازنات والمفاهيم والأقيام والنظم والسياسات الطارئة على البلاد، والبدء الفعلي في إعادة البلاد إلى أهلها الأصليين، وإعادة العرب إلى ذواتهم ، من تلقين المناهج الجنبية العجمية والصليبية، ووضع حدّ لحالات الاستلاب والتدجين ومصادرة الذات والانتماء والهوية.
والسبيل إلى ذلك هو البدء في تأسيس نظام معرفي وطني شامل، يستكمل المشروع العربي المحمدي الأصيل، ويجمع الانسان بأرضه، والعربي بأخيه وجاره، والانتماء والهوية المركزية بالمصلحة الستراتيجية الوطنية والقومية، وتنسجم فيه مبادئ الاجتماع والعقيدة والثقافة والاقتصاد في إطار النظام السياسي المجتمعي الحاكم والمتأصل في منظومته الثقافية الاقليمية الجيوتاريخية، في الصورة التي يتم الاتفاق عليها، والممثلة مبدئيا، في اتحاد المشرق العربي.
ان العرب أفرادا ومجتمعات، وبلدانهم أنظمة وحكومات، أحوج ما يكون لتقوية ثوابتهم الارتكازية وفق منظور ستراتيجي شمولي متكامل، يتخلص من عيوب النظام التقليدي ومآخذ الاملاءات الكولونيالية، لاختطاط واقع ومستقبل، مجتمع ونظام، فرد ومجتمع، يشعر بالاكتفاء والاعتداد والانتماء والأمان على أرضه وفي وطنه.
ـــــــــــــــــــــــــ
• د. حسين مؤنس: تنقية أصول التاريخ الاسلامي- دار الرشاد- القاهرة- 1997م.


(4)
هيئة وطنية عليا للخبراء..
في كل بلد توجد جمعيات ونقابات للتخصصات الأكاديمية/[الاقتصاديين، الحقوقيين، المهندسين، المؤرخين، التربويين/..الخ] والمهن المختلفة/[التعليمية، الصحية، الزراعية، الحرف اليدوية، الصناعية/.. الخ ]، وهي تضم عموم الاختصاصيين في البلاد. من بين أعضاء هاته الجمعيات والنقابات، يتم ترشيح وانتخاب أعضاء الهيئة الوطنية العليا للمستشارين، وذلك وفق جدول زمني محدد.
أما آلية الترشيح فتعتمد هيئة مسابقة بحوث علمية، يقدم فيها كل من يرغب في ترشيح نفسه من أصحاب التخصصات العليا من أعضاء الجمعيات والنقابات الوطنية، بحثا علميا يتناول تطوير مرفق أو قطاع معين بطرق عملية تسهم في عمليات البناء والتطوير الستراتيجي للبلاد. وتخضع البحوث والمشاريع المتقدمة للدراسة والفحص من قبل هيئات أكادمية ومهنية متخصصة، دون اطلاع على أسماء أصحابها وبياناتهم الشخصية والاكادمية والوظيفية، لاختيار الفائزة منها، مما تقتضيه المصلحة العامة، ويدخل في صلب احتياجات البلد الهيكلية.
عندما يكون عدد اعضاء الهيئة كبيرا، وهو أمر في مصلحة البلاد، يمكن حصر التخصصات العلمية والمهنية الستراتيجية في البلاد. كما يمكن أن يصار إلى تشكيل الهيئات العليا على مستوى الاقاليم والمقاطعات، ينحصر مجال عملها وبحثها داخل حدود الاقليم ومستلزمات تطويره، وتخضع ابحاث ومشاريع الهيئات الاقليمية للجنة فحص ومصادقة في العيئة العليا للعاصمة.
على الصعيد الهيكلي تتشكل الهيئة الوطنية العليا للخبراء من ثلاثة مستويات..
1- الأمانة العليا للهيئة، يتراوح عدد أعضائها بين (5- 10) خبراء، يجري انتخاب الرئيس/ الأمين العام، من بينهم.
2- المجلس العمومي للهيئة، ويضم ممثلي التخصصات المختلفة العلمية والتطبيقية.
3- مجالس البحوث التخصصية الفرعية، حيث يعنى كل مجلس فرعي بتطوير البلاد حسب مجال تخصصه، وترفع بحوثه لممثلهم المختص في المجلس العمومي.
أمام مهام الهيئة الوطنية العليا للخبراء، فتغطي المجالات التالية..
1- القيام ببحوث ميدانية في صورة مسح شامل للبلاد حسب التخصصات القطاعية والعلمية، وتعتبر تلك البحوث، فضلا عن أهميتها البحثية والتطويرية، جزء من الارشيف الوطني التاريخي، لمراجعة الأجيال. وفي تلك البحوث يجري دراسة الحاجات الأساسية للبلاد والسكان وفق منظور ستراتيجي ينقسم إلى ثلاثة مستويات: احتياجات راهنية ملحة، احتياجات مستحقة على المدى القصير- المتوسط- البعيد. ويبدأ المدة القصير بخمس سنوات، ثم يتنامى/(الوسيط) كل خمس سنوات، حتى المدى الطويل/(50- 100) سنة.
2- الاستمرار في اعداء البحوث واقتراح المشاريع المتخصصة ووفق اسلوب علمي سياسي ستراتيجي، بما يعمل على اصلاح الخلل القطاعي المشخص في المسح القطاعي الشامل، أو أكمال النقص أو العجز الهيكلي، وبما يرتفع بالتخطيط والاداء القطاعي لأفضل مستوياته، ويستوفي المستلزمات الوطنية وكل احتياجات السكان، المتنوعة والمتنامية باستمرار.
3- القيام بعمليات مراقبة واشراف على أنظمة العمل والاداء اليومي، ومقارنتها باللوائح التنظيمية والأطر النظرية العلمية والقانونية المعنية بها.
4- لوائح الخطط والمشاريع والتوصيات والملاحظات المقدمة من الهيئة الوطنية العليا للخبراء إلى رئيس الحكومة، تحظى بالاهتمام الأول والجدية القصوى، ويصار إلى اقرارها، وشمولها بالمخصصات الميزانية، واجراء التعديلات القانونية ولوائح العمل المعنية بها، على مستوى تجريبي، يبدأ بعام واحد، يتمدد إلى ثلاث سنوات، وفي حال نجاحه الميداني وتلمس ثماره الوطنية والاجتماعية، يتحول إلى قانون ثابت مستمر بعد خمس سنوات.
5- في الدورة الانتخابية التالية، وفوز أعضاء جدد، تحفظ مكانة الاعضاء السابقين المتميزين، ممن قدموا بحوثا أثبتت جدواها، وتمنح لهم صفة (احتياط) يمكن استدعاؤه عند الحاجة حسب تخصصه، أو المشروع المقدم باسمه، وفي حال استمرار العضو السابق في صفة (احتياط)، أكثر من دورة يكون عضوا في مجلس الشيوخ الخبراء/ خبير أقدم، ويحصل على التكريم والمكانة اللائقة في رئاسة الدولة والهيئات السياسية الوطنية [الوزارة، مجلس النواب، مجلس الشيوخ، الجامعات ومجالس البحوث العليا].
ثمة ضرورتان رئيستان لوجود [هيئة وطنية عليا للخبراء] في البلد العربي والمسلم،.. أولهما: بناء وهيكلة البلاد، وتنظيم المؤسسات واداراتها وفق أسس وقواعد علمية راسخة ومدعومة بقوة القانون وساهمة الحكومة وتعاون ابناء المجتمع وقطاعاته وهيئاته التمثيلية، وبما يشرك كل المجتمع والحكومة في بناء وتطوير وصيانة الدولة ومؤسساته المتكاملة مع حاجات السكان والتطور المستمر. وثانيهما: التحول من صورة الحكم السياسي الحالي والقائم على أسس تقليدية أو محاصصات وجاهات وصراعات، إلى صورة المجتمع المدني السياسي، الذي تكون وظيفة الحكومة فيه، حكومة أداء اعمال واتباع افضل السبل العلمية لاستيفاء حاجات السكان ومستحقات المرحلة، وبشكل يلبي احتيجات السكان وتطلعاتهم الاجتماعية والسياسية كمواطنين حقيقيين ومكرمين ضمن الاداء والسياسات الحكومية، يعتدون بأنفسهم ويفتخرون بانتمائهم لهذا الوطن.
المجتمع المدني واسهامة المباشر في الحكم والادارة والتعاون المستمر عبر الهيئات الاجتماعية المتعددة والمتخصصة وبحسب المناطق، وتكفل المؤسسات الاقتصادية والاكادمية والحزبية، بدراسة وتطوير وبلورة حاجات السكان وتطلعاتهم، وتأهيلها قانونيا وسياسيا، سوف يخرج ببلداننا، من خانة المجتمعات الاستهلاكية التابعة لأسواق الرأسمالية الامبريالية، كما يغير من دور وطبيعة حكوماتنا، كوكلاء استيراد وتصدير، لقاء عمولات مزدوجة، دون تبني سياسات تنمية ستراتيجية لبناء دولة ومجتمع، يستطيع الوقوف على قدميه خلال عشر سنوات من برنامج وطني فاعل ونشيط، بينما تتراجع بلداننا منذ قرن من الزمان، وكل عام جديد، تزداد تخلفا وتبعية، ويزداد السكان بؤسا ورثاء لأنفسهمّ، وقلقا على مستقبل أطفالهم.

(5)
هذا المشروع الاصلاحي والتنموي للبلد العربي والمسلم، ليس غير نصف خطوة للوقوف على القدمين، أمااستكمال الخطوة، فيتم عندما تخضع بلداننا ومجتمعاتنا للحتمية الجيوتاريخية، وتشكل البلدان المتجاورة ذات التاريخ والشعور والمصير المشترك، اتحاد تعاون ستراتيجي، يوحد سياساتها الخارجية ويقارب برامجها المحلية، وتطبق أسس التكامل الاقتصادي والثقافي والسكاني داخل إطارها.
التكتلات البلدانية والأممية تحقق مزايا كثيرة لأعضائها على صعد القوة والحماية والتكامل والعمل المشترك والتكافل في مواجهة الازمات والظروف، وهو النظام الذي اتبعته بلدان الغرب بفعالية منذ القرن الثامن عشر، والاتحاد الأوربي واتفاقية الجات ومجموعة الدول الصناعية والناتو وغيرها كثير، من عوامل قوتها وتسلطها وتوحيد سياساتها وأهدافها، ضدّنا؛ بينما نترنح نحن في خلافات الاقليمية ومنازعاتنا المحلية والطائفية، والعالم يتقدم، ونحن ننخفض..
لقد سبق أن شهدت المنطقة تجارب وحدوية/ اتحادية متعددة، حملت اكسير موتها في ولادتها، وعلينا الاستفادة من أخطائها وعيوبها، والاستفادة من رموزنا الوطنية وأفكارهم الستراتيجية التي صادرها الغازي فورا وقام باغتيال أصحابها في الرياض وعمان وطهران. احد عوامل فشل التقارب العربي والاسلامي، هو التبعية الأجنبية وتدخل المحتل الحليف في شؤوننا الوطنية والقومية والدينية.
ان قرار الاتحاد لا يقتضي برامج تنمية وطنية شاملة، وانما يتطلب استقلالا سياسيا حقيقيا، وامتلاك مقاليد القيادة والارادة، خارج مرحلة الادارة الكولونيالية بالأمس، والامبريالية اليوم. ولن ينفع تكرار تجارب الامس، عندما يكون لبلد عضو في اتحاد أو تكتل اقليمي، شباك خلفي للسمسرة والتواطؤ ضد الاتحاد، مع العدو الحليف. لدينا تاريخ غني بالتجارب، وهو مدقع لكثيرين.
لكن استمرار العرب والمسلمين على هاته الحال من المحال. فالأمر لا يخص حكومات وعوائل حكم، ولا ديمومة المصالح الغربية على حساب مجتمعاتنا وبلداننا التي تم تدمير نصفها بتعاون الشقيق مع العدوّ. من حق كل مجتمع، وكل شخص عربي ومسلم أن يقرر ويختار لنفسه ولعائلته ومستقبل أطفاله وبلده.
علينا الاعتراف بفشل النظام العربي الذي اصطنعته الامبريالية الغربية.. وقد استفادت الحكومات العربية الكومبرادورية أكثر من استحقاقها منذ القرن الماضي، على حساب الانسان والوطن والكرامة العربية. ونحن ندعو الجميع للصحو، والمراجعة.. أنا أقيم في الغرب، وأكتب من واقع الغرب، ومن واقع غربتي وتشردي بينما تتراوح بلدان العرب والاسلام، بين غاية التخلف والفوضى والفساد من جهة، وبين سياسات غلق الحدود والابواب في وجوه العرب والمسلمين، ممن يفضلون ان يعيشوا في ظل ثقافاتهم ومجتمعاتهم، إذا عصت عليهم بلدانهم.
لقد وصلت إلى الغرب بعد أن جربت كل وسيلة للحصول على اقامة في بلد عربي، بلا طائل. لا يكفي ان فردا عربيا، يحتاج إلى رخصة اقامة وعمل ليعيش في بلد عربي ومسلم فحسب، وانما يرفض البلد العربي منح رخصة اقامة لعربي. وهذا منجز للعروبة والاسلام، ينبغي تقديره جيدا. وونعرف ان بلدا عربيا ومسلما لن يتردد في فتح حدوده للغير.
ما أكتبه هنا، ترجمة لأبناء المستقبل. وسوف يتحمل القادة والسياسيون وكل طواقم الحكم عبء التاريخ.. ومسؤولية تاريخ النكبات والكوارث التي ألحقوها ببعضهم، وألحقوها بأبناء العرب المشردين خارج بلاد العرب والاسلام، منذ قصص اللاجئين الفلسطينيين وقصص المطاردات والحصارات حتى دمار العراق وليبيا وسوريا واليمن، لكن قصص اللجوء والهجرة اليوم تشمل كل البلدان العربية ومعظم البلدان الاسلامية، وهو مدعاة رثاء وخجل. لابد من استعادة وعي.. وتغيير تاريخ الغد.. لا بدّ..
ولتنته إلى الأبد أنظمة السمسرة والحكومات الكومبرادورية.. كما انتهت السلطنة العثمانية والعوائل الحاكمة في اوربا عام (1918م)..
نريد لمجتمعاتنا أن تنظر للألمام بشجاعة وثقة، ويفتخر كل جيل جديد بانجازاته المتقدمة على الجيل السابق.. نريد لصورتنا أن تتحسن في الرأي العام المحلي والاقليمي والعالمي.. ينبغي لفكرة التبعية والاستهلاك والاتكالية وأسواق خلفية رأسمالية، أن تنتهي للأبد من تصنيف شعوبنا وبلداننا.. نريد لطاقات شعوبنا أن تنطلق وتتفجر وتبدع، اقتصاديا وعلميا واجتماعيا.. وأن يكون لنا دور ومكانة واسهام فاعل في الحياة الانسانية.. نريد ليومنا أن يكون أفضل من أمسنا، ويكون عغدنا أفضل من يومنا، ويكون مستقبل أطفالنا، أفضل من واقعنا..
نريد أن نعيش بكرامة وفخر.. نعترف بهويتنا وثقافتنا وانتمائنا بفخر وثقة..
نريد أن نولد ونتعلم ونعمل ونموت بعز وكرامة في بلداننا.. ولا نتغرب ونضيع أعمارنا كالعبيد والملتقطين في خدمة الآخرين..
اوربا ليست لها مواردنا الجغرافية والاقتصادية.. وسكانها يعيشون في أفضل مستوى معيشي سيادي.. بعضهم يولد ويموت في قريته ومدينته الصغيرة.. وفي البيت الذي ولد فيه أجداده..
بينما نعيش نحن متسولين مشردين خارج بلداننا وثقافاتنا.. وموارد بلداننا تخدم اقتصاديات الغرب وسياساته الرأسمالية التي تضع العرب والمسلمين في نهاية ركب الأمم..
الوجود ارادة وفكرة.. ارادة ووجود.. هكذا قال بعض الفلاسفة..
علينا أن نتخذ هذا مبدأ ستراتيجيا منذ الآن.. وإما.. أو..
والله من وراء القصد!.


[][]





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,557,378,396
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ...
- انتبهْ!.. الوطنُ لا يُباعُ وَلا يُستبدَلُ.. وَلا يُطرَحُ للإ ...
- ما بعد الحداثة/ ما بعد الانسان..
- نحو علم اجتماع عربي..
- محاضرات في لاهوت العولمة
- (المسيح الثائر) في اسفار الشاعر الاشتراكي المصري أمل دنقل
- (المسيح واللصوص) للأديب والفنان الاشتراكي نجيب سرور
- (اعترافتان في الليل، والاقدام على الثالثة) للشاعر الاشتراكي ...
- منفيون في جنة ابليس
- مقامة الثامن من أوغشت..
- باسكال: بين الشك والايمان
- الميّت الماشي- قصيدة الأديب الاشتراكي توماس هاردي
- انا عندي حلم/ I Have a dream رائعة المناضل الانساني مارتن لو ...
- (سلطان الكلمة) قصيدة للاهوتي الالماني مارتن لوثر
- في علم اجتماع الفرد- خمسون حديثا عن الواقع واللامعقول واللغة
- (تعزية..) للشاعرة النمساوية الملكة ماريا فون هنغاريا
- (ايكو هومو).. قصائد للفيلسوف الالماني فردريك فيلهيلم نيتشه
- قرار ترامب ورجسة الخراب في القدس ..!
- قصيدة (تكسّب) للشاعر الانجليزي جيفري شوسير
- (بنت الرياض..!)


المزيد.....




- الناتو وبريطانيا يطالبان بإنهاء العملية العسكرية التركية في ...
- ما الذي يحصل على الأرض في شمال سوريا إثر التوغل التركي بالمن ...
- نائب الرئيس الأمريكي يتوجه إلى تركيا في غضون 24 ساعة
- مشروع قانون في الدنمارك لنزع الجنسية من المواطنين الذين التح ...
- النيران تلتهم لبنان بسبب موجة حر غير مسبوقة
- مشروع قانون في الدنمارك لنزع الجنسية من المواطنين الذين التح ...
- أول تعليق من نجل بايدن بشأن القضية التي قد تتسبب في عزل ترام ...
- رسائل زيارة بوتين للسعودية والإمارات... وعقوبات أمريكية على ...
- ليبيا… أحد مشايخ برقة: ما يحدث في بلادنا قتال بين قبيلة وقبي ...
- ظاهرة العنف تهدد المجتمعات... من المسؤول


المزيد.....

- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - وديع العبيدي - في علم اجتماع الجماعة- ج2