أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد صبحى منصور - كتاب أعمال النفس هو بصمتها الوراثية















المزيد.....


كتاب أعمال النفس هو بصمتها الوراثية


أحمد صبحى منصور
الحوار المتمدن-العدد: 5970 - 2018 / 8 / 21 - 01:46
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كتاب أعمال النفس هو بصمتها الوراثية
مقدمة :
1 ـ يقول جل وعلا :( مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ﴿٥١﴾ الكهف ). نحن لم نشهد خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسنا. هذا غيب عنا. وليس لنا أن نتكلم فيه إلا من خلال تدبر الآيات القرآنية ، فالله جل وعلا أخبر فى كتابه ببعض الغيبيات ، وفي آياتها نتدبر ، وليس لنا أن نتكلم عما لم يأت فى القرآن ، كما ليس لنا أن نفترض شيئا ثم نبحث عن دليل له فى القرآن ، لأن هذا يجعلنا نلجأ الى الانتقاء وتحريف معانى القرآن لتتفق مع أهوائنا. الذى يتدبر القرآن لا يبدأ بفكرة مسبقة يحاول إثباتها بالقرآن فينتقى ما يراه من ظاهر الآيات متفقا معها ويتجاهل غيرها من الايات. الذى يتدبر القرآن ــ مبتغيا رضوان الله جل وعلا وحده بلا أى هوى أو غرض دنيوى ــ يحسّ بمسئولية ما يكتب وما يقول ، لأنه سيؤثر على الآخرين ، قد يضلُّون بما يقول . لذا يجتهد متدبرا دون أن يزعم إمتلاك الحقيقة ، بل يؤكّد على أن ما يقوله وجهة نطر تقبل التصويب ، حتى يُخلى مسئوليته مقدما ، وحتى يشجّع الآخرين على النقاش وعلى المزيد من التدبّر . ونحن لا زلنا جيل الحوار . ونحتاج حوار قرآنيا نظيفا نقيا يبتغى رضا الرحمن جل وعلا.
2 ـ من خلال التدبر القرآنى فى موضوع النفس ، نضع آيات القرآن الكريم (إماما ) لنا ، نسير ( دُبُر الآيات ) فهذا هو التدبر ، نسير خلفها نتفكر ونتدبر ، فالقرآن لنا هو ال ( إمام ) الذى به نهتدى.
3 ـ ندخل فى موضوع جديد عن البصمة الوراثية للنفس . يحتاج الموضوع الى مقدمات ، ونرتبه كالآتى :
أولا : التركيز على الجسد المادى يؤدى الى إنكار بعث الأنفس
1 ـ التركيز على أن الانسان مجرد جسد دفع الجاهليين الى إنكار البعث ، فتساءلوا كيف يحيى الله جل وعلا العظام وهى رميم (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴿٧٨﴾ يس ) وجاء الرد من رب العزة جل وعلا : ( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴿٧٩﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ﴿٨٠﴾ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴿٨١﴾ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴿٨٢﴾ يس )
2 ـ هذا التركيز على أن الانسان مجرد جسد جعلهم يتساءلون : هذا الجسد سينتهى ويضيع فى الأرض فكيف يكون البعث : ( وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ﴿١٠﴾ السجدة ) . وجاء الرد من رب العزة جل وعلا : ( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴿١١﴾ السجدة ). أى إن النفس يتوفاها ملك الموت المختصُّ بها ، ثم يكون بعثها. فالحديث هنا ليس عن الجسد ولكن عن النفس. هى التى تذوق الموت وتموت ، وهى التى يتوفاها ملك الموت ، وهى التى يتم بعثها.
ثانيا : التركيز على القبور المادية يؤدى الى إنكار القبور البرزخية :
هذا يدخل بنا على نوعى القبور .
1 ـ هناك قبور مادية للجسد المادى فى هذه الأرض المادية .
1 / 1 : قال جل وعلا : ( وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّـهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ ﴿٢٢﴾ إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ ﴿٢٣﴾ فاطر ) هنا جاء لفظ ( القبور ) يدل على القبور المادية التى لا يستطيع الموتى أن يسمعوا شأنهم شأن الكافرين المعاندين.
1 / 2 : وهناك القبور المادية المقدسة والتى يعبدها الجاهليون ــ ولا يزالون ــ ولم يرد هنا لفظ القبور ، فهو مفهوم من السياق ، ولأن التركيز هنا على أن الجسد المقبور هنا تحول ترابا لا يسمع ولا يعى .
1 / 2 / 1 : قال جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٩٤﴾ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ﴿١٩٥﴾ الاعراف )
1 / 2 / 2 : وقال جل وعلا : (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿٢٠﴾ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿٢١﴾ النحل )
1 / 2 / 3 : هذا الجسد المادى قد تحلل فى الأرض وعاد الى مكوناتها وعناصرها ، وحتى فى تحلله هذا يكون بعلم الله جل وعلا ، وهذا يشمل النفس التى بعد تحلل جسدها يتم حفظها مع كتاب أعمالها الذى يحفظ ويؤرشف سيرتها الدنيوية بعد فناء جسدها ، وهذا فى : ( كتاب حفيظ ) . وهذا ما لم يعرفه الجاهليون حين قالوا : (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴿٣﴾ ق ) وجاء الردُّ عليهم : ( قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴿٤﴾ ق ) . وهو نفس قولهم : (أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ﴿١٠﴾ السجدة )
2 ـ وهناك قبور برزخية لأنفس الموتى فى البرزخ . وفيها قال جل وعلا :
2 / 1:( إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ ﴿١﴾ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ ﴿٢﴾ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ﴿٣﴾ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴿٤﴾ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴿٥﴾ الانفطار ). عند قيام الساعة تكون قبور بلايين البشر قد زالت فعلا وتحولت الى تراب ، فالحديث هنا عن القبور البرزخية عندما تتبعثر ، وعندها تعلم كل نفس من كتاب أعمالها ما قدمت وما أخرت.
2 / 2 : ( أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ﴿٩﴾ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴿١٠﴾ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ ﴿١١﴾ العاديات ). السياق هنا عن بعثرة القبور البرزخية وعندها يتم تحصيل كتاب الأعمال الذى سجّل ما كان فى الصدور.
2 / 3 :( ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴿٢١﴾ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ ﴿٢٢﴾عبس ). (أقبر) هنا بمعنى ( أخفى ) . والقبر المخفى هو الذى للميت فى البرزخ.
2 / 4 : ( ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴿٦﴾ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّـهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ ﴿٧﴾ الحج ). السياق هنا عن البعث وإحياء الموتى وبعث أنفس الموتى من قبورهم البرزخية.
ثالثا : التركيز على الجسد المادى يؤدى الى إنكار ملائكة البرزخ الذين يقومون بتسجيل وحفظ الأعمال. قال جل وعلا :
1 ـ ( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖوَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ﴿٦١﴾ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّـهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ) ﴿٦٢﴾ الانعام ) الله جل وعلا يرسل ملائكة ( حفظة ) تحفظ أعمالنا حتى يحين الموت ، وعند الموت تتم توفية عمره وعمله ، أى يتم ( حفظه ) مسجلا فى كتاب أعماله.
2 ـ ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴿١٠﴾ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴿١١﴾ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ )﴿١٢﴾ الانفطار ). وصف ملائكة تسجيل وحفظ الأعمال بأنهم الحافظون الكاتبون الذين يعلمون ما نفعل.
3 ــ (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّـهِ )﴿١١﴾ الرعد) ملائكة ( الحفظ ) موصوفون بأنهم ( معقبات ) أى بمجرد العمل يعقبونه بالحفظ والتسجيل ، وهذا ( من امر الله )، اى تنفيذا لأمر الله جل وعلا.
4 ـ (إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴿٤﴾ الطارق ) . أى هذا يشمل كل نفس بشرية .
5 ـ ( إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴿١٧﴾ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴿١٨﴾ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ )﴿١٩﴾ ق ). وهذا الحافظ هما إثنان من الملائكة ( رقيب وعتيد )عن اليمين والشمال ، يسجلان ويحفظان كل بادرة ، يواصلان عملهما الى أن تحين لحظة سكرات الموت .
رابعا : آلية تسجيل الأعمال
1 ـ قال جل وعلا : (وَاللَّـهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ۚ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ۚإِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ ﴿١١﴾ فاطر). قلنا إنه بمجرد ولادة الطفل يأتى ومعه وعاءان ، أحدهما ممتلىء بعمره المحدد له سلفا أن يعيشه فى هذه الدنيا ، والوعاء الآخر هو ما يصدر عنه من فعل وصوت وقول وحركة. ويبدأ العدُّ التنازلى لحياته بمجرد ولادته ، وكل ثانية يعيشها تنزلق من وعاء عمره تسقط فى وعاء عمله ، أى يتناقص وعاء العمر ثانية ثانية ويزيد وعاء العمل ثانية ثانية ، وفى وعاء العمل يتم حفظ كل شىء من أول صرخة يطلقها المولود الى آخر شهقة قبل موته وتوفية عمره وتوفية كتاب أعماله.
2 ـ تموت النفس وترجع الى البرزخ الذى أتت منه ، وعند قيام الساعة وتدمير هذا العالم بأرضه وبرازخها وسمواته وبرازخها تنتقل الأنفس من برزخها الأرضى الى اليوم الآخر يوم البعث ، قال جل وعلا عن تدمير العالم وقيام الساعة : ( إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ ﴿١﴾ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ﴿٢﴾ الانشقاق ) وعن حال الأرض وبرازخها قال جل وعلا : ( وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ﴿٣﴾ وأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ﴿٤﴾ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴿٥﴾ الانشقاق )، أى تطيع الأرض أمر ربها فتمتد وتتخلى عما فيها من أنفس فى برزخها. بعدها يقول جل وعلا عن كتاب الأعمال : ( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴿٦﴾فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴿٧﴾ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴿٨﴾ وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴿٩﴾ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ﴿١٠﴾ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ﴿١١﴾ وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا ﴿١٢﴾ الانشقاق ).
3 ـ وعن نهاية العالم وقيام الساعة يقول جل وعلا : (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴿١﴾ وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ ﴿٢﴾ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴿٣﴾ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴿٤﴾ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴿٥﴾ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴿٦﴾ التكوير ) بعدها يقول جل وعلا : ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴿٧﴾ التكوير). النفوس تتزاوج مع عملها .
4 ـ وعن تدمير العالم والأرض وبرازخها قال جل وعلا:( إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴿١﴾ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴿٢﴾ الزلزلة ) ليس المقصود بالأثقال هنا الجبال المادية ، لأن هذه الجبال عند تدمير العالم ستكون مثل الصوف المنفوش ، قال جل وعلا : ( يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ﴿٨﴾ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ﴿٩﴾ المعارج ) ( وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ﴿٥﴾ القارعة ) ، أو تكون مثل الرمال المنهارة ، قال جل وعلا: (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا ﴿١٤﴾ المزمل ) . فالأثقال هى كتب العمال المثقلة بما فيها.
نرجع الى سورة الزلزلة ، قال جل وعلا : ( وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا ﴿٣﴾ الزلزلة ) أى يتساءل الانسان عند البعث عما حدث . ثم يقول جل وعلا عن هذه الأرض التى تدمرت ببرازخها : ( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴿٤﴾ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا ﴿٥﴾ الزلزلة ). أخبارها أى كتب الأعمال التى كانت مخفية فيها ، وهذا بوحى الرحمن جل وعلا. بعدها الحديث عن الحشر : ( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ﴿٦﴾فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿٨﴾ الزلزلة )
5 ـ وتأتى الأنفس يوم القيامة تحمل عملها ، قال جل وعلا عن الظالمين : ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّـهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴿٣١﴾ الانعام ) . هم يحملون أوزارهم على ظهورهم. العمل السىء يكون أثقالا لصاحبه ، قال جل وعلا عن الكافرين : (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ۖ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴿١٣﴾ العنكبوت )
خامسا : ماهية البصمة الخاصة بالنفس البشرية
1 ـ قلنا أنه من نفس واحدة ( آدم ) جاءت نفس حواء ، خلق الله جل وعلا الأنفس مرة واحدة ، كان نفخ نفس آدم أولا ، ثم منها نفس حواء ومنهما تتالت وتناسلت الأنفس الأخرى ، قال جل وعلا : ( النساء:1 )( الاعراف 189 ) (الزمر:6 ). وكل نفس تدخل الجنين الخاص بها فى الموعد المحدد ، وتدخل إختبار الحياة ، ثم تموت تفارق جسدها المادى وتحمل عوضا عنه جسدا آخر هو عملها الذى تم تسجيله. ثم يكون البعث عملية عكسية للخلق ، قال جل وعلا : (مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) لقمان:28 ).
2 ـ ولكن مع الخلق من نفس واحدة وإعادة الخلق بالبعث كنفس واحدة فإن لكل نفس بشرية خصوصيتها . قال جل وعلا : ( وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ) الأنعام:98 ). أى كل نفس تحمل فى داخلها مستقرا لأنفس أسلافها ، وتكون هى مستودعا لأنفس نسلها. وبين هذا وذاك تكون هى فريدة بعملها . هذا يدخل بنا على ماهية البصمة البرزخية للنفس البشرية .
3 ـ يقول جل وعلا ردا على من ينكر البعث : ( أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴿٣﴾ بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴿٤﴾ القيامة ). أى يكون البعث بناءا على بصمة البنان ، أى بصمة الأصابع . ونعرف أن النفس تأخذ شكل جسدها بدليل أن الناس يوم القيامة يتعارفون ويفر الفرد من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه. بالتالى تكون للنفس وجه صاحبها ، وملائكة الموت يصفعون وجه نفس الكافر ويضربون مؤخرته ( الأنفال 50 )( محمد 27 ). بالتالى تكون له بصمة أصابع هى نفس بصمات اصابع جسده المادى الذى كان وانتهى .
4 ـ وأصبح معلوما أن لكل جسد مادى بصمات أخرى غير الأصابع ، وأحدثها بصمة ال دى إن إيه. أو البصمة الوراثية . ومنها يمكن إثبات نسب الشخص الى أبيه وأمه . أى إن البصمة الوراثية تحمل مشتركات كثيرة من الأسلاف من ناحية الوالدين ، ولكن تظل بصمة لصاحبها ( جسد صاحبها ) فريدة ومتميزة عن كل البشر حتى الوالدين . هذا يذكرنا بقوله جل وعلا عن النفس البشرية :( وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ) الأنعام:98 ). وبالبصمة الوراثية تطورت تكنولوجيا البحث الجنائى ، لم يعد البحث قاصرا على بصمات الأصابع فى مسرح الجريمة ، بل تعدى هذا الى البحث عن ال دى إن إيه ، أو البصمة الوراثية ، فوجود الانسان فى مكان ما معناه أن يترك بعض ال دى إن إيه الخاصة به. وتكون دليلا على مرتكب الجريمة .
5 ـ بمعنى آخر أن عمل الانسان المادى يخلّف وراءه أثارا من بصمته الوراثية . هذا فى الدنيا وفى عالمنا المادى . فكيف بعمل الانسان الذى يتم حفظه وتسجيله وأرشفته فى البرزخ ؟ يقول جل وعلا : ( وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ﴿١٣﴾اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴿١٤﴾ الاسراء ). حين تتحرك يدك تترك آثارا يمكن تصوير حركتها بكاميرات بالغة الحساسية بعد إنتهاء هذه الحركة . وهذا ايضا فتح جديد فى الاختراعات الحديثة. الذى لم يصل اليه العلم بعدُ هو أن حركة اليد هذه ( تطير ) ليتم تسجيلها وحفظها فى كتاب الأعمال . ويظل كتاب الأعمال مفتوحا يستقبل كل ما يصدر عن الانسان من حركة أو صوت أو نبض أو قول الى لحظة الوفاة والموت ، ويوم القيامة يرى كتاب أعماله منشورا ، ويقال له : إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبأ.
6 ـ وأذا كان عمل الانسان المادى يحمل بصمته الوراثية ويمكن بها كشف مرتكب الجريمة فإن نفس العمل الذى يتم تسجيله فى كتاب أعمال النفس فى البرزخ يحمل ال دى إن إيه الخاصة بهذه النفس وهى نفس ال دى إن إيه الخاصة بجسد هذه النفس .
8 ـ ويوم القيامة يتم تزويج هذه النفس بعملها الذى يحمل بصمتها ، قال جل وعلا :( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴿٧﴾ التكوير).





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,049,219,142
- ليس الجسد البشرى حُرّا ولكنها النفس البشرية
- أنواع النفس البشرية : ( النفس اللوامة ) و ( النفس الأمارة با ...
- النفس البشرية هى مركز الادراك وليس المخ
- الإستعمال المجازى للنفس
- عن الملائكة وآدم وابليس والنداء
- الجسد والنفس :
- عن ابليس والشيطان والمحمديين .. و ( الله أكبر ).!!
- تربية الطفل بين مصر وأمريكا
- مساجد الضرار من تانى
- كتاب ( البرزخ ) : الكتاب كاملا
- البرزخ ويوم الجمع ( يوم القيامة )
- القاموس القرآنى : ( الأرحام )
- معضلة الزمن فى اليوم الآخر
- البعث وانتهاء علاقتنا بالبرزخ
- علاقتنا بالبرزخ
- ( وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) يعنى : تبليغ ال ...
- تدبر القرآن ليس مهمة النبى عليه السلام
- الأحياء فى البرزخ
- لا جديد تحت شمس المحمديين: من بجكم التركى الى معمر القذافى
- البرزخ بين الموتى ومن يُقتل فى سبيل الله جل وعلا


المزيد.....




- الجزائر.. أحزاب إسلامية ترد على دعوة -العدالة والتنمية- المغ ...
- فرنسا تفرج عن حفيد مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا بكفالة
- صلاة الغائب على خاشقجي الجمعة بالمسجدين الحرام والنبوي
- الغارديان: إرث -الدولة الإسلامية- الذي يهدد سكان الفلوجة
- -الإخوان- يهاجمون وفدا حكوميا مصريا في لندن.. ومسؤول يكشف لـ ...
- السيسي يقرر إطلاق اسم ضابط مات في لندن على أشهر ميدان احتشد ...
- دار الإفتاء المصرية تلجأ للرسوم المتحركة لمكافحة أفكار المتط ...
- الغارديان: الألغام، إرث -الدولة الإسلامية- الذي يهدد سكان ال ...
- مصالحة تاريخية بين خصمين مسيحيين في الحرب الأهلية اللبنانية ...
- مصالحة تاريخية بين خصمين مسيحيين في الحرب الأهلية اللبنانية ...


المزيد.....

- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد صبحى منصور - كتاب أعمال النفس هو بصمتها الوراثية