أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ارام محاميد - الدين بين فكي التاريخ والحداثة















المزيد.....

الدين بين فكي التاريخ والحداثة


ارام محاميد

الحوار المتمدن-العدد: 5969 - 2018 / 8 / 20 - 18:28
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



"I would have written a shorter letter, but I did not have the time"

Blaise Pascal

(أصعب ما واجهني أثناء كتابة المقال هو اختيار العنوان, فالدين ونظرا للعوامل التاريخية التي رافقت نشأته, يمكن دراسته من ثلاثة اتجاهات هي التاريخ والايدولوجيا والعامل الاجتماعي، بدون فصل واحدة من هذه الثلاثة العوامل عن الثانية. وهنا لا أدعي بأي شكل من الأشكال أنني أغطي موضوعا عمره آلاف السنين في هذه الأسطر القصيرة)

"إن الكائن الإلهي ليس سوى الكائن الإنساني، أو بالأحرى، الطبيعة الإنسانية وهي خالصة ومتحررة من كل قيود الإنسان الفرد، مجعولة موضوعية، أي متأمل فيها ومحترمة باعتبارها وجودا منفصلا. الإله هو تأليه الطبيعة الإنسانية" (لودفيغ فيورباخ)

ان المنشأ الأساسي للدين هو الانسان ولكن ليس الانسان الفرد المفصول عن المجموعة، وفي أحسن الحالات لو استطاع قائد فذ عبقري فرض رأيه على المجموعة، فانه حتى لو حافظ على فكرته الأصلية فسيسعى الى تعديل بعض من فروعها ارضاء للمجموعة ويحافظ على الأصل.

الدين هو ايدولوجيا العالم القديم والتصور الديني هو تصور نابع من العالم المادي ولنعطِ مثالا هنا وهو الفايكنغ (نقلا عن جون كيرشر): "لم یكن الفایكینغ یؤمنون بإله واحد، بل بعدّة آلهة وإلاھات. كان رئیس آلهتهم یدعي أودِن... وابنه ثور Thor, إله الرعد، الذي كانوا یجسّدونه بصورة محارب شدید البأس في منتصف العمر. كان مفتول العضلات ویحمل بیده مطرقة عظیمة". من أين للفايكنج أن يأتوا بهذه التصورات الدينية عن الالهة غير بيئتهم التي عاشوا فيها؟. هنا قدمت مثالا واحدا ولكن لمن يريد أن يقرأ بتوسع أكثر بامكانه أن يقرأ موسوعة أستاذنا فراس السواح وخصوصا المجلد الأول الذي يتحدث فيه عن معتقدات الانسان البدائي قبل نشوء الدولة. ذاك الذي عبد النسور والأفاعي واستخدم الكهوف كأماكن عبادة.
هذا المثال ليس الا مثالاً بسيطاً وبامكاننا أن نعطي أمثلة أكثر من خلال الاغريق والأولمب والنرويجيين. لكنني أريد أن أخص بالذكر هنا الأديان الثلاثة التي نعاني منها كل يوم (اليهودية, المسيحية, الاسلام) فمن المفهوم ضمنا أن المسيحية هي نسخة محدثة من اليهودية تكيفت مع ظروف جديدة، أما الاسلام فهو نسخة مشوهة من اليهودية والمسيحية احتاجها العرب لتكون أيدولوجيتهم. ولا أدَلَّ على هذا القول من قصة (أسطورة) سليمان في القران حيث يبعث سليمان بكتاب الى ملكة سبأ (كما من المفترض أن محمد قد فعل مع كسرى) يطالبها أن لا تعلو عليه وتأتيه مسلمة هي وقومها (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) - (سورة النمل اية 29-31) هنا نرى بوضوح كيف أن مؤلف القران جعل سليمان القران نقيضا لسليمان كتاب اليهود والمسيحيين الذي حاور ملكة سبأ بالحكمة والموعظة الحسنة بدون تهديد ووعيد. النقطة المهمة التي أريد أن أركز عليها هي أن القران وجد في بيئة كما أخبرونا كان مصدر رزقها الرئيسي هو التجارة والغزو، ونرى أن سليمان قد استولى على تلك القرية بحسب القران : (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ) - (نفس المصدر اية 34-37) من المؤكد أن هذه القصة لم تحدث ولا يحزنون في التاريخ كله ولكن ما نود تأكيده منها هو أن العرب جعلوا سليمان اليهودي نسخة منهم في تصرفاته ومنحوه أيضا بعض الخوارق التي حرمه منها اليهود في كتابهم وذلك يعود الى كون الانسان عند كتابته رواية فانه ينطلق من أعماقه وما يدور في خلده ويعطي لشخصية البطل صفات يتمناها لنفسه ويعجز عن امتلاكها. في قصة سليمان القرأنية يبدو جليا أن المؤلف - سواء كان محمداً أو غيره - جسد رجل التوراة الحكيم سليمان بثوب رجل يخرج أعداءه من قراهم وهم صاغرون (بماذا تذكركم مسألة الذل والصَغَر؟ - أ.م) ويطلب منهم الاسلام كما من المفترض أن محمد بعث لكسرى في رسالته "أسلم تسلم". ولكن مؤلف القصة القرأنية منح سليمان السلطة على الجن والطير التي تسهل عليه "هداية" الاخرين الى الاسلام واخراجهم من قراهم وهم أذلاء (هل كان محمد أو أيا كان مؤلف القصة يتمنى مثل هذه السلطة؟)

احتاج العالم القديم الى الدين لثلاثة أغراض رئيسية (القمع, الأفيون, التمرد). فكلما تطور المجتمع والدولة قلت الحاجة الى الدين في مؤسسات الدولة. وعندما تتطور أدوات قمع الدولة بما فيه الكفاية لتتمكن من السيطرة على جميع الرعايا تزول الحاجة لوسيلة قمع روحية.

أريد قبل تكملة النقاش أن أكرر تسلسلا كنت قد وضعته لمراحل علاقة الدين بالدولة قبل ظهور ما نسميه اليوم بالدولة العلمانية :
(1).رأس الدولة هو الله نفسه كما في الحالة الفرعونية
(2) تواضع رأس الدولة قليلا وأصبح نبيا كما في حالة داؤود وابنه سليمان
(3) رأس الدولة هو خليفة الله كما في الحالة الاوروبية أو خليفة النبي كما في الحالة الاسلامية
(4)الحكم بالحق الالهي

القمع والتمرد هما نقيضان وجود احدهما يشترط وجود الاخر وزوال أحدهما يعني زوال الاخر. فعندما كان أفراد من رعايا الدولة يريدون التمرد (او الثورة) والتغيير فإما أنهم كانوا يخرجون بنسخة معدلة من الدين نفسه أو يخرجون بدون جديد وهنا حتى لا نفهم خطأ فاننا لا نحتكر امكانية تغير الدين (او الدين الرسمي) فقط بالتمرد والحركات الاجتماعية والشعبية بل من الوراد وربما في معظم الحالات لم تكن الأديان تتغير بالكامل الا ابان الفتح والغزو.
- الصراع في الحضارات القديمة

من تاريخ الصراعات في حضارات بلاد ما بين النهرين حتى حمورابي:

"كرس تشريع أسرة أور الثالثة (من ملوك سومر) تطور الملكية الفردي،. والتيار الاخر هو اقتصاد القصر. واستمرارا لسياسة أسلافهم احتل ملوك الأسرة الثالثة أراضي المعابد وأخضعوها كليا لارادتهم... ان توطيد الاقتصاد الملكي وملكية الملك العقارية ساهمت بمركزة البلد سياسيا وكانت سلطة الحكام في مدن سومر وأكاد عمليا باطلة اذ لم يكونوا الا موظفين يعينهم ويسرحهم عاهلهم. وهكذا أطلق طلقة الرحمة على سلالات النبالة القديمة. ولإرساء سلطتهم أله ملوك أسرة اور الثالثة أنفسهم...... كانت عيلام التي ما تزال تعترف بسلطة ملوك أور قد استعادت استقلالها وانتقلت الى الهجوم. وفي الغرب تغلغلت قبائل رحل من الصحراء السورية, كان أفرادها يتكلمون احدى اللهجات السامية العمورية. وفي العام 2007 قبل الميلاد هدم العيلاميون المدن السومرية وسجنوا آخر ملوك الأسرة ثم أسس العموريون في مدن أكاد وسومر عدة أسر مستقلة... واستفاد ملوك بابل من الخبرة الادارية والسياسية التي كونها ملوك أسرة أور الثالثة وملوك ايزين ولارسا. وقد تحقق هذا بوضوح فريد فيما يخص الحق. فقانون حمورابي عكس كثيرا من شريعة لييتشتار. فنصوص البيع والشراء والدين حافظت على الصيغ والعبارات السومرية. وخلقت ايديولوجيا جديدة لتبرير التصرف المطلق وأرسيت عبادة جديدة في كل أنحاء الامبراطورية : عبادة مردوخ الاله الأعظم. وكان مردوخ سابقا اله بابل وبعون كهنته ومساعيهم خلقوا له أساطير جديدة أضيفت الى الخرافات السومرية القديمة فأحيتها، وهكذا صار مردوخ الاله الأعظم".
هذه الفقرات التي اقتبستها اختصرتها من كتاب الحضارات القديمة لكل من (ف.دياكوف، س.كوفاليف). أما الفكرة الرئيسية التي نريد أن نؤكدها فهي عدم بزوغ فجر دين جديد الا ابان الفتح. شريعة حمورابي تطرقت الى حياة الناس المادية بشكل كبير حيث تتألف شريعة حمورابي من ثلاثة أبواب رئيسية : "مقدمة, متن, خلاصة." ويضم التشريع 282 مادة ضاع منها 33 بسبب التلف وتطرق التشريع الى الجرائم, الأسرة, الملكية, الميراث والالتزامات وعدة مواد عن الحق العام واخرى للعبودية.

المانوية : "استمر الخط السياسي المزدهر للمانوية بضع سنوات فقط. فقد بدأ العداء لدين الدولة الرسمي بالتزايد وهو الزرادشتية حيث قام الاكليروس المجوسي بزعامة كبير الكهنة النافذ قيردير حملة ضد المانوية وذلك من خلال كنيسة وطنية تتمتع بروح قومية غيورة وأرثوذكسية صارمة... فصورت المانوية على أنها تهديد جدي وصولا الى الحقبة المسيحية. لذلك تكرر اتخاذ الاجراءات القمعية من قبل السلطات الامبراطورية الرومانية والكنيسة ولا سيما من جانب البابا لاون الكبير (445م). وقد أحس الامبراطوران جوستين وجوستنيان بالحاجة لاصدار قانون ينزل عقوبة الموت بكل من يتبع تعاليم ماني".

مصر القديمة :
عاشت الامبراطورية المصرية قرابة ألفين وخمسمئة عام ولم تنهَر الا ابان الغزو الفارسي لمصر على يد قورش. وهنا بامكاننا أن نكتفي بالقليل من تاريخ الصراعات الاجتماعية في مصر ونقول أن مصر القديمة كان الصراع فيها بين الاسر المالكة التي تناحرت فيما بينها طوال الألفين وخمسمئة عام. وككل دولة امتدت لعقود طويلة مرت عليها مراحل قوة ومراحل ضعف. أما الدين نفسه، وهو ما يهمنا هنا، فلم يتغير بالكامل من الداخل بل كان يتم تعديله وتطويره بما يتناسب مع حاجات الدولة وظروفها. وهنا نلجأ الى استاذنا فراس السواح وندعه يحدثنا عن تاريخ الدين في مصر القديمة :
"يقيم الاله في معبده الذي هو بمثابة القصر مع زوجته وابنه ويضم أحيانا الهة اخرين ممن يسمح لهم بالاحاطة به وهو لا يسمح الا للفرعون الذين يدعوه بابنه بالمثول أمامه. ولكن بما أن فرعون لا يستطيع ممارسة مهماته الدينية في كل مكان فقد أناب عنه الكاهن الأعلى في كل معبد ليقوم بالاشراف على الصلوات واقامة الطقوس بينما لعب بقية الكهنة والكاهنات دور الجهاز الاداري الذي يشرف على تسيير شؤون مملكة الاله" - "وعلى غرار كل الشعوب القديمة رأى المصريون في كل شيء نتاجا لتدخل اله ما ولا يوجد شيء غير قابل لاحتواء قوة فوق طبيعانية، وهذا ما أدى الى زيادة غير طبيعية في عدد الالهة حتى أن قائمة من عهد تحوتمس الثالث قد عددت قرابة سبعمئة منهم". ما نريد أن نؤكده هو أن ازدياد عدد الآلهة في عهد تحتمس الثالث قد تناسب مع توسع الامبراطورية المصرية. والامبراطورية مع توسعها تحتاج الى توسيع أدواتها القمعية التي كانت هي الدين في ذلك الزمن. لذلك من الطبيعي أن تكون الزيادة في عدد الالهة هي التعبير عن توسع نفوذ هذه الامبراطورية ورقعتها الجغرافية.

**
- الدين والمتدينون في الدول العلمانية

الشواهد التي ذكرناها من العالم القديم تكفي لندلل على كيفية توصلنا الى ما ذكرناه سابقا حول الدين واستعمالاته. ومن هنا ننتقل الى الدول ما بعد الدينية أي الدول التي نسميها اليوم بالدول العلمانية. والعَلمانية حسب معجم روبير، هي بفتح العين: "تعني العالم المادي الذي نعيش فيه، فيقتصر اهتمامها على مشاكل المجتمع و الاقتصاد والسياسة والبيئة.. إلخ، وكلها اهتمامات أرضية، مقابل العالم السماوي أو الغيبي الذي لا يمكن النفاذ إليه لمعرفته و بحثه ودرسه، لذلك تحيل العالم الغيبي إلى الإيمان القلبي دون تدخل فيه، ودون أن تقول فيه كلمة رفض أو إيجاب".
مع فناء الدين كأداة قمع وكأيدولوجيا تعبر عن الطبقة الحاكمة بقي الدين، وبالتحديد تلك التي بقيت وصمدت أمام الأديان الاخرى في العالم القديم ولم تضمحل, وفي معظم الدول العلمانية الحديثة بقي الدين مع تغير استعماله. فالدين في الدول الحداثية التي نهضت ونفضت غبار العالم القديم عن نفسها يقتصر دوره على كونه شاهداً على تاريخ هذه الدول وهذه الشعوب, وهناك دول وشعوب (بمعظمها) تحب تاريخها وتفتخر به مثل تركيا. لذلك لا يكون نقد الدين عندها بتلك الحدة والضراوة. وهناك دول لم ترحم دينها ولم تحابِ تاريخها بل انتقدته بشكل لاذع لا هوادة فيه مثل الدول الأوروبية .

أما فيما يتعلق بالمتدينين للغاية في الدول العلمانية فعادة ما يتواجدون بفعل ثلاثة مسببات (وربما أكثر) :

1. العامل الجغرافي : ونخص بالذكر هنا أهل الأرياف حيث تعتبر الأديان والأرياف اخر ما تبقى من العالم القديم. فبيئة العالم القديم تتواجد في الأرياف ما يجعل الطبيعي في الريف هو التدين والشاذ هو عدمه، وان تأثر الريف بالشكل العام للدين السائد في عموم الدولة. ولنا هنا أن نضع مثالا عن "تعلمن" وتطور احد الأرياف القديمة (أنقرة) وتحولها من قرية هامشية الى مدينة عصرية : "نقلَ العاصمة الى أنقرة وبنى أنقرة الجديدة وشق الشوارع العريضة وطور الزراعة وأنشأ الحدائق العامة الكبيرة حتى لا تبقى الطبقات الفقيرة معزولة عن مناطق الراحة والاستجمام وأنشأ العديد من المسارح والمستشفيات والملاعب الرياضية فحول المدينة من قرية تافهة الى مدينة عصرية ...ربط القرى بشبكة واسعة من الطرقات لتسهيل نقل المحاصيل الزراعية الى المدن بأقل كلفة ممكنة وشيد المستشفيات في مراكز الولايات وانشأ السدود وأمد الأراضي الزراعية بشبكة واسعة من أقنية الري كما أنشأ في عام واحد خمسة عشر ألف سبيل وزعها على مختلف القرى وأنشأ التعاونيات الزراعية وادخل الالات الحديثة في الزراعة" (من سيرة حياة أتاتورك التي كتبها السفير اللبناني في تركيا سابقا مصطفى الزين).

2. الصراع اليومي للانسان : الانسان يخوض كل يوم صراعا ويكافح من أجل حاجاته الانسانية وأثناء هذا الصراع المادي يحدث صراع بين الانسان والأفكار والأيدولوجيات فيكون هذا العامل هو أحد عوامل تدين أي انسان. وان كان هذا هو في نظري العامل الأضعف خصوصا في بيئة "علمانية".

3. الصراع الطبقي وتطور القوى المنتجة : التطور في المجتمع هو تطور القوى المنتجة بفعل الصراع الطبقي. واليوم في ظل العولمة يشكل قطاع الخدمات ما نسبته 70% داخل اقتصادات الدول وما يميز قطاع الخدمات هو فردية الانتاج التي تؤدي الى عودة علاقات الانتاج ما قبل الرأسمالية, هذه الظاهرة تؤدي لتاكل عوامل الوحدة بين شرائح المجتمع ما يشجع الانقسام داخل المجتمع لشتى الأسباب (عرقية, ايمانية, لغوية, جندرية, مهنية...) وبعودة علاقات الانتاج الى علاقات انتاج ما قبل الرأسمالية (عصر النهضة) تجد الحركات الرجعية وما نسميه بكتل اليمين مساحة لتطفو على السطح ما يشجع التدين داخل المجتمعات الحديثة, وكتل اليمين هذه وان اهتمت بالانسان كانسان مستقل عن المجموعة فانها لا تستطيع أن تنكر المجموعة لذلك فان اليمين بطبيعته شعبوي يختار شعبا ومجموعات معينة من داخل المجتمع لتكون قاعدته الجماهيرية. وما شكل الرادع أمام عودة الشعوب الأوروبية الى عصور التخلف الديني هو العلوم التي ملأت الفراغ الاجتماعي في ظل المجتمع المفكك - (نحن طفت على السطح عندنا الأسلمة والطريح الى الجنة)

- بلداننا المتدينة :

أجد نفسي هنا مضطرا لاعادة فقرات كاملة من مواضيع كتبتها سابقا مع تعديل بضعة فقرات أدركت اليوم خطأ ما ورد فيها.
بعد انهيار الدولة العثمانية (الأقل من اقطاعية) قامت الامبريالية باحتلال المنطقة فهيأت جوا جيدا لثورة برجوازية لم تكتمل، بل انهارت مع انهيار المعسكر الوطني وبرزت مكانها عصابات حاكمة في البلدان "الاسلامية" التي عاشت في ظل الانتداب الأنجلو فرنسي. وفي الشق الاخر (الخليج العربي) جاءت الى الحكم أسر وقبائل، فأوقف صعود عصابات تحكم مكان طبقة من داخل المجتمع حالة التطور في هذا المجتمع وحلت مكانه حالة من الجمود والثبات. ومن طبيعة المجتمع الجامد أنه يحول كل ما هو ايدولوجي فيه الى جامد: من الأخلاق إلى الدين فالعادات فالتقاليد. اي لا يمر الدين بحالة من المرونة كما حدث مع المسيحية في الغرب أو مع الاسلام في تركيا واسيا الوسطى والبلدان التي التهبت الحركة البرجوازية الوطنية فيها ولو لفترة قصيرة كمصر وسوريا والعراق وتونس. هذه البيئة من الجمود والتي كما قلنا تمنع الدين أن يكون مرنا وتجعله مجرد نصوص ثابتة وتعيده كما كان في منبعه تهيئ بيئة خصبة لـ"الأصوليين" كي يسيطروا على كل مجتمع تكون فيه العواطف الدينية هي الأقوى.

لم يكن قادة مصر والعراق وسوريا وتونس في تلك الحقبة غير مسلمين بل كانوا مشغولين بمشاريعهم الوطنية والاجتماعية التي قادت المجتمع الى الأمام واجبرت الدين على أن يواكب العصر والتاريخ.
ذكرنا سابقا أن سيادة قطاع الخدمات في الدول المتطورة أدى للانقسامية وتآكل الطبقات في مجتمعات ما بعد الحداثة. أما في بلداننا فهذه الطبقات لم تكمل مسيرة تطورها فاضمحلت تقريبا وأصبحت مجتمعاتنا عاجزة طبقيا (العجز الطبقي). وفي مجتمعات كمجتمعاتنا التي تعرف تاريخها فقط مما هو ظاهر ترسخ ما يعرف بالـتاريخ "الديني". ومع هزيمة الحاضر من عادة الشعوب أن تريد استعادة انتصارات ماضيها "الديني" الأقرب الى وجدانها.

العوامل السابقة التي ذكرتها (الانقسام والجمود) ادت الى أن يكون الدين هو ايدولوجيا التخلف. ففي ظل مجتمع منقسم الى طوائف دينية تريد أن تكون كما كان "الأصل"، فيصبح الدين هو الحكم. فان كان يقبل الدين الفلاني بx فعلوه وان لم يقبله تجنبوه، وهذا عكس التطور. ففي المجتمعات التي تتطور باستمرار يحدث العكس. فتعارض الدين مع مسألة y يوجب على الدين أن يتكيف معها وليس على المسألة y أن تتكيف مع الدين

**

"ان الإنسان يصنع الدين ، وليس الدين هو الذي يصنع الإنسان . يقيناً، ان الدين هو وعي الذات والشعور بالذات لدى الإنسان الذي لم يجد بعد ذاته , او ذاك الذي فقدها . لكن الإنسان ليس كائنا مجردا جاثما في مكان ما خارج العالم . الإنسان هو عالم الإنسان: الدولة , المجتمع . فهذه الدولة وهذا المجتمع ينتجان الدين" (كارل ماركس)





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,328,994,458
- قرار تقسيم فلسطين والتبعية لموسكو - حوار مع سلامة كيلة 2
- طول الصراع (كطول المقال), الحزب الشيوعي الاسرائيلي, الشيوعيو ...
- كلاسيكيات الماركسية والمسألة القومية
- عن سوريا
- دولة القبيلة
- ردي على ماجد علاوي
- كَنَاطِحٍ صَخرَةً يَوْماً ليوهنها
- نقض أطروحة قانون القيمة المعولمة لسمير امين، الى الرفيق مارك ...
- دفاعا عن ستالين مجددا عن اللينينية دوما, ردا على رضى السماك
- قومي متعصب من راكاح أم صهيوني من الحزب الشيوعي الاسرائيلي
- كيف وجدت قضية المرأة ؟
- في نقد اطروحات الزميل جاسم الزيرجاوي
- البلاشفة الجدد والتحريفية
- العمل المنتج والعمل غير المنتج
- حول استفتاء كردستان
- رد على الزميل محمد رصاص
- حال الشرق
- هل هناك مستقبل لاسرائيل
- قراءة ماركسية في انهيار الاتحاد السوفيتي
- فؤاد النمري والعولمة


المزيد.....




- بين كنيسة قلب لوزة السورية وكاتدرائية نوتردام 600 عام وكثير ...
- وفاة? ?عباسي? ?مدني? ?مؤسس? ?الجبهة? ?الإسلامية? ?للإنقاذ? ? ...
- الإسلاميون في السودان أقرب التيارات إلى المعارضة بعد تنازل ق ...
- عباسي مدني يرحل.. وفاة مؤسس الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظور ...
- أبانوب ضد صموئيل.. جدل حول غياب الحشد المسيحي باستفتاء مصر
- السودان..المجلس العسكري الانتقالي يعتمد يوم الأحد عطلة أسبوع ...
- سالفيني يثير الجدل مجددا في إيطاليا بقرار مراقبة الجالية الم ...
- شقوق الجدران والتوهج الروحي
- وفاة عباسي مدني مؤسس الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية
- شاهد: أب فقد زوجته وطفلته الوحيدة في تفجيرات سريلانكا يروي ت ...


المزيد.....

- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ارام محاميد - الدين بين فكي التاريخ والحداثة