أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعيد مضيه - إشكالية التخلف في المجتمع العربي-3















المزيد.....


إشكالية التخلف في المجتمع العربي-3


سعيد مضيه

الحوار المتمدن-العدد: 5965 - 2018 / 8 / 16 - 14:02
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إشكالية التخلف في المجتمع العربي-3
الأبوية وأعطاب الثقافة
تدنى المجتمع المصري الى مستوى انحلال كامل عشية الغزو الفرنسي عام 1798، وغدا الريف يبابا جراء غزو الجند وجباة الضرائب والبدو. انحصر الإنتاج في حرف محدودة ، كما افتقر المجتمع الى تنظيمات بلدية مستقلة أو أي شكل من أشكال الاستقلال المدني(74). بخلاف اليابان، الذي تزامنت نهضته مع إصلاحات محمد علي في مصر. "ظل الحافز العربي للتحديث خارجيا على الآقل في مراحله الأولى"(75).
حدثت اندفاعة للتحديث منذ منتصف القرن التاسع عشر ، ولولا انهيار الجبهة الاقتصادية لتكيف العرب مع الهجمة الأوروبية. وعت اليابان تماما خطر القروض الأجنبية واعتمدت على مواردها ، خاصة فوائض الزراعة، بينما اعتمدت الامبراطورية العثمانية ومصر على القروض من أوروبا . انفتحت اليابان على أوروبا وهي مهيأة اقتصاديا وسياسيا وثقافيا للتعامل مع التحديث.
يتعمد الباحث المقارنة بين تطور المجتمع العربي وتطور اليابان. دخلت اليابان مرحلة الرأسمالية وحدثت مجتمعها ؛بينما استمر المجتمع العربي علي تخلفه.
منذ بداية القرن التاسع عشر راح الوطن العربي يندمج مع النظام الرأسمالي في موقع التابع. لم تشفع الخلافة العثمانية ولا إرث الأبوية التقليدية في حماية المجتمعات العربية من الوقوع فريسة الكواسر الامبريالية. وخلال الحرب العالمية الأولى كان الوطن العربي هامشا آمنا للسوق الرأسمالية، ما رسخ علاقة التبعية الاقتصادية والثقافية. لم تندحر التبعية ، ولم تخفف مع الاستقلال، تم الاحتفاظ بالبنى القديمة في الجيش وبيروقراطية الدولة والمحاكم والشرطة والتربية. التعليم من الحضانة حتى الجامعة اختط المنحى الأوروبي وبقي التناقض مستترا بين القومية والجناح الأصولي ، وهيمنت الليبرالية العلمانية في مصر وسوريا والعراق في فترة ما بين الحربين العالميتين( ينفي سمير أمين علمانية الأنظمة العربية، حيث سخرت الأنظمة مشايخ يضفون سمة إسلامية على قراراتها وسياساتها). فشلت الليبرالية العلمانية في إنجاز الوحدة القومية وفي إنجاز التنمية ، وجيرت على العلمانيين العرب هزيمة حزيران ، ما اعطى دفعة نهوض للأصولية الإسلامية بشكل حركة خلاص بوجه التحديات الخارجية والداخلية.
" يبدو أن الحاجة الداخلية الى التحديث لم تكن قد تبلورت الى حد كاف للتعبير عن أهداف اجتماعية واضحة المعالم. وحين وصف الجبرتي مواقف العلماء المسلمين غير المكترثة للعرض الفرنسي لعجائب العلم الأوروبي الحديث ، فإنه يميل الى الاعتقاد أن المجتمع الأبوي آنذاك لم تكن لديه الرغبة في التحديث ( يبدو ان اليابان وحدها في الوطن غير العربي قد تمكنت من الاستجابة للغرب وتبعا لأسباب اجتماعية واقتصادية معينة بنهج استقلالي ونمط موجه"(75).
أخفقت الليبرالية العربية والقومية واليسار الراديكالي وتعثر الجميع خلال الحقبة 1920-1970 وتزامن الإخفاق مع بداية اكتساب الجماهير العريضة الوعي السياسي واندماجها في الحياة السياسية بفضل اتساع التعليم والخدمة العسكرية وثورة المواصلات والاتصالات والتحول البروليتاري والهجرة الى المدن. بدلا من التحول الى الديمقراطية والاشتراكية تم الارتداد الى أشكال تشبه السلطنات القديمة، تقوم على سلطة فرد بلا كابح. غدت الأنظمة الاستبدادية قلاعا حصينة بفضل ما توفر لها من وسائل الهيمنة ، خاصة نظم الاتصال الجماهيري. في هذا السياق أحدثت الليبرالية الجديدة وعولمتها ردة في العالم عن الديمقراطية الليبرالية. المجتمع الأميركي شهد خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين ولا يزال انحسار الديمقراطية، حيث اندمج الرأسمال المالي بالسلطة السياسة، وهيمن بواسطة المال السياسي على الهيئات التمثيلية. تراجع التعليم ، خاصة التعليم الجامعي الى وضعية تماثل العالم الثالث.
تنتشر في بلدان الغرب الدعوة لتقليص مناهج التعليم الجامعي وحصرها في ما يدير اقتصاد الاحتكارات الرأسمالية. صدرت قرارات من الهيئات التمثيلية في الولايات الميركي وعلى صعيد رفيدرالي ترمي الى الحد من التعليم النقدي واللفلسفة والعلوم الإنسانية ، وذلك لتجفيف منابع الثقافة النقدية والديمقراطية الراديكالية. وهذا لم يتطرق اليه كتاب هشام شراب؛ يبدو ان إفرازات الليبرالية الجديدة في حقل الثقافة لم تتكن قد تجلت للعيان اثناء إعداد الدراسة.
احتفظت السلطة السياسية بصلاحيات القمع واتسعت قدراتها الاقتصادية، غدت الدولة الأبوية المستحدثة أكبر موظِف للعمالة ازداد الأغنياء غنى وتدهورت اوضاع الجماهير الفقيرة. "ان نشوء الدولة السلطنة بموازاة النمو المستمر للأصولية الإسلامية يجب ان ينظر إليه على أنه المحصلة للقوى المتجذرة نفسها التي أدت الى ظهور المجتمع الأبوي المستحدث، على انها التعبير عن الثقافة التقليدية للأبوية التي حمتها الامبريالية الغربية في نظام التبعية الرأسمالية "(78).
في الفصل السادس -الأبوية المستحدثة في عصر الامبريالية- يفيدنا الباحث ان "الإرهاب كنظام عقلاني للقمع والسيطرة اختراع أوروبي جرى تطبيقه أساسا على كل الشعوب غير الأوروبية "(90). ارتكز نجاح الإرهاب في العالم الاستعماري على حقيقة أساسية: التفوق العسكري غير المنازع ، فحيث تصادم الأوروبيون والسكان الأصليون كان الإرهاب ينزل بالمستعمَر، على غرار ما حصل في فلسطين. كمستعمرة مباشرة جردت اسرائيل الفلسطينيين من املاكهم وشردتهم الى اماكن نائية ، مثلما فعل الفرنسيون بالجزائر والإيطاليون في ليبيا. مع تأسيس الدولة عمدت إسرائيل الى اتنهاج أساليب استعمارية مالوفة؛ استخدمت القوة وانتزعت الممتلكات من أصحابها . "اعتبر المستوطنون الفرنسيون والإيطاليون والصهيونيون ان سكان البلاد الأصليين عثرة في وجه المشروع الاستعماري ، فتعاملوا معهم على انهم مستعمَرون، دون الالتفات الى الحقوق الإنسانية او القوانين الدولية"(84). في هذه المجموعة تشكل نوعان من القيادة المحلية :معاد للاستعمار ومحافظ. اما البلدان الأخرى فقد اكتفت بالسيطرة غير المباشرة بإخضاع الاقتصاد الوطني للمصالح الامبريالية ، بمساعدة السلطة الأبوية. غير أن "ادبيات الاستعمار جاءت أشد وقعا من الاحتلال العسكري؛ بخلاف الاستعمار السياسي القديم فقد فرض الاستعمار الحديث سيطرته بتحويل المستعمَر من كائن يثق بنفسه ومتمكن مما يقوم به الى مخلوق لا يؤمن إلا بقدرة الآخرين(90).
"قامت الحركة الواعية الى تجذر الإسلام بمرافقة "التحديث". " ارتبطت بها جدليا، وعلى نحو مماثل للتغريب و‘التحديث’.كانت الأصولية الإسلامية ظاهرة نفسانية اجتماعية تتخذ شكلها في ظل الهيمنة الأوروبية ردة فعل لها .إلا أنه يتوجب تفسير الإسلام المسيس (الأصولية) ليس على رفض القيم والأفكار الأجنبية ، بل على أنه محاولة لإضفاء محتوى إسلامي جديد على مفهومي الذات والمجتمع عن طريق صياغة عقيدة إسلامية خلاصية. وفشل هذا النمط من الثقافة في الصمود بوجه ثقافة الامبرياالية. وهكذا يمكن القول ان أحد أشكال الأصولية الجذرية لردة فعل الأبوية كان الى حد كبير نتيجة الامبريالية الأوروبية والتحديث"(86).
يفسر الباحث كيف تفوقت اليابان ونجحت حيث فشل العرب وخضعوا للهيمنة. يعود لموضوع المقارنة مع نموذج التطور الياباني الناجح ، حيث تزامن نهوض إيران مع نهوض محمد علي في مصر. يورد فرقا موضوعيا تمثل في بعد اليابان وعزلتها خلف المحيطات ما أتاح لها إمكانات التطور المستقل. لكن الأهم في العملية ، والفارق الجوهري أن "حكم الامبراطور مثيجي 1868، تميز فيه النظام الأبوي الياباني، وبخلاف مثيله العربي(أو الصيني او الهندي) بخاصتين فريدتين : وحدة سياسية –جغرافية وقيادة حكيمة قديرة"(92). هذه الملاحظة تجاهلتها الدراسات النقدية للكتاب؛ فقد أجمعوا على إيراد مثال اليابان ، نظاما أبويا استطاع التطور المستقل اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، وغرضهم تبرئة النظام الأبوي العربي من مسئولية تعطيل التطور الاجتماعي.
يتوصل الباحث الى استخلاصات تباغت القارئ" خلال مرحلة النضال لتحقيق الاستقلال لم تتحول أي انتفاضة تقودها الزعامة الوطنية الى حركة جماهيرية دون استلهام الباعث العقائدي للثورة من التراث الإسلامي، أي من العرف الأبوي وليس من العقائد العلمانية التي بشرت بها النخبة المثقفة" (93). في هذا السياق يغلب الرأي القائل ان فشل ثورة ظفار مرجعه الشعارات الماركسية التي رفعها الثوار. ومعروف ان المخابرات البريطانية كانت تعيد نشر مناشير الثورة، حيث تدعو الى تحرير المرأة وتأميم الملكية.
رافق الاستقلال نوع مغاير وغير مباشر للاستعمار الثقافي ؛ إلا أنه كان أوسع انتشارا، لم يستمد هيمنته من السيطرة العسكرية – السياسية المباشرة ، بل من اختراق الثقافة الغربية للنخبة الأبوية الجديدة، مضافا إليها سيطرة وسائل الإعلام الغربية وشيوع قيم المجتمع الاستهلاكي وحاجاته. "مع أن الخريجين العرب من المعاهد التعليمية الغربية كانوا في معظمهم قوميين وطنيين في اتجاهاتهم السياسية ، إلا أنهم كانوا ثقافيا ونفسيا تحت تأثير الغرب مشكلين قطاعا منفصلا من اكثر قطاعات المجتمع تبعية للثقافة الغربية- مناوئة للماركسية ، يشكل الغرب في نظرها المعيار المعتمد لقياس كل أمر".(87) يركز شرابي على هذه النقطة ويعود لها مرارا في كتاباته. يقصد بذلك القول أن العدوان الثقافي للامبريالية يحتم ان تكون الثقافة ميدان صراع. الثقافة تلعب دورا مقررا في حياة مجتمعاتنا ربما يفوق تأثير السياسة . والنشاط الاقتصادي بطبيعته يفرز ثقافته ويرسخها في الوعي الاجتماعي بقوة رهيبة ؛ العملية تتم بأشكال عفوية لا يعيها الجمهور المتلقي، الى أن يقول الباحث: "ان عوامل التخلف العقلي والقحط العاطفي والشلل الفكري التي احدثها الإرهاب الاستعماري ليست واضحة للعيان وضوح آثار الاستغلال الاقتصادي، إلا أنها قد تكون اكثر تدميرا على المدى البعيد. ولربما يتوجب على اية محاولة ترمي الى فهم الأزمة الشاملة التي ولدتها عملية ‘التحديث’ في علم الاستعمار أن تستوعب ظاهرة الإرهاب والاستغلال الاستعماريين وآثارهما الاجتماعية والنفسية. وهل هناك من مجال للشك في أن تطور المجتمع العربي كان قد اتخذ وجهة مغايرة تماما لو ان العرب نجحوا في التحديث، كما تم لليابانيين، فيما لو بقوا بمناى عن اوروبا، وبالتالي تجنبوا آثارها الإرهابية الضارية؟"(91)
الجيل العلماني من المثقفين المتعلمين في الغرب يبذل المساعي للانسلاخ عن الثقافة التقليدية ، لكنه سرعان ما يتضح له ان المهمة مستحيلة ولا يستطيع الإفلات من المبادئ التي تشرّبها أيام الطفولة من النخبة الأبوية المحدّثة، فبقيت تشكل الأساس الذي يواجه عملية التحديث ويحدد البنية العميقة للشخصية وتوجهها"(86).
"قبل العام 1800 لم يكن قد نشأ مجتمع عربي أو شعب يشكل وحدة سياسية اجتماعية تتميز بوعي ذاتي ؛ هذا الوعي تشكل بفضل النهضة في اواخر القرن التاسع عشر"(88). في ظل السيطرة الاستعمارية تشكل مجتمع مشوه ومزيف؛ فالمستعمر أشاع بين الشعوب المستعمَرة مظاهر الخوف وعقد النقص والخضوع واليأس، وكلها مناقضة للتنوير . وقد أشار ماركس الى ضرورة التخلص من الزيف والتشوه اللذين ولدهما الاستعمار في ظل التبعية المباشرة.
ودخل التبشير والإرساليات العلمية والخيرية ميدان الهيمنة الثقافية. المؤسسات التعليمية عززت انماط الثقافة الغربية، وروجت الإنجليزية لغة اتصال علمي ومعاملات وأشاعت نماذج التفكير الغربية؛ ارتبط الكثير من أنشطتها بالمصالح الاستعمارية السياسية والاقتصادية. ففي نظرتهم لشعوب المنطقة أبدوا نظرات استعلائية ممزوجة بوضع الشعوب العربية تحت الوصاية. لم تخرج عن دعم المطامع الامبريالية. وفي انتقاده لمواقف الغرب الامبريالية انتقد ادوارد سعيد التزييف الثقافي ، وقال إن معرفة أوروبا بالثقافات والشعوب غير الأوروبية، لاسيما منها الحضارات الشرقية ،كانت مطعمة بروح الامبريالية الضارية والعرقية. فقد وجد الجشع الرأسمالي والتوسع الامبريالي حججهما جاهزة في النظريات "العلمية" والمبادئ "الخلقية" العالية والدعوة الى تمدين العالم وتحضيره.
يثني الباحث على ما قاله ادوارد سعيد فينقل عن شهادة هاوارد بليس ، رئيس الجامعة الأميركية –بيروت، امام لجنة السلام الدولية في مؤتمر فرسايل: "كانوا –العرب- عرقا مضطهدا لزمن طويل يعانون من الخجل وحب الإطراء وغياب الصراحة ... يفتقرون الى التوازن ويتحمسون وتبرد همتهم بسرعة ولا يتمتعون برؤية سياسية منصفة ، وهم لا يقرون بسهولة بمحدودية حقوقهم. لذلك يجب التقرب منهم بتعاطف وصرامة وصبر".
اما بيار دودج اول رئيس للجامعة فقد أخرج العلم من الحياة الاجتماعية ومشاكلها؛ حيث استبدل العلم بروحانية زائفة، والدعوة للتمسك يقيم التخلف وعلاقاته الاجتماعية وتمجيد الأبوية المستحدثة : "نطمح الى تعليم طلابنا النظر الى معتقدات اهاليهم بعين العطف ، واحترام كافة المسئولين رسميا عن رعاية أفراد مذاهبهم وإجلال شعائرهم وطقوسهم وتبجيل اماكن عبادتهم... نطمح الى جعل كل طالب محبا ونقيا ومتفانيا كما كان المسيح. إن الحلول لمشاكل العرق والكراهية والنزاع المذهبي تكمن في الجانب الأخوي ...ان الجواب الوحيد لمشكلة الفقر و الغنى المتفشية في الكون كامن في نبذ الانانية". المبشرون الأكثر تواضعا اعتبروا انفسهم ارقى من المواطنين ، هم الأساتذة والمرشدون، بهم تناط مهمة محو الجهل وتبديد الظلام. تسمو بقيم المسيحية المنقاة من وحول سياسات الامبريالية وممارساتها"(98).
في الفصل السابع-خطاب الأبوية المستحدثة- يؤكد الباحث أنه خطاب أحادي غير مهيأ للحوار ولا يهدف الفهم ؛ إنه يطالب المتلقي بالصمت، ومن ثم فالعلاقة مبهمة تنشأ بين الجماهير والفكر السائد ومع السلطة والنظام. من ثم يلجأ الصامتون الى الانتقام بنشر النكات أو النقد في الغرف المغلقة وأحيانا التمرد والتآمر. الخطاب الأبوي يفضل الكتابة الأدبية على الكتابة العلمية والخطابة على النص المكتوب والكلام على الكتابة (107). يتجسد الخطاب الأحادي مثلا في اتجاه المتكلمين الثابت الى استثناء المتحدثين الآخرين أو تجاهلهم؛ لكن هذا النمط يظهر أيضا في بنية الخطابة نفسها : ذلك ان الخطاب الأحادي لا يصدرعن السلطة فحسب، بل عن اللغة نفسها أيضا. فهي تحبذ الخطابة وتحبط عزيمة الحديث الحواري(108).
واهم نتائج هذا الخطاب في نظرية المعرفة ، انها تستثني الخلاف في الرأي وتنبذ التساؤل، وتتصدي للانحراف. مصداقية الخطاب الأحادي هي الحقيقة المطلقة في اتكائها على الوحي. وهي على طرف نقيض من الحوار(108)
تناول الباحث قضية اللغة الفصحى ، يحمل تميزها عن العامية خطر ثنائية لغوية ترسخ الانقسام الاجتماعي التقليدي وطمس الأسس المادية والطبقية للتباين الثقافي؛ مجرد تباين في اللغة! اكتست اللغة الفصحي في العصر الحديث طابع لغة كلاسيكية من خلال النص الديني يحفظه التلاميذ دون أن يفهموه . وهذا ما يريده النظام، لا ضرورة لفهم ما يقال؛ إذ يحرص العنف الأبوي على إبراز هيبته في كل ما يحيط برئيس النظام. الطريقة المثلى والمعتادة للتعلم واكتساب الأفكار والمثل والقيم تمضي عبر التلقين والتحفيظ وتخزين المعلومات، وتجنب كل تساؤل ونقاش. تمنح الأفضلية لاستخدام الألفاظ الرنانة والمفردات الخطابية والأساليب البيانية والإحالات الداخلية والإيديولوجيا المستمدة من سلطوية اللغة . كما يغدو مجال النصوص هو الخطابة وليس العلم والعيني، المدرك الحسي يستمد من حاسة السمع ويغفل النظر والتذوق.
تطرح الدراسة تساؤلات منهجية بصدد الفكر الأيديولوجي الديني والعلماني , وكلاهما يعبران عن مصالح النظام .نقد العلوم الاجتماعية في الغرب تعري النظام الأبوي الحديث؛ تؤول مقولاته وتطرحها تساؤلات مبهمة . يعتمد النظام الخطاب الأحادي بدل الحوار. الخطاب الأحادي (كلمة الأب في البيت لا تسقط الأرض) وللمعلم بالمدرسة وللشيخ في الوعظ والإرشاد في التجمع الديني، وفي المجتمع الأوسع خطاب الحاكم (109)، تعزز سلطوية متسلسلة هرميا وعلاقات تبعية. الخطاب الأبوي معنيٌّ بفرض الهيمنة وليس التنوير، والأحداث تكتسب مصداقيتها لمجرد ذكرها ولا حاجة للتقصي أو وضوح الرؤية. تظهر الإيديولوجيا من خلال ظاهر النص تعابير كلامية شكلانية وخلال المستوى الباطني المضمر في المقولات اللغوية.
المراحل الإيديولوجية لعصر الأبوية المستحدثة
الاتجاهات العقيدة الممارسة السياسية
1880-1918 1918-1945 1954-1970 1970 –
الإصلاح (الإسلامي) السلفية الاشتراكية الأصولية
"التقدم" و"الإصلاح" الإحياء المد الثوري
العلمانية القومية السلطنة الحديثة النقد العلماني
"الديمقراطية" الوحدة كيانات متعددة

وعطب ثقافي آخر ينخر في الخطاب الأبوي يتمحور حول الترجمة عن الآداب الأجنبية، ويحكم بقصوره. في الترجمة ، يتمثل الفشل في عدم فهم المنطلقات الحداثية والعجز عن إحداث الانقطاع مع التراث الأبوي في النص المترجم . ذلك ان لكل لغة إطارها الثقافي. ونقل المعنى من ثقافة إلى ثقافة أخرى لا يشكل القضية المركزية في المقدرة على نقل المعنى الحقيقي من ثقافة لأخرى؛ يوجد خلل بنيوي في واقع الوعي النهضوي ذاته. تعرضت ترجمة الفكر الأوروبي الى تشويه كبير نظرا لتقصير المثقفين في سبر أغوار المفاهيم الثقافية للغة المترجم عنها. بقيت محصورة لغة المثقفين العرب العلمانيين والليبراليين واليساريين، خلال حقبة ما بين الحربين العالميتين؛ ضيّقت مفردات الصحافة العربية على النصوص المترجمة، فجاءت الترجمة مفرغة من المضمون الفكري الصحيح. الأسلوب التقليدي وعظ وخطابة ارسى مبادئ شكلانية مشتركة في الخطاب الأحادي السائد.
كان مستحيلا الانقطاع عن التراث التقليدي في ظل اليقظة العربية – أي الأوضاع الناجمة عن توسع السيطرة الامبريالية في مطلع القرن التاسع عشر. في تلك الظروف ولد الخطاب الأبوي المستحدث وإليه توجه المنورون يطلبون الإصلاح. راج وازدهر الخطاب الأبوي في كنف هيمنة الامبريالية.
ليست المسألة مرهونة بالقراءة والكتابة فحسب، الأمية تشكل جزءا لغويا ونفسانيا في آن ليس له مثيل في بلدان العالم الثالث الأخرى. وخلال حملات محو الأمية غدت عملية تعلم الفصحى طقسا استوجب إخضاع الواقعة اليومية وكبتها في مواجهة النص المقدس. بدل إطلاق المتعلم في عوالم فكرية فإنه يخضع للسلطة وسطوتها ، غير قادر على القراءة .
الانقسام الأساس بين المحكية والفصحى (في شكليه التقليدي والصحفي المبسط) بقي على ما كان عليه، وعمل هذا الواقع على صيانة الشروخ الاجتماعية والثقافية والإبقاء عيها في المجتمع الأبوي المستحدث، ما حال دون حدوث انقطاع جذري مع الخطاب الأبوي. لم يكن ممكنا فتح ثغرة باتجاه الحداثة النامية. لم يتخذ خطاب المجتمع الأبوي المستحدث خلال القرن الماضي أي موقف نقدي أصيل او متآلف في معالجة المشاكل الاجتماعية او السياسية او العقائدية لهذا العصر الانتقالي. "فقد بقى مضمون هذا الخطاب فكرا مجردا طوباويا عمل على تثبيت اسس النظام أكثر مما هدف الى نقد بنيته السياسية والعقائدية . وعليه فقد بقي هذا الخطاب مقموعا في وجه الخطاب الديني " (118). انصرفت الأبوية العربية المستحدثة إلى تبني موقف أدبي - ديني من أوروبا ومن التاريخ والذات ، فحرمت بذلك نفسها منذ البدء من فرص التطور (بعكس ما فعل اليابانيون)."كان عماءً مطبقا ملحاحا قد حال دون استيعاب الجيل الأول للتناقض الجوهري بين العلم والعقيدة، وهو تناقض ماثل في صلب الفكر العربي ، كان اليابانيون قد وعوا أبعاده وعواقبه منذ البداية . لذا بقي الوعي العربي خاملا وخامدا ، وقابعا في حيز سابق على التفكير العلمي ومنصرفا الى التمحيص الأدبي – العقائدي وقادرا على صياغة الفكر الساذج وحسب."(120)





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,610,739,054
- إشكالية التخلف في المجتمع العربي(2من4)
- إشكالية التخلف في المجتمع العربي(1من4)
- الفصل قبل الأخير من مسرحية الصراع على فلسطين
- صفقة القرن ثمرة الانحطاط السوقي للسياسات الأميركية
- الراحل برنارد لويس مثقف الحرب الباردة والليبرالية الجديدة و ...
- أعظم خطر يهدد البشرية -2
- أعظم خطر يهدد البشرية
- هي الفاشية عنصرية دموية مندمجة عضويا بالامبريالية
- أول أيار في حقبة الليبرالية الجديدة
- مخططات تدميرسوريا نظاما ومجتمعا-2
- دور الولايات المتحدة في تدمير سوريا-1
- نصائح احمد صبحي منصور تحابي الاحتلال وتغفل مسروعه الاقتلاعي
- نصائح الدكتور احمد صبحي منصور المحترم -4
- نضائح الدكتور احمد صبحب منصور المحترم -3
- نصائح الدكتور احمد صبحي منصور المحترم -2
- نصائح الدكتور احمد صبحي منصور المحترم 1
- متى يظفر شعب فلسطين بالعدالة
- زيوف وتلفيقات ضمن مكائد الامبريالية
- صرخة عتاب من القدس تذكير بمحنتها -الحلقة القانية
- صرخة عتاب من القدس تذكير بمحنتها (1من 2)


المزيد.....




- إلى شيخ الأزهر
- شاهد: منظمة معادية للإسلام في النرويج تحرق نسخة من القرآن وت ...
- ماكرون : فرنسا ستتخذ خطوات جديدة فيما يخص مكافحة -الإسلام ال ...
- شاهد: منظمة معادية للإسلام في النرويج تحرق نسخة من القرآن وت ...
- الفاتيكان: القرار الأمريكي يهدد بتقويض عملية السلام
- هل يبتعد الحريري عن السياسة؟ ولماذا فرنسا والفاتيكان مع الإن ...
- هل حظرت أنغولا الإسلام ودمرت المساجد؟ بل هو خبر كاذب قديم
- قلق السلطات الأمنية الألمانية من تنامي عدد السلفيين في برلين ...
- فرنسا تكافح الإسلام السياسي
- الحريري يبتعد عن السياسة… والموفد الفرنسي والفاتيكان يدعمان ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سعيد مضيه - إشكالية التخلف في المجتمع العربي-3