أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد قاسم القنائي - التفاؤل















المزيد.....



التفاؤل


محمد قاسم القنائي
الحوار المتمدن-العدد: 5962 - 2018 / 8 / 13 - 00:22
المحور: الادب والفن
    



(التفاؤل)
التفاؤل خلق من أفضل الأخلاق الكريمة به تتحول فلوات الحياة إلى جنات خضراء يانعة، وبالتفاؤل يزيد عمر الإنسان في هذه الدنيا من خلال شعوره بالسعادة والأمل، وبه يصل الإنسان إلى أقصى غاياته وطموحاته وأمانيه ، فهو المحرك القوي لبلوغ الأهداف ، وتحصيل المراد ، وهو الفارس الشجاع الذي يرد عن الإنسان سهام الفشل ، ونبال التعثر ، فسرعان ما يقوم الإنسان المتفائل من عثراته، ويقوى على مواجهة جميع التحديات ليحفر اسمه في سجل العظماء الخالدين في هذه الدنيا.
والتفاؤل خلق إسلامي رصين حث عليه ديننا الحنيف ، وعلى الإنسان أن يصبغ حياته بصبغ التفاؤل حتى لا يرى في الوجود شيئاً يحزنه أو يضعف من عزيمته ، وإذا حاولنا أن نختزل كل معاني التفاؤل في هذه الحياة من بدايتها إلى أن يأذن الله بزوالها نجده في شخص النبي (صلى الله عليه وسلم) ؛ لأنه كان نموذجاً رائعاً، وعلامة بارزة في هذا الخلق ، فنراه منذ فجر الدعوة الإسلامية متوشحاً ذلك الخلق متدثراً به ، جاعله شعاراً واضحاً نصب عينيه ، فعندما يحدق به أعداء الكفر في مكة ويتفننون في طرق إيذائه بنوعيه المادي والمعنوي، نراه متفائلاً بنصر ربه له ، وعندما يرى خيرة أصحابه فوق رمضاء مكة يعذبون بأبشع ألوان التعذيب ما نسمع من كلامه إلا عبارات التفاؤل ، وفي جنبات الطائف والدماء تسيل من قدميه الشريفتين وسماعه منهم أفظع الشتائم، نسمع منه نشيد التفاؤل ظهر ذلك جلياً عندما أجاب أخاه جبريل " عسى أن تخرج من أصلابهم ذرية توحد الله" ، وهكذا فحياة النبي (صلى الله عليه وسلم) كانت سلسلة من الأحزان والهموم والآمال والآلام ، ولم نجده في يوم من أيامه متشائماً، ولا قانطاً، ولم يتطرق إلى قلبه وميض شك في تخلي الله عنه وعدم نصرته له، حتى علّم صحابته الأجلاء هذا الخلق الرصين، وبه استطاعوا أن يفتحوا قلوب العباد ، وملكوا به أزمة معظم البلاد فكانوا قادة فاتحين، لا جنوداً محتلين غاصبين.
والتفاؤل خلق مرتبط بالجانب الروحي للإنسان لذا نراه فاشياً بعد ظهور الإسلام، أما قبل الإسلام فيعتبر عملة نادرة في المجتمع العربي؛ لأن العرب قبل الإسلام كانت حياتهم قائمة على الحروب الطاحنة ، وعدم استقرارهم في أماكنهم وخوفهم من غدهم المجهول فكانوا يعيشون حياة مادية محضة، معطلة من النبض الروحي، لهذا فقد شحَّ هذا الخلق عند معظم شعراء العربية قبل الإسلام ، أما بعد الإسلام فقد امتلأت قصائد الشعراء بهذا الخلق نتيجة انعكاس مرآة الدين الإسلامي الذي تغلغل في نفوسهم ، وعمق إيمانهم بربهم ، ونمو الجانب الروحي في ضمائرهم.
فهذا عبيد بن الأبرص يوصي بالصبر عند نزول الشدائد والملمات فإن في الصبر خير العزاء، وهو الصديق الذي يصبِّر الإنسان حتى تنقشع من أمامه أتربة الملمات ، وعلى الإنسان أن يتحلى بالتفاؤل مع الصبر، فالتفاؤل سرعان ما يذيب هذه الشدائد ويحولها إلى مسرات ، وعلى الإنسان أن يطرد من نفسه التشاؤم والجزع فأحياناً تتأزم المشكلات وتضيق نفس الإنسان بها، ثم سرعان ما يأتي الفرج وهذه نظرة المتفائلين، قال (من الخفيف):
صبـِّر النـفـــسَ عنـــدَ كـــلِّ ملـــمٍ إنَّ في الصبرِ حيلةُ المحتالِ
لا تضيقنَّ في الأمورِ فقد تُكـ ـشــفُ غمـــاؤُهـــا بغيــرِ احتيالِ
ربما تجزعُ النفــوسُ مـــن الأمــــ ـرِ لـــه فُرجــــةٌ كَـــحَــلِّ العـقــالِ
والشاعر ( المهدي العكلي ) ينهى صاحبيه عن اليأس من رحمة الله، ويطلب منهما أن يتفاءلا ؛ لأن التفاؤل يعقبه الفرج ، فأمرهما بالتفاؤل لعل ريحاً شمالية مغدقة تأتي بالفرج تحلّ عليهم في وادي جبون ، والتفاؤل لعله يسوق إليهم إبلاً نجيبة ، وخيلاً أريحية من بلاد الشام تأتي لنجدتهم، عليها فرسان كرام من بني الحارث الذين يتصفون بالشجاعة والكرم ، فالتفاؤل سيحول حياة تقشفهم إلى سعادة ورخاء ، وحياة خوفهم إلى أمن واطمئنان، قال (من الطويل):
فلا تيأسا من رحمةِ اللهِ وانظُــرَا بوادي جبوناً أن تَهبَّ شَمــالُ
ولا تــيــأسَــا أن تـُـرزقَـــا أريحيـةً كــعين المَهَـا أعنـاقهـنَّ طوالُ
من الحارثيين الذيـــنَ دمــــاؤُهـــم حــرامٌ وأمــا مـالَهــمْ فَحـلالُ
وهدبة بن خشرم ذلك الشاعر الأموي، نراه يشاطر أبا نمير همه وحزنه وهو قرينه في السجن ، ويبعث في قلبه التفاؤل ، وينشر في نفسه أشعة الأمل فيبشره بالخروج من السجن والعودة إلى أهله وقومه، فذكر أنه يألم لأم أبي نمير ويحزن لحزنه ، وهذه خصال الصديق الوفي الذي يعيش بوجدان صديقه في المسرة والأحزان فيطمئنه بجرعة وفيرة من التفاؤل، فذكر له أن بعد ليل الكروب سيشرق فجر الفرج، فيخرج من محبسه، ويفك أسره ، ويسكن خوفه ، ويرجع إلى أهله سالماً وهذه البشارة لا تخرج إلا من نفس متفائلة لا تعرف لليأس طريقاً، قال (من الوافر):
يـُــؤَرقُنــي اكــتئـابُ أبـــي نُمَيـــرٍ فــقلبـي مـن كـآبـتِـه كــئيـبُ
فقلــــتُ لـــه: هـــــداكَ اللهُ مَهْــــلاً وخيرُ القولِ ذو اللبِّ المُصيبُ
عسى الكربُ الذي أمسيتُ فيه يكـــون وراءَه فـــــــرجٌ قـــــريــــبُ
فيـأمـنُ خـائفٌ ويُــفَــكُّ عــــانٍ ويأتـــي أهلَـــه النـائـي الغريــبُ
وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يغرس التفاؤل والأمل في نفوس المتشائمين اليائسين، فيذكر أن اليأس إذا أحدق بقلب الإنسان ، وضاق به صدره ، وتدافعت عليه سهام المكاره وحراب الخطوب حتى نرى الإنسان يفقد الأمل في الخلاص، ويرى أن الأرض قد ضاقت عليه بما رحبت، ويظن ألا مناص من هذه الهموم، ويعيش في دوامة القنوط ، وإذا تفاءل الإنسان وأحسن ظنه في خالقه فسرعان ما يهطل عليه غوث من الله يذيب هذا اليأس من حياته، ويجرف معه تلك الكروب، وليعلم الإنسان أن الكرب مهما زادت نسبته، وعظمت ضخامته ففرج الله في ركابه ، فهذه شحنة عظيمة من التفاؤل تجعل الإنسان لا يشقى في حياته أبدًا، قال (من الوافر):
إذا اشتملتْ على اليأسِ القلوبُ وضاقَ لما به الصدرُ الرحيبُ
وأوطنـتِ المكــــارِه واستقـــرتْ وأرستْ في أماكنها الخطوبُ
ولــم ترَ لانكشافِ الــضُّرِ وجهاً ولا أغنــى بحيـــلتِـــه الأريـــبُ
أتاكَ على قنوطٍ منـــكَ غــوثٌ يَمُنُّ به اللطيــفُ المستجيبُ
وكـــلِّ الحـــادثـاتِ إذا تنــاهتْ فـموصـــولٌ بهـــــــا فــرجٌ قريبٌ
والإمام علي (رضي الله عنه) كان يتمتع بنفس مملوءة بالتفاؤل حتى أغنته ومن بعده عن مجرد التفكير في اليأس ، ومن قرأ ما كتبه يستطيع أن يملأ نفسه من هذا الخلق الجميل ، فذكر لنا أن المصائب إذا بلغت بالإنسان عنان السماء، وتراكمت عليه، وتزاحمت عنده حتى إن قلبه كاد يذوب من شدة وطأتها، ونزل البلاء على الإنسان من كل ناحية، وأخذ الناس يعزونه فيما نزل به، فعليه ألا ييأس ويتفاءل بالمخرج ؛ لأن البلايا كلما اتسعت رقعتها قرب وقت فرجها ؛ ودنت لحظة مخاض السرور والأمل، قال (من المتقارب):
إذا النائباتُ بَلغْنَ المَدى وكادتْ تذوبُ لهنَّ المُهجْ
وحلَّ البلاءُ وبانَ العزاءُ فعند التناهي يكونُ الفرجْ
( وسهل الوراق ) يفرش طرق اليائسين بأزهار التفاؤل عندما أخبرهم بأن اليأس ليس هو الطريق الوحيد في حياتنا بل هو ومضة سريعة الزوال، فإذا تعذر أمْرٌ أمام الإنسان فعليه ألا ييأس ويجرب غيره، فكثيراً ما تضعف الأمور الصعاب بالصبر والتفاؤل، ثُم تتلاشى بعد ذلك، وكثيراً ما يأتي الفرج من أبواب متسعة بعدما يضيق خناق اليأس حول رقبة صاحبه ، وكل عسر يتبعه يسران ، واليسران سينتصران ــ بلا شك ــ على العسر الواحد ، وسرعان ما يتلاشى الهم والحزن ، فالإنسان المتفائل يطرد عن نفسه الهموم والأحزان ؛ لأنها لا تنفع صاحبها بل تثبط عزائمه وقد نسبت هذه الأبيات أيضاً للشافعي (رحمه الله)، قال (من المتقارب):
سُيفتـَـحُ بــابٌ إذا سُــدَّ بــابٌ نعمْ وتهونُ الأمورُ الصِّعابْ
ويتسـعُ الحـــالُ مِــن بعدِ ما تضيقُ المذاهبُ فيها الرِّحابْ
مع الهَمِّ يُسرانِ هَوِّنْ عليكَ فلا الهَمُّ يُجدي ولا الاكتئابْ
والبارودي ذلك الإنسان المتفائل لا يقف يائساً أمام حظه العاثر ولم تؤثر فيه شماتة أعدائه ، فيرد عليهم طالباً منهم ألا يشمتوا لما أصابه من بلايا ؛ لأنه ربما وصل إلى هدفه من هذا الطريق الصعب ، ويرد عليهم ببصيرة الإنسان المتفائل بأدلة من حياتهم، فكثيراً ما تقود الأمور المعوجة الإنسان إلى الاستقامة ، وصلاح حاله بعد انقلابه ، فيصبح حظه العاثر سبب في اجتماع قواه ونهوضه من عثرته وسلمه إلى المجد ، وهذا التفاؤل مرجعه لإيمانه العميق بربه وتوكله عليه ؛ لأن الله لن يخذل أمثال هؤلاء المتوكلين، فالتفاؤل والتوكل على الله سببان رئيسان في عودة الأمور إلى نصابها ، وطرد اليأس والتشاؤم من حياة الإنسان، قال (من الطويل):
فــلا يشمــتُ الأعــداءُ بــي فلربَّمَا وصــلتُ لمــا أرجُــوهُ ممـــا أحـــاذرُ
فقد يستقيمُ الأمرُ بعدَ اعوجاجـِه وتنهـــضُ بالمــرءِ الجــدودُ العـــواثرُ
ولي أملٌ في اللهِ تحيا به المُنى ويُشرقُ وجْهَ الظّنِّ والخطبُ كاشرُ
والبارودي ينشر شذا التفاؤل أمام اليائسين لما أصابهم، والخائفين من فوات أرزاقهم ، فنراه ينصح الإنسان الذي تملك اليأس منه من فوات أمر كان يطلب تحصيله في دنياه بترك الاستمرار في ذلك اليأس، وعليه أن يتحلى بالتفاؤل حتى يعود إليه ذلك الأمر الفائت بصورة أفضل وفي وقت أكثر احتياجاً إليه، والدليل على ذلك أننا نرى بعض الكواكب والنجوم تعود لتنير ظلام الكون بعد أن كانت آفلة، كما أننا نرى أحياناً ذهاب المرض العضال عن صاحبه بعد يأس الأطباء من علاجه ، ونرى المسافر أيضاً يعود إلى وطنه بعد غربة طويلة، وبعد أن يفقد أهله الأمل في رجوعه، فكذلك غبار البلايا سرعان ما ينقشع ويعود الإنسان لسيرته الأولى من الفرح والسرور ، وكيف يخاف الإنسان فوات الرزق وكون ذلك سبباً في تشاؤمه وينسى أن الله هو المتكفل بالأرزاق؟ ، ومتى عرف الإنسان هذه الحقائق وأيقن بها فعليه ألا يخاف ظلم أحد أو يخشى وقوع البلايا ، كما عليه أن يكتسي بثياب التفاؤل كي ينعم في حياته بكل مظاهر جمالها، قال (من الطويل):
فلا تَبتئسْ إن فاتَ حظٌ فربَّما أضاءتْ مصابيحُ الدُّجَى وهي أُفَّلُ
فقد يبرأُ الداءُ العضالُ وينجلِي ضبـابُ الــرَّزايــا والــمسـافرُ يَقْـفُــلُ
وكيفَ يخافُ المرءُ حَيْفاً وربُّه بأحسنِ ما يرجو مِن الرزقِ يكـفُــلُ
( وإيليا أبو ماضي ) يعاتب الإنسان المتشائم الذي يدَّعي الفقر والفاقة في هذه الحياة ، يعاتبه قائلاً : كثيراً ما تشتكي أيها الإنسان المتشائم وتحسب أنك فقير معدم بالرغم من أنك تملك الأرض بأسرها، والسماء بكواكبها ونجومها ، والحقول بأزهارها العطرة، ونسيمها العليل، وبلابلها المغردة ، وانظر إلى الماء من حولك مثل الفضة المنسابة الصافية والشمس من فوقك كالذهب الخالص أبعد كل هذه الثروة التي بين عينيك وفي متناول يديك تدعي أنك فقير؟، قال (من الكامل):
كمْ تشتكي وتقولُ إنَّكَ مُعدمٌ والأرضُ ملكُكَ والسَّما والأنجمُ
ولك الحقولُ وزهرُها وأريجُها ونسيــمـُهـا والـبـلـبـلُ الـمـترنـمُ
والماءُ حولَك فضــةٌ رقـراقـــةٌ والشمسُ فوقَك عَسْجَدٌ يَتضرَّمُ
ثم يلتفت إيليا أبو ماضي إلى هذا الإنسان المتشائم طالباً منه أن يطرح يأسه وتشاؤمه، ويلبس ثوب التفاؤل ، فنراه يهدهد عواطفه بما ذكره له بقوله : الدنيا كلها من حولك مبتسمة متفائلة فلماذا لا تضحك أيها الإنسان وتتفاءل مثلها وأنت واحد فيها؟ وإن كان عبوسك لشيء عزيز لديك قد فاتك حصوله فاعلم أن ندمك المتواصل لا يستطيع أن يرد إليك ذلك الشيء الذي فاتك ، وإن كنت متشائماً خشية حلول مصيبة لك في الأيام القادمة فاعلم أن تشاؤمك لم يمنع نزولها طالما هي مقدرة لك من عند الله ، وإن كان تشاؤمك بسبب فوات سن الشباب والحيوية فاعلم أن الزمان من حولك لا يشيخ ولا يهرم فاستمتع بهذا الزمان الرشيق؛ لأن الشيخوخة الحقيقة هي شيخوخة القلب المتمثلة في حزنه وتشاؤمه وليست في تقدم العمر ، وعليك أن تنظر أيها المتشائم إلى الطبيعة من حولك فهذه النباتات والأزهار بصورها الرائعة التي تنبت على سطح الأرض تكاد تمازحك وتغازلك ، والتفت إلى عيون الماء من حولك تراها تذهب بمياهها العذبة الأسقام البدنية والوجدانية كأنها عين بئر زمزم ، وانظر إلى جدول الماء من حولك تراه فرحاناً ضاحكاً لاهياً ومن حوله النرجس كأنه إنسان نائم غرق في أحلامه ، فعليك أن تمشي فوق الأرض بعقلك المستنير ، ووجدانك النقي لأن التفاؤل والسعادة ملك الإنسان يملكهما الإنسان ذو العقل الراجح، والقلب المستهام، قال (من الكامل):
هَشَّـتْ لكَ الــدنيــا فمـالكَ واجِمَاً ؟ وتَبَسَّمَـــتْ فعـــلامَ لا تَتبـــسَّمُ ؟
إن كــنـتَ مُـكْـتَئباً لعِــزٍ قــد مضَـى هيهـــاتَ يـُـرجعُه إليــك تَنَـــدُّمُ
أو كنتَ تُشفقُ من حُلولِ مُصيبةٍ هيهاتَ يمنعُ أن تَحُلَّ تَجَهُّــــمُ
أو كنتَ جاوزتَ الشبابَ فلا تَقُلْ شــــاخَ الزمـــانُ فـــإنه لا يهـــرَمُ
انظــرْ فما زالــتْ تُطِــلُّ مـِـن الـثَّــرَى صُـورٌ تكــادُ لــحسنِـها تَتكَـلـمُ
وعيونُ مـــاءٍ واقفـــات فـــي الثـــرى تَشفي السقيمَ كأنها هي زمزمُ
والجدولُ الجَــذلانُ يضحــكُ لاهياً والنرجسُ الولهانُ مغفٍ يحلُمُ
فامــشِ بعـــقلِك فــوقَهـــا متَفــهِّمـــاً إنَّ المــلاحـةَ مِــلكُ مَـن يتفهّمُ
وأبو القاسم الشابي ذلك الشاعر الذي يتحدى الكون كله بتفاؤله ، مؤكداً على أن التفاؤل قوة خارقة في قلب الإنسان تقوي من عزيمته ، وتنعكس على جوارحه فتجعله يهدم تلال اليأس المتراكمة من حوله، فيذكر أنه سيعيش مسروراً متفائلاً بالرغم من حصار الأدواء والأعداء له بعيداً عن صغائر النفوس ومواضع اليأس والذل ، قائلاً : مثلي في ذلك مثل النسر فوق قمة الجبل العالية أتسمَّع لحن هذا الكون الجميل ، وأسكب روح هذا الكون في جميع أعضائي كي لا تستطيع أمواج الأسى وعواصف المصائب لأن تنال من تفاؤلي وطموحي وعزيمتي في هذه الحياة ، ولا أعرف في حياتي مذلة الشكوى ولا أنين البكاء ، ولا استكانة الأطفال والضعفاء، وذلك بسبب تفاؤلي، لذا سأظل أسير في دروب حياتي متفائلاً سعيداً أقضي أيام عمري بين العزف والغناء مخاصماً التشاؤم واليأس ، متحدياً ظلمات الحياة ؛ لأن نور التفاؤل يسطع في قلبي وبين زوايا جوانحي، قال (من الكامل):
ســأعيـشُ رغـمَ الـدَّاءِ والأعـــداءِ كـالنَّسْـرِ فـوقَ الـقِمَّــةِ الـشَّمَّـاءِ
أُصغِي لموسيقـَـى الحيــاةِ ووحْيِهــا وأذيــبُ روحَ الكــونِ فـــي إنشــــائِي
لا يُطفئُ اللهبَ المؤججَ في دمي مـــوجُ الأسَـــى وعــواصِــفُ الأرزاءِ
لا أعرفُ الشكــوى الذليــلةَ والبُكَـــا وضــراعـــةُ الأطفــالِ والضــعـفــاءِ
سأظلُّ أَمشـي رَغـمَ ذلك عــازفـاً قــيثـارتِـي مُــتَـرنِّـمـاً بِـغِـنَـائـي
النورُ في قلـبِـــي وبيــنَ جَـوانـحــي فعلامَ أخشَى السَّيرَ في الظَّلْمَاءِ ؟
والشافعي (رحمه الله) يطلب من الإنسان أن يسير مع الأيام ولا يقف في مواجهتها ، وأن يرضى بقضاء الله وقدره ، ويطرد من نفسه التشاؤم ، ويخمد نار الجزع عند حلول الشدائد والنوازل ، لأن هذه النوازل لا تدوم وسرعان ما تنقضي ، وعلى الإنسان أن يتحلى بالصبر والجلد، وألا يظهر ضعفه أمام الناس، وعليه أن يمنحهم من عطائه ووفائه ؛ لأن الدنيا متقلبة الأطوار، فحزنها لا يدوم وكذلك سرورها ، وكذلك شدتها ورخاؤها ، ومادامت حياتنا غير مستقرة فعلى الإنسان أن يتسربل فيها بسربال التفاؤل، وينزع عنه لباس التشاؤم، قال (من الوافر):
دعِ الأيــامَ تفعـــلُ مـــا تـشـــاءُ وطبْ نفساً إذا حكمَ القضاءُ
ولا تــجــزعْ لحـــادثـةِ الليـــالــــي فمــا لحــوادثِ الـدنيــا بقـاءُ
وكنْ رجُلاً على الأهْوالِ جَلْداً وشيـمتُــكَ السـمـــاحــةُ والوفاءُ
ولا حــزنٌ يـــدومُ ولا ســــرورٌ ولا بــؤسٌ عـلـيــك ولا رخــــاءُ
والشافعي (رحمه الله) يذكر أن الإنسان يصاب أحياناً بملمة يضيق بها صدره، ويشعر أن الدنيا اسودت أمام عينيه، ولا يدري أن المخرج منها بيد الله وحده ، وكلما ضاق الكرب واشتد خناقه حول رقبة صاحبه كلما اقتربت نهايته، ولاحت بشائر الفرج من الله عز، وجل فاشتداد الكروب والمصائب إعلان بقرب نهايتها، وبزوغ فجر الفرج، قال (من الكامل):
ولرُبَّ نازلةٍ يضيــقُ بهــا الفَــتى زَرْعَاً وعند اللهِ منها المَخْرجُ
ضاقَتْ ولمَّا استُحكِمتْ حلقاتُها فرجَتْ وكنتُ أظنُّهـــا لا تُفْــرَجُ
والشوكاني (رحمه الله) يفتح أمام عينيه باب التفاؤل على مصراعيه ، فبالرغم من كثرة ذنوبه فإنه بتفاؤله يطمئن لمغفرة الله لها وقبول دعائه ، حتى إذا ضاق باب الرجاء عليه تذكر فضل ربه العظيم الذي يتسع لكل رجاء ، ونراه يقف ذليلاً أمام عزة ربه مفتقراً إلى عفو خالقه؛ لأنه يعلم أن عمله الصالح لن يبلغه مبتغاه ، من أجل ذلك نراه يعترف بكثرة ذنوبه وخطاياه التي امتلأت بها صحيفة أعماله ، وبالرغم من كل هذا فهو إنسان متفائل، لا تغلق باب تفاؤله كثرة ذنوبه وقنوطه، لعلمه أن الله يقبل كل من رجاه ، ويعين كل من استعان به ، وهذا اليقين بالرجاء إنما هو وليد خلق التفاؤل بعفو الله وغفرانه، قال (من الطويل):
أنـا الـمـذنبُ الجَــانـي علــى كـلِّ حـالةٍ ولكننــي أرجُــو قبـولَ دُعَـائي
فبابُ الرَّجَا ما ضاقَ عني وإنْ يضِقْ ففضلُ إلهي فيهِ كلُّ رجائِي
فمـا طَمَعِــي فــي أنْ أُجَــابَ بــصـالـحٍ عمـلـتُ فإنـي عالـمٌ بخَطـائي
وإنـــــــي مــقــــرٌّ بــالـذنــوبِ فـــإننـي تحملتُ منها ملءَ كلِّ وعاءِ
وإنــي علـــى ذا ذو رجـــاءٍ عذابُــــه الــ ــقُنُــوطُ وراءٌ خلـفَ كلِّ وراءِ
والشوكاني ينشر خلق التفاؤل بين الناس ويقرر أن ساعة التعاسة في الحياة قليلة ، وأوقات الحزن فيها طارئة مؤقتة ، فذكر أن الأيام إذا تعسرت على الإنسان واشتد بأسها عليه فسرعان ما تذوب الشدائد وتصبح الأيام طوع بنانه ، كما أن البدر لا يمكث كثيراً تحت حجاب الغيب، فسرعان ما يشرق ضوءه ، وكذلك السيوف لا تظل طوال الحياة مخبوءة في أغمادها، فسرعان ما تتجرد من جرابها ، وكذلك إذا أظلمت النوائب وادلهمَّت الخطوب، فسرعان ما ينبعث من خلالها النور ويتلاشى ليل هذه المصائب ، وليعلم أهل التشاؤم واليأس أن كل كرب سيعقبه فرج لا محالة ، وهذا الفرج كفيل بأن يأخذ بيد الإنسان إلى تحقيق مراده وآماله، قال (من الخفيف):
وإذا ما الزمانُ صــارَ جَمُوحــاً فهو بعد الجِماحِ مُلْقَى القيادِ
ما تَدومُ البدوُر تحــتَ حجــابٍ مـا تـقـرُّ السيوفُ في الأغمادِ
وإذا احلولكَتْ خطوبٌ أنارَتْ بَعْدَهــا المـشرقـــاتُ بـالإسعـــادِ
كـُـلُّ كَــربٍ يَتْلُــوه فيـما علمنــا فَــرَجٌ كــافِـــلٌ بـنـيــــلِ الـمُــرادِ
( وقيس بن الخطيم ) يعلن شعار التفاؤل أمام جميع الناس مستدلاً بأن كل مصيبة أحدقت
بجماعة من الناس لابد أن تنقشع ويتلوها الرخاء والسعادة، كما أن الإنسان الحريص لا يزداد غنى بحرصه، وأن الإنسان الكريم لا يفتقر من جراء جوده، فأحياناً يكون الكرم سبباً في الثراء كما أن البخل يضع من قدر صاحبه ، ولا يرفع من شأنه ماله الذي يدخره ، والكريم الجواد لا يعيبه السخاء ولا البذل ، وكل مرض يرجى الشفاء منه إلا داء الجهل والسفه والحماقة فليس له دواء، ولا ينتظر منه الشفاء، قال (من الوافر):
وكـــلّ شــديـدةٍ نـزلَــتْ بــقــومٍ سيــأتـي بعـدَ شِــدتِـهـا رَخَــاءُ
ولا يُعطَى الحريصُ غنى لحرصٍ وقـد يَنْمَى على الجودِ الثراءُ
ولـيــسَ بـنـافِـعٍ ذا الــبــخـلِ مـال ولا مُــزرٍ بصــاحـبِـه الـسّــخــاءُ
وبعــضُ الــــداءِ مـلـتـمــسٌ شـِفَـاه وداءُ الـحـمقِ لـيــسَ لــه شفــاءُ
والإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) يقوي من يقين العباد بالله (عز وجل)، فمن كان لديه رصيد وافر من هذا اليقين يرى دائماً متفائلاً بين الناس لعلمه أن الله سيكفيه كل أذى ويفتح له مغاليق الأشياء، فنراه يذكر الإنسان المتشائم بأن صروف الدهر لا تثبت على حالها، فلربما يأتي على الإنسان يوم صفاء يبعده عنه أيام الكدر السابقة ، ويحقق مراده الذي كان يطمح إليه، ويعيش الفقير في رغد من العيش بعد طول فقر ، وينتصر الضعيف على الذليل ، ويعوض الله المحتاج خيراً مما أخذ منه ، وإياك أيها المتشائم من اليأس مما في جانب الله ؛ لأن الله ييسر العسير ، ويبدو أن الإمام علي في هذه الأبيات متفائلاً بدرجة كبيرة، ذلك التفاؤل الذي فتح أمامه أبواب الرجاء المغلقة، ومن مظاهر تفاؤله نراه يكرر كلمة (عسى) في صدر كل بيت ، وهذا التكرار مرجعه إلى إيمانه بالتفاؤل، وتعلقه به، قال (من الطويل):
عسى منهـلٌ يصفو فيــروِي ظَـمْيَةً أطـالَ صدَاها المنهلُ المتكَدِّرُ
عسى بالجنوبِ العارياتِ سَتكتسِي وبالمستذلِّ المستضام سينصرُ
عسى جابرُ العظمِ الكسيرِ بلطْـفِه سيـرتاحُ للعـظـمِ الكسيــرِ فَيُجبِرُ
عـســى اللهُ لا تيــأسْ مِــن اللهِ إنَّــه يَسيــرٌ علــيـــه مــا يَعـزُّ ويَعْـسُرُ
ويتوجه الإمام علي (رضي الله عنه) بنصيحة إلى المتشائمين من البشر قائلاً لهم: علام اليأس والتشاؤم في هذه الحياة وكل أحداثها زائلة بسرورها وأحزانها ؟ فانظر أيها الإنسان المتشائم لما حولك من أحداث ترَ أن أوقات السعادة في حياتك تنقضي وإن طال بقاؤها، كذلك أيام البؤس ستنقضي وتذهب كأيام السعادة، فلا حال تدوم في هذه الدنيا ، لذا من الواجب عليك ألا تحبس نفسك في خندق اليأس، واحذر أن يصيبك داء التشاؤم ثم تذهب نفسك حسرات على ما أصابك من هموم وأحزان، فإن فعلت ذلك فأنت الخاسر، والدنيا زائلة بأتراحها وأفراحها، فلا تستحق منك كل هذا اليأس، قال (من الوافر):
فمــا نــُوَبُ الحــوادثِ بـاقـيـاتٌ ولا البؤسُ يدومُ ولا النَّعيـمُ
كمــا يمضــي سـُـرورٌ وهْو جـَــمٌّ كذلكَ ما يسؤوكَ لا يـدومُ
فلا تهْلِك على ما فاتَ وجْدَاً ولا تُفردْكَ بالأسفِ الهمومُ
والبوصيري (رحمه الله) يُطمئن الأنفس العاصية الوجلة من عقاب الله بما يبثه أمامها من تفاؤل، فهذه الأنفس غرقت في بحر التشاؤم والقنوط بسبب اقترافها الكبائر والذنوب، وقد نسيت أن مغفرة الله واسعة، وعفوه عظيم يشمل الكبائر والصغائر من الذنوب ، والبوصيري يأمل أن تكون نفسه العاصية من جملة هذه النفس التي سينالها عفو الله وحلمه ومغفرته، قال (من البسيط):
يا نفسُ لا تَقنطِي مِن زلةٍ عظُمتْ إن الـكــبــائــرَ فـــي الـغــفــــرانِ كـــالَّلمَمِ
لعــلَّ رحمــةَ ربــي حيـــنَ يـقسـِـمُـهــــا تأتِي على حسَبِ العصيانِ في القِسَمِ
وهذا ( محمد بن حازم الباهلي) يعظ الإنسان المتشائم بألا يستسلم لتشاؤمه ؛ لأن كل هم سيزول عن صاحبه إذا لم يكترث به ، وعندما يتحلى صاحب الهم بالتفاؤل سرعان ما سينقضي ويزول وإن بلغ الذروة ، فالبلايا والخطوب لا تستمر بحال من الأحوال جاثمة على صدر صاحبها في هذه الدنيا؛ لأنها إما أن ترحل عنه وإما أن يأتي الموت فينقذ الرجل من براثن هذه الخطوب فعلى الإنسان ألا ييأس مهما عظم مصابه وطال أمده، قال (من البسيط):
هَوِّنْ عليكَ فكلُّ الأمرِ ينقطـعُ وخَــلّ عــنكَ عــنانَ الـهَــمِّ يـنـدفِـعُ
فكــلُّ هــَمٍّ لــه مِـن بـعــدِه فــرجُ وكـلُّ أمــرٍ إذا مـَـا ضَــاقَ يـتَّسِعُ
إنَّ البلاءَ وإن طالَ الزمانُ به فالموتُ يقطعُه أو سوفَ ينقطعُ
وإسماعيل بن بشار يذكر أن كل إنسان في هذه الدنيا إذا أصابته مصيبة، وطال وقتها، واشتد خطبها، وضاق خناقها، فلا بد لها من يوم ستزول فيه وترحل ، وتنكشف ظلمتها ، وهذا من طباع المتفائلين، قال (من البسيط)
وكلُّ حُرٍ وإنْ طالتْ بليتُه يوماً تُفَرَّجُ غُمَّاه وتَنكشفُ
والشافعي (رحمه الله) يطمئن ذوي القلوب القلقة من أصحاب المعاصي والذنوب بأن عفو الله عظيم وشامل، وهذا من باب تفاؤله، وحسن ظنه بربه، وليس معنى هذا هو التهاون بنظر الله للعبد، والإصرار على المعاصي ، ونراه يهمس في أذن المذنب الخائف من عذاب ربه ووعيده يوم لقائه بأن الله يعفو عن كثير ، ويغفر الزلات، ورحمته واسعة كما أنه منحك أيها الإنسان نعماً كثيرة لا تعد ولا تحد ، وقد لطف بك أيها الإنسان وأنت جنين ضعيف في بطن أمك وعند ولادتك ، ورزقك من حيث لا تحتسب ، ولولا رحمة الله بك أيها الإنسان المسلم اليائس ما كان ألهم قلبك الإيمان والتوحيد ، فلا تيأس من كثرة الذنوب وتراكم السيئات، وعليك أن تقلع عن المعاصي، وتتوجه إلى الله بالتوبة، ثم تتفاءل بمغفرة الله وعفوه عنك، قال (من الكامل):
إنْ كنـتَ تغــدُو فــي الذنــوبِ جليــدَا وتخافُ في يومِ الميعادِ وعيدَا
فـلـــقــدْ أتاكَ مِــن المهــيــمـنِ عــفــوه وأفـاضَ مِـن نعَمٍ عليكَ مزيـدَا
لا تيأسنْ من لطْفِ ربِّكَ في الحَشَا في بطْنِ أمِّــكَ مُضغةً ووليــدَا
لــو شـاءَ أنْ تـَصـلَـى جَـهنـَّـمَ خـاـلِدَاً مــا كــانَ ألْــهــمَ قلـبَكَ التوحيدَا
(وأبو محجن الثقفي) يذكر أن تجمع الخطوب حول الإنسان، واشتدادها أمامه علامة على قرب الفرج والخلاص ، وإشعار بالتفاؤل ، لأن العسر إذا اشتد ففي ركابه اليسر، تمشيا مع مراد الله في كونه، قال (من الطويل):
إذا اشتدَّ عُسْرٌ فارجُ يُسْراً فإنَّه قضَى اللهُ أنَّ العُسْرَ يَتبعُه اليُسْرُ
وقيس بن الخطيم ينتزع من قلوب الناس فتيل اليأس والتشاؤم بذكره أن المصائب إذا نزلت بقوم وأحدقت بهم فعليهم ألا ييأسوا ؛ لأن بعد الشدة يأتي الرخاء، وبعد العسر يُطلُّ اليسر، مثل الأيام التي نعيشها بين حزن وسرور ، والليل لابد أن يعقبه الفجر والضياء، قال (من الوافر):
وكــلّ شــديــدةٍ نزلــتْ بحــيٍّ سيأتِــي بعــدَ شدَّتِهــا رَخـــاءُ
كذاكَ الدهرُ يصرفُ حالتيه ويعقبُ طلعةَ الصبحِ المساءُ
والتشاؤم يحوِّل نعيم الحياة إلى جحيم ويقتل مظاهر الفرحة في نواحيها ، فهذا إيليا أبو ماضي
يذكر أن المتشائمين من البشر لا يفرحون بأعيادهم كما يفرح الناس ، ووجوههم دائماً عابسة، وأجبنهم مقطبة، وشكواهم مستمرة لا تنقطع ؛ لأنهم لا يرون في الحياة إلا الضرر بسبب يأسهم وتشاؤمهم ، وكل واحد منهم لم يدرِ ما أصابه فهو جاهل لحقيقة نفسه، قال (من مجزوء الرمل):
أقــبـــلَ العــيــدُ ولــكـنْ ليسَ في الناسِ المَسَرَّةْ
لا أرى إلا وجـــوهــــاً كــــالــحـــاتٍ مُــكْــفَـهِــرَّةْ
لــيــس للـقــومِ حــديثٌ غير شـكــــوى مُـسْـتَـمِــرَّةْ
قد تسَاوى عندهمْ للـ نـــاسِ نـفـعٌ ومــضَــرةْ
لا تسَلْ ماذا عَـرَاهـمْ كــلُّـهــمْ يجـــهــلُ أَمْــرَهْ
والتفاؤل يجعل جحيم الحياة نعيماً، وترابها تبراً، وأكواخها قصوراً، وفلواتها مروجاً، وحصياتها للآلئاً ، فيلتفت الشاعر إلى الإنسان المتشائم منادياً عليه طالباً منه أن ينبذ التشاؤم ويتحلى بالتفاؤل ؛ لأن سر الحياة يتلخص في الابتسامة والتفاؤل ، والتفاؤل هو الروح التي تنشر السعادة في بدن الحياة الجامدة ، والتفاؤل لا يشترى بأموال أو ضِياع وقصور بل هو في متناول أيدي الناس تقوده الابتسامة والفرحة ، وأحياناً تعشق روح التفاؤل الكوخ البسيط وما فيه كسرة خبز ، وتهرب تلك الروح من القصور العالية العظيمة ، وإذا غشيت روح التفاؤل الغصن اليابس أصبح ناضراً ، وإذا جالت هذه الروح فوق أرض قاحلة غدت مروجاً خضراء مملوءة بالماء والخضرة ، وإذا مست هذه السعادة الحصاة اليابسة جعلتها لؤلؤة نفيسة ، وإذا تفاءل الإنسان استطاع بتفاؤله أن يملك الدنيا كلها ، وإذا غاب عنه هذا الخلق فلن يكون لحياته طعم ولا مكانة، وتصبح الحياة لديه كذرة صغيرة بها، قال إيليا أبو ماضي (من مجزوء الرمل):
أيـُّهَـا الشَّــاكِــي الليـالــي إنَّـــمَــا الــغِبْــطـَــةُ فِــكْــــرةْ
ربـما اســتوطنت الكُــو خَ وما فـي الكــوخِ كِـسـرةْ
وخـلتْ مــنهـا الــقصُــو رُ الـعــالــيـاتُ الـمُـشْمَـخِرّةْ
تلمسُ الغصنَ المُعرَّى فــإذا في الغصنِ نضرةْ
وإذا مَـسَّـتْ حـصــاةً صَـقَـــلَتْــهـَـا فَـهْــــيَ دُرَّةْ
لك مـادامــت لك الأر ضُ ومـــا فـــوقَ المجـرَّةْ
فــــإذا ضـيـَّـعْـتـَـهـــا فــالـكـــونُ لا يَــعْــدِلُ ذَرَّةْ
والبكاء لا يجبر كسر التشاؤم ، والعبوس لا يجلب للإنسان المنفعة ، فالشكوى المستمرة ، والبكاء المتواصل والعبوس الدائم كل هذا لا يفيد الإنسان في حياته ، وسوف يذهب ببهاء الحياة ورونقها، لذا فالشاعر ينادي على الإنسان المتشائم الباكي يرجوه أن يتمهل في بكائه ؛ لأن الدموع لا تفيد ولا تجدي ، ولا تقلل من ثغور التشاؤم ، وأنت أيها العابس لن تجد أحداً من الناس يعطيك ثمناً على هذا العبوس ، فلا تضيع جمال حياتك بعبوسك ، ولا تفسد على الناس حياتهم ، فكل من يبكي ويتشاءم بيده أن يقلب البكاء ضحك والتشاؤم تفاؤلاً ، فمن الواجب عليك أن تتفاءل؛ لأن الإنسان المتشائم العابس متحجر الأحاسيس كالصخرة الصماء، قال إيليا أبو ماضي (من بحر الرمل):
أيـُّـهَا الـبَـاكِـــي رويْـداً لا يَـسُــدُّ الـــدمـعُ ثَــغْـــــرَةْ
أيُّها العـابـسُ لــن تُعـ ـطَى على التقْطيبِ أجرةْ
لا تكـنْ مُـرَّاً ولا تَـجْــ ـــعَلْ حــيـاةَ الـغـــيـرِ مُـــرَّةْ
إنَّ مَن يبكي له حَو لٌ عـلــى الـضَّحِكِ وقدرةْ
فَـــتَـهَـــلَّـلْ وَتَـــــرَنـَّـــمْ فالــفَتَـى العــابسُ صَخْـرَةْ
والإنسان المسلم من طبعه التفاؤل فلا يحزن لكثرة ذنوبه فإن الله يغفرها له بعفوه ذكر ذلك البارودي وطلب من الإنسان أن يبتعد عن الشر حتى تصفو له الحياة ، ويسالم الناس لينجو من شرورهم ، فالإنسان لا يصل إلى طموحه وهدفه إلا بطرح الأضرار التي يخشاها ، ولا ييأس الإنسان من مغفرة الله لذنوبه طالما أنه مؤمن بالله ولقائه، قال (من البسيط):
وَسَلِّــمْ الدَّهْــرَ تَسْلَــمْ مِــن غـَوائِلهِ فَصاحبُ الشَّرِّ لا ينجو مِن الكَدَرِ
لا يبلغُ المرءُ ما يَهْواهُ مِن أَرَبٍ إلا بتـركِ الــذي يخشَـاهُ مِــن ضَـررِ
لا يَقْنَطُ المَرءُ مِن غفرانِ خالقِهِ مــا لــمْ يكـــنْ كَــافِراً بالـبعثِ والقَــدَرِ
والإنسان المتفائل يرى الكون كله سعيداً مغرداً فسيحاً على النقيض من الإنسان المتشائم الذي لا يشعر بالمحبة، ويرى الدنيا كسجن ضيق بالرغم من اتساعها من حوله، هذا ما ذكره إيليا أبو ماضي عندما بين فائدة التفاؤل في هذه الحياة، وانعكاس أثر هذا الخلق على البيئة من حول الإنسان، فأمره أن يوقظ شعور التفاؤل في نفسه إذا نام ذلك الشعور ؛ لأن الناس من غيره يصبحون هياكل خشبية مثل الدمى، وعندما يتفاءل الإنسان يرى الكوخ الصغير الذي يقطن فيه كوناً فسيحاً مضيئاً، وإذا تملكه شعور اليأس والبغض أمسى الكون الفسيح من حوله كسجن مظلم، ولو عشقتِ الصحراء القاحلة لأصبح رملها زهراً ، وسرابها ماءً ، ولا تطلب المحبة من إنسان جاهل ؛ لأن الحب وليد الفهم فلا يحب إلا بعد فهم ، والتفاؤل يسوق عينك إلى الأشياء الجميلة في هذه الحياة، ويغمضها عن كل شيء قبيح فيها ، فالتفاؤل يجعلك تنعم بأزهار البساتين الجميلة دون الانشغال بأشواكها ، ومن يرى النجوم المتلألئة في السماء ينسي لدغات العقارب، وظلم الناس، ويعيش في حياته سعيداً مسروراً، قال (من الكامل ):
أيــقظْ شـعــورَكَ بالمــحبَّةِ إنْ غَــفَا لـولا الشعـورُ الناسُ كــانُوا كـَالــدُّمَى
أَحببْ فـيــغُدو الكـــوخُ كَــوناً نيِّرا أبغِضْ فيُمْسِي الكونُ سِجناً مُظْلِمَا
لَــو تعشقُ الـبيداءُ أصبحَ رَملُــها زهـــراً وصـــارَ ســرابُه الخَـــدَّاعُ مَــــا
لا تَطــلـبنَّ مـحـبةً مـِـن جــاهـلٍ المــرءُ لـيسَ يُحـبُّ حــتـَّى يـفْــهمَــــا
والْهُ بوردِ الرَّوضِ عنْ أشواكِه وَانْـسَ الـعَقـَــاربَ إنْ رأيـتَ الأنْجُــمَا
والشوكاني (رحمه الله) يرغبنا في التفاؤل وعدم اليأس وإن توالت النوازل وتعقدت الأمور، فالإنسان يعلم أن هذه العقد العسيرة سوف يحلها الله له بلطف خفي ؛ لأن الله قد قرن اليسر مع العسر، وجعل لكل عسر يسرين لمواجهته فالغلبة لليسر ، وعلى الإنسان ألا يطرح نفسه في لجة اليأس وليوقن بنصر الله له ، وتفريجه عنه، قال (من البسيط):
لَعَلَّ مَــا حَــلَّ مِن عُقَــدِ الـمُـلِمَّــاتِ يَنْحَـــلُّ عنــكَ بألْطَــافٍ خَفيـِّـاتِ
فالعُسرُ باليُسْرِ مَقْرونٌ كذاكَ أتَى نَصُّ الكتابِ وَعُدْ عنْ ذِي الخَيالاتِ
وقال أيضاً لمن تزاحمت عليه الهموم وتكاثرت من حوله الأحزان : لا تيأس فالله سيفرج عنك كل هذا ، ومن كان موقناً بأن الله ربه وكفيله فكيف ييأس ويهتم وباب نصر الله مفتوح على الدوام؟ قال الشوكاني(من الكامل):
وإذا تَضَايقَتِ الأمورُ على الفَتَى فهناكَ يأتِي ربُّه بالمَـخْرَجِ
مَـن كــانَ مَـربوبَاً فــكـيفَ يهمــُّـه كَرْبٌ ؟ وبابُ إلهَهُ لمْ يرتجِ
وتوفيق محمد جبر يعلي من قدر خلق التفاؤل حين يذكر أهميته في رسم الابتسامة على
وجوه أصحابه، تلك الابتسامة التي تجعل الإنسان ينصر الحق في هذه الحياة أمام المنكرين له ، وتجعله يمسح دموع المحتاج بما يعطيه من أموال ، يعشق الجمال في الحياة من حوله ، ويبعد الهم والحزن عن قلبه، قال (من الرمل):
أَرسـِلْ الخَـاطـرَ فــي أفْــرَاحِها إنَّهَـا لِلخَاطِرِ الـصَّدْيَانِ رِيُّ
وتَفـــاءَلْ طـالــمَا أنتَ بهَا مُشرقُ الآمالِ جَزْلانٌ رَضيُّ
وانْصرْ الــحَقَّ ولا تـيأسْ إذا أنكرَ الحقَّ مِن النَّاسِ دَعِيُّ
وتَعَلَّمْ كيفَ تمحُو الدمْعَ مِن مُقْلةِ المحتاجِ إذ أنتَ الثَّرِيُّ
وَاعْشَــقْ الفَـنَّ فَــذَا عَـالَـمُـــه مُـنْعِشٌ للــروحِ لأْلآءٌ سَنِــيُّ
واجتنبْ همَّـكَ لا تَحْـفَلْ بـهِ إنَّمَـا يُسعِـدُكَ القلـبُ الشَّجِيُّ
ثم يدلل على وجوب التفاؤل عند الإنسان بما في الكون من طرب وتغريد ومناظر جميلة فاتنة، فالكون كله سعيد مسرور فالضوء المشرق ، والرياض اليانعة ، والطيور الصادحة ، والورود الندية ، والنجوم الساطعة في وسط الظلام والأرض الخضراء ، والثمار الناضجة كل هذه مظاهر تبعث في النفس الانشراح والأمل ، لذا يتعجب الشاعر من ادعاء الإنسان التشاؤم بعد رؤيته للطبيعة الضاحكة من حوله ، وينصح كل إنسان متشائم بأن يقلع عن تشاؤمه، ويقتل أحزانه ليستمتع بجمال الحياة من حوله، قال (من الرمل):
كـُـلُّ مَا في الكونِ زاهٍ ضَاحِــكٌ ليسَ فِي أفْرَاحِـــه بـَــاكٍ شَجِــيُّ
السَّــنَا والـــروضُ والــطيرُ الـــذي يـبدعُ الألــحانَ والـــوردُ الـــنَّديُّ
والنُّجُومُ الزُّهْرُ في صدرِ الدُّجَى والمُروجُ الخُضْر والطَّلْعُ الجَنِيُّ
ليتَ شـِعْرِي أيُّ قلـــبٍ يُدْعـَـــي أنـَّهُ فـي هــذه النُّعْــمَى شَقـِـيّ ؟
الحَــياةُ الفــرحةُ الكُــبْرَى فَــمَـــا أنتَ إنْ لمْ تقتلْ الأحــزانَ حَـيُّ
والبارودي رجل متفائل لذا فإنه لا يستسلم للخطوب؛ لإيمانه بالله (عز وجل)، فذكر أنه أسلم نفسه لخالقه راجياً منه العفو لعلمه أنه هو الذي يحفظ الإنسان من كل الشرور والآفات ، وكان يواجه الخطوب بنفس متفائلة مطمئنة، لعلمه أن كل إنسان في هذه الدنيا مبتلَى ، ولا أحد يسلم من غوائلها ، ثم نراه يطمئن قلبه بالصبر الجميل عند نزول الأزمات ؛ لأن هذا قدر يجري على كل الناس، ولابد من الصبر وعدم الجزع ؛ لأن الخطوب لها وقت ستنقشع فيه ويأتي الفرج ليدحض التشاؤم، كما أن نور الفجر يمحو كل ظلام في هذه الحياة، قال (من البسيط):
أسلمتُ نفسي لمولَى لا يخيبُ لَه راجٍ على الدَّهرِ والمولَى هـو الـواقِي
وهوَّنَ الخـطب عنـــدي أنني رجــلٌ لاقٍ من الدهرِ مــا كــلُّ امــرئٍ لاقِي
يـــا قلبُ صبراً جمـــيلاً إنـَّـه قـَــدَرٌ يَجرِي عَلَى المرءِ مِن أَسْرٍ وإطلاقِ
لابدَّ للضيقِ بعد اليأسِ من فرجٍ وكــــــلُّ داجيــــةٍ يــومــاً لإشْـــراقِ
فالتفاؤل خلق عظيم يجعل الإنسان يتحدى كل الصعاب التي تواجهه ، ويحوّل كل الصخور التي تقف في طريق الإنسان إلى سلالم يرتقي عليها ليحظى بمراده ، ويصل إلى هدفه ؛ لأنه يعلم أن من بين هذه الصخور تخرج ينابيع الماء فتحيا بها الكائنات ‘ فينظر إلى الجانب المشرق في كل عقبة في حياته، وهو يوقن أن منح الله في محنه . وعلى النقيض من الإنسان المتشائم الذي يستسلم للأزمات ، ويترك صخورها تلطمه من كل جانب حتى يهوي صريعاَ تحت ركام المشكلات ؛ لأنه يظن أن الصخور لا تحوي في باطنها إلا النار المخبوءة، فنراه ينظر إلى كل أزمة في حياته على أنها نار ستحرقه وتفنيه .
فالإنسان المتفائل سعيد بحياته ‘ راضِ بقضاء ربه، محب لأبناء مجتمعه ، وإذا توفر لأبناء مجتمعنا الرصيد الكافي من هذا الخلق، عاش المجتمع حياة مثالية من الحب والوئام والتفاهم والتقدم.
هيا بنا الآن نمسح من فوق قلوبنا غبار اليأس ، ونصقلها بطلاء التفاؤل حتى نرى القبيح في هذه الحياة جميلاَ ، ونرى الجميل فيها أكثر روعة وبهاءَ، ونشعر بأن كل يوم نعيشه بتفاؤل في هذه الحياة يوازي دهراَ كاملاَ . فهنيئاَ للمتفائلين !.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,093,260,630
- قصيدة شعرية بعنوان (رسول الفؤاد)


المزيد.....




- «الحيل البابلية».. أحدث إصدارات دراسات الحضارة الإسلامية بمك ...
- مكتبة الإسكندرية محاضرة بعنوان -رؤية القلقشندي عن الأقباط-
- واحة الإبداع المقدسية.. أفق جديد لنشر الثقافة العلمية بفلسطي ...
- بعد التهجم على الفنان راغب علامة... حملات تضامن واسعة داعمة ...
- لورانس أبو حمدان فنان يستخلص من صرخات المعذبين عمارة سجونهم ...
- -الجمعية العراقية- و-الأدباء- يحتفيان بالروائي عبد الكريم ال ...
- فيلم رسوم متحركة قصير يجذب انتباه السعوديين (فيديو)
- عاجل.. ماكرون: احتجاجات باريس وضعت فرنسا في أزمة
- العثماني يتباحث بمراكش مع رئيس الحكومة الإسباني
- أبو الهول يتقاعد.. فيلم إباحي أمام الحارس الصامت


المزيد.....

- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد قاسم القنائي - التفاؤل