أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميشيل حنا الحاج - تجربة الولايات المتحدة في الحروب التي خاضتها بعد الحرب العالمية الثانية باءت كلها أو معظمها بالهزيمة والفشل.















المزيد.....


تجربة الولايات المتحدة في الحروب التي خاضتها بعد الحرب العالمية الثانية باءت كلها أو معظمها بالهزيمة والفشل.


ميشيل حنا الحاج

الحوار المتمدن-العدد: 5955 - 2018 / 8 / 6 - 21:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ملاحظة: هذه ليست مقالة مستقلة، بل فصل من فصول كتابي القادم بعنوان: " نحو الاتحاد السرق أوسطي على غرار الاتحاد الأوروبي" .

انتصرت الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، لكنها لم تنتصر لوحدها، اذ ساهمت دول التحالف الغربي في ذاك الانتصار. كما لعب الاتحاد السوفياتي الذي كان على أبواب برلين قبل فترة من وصول الأميركيين الى العاصمة الألمانية، دورا هاما ومفصليا في تحقيق ذاك الانتصار الذي انهى تواجد الدولة النازية. أما بعد الحرب العالمية الثانية، فان الأميركيين قد واجهوا في حروبهم التي تكررت، فشلا يتلوه فشل، مما يشكك في قدراتهم على خوض حرب جديدة مباشرة (ضد ايران هذه المرة) كما يوحون للمملكة السعودية.
فالحرب التي خاضتها في كوريا في بداية خمسينات القرن الماضي بمشاركة دول أخرى، وفي عهد الرئيس ترومان، قد أدت لتجميد الوضع القائم الذي قسم كوريا الى كوريتين، وانتهى بهدنة طويلة المدى تخللتها بعض التوترات، مع توجه كوري شمالي لتطوير مشروع نووي وصاروخي قطع مراحل واسعة في انجازه، ويسعى الآن الرئيس ترامب لاحباطه، عن طريق مفاوضاته الحثيثة مع الرئيس "كيم جون يون" المراوغ في مفاوضاته تلك، وذلك تجنبا من ترامب لمواجهة حرب جديدة مع كوريا الشمالية، قد تنتهي بدورها الى فشل كذاك الذي واجهته مرة تلو الأخرى طوال وبعد خمسينات القرن الماضي.
فبعد الحرب في كوريا، دخلت الولايات المتحدة في حرب جديدة في فيتنام تردد الرئيس العاقل جون كنيدي طويلا في خوضها، مكتفيا بارسال بعض المستشارين لمساعدة حكومة فيتنام الجنوبية في خوضها ضد فيتنام الشمالية، التي كانت تخوض معركة ضد الجنوب الفيتنامي، ساعية لتحريره من النفوذ الأميركي. ولكن ما أن تم اغتيال الرئيس كنيدي في عام 1962، والذي ربما كان امتناعه عن المشاركة في تلك الحرب مشاركة فعلية، هو أحد أسباب اغتياله، فحل محله فورا نائب الرئيس ليندون بي جونسون... شرع الرئيس الجديد فورا في ارسال القوات الأميركية الى فيتنام الجنوبية.
وفي البداية، كان تدفق تلك القوات يتم بالمئات ثم بالآلاف فحسب، ليزداد التدفق اتساعا بعد فترة لم تكن طويلة، حتى بلغ ما تجاوز نصف مليون جندي في المراحل الأخيرة من الحرب. وقد باءوا جميعا بالفشل الذريع في انهاء تلك الحرب نهاية ملائمة لما ابتغته المصلحة الأميركية، مما اضطر أميركا بعدها للشروع بمفاوضات عقيمة قادها وزير الخارجية الأميركية اليهودي الانتماء هنري كيسينجر، والذي دخل أخيرا في مفاوضات طويلة مع فيتنام الشمالية ومع الصين، انتهت في عهد الرئيس نيكسون، بعقد اتفاقية السلام في باريس بتاريخ السابع والعشرين من كانون أول 1973... اتفاقية أنهت الحرب مع فيتنام التي اشتعلت منذ تولي جونسون الرئاسة في عام 1962 أثر اغتيال الرئيس كنيدي.
فتلك الحرب التي شكلت وصمة عار في جبين التاريخ الأميركي، انتهت بهزيمة مروعة للولايات المتحدة، خسرت فيها أميركا عشرات الآلاف من من الجنود القتلى والأسرى، وغادرت بعدها فيتنام مضطرة تجر أذيال الهزيمة والفشل، تاركة في نفوس الجنود الأميركيين ما عرف لاحقا ب "عقدة فيتنام"، التي أشاعها في نفوسهم بروز مقاتلي الفياتكونج لهم فجأة من أعالي الأشجار أو من داخل الأرض عبر أنفاق حفرت فيها.
ورافق الهزيمة العسكرية، هزائم اقتصادية ومعاناة أخرى من خسائر مالية أميركية كبرى أدت الى تراجع سعر الدولار في الأسواق العالمية بنسبة ملموسة كانت مؤذية جدا للاقتصاد الأميركي... لكنها انتهت في ذات الوقت، بانتصار حاسم لفيتنام الشمالية التي قادها "هوشي من"، محققا بعدها اسقاط النظام الموالي للولايات المتحدة في جنوب فيتنام، وانجاز وحدة الفيتناميتين المبتغاة، والتي كانت الهدف الحقيقي الفيتنامي من وراء تلك الحرب.
ولم يتوقف الأمر لدى فشل الولايات المتحدة في هاتين الحربين (كوريا وفيتنام)، اذ وقعت ما يمكن تشبيهه بحرب صغيرة قادها الرئيس كارتر لتحرير الرهائن الأميركيين الاثنين والخمسين الذين أسرهم الطلاب الايرانيون المنتمون لخط الخميني لدى اجتياحهم للسفارة الأميركية في طهران في شهر تشرين ثاني عام 1979. فازاء فشل الرئيس كارتر في تحريرهم عبر بضع جولات من المفاوضات، ونتيجة اتهامه من بعض الأميركيين في الحزب الجمهوري بأنه لا يفعل ما يكفي لتحريرهم، قرر كارتر في 25 نيسان ابريل 1980، تنفيذ عملية عسكرية سرية لتحريرهم من الأسر.
فأرسل الى صحراء "طاباس" القريبة من طهران، بعض الطائرات المزودة بعدد من القوات الخاصة، مهمتها تحرير الرهائن. لكن المشاركين في تلك الحملة ، متأثرين بحالة من الفزع والاضطراب، وبذيول عقدة فيتنام وما بدأ يشاع عن حلول عقدة ايران محلها، تسببوا باصطدام الطائرات ببعضها البعض، مما أدى الى مقتل عدد من المشاركين في تلك الحملة، وبالتالي الى فشل عملية "مخلب النسر" (weagles clow ) كما أسماها كارتر، مما اضطرالرئيس الأميركي لتنفيذ عملية أخرى، وذلك بارسال مزيد من الطائرات لانقاذ المجموعات التي كانت عملية الانقاذ الأولى تضمهم، خوفا من وقوعهم أيضا في أسر الايرانيين، فتنزداد بذلك قضية الرهائن الأميركيين تعقيدا. وتلك كانت هزيمة أخرى وفشل آخر لعملية عسكرية أميركية افترض فيها أنها قد اتخذت كل الاحتياطات اللازمة لضمان نجاحها.
أما الجولة الأخرى من الفشل العسكري الأميركي، رغم النجاح العسكري الباهر في بدايته، فقد كانت في الحرب الدولية التي قادتها أميركا ضد العراق بمشاركة 28 دولة، وذلك سعيا لتحرير الكويت من الغزو العراقي. وبدأ الاستعداد لتلك الحرب الدولية منذ الثالث من آب 1990 ، أما الحرب الفعلية فقد بدأت مع فجر السابع عشر من كانون الثاني 1991، واستمرت حتى فجر اليوم الأول من نهاية شهر شباط (فبراير) 1991. وخلالها أمطر الأميركيون وقوات التحالف، العاصمة بغداد ومدنا عراقية أخرى، اضافة الى مواقع القوات العراقية في الكويت، بجولات متواصلة من الاغارات الجوية، اضافة الى صليات متواصلة من صواريخ التوماهوك لكل هذه المواقع.
واستطاعت القوات الأميركية فعلا حسم المعركة في الكويت، مما اضطر القوات العراقية للانسحاب منها على عجل منذ الثالث والعشرين من شباط (فبراير)، انسحابا أخذ طابع الهرولة، لكن مع ملاحقة الطائرات الأميركية والبريطانية لهم وهي تقصفهم، رغم كونهم في حالة انسحاب حسب المطلب الأميركي. وكان بعض المنسحبين قد ألقى سلاحه، بل ورفع الرايات البيضاء تأكيدا لكونهم في حالة من الاستسلام، مما أدى بعد مقتل العديد منهم، لتسمية ما حدث يومئذ، باسم مذبحة البط أو الديوك الجالسة، نتيجة عدد الضحايا الكبير الذين سقطوا في تلك المذبحة، كما أسماها العديد من الكتاب والمعلقين.
لكن ذلك كان حتى نهاية الثالث والعشرين من شباط، وربما في جزء من الرابع والعشرين منه، لأن كل شيء قد تبدل بعد ذلك. فالقوات الأميركية التي توغلت بعمق عشرات ان لم يكن بضع مئات من الكيلومترات في بعض المواقع داخل الأراضي العراقية، وذلك في الرابع والعشرين من شباط ، وفي نيتها التوجه الى بغداد لقلب صدام حسين والنظام السياسي القائم فيه... قد أمرت فجأة بالتوقف في مواقعها وعدم مواصلة الزحف نحو بغداد.
ولم يعلم أحد في حينه أسباب هذا التبدل المفاجىء في الموقف الأميركي. ولكن ما تبين فيما بعد، أن أقمار التجسس الصناعية الأميركية والمعلومات الاستخبارية، قد اكتشفت فجأة بأن حرس الثورة الايرانية الذين تسللوا على دفعات خلال الحرب وأثناء انشغال القوات العراقية بقتال الأميركيين... قد باتوا الآن على مقربة من بغداد (مائة كيلومتر منها) يؤازرهم عدد من شيعة العراق وباتوا عمليا في حالة حصار للعاصمة العراقية، ويستعدون لاقتحامها بين يوم وآخر. وهنا أدرك الرئيس بوش الأب أن المحظور قد وقع، وأن التدخل الايراني الذي لم يحسب حسابا له لدى تقييمه الموقف قبل الشروع بحربه ضد العراق، اعتقادا منه بأن ايران قد خرجت مهزومة قبل عام ونصف من حربها مع العراق، وأنها بالتالي ليست قادرة على خوض حرب جديدة بعد فترة زمنية قصيرة من تلك الحرب... اكتشف الآن أن ذاك التقييم كان تقييما خاطئا، وبالتالي ترتب على قواته أن تدخل في حرب أو مواجهة عسكرية مع الايرانيين، قبل أن تدخل في مواجهة عسكرية مع الحرس الجمهوري العراقي. وهذا أمر لم يرق للرئيس بوش.
فالقوات الأميركية التي تحررت مؤخرا مما سمي بعقدة فيتنام، باتت تواجه الآن معضلة امكانية انبعاث عقدة فيتنام في نفوسهم، لكن هذه المرة باسم عقدة ايران، خصوصا بعد ما عرف عن شراسة المقاتلين في حرس الثورة الايرانية التي يقود "قاسم سليماني" فيلق القدس فيها، وعن اضفائهم الصبغة الدينية على عمليات قتالهم، باطلاق صرخة مفزعة في وجه الجندي المقابل قائلين: "يا حسين..يا علي"، مما سيؤدي الى اشاعة الرعب في نفس المقاتل الأميركي المقابل، وخصوصا في لحظات الالتحام المباشر وبالأسلحة البيضاء التي قد تصل اليها المعارك معهم، والتي يتوق الى خوضها مقاتلو حرس الثوة الايرانية.
وهنا وجد بوش نفسه مضطرا لاصدار أوامره بوقف الزحف نحو بغداد تجنبا لعقدة ايران المتوقع انتشارها في صفوف جنوده. لكنه وجد نفسه مضطرا أيضا للدخول في مفاوضات سرية مع صدام حسين، طالبا منه التعامل مع الايرانيين نيابة عن الأميركيين، مقابل تعهد بوش الأب بعدم التعرض للنظام العراقي مستقبلا. ويبدو أن الرئيس بوش، الذي أصدر فعلا تعهدأ لصدام حسين بعدم التعرض للنظام العراقي مستقبلا، قد قدر آنئذ، بأن تعهده ذاك، كان ثمنا بخسا لتجنب اقدام الايرانيين على تحقيق النصر في بغداد باسقاط نظام صدام حسين، واحلال أحد الملالي في مقعد القيادة العراقية.
فالولايات المتحدة التي عانت الكثير من نظام الملالي في ايران، لم ترغب في تواجد نظام ملالي آخر في بغداد. وبالفعل، وتنفيذا لتعهد بوش الأب الذي لم يحترمه ابنه بعد بضع سنوات، فقد بقي صدام حسين في مقعد الرئاسة منذ 1991 وحتى عام الفين وثلاثة ( أي اثني عشر عاما)عندما غزا بوش الابن العراق وأسقط نظام صدام حسين.
ففي هذه الحرب، ظهرت عقدة ايران محققة نصرا ايرانيا معنويا على الأميركيين رغم عدم خوضهم معارك قتالية فعلية معهم، كما حققت من ناحية أخرى نصرا معنويا آخر للعراق، رغم هزيمتهم السابقة التي اضطرتهم للانسحاب من الكويت، ولكنها هزيمة بطعم النصر، نتيجة اضطرار بوش للتعهد بعدم التعرض مستقبلا للنظام السياسي القائم في العراق بقيادة صدام حسين.
أما الحرب الأخرى التي عانت منها الولايات المتحدة هزيمة منكرة، فهي تلك التي خاضتها بعد عشر سنوات في افغانستان اثر الهجمات الارهابية التي نفذها تنظيم القاعدة في الحادي عشر من أيلول عام 2001 على البرجين في نيويورك، وكذلك على مبنى البنتاغون في واشنطن، حيث مركز القيادات العسكرية الأميركية.
ففي نهايات عام 2001، شرع الرئيس بوش الابن بغزو أفغانستان، باعتبارها مركز تواجد قيادات تنظيم القاعدة التي نفذت تلك الهجمات الارهابية التي أصابت كبرباء الولايات المتحدة في الصميم. ولكن رغم كل الجهود العسكرية في افغانستان الساعية على مدى ستة عشر عاما أو أكثر، لاستئصال تنظيم القاعدة وحلفائهم من مقاتلي طالبان، لم تتمكن أميركا من تحقيق أهدافها تلك. فلا هي استطاعت استئصال تنظيم القاعدة، ولا استطاعت تحجيم حركة طالبان التي ما زالت حتى عام 2018، قوية وتقاتل الأميركيين وحلفائهم الأفغان، أو من بقي من الأميركيين في افغانستان (يقدر عددهم بعشرة آلاف مقاتل وخبير عسكري) بعد انسحابهم المخزي من الدولة الأفغانية منذ عام 2016... بعد قتال دام ستة عشر عاما، ولم يزل مستمرا حتى الآن مع من تبقى منهم في أفغانستان، من باب حفظ ماء الوجه الوجه الأميركي.
ولكن مغامرات بوش الابن العسكرية، لم تتوقف لدى غزو أفغانستان، اذ أنه أتبعها بعد عام وبضعة شهور، بغزو العراق في شهر آذار (مارس) 2003، بذريعة تدمير أسلحة الدمار الشامل المتواجدة لديه، علما أن السبب الحقيقي وراء مغامرته تلك، كانت السعي لتقسيم العراق الى دويلات، مع رغبة دفينة للانتقام لوالده الذي اضطر لعقد صفقة الدبلوماسية السرية مع صدام حسين، والتي تعهد فيها بعدم التعرض لنظامه السياسي القائم.
ولكن بوش الابن كان على أرض الواقع بغزوه للعراق، ينقض اتفاقا دوليا طالما احترمته الدول الصغيرة والكبيرة، (باستثاء اسرائيل التي لا تحترم وعودها ولا حتى قرارات مجلس الأمن الدولي). وقد احترمت الولايات المتحدة من قبل تعهدا مشابها قطعه الرئيس الراحل جون كنيدي للرئيس السوفياتي خروتشوف، التزم بموجبه للاتحاد السوفياتي بأنه اذا سحب صواريخه من كوبا، فان الولايات المتحدة تتعهد بعدم التعرض مستقبلا للنظام السياس القائم في كوبا، والذي وضعت الصواريخ السوفياتية على أراضيها بغية حمايتها من هجوم أميركي محتمل، قياسا على هجوم سابق شكل ما عرف بمعركة خليج الخنازير، والتي شكلت بدورها هزيمة أخرى لحروب تخوضها الولايات المتحدة أو يخوضها حلفاؤها بمشاركة أميركية. ولقد حافظت الولايات المتحدة فعلا وحتى الآن على تعهدها ذاك المتعلق بكوبا. ذلك أن النظام السياس الكوبي ما زال قائما حتى الآن، ولم يتعرض قط لهجوم من أميركا حتى بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتفككه، وذلك حفاظا واحتراما للتعهد الذي قطعه الرئيس كنيدي لمصلحة كوبا. أما بوش الابن، فلم يحترم تعهد والده لصدام الذي ظل حتى اليوم الأخير السابق على الغزو الأميركي، يستبعد وقوع ذاك الغزو على بلاده، نتيجة قناعته بأن الأميركيين يحترمون تعهداتهم، وهو يملك تعهدا بعدم التعرض لنظامه.
لكن الغزو الأميركي للعراق، واجه الفشل أيضا رغم نجاحه المبدئي في اجتياح العراق بتعاون من الأكراد الذين فتحوا للقوات الأميركية الحدود الشمالية للدخول بأمان الى بلاد الرافدين، كما نجح بوش الابن في اعتقال صدام حسين وتنفيذ حكم الاعدام فيه بعد محاكمة هزلية له.
ولقد فشل الغزو الأميركي نتيجة المقاومة الشعبية المسلحة التي وجه بها في الداخل، اضافة الى الاستنكار الدولي له، ولكون مبرراته المعلنة لم تكن صحيحة (كما ثبت لاحقا)، اضافة الى كون أهدافه الحقيقية هي تفتيت دولة الى دويلات، دون استفتاء شعبها حسب مقتضيات حقوق الانسان. وهذا كله مما اضطر الأميركيين للانسحاب من العراق انسحابا مبكرا، يجرون معهم أذيال الخيبة والفشل في تحقيق هدفهم الحقيقي وهو تفتيت العراق الى دويلات.
فازاء كل هذا التاريخ الأميركي الفاشل عسكريا، منذ الحرب العالمية الثانية، في تحقيق أهدافهم في الحروب العديدة التي خاضوها، كيف بوسع المملكة السعودية الاعتماد على وعودهم بخوض حرب ناجحة ضد ايران، تسقط النظام الاسلامي الثوري فيه، وهي الدولة التي تخشى قواتها المسلحة الى الآن عقدة ايران، التي اضطرت بوش الأب للتخلي عن اجتياح بغداد في عام 1991 تخوفا من تلك العقدة الرهيبة.
لكن فشل الأميركيين في الكثير من حروبهم، باستثناء حربهم ضد العراق لتحرير الكويت في الجزء المتعلق بتحريرها فحسب بتعاون مع 28 دولة أخرى، لم يحل دون كونهم بارعين في المكيدة والتآمر والعمليات الاستخبارية التي تبلي فيها ال CIA بلاء حسنا، وتجيد حياكة خيوطها بأصابع ماكرة ومحترفة، أكثر من براعة قواتهم العسكرية في الحروب. وهي غالبا ما تلجأ اليها لاسقاط أنظمة سياسية لا تروق لها، أو لا تنسجم مع مخططاتها واستراتيجياتها.
وكان أبرز مثال لها في التآمر، ذاك الانقلاب على الدكتور محمد مصدق، رئيس وزراء ايران في الخمسينات، وهو الرئيس الذي أمم النفط الايراني (كما أمم جمال عبد الناصر بعده قناة السويس). فسلوك الدكتور مصدق، لم يرق للولايات المتحدة، ولذا نفذت السي آي ايه انقلابا عسكريا قاده الجنرال زاهدي، قائد الحرس الامبراطوري، وحل محله في رئاسة الوزراء. وبعده بفترة قصيرة، وخلال الخمسينات أيضا، تآمرت أميركا بمشاركة بريطانيا على الرئيس الأندونيسي أحمد سوكارنو، الرئيس المتحالف مع الحزب الشيوعي الأندونيسي الذي باركه رئيسا مدى الحياة، وجاؤا محله في مركز القيادة، بالجنرال سوهارتو، وهو الجنرال الذي نفذ أحكام اعدام بأكثر من نصف مليون شيوعي...كما ورد في تقرير لأحد رؤساء وزارات أستراليا السابقين، الذي زار أندونيسيا وأجرى تحقيقا مستفيضا في هذا الشأن. ومثله أيضا التآمر على اليساريين في تشيلي، وذلك بتنفيذ انقلاب في عام 1973 على الرئيس سيلفادور اليندي المنتخب شرعيا من الشعب التشيلي. ونفذ الانقلاب الجنرال بينوشيه الذي حكم البلاد بقبضة حديدية. ومن أجل النجاح في ذلك، نفذ عمليات اعدام كبرى ضد الشيوعيين واليساريين التشيليين، أسوة بما فعله من قبله الجنرال سوهارتو في أندوسيا. وبلغ عدد من نفذ فيهم أحكام اعدام بعد محاكمات صورية وقصيرة، عشرات ان لم يكن مئات الآلاف من التشيليين الأبرياء. بل وأعدم بعضهم لمجرد الاشتباه بكونه يساريا أو شيوعيا.
أضف الى ذلك، سلسلة أخرى من الانقلابات العسكرية نفذتها السي آي ايه في عدة جمهوريات في أميركا اللاتينية، وهي الجمهوريات المسماة بجمهوريات الموز، وكانت نتيجتها المجيء بحكومات موالية للولايات المتحدة على أنقاض حكومات انتخبها الشعب، لكنها لم ترق للأميركيين.
فهذه النجاحات الأميركية كلها، كانت جميعها نتيجة التآمر وللعمليات الاستخبارية الأميركية الناجحة جدا، ولم يكن أي منها افرازا لحروب ناجحة. أما بالنسبة للحروب الفعلية، فذاك شيء آخر، وغالبا ما تنتهي بالفشل الذريع كما في فيتنام وأفغانستان.
ومن هنا لا بد من طرح الاحتمال الكبير، ومضمونه بأنه قد يكون محور حثهم السعودية على خوض حرب كهذه ضد ايران، مجرد حركة تآمرية أخرى، تسعى اضافة لبيع السعودية أسلحة بمليارات الدولارات، لاشاعة الفوضى في المنطقة... فوضى قد تؤدي فعلا وفي نهاية المطاف، لوضع مشروع الاتحاد الشرق أوسطي في هاوية النسيان (كما ورد تفصيلا في الفصل السابق)، ولو لعدة عقود تمكنهم من تنفيذ مشروعهم العتيد للشرق الأوسط الجديد بثوبه الجديد. لكنها قد لا تفلح في اسقاط نظام الملالي في ايران، والذي ربما تتوق أميركا كثيرا لانجازه، ولكن ليس عبر مغامرة عسكرية قد تلقى الفشل، قياسا على ما واجهته في حروب عدة كحروبها في كوريا، وفيتنام وأفغانستان، بل عبر تخطيط تآمري قد يكون من أبرز معالمه، تثوير الأقليات في ايران كالبلوش والتركمان والأكراد والعرب.
ومن هنا بات من الضروري جدا بل والحتمي، التأني والتقييم الحذر والعميق، قبل الاقدام السعودي أو العربي، على مغامرة قد لا تقل هزلية بنتائجها، عن الهزل والسخرية الذي طال الأميركيين لدى محاولة الرئيس كارتر انقاذ الرهائن ال 52 الأميركيين من أيدي الطلبة الايرانيين السائرين على خط الخميني، فانتهت محاولته تلك بالفشل في صحراء طاباس، بل وباقتراب القوات الأميركية الخاصة التي جاءت لانقاذهم، من وقوعهم هم بالأسر أيضا، وبالتالي ارتفاع عدد الرهائن لدى الايرانيين الى رقم مذهل، مما اضطر كارتر لتنفيذ عملية انقاذ لانقاذ من جاءوا منقذين لهؤلاء ال 52 رهينة أميركية لدى الايرانيين.
ميشيل حنا الحاج - مفكر - كاتب ومحلل سياسي.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,328,642,078
- نداء نداء نداء
- الخلافات الطائفية بين السعودية وايران
- العوامل التي تستدعي الاستعجال في التوجه نحو الاتحاد الشرق أو ...
- الاتحاد الشرق أوسطيعلى غرار الاتحاد الأوروبي: هل هو مجرد احت ...
- لماذا تحجب مقالاتي ومتى تحجب عن صفحات فيسبوك
- هل يعرف أحدكم ماهو النشيد الوطني الإسرائيلي الصهيوني ؟؟
- متى يشمر الفلسطينيون عن سواعدهم وينطلقوا نحو ثورة شاملة مسلح ...
- مفاجاآت تليها مفاجاآت في عالم ألف مفاجأة ومفاجأة
- اليهود من الموحدين فلا يجوز قتالهم: هكذا أفتى الشيوخ وبعض ال ...
- الطروحات الأساسية التي أسقطها ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة ل ...
- الارهاب في سيناء، أسبابه ودور اتفاقية كامب ديفيد في تناميه
- حرب الرياض وطهران الباردة، تتحول لحرب ساخنة باكتمال التحقيق ...
- أسرار خفية وراء التطورات الأخيرة في السعودية، يرافقها دور غا ...
- غموض واسرار وراء التطورات الأخيرة في السعودية، ودور سعد الحر ...
- هل تؤدي التطورات المتسارعة في السعودية الى اقتراب المملكة من ...
- الممرات الآمنة لداعش في معارك الفلوجة والرقة والموصل وانعدام ...
- هل يتوجه الأمير محمد بن سلمان نحو العروبة التي يحاول الاسلام ...
- أهم افرازات القضاء على دولة داعش، تكريس ظهور دولة الاكراد
- Aloha ساخنة أو ساخرة للرئيس ترامب، صادرة عن ولاية هاواي المؤ ...
- هل ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأميركية أم للولايات المتحد ...


المزيد.....




- السودان.. المجلس العسكري الانتقالي يدرس استقالة 3 من أعضائه ...
- الملك سلمان وولي عهده يوجهان رسالتين لزيلينسكي
- بيان تضامني مع انتفاضتي السودان والجزائر
- بعد هجمات عيد الفصح.. مسلمو سريلانكا يخشون الانتقام
- إنقاذ أم وابنتها من الموت غرقا في اللحظة الأخيرة (فيديو)
- إحصاء يرصد عدد الألمان الذين استخدموا خانة -مزدوجي الجنس-
- بسبب الاحتراق النفسي والكآبة والخوف... تزايد أعداد الذين يصا ...
- -القاتل الأغرب في العالم-... أرادت تنظيف أسنانها فقتلها معجو ...
- السودان: الجيش يوافق على معظم مطالب -قادة الاحتجاج-
- في تحرك نادر... سفينة حربية فرنسية تعبر مضيق تايوان


المزيد.....

- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء السادس / ماهر جايان
- المنظور الماركسى الطبقى للقانون - جانيجر كريموف / سعيد العليمى
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الخامس / ماهر جايان
- عمليات الانفال ،،، كما عرفتها / سربست مصطفى رشيد اميدي
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الرابع / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الثاني / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الأول / ماهر جايان
- الحق في الاختلاف و ثقافة الاختلاف : مدخل إلى العدالة الثقافي ... / رشيد اوبجا
- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميشيل حنا الحاج - تجربة الولايات المتحدة في الحروب التي خاضتها بعد الحرب العالمية الثانية باءت كلها أو معظمها بالهزيمة والفشل.