أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد رمضان على - الشقراء أم الثلاث















المزيد.....

الشقراء أم الثلاث


سعيد رمضان على

الحوار المتمدن-العدد: 5953 - 2018 / 8 / 4 - 16:13
المحور: الادب والفن
    


يقدم الكاتب السوري نبيل حاتم في قصته (الشقراء أم الثلاث) رؤية بالغة الدلالات ، تكشف عن كاتب قادر على استيعاب الواقع ، وهضمه وتجاوزه، صحيح انه ينحاز إلى الثوريون الذين يثورون يحركهم حلم الحرية والتغير ، لكن هذا الانحياز ليس أعمى أو قاصرا ، بل انحياز ينسجم مع رؤية معينة ، بأن النجاح لن يتم بمعزل عن التاريخ والهوية ... ولا بشكل مفرد .. أي الرجل فقط دون المرأة ، مع لغة تعطى عدة دلالات موحية .
ويلفت النص النظر بثورتان :
الأولى وهى الظاهرة منه : الثورة ضد المحتل الأجنبي
الثانية : غير ظاهرة لكنها مرجوة ومرغوبة وهى ثورة المرأة على وضعها
وتتشابك الثورتان وتلتحمان في نسيج النص كاللحمة والسدى
وبطل قصة الشقراء يحدث له تغير فور حصوله على البارودة ، التي ترمز إلى الثورة ، لقد شعر بأنه يمتلك كنزا وان العالم يطارده للحصول عليه ، ولم يعد يعيش حياته العادية .. لقد تغير تغيرا كليا ، ويسرد النص :
(كان يحبها، بل يعشقها و يحب فيها أدق التفاصيل.. يداريها كالعين الرمداء، و منذ الليلة الأولى يوم أحضرها إلى البيت ، نامت في فراشه و ضمها إلى صدره حتى الصباح ، لأول مرة في حياته أدار ظهره لزوجته رَضيّة، )
هذا التغير لم تفهمه الزوجة ، لقد شعر البطل بأن في يديه مفتاح الخلاص .. لكن مفتاح الخلاص نفسه كان هو مفتاح الهلاك ، لأن البارودة التي امتلكها ليست سورية أصلا أو عربية , إنها فرنسية الصنع كما يذكر الحوار :
(-هل هي فرنسية..
-نعم.. إنها فرنسية.. لقد أخذتها من حضنه عنوةً .. )
وهى تطلق ثلاث طلقات , وقد أخذها وحارب بها مشتركا في الثورة , إن كلمات مثل : ثورة – فرنسية ، تذكر بالثورة الفرنسية , التي رفعت شعار الحرية والإخاء والمساواة , تماما ثلاث كلمات مقابل ثلاث طلقات للبارودة فرنسية الصنع , هل هي مجرد مصادفة أم أحكام في النص , ولا أظن المصادفة ستكون هي الإجابة , فيكون إمامنا النسج الفني الدقيق , ويكون إمامنا تبعا لذلك سؤالا مشروعا , إذا كانت البارودة هي روح الثورة الفرنسية التي نقلت إلى أرجاء العالم شعلتها وأشعلت جذوة الحماس في قلوب الأحرار من اجل وطنا أكثر جمالا فلماذا خانته ؟؟
الإجابة تكشف فعلا عما وراء النص , وإسقاطاته على الواقع الحالي , ليس سهلا أن ينبع التغير بشعارات تأتى من الخارج وليس سهلا أن نرفع شعارات الأخرين لنتخذها شعارا لنا , لدينا بيئتنا وروحنا وتراثنا وتاريخنا نستلهم منهم , رؤية واضحة لمستقبلنا .
فعل التغير إذا جاء بأفكار من الخارج ستفشل هذه واحدة من أطروحات النص , الطرح الثاني المثير فيه هو ما قاله النص في المقطع التالي :
( حاول أن يجعلها درعاً بينه و بيني )
وهو قول يسمح بالإسقاط على الحاضر , فالأجنبي- فرنسي أو أمريكي يحاول أن يستغل الحرية والديمقراطية من اجل استغلال الأخرين والسيطرة على مقدراتهم محتميا بشعاراته عن الحرية وتحرر الشعوب , وإذا كانت البارودة سقطت منه , فقد سقط من الأجنبي كل ما يستره ووقف في النهاية مكشوفا أمامنا عاريا بدون زيف أو خداع ..
أن المجتمع الذي رفع شعار الحرية والإخاء والمساواة، هو نفسه المجتمع الذي دمر الحرية والإخاء والمساواة باحتلاله بلاد الناس الأخرين، وقتلهم وتعذيبهم وعمل على تشريد الأطفال وتيتيمهم واغتصاب النساء , وتدمير كل ما هو أنساني ونبيل .
التحول الهام في القصة :
هناك تحول رامز ومهم .. فطقوس الحرب والثورة في هذا النص انحصرت فقط في عالم الذكورة ، فبطل النص الرجل حصل على البارودة من رجل أخر ( فرنسي ) وهناك الجار أبو نسيب .. جميع من اشترك في الثورة كانوا من الرجال ، بينما احتلت المرأة منطقة هامشية بالصمت والرضى والبقاء في البيت ، لكن يحدث تحول مهم في نهاية النص بتسليم البارودة إلى الزوجة ، إن هذا التحول حرر النص من دائرته الضيقة وأعطاه طاقة رمزية معبرة وموحية ، فالمرأة المهمشة دفعت إلى مركز الصدارة لتحتل منطقة هامة في النص ، إن هذا التحول لافت ، فالزوجة كانت أسيرة قيود مفروضة منها على نفسها :
(منذ تلك الليلة أطلق عليها أسماً غير أسمها الحقيقي "الشقراء أم الثلاث"، لم تسأل رضية" لماذا أم الثلاث"؟ خافت أن يتهمها هاني بالجهل و قلة المعرفة ، كعادته )
ورغم إنها سألت في النهاية كما عبر المقطع التالي :
(أعاد الكأس الفارغة إليها فأخذتها منه و تعمدت أن تمسك يده بكل أصابعها، فاستوقفت يده و الكأس فيها و قالت:
- هاني لماذا أطلقت عليها اسم "الشقراء أم الثلاث )
إلا انه سؤال جاء في لحظة حنان ووداع ، وكان هناك خوف أخر ، هو خوف الفقد الذي طغى على الخوف العادي من الاتهام بالجهل ، لكن خوف الفقد عبر عن طبيعة المرأة بصورة صادقة ، فهي تتضامن بشكل عفوي وصادق مع قلبها وإنسانيتها، فنحن هنا أمام امرأة تحوى السلب والإيجاب .
وإذا كان الخوف جعلها تصمت ، فهو ما أدى إلى وعى خاطئ بالشعور بالنقص وتفوق الرجل على المرأة وانه افضل منها ، إن هذا الوعي الخاطئ كان له حضور طاغي على النص ، ولكن النص أعطى للمرأة حضورها بداية من العنوان ( الشقراء أم الثلاث )
فكلمة الشقراء لها مدلول أنثوي و جمالي أيضا من حيث اللون ، بينما كلمة (أم ) دالة على الأمومة ، والثلاث معروفة ، فتغيب الأنثى في النص تم تعويضه بالحضور القوى في العنوان ... ومما يلفت النظر في العنوان هو غياب التخصيص .. فلا يوجد اسم معين لامرأة ما .. وإنما الشقراء .. وهو لقب عام يطلق على نساء حاملين صفة الشقرة ، وما إن ندخل إلى النص ، حتى نكتشف إن العنوان يحمل معنى أخر عن الثورة ، وقد بدا لنا أن العنوان يجعلنا نظن شيئا ، ثم نجد داخل النص شيئا أخر ، لكن الواقع أن ظننا الأول عن الأنثى هو في محله ، فالعنوان يشير إلى الأنثوية ، لكنه يشير إلى المنبع ( أم ) وبذا يرد الواقع إلى أصوله .. فالمرأة هي العنصر الأكثر جذرية في كل الثورات .. وعندما تسلم البارودة في نهاية النص إلى الزوجة / المرأة .. فهو تأكيد على تلك الجذرية ..كما انه رمز لعمليه تعديل وإصلاح ، وبذا يكون الكاتب قد وضع المرأة داخل حركة المجتمع ، مؤكدا إن في عزلتها ضررا عاما . وبذا يكون العنوان له مدلولان :
الأول : الأنثى .. والثاني البارودة أو الثورة ..
لكن إذا كان النص أعطى للرجل السيطرة ، وجعل الأنثى في منطقة الضعف والغياب ، فقد حاول نزعها من تلك المنطقة ، وإحضارها إلى منطقة الحضور عبر المفردات مثل الحب والجمال والشقرة وغيرها .. صحيح إن الحديث عن الثورة لكن التوظيف كان ذكيا عبر المفردات التي تقصد الأنثى .
أما الاسم ( رضية ) فقد يحمل معنى الرضى بالأوضاع في أحد وجوهه، لكنه قد يحمل أيضا الضرر في الوجه الأخر منه ، فيمكن رفع تاء التأنيث من الاسم وقلبه فيصبح ( يضر ) فالرضى التام باستمرار يحمل ضرره ، لكن رفع تاء التأنيث يحيلنا فورا إلى الرجل الذي سمى رضية باسمها وجعلها تعيش حياتها في الغياب والجهل .. فيقع الضرر على الجميع .
إن رضية شخصية حية تحمل سمات جوهرية ، لها حضور فريد ، تتجمع عندها باقي الشخصيات ، في حضورها نرى الأحداث من خلال الروى ، سواء كان السارد أو بطل القصة هاتى أو الجار أبو نسيب ، فنحن نعرف الكل في حضورها ، وكما تحافظ المسرحية على وحدة المكان ، فأن رضية تصبح هي الوحدة ، كأن ضعفها استحال إلى قوة ، أما النهاية التي استحالت إلى موت فقد بدت رامزة لحياة مختلفة ، عبر وعى جديد مأمول لا ينكشف بشكل مباشر، لكننا نشعر به يتشكل في رحم الغيب .
-------------





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,106,649
- حكاية (( ليلة حزن في قصر الوالي )
- - ملكوتية -
- رواد الفن التشكيلى فى فلسطين - الجزء السادس
- رواد الفن التشكيلى فى فلسطين - الجزء السابع
- رواد الفن التشكيلى فى فلسطين - الجزء الثامن والأخير
- رواد الفن التشكيلى فى فلسطين - الجزء الرابع
- رواد الفن التشكيلى فى فلسطين - الجزء الخامس
- رواد الفن التشكيلى فى فلسطين - الجزء الثانى
- رواد الفن التشكيلى فى فلسطين - الجزء الثالث
- رواد الفن التشكيلي في فلسطين – الجزء الأول
- تاريخ الفن التشكيلي الفلسطيني – الجزء الثالث والأخير
- تاريخ الفن التشكيلي الفلسطيني – الجزء الأول
- تاريخ الفن التشكيلي الفلسطيني – الجزء الثاني
- رقص العقارب
- قراءة في قصة ( زوجة العياشي )
- أدب الفانتازيا وأدب الخيال العلمي
- الجسور
- قراءة في قصة - مرتفعات الحياة .. منخفضات الوقت -
- قراءة في قصة ( بيت العنكبوت )
- قراءة في قصة ( رانيا )


المزيد.....




- مواجهة الخطر الإيراني توحد المغرب وأمريكا
- دموع عسكري لبناني تثير حرقة بقلوب فنانين ولبنانيين كثيرين... ...
- مونيكا لوينسكي تنتج فيلما بعنوان -15 دقيقة من العار-
- مجموعة متنوعة من العروض الفنية بمعرض الشارقة الدولي للكتاب
- أمريكا: الملك محمد السادس يقوم بإصلاحات جريئة
- بوتين يصفع البوليساريو.. انطلاق أول قمة روسية إفريقية
- مرشحان لخلافة العماري على رأس جهة الشمال
- تحصن رجل في متحف جنوبي فرنسا والشرطة الفرنسية تتحدث عن تهديد ...
- رجل يتحصن في متحف بجنوب فرنسا والشرطة تتحدث عن كتابات تهديدي ...
- الحوار الاستراتيجي المغرب- الولايات المتحدة: واشنطن تشيد بري ...


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد رمضان على - الشقراء أم الثلاث