أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - شادي الشماوي - عن الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية - بحث فى ظهور الإنسان و منبع إضطهاد النساء و طريق التحرّر - الباب الثالث من - العلم و الثورة الشيوعية -















المزيد.....



عن الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية - بحث فى ظهور الإنسان و منبع إضطهاد النساء و طريق التحرّر - الباب الثالث من - العلم و الثورة الشيوعية -


شادي الشماوي

الحوار المتمدن-العدد: 5949 - 2018 / 7 / 31 - 11:16
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


عن الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية - بحث فى ظهور الإنسان و منبع إضطهاد النساء و طريق التحرّر
- الباب الثالث من " العلم و الثورة الشيوعية "
مقدّمة الكتاب 31 :

ما من شكّ في أنّ الغالبيّة الغالبة من القرّاء سيثيرون بصفة مباشرة أو بصفة غير مباشرة ، عاجلا أم آجلا ، سؤال من هي أرديا سكايبراك التي ترجم لها شادي الشماوي هذه الفصول و المقالات و يقدّمها إلى القرّاء باللغة العربيّة ، لهذا لتكوين فكرة عن هذه المنظّرة الشيوعية ، أوّلا و قبل كلّ شيء ، نعيد إلى الأذهان ما صغناه بإقتضاب كتقديم لها في سبتمبر 2016 ضمن كتابنا عدد 25 المتوفّر بمكتبة الحوار المتمدّن و الحامل لعنوان " عن بوب أفاكيان و أهمّية الخلاصة الجديدة للشيوعية تحدّث قادة من الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتحدة الأمريكية " : " أرديا سكايبراك من القيادات النسائيّة لهذا الحزب منذ عقود ... هي ذات خلفيّة علميّة بمعنى أنّ تكوينها و دراستها الأكاديميين مجال إختصاصهما هو البيولوجيا كما تخبرنا بنفسها فى حوارها الصحفي المطوّل لسنة 2015 فى جريدة " الثورة " . و قد ألّفت عديد المقالات و الكتب الهامة و منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب " عن الخطوات الأولى و القفزات المستقبليّة : بحث فى ظهور الإنسان و منبع إضطهاد النساء و طريق التحرّر " ( و قد ترجمنا و نشرنا فصلين منه هما الفصل الثالث و الفصل الرابع) و كتاب " علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق : معرفة ما هو واقعي و لماذا يهمّنا " و كتاب " العلم و الثورة عن أهمّية العلم و تطبيقه على المجتمع و الخلاصة الجديدة و قيادة بوب أفاكيان- حوار صحفي مع أرديا سكايبراك " هو مضمون الحوار الصحفي المشار إليه أعلاه ."
و إلى ذلك نضيف تعريفا نوعا ما رسميّا بالكاتبة ورد فى مؤلّفها ، " علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق : معرفة ما هو واقعي و لماذا يهمّنا " المنشور سنة 2015 :
" كانت أرديا سكايبراك تتدرّب رسميّا لتصبح بيولوجيّة مختصّة فى البيولوجيا التطوّرية والبنية الإجتماعية. و قد كانت ألزمت نفسها بنشر العلم و المنهج العلمي على أوسع نطاق ممكن إذ كانت ينتابها شعور قويّ بأنّه عندما يُحرم الناس من المقاربة العلمية للواقع ، يُسلبون كلاّ من التقدير التام لجمال العالم الطبيعي و ثرائه و وسائل الفهم الحقيقي لديناميكيّة التغيّر فى الطبيعة و المجتمع .
و تنحدر سكابراك من خلفيّة عالميّة فقد سافرت كثيرا و تفاعلت مع أناس من ثقافات عديدة . و منذ أن كانت طفلة تلقّت تشجيعا على أن تصبح مفكّرة نقديّة و دُرّبت منهجيّا كمثقفة حسب التقاليد الأوروبيّة . و قد شمل هذا مروحة واسعة ومتنوّعة من الإهتمامات و الهوايات فى الكثير من المجالات المتنوّعة ، لكلّ من الفنون و العلوم .
و قد تأثّرت سكايبراك تأثّرا عميقا ، أثناء دراستها فى المعاهد و الكلّيات ، بالهزّات الكبرى لستّينات القرن العشرين و كيف أنّ " الثورة كانت فى الجوّ ". و تأثّرت كبير التأثّر بحرب الفتنام و مالكولم أكس و الفهود السود و الحركة الراديكالية لتحرير النساء و الصين و الثورة الثقافيّة و ماو – بالنسبة لها كما بالنسبة لآخرين كثر .
و متابعة لشغفها بالبيولوجيا ، فى بدايات سعينات القرن العشرين و أواسطه ، راكمت سكايبراك تجربة هامة فى البحث فى المخابر و على أرض الميدان . و كمكتشفة حقيقيّة ، كانت فى غاية السرور لمّا كانت تستطيع المزج بين نقاش آخر المفاهيم النظريّة مع زملائها البيولوجيّين و التوغّل فى الغابات الإستوائيّة الرطبة أثناء بعثات بحث على أرض ميدان ما . وقد درّست العلوم على مستوى المعاهد و نشرت مقالات فى مجلاّت مختصّة ، و تحصّلت على شهادة الماجستير ، و كانت فى سبيلها نحو الحصول على دكتوراه بيولوجيا .
و كعاملة شابة بمجال العلم ، كانت سكايبراك تعيش بالضبط الحياة التى أرادت عيشها ، لكن فى نفس الوقت ، ظلّت تشعر بفظاعة الظلم الإجتماعي و شعرت بالحاجة الماسة إلى التغيير الثوري للعالم . و قبل مناقشة أطروحة دكتراها ، إتّخذت القرار الصعب بترك برنامج الدكتوراه لتكرّس نفسها كلّيا للإلتزامات الإجتماعية و السياسيّة الأوسع . و مع ذلك ، لم تفقد أبدا شغفها بالبحث العلمي و عشقها للمغامرة و حماسها لتطبيق المناهج العلميّة و نشرها فى صفوف الشعب إذ شعرت أنّه دون ذلك لا يمكن أنيوجد فم سليم للواقع أو لكيفيّة تغييره .
و شملت تجارب حياة أرديا وعملها كلاّ من المناطق الدينيّة الكبرى عبر العالم و الأماكن البرّية الغريبة ، كلاّ من التدريس الأكاديمي و العمل فى المصانع مقابل أجر أدنى . وهي مرتاحة كذلك فى النقاش مع الفنّانين و المثقّفين أو الجلوس مع سكّان حيّ حول طاولة المطبخ للحديث عن الحياة و الفلسفة .
و ككاتبة ذات أفق شيوعي ثوري ، بحثت جملة من المواضيع الإجتماعية و السياسيّة و العلميّة و الفلسفيّة – و تشمل كتاباتها " عن الخطوات الأولى و القفزات المستقبليّة : بحث فى ظهور الإنسان و مصدر إضطهاد النساء و طريق التحرّر " ؛ و" بعض الأفكار حول الدور الإجتماعي للفنّ "؛ و" ليس فى جيناتنا وخوض الهجوم المضاد الإيديولوجي "؛ و " تذكّر ستفان جاي غولد " ؛ و " الإشتغال على الأفكار و البحث عن الحقيقة : تأمّل فى القيادة الثوريّة و السيرورة الفكرية " .
و كقارئة نهمة تلتهم الكتب إلتهاما و كمتابعة للثقافة الشعبيّة ، تعتمد على التاريخ و الفلسفة و الأنتروبولوجيا و العلوم السياسيّة و الفنّ و الموسيقى و الأفلام – مثلما تعتمد العلوم الطبيعيّة – لتجعل من الموضوع التى تتطرّق إليه موضوعا ينبض حيويّة . و فى موقع الجوهر فى ما تكتبه ، و ما يُبلغه كتابها الأخير بصفة قويّة ، أهمّية " معرفة ما هو حقيقي – و لماذا يهمّنا ".
و نحن إذ بذلنا ما بذلنا من الكدح لتعريب المادة التي بين أيدى القرّاء و نسخها و إخراجها في شكل كتاب لا نقوم بالواجب الشيوعي الثورى فحسب بل ننهض بمسؤوليّة نراها راهنا واحدة من أوكد المهام العديدة الملقاة على كاهل الشيوعيين الثوريين و الشيوعيات الثوريات ألا وهي التعريف بالمنظّرات الشيوعيّات الثوريّات اللاتى شعرنا ، لا سيما عربيّا ، أنّهنّ مغمورات ولا يوفيها المهتمّون بالشيوعية عامة حقّها في الدراسة و التمحيص و النقد و التفاعل الإيجابي كأنّها دون المنظّرين الذكور مستوى أو تمكّنا من مواضيع النقاش و البحث عن الحقيقة و المسك بها و الدفاع المستميت عنها . و من هنا يأتي هذا الكتاب لبنة أخرى في ما قد يعتبر كسرا للطوق المضروب عن وعي او عن غير وعي على المنظّرات الشيوعيات الثوريّات و قد أنف لنا التعريف بجملة من أعمال نظريّة ماركسيّة في كتابنا السابق ، الكتاب عدد 30 الذى إخترنا له من العناوين " الماركسيّة و النسويّة " – تجميع و نشر شهرزاد موجاب . و بالمناسبة ندعو الشيوعيات الثوريّات و الشيوعيين الثوريين إلى إيلاء العناية اللازمة شيوعيّا لنشر مقالات و كتب منظّرات البروليتاريا العلمية جنبا إلى جنب مع نشر كتب و مقالات منظّرى البروليتاريا العالميّة .
و تقع المواضيع التي تناولتها أرديا سكايبراك في كتبها و مقالاتها موقع القلب من محاور الصراع العلمي و الإيديولوجي و الطبقي عبر العالم قاطبة فبحوثها العلميّة فى ظهور الإنسان و مصدر إضطهاد النساء و طريق التحرّر ، و في البيولوجيا و الوراثة و الجينات و الثقافة ، و في علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق ، و في الدور الاجتماعي للفنّ و الإشتغال على الأفكار و البحث عن الحقيقة إلخ من صميم مواضيع السجالات بين الفكر العلمي و الفكر الخرافي ، بين القوى الرجعيّة و القوى الثوريّة عبر العالم بأسره و عليه ففائدتها بلا أدنى ظلّ للشكّ عظيمة بالنسبة للشيوعيين و الشيوعيّات الحقيقيين و الباحثين و الباحثات عن الحقيقة في البلدان العربيّة . فمن أمريكا و نظام ترامب / بانس الفاشي إلى أقطارنا العربية مرورا بعدّة بلدان أوروبية و آسيويّة خاصة ما فتأ المسيحيون الفاشيّون و الإسلاميون الفاشيوّن داخل الحكم أو خارجه إلى جانب قوى رجعيّة أخرى كثيرة يتلاعبون بثقافة الجماهير و يبثّون فيها سموما معادية للعلم و مشوّهة له و حتّى مطالبة بالحطّ من منزلته و تسويته بالخرافات المبتدعة و الأساطير الدينيّة التي تجعل الجماهير مغتربة عن الواقع المادي الموضوعي في المجتمع و الطبيعة و كيفيّة التعاطى معهما . هذا من ناحية ، و من الناحية الثانية ، يصمّ أذاننا دعاة القوى الدينيّة الإسلاميّة بشتّى ألوانها بإدعاء أنّ رجال الدين علماء فلا يكفوّا عن نعتهم بالعلماء على مدار الساعة في حين أنّهم أعداء العلم الحقيقي و منابع الفكر الخرافي و ما يروّجون له منهجا و مضمونا غريب في غربته عن العلم الحقيقي بمنهج بحثه الدقيق و بما هو بحث عن حقائق مادية موضوعية قائمة على الدلائل الملموسة من الواقع الملموس . و هذه بالتأكيد نقطة على كافة الشيوعيين و الشيوعيات الحقيقيين أن يبرزوها ضمن الصراع المحتدم لبثّ الفكر العلمي حقّا و محاربة الفكر الخرافي بما أوتوا من قوّة و طاقة . و إننّا لمن المقرّين بحقيقة وجوب خوض المعركة ضد الأفكار الرجعيّة المعرقلة لإستيعاب أوسع الجماهير للعلم و للشيوعية كعلم سلاحا لتفسير العالم و تغييره شيوعيا ثوريّا . أمّا المتهرّبون بشكل أو آخر من ضرورة خوض هذه المعركة المصيرية فيحرّفون الماركسيّة و يطمسون الحاجة إلى النظريّة الثوريّة لبناء حركات ثوريّة الشعوب في حاجة ماسة لها من أجل القيام بالثورة و تحرير الإنسانيّة من الإستغلال و الإضطهاد سواء منهما الجندريين أو الطبقيين أو القوميين . بلا لفّ و دوران نقولها صراحة ، ثمّة مهادنة و حتّى تذيّل للقوى الدينيّة من طرف قوى تدّعى التقدّميّة و حتّى الثوريّة بتعلاّت و تبريرات متنوّعة تبلغ التلاعب بالماركسية و بالماديّة الجدليّة . و هذا الوجه من إدارة الظهر للعلم و للشيوعية كعلم يقابله وجه آخر هو الإنحراف الدغمائي الذى يجعل من علم الثورة البروليتارية العالميّة دوغما دينيّة تحنّط الماركسية و تقطعها عن حبل التطوّر ككلّ علم و هذا مرض مستشرى في صفوف الحركة الشيوعية العربيّة و العالمية ... و ليس إنتصارأرديا سكايبراك إلى الشيوعية الثوريّة نظريّة و ممارسة و الإستماتة في الدفاع عنها و تطبيقها و تطويرها إلاّ الوجه الآخر المكمّل لقائدة شيوعيّة تعلى راية العلم نظريّا و عمليّا لذا يجب أن تتبوّأ المكانة التي تستحقّ عن جدارة .
و قد بوّبنا ما إصطفينا من فصول و مقالات من كتابات قائدتنا الشيوعية الثوريّة في خمسة أبواب هي على التوالي :
I- الباب الأوّل : العلم و الثورة - مقتطف من " عن أهمّية العلم و تطبيقه على المجتمع و الخلاصة الجديدة و قيادة بوب أفاكيان - حوار صحفي مع أرديا سكايبراك "
- مقاربة علمية للمجتمع و تغيير العالم
- نظرة علميّة و فضول لا حدود له بشأن العالم
- تقييم علمي : العالم اليوم فظيع بالنسبة لغالبيّة الإنسانيّة – و يمكن تغييره تغييرا راديكاليّا
- التجربة والتطوّر الخاصين : التدريب الفكري و متعة السؤال العلمي
II- الباب الثاني: بعض الأفكار حول الدورالإجتماعي للفنّ والإشتغال على الأفكار و البحث عن الحقيقة : تأمّل فى القيادة الثوريّة و السيرورة الفكرية
1- بعض الأفكار حول الدورالإجتماعي للفنّ
الجزء الأوّل : " الفنّ و تاريخ الإنسان "
توطئة الناشر :
حكايات شعب الكنغ سان !
" العمل الدائم و عدم اللعب يجعل جاك طفلا غبيّا " :
الفنّ كتعبير عن النظرة إلى العالم :
دور الفنّ فى المجتمع الإنساني :
الجزء الثاني : الفنّ و العلم
مقترح منحرف :
صياغة الجديد :
الجزء الثالث : الفنّ و السياسة و الدور الخاص للفنّ الثوري
الفنّ الثوري :
الجزء الرابع : الفنّ كتنبّئ بالمستقبل
هل يكون الفنّ أقوى عندما " يخفى الفنّانون آراءهم "؟
الفنّ بمستويات مختلفة :
أحمر و أخصّائي :
الوعي و العفويّة :
2- الإشتغال على الأفكار و البحث عن الحقيقة : تأمّل فى القيادة الثوريّة و السيرورة الفكرية
3- رسالة من أرديا سكايبراك إلى ندوة ذكرى شولاميث
III- الباب الثالث : الفصلان 3 و 4 من " عن الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية - بحث فى ظهور الإنسان و منبع إضطهاد النساء و طريق التحرّر "
مقدّمة المترجم :
مقدّمة كتاب " الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية ..."
الفصل الثالث
الفصل الرابع
ملحق : لماذا كان إنجلز متقدّما بخطوة ؟
مراجع كتاب " عن الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية ..."
IV- الباب الرابع : تطوّر الكائنات البشريّة - الفصل السابع من " علم التطوّر و أسطوريّة فكر الخلق : معرفة ما هو واقعي و لماذا يهمّنا "
- من نحن؟ من أين أتينا ؟ كيف سيكون المستقبل ؟
- تطوّر الإنسان من أنواع غير إنسانيّة وجدت قبله :
- بعض الوقائع الأساسيّة عن التطوّر :
- ثمّ هناك الأحافير – الكثير من الأحافير :
- تلخيص مقتضب :
- ماذا يعنى عمليّا أن " تصبح إنسانا " ؟
نحن الطفل الصغير ضمن الكتلة -
- ظهور أنواع جديدة و تعزيزها :
- ظروف مفاتيح فى تطوّر الإنسان :
- الأدلّة الواضحة و المتراكمة عن التطوّر من قردة إلى إنسان :
- لماذا نوعنا من الهومينيد هو الوحيد الذى لا يزال منتصب القامة [ واقفا ] ؟
- ما الذى يجعلنا خاصّين جدّا ، و إن بالنسبة لأنفسنا ؟
- القفزتان الكبيرتان فى تطوّر الهومينيد :
- سلسلة مراحل إنتقاليّة من الملامح الأشبه بالقردة إلى ملامح أشبه بالإنسان :
- هل كان الهومينيد الأوائل" مجرّد قردة " دلالة تطوّر التنقّل على قدمين على طريق التحوّل إلى إنسان:
- لذا ، هل نحن مجرّد حادث ؟
- تلخيص و نظرة عامة :
- صلة بيئيّة ممكنة :
- نوع واحد – عبر العالم بأسره :
نوع يغيّر العالم تغييرا جذريّا
إضافات إلى الفصل السابع
الإنسان و الديناصورات ؟! فكرة عبثيّة أخرى لأنصار فكر الخلق .
الحمض النووي لدى الشنبنزي ولدى الإنسان : إلى أي مدى نتقارب ؟
هل كان توماي أحد أسلافنا ؟
ميف ليكي تمسك بآخر إكتشافاتها للأحافير
هل أن الهومو أركتوس أوّل أنواع الإنسان التى غادرت أفريقيا ؟
جميعنا أتينا من أفريقيا
ماذا يقول لنا علم التطوّر عن " الأعراق " الإنسانيّة ؟
ألا يزال الإنسان يتطوّر ؟
V- الباب الخامس: إطار نظري جديد لمرحلة جديدة من الثورة الشيوعية - مقتطفات من:
" العلم و الثورة - حول أهمّية العلم و تطبيقه على المجتمع و الخلاصة الجديدة للشيوعية و قيادة بوب أفاكيان "
إطار نظري جديد لمرحلة جديدة من الثورة الشيوعية
ما الجديد فى الخلاصة الجديدة ؟
الإختراقات النظريّة و التطبيق العملي للخلاصة الجديد
دستور الجمهورية الإشتراكية الجديدة – تطبيق ملموس لرؤية ثاقبة للخلاصة الجديدة
الخلاصة الجديدة : المضي صراحة صوب الحقيقة – و نبذ مفهوم " الحقيقة الطبقية "
بوب أفاكيان : مزيج نادر جدّا من – النظريّة العالية التطوّر و المشاعر و الصلات العميقة مع الذين يحتاجون بأكبر يأس إلى هذه الثورة
تهمة " عبادة الفرد " – جاهلة وسخيفة و فوق كلّ شيء تتجاوز المعقول
القيادة : هل تخنق المبادرة أم تطلق لها العنان ؟
لماذا من المهمّ جدّا التوغّ فى مؤلّفات بوب أفاكيان و ما يعنيه ذلك
رؤية آملة – على أساس علمي
التفاعل الجدّى مع الخلاصة الجديدة – و الفرق الذى يمكن أن تحدثه
هبّات كبرى فى العالم و الحاجة الكبيرة للمقاربة العلمية للخلاصة الجديدة
------------------------------------------------------------------------------------
ملحق : فهارس كتب شادي الشماوي


الباب الثالث :
عن الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية
بحث فى ظهور الإنسان و منبع إضطهاد النساء و طريق التحرّر
( أرديا كسايبراك ، بانر براس ، شيكاغو 1984 )
مقدّمة المترجم :
يكتسى هذا الكتاب أهمّية كبرى بإعتباره أوّلا بحثا علميّا قائما على المادية الجدلية و التاريخية أنجزته باحثة شيوعية ماوية منتمية إلى الحزب الشيوعي الثوري ،الولايات المتحدة الأمريكية ، و بإعتباره ثانيا يبنى على ما أسّسه إنجلز فى " أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدولة " و ينقد جوانبا تبيّن علميّا خطؤها ، وبإعتباره ثالثا سلاحا من الممكن أن يكون فعّالا إذا أحسنّا إستخدامه فى محاربة الأساطير و الأفكار الظلامية المعادية للعلم بشأن تاريخ الإنسان و إضطهاد النساء .
لذلك عندما إقتُرح علينا تعريبه ، رحّبنا بالمقترح مع إعرابنا عن عدم إلتزامنا بموعد محدّد أو بتعريب الكتاب برمّته. و لمّا توفّر لنا حيّز من الزمن ، قرأنا البحث بتمعّن . و نظرا لأنّه ليس لدينا متسع كافي من الوقت لترجمته برمّته ، و نظرا لأنّ الفصلين الأوّل و الثاني المخصّصين لنقد أطروحات كتابين معيّنين قد لا يعنيان بصفة خاصة سوى أهل الإختصاص العلمي و قد لا يشدّان إهتمام القرّاء باللغة العربية ، لم نشتغل إلاّ على المقدّمة و الفصلين الثالث و الرابع . و مع ذلك نعتذر سلفا لبعض الذين يتوقون إلى دراسة الفصلين الأوّل و الثاني و لا يتقنون اللغة الأنجليزية .
و عملنا هذا يندرج فى إطار نشر علم الثورة البروليتارية العالمية عامة و الثقافة العلمية خاصة ، هذه الثقافة التى يستهين بها الكثيرون فى حين أنّها ركيزة من ركائز النضال البروليتاري الثوري فى سبيل تفسير العالم تفسيرا صحيحا ، علميّا قصد تغييره ثوريّا و تحرير ليس فقط البروليتاريا و الطبقات الكادحة بل الإنسانية جمعاء . و لن نمضي إلى الأمام بخطوات راسخة إذا لم يستوعب الرفاق و الرفيقات الموقف الطبقي البروليتاري و المنهج العلمي المادي الجدلي ، أي علم الشيوعية ، ولم نخلق إنسانا جديدا يغيّر الواقع و يغيّر نفسه بإستمرار و يقود الجماهير الشعبية فى تغيير الواقع و تغيير فكرها و نفسها من أجل الثورة .
و قد يعترف حتى الرفيقات و الرفاق بمقولة لينين " لا حركة ثورية دون نظرية ثورية " و بمقولة ماو تسى تونغ بأن " صحّة أو عدم صحّة الخطّ الإيديولوجي و السياسي هي المحدّدة فى كلّ شيء " قولا و فى الواقع مع ذلك يلهثون وراء " الحركة كلّ شيء و الهدف لا شيء " ولا يولون التثقيف المنهجي بلا هوادة و نشر الثقافة العلمية العناية التى يستحقانها. إن كنّا نرغب حقّا فى أن نكون ثوريين و أن نوجد حركة ثورية ، يترتّب علينا أن نعطي النظرية الثورية و الثقافة العلمية حقّ قدرها ، بطبيعة الحال حسب الطاقات المتوفّرة والوضع الموضوعي و الذاتي و بالتأكيد مع عدم تجاهل العراقيل المادية و صعوبة مواجهة الفكر الخرافي . و أي تغييب لهذه الجبهة من النضال البروليتاري الشامل من أجل عالم شيوعي كهدف أسمى ، يعنى القبول بسيادة الإيديولوجيا و الثقافة الرجعيين حتى فى صفوف المناضلين و المناضلات كما يعنى القبول فى النهاية بالتذيّل للبرجوازية أو القوى الرجعية بشكل عام و الإنحراف عن النضال الشيوعي الثوري و تأجيل الثورة البروليتارية العالمية بتيّاريها إلى يوم غير معلوم.

مقدّمة كتاب " الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية ..."
نطلق على أنفسنا إسم البشر ، هوموسابيانس ، و نقطن كوكب الأرض . لكن من أين أتينا ؟ كيف كنّا فى بداية نشأة جنسنا البشري ؟ هل كنّا وحوشا تمتصّ الدماء ؟ هل كانت إناث جنسنا مخلوقات لا حول لها و لا قوّة مرتبطة بالذكور الجبّارين للبقاء قيد الحياة ؟ كيف عشنا ؟
إنّنا كبشر متميّزون جدّا بأنّنا أثرنا على الدوام مثل هذه الأسئلة و سعينا لمعرفة كلّ ما يمكن معرفته عن العالم و عن أنفسنا فيه ، منذ جذورنا الأولى إلى المستقبل الذى ينتظرنا . و قد كانت الأوقات التى توسم بإحتداد التناقضات الإجتماعية تنزع دائما إلى الدفع نحو نقاشات محتدمة حول جملة واسعة من المسائل الجوهرية ، فى جزء منها لأنّ وزر المصنع الإجتماعي يضع موضع السؤال صلوحية كافة الفكر و المؤسسات المركّزة سابقا ، و فى جزء آخر لأنّ الإجابة على هذه الأسئلة تبدو مهمّة أكثر بكثير من ذى قبل .
و اليوم ، بما أنّه علينا أن نواجه تماما إمكانية سحق أنفسنا بأنفسنا ، هناك من يديرون ظهرهم للمسائل العامة مهما كان صنفها و عمدا يضيقون من بعد مدى رؤيتهم مدافعين عن أنّهم لا يستطيعون التعاطي إلاّ مع جزيئات من الحركة فى وقت واحد و يتراجعون إلى ألوان متنوّعة من اللاأدرية و عموما عدم معرفة أي شيء . و رغم ذلك ، يزداد سؤال آخرين عن الأشياء أكثر من أي زمن مضى و ينغمسون فى شجار مع إستبعاد عدد من المفاهيم العلمية و الفلسفية التى سادت لزمن طويل و تفجّر إلى شظايا : كيف تتحرّك المادة فعلا ؟ هل أنّ العالم المعروف سيتمدّد بإستمرار ؟ هل سيتقلّص أم هل أنّه يراوح بين الإثنين ؟ هل هو إنفجار كبير واحد أم هي عدّة إنفجارات تفصل بينها فترات من " الإستقرار " النسبي؟ هل أنّ هذا جزء فعلا من سيرورة أوسع حتى ؟ هل أنّ الأشياء الجديدة تنبع فقط من المراكمة التدريجية للتغيّر أم هل أنّ هناك قطيعة و قفزات فجئية فى السيرورات المادية ؟ هل أنّ التغيير يتصاعد نحو مزيد التعقّد ، نحو نوع أرقى من الكمال أم هل ان هناك منعرجات و إلتواءات و عدد لا يحصى من المسالك الممكنة فى السيرورات المادية ، بعضها يقود إلى نهايات مسدودة بينما البعض الآخر ينشأ الجديد ؟
لا تمثّل النقاشات المحتدمة راهنا حول مثل هذه المسائل مجرّد عبث فكري بل هي مسائل أهمّيتها حيوية و حيث يظهر فهم جديد يتحدّى القديم ، يرفض الفكر التقليدي عادة أن يتنازل للمرحلة . و هذا لا يعبّر ببساطة عن الجهل المتحجّر أو الفهم المحدود و إنّما يعكس علاقات طبقية معيّنة تدعم هذه النظريات و بعض المصالح الطبقية التى تمليها رغم الغلط البديهي ، فالقديم يُحافظ عليه و يقنّن طالما أنّه ينهض بدور إيديولوجي و سياسي مفيد فى النظام الإجتماعي القائم .
لا يوجد مجال تتجلّى فيه أكثر صحّة من مجال نقاش جذور البشر والتطوّر البدائي والسلوك الإجتماعي للإنسان . و البحث التالي كان هدفه فى الأصل أن يعالج و يقيم نقديّا بعض " النماذج الجديدة " المتصلة بجذور جنسنا البشري ، التى نشرت فى السنوات الأخيرة . و على وجه الخصوص ، يبدو أنّه طالما أنّ هذه المحاولات الأخيرة كانت تنجز لتتحدى عددا من أساطير الجذور غير القائمة على أساس علمي و تدحضها و التى صارت متخندقة جيدا فى الوعي الشعبي و تدافع عن نظريّات الحتمية البيولوجية لما يسمّى الطبيعة الإنسانية . و ليس صدفة أنّ الغليان الإجتماعي و التمرّدات التى مثّلت تحديات جدّية للنظام القائم للأشياء فى عديد المجالات من العلاقات الإجتماعية وفى عديد أنحاء العالم خلال أواخر ستينات و سبعينات القرن العشرين قد كانت بمثابة حافز على وضع مثل هذه الفرضيات موضع السؤال .
و لأنّ أساطير التقليدية الواسعة الإنتشار عن جذورنا تبدو جميعها متميّزة بدرجة عالية من الشوفينية الذكورية و مركزية الرجل ، فإنّ مهمّة إعادة النظر فى جذورنا بالنسبة للناشطات فى الحركة النسوية و غيرهم من المعنيين بمكافحة إضطهاد النساء فى المجتمع المعاصر .
و جزء هام من هذا العمل سيكرّس بالتالي إلى معالجة و مقاربة نقدية لمحاولتين لدحض أسطورة -الجذور ، وهما " إنحدار المرأة " لآلان مورغان و " عن التحوّل إلى بشر " لنانسي مايكبيس تانر . كلا الكتابان وجدا جمهورا واسعا و حتى بارزا نوعا ما . و لئن كان كتاب مورغان قد كسب بعض الإحترام فى الأوساط العلمية ، فإنّه مع ذلك منتشر للغاية – و قلّة " إحترامه " علميّا بالكاد تعنى انّه لا يمكن أن يستخدم لتعرية الحقيقة ، ولا حتى أقلّ أنّه لا يجب أخذه مأخذ الجدّ . بمعنى معيّن ، تانر و مورغان يركّزان منهجين مختلفين و تقريبا متعارضين لدحض الأساطير والتشويهات المتنوّعة التى تسرّبت إلى إعادة بناء جذورنا لعقود . يبحث أحدهما عن دحض الأساطير عبر رفع راية المادية العلمية ويجيب الآخر بما هو جوهريّا أسطورة مضادة .
و نقاش إحدى المحاولتين ستبيّن أنّها تعلمنا كمثال سيء و تقدّم بعض الرؤية الثاقبة فى الفخاخ الممكنة التى تظهر عند محاولة دحض الفرضيّات و النظريات الخاطئة بمنهج خاطئ .
فى هذه الحال الأخطاء المنهجية الخاصة ، إرتقت إلى مستوى الكاريكاتور ، لكنها مع ذلك شائعة تماما بنوع من الشكل الأكثر غموضا فى غالبية الأدب العلمي الجاد فى البيولوجيا التطوّرية حيث أنّها لا تستعمل للدعاية " للعلم السيء " فحسب بل كذلك ، أحيانا ، لدعم نظرات إيديولوجية و سياسية رجعية . يأمّل أنّ يساهم هذا البحث فى الجدال الجاري حول بعض هذه المسائل .
و معالجة نقدية للمحاولة الثانية لدحض أسطورة – الجذور تكشف أنّها أفضل الأمثلة إلى يومنا هذا عن إعادة التفحّص الجدّي لجذور جنسنا البشري . إنّها نضرة ، متحدّية و مساهمة هامة لفهم سيرورة ظهورنا بحدّ ذاتها . و علاوة على ذلك ، توفّر الكثير من الغذاء لإعمال الفكر لأي باحث عن تحديد ما هي ( إن كانت هناك ) العلاقات الموجودة بين جذورنا كنوع و عدد من المشاكل المتنوّعة من العلاقات الإجتماعية و التنظيم المعاصرين . و بصورة خاصة ، بينما مداه محدود فى إعادة بناء فترة إنفصالنا الأولى عن القردة ، فإنّ تحاليله و إستنتاجاته رافعة قفز قيّمة لإكتشاف الجذور و الأسس الحالية لإخضاع الإناث و الهيمنة عليهين من قبل الذكور فى أغلب أصناف المجتمعات الإنسانية المعاصرة .
هذا البحث مثال ينطبق عليه ذلك . فى سياق تقييم المعطيات و التحاليل التى تأسس عليها نموذج تانر ، يبرز أن بوسع المرء المضي قدما و الشروع فى ملئ بعض الفراغات فى فهمنا لما مثّل الأسس الأولية للامساواة الإجتماعية بين الرجال و النساء . و الجزء الموالي من هذا العمل سيبحث فى إكتشاف هذا المجال منطلقا من كميّة كبيرة و واسعة النطاق من المعلومات الأنتروبولوجية المعاصرة حول مجتمعات الصيد و كذلك من محاولات إعادة بناء جذورنا الأولية . و كجزء من هذا سنشرع فى إعادة تأكيد المساهمة الشاملة المبادرة و الرؤية الثاقبة إلى أقصى حدّ لفهم أسباب إخضاع النساء التى يمكن أن نعثر عليها فى كتاب إنجلز " أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدولة ".
لقد حقّق علم الإجتماع قفزة تاريخية عملاقة فى أواسط إلى أواخر القرن التاسع عشر ، مع إدخال المنهج الماركسي المادي الجدلي و التاريخي الذى خدم ليس فقط التدليل على البناء التحتي المادي لأنظمة إجتماعية مختلفة عند نقاط مختلفة من التاريخ ( فى تعارض مع تأويلات جدّ كثيرة دينية و مثلية ) لكنّه أيضا و لأوّل مرّة وفّر إطارا نظريّا من خلاله صارت ممكنة معالجة الهياكل الإجتماعية فى حركتها و تطوّرها ، عوض إعتبارها شرائح متجمّدة زمنيّا . على عكس النظريات السابقة ، بات الآن من الممكن تشريح و تحليل العوامل التى تتوسّط الإنقطاعات و القفزات فى العلاقات و التنظيم الإجتماعيين الإنسانيين . و ساهم هذا العلم المستمر التطوّر منذ زمن ماركس ، مساهمة كبيرة فى فهمنا لمروحة عريضة من الأنظمة الإجتماعية المتنوّعة المتميّزة بالهياكل الطبقية ( بما فى ذلك أساسا أنظمة عبودية و إقطاعية و رأسمالية و إشتراكية ) و يستمرّ فى توفير رؤى متحدّية للمستقبل لوسائل التنظيم الإجتماعي ، بما فى ذلك أفق الإلغاء التام للإنقسامات الطبقية على نطاق الكوكب .
إنّ الفترة التى تسبق تاريخ ظهور الطبقات قد ظلّت أعسر على الإدراك . و مع ذلك ، مثلما كان ماركس سريعا فى الإشارة إلى ذلك ، الطبقات ظاهرة حديثة نسبيّا . لقد ولدت عند نقاط معيّنة من التاريخ فى علاقة بالتطوّرات المادية الممكن فهمها . و بينما إستمرّت الأنظمة الإجتماعية للبشر الخالية من الطبقات إلى هذا القرن ، فإنّها لمدّة طويلة كانت إستثناء نادرا أكثر منه القاعدة بحيث أنّه عادة من الصعب بالنسبة إلينا أن نرى الزمن الذى كان فيه العكس صحيحا . و مع ذلك ، نعلم أنّ ملايين السنوات مضت منذ أن إنفصل أجدادنا الأوّلون عن القردة ، و أنّ جنسنا فى حدّ ذاته يعود على الأقلّ إلى 100 ألف سنة و خلال هذا الزمن إنتشر عبر الكوكب منتجا وسائل متنوّعة من البقاء على قيد الحياة و التعبير الثقافي – رغم أنّ الطبقات لم توجد إلاّ بعد بضعة آلاف السنين من تلك السنوات .
بالتعاون الوثيق مع ماركس ، شرع إنجلز فى إكتشاف العوامل المادية التى تتوسّط الإنتقال من المجتمعات ما قبل الطبقي إلى الأنظمة المعتمدة على الطبقات ، منطلقا من أكبر قدر ممكن من المعطيات الأنتروبولوجية الأولية ، بما فى ذلك تلك التى تعارضت مع الرؤى الأرتودكسية ليومذاك. و بالقيام بذلك إستطاع إنجلز [ كما سنرى ] أن يبلغ رؤى ثاقبة قيّمة فى عدد من مظاهر التنظيم الإجتماعي البشري عبر التاريخ و من ذلك مسألة القاعدة المادية لإخضاع النساء تاريخيّا . و لا يزال هناك الكثير لتعلّمه من هذه الرؤى الثاقبة . هذا من جهة و من جهة أخرى ، كانت علوم الأنتروبولوجيا و الباليو أنتروبولوجيا و البيولوجيا التطوّرية فى طفولتها أيام إنجلز و تراكم كمّ كبير من المادة الأولى مذّاك يجب دراسته و تحليله من جديد . و فوق ذلك ، قوام المنهج العلمي الذى قدّمه لنا ماركس و إنجلز قد شهد هو نفسه تطوّرا له دلالته منذ زمنهما و وقع بإستمرار تطويره . و الذين سيستبعدون المساهمات الأولية بجرّة قلم هم علماء مساكين يسجنون أنفسهم بعيدا عن ثراء الرؤى الثاقبة التاريخية و المنهجية . بيد أنّ الذين يريدون البقاء ضمن الفهم الماضي و الذين لا يبحثون أبدا عن مزيد دفعه متحجرون فى تفكيرهم لا يدركون جيدا المنهج الماركسي .
ما هي العوامل التى كانت مسؤولية فى الأصل عن الأشكال الأولية للامساواة الإجتماعية بين الجنسين ؟ فى أية نقطة ظهرت ؟ هل هي سابقة للطبقات أم هل أنّ المجتمع ما قبل الطبقي متميّز بتناغم مثالي بين الجنسين ؟ و ما هي ( إن وجدت ) الأجوبة على هذه الأسئلة ، التى تخبرنا عن عوامل وجود القمع و الإخضاع للنساء فى العالم المعاصر ؟ إذا كان ما يتمّ إكتشافه و المحاججة من أجله فى هذا البحث يخدم توسيع النقاش و البحث بشأن هذه المسائل الحيوية ضمن أناس متنوّعين ، رجالا و نساء ، ذوى أفاق متنوّعة ، أعتبر أنّي نجحت .

الفصل الثالث
يجدر التذكير بأنّ الجذور المادية للمكانة الإجتماعية التبعية لنصف الجنس البشري عبر التاريخ المسجّل لم تُطرح كمسألة و كذلك بالتأكيد لم تحظى بالبحث الجدّي الذى تستحقّ إلى اواسط القرن التاسع عشر . فقد إخترق كارل ماركس و فريديريك إنجلز الأفكار الإجتماعية المسبّقة فى زمنهم ليشدّدوا على أنّ الوضع التبعي للنساء لا علاقة له لا بالنواقص الفطرية للطبيعة الأنثوية و لا بأية أوامر إلاهية ( أو " مظاهر طبيعية ") مقدّسة لنظام الأشياء هذا. لقد دافعا عوض ذلك ، على أنّ إضطهاد النساء كان نتيجة و إفرازا للتنظيم الإجتماعي للبشر ، محدّدا بالأساس فى كلّ مجتمع معطى بالمستوى المعيّن من تطوّر قوى الإنتاج و مجموعة علاقات الإنتاج المتناسبة معه . و بطبيعة الحال قد أثار ربط المكانة الإجتماعية للنساء بتقسيم العمل و علاقات الملكية و توزيعها السائدة فى أي زمن أو مجتمع معطى بعض الأسئلة حول بالضبط مدى إمكانية إستمرار هذا الوضع . و من الأكيد أنّ هذه لم تكن الأفكار السائدة فى تلك الفترة .
لقد أشار إنجلز مثلا إلى أنّه قبل ستينات القرن التاسع عشر لم توجد أية مساعي لدراسة تاريخ العائلة إذ إعتُبر مسلّما به أنّ الشكل الأبوي للعائلة قد وجد على الدوام و بالفعل وُجد فى شكل العائلة البرجوازية الأوروبية المعاصرة – " و عليه لم يطرأ حقّا و فعلا ، حسب زعمهم ، أي تطور تاريخي على العائلة " ( 1884 ، ص 75). و كانت هناك نزعة لإستبعاد الأجزاء المتناثرة من المعلومات حول وجود تعدّد أزواج المرأة الواحدة فى الثقافات غير الأوروبية على أنّها غرائب شاذة مقارنة بما يفترض أنّه شكل أكثر طبيعية أي الزواج الإحادي . كتب إنجلز " إنّ علم التاريخ فى هذا الميدان كان لا يزال بعد بكليته خاضعا لتأثير أسفار موسى الخمسة ( التوراة )." ( 1884، ص 74-75 بالأنجليزية ؛ صفحة 7 من النسخة العربية لدار التقدّم ، موسكو) . والمفهوم ذاته عن كونه فى الأزمان البدائية كانت العلاقات بين الجنسين أقلّ عرضة للضغوط و أنّ ( كفر ، آه كفر ) المرأة كان يمكن أن تدخل بشكل روتيني فى علاقات جنسية مع عدد من الرجال ، كان يحسب على أنّه فظيع للغاية إلى درجة أنّه وجدت محاولات متكرّرة لإبراز أن الزواج الإحادي هو النظام الطبيعي للأشياء و ليس فقط لدي الجنس البشري بل أيضا ضمن الفقريّات بصورة أعمّ . و على سبيل المثال ، حدثت جلبة كبيرة بشأن أنّ عديد أنواع العصافير تظهر تزاوجا بزوجة واحدة لمدّة طويلة . و كلّ هذا دفع إلى هذا الردّ الساخر من لدن إنجلز : " إن أمثلة على متانة إحادية الزواج عند الطيور لا تثبت شيئا فيما يتعلّق بالناس لأنّ الناس لا يتحدرون من الطيور. و إذا كانت إحادية الزواج الصرف ذروة كلّ فضيلة ، فإنّ قصب السبق فى هذا المجال يعود عن حقّ و إستحقاق إلى الدودة الشريطية التى يوجد فى كلّ من عقدها أو مفاصلها ال 50 إلى ال200 ، جهاز تناسلي كامل للذكر و الأنثى ، و التى تقضى حياتها كلّها فى مضاجعة نفسها بنفسها فى كلّ من عقدها هذه " ( 1884، ص 98 بالأنجليزية ؛ صفحة 38 من النسخة العربية لدار التقدّم ، موسكو ).
بينما لم تكن تقريبا متوفّرة أية معلومات حول جذور تطوّر الأجناس البشرية أو حول أشكالها الأوّلية للتنظيم الإجتماعي ، أيام إنجلز ، فإنّه أقرّ بأنّ لا مؤسسات إجتماعية تنشأ فى فراغ ، لا تغضع للتفاعل مع السوابق التاريخية . و كان هكذا سريعا فى الإقرار بأهمّية عمل مجهول بصفة واسعة نشره فى 1861 جامعي ألماني باهوفن ، عنوانه " حقّ الأم ". بالتنقيب فى أدب الحضارتين الرومانية واليونانية ( مثل أورسيتا آشيلوس ) ، أخذ باهوفن يوثّق تغيّرا جذريّا فى التنظيم الإجتماعي لتلك المجتمعات . كان يبدو أنّها فى البداية نظّمت نفسها على أساس " حق الأم " أي أنّ الأشخاص يسجّلون نسبهم من خلال أمهاتهم أكثر من آبائهم و يرثون من هذا الجانب أيضا . و إستنتج باهوفن أنّ نساء تلك الفترة كنّ مأثّرات جدّا و بالفعل كنّ يحكمن المجتمعات. و فى نقطة معينة ، متناسبة مع قدوم العصر البطولة الكلاسيكي ، و قعت على ما يبدو الإطاحة بحق الأم و عُوّض بنظام فيه يرسم النسب من خلال الأب ، و المكانة الإجتماعية تورّث من خلال الذكور إلخ . و كان هذا التغيير يبدو منسجما مع الإدخال الظاهري للزواج الإحادي المفروض لمراقبة نشاط التوالد لدي النساء و إستبعاد الشكوك فى ما يتصل بأبوّة أي طفل معيّن.
وقد كان هذا إكتشافا غاية فى الأهمّية بيد أنّ باهوفن لم يتمكّن من تحديد أسباب مثل هذا التحوّل الجذري. فقد لاحظ أنّ هذه التغيرات تزامنت مع تغيرات هامة فى المعتقدات الدينية وقتذاك [ بما أنّ الأدب سجّل أنّه وقعت " الإطاحة " ببعض الآلهة من قبل آلهة أخرى وقتذاك ] و إعتقد أنّه فى ذلك يكمن سبب الإنقلاب الإجتماعي .
و فهم إنجلز من جهته أنّ هذه التغيرات فى الحقل الديني لم تكن إلاّ إنعكاسا لتغيرات فى الظروف المادية للحياة فى هذه المجتمعات و أنّ هذه هي الزاوية حيث يجب النظر لإكتشاف أسباب الإطاحة الظاهرة بحق الأم .
ثمّ فى 1871 ، راكم لويس هنرى مورغان وهو أنتروبولوجي إشتغل فى صفوف قبائل الهنود الحمر شمال أمريكا ، كمّية متنوّعة من المعلومات الميدانية عن نشاطات و أشكال التنيظم الإجتماعي لمختلف هؤلاء الناس . و ما طفح من هذه المعلومات هو إقتراح أنّ فى المجتمعات ذات وسائل الإنتاج القليلة نوعا ما ، الشكل الأساسي للتنظيم الإجتماعي هو ما أطلق عليه مورغان إسم العشيرة وهي مجموعة صغيرة نسبيّا من أناس يربط بينهم الإنحدار من الأمّ . و نموذجيّا ينطوى الإنتماء إلى عشيرة على إلتزامات بالتعاون و الدعم المتبادل مع الأعضاء الآخرين . و غالبا كانت النساء تبدو المأثّرة فى إتخاذ القرار و كان النسب يمثّل العماد الأكبر للتنظيم الإجتماعي . و كان الزواج غالبا يقع داخل القبيلة [ المتكّونة من عدد من العشائر المختلفة ] و نادرا ما يقع مع رجل فى الغالب يلتحق بعشيرة زوجته أكثر من العكس. (24 )
و راقب مورغان عديد المجتمعات المتباينة ( و حصل على أدلّة غير مباشرة بشأن المجتمعات البدائية فى عديد أنحاء العالم ). و ضمّن عمله وصفا للمجتمعات التى إنتشر فيها شكل ليس فقط القبائل المتكوّنة من العشائر ذات الخطّ الأمي بل كذلك فى بعض الأحيان تجمعات أكبر تشمل عددا من القبائل ما تطلّب تركيز أشكال حكم أعقد مثل المجالس القبلية و مجالس القادة إلخ . و حيثما كان نظام النسب عن طريق الأم مهيمنا ، كان يبدو أنّ النساء كنّ يتمتّعن بمنزلة إجتماعية أعلى فى المجتمع ، و بصوت متساوي فى إتخاذ القرار المتعلّق بالقضايا الإجتماعية الكبرى و أحيانا حتى حقّ إنتخاب و / أو عزل زعماء ذكور أين وجدت هذه الهياكل . مثلا ، يسجّل مورغان الملاحظات التالية التى أبداها مبعوث ديني عاش بين الإيروكوا سنوكاس .
" و فيما يخصّ عائلاتهم ، عندما كانت لا تزال تعيش فى بيوت طويلة قديمة ( وهي إقتصاديات بيتية شيوعية لبضع عائلات ) "... كان يهيمن دائما فيها " كلان" ما ( عشيرة ) " بحيث أنّ النساء كنّ يتزوجن من رجال " كلانات " ( عشائر ) " أخرى " ، " ... و عادة كان النصف النسائي يهيمن فى البيت ؛ كانت الإختياطات مشتركة ؛ لكن الويل للزوج المنحوس أو العشيق المنحوس الفائق الكسل أو الفائق الخراقة ، فلا يسهم بقسطه فى الإحتياطي المشترك . فمهما كان عدد أولاده فى البيت و مهما كانت ملكيته الشخصية فى البيت ، فقد كان من الممكن أن يتلقى فى كل لحظة أمرا بربط صرّته و الرحيل . و لم يكن ليجرؤ حتى للقيام بمحاولة لمقاومة هذا الأمر ؛ فإن البيت كان يتحوّل بالنسبة له إلى جهنّم ؛ و لم يكن يبقى لديه غير العودة إلى " كلانه" ( عشيرته) السابق ، أو غير عقد زواج جديد فى " كلان" آخر - الأمر الذى يحدث فى أغلب الأحيان . و كانت النساء قوة كبيرة فى" الكلانات " (العشائر)؛ " و كذلك فى كلّ مكان على العموم . و كنّ لا يترددن أحيانا فى عزل زعيم ما و إنزاله إلى مرتبة محارب بسيط " " [ مورغان ، ذكره إنجلز 1884 ، ص 113 بالأنجليزية ؛ صفحة 60 من النسخة العربية لدار التقدّم ، موسكو ؛ و التعاليق بين المعقّفين لإنجلز ] .
و بينما كان مورغان يعامل عموما على أنّه شخص منبوذ فى الأوساط الإنتروبولوجية ، رحّب ماركس و إنجلز بكمّياته المتنوّعة من المعلومات التى ساعدت على زعزعة ما دفع إنجلز لقول " إنّ الرأي الزاعم أنّ المرأة كانت عبدة الرجل فى بداية تطوّر المجتمع هو من أسخف الآراء التى تركها لنا عصر الأنوار فى القرن الثامن عشر "( ص 113 بالأنجليزية ؛ صفحة 59-60 من النسخة العربية لدار التقدّم ، موسكو).
و إضافة إلى المعلومات عن المنزلة العالية للنساء فى عديد المجتمعات التى درسها ، أورد مورغان فى تقرير له أنّ بعض هذه المجتمعات بدت و كأنّها تشهد تغيّرا مأساويّا متحوّلة من تحديد النسب من خلال خطّ الأم إلى القيام بذلك من خلال خطّ الأب و بالتالي تعويض " العشائر الأمية " القديمة مثلما سمّاها مورغان ، بعشائر " أبوية ". و قاد هذا التغيير الذي ورد فى تقرير مورغان و الذى لم يستطع هذا الأخير شرحه بوضوح ، قاد إنجلز إلى الإعراب عن إعجابه " إنّ هذا الإكتشاف الجديد للعشيرة الأولية ، المركزة على الحقّ الأمّي ، بوصفها مرحلة سبقت العشيرة المرتكزة على الحق الأبوي عند الشعوب المتحضرة ، يتسم بالنسبة للتاريخ البدائي بنفس القدر من الأهمية الذى تتسم به نظرية ماركس حول القيمة الزائدة بالنسبة للإقتصاد السياسي . " [ 1884، ص 83 بالأنجليزية ؛ صفحة 20 من النسخة العربية لدار التقدّم ، موسكو ] . هنا إذن لدينا معلومات عن الشعوب الحيّة التى كانت تنحو نحو تأييد بعض إكتشافات باهوفن بفضل تنقيبه فى الأدب الكلاسيكي للرومان واليونانيين ! كانت إكتشافات مورغان جدّ هامة لأنّها قدّمت الخيوط المباشرة الأولى الموصلة إلى أنّ العلاقات بين الجنسين [ المنعكسة فى أشكال الزواج و التأثير الإجتماعي النسبي إلخ ] لم تكن غير قابلة للتبدّل بل كانت تنزع إلى التنوّع ، و بطريقة كانت تبدو مرتبطة بتطوّر القاعدة الإنتاجية لمجتمع معيّن .
و مع سعي إنجلز لإستنباط المزيد الكميات الواسعة من المعطيات التى سجّلها مورغان ، عن الصورة التى بدأت تظهر فيها موقع النساء نسبة للرجال قد تغيّرت مأساويّا مع توسيع المجتمع مجاله للنشاطات الإنتاجية أكثر فأكثر بعيدا عن مجرّد الحصول على المنتوجات الطبيعية . و قد تبنّى إنجلز تمييز مورغان بين أنواع أساسية ثلاث من المجتمعات : تلك القائمة على مجرّد الحصول على الموارد من حالتها الطبيعية ( ما نسميه اليوم مجتمعات التجميع – الصيد أو التجميع ) ؛ و مجتمعات تنخرط فى مزيد توسيع الموارد الأساسية عبر تربية الماشية و / أو الزراعة ؛ و مجتمعات تنخرط فى الإنتاج الصناعي و إنتاج السلع التبادلية .
و شأنه شأن أية محاولة أولى للتصنيف العلمي ( مثل نظام لينانيان لتصنيف الأجناس النباتية و الحيوانية مثلا ) يمكن أن ننقد تحليل مورغان و إنجلز على أنّه صلب نوعا ما فالأصناف جميعها واضحة ومحدّدة للغاية بذاتها ، مع القليل من التداخل و الطابع الحقيقي المختلط وهو قوام الحياة . و يمكن للمرء أن يعترض أيضا على إفتراض أنّ كافة المجتمعات الإنسانية تتبع و تتقدم فى نفس الخطّ المستقيم عبر كلّ هذه المراحل فى تتابع حتمي .
و مع ذلك رغم هذه الحدود البديهية [ بما فى ذلك كون مورغان أحيانا يقدّم وجهات نظر مشوّهة تماما للمجتمعات التى لم تتماشي بالضبط و نوع واحد واضح ]، فإنّ المسألة تظلّ أنّ هذه المحاولة الأوّلية لربط أشكال التنظيم الإجتماعي بالإختلافات الكبرى فى النشاطات الإنتاجية لمختلف المجتمعات ( الشبيهة كثيرا بنظام لينانيان ) إطارا مرجعيّا ، وسيلة للمنهجية الأولية ، و أساسا لصقالة مزيد المعرفة يمكن مراكمتها و يمكن إدخال تعديلات عليها . فى الواقع ، على ضوء المعلومات المتوفّرة اليوم ، و وضع العمل فى إطاره التاريخي ، فإنّ معالجة إنجلز لهذه المسائل فى " أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدولة " يبدو ثاقبا بصورة مميّزة فى مظاهره الأساسية – لا سيما مقارنة بالعديد و العديد من المحاولات المثالية المتعنّتة للبحث عن أسس العلاقات الإجتماعية الإنسانية و المؤسسات و الإيديولوجيات فى نظريات نصف مطبوخة عن " الطبيعة الإنسانية " وكلّ مكان آخر بإستثناء فى مجال النشاطات الإنتاجة التى هي قطب رحي أي مجتمع . (25)
و فى حين أنّه ليس بوسع هذا البحث أن يناقش أطروحات إنجلز حول تعاقب التغييرات فى التنظيم الإجتماعي للإنسانية مع الظهور الواضح للطبقات المختلفة و لجهاز الدولة [ مثلما هو الحال فى المجتمعات المعتمدة على العبودية و الإقطاعية أو العلاقات السلعية الرأسمالية ] فإنّ بعض تفكيره بشأن الأشكال الأولية للتنظيم الإجتماعي الإنساني تندرج ضمن نطاق هذا الكتاب . و مرّة أخرى ، معتمدا بصفة واسعة على عمل مورغان الذى حاول أن يستبطن منه بعض المبادئ التاريخية الأساسية إقترح إنجلز أنّ الأشكال الأوّلية للتنظيم الإجتماعي الإنساني تميّزت بتملّك الموارد فى حالتها الطبيعية مع تطوّر قليل لقوى الإنتاج أبعد من وسائل وأسلحة بسيطة . كانت المجموعات الصغيرة من الأشخاص المترابطين تعدّ نسبها المشترك من خلال الأم و بالتالي كانت النساء تتمتّع بمنزلة إجتماعية عالية ومأثرة جدّا فى إتخاذ القرار الذى يخصّ المجموعة بأسرها . و يفترض إنجلز أنّ العلاقات بين الرجال و النساء فى مثل هذا المجتمع تتخذ أوّلا شكل زواج الجماعات بمعنى أنّه بإمكان الرجل أن يدخل فى علاقات جنسية مع عدد كبير من النساء و بإمكان المرأة أن تدخل فى علاقات جنسية مع عدد كبير من الرجال . (26) فى مثل هذه الأنظمة كان النساء و الرجال قادرين على إختيار شركائهم أو تركهم بأدنى ضجّة و تدخّل إجتماعي .
لكن مع توسّع القاعدة الإنتاجية للمجتمع ( مع بداية الزراعة و تربية الحيوانات ) ، صارت العلاقات بين الرجال و النساء بوضوح أكثر حصرية و تنظيما . و بصورة متصاعدة أصبح الزواج مرتّبا من قبل الأقارب و همّهم هو توسيع شبكات الإلتزام المتبادل و التحالفات السياسية و ضمان المزيد من الثروة ( كان الزواج عادة ما يعزّز بتبادل السلع مثل البقر بين العائلات المعنية ) . فى البدء عادة ما كان " هذا الزواج الثنائي " لا زال سهلا نسبيّا للتحديد غير أنّ هذا أيضا سيتغيّر مع تحوّل العلاقات بين الشركاء بصورة متصاعدة فى تداخل مع علاقات الملكية الناشئة . و فكّر إنجلز أنّه قبل قدرة المجتمع على مراكمة فوائض الإنتاج ، كان الحصول على الموارد الغذائية ينجز جماعيّا رغم حدوث تقسيم للعمل حسب خطوط جنسية وإن كان فقط فى علاقة بإنتاج الأطفال . (و تجب الإشارة إلى أنّ إنجلز يتجاوز ذلك و يفترض، وهو مخطئ فى ذلك ، أنّ الرجال هم أوّل موفّر للغذاء فى مجتمعات التجميع) لكن إنجلز إفترض أن القدرة على توسيع قاعدة المجتمع و تقسيم الملكية فى صفوف الأفراد – وهو أمر قد جرت مأسسته من أجل إستغلال فعّال أكثر لمصادر القطيع و الغلّة – إنجرّ عنهما أنّ الملكية و التوزيع قد سقطت ترجيحا بين أيدى الرجال. عند هذه النقطة مسألة وراثة الفوائض الحاصلة حديثا بدأت تطرح نفسها و توجد فى تناقض مع ممارسة تركيز خطوط النسب وشبكات الإلتزام و التعاون الإجتماعي من خلال النساء بما أنّ النساء كنّ بدأن بصفة متصاعدة فى طلاق مع النشاطات الرئيسية المعنية بإنتاج هذه الفوائض .
و من هذا التناقض ستبرز لاحقا الحاجة إلى تعويض أنظمة صلة القرابة القديمة المتمحورة حول المرأة بأنظمة جديدة متمحورة حول الرجال و طفقت النساء اللاتي لا تتحكّمن فى ملكية الموارد المراكمة حديثا وتوزيعها فى خسارة الكثير من المكانة الإجتماعية و سلطة إتخاذ القرار . و يقترح إنجلز انّ الرجال كانوا يريدون تمرير الثروة الجديدة إلى أطفالهم هم الخاصين ، جاعلين من دليل الأبوة قضية لأوّل مرّة فى التاريخ : و بشكل متصاعد سيقع تقنين النشاط الجنسي للنساء ليصبح من الأصعب عليهن إختيار رجل أو تركه بحرّية ، أو أن يكون لهنّ أكثر من شريك جنسي . و فى النهاية ، قد فرض الزواج الإحادي بشكل صارم ( دائما " بالنسبة للمرأة و ليس بالنسبة للرجل " مثلما أشار إنجلز ) لمزيد التحكّم التام فى نشاط التوالد لدي النساء و تجديد أبوّة الأطفال بأكثر تأكّد . و وسائل فرض الزواج الإحادي على النساء تتراوح بين الضغط البسيط للقبول بذلك إلى التجويع أو الإعدام بتهمة خرق القوانين . و إستعمال أحزمة العفّة و أدوات التعقيد والحفظ للتذكير بالزمن المحدّد للقاءات الجنسية و خصي الرجال لإستخدامهم كحرّاس خصيّ للحريم وسائل معوّل عليها ، والممارسة المنتشرة لقطع البظر (27 ) ( قطع بظر الصبيّات المرفوق أحيانا بعملية أبعد من خياطة المهبل و سدّه ) لحفظ أو إلغاء المتعة الجنسية لأجل الحيلولة دون " شرود " النساء مع رجال آخرين عدا أزواجهن المعينين : و كلّ هذه كانت وسائل لضمان أنّ الأبوّة لن تبدّد على أطفال الغير . (28)
و فى حين أنّه كان على إنجلز بالضرورة أن يلجأ إلى التأويل تماما فى ما يتصل بالأشكال الأساسية للتنظيم والعلاقات الإجتماعية بين الجنسين فى المجتمعات التى كانت خالية من الملكية و التراتبية الإجتماعية ، فإنّ المعطيات التاريخية العالمية منذ ذلك الزمن تتحدّث بنفسها . عبر كلّ إلتواءاته و منعرجاته ، كان تاريخ العائلة – الشكل المؤسساتي للعلاقات بين الجنسين ، متداخلا تداخلا وثيقا مع إضطهاد قطاعات كاملة من الإنسانية و إخضاعها .(29) و بالنسبة للنساء خاصة، مثلت العائلة منبع دموع حقيقي عبر التاريخ إلى يومنا هذا .
و بشكل مثير ، كانت مقاربة إنجلز المادية التاريخية لتاريخ التغير فى التنظيم الإجتماع للإنسانية تزداد حقيقتها بروزا على ضوء الدلائل العلمية المتراكمة . إنّ الدور المركزي للإناث فى تنظيم مجتمع عديد أنواع الحيوانات المتقدّمة النشوء و منها أقرب أقاربنا ( مثلما يعكس ذلك مثلا كون الإناث هنّ المحور الإجتماعي لفرق الشنبانزي و غالبا هنّ اللاتى تشرعن فى العلاقات الجنسية إلخ)، نادرا ما ينهض بإقرار الجميع على التنظيم الإجتماعي البدائي لدي الهوموسابينس ( الجنس البشري ) الذين لهم قدرة سريعة على التعلّم و لا يكفّون عن إعادة هيكلة بيئتهم الإجتماعية و الطبيعية ما يجعل من الصعب تعيين ما هي ، إن وجدت ، مظاهر التنظيم الإجتماعي الموروثة من الأجداد و التى يمكن أن تكون وقعت صيانتها عبر خطّ " الهومينيد "[ أسلاف الإنسان ] صعودا إلى نوعنا الخاص الوحيد من أنواع " الهومينيد " ( الذين سُجّل حضورهم الواضح فى معطيات مستحاثة [ حيوانات ، نباتات متحجّرة من قديم الزمان ].
لكن على الأقلّ دراسة علم الحيوان من الرتبة الأولى المقارن و محاولات رسم طريق تطوّر ممكنة منذ زمن إفتراق " الهومينيد " عن القرد يمكن أن يساعد على تحطيم مركزية الرجل و الحتمية البيولوجية بتوضيح نظرت أنّه على الأقلّ من الممكن تصوّر أنّ خطّ " الهومينيد " إنطلق مع شكل تنظيم إجتماعي متشكّل من مجموعات مرنة أكثر منه من مراتبية صلبة و فيه الإناث يمكن جيدا أن تكن المحّددات الأساسية للتنظيم الإجتماعي . ما حدث للتنظيم الإجتماعي لل" هومينيد " فى ملايين السنين منذ الإفتراق لا يزال بعد تقريبا مكفّن فى سرّ غامض و لن يكون على الأرجح أبدا مفهومة جيدا إلاّ أنّ مفاهيم أنّ الفترة برمّتها تميّزت بهيكل إجتماعي وحيد غير متغيّر تقريبا بالتأكيد خاطئة . الإختلافات فى أنماط الحصول على الغذاء التى إقترحت لمختلف " الأسترالوبيسين " يمكن جيدا أن تكون قد إنعكست فى إختلافات فى التنظيم الإجتماعي ، و بالتأكيد حتى أحدث التجديدات فى قدرات " الهومينيد " على تأويل العالم الخارجي و تغييره لم تكن لتوجد دون جلب صدمات و توتّر فى طريقة حياة " الهومينيد ". تصوّروا مثلا الإستقطاب الإجتماعي الذى يمكن أن يكون قد حصل فى هذه المجموعات الأولية حول مسألة إستعمال النار و لاحقا تصنيعها ! على الأغلب أنّ البعض قد عارضوا هذا التغيير و قد أرعبهم و قاوموه ، بينما مجموعات أخرى أكثر ريادة إستعملته موسعة القاعدة الإنتاجية للمجتمع و جاعلة من كميات كبرى من اللحم و النباتات ذات الأسلاك اللينة أكثر قابلية للهضم و موسعة إستخدامه لإبعاد الحيوانات المفترسة و مسهلة المكوث فى مناطق باردة و مكتشفة إستعمالاتها التقليدية الممكنة إلخ.
و بينما لم تكن هذه " الميلانيا " [ آلاف السنين ] بالتأكيد قارة ، لا شكّ مع ذلك فى أنّ نسق التغيّر الإجتماعي سيبدو بطيئا ، فى منتهي البطء . و هذا متوقّع من مستوى أدنى من تطوّر قوى الإنتاج و القدرة حينذاك التى لا تزال محدودة من أجل التغيرات الراديكالية للعالم الخارجي . صراحة ، يجب أن تكون هذه " الميلانيا " قد تميّزت بالصراع المستمرّ لتجنّب الإنقراض الذى لم يكن على الدوام ناجحا على الصعيد المحلّي . و مع ذلك ، من كلّ هذا ظهر نوع واحد تمكّن من الإنتشار عبر جميع الكوكب و ركّز نفسه بنجاح فى ظلّ الظروف الأكثر تنوّعا. وإزدهر " الهوموسابينس " [ الإنسان العاقل ] المعاصر فى مختلف زوايا الكوكب منشأ تنوّعا مذهلا من الأشكال الثقافية و اللغات و الأشكال الفنية و المعتقدات الدينية المتباينة للغاية إلخ . بيد أنّ مكتشفات الأنتروبولوجية الحديثة و العلوم المرتبطة بها تكشف هياكلا معينة يبدو أنّها إخترقت الخطوط الثقافية و الجغرافية ، هياكل هي الأشكال الأساسية للتنظيم الإجتماعي الذى يبدو المرّة تلو المرّة متناسبا مع قاعدة إنتاج خاصّة .
فى حين أنّ كتاب " أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدولة " ليس صحيحا فى كلّ جزئيّاته ، فإنّ بعض فرضيّاته المفاتيح أكثر بخصوص التنظيم الإجتماعي الإنساني مبرّرة بصورة متزايدة :
- أنّ التنظيم الإجتماعي الأوّلي كان فى بدايته جماعيا بما أنّه عندئذ لم توجد قاعدة للمراكمة المادية و تجزئة وسائل الإنتاج فى شكل ملكية خاصّة و بالتالي لم توجد إختلافات إجتماعية قائمة على الإختلافات فى الملكية [ مثل الطبقات الأولى فى روما التى حدّدت فى علاقة بعدد الأحمرة التى يملكها الأفراد ] ، أو الأجهزة الخاصة للحكم القائمة خارج و فوق جماهير الشعب ( المؤسسات السياسية و جهاز الدولة ) خادمة تعديل الملكية و التوزيع و الدفاع و توسيع الملكية ؛
- أنّ المنزلة الإجتماعية للنساء لم تكن نموذجيّا أدنى من منزلة الرجال فى مثل هذه المجتمعات . و نظرا لمنهج على ما يبدو عالميّا لإرساء الحقوق و الواجبات الإجتماعية بناءا على درجات القرابة التى كانت بالتأكيد و طبيعيّا مركّزة عبر النساء وهو وضع كان على الأرجح يضمن للنساء صوتا مأثّرا فى كافة شؤون المجتمع ، لهنّ منزلة مساوية إن لم تكن أرقى من منزلة الرجال و على الأرجح أنّ ذلك قد تواصل فى غياب مراكمة الفوائض التى قد تصبح متمركزة بتباين بأيدي أحد الجنسين .
- أنّه حتى فى غياب الفوارق الإجتماعية [ مثل المراتب و الطبقات ] قد يكون تقسيم العمل بالضرورة قد وجد فى الأنظمة الإجتماعية الإنسانية الأولى و أنّها قد تكون إستندت على الخطوط الجنسية و إرتبطت بتكاثر الأطفال .
- أنّ فى حالات حيث توسّعت القاعدة الإنتاجية للمجتمع بما فيه الكفاية لتتطلّب تجزئة ملكية وسائل الإنتاج وحيث الملكية وتوزيع الممتلكات يقعان بين أيدي الرجال و الإنقسامات القائمة على التحكم و الملكية المتباينين ستظهر و ستقع سلطات إتخاذ القرار ترجيحا بين أيدى الذين لديهم أكبر تحكّم فى وسائل الإنتاج ، حيث كان للنساء تحكم صغير أو لم يكن لهنّ تحكّم فى وسائل الإنتاج الرئيسية ( نتيجة تقسيم العمل السابق ) ، ستستبعد من مجال إتخاذ القرار و توضع فى منزلة إجتماعية أدنى – الخطوط المعقّدة للحقوق والواجبات من المساعدة المتبادلة التى ترسم عبر خطوط أمية ستلغى أو تصبح غير ذات فعالية مع تجاوزها من قبل علاقات الملكية الجديدة .
نظرة إنجلز التى إستقاها من مورغان مفادها أنّ الأشكال الأوّلية للمجتمع كانت تتميّز بالعشائر الأمية ( لاحقا ستعوّض بالعشائر الأبوية ) قد ظلّت محلّ جدال ذلك أنّ مصطلحات الأمي و الأبوي تحمل مغالطة : لها دلالة سلطة سياسية ستكون غير ذات معنى فى غياب علاقات ملكية و أجهزة حكم مختلفة قائمة على معظم المجتمع . فى الأنظمة الجماعية البدائية يمكن للتجمعات الصغري من الناس نموذجيّا أن تتخذ كافة القرارات الإجتماعية الضرورية من خلال سيرورة نقاش و توافق عام بمشاركة كلّ نساء و رجال المجموعة . و بالتالي لم تكن المجتمعات الإنسانية الأولية عامة " أمية " بمعنى أنّ النساء كنّ " تتحكّمن " فيها .
و مع ذلك ، صحيح أن الأنظمة التى يرسم فيها الأشخاص نسبهم من خلال خطّ أمهم أو حيث النساء تمثّل محور المجموعة – كما هو الحال عندما يأتي الرجل للعيش مع مجموعة زوجته أكثر من حدوث العكس – قد بيّنت أنّها شائعة للغاية فى صفوف مجتمعات التجميع الأساسية . و أحيانا كان يبدو أنّه نظام متوازي حيث تحّدد القرابة عبر الوالدين و لو أنّ الرجال يمكن أن يظلّ ينتظر منهم الإلتحاق بمجموعة الزوجة والواجبات الإجتماعية يمكن أن تظلّ بعدُ محدّدة عبر جانب المرأة . و هذا صحيح مثلا ضمن الكونغ أين يحال على القرابة من الجهتين و إن كان الرجل النموذجي يأتي إلى العيش مع زوجته و أقربائه على الأقلّ لسنوات معدودات و يُنتظر منه أن يوفّر اللحم لهم طوال هذا الوقت . و عليه كلمات " تركيز الأمية " و " الخطّ الأمي " تصف بصفة أصحّ أنظمة تركيز مكان إقامة أو عدّ النسب و الواجبات المرتبطة بذلك عبر النساء – وكلّ هذا حمّله مورغان و إنجلز لمصطلح الأمية .
و يجب كذلك أن نشير إلى أنّ النسب عبر الأم لا يعني بالضرورة الوراثة من خلال الأم بالمعنى الكلاسيكي بما أنّه فى غياب الملكية الفردية يمكن أن لا يوجد شيء لوراثته . ما يبدو أنّه قد سبق مفهوم و ممارسة وراثة الملكية الفردية هو " وراثة " مجموعات الحقوق الإجتماعية و الواجبات التى تحدّدها علاقات القرابة و غالبا هي مشتركة بين كلّ أعضاء المجموعة الخاصّة [ مثل " حقّ " إستعمال النباتات و الحيوانات و الماء فى منطقة معيّنة ، أو واجبات التعاون المشترك مع الآخرين فى مجموعة قرابتك). و فى بعض مجتمعات التجميع هذا النوع من " الإرث " ( إستعمال الأرض ) أحيانا عادة ما يورّث عبر الأم و أحيانا عبر الأب . و من غير الواضح إن كان مثل هذا النظام السلس و المختلط قد مثّل شكلا موروثا من الأجداد مشترك من التنظيم أو إن كان ببساطة يعكس إنتقالا من الخطّ الأمي و لعلّ ذلك يعود فى جانب كبير منه مثلما لدي الكونغ ، إلى القطع مع الطرق القديمة من الحياة عبر العلاقات و التبادل مع تربية الماشية أو الفلاحين و تجاوز العلاقات السلعية المعاصرة . على المستوى العالمي ، يمكن أن يوجد قليل من الشكّ مع ذلك فى منتهى هيمنة أنظمة ذات الخطّ الأمي فى مجتمعات التجميع . و فوق ذلك ، ما كانت أم لا أنظمة الخطّ الأمي عالمية فى جميع المجتمعات البدائية فإنّ الواقع يظلّ أنّ الإنتقال من الخطّ الأمي إلى الخطّ الأبوي ( و النظام الأبوي ) قد وثّقت فى عديد المجتمعات مع ظهور وسائل الإنتاج المتسعة و بشكل مختلف يتحكّم فيها الرجال ، و مملوكة على أساس فردي .
قبل هذه النقطة مسألة الوراثة الفردية لوسائل الإنتاج لم تكن لتُطرح و من هناك لم يكن المجتمع يشغل نفسه بالتحديد الصحيح لأب أي طفل معيّن . تحديد الأم سيكون بديهيّا و سيكفى لضمان مكانة طفل فى عشيرة معيّنة . سيكون الأطفال أحرارا من طابع الملكية و لن يعاملوا على ذلك النحو و على الأقلّ سيتجاوزوا مرحلة الرعاية ، الإرضاع ، وعادة سينظر إليهم كأعضاء من ضمن المجموعة ويعاملون جماعيّا إلى حدّ كبير مثلما هو واقع الحال فى عديد مجتمعات التجميع فى عالم اليوم . بهذا المضمار ، من المهمّ أن نلاحظ التبادل بين يسوعيي القرن 17 و رجل من قبيلة نسكابي من التجميعيين – الصيّادين مثلما ورد فى تقرير لأليونور ليكوك فى مقدّمتها لكتاب إنجلز" أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدولة " [ ص 38 ] :
"إنّ المبعوثين القسيسيين الذين كتبوا عن تجربتهم يؤكّدون أنّه " كانت للنساء قوّة كبرى هنا " و أنّ " إختيار المخطّطات و الأسفار و التنقلات الشتوية ، يقع تقريبا فى كلّ مأسسة بايدي ربّة البيت " . و أنّب قسيس رجلا لكونه لم يكن " السيّد" قائلا له " فى فرنسا النساء لا تتحكّم فى أزواجهنّ " . و صار جعل النساء تمتثل لأزواجهن الشغل الشاغل للمبعوثين ، لا سيما فى علاقة بالحرّية الجنسية التى لديهنّ . " قلت له إنّه من غير المشرّف لإمرأة أن تحبّ أي شخص آخر عدا زوجها وهذا الشيطان فى صفوفهن ( حرّية النساء الجنسية ) أنّه هو ذاته غير متأكد من أنّ إبنه الذى كان حاضرا هو إبنه . و كان ردّ النسكابي هو " ما تقوله لا معنى له . أنتم الشعب الفرنسي تحبّون فقط أبناءكم أنتم ، لكننا نحن نحبّ كافة أبناء قبيلتنا ".
بوضوح لم تكن لتوجد أية قاعدة لتقسيم المجتمعات الإنسانية إلى مضطهِدين و مضطهَدين دون مراكمة أوّلية لنوع من الفائض . حتى القتل المناسباتي للأفراد ضمن القردة الأجداد أو " الهومينيد " الإنتقالي من الممكن أن تكون له أو كانت له علاقة بالظهور اللاحق للقهر الإجتماعي من الأفراد الباقين على قيد الحياة ، وهو تطوّر صار فقط ممكنا بوجود فائض مادي . و فعلا كان توفّر نوع من الفائض حافزا كبيرا لتطوّر كلّ النشاط الإنساني غير المرتبط بالمعنى الأكثر مباشرة وضيقا بالوجود المباشر [ مثل الفنّ و الدين و المؤسسات السياسية ] وكذلك مزيد تطوّر القوى و النشاطات الإنتاجية .
عندما صار التجديد فى مجتمعات التجميع مرتكزا جيّدا ، أرسيت قاعدة مزيد التطوّر فى مناهج تحديد الغذاء و الحصول عليه . و بالفعل ، جعلت إعادة التنظيم البيولوجي الهيكلي ذى الدلالة أنّه عني ظهور وضع الوقوف على الرجلين تماما بما فى ذلك مظاهر مبتدعة أخرى مثل التغليف المتأخّر لعظام الجمجمة ما سمح بتوسّع الدماغ ما بعد الولادة و جعلت الفترات الممتدّة من حداثة السنّ ممكنة درجة غير مسبوقة بعد من التفاعل بين " الهومينيد " الأولين و البيئات الخارجية التى تمكنت بشكل متزايد من أن تأثّر و تتأثّر و تغيّر و تتغيّر بإستمرار حافزة مزيدا من الإندماج و التواصل والتعلم الذهنيين . و بالنسبة إلى الأدوات الأوّلية – الأيادي و كذلك على الغالب أدوات التجميع كعصي الحفر و الحاويات الطبيعية ... فهي أدوات أضيفت فى النهاية نوعا ما إلى أخرى أوفر مهارة من الحجارة المعدّلة المناسبة لتقطيع الجثث و قتل الحيوانات و لاحقا إلى أوّل أدوات الصيد بالحجارة . و فى ما بعد ستمكّن قدرة إستعمال ( و إنتاج ) النار من طهي عديد الأغذية من النباتات الليّنة وكميات كبيرة من اللحم جاعلة إياها أكثر قابلية للهضم وهو تطوّر لا شكّ فى أنّ تبعاته بعيدة المدى و مباشرة على التنظيم الإجتماعي و مزيد تطوير القوى المنتجة (30). لكن حتى الصيد بالأسلحة لم يكن ليظهر دون قدرة سابقة على ضمان فائض من الغذاء أزيد مّما كان ضروريّا للإستهلاك الآني من طرف أفراد التجميع ؛ هذا فقط بإمكانه أن يجعل ممكنا لبعض الفئات من أفراد المجموعات الإنخراط فى نشاطات ليست منتجة مباشرة . و يعزى هذا بصورة كبيرة إلى أنّ الصيد ، على خلاف التجميع ، نشاط نتائجه غير متوقعة إلى درجة كبيرة وهو ما يعنى غالبا عديد الأيّام من البحث غير المثمر عن الفريسة و ما يتطلّب بذل طاقة هائلة من الصيادين بغضّ النظر عن الفشل أو النجاح فى الحصول على اللحم . و المراكمة من خلال تجميع التزويد بالغذاء على قاعدة خاصة و التقسيم النظامي لهذا الغذاء سيمكّنان بعض الأفراد من التفرّغ للصيد لأيّام متتالية دون خوف من عدم بقائهم أو بقاء أيّ أفراد آخرين على قيد الحياة لإرتباطهم مباشرة بنجاح أية مغامرة صيد خاصة .
و من أجل تقييم أفضل لمدى حيوية تموين الغذاء الأساسي لمجموعة من البشر دون قوى إنتاج متطوّرة متأتية من تجميع الغذاء ، من المفيد للحظة النظر فى التجميعيين- الصيادين فى وقتنا الحاضر على غرار الكونغ رغم أنّ لهؤلاء معرفة مذهلة بشأن تفاصيل البيئة التى يعيشون فيها و يستعملون فخاخا و أقواسا و سهاما مسمّمة لقتل صيدهم ، فإنّ معدّل صيد الصيادين لا يزال صيدا واحدا خلال أربعة أيّام من الصيد ؛ و خلال ما يناهز ال15 سنة من أفضل فترات صيدهم إنتاجية يقطع الرجال من الكونغ بين 1200 و 2100 ميل سنويّا لتتبع الفرائس . وغالبية الصيادين يراوحون بين فترات الصيد الشديدة و فترات طويلة من عدم النشاط النسبي ، ومن هنا المعاش الأساسي لكافة الأفراد فى المجتمع يضمنه التجميع اليومي للنباتات الغذائية الذى تنجزه أوّلا ، إن لم يكن حصريّا ، النساء . و تساهم نساء الكونغ ب 60 إلى 80 بالمائة من مجمل الغذاء المستهلك فى مجتمعاتهن ، و كميات اللحم التى يوفّرها الرجال غاية فى التغيّر لكن معدّلها يبلغ 20 إلى 40 بالمائة ( أنظروا ، شوستاك 1981 ، ص 12 ؛ لي 1979 ، ص 40) من الغذاء و تقسيم العمل بين الجنسين قد ورد فى تقارير عن مجتمعات التجميع – الصيد فى عديد أنحاء الكوكب متراوحة بين صحراء كلاهاري بأفريقيا إلى غابات الآمازون الممطرة . و بينما لجميعها خصوصيّاتها الثقافية ، فإنّ مجتمعات التجميع – الصيد الأكثر تقليدية لها عدّة أوجه مشتركة : إنّها تعوّل أوليّا على تجميع النبات الغذائي الأساسي للعيش فى حين أنّ الصيد يوفّر موادا إضافية من اللحم أندر و أقلّ تعويلا عليها لكنّها ذات قيمة كبيرة ؛ لديها معرفة هائلة بالبيئات التى تعيش فيها و تقاليد ثقافية ثريّة بيد أنّ تدنّى تطوّر قوى الإنتاج نموذجيّ وهي تستعمل فحسب مجموعة محدودة من وسائل التجميع كعصي الحفر و أدوات الصيد مثل الأقواس والسهام و مجرّد الفخاخ و نباتات مسمومة ؛ لا تراكم أية ممتلكات ذات دلالة و نموذجيّا ، بصورة واسعة و بصفة روتينية، تتقاسم الموارد الغذائية و أي شيء آخر تحصل عليه مهما كان صغيرا ؛ و تنحو إلى العيش فى مجموعات صغيرة نسبيّا ذات تكوين غير قار و عامة بتنظيم إجتماعي سلس تماما و بعضها أظهر بداية مراتبية إجتماعية لكن بعضها الآخر لم يكن لديه قادة رسميون أو أجهزة حكم من أي نوع . و مع ذلك لجميعها ضرب من تقسيم العمل فى المجتمع حتى و إن لم يكن ربّما صارما تحديده جدّا ، و هذا التقسيم للعمل يتبع عامة بدائيّا الخطوط الجنسية . وبينما بعض هذه المجتمعات يمكن من النظرة الأولى أن تدهشنا بالدرجة الظاهرة من اللامساواة بين الرجال والنساء ، هناك عادة صلة بين تقسيم العمل الأساسي و نوع النشأة كما يظهر ، أشكال جنينية من اللامساواة الإجتماعية بين الجنسين .
و التجميعيون – الصيادون الكونغ الذين يدرسون كثيرا حالة لها دلالتها . ففى حين كانت مجتمعات الكونغ تشهد تغيرات فى منتهى السرعة فى السنوات الحديثة نظرا للتفاعل الأكثر إنتظاما مع أناس من مجتمعات رعوية و فلاحة بساتين و صناعية ، قد حافظت إلى فترة حديثة جدّا على الطريقة التقليدية لحياة التجميعيين – الصيادين . و لم يكن للكونغ التقليديين قادة رسميون و زعماء و مجالس قبلية أو أية أجهزة حكم أخرى ؛ كانوا نموذجيّا يعيشون فى مجموعات متنقّلة صغيرة و القرارات الكبرى الخاصّة بطريقة حياتهم يتوصلون إليها عبر النقاش العام بمشاركة البالغين من الجنسين إلى أن يتمّ الحصول على تسوية ؛ و قد يلعب البعض أدوارا قيادية أكبر من أفراد آخرين فى مثل هذه النقاشات لكن هذا كان يتمّ على أساس التجربة و الحكمة العامة الحاصلة ( و عادة مرتبطة بسنّ أكبر ) و ليس مرتبطا بعناوين أو مواقع . كان الكونغ التقليديون يملكون القليل فى ما يتعلّق بالممتلكات المادية التى تتكوّن أساسا من أشياء متصلة مباشرة بالنشاطات الحيوية مثل عصي الحفر و الأقواس و السهام وحاويات المياه و بعض الأشياء كالأنابيب و الحبوب و ألعاب الأطفال أو الأدوات الموسقية الممرّرة بإستمرار ضمن " شبكات تقديم الهدايا " : " الوزن الجملي للملكية الخاصة للفرد أقلّ من 12 كلغ و يمكن بسهولة حملها من مكان إلى آخر. ( لي 1979 ، ص 456 ). و كذلك لا يخزّن الكونغ الغذاء و لأية مدّة زمنية مهما كان طولها : " ... [ إنّهم ] لا يقيمون فرقا حادا بين موارد البيئة الطبيعية و الثروة الإجتماعية . الأرض غير المستصلحة نفسها هي وسيلة إنتاج و لأنّها غير مملوكة لأي كان بشكل حصري فهي متوفّرة لكلّ شخص يمكن أن يستعملها . و لا يراكمون فائضا لأنّهم يعتبرون البيئة ذاتها مخزنهم ...
بإعتبار أنّهم يعرفون ما يتوقعونه من البيئة ، لا يعيرون إهتماما كبيرا لجلب الغذاء و المواد الأولية إلى المخيم قبل الحاجة إليها . الغذاء الذى يجمّعه أعضاء المخيّم يقسّم و يستهلك دون تأخير ضمن حدود المخيّم أو من قبل الجيران المباشرين للمخيّم ." ( لي 1979 ، ص 455).
و ذو دلالة إذن أنّ الملكية بالضرورة مفهوم بالكاد ظهر فى صفوف الكونغ محدّدا فى الإعتراف ببعض المناطق على أنّها " ملك " للمنحدرين الأحياء – رجالا و نساءا على حدّ سواء – ممن وجدوا هناك للفترة الأطول . يبدو أنّ لذلك تبعات إجتماعية محدودة ما يعنى ببساطة أنّ زائرى منطقة من المفترض أن يسألوا مالكيها الإذن لهم بتجميع النباتات و بالماء و بالفرائس فى المنطقة ؛ فى مجتمع الكونغ التقليدي هذا أمر شكلي إلى حدّ كبير بما أنّ الإذن قلّما يرفض ، أو لا يرفض أبدا ، لكن ذلك يضمن أنّ الزائرين سيعاملونهم بالمثل لمّا يحتاجونهم . وهكذا روابط متبادلة فى صفوف الكونغ هي القاعدة و ليست الإستثناء و بالفعل ، التقسيم النظامي للموارد يبدو عالميّا فى صفوف شعوب التجميع .
وصلب الكونغ أسوأ شتيمة ممكنة هي إتهام أحد الأفراد ب " الشحّ " و يتواصل الإتهام بإستمرار و إلحاح و إستفزاز إلى أن يمتثل أو تمتثل إلى القواعد الإجتماعية ، و تبعا لذلك بالفعل يمنعون أي مراكمة تخلق إختلاف ضمن المجتمع . و دفعت ملاحظة ذلك رتشارد لي إلى الإشارة إلى أنّه بالرغم من كون الإقتسام بديهيّا يجب أن يُعلّم و إلى أنّ أي طفل يولد لديه القدرة على كلّ من التقسيم و الأنانية :
الواقع هو أنّ التقسيم الإجتماعي للموارد الغذائية الذى شوهد مباشرة فى السنوات الحديثة ضمن الكونغ وعشرات مجموعات التجميع الأخرى إكتشاف لا ينبغى التغاضي عنه بخفّة . فعالميته تقدّم الدعم الكبير لنظرية ماركس و إنجلز عن أنّ المشاعية البدائية سادت قبل ظهور الدولة وإنقسام المجتمع إلى طبقات ( إنجلز 1884) .
و يجب على المرء أن يضيف تنبيها مع ذلك إلى أنّ هذه المشاعية لا تتسع ، على حدّ علمنا ، لتشمل الحقوق الجنسية مثلما إعتقد ماركس و إنجلز فى البداية متبعين فى ذلك مورغان ( 1877) " ( لي 1979، ص460 ).
و فى الحقيقة دور النساء فى مجتمعات التجميع – الصيد التقليدية على غرار الكونغ متناقض مثلما يكشفه ما يلي :
هل أنّ الدور السائد فى الإنتاج و القوّة الدقيقة فى الزواج و تقاسمهم لنواة عضوية المجموعة مع الرجال يفضى إلى السلطة فى المجال السياسي كذلك ؟ و الجواب بالمعنى العام نعم ! مشاركة نساء الكونغ فى النقاشات الجماعية و فى إتخاذ القرار على الغالب أكبر من مشاركة النساء فى معظم المجتمعات القبلية و الفلاحية و الصناعية ... لكن مستوى مشاركتهن ليس مساويا لمستوى مشاركة الرجال . فهؤلاء الأخيرين يتمتعون عادة بحوالي ثلثي الحديث فى النقاشات المشتركة لكلا الجنسين و الرجال يتحرّكون كناطقين بإسم المجموعة بصورة متكرّرة أكثر ممّا تقوم به النساء ..." ( لي 1979).
و " منزلة النساء فى المجتمع عالية و تأثيرها معتبر . و هنّ عادة بارزات فى القرارات الهامة العائلية و الجماعية مثل أين ومتى يتمّ التحرّك و من سيتزوّجه أطفالهم . و العديدات أيضا تتقاسم النواة القيادية فى مجموعة و تتقاسم ملكية آبار المياه و مناطق التجميع . بالضبط ما هو مدي تأثيرهن الفعلي و مدي منزلتهن مقارنة بمنزلة الرجال مسألة معقّدة : فبالفعل يمكن للنساء أن تكون تقريبا مساوية للرجال ، لكن عادة الثقافة تحدّدهن على أنهن أقلّ سلطة . بكلمات أخرى ، يمكن لتأثيرهنّ أن يكون أكبر من أن يرغب الكونغ – أو كلا الجنسين – الإعتراف به " .( شوستاك 1981 ، ص 13)
فى الواقع تكشف دراسات مجتمعات التجميع – الصيد أنّه بالرغم من نمط إنتاجهم الجماعي البدائي ، فقد أفضى الإختلاف النسبي فى المنزلة الإجتماعية بصنف من البيولوجيا الإجتماعية إلى أن تدّعي بصوت عالي أنّ ذلك بالتأكيد يجب أن يكون دليلا على قاعدة بيولوجية فطرية للتناقض بين الجنسين . " مسألة المصلحة إذن هي إستمرار لما هي الصفات الوراثية لوجود التجميعيين – الصيادين التى أثرت فى مسار التطوّر الثقافي التالي" كتب أ. أ ولسون فى " حول الطبيعة البشرية " ( ص 88 ، التشديد من وضعنا ) فى مزيج مثالي ميتافيزيقي مذهل بصورة مطلقة ، يواصل ولسون تطوير نظرياته : " أعتقد أنّ التأثير كان حقيقا . بديهي أنّ واقع ظهور الحضارة قد إتبع فى كلّ الأماكن رسما قابل للتحديد " ( ص 91 ، التشديد مضاف من عندنا ) .
و هكذا ، وفق ولسون ، مقارنة لتتابع أشكال التنظيم الإجتماعي فى مختلف أنحاء العالم ( مثل الإنتقال من أنظمة التجميع – الصيد إلى القبائل الأكثر تراتبية و ذات الزعامات إلى المدن و الدول و ظهور الهياكل الطبقية ) يصبح دليلا على أنّ تاريخ المجتمع الإنساني يجب أن يحدّده مخطّط بيولوجي مشترك دونه سيكون من المستحيل شرح تشابه من هذا القبيل ! لا وجود هناك و لو لإشارة خفيفة واحدة أنّ تشابه علاقات الإنتاج المعتمدة على مستويات متشابهة من تطوّر قوى الإنتاج يمكن أن تعلّل هذه المقارنات . ( 31 )
بطبيعة الحال ، قد يرغب المرء فى طرح سؤال لماذا إذن لم تزعج هذه الهياكل الإجتماعية أبدا التطور وفق المخطّط و لم تشهد تغيرات كبرى بديهية . و إجابة ولسن فى الأساس هي أنّ الأشياء فى الطبيعة تنمو و أحيانا تذهب قليلا للخبط أي :
" برأيي مفتاح ظهور الحضارة هو تضخّم عضوي ، منتهي نموّ الهياكل الموجودة سابقا . مثل سنّ صغير الفيلة الذى ينمو بالطول ليصبح نابا و عظام الجمجمة لدي ذكر الأيّل التى تنمو لتصبح قرنا كبيرا مدهشا ، فإنّ الإجابات الإجتماعية الأساسية للتجميعيين – الصيّادين قد تحوّلت من التأقلم البيئي البسيط نسبيّا إلى أشكال مفصّلة و حتى فاحشة فى المجتمعات الأكثر تقدّما . و مع ذلك الإتجاهات التى يمكن أن يتخذها هذا التغيير و إفرازاته النهائية محدّدة بالإستعدادات الجينية المتأثّرة سلوكيّا و التى شكّلت التأقلم السابق و الأبسط للإنسان الأمّي "( ص 94-95).
و هكذا حسب ولسن ، الإختلافات الجينية الطفيفة بين الرجال و النساء نمت فأفضت إلى إخضاع على نطاق شامل للنساء و أسس بيولوجية سابقة الوجود شبيهة نمت لتولّد العنصرية و القومية و الحرب إلخ على نطاق شامل . بالطبع ، بينما يُقرّ بأنّنا لسنا مرتبطين حصرا ببرامجنا الجينية ، يشعر ولسن بأنّه مجبر على تذكيرنا بأنّه علينا أن نكون واقعيين إلى درجة و حدّ يمكّناننا من توقّع التخلص من بعض المشاكل . و فى نهاية الأمر ، يقول ولسن أساسا ليس بوسعك أن تغالط أمّنا الطبيعة !
لكن فحصا عن كثب لمجتمعات التجميع – الصيد و العلاقة الفعلية بين اللامساواة فى أوّل نشأتها فيها و لاحقا لامساواة و تناقضات إجتماعية تامة النموّ يكشف عمل سيرورة مختلفة بقوى محرّكة مختلفة ، مثلا ، معلومات أحدث عن التنظيم الإجتماعي لشعوب متباينة اليوم تعيش على إقتصاديات أساسا معاشية أي على التجميع والصيد – مع إستعمال لوسائل و أسلحة قليلة و بسيطة فقط و بالقليل من التطوّر أو بلا تطوّر لعلاقات الإنتاج – يوفّر لنا خيوطا قيمة بصدد ليس فحسب الأشكال الأوّلية المحتملة للتنظيم الإجتماعي الإنساني بل كذلك عواملا تتوسّط التغيرات الكبرى فى هذا التنظيم .
يمكن أن لا تكون للكونغ و تجميعيين – صياديين آخرين طبقات أو حتى تراتبية إجتماعية صارمة إلاّ أنه لديهم تقسيم للعمل . بإمكان كافة الرجال و النساء أن يقوموا بتجميع النباتات الغذائية غير أنّ هذا النشاط تنخرط فيه بالأساس نساء توفّر القدر الكبير من النباتات الغذائية للمعاش التى يستهلكها المجتمع . لكن نموذجيّا النساء فى مجتمعات التجميعيين – الصيادين لا يصطدن . و هذا لا يعزى إلى عدم قدرة الإناث على تحديد الفرائس أو إستعمال الأسلحة أو إلى إختلاف جوهري آخر له " أصل بيولوجي " مثلما إقترحه بسخف أ. أ. ولسون . ( أنظروا المقتطف فى مفتتح هذا البحث ) . و بالفعل من الممكن العثور على إستثناءات فى هذا الطراز العام فى تقريبا كلّ مجتمع من المجتمعات التجميعية . مثلا ، يذكر شوستاك ( 1981 ) حالة ضمن الكونغ أين صارت إمرأة فى منتصف العمر كان زوجها يعتبر " كسولا " فى الحصول على اللحم وهي تشتهي مثل هذا الغذاء المتأتى من الصيد متقنة لهذا النشاط رغم أنّ غالبية الناس إعتبروها نسبيّا غريبة الأطوار . و يذكر تانر ( 1981 ) أمثلة مشابهة (32) . و فعلا فى بعض مجتمعات التجميع ، بصورة روتينية كانت النساء تصطدن حيوانات صغيرة أو تحدّدن الجثث التى يمكن تفتيشها للإستفادة منها . و بصفة دالة يحدث هذا أثناء نشاطاتهنّ التجميعية و ضمن النطاق الجغرافي المغطّي عادة فى يوم تجميع . و وجدت كذلك أمثلة من الصيد الجماعي حيث يتشارك الرجال و النساء و الأطفال فى مثل هذه النشاطات كصيد الأرانب ، مجدّدا عادة على مقربة من المخيمات الأساسية . و خصوصيّات تقسيم العمل ضمن التجميعيين تتباين بداهة نسبيّا حسب أصناف الغذاء الموجودة و وفرتها و موسميّتها ، و تأخذ بعين الإعتبار أشياء مثل الحجم و التوفّر المحلّي و درجة تنقّل أنواع الفرائس ودرجة سرعة النسق والهدوء إلخ . فالمسألة ليست أنّ النساء ليس بوسعهن الصيد أو أنّهن لا تصطدن أبدا مطلقا فى مجتمعات التجميع . المسألة هي أنّ أكبر تمييز عام بين نشاطات الرجال و النساء فى مثل هذه المجتمعات فى كافة أنحاء العالم هو بين التجميع ( الذى تنجزه بالأساس النساء ) و الصيد ( الذى يقوم به تقريبا بصفة حصرية الرجال ). يبدو أنّ الإختلاف ناجم عن تقسيم طبيعي للعمل وقعت مأسسته عفويّا و جرى إتفاق بشأنه من قبل الجنسين ببساطة لأنّه فى غالبية الحالات يكون غير معقول جدّا أن تنخرط نساء بالغات فى الصيد ، نساء تربى أطفالا لأشهر طويلة و نموذجيّا تعتنين بهم بالرضاعة لعدّة أسابيع أو أشهر بل لعدّة سنوات ( ثلاث سنوات نموذجيّا لدي الكونغ ) قبل أن يصبحوا قادرين على إعالة أنفسهم بما فيه الكفاية من الغذاء المجمّع ؛ و فطم الطفل يتمّ نموذجيّا مع بداية الحمل بطفل آخر . و النساء فى مثل هذه المجتمعات يمكن أن تنخرطن و تنخرطن فى التجميع المنتج كثيرا و تحملن أكداسا جدّ كبيرة و حتى تحملن الأطفال أو تعتنين بهم و تحملن أطفالا بالكاد يستطيعون المشي إلى جانب حمل الأكداس . لكن التجميع نشاط طويل المدى ذو طبيعة أكثر إستمرارية و إن كان أقلّ شدّة من الصيد الذى يعنى نموذجيّا فترات قصيرة من بذل مستمرّ لطاقة هائلة تتخلّله فترات نسبية من عدم النشاط: سواء يتبعون فرائسا كبرى فى السّهب الأفريقية أم عصافير و قردة فى غابات الآمازون الممطرة ، نموذجيّا على الصيادين أن يمشوا و يقطعوا جريا بهدوء أميالا ، تاركين المخيّمات الأساسية لأيّام و أسابيع فى النهاية . و من اليسير بالتالي رؤية لماذا سيعتبر الجنسان من المعقول أكثر أن يسافر الرجال لمسافات طويلة لتتبع الفرائس السريعة التحرّك ، عادة خلال فترات طويلة ، و هم أحرار من العبء المكبّل( و المزعج ) : العناية بالأطفال الذين بالكاد أخذوا يمشون.
لكن لماذا سيكون هذا التقسيم الطبيعي للعمل الذى سيفيد كلا الجنسين بحدّ ذاته مصدرا للآمساواة الناشئة. و الجواب هو أنّ المسألة تبدو كامنة فى واقع أنّه بينما يبدو أنّ الصيد قد تطوّر كنشاط ثانوي نسبة إلى التجميع ، فإنّ المجتمع بأسره يعتبر اللحم الذى يوفّره الصيّادون أعلى قيمة من الأغذية المجمّعة :
" على ضوء الأهمّية الأكبر للغذاء المجمّع فى الطعام ، ما يبعث على الإستغراب هو أنّ كلّ الكونغ رجالا و نساءا على حدّ السواء يعتبرون اللحم على أنّه أعلى قيمة من النباتات الغذائية . حين يكون اللحم نادرا فى المخيّم ، يعبّر الجميع عن إشتهائهم له و إن كانت الأغذية النباتية وافرة . و تتميّز المناسبات التى تقتل فيها حيوانات كبيرة عادة بالإحتفال و الرقص و تقديم الهدايا من اللحم . و بما أنّ الحيوانات الفرائس نادرة و غير متوقّعة مقارنة بالغذاء النباتي ، لعلّه من غير المفاجئ أن يحظى الصيد بأكبر دلالة رمزية من التجميع ؛ و لا يجب أن يفقد المرء من نطاق نظره كون الصيد يوفّر الأغذية الأساسية مثل الكمية الكبيرة من البروتينات التى ليست متوفّرة بسهولة فى الغذاء النباتي وحده ."( لي ، 1979 ، ص 458).
و يصف شوستاك مشهدا نموذجيّا حيث يتمّ جلب اللحم إلى المخيّم :
" صياح الأطفال المبتهجين يمكن أن يرحّب بالنساء عند عودتهن من التجميع ، لكن عندما يدخل الرجال القرية مدلين اللحم على العصي المرفوعة على الأكتاف ، يحتفل الجميع شيبا وشبابا على حدّ سواء . و يمكن حتى أن يدفع هذا إلى الذهول و الرقص . شيء وحيد يمكن للنساء أن تقدّمنه و يسبّب ردّ فعل مماثل هو العسل ، لكن إيجاد العسل حدث أندر بكثير وهو حدث عادة ما يحصل بمساعدة من الرجال . نساء الكونغ يمكن أن يتحكّموا فى توزيع الأشياء التى جمعوها ، لكن توزيع اللحم يخضع لقوانين شكلية وهو يعنى الرجال فى مجال تأثير أوسع "( شوستاك ، 1981، ص 243).
بينما يقع خارج نطاق هذا البحث أن نحاول عقد مقارنات تنظيم مختلف مجتمعات التجميع – الصيد ، يمكن أن نلاحظ أنّ ذات الطراز الأساسي يمكن أن يوجد مثلا ضمن هنود الإيتكوتاري الذين يعيشون عميقا فى غابات الآمازون الممطرة إذ تقوم النساء بمعظم التجميع ( وصيد السمك بواسطة نباتات سامة توضع فى الأنهار القريبة وحصاد السمك الذى يطفح على السطح ) و يقوم الرجال بمهام الصيد البرّي؛ و الفرائس نادرة و يخفق العديدون فى الصيد لكن اللحم يعدّ ذا قيمة عالية و الرجال هم الذين يوزّعونه " ( دونار 1982 ).
ما من سبب يدعو إلى التفكير فى أنّ توزيع الرجال اللحم المرغوب فيه قد يكون مصدرا للنزاعات الإجتماعية فى تطوّر طريقة حياة التجميع – الصيد . و فى غياب زعماء و تراتبية أو أية أجهزة حكم ، فإنّ توزيع اللحم الذى تمّ الحصول عليه بفضل الصيد على الأرجح قد تكون قام بما يشبه توزيع النباتات الغذائية المجمعة : مهما كان من جلبه هو الذى يوزّعه . لكن نظرا لكون اللحم يبدو مرغوبا فيه إلى درجة عالية فى مجتمعات التجميع – الصيد ، فإّنه إعتبارا لأنّ الصيد على خلاف التجميع لا يستطيع أن ينخرط فى طلبه بصفة منتظمة الجنسان ، و إعتبارا لأنّ الأفراد فى مثل هذه المجتمعات نموذجيّا يوزّعون على أنفسهم ما يجلبونه ، من اليسير فهم لماذا قد يضمن الرجال نوعا من الإجراء الخارق للعادة للتأثير الإجتماعي فى هكذا مجتمعات – الأوّل الأساس الجنيني لهيمنة الرجال على النساء . و كلّ هذا ينزع نحو التعويل القوي لنظرة أنّه لم يوجد أبدا أي أساس جيني ، أي إستعداد فطري ل " طبيعة الإنسان " لهيمنة الرجال على النساء و أنّ أصله – و نقطة نهايته – مرتبط وثيق الإرتباط بجذور و تطوّر الأشكال المتنوّعة من تقسيم العمل المؤسس بهدف توسيع القاعدة المادية لشتى المجتمعات . ومن هنا ليس بالشيء الموروث لدي أي من الجنسين و لا هو شيء حتمي أو غير قابل للتبدّل .
عند نقطة معيّنة فى ماضينا السحيق ، ينبغى أن يكون قد صار واضحا للبشر الأولين من الجنسين أنّه بإمكانهم جميعا الإستفادة من توزيع المهام التى ستسمح لكافة أعضاء المجتمع بتوسيع قاعدة معاشهم المادية . و على الأرجح أنّ هذا حدث بعد أن تمّ التركيز الجيّد لنمط التجميع للحصول على الغذاء ، و بعد إنتاج فائض مادي أولي ، بمعنى أنّه أمكن الحصول على المؤن الغذائية بقدر أزيد ممّا يمكن أن يستهلكه الفرد مرّة واحدة . و من ثمّة سيوفّر هذا القاعدة المادية لذلك التقسيم الأوّلي للعمل وخاصة لتفرّغ قطاعات من المجتمع من أجل نشاطات ستمثّل خطوة أبعد من الشكل الأكثر مباشرة من النشاط المعاشي و الذى بدوره سيفرز القاعدة المادية لمزيد توسيع القاعدة الإنتاجية للمجتمع و بصورة متصاعدة مزيد تطوير النشاطات التى ليست مرتبطة مباشرة بالإنتاج مثل الفنّ و العلم و الدين إلخ .
فى التطوّر الأولي لخطّ " الهومينيد " يبدو أنّ مجرّد تجميع الغذاء قد إمتدّ لمليوني سنة على الأقلّ قبل تطوّر أوّل وسائل حجرية خام مناسبة للقتل و لاحقا للصيد ، ما حصل قبل حوالي مليوني سنة . الواقع أنّ التقسيم الإجتماعي الأوّل المعروف ( بين النشاطات التجميعية والصيد ) نشأ على الأرجح عن الخطوط الجنسية نظرا لضرورة حمل النساء و رعايتهنّ للأطفال و حمل صبي مرتبط بأمّه إرتباطا كبيرا ليس إلاّ شيئا يبعث على الكرب . هذه الضرورات نفسها يمكن أن تدفع تطوّر نظام فوائض تجميع الغذاء فى المصاف الأوّل جاعلة أوّل تقسيم للعمل ممكنا. و دون تقسيم للعمل ، لم يستطع الإنسان تجاوز طرق مبلّدة للذهن لوجود " يد إلى فم " تام . لقد حثّ التقسيم الأوّلي للعمل على مزيد تطوّر القاعدة الإنتاجية للمجتمع بما وفّر ليس فقط غذاءا أكثر و أفضل و إنّما أيضا دافعا نحو مزيد تطوير وسائل الإنتاج و طرقه ، وقد مثّل الأساس الذى إنطلاقا منه إكتشف الإنسان العالم الخارجي و غيّره كما لم يفعل من قبل . و فى النهاية ، يجب أن نقول إنّ الضرورات البيولوجية لرعاية الأطفال ليست هي ذاتها غير قابلة للتبدّل أو ليست هي بالضرورة عواملا قارة و فى آخر المطاف ، الصياغة العميقة للمجتمع الإنساني لم تقم على المميزات البيولوجية و لم تساهم فى تقييد نشاطات نصف الجنس البشري .
-------------------------------------------------------------------------------------------------
24- هذا الزواج خارج العشيرة سيساعد موضوعيّا على الوقاية من مشاكل التزاوج المحصور بين الأقارب و لو أنّ هذا على ما يبدو لم يكن مفهوما بوعي فى الأزمنة القديمة و عادة التشجيع على الزواج خارج المجموعة الصغيرة من الأشخاص الأقارب يمكن ببساطة أن تكون نتيجة طبيعية لإرادة التوسيع المستمرّ لمجال العشيرة من العلاقات الإجتماعية بما فى ذلك إنشاء علاقات جديدة من التعاون المتبادل إلخ مع أشخاص من مجموعات أخرى . عندما سألت ذات مرّة مرغريت ميد رجلا آرابيش لماذا لا يوافق شعبه على العلاقات الجنسية مع الأخت ، أجاب : " ماذا دهاك ؟ النوم مع الأخت ؟ لكن ألا ترغبين فى نسيب ؟ معه ستقيمين الفلاحة و معه تصطادين و تتبادلين الزيارات ؟ " ( ذكر فى ليكوك ، مقدمة لكتاب إنجلز 1884 ، ص 27) .
25- و حتى أولئك الذين يقاتلون عن صواب مفاهيم طبيعة إنسانية فطرية و محدّدة بيولوجيّا ، مثل العديد من الأنتروبولوجيين المختصين فى الثقافة لم يستطيعوا أن يتعلّموا قدرا كبيرا من مقاربة إنجلز و بصورة خاصة سيقومون بما هو جيّد للمسك الأفضل بالمادية التاريخية لأجل إبراز ليس فقط التنوّع الثقافي الكبير من أنظمة المجتمع الإنساني لكن أيضا أكثر الطراز العالمي للتطوّر و التغير بإزاحة القناع عن العلاقة الحميمة بين القاعدة المادية للمجتمع ( كيفية الحصول على الموارد و تغييرها إلخ ) و العلاقات الإجتماعية المميّزة للمجتمع ، فإنّ المقاربة المادية التاريخية لإنجلز تفتح الباب أمام فهم كلّ من جذور الأنظمة الإجتماعية المختلفة و العوامل التى تخدم كدافع لتغيير نظام إلى آخر.
26- وهنا يجب أن نلاحظ أنّ مفردات صلة القرابة فى بعض المجتمعات التى درسها مورغان و آخرون و التى توحى بأنّ كلّ رجل و إمرأة كان " متزوّجا " / " متزوجة " بعديد الشركاء تفضي إلى الخطإ المضلّل لأنّ على الأرجح ما يشار إليه هو أنّ العلاقات مسموح بها مع مروحة واسعة من الشركاء ، و إن لم يكن ذلك بالضرورة مكرّسا عمليّا . و كذلك إستعملت مفردات صلة القرابة فى عديد الأنظمة التى لا تتناسب بالضرورة مع الدرجة الفعلية للروابط البيولوجية مثلما هو الحال عندما تعتبر كافة بنات الأخوات من الأم أخوات للشخص إلخ .
27- ممارسة قطع البظر لا تزال سائدة فى بعض أنحاء العالم : و بعض التقديرات الحديثة تقترح أن أكثر من 20 مليون إمرأة وصبيّة أحياء اليوم تعرّضن لهذه الممارسة ( أنظروا ، هاردي 1981 ، الصفحات 178 ، 183- 184 و المراجع التى يتضمّنها ) .
28- بطبيعة الحال لا وسيلة من وسائل الفرض القسري للزواج الإحادي على النساء موثوق بها و بالتالي ظلّ على أصحاب الملكية من العصر التنويري البرجوازي أن يعالجوا المسألة بذات الصيغة الثابتة البراغماتية النموذجية . إنّ الحفاظ الناعم على علاقات الملكية و تأبيدها كان بالإمكان ضمانهما بدرجة من المساحيق . قال لنا إنجلز إنّه ورد فى القانون الذى أعلنه نابليون ببساطة " يمنح الزوج هذا الحقّ بكلّ وضوح " ( 1884 ، ص 131 بالأنجليزية ؛ صفحة 77 من النسخة العربية لدار التقدّم ، موسكو) أب الطفل الذى تحمله المرأة أثناء الزواج هو الزوج ! و إنتهي الأمر !
29- فى الواقع جذر كلمة "عائلة " عينه يكشف هذا الترابط . كتب إنجلز :
"إنّ كلمة " فاميليا " لا تعنى ، فى الأصل ، المثال الأعلى للبرجوازي الصغير التافه المعاصر الذى يجمع فى ذاته بين العاطفية و المشاجرات البيتية ،بل إنّها لا تعنى بادئ ذى بدء عند الرومانيين الزوج و الزوجة و الأولاد ، بل تعنى العبيد فقط . إنّ كلمة " فاميليا " تعنى العبد البيتي ، و كلمة " فاميليا " تعني مجموعة العبيد الذين يخصون رجلا واحدا . و حتى فى زمن غايسون ، كانت " فاميليا بتريمونيوم " ( أي الميراث ) تورث بالوصية . و قد إستنبط الرومانيون هذا التعبير لأجل تعريف الهيئة الإجتماعية الجديدة التى كان رئيسها سيدا على المرأة و الأولاد و عدد معين من العبيد و كان يملك ، بحكم السلطة الأبوية الرومانية ، حق الحياة و الموت على جميع هؤلاء الأشخاص الخاضعين له ." ( إنجلز 1884، ص 121 بالأنجليزية ؛ صفحة 71-72 من النسخة العربية لدار التقدّم ، موسكو).
30- التوقيت النسبي لظهور الصيد بالأسلحة و إستخدام النار ليس واضحا . و تظلّ تقارير تانير ( ص 240) حول المستحاثة مؤشّرا على تواتر شكل فجّ من تقطيع الجثث الحيوانية بوسائل حجرية منذ حوالي 1.7 مليون سنة بيد أنّه يقترح أنّ هذا لا يمثّل بعدُ قدرة على الإجهاز على عدد كبير من الحيوانات بالأسلحة ( رغم أنّه من الممكن أن تكون الحيوانات الكبيرة قد تعرّضت للصيد و قتلت بدفعها نحو جرف صغير أو نحو فسح أين يمكن قتلها وهي تقنية إستعملت أثناء العصر الجليدي الأخير و فى التاريخ المعاصر من قبل قبائل الصيادين ). و يعود إستخدام النار إلى حوالي مليون سنة حسب التقديرات الأكثر تداولا رغم أنّه هناك بعض المقترحات بأنه فى كينيا جرى إستخدام النار قبل حوالي مليون و نصف المليون سنة . و بالطبع من الممكن تماما أن قدرة إستخدام النار كانت وثيقة الإرتباط بتطوّر الصيد على نطاق أوسع ، مثلما أمكن إستخدام النار لترهيب فرائس و تشريدها ما مكّن من إستهلاك كميات أكبر من اللحم صارت أكثر قابلية للهضم بفضل الطهي .
و من الممكن أنّ ذلك سمح بإستخدام النار للتوسّع نحو المناطق الباردة من الكوكب . لفترة طويلة كان يتمّ الحصول على النار من المصادر الطبيعية [ مثل البرق ] و تخزّن و تنقل فى شكل جمرة حيّة أو نار تحترق ببطء بغير لهب لكنها على ما يبدو لم تكن مصنعة بشكل نظامي ( أي لم يكن الناس يشعلونها ) بالمقارنة مع عصور حديثة . و بينما يمكن لوسائل إشعال النار كالخشب أن تتحلّل و تفقد إلى الأبد ، ذو دلالة أنّ الإكتشافات الأركيولوجية الأقدم بشأن وسائل إشعال النار ( مثل قادحات نار الخشب) تعود إلى فقط 9 آلاف سنة و أن حجر القدّاح الأولي ظهر فقط قبل 7 آلاف سنة . و بالرغم من نقص الدلائل ، إقترح أنّ المعرفة التامة بصناعة النار يجب أن تعود على الأقلّ إلى 50 ألف سنة إلى العصر الجليدي الأخير سواء كان ذلك أم لم يكن صحيحا ، من الواضح أنّه لمدّة زمنية طويلة كان من الأسهل تخزين النار وحملها من إشعالها بصفة متقطّعة .
على الغالب لعبت النار دورا هاما فى تدجين النباتات والحيوانات إلى اليوم فى عديد المجتمعات البدائية (بما فى ذلك لدي الكونغ ) حيث إستعملت نار خفيفة لإيجاد فسح من الأرض إليها تجلب الحيوانات الفرائس التى تأتي لأكل النباتات النامية الجديدة . و مثل هذه الطرق يمكن أن تكون قد إستخدمت لأجل جذب و صيد أوائل ما سيغدو القطعان المدجّنة الأولى . و كذلك تتواصل فلاحة القطع و الحرق ( التى من خلالها يقع إنشاء فسحات أراضي صغيرة فى المناطق الغابية بقطع الأشجار و حرقها ما يخلي الأرض و يوفّر طبقة من الغبار الخصب للأرض ) كطريقة مشتركة لإيجاد أراضي زراعية صغيرة مميّزة للكثير من الفلاحة المعاشية الإستوائية .
31- من أجل نظرة مناقضة كلّيا و عرض واضح لوجهة النظر المادية التاريخية ، أنظروا كتاب آفاكيان " من أجل حصاد التنانين "، الفصل الأوّل ، خاصة الجزء الرابع ، " الماركسية كعلم و فى تعارض مع النظرات العالمية السابقة و المعارضة لها ".
32- فى ثلاثينات القرن العشرين ، سجلت الأنتروبولوجية ريجينا فلانيري أن بعض نساء الكري اللاتي " أجبرتهن الظروف " على الإنخراط فى الصيد كانت تتمتّع بسمعة صيادين جيدين . و جاء أيضا فى تقريرها أنّه ضمن المسكالارو آباشى-" النساء المتزوّجات الشابات يمكن أن تذهبن للصيد مع أزواجهنّ " ( فلانيري 1932-1935).

الفصل الرابع
إثر حوالي المائة سنة بعد أوّل محاولة لتطبيق منهج المادية الجدلية والتاريخية على تطوّر المجتمعات الإنسانية و تغيّرها ، ظهر فهم أوضح للعلاقة القائمة فى أي زمن معطى بين القاعدة الإقتصادية للمجتمع ( و علاقات إنتاجه – علاقات ملكية وسائل الإنتاج و كذلك تقسيم العمل و علاقات التوزيع – التى تتناسب بدورها مع مستوى معيّن من تطوّر قوى الإنتاج ) و البنية الفوقية لذلك المجتمع ( مؤسساته السياسية و الثقافية و الأفكار السائدة إلخ ) . عادة ينحوالمرء إلى التفكير الآن فى أنّ الجميع بإستثناء المحافظين العنيدين من المثاليين ذوى النواة الصلبة و الظلاميين الدينيين سيقدرون على رؤية أنّ المؤسسات الإنسانية الثقافية و السياسية لا تقف فى ضرب من الفراغ المصوّر فى أبهى الصور وهي و إن كانت نسبيّا منفصلة عن مجال نشاطات الإنتاج الإنسانية تتطلّب مقاربة مادية تاريخية متسقة أي أنّ المؤسسات الإجتماعية و العلاقات الإجتماعية الراهنة لا يمكن إلاّ الإقرار بأنّ لها جذور فى أشكال الإنتاج و تقسيم العمل فى المجتمع فى الماضي السحيق و مع ذلك تعامل كما لو أنّه لم تعد لها قاعدة مشابهة فى الزمن المعاصر ، كما لو أنّ الحفاظ على علاقات إجتماعية معينة و إعادة إنتاجها ( بما فى ذلك العلاقات التى تشمل الإخضاع و الإضطهاد ) مجرّد مسألة " مواقف و سياسات" إجتماعية فى المطلق .
و بالعكس ، لا يمكن مقاربة هذه المسائل مقاربة ميكانيكية محدّدة إقتصاديا كما لو أنّ مثلا كلّ تطوّر كبير فى قوى إنتاج مجتمع يفرز فورا و آليّا تغيرات كبرى فى العلاقات الإجتماعية و البنية الفوقية للمجتمع – و مفهوم خاطئ يقود إلى رؤية أنّ كلّ ما يُحتاج إليه لتخليص المجتمع من العلاقات الإجتماعية المتخلّفة هو توسيع الإنتاج و التعصير و إطلاق العنان لتقنيات دولة – فنّ إلخ .
و تستدعي المقاربة الجدلية فهم الحركة المتناقضة الكامنة فى كافة السيرورات فى الطبيعة و المجتمع . لا شكّ فى أنّ القاعدة الإقتصادية للمجتمع محدّدة جوهريّا بمستوى تطوّر القوى المنتجة لذلك المجتمع – سواء كان مجموعة معينة من الناس تمتلك بضع أدوات بسيطة للتجميع و الصيد أو القطعان المدجّنة و مساحات فلاحية ، أو إنتاج صناعي على نطاق واسع سيحدّد مرحلة أنواع علاقات الإنتاج التى ستميّز ذلك المجتمع و تجعله قابلا للمعرفة فى الأساس كمجتمع تجميعيين – صيادين ، أو فلاحي ( عبودي أو إقطاعي ) ، أو صناعي متقدّم . لكن هذا الرابط لعلاقات الإنتاج الإجتماعية يفرّخ عند أيّة نقطة معيّنة أشكال بنية فوقية خاصة تخدم الحفاظ على هذه العلاقات الإنتاجية الإجتماعية و تأبيدها.
و كون علاقات الإنتاج هذه هي المحدّدة الأساسية للطبيعة الشاملة للمجتمع يجب أن يكون بديهيّا من مجرّد واقع أنّه من غير الممكن تركيب أية بنية فوقية قديمة على قاعدة إقتصادية معيّنة. تصوّروا محاولة تركيب هياكل الحكم و المؤسسات الثقافية و الإيديولوجيات المهيمنة لمجتمع رأسمالي صناعي على القاعدة الإقتصادية لمجتمع التجميع أو العكس بالعكس : ببساطة لا يمكن القيام بذلك و القطع مع النسيج الإجتماعي برمته . لكن بينما تفرز القاعدة الإجتماعية لمجتمع بنية فوقية محدّدة و تفرض صنفا من الحدود و القيود أو الضغوطات التطوّرية على هذه البنية الفوقية لأي زمن معطى ، فإنّ هذين المجالين يوجدان فى حالة تفاعل جدلي . عندما يصبح التطوّر المستمرّ لقوى الإنتاج فى المجتمع فى نزاع مع علاقات الإنتاج الموجودة ، تصبح الثورة ضرورية فى هذه القاعدة الإقتصادية المقيّدة و التى تمنع تطوّر أشكال البنية الفوقية ذاتها التى أفرزت لتسهيل إعادة إنتاجها ذاتها و لم تعد الآن قادرة على خدمة الإبقاء على المجتمع فى قبضة العلاقات التى عفى عليها الزمن . لهذا ، المرّة تلو المرّة ، على البشر أن ينهضوا و يحطّموا الثقل القاتل لستار هذه البنية الفوقية لأجل تنفّس حياة جديدة فى كلّ مجال من مجالات التنظيم الإجتماعي وجوهريّا لتغيير علاقات الإنتاج – هذا هو تواتر الثورات الإجتماعية التى تتخلّل التاريخ الإنساني ، هذه القفزات و القطيعة النوعية الهائلة فى النظام الإجتماعي الذى يكسر عبره المجتمع السلاسل الخانقة له و يعيد الظهور على أساس بداية سريعة التأثّر لكن معاد الهيكلة دراماتيكيّا .
عند أية نقطة ، يفرض التاريخ الإجتماعي السابق بعض الضغوطات التطوّرية – و الطريق إلى الأمام لا يمثّل تنوّعا لا حدود له من إمكانيات التغيير ، و مع ذلك لا وجود كذلك لطريق وحيد خطّي مستقيم و ضيّق يحدّد بالضرورة مسبّقا توجه التغيير . و بالفعل ، من المهمّ القطع مع عدم فهم فلسفي راهن فى الفكر الماركسي الأولي معروف بإنكار الإنكار / نفي النفي الذى يعتبر ، كقانون أساسي من قوانين الجدلية ، أنّ التطوّر يحدث عبر تجاوز ( نفي ) شيء ما ثمّ يعيد الظهور (أو تعيد الظهور أهّم مظاهره ) على مستوى أرقى من خلال النفي التالي . وهذه نظرة تحدّاها ماو تسى تونغ و مؤخّرا بوب آفاكيان ( أنظروا خاصة آفاكيان 1979، ص 182-185) . فى مثال قدمه إنجلز عن نفي النفي ، حبّة شعير يقال إنّها نفيت بنبتة أنتجتها ، و نفيت بدورها بحبّات نتجت عنها . لكن ماذا لو أنّ الحبّة الأولى سُحقت ؟ ماذا لو أنتجت النبتة عدّة بذور بعضها ينبت بينما البعض الآخر يتعفّن إلخ؟ مثل هذه الإمكانية لا يمكن بسهولة إستبعادها على أنّها تلهّيات هامشية لقانون أساسي للتطوّر مثلما يبدو أنّ إنجلز يفكّر .
لهذه النقطة تبعات حيوية بالنسبة للنظرات المتصلة بالتغيّر الإجتماعي لأنّها تقترح أنّه مثلا إن كان إخضاع النساء اليوم متداخلا تداخلا وثيقا مع وجود العلاقات الطبقية الإستغلالية ، عندئذ يجب أن يعني ذلك آليّا أنّ مرحلة المجتمع التى " نفاها " ظهور الطبقات أي المجتمع المشاعي البدائي ، يجب أن يكون حرّا تماما من أية لامساواة بين الجنسين ( وهو أمر غير مرجّح الحدوث جدّا نظرا لكونه منذ البداية وُجد تقسيم للعمل بين الجنسين و بالتالي المشاركة المتباينة فى نشاطات معيّنة ، حتى و إن لم تستطع هذه الإختلافات بأية طريقة أن تعني إضطهادا ). و الشيء نفسه ، مجتمع غير طبقي مستقبلي ( الشيوعية ) يجب أن يُنظر إليه كنفي للمجتمعات الطبقية و إعادة بعث للمشاعية البدائية ( و إن على مستوى أرقى ) نظرة خاطئة بديهية لدي إنجلز مع نهاية " أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدولة " بمقتطف من مورفان يطمح لمجتمع مستقبلي أين ستكفّ الملكية عن التحكّم فى كلّ شيء و يكون " النهاية و الغاية " و أين ستوجد " إعادة بحث على مستوى أرقى لحرّية ومساواة و أخوّة العشائر القديمة " ( ص 237 ) . هذا المفهوم لنفي النفي لا يتجه نحو نظرة مثالية ( ميتافيزيقية ) للمجتمع المشاعي البدائي وحسب بل هو يتجه كذلك نحو تشجيع مثل هذه النظرة للتطوّر الإجتماعي الشامل و للمجتمع الشيوعي المستقبلي . و مثلما أشار بوب افاكيان :
" على وجه الخصوص فى ما يتصل بتطوّر المجتمع ، مفهوم نفي النفي ينزع إلى تقديم " نظام مغلق " من التطوّر يقود إلى الشيوعية و يشجّع على نظرة ثابتة ، " مطلقة " للشيوعية عينها على أنّها الإنتاج النهائي لنفي النفي و مملكة " الإنسجام الكبير" . و فى معارضة هذا ، صرّح ماو فى حديثه سنة 1964 بشأن الفلسفة " الشيوعية ستدوم آلاف و آلاف السنين و لا أعتقد أنّه لن توجد تغيرات نوعية فى ظلّ الشيوعية ، و أنّها لن تنقسم إلى مراحل بتغيرات نوعية ! لا أعتقد ذلك !... هذا لا يمكن التفكير فيه على ضوء الجدلية " . ( 1979 ، ص 185 ).
المجتمع الشيوعي سيعنى إلغاء الإختلافات الطبقية و اللامساواة الإجتماعية – بما فى ذلك تلك بين الرجال و النساء و إضطهاد الرجال للنساء - لكنّه سيقوم بذلك على أساس تطوّر الثقافة الإنسانية ( بأوسع معنى ) إلى هذه النقطة ، و بإنجاز قفزة كبرى إنطلاقا من ذلك و تجاوزا له ، و ليس بإعادة بعث و لو فى " مستوى أرقي " لمجتمع مشاعي بدائي صوّر فى أبدع الصور و يتضمّن فى الواقع جذور و فقط جذور هذه الإختلافات الطبقية و اللامساواة الإجتماعية عينها التى تنحو إلى بروز أشكال من المجتمع ستكون فيه أساسية .
لا تكمن جذور إضطهاد النساء فى كون الإناث من الأنواع ترعي الأطفال ، و حتى التقسيم الأول للعمل مع ظهور طريقة حياة التجميع و الصيد لم تستطع إلاّ أن تحمل فى طيّاتها بذور الإضطهاد لا أكثر . فى الواقع الإضطهاد و الإستغلال فى صفوف البشر لا يبدو ناجما عن تقسيم العمل فى ظروف معينة على نحو أنّ قاعدة نموّ مراكمة فائض تظلّ محدودة جدّا و بالتالي ليست فى تناقض حاد مع أنماط التنظيم المشاعية " المساواتية " السائدة . لكن حيثما و كلّما حصل تقسيم إجتماعي للعمل فى ظروف جعلت من الممكن مراكمة فائض له دلالته أزيد ممّا يستعمل المجتمع برمته تقريبا مباشرة ، عندئذ نشأت قاعدة للأفراد و فئات من الناس لإحتكار وسائل الإنتاج و البنية الفوقية السياسية و العلمية و الفنية و الدينية و هلمّجرّا ، و على ذلك الأساس يتحكّموا فى بشر آخرين . لمدّة زمنية طويلة لم توجد إمكانية الخروج من هذا الطراز الأساسي لأنّ الإنسانية لم تطوّر بعدُ قاعدة مادية كافية تسمح بالحفاظ على قوى الإنتاج الموجودة( بما فى ذلك كافة الناس) و تزيد حتى من تطويرها دون أي نوع من تقسيم للعمل يعنى الإستغلال و الإضطهاد .
و مثلما ناقشنا سابقا ، فى التقسيمات الأولية للعمل ، عادة كانت النساء العماد الإقتصادي للمجتمع موفّرة معظم الغذاء المستهلك الذى يتمّ الحصول عليه خلال التجميع . لكن نشاطات الصيد لدى الرجال و التزويد باللحم التى عادة ما كانت تمنح قاعدة منزلة إجتماعية و تحكّم إجتماعي خاصين ، إلى جانب الطابع المتقطّع بغالبية الصيد ( فترات من النشاط فى معارضة الطابع الأكثر تواصلا للتجميع ) يمكن أن يكونا قد وفّرا للرجال فرصا أكبر للإنخراط فى النشاطات غير المنتجة مثل الفنّ و التقاليد الدينية إلخ .
أقلّ إرتباطا بالأطفال ، عادة ما نزع الرجال كذلك إلى مسح فضاءات أوسع من النساء و من ثمّة كانت لديهم على الأرجح فرصا أوفر لإكتشاف مناطق جديدة و مقابلة مجموعات أخرى . المبادرون الأكثر شيوعا فى المبادلات بين المجموعات هم الرجال ، سواء تعلّق الأمر بمبادلات صداقة أم لا سيرتهن بعدّة ظروف . لا حاجة طبعا لأن تكون كلّ مقابلة مقابلة عدائية ، و التواجد و التعاون كأصدقاء بالفعل كان مفترضا أن يكون عاديّا لكنه كان يفترض عديد الأوضاع حيث نظرا للقدرات الإنتاجية المحدودة جدّا عامة ، من جهة و من جهة أخرى ، القدرات الحديثة الإكتشاف فى الخزن و مراكمة الفوائض ، إختلافات فى المراكمة المادية على الأرجح قد إتخذت دلالة أكبر. مثل هذا اللاتكافئ أكثر من أية درجة محدّدة من المراكمة هو على الأرجح العامل الأهمّ الدافع للتطوّر الأوّلي للإنقسامات الإجتماعية على النطاق الواسع فى المجتمعات الإنسانية . و مجدّدا بينما لا مقابلة معينة تحتاج لأن تكون عدائية ، المسألة هي الآن عندما تحتدم التناقضات العدائية لأية أسباب كانت ( إختلافات شخصية ، أو نزاعات متصاعدة متجذّرة فى المراكمة المادية غير المتكافئة أو مختلف مفاهيم " الملكية " ) سيوجد شيء للنهب ( و الدفاع عنه !) ، وستوجد القاعدة المادية لنشاطات الناس لمزيد مفاقمة الإختلافات فى الموارد المادية بينهم – لمصلحة البعض و على حساب الآخرين .
الرجال الذين خلال الصيد مسحوا نموذجيّا أراضي أبعد من النساء و إستعملوا أسلحة بصورة متكرّرة أكثر ، ينزعون وهو الأكثر إحتمالا لأن يكونوا فى موقع القيام بالهجمات على موارد المجموعات الأخرى – متملّكين الغذاء و الأدوات أو حتى البشر الذين يستطيعون القبض عليهم و الذين هم على الأرجح الأقلّ حركة من النساء و الأطفال . و من الممكن أنه وقع إدماج هؤلاء ضمن مجموعات الأسرى و ليس بالضرورة بالكثير من العسف و إلحاقهم بالنشاطات الإنتاجية للمجتمع بمعنى تحويلهم إلى جزء من " الموارد " .
بالضبط مثلما تحكّم الرجال فى إعادة الإنتاج المختلفة للحم المرغوب فيه بكثرة فى مجتمعات التجميع ( و عبره تحصّلواعلى قدر من المنزلة و التحكّم المختلفين ) فى المجتمعات حيث ظهر النهب كنشاط إجتماعي متسق كانوا ينزعون نحو تنظيم النساء و الأطفال الذين بالمشاركة فى النشاطات الإنتاجية لمجموعاتهم الجديدة قد يحصلون على ضرب من القيمة التبادلية و يتاجرون بهم و يقدمونهم كهدايا إلخ . المسألة ليست أنّ هذا حدث بين ليلة و ضحاها ( و ليس بالتأكيد أنّه كان نسبيّا محدّدا بيولوجيّا !) بل إنّه مع مزيد توسّع القاعدة المادية للمجتمع على أساس اللاتكافئ ( اللاتكافئ الإجتماعي ضمن مجموعة ناجم عن تقسيم العمل و اللاتكافئ بين مختلف المجموعات ذات القواعد المادية المتباينة ) ، النساء على الأرجح و ببساطة أصبحن مرفوقات بمفهوم الملكية المتطوّر . و هكذا كانت النساء عادة بصفة متصاعدة عرضة للقوانين و القواعد التى تستهدف التحكّم عن كثب فى نشاطاتهنّ الجنسية و إنتاج الأطفال – و من هنا جذور القواعد التى تحول بينهنّ و إتخاذ أكثر من عشير واحد بينما فى عديد الحالات سيواصل الرجال إتخاذ أكثر من " زوجة " (31) واحدة . ومع تطوّر القاعدة الإنتاجية للمجتمع ، من غير الصعب عدم رؤية كيف أنّ مثل هذا النظام يمكن أن يكون قد إنتشر ليشمل إتخاذ رجال عبيد، لا سيما بعد توسع النشاطات الإنتاجية لتشمل الزراعة المنظّمة الأولية التى ستوفّر مواردا غذائية أكثر ، و الحاجة إلى أنماط حياة أكثر إستقرارا ، و القدرة على الحفاظ على مجموعات أوسع بكثير ، و التحوّل نحو نمط إنتاج ( فلاحة ) يتطلّب عملا شديدا لعدد من الناس فى منطقة محدّدة .
مجال فى حاجة إلى مزيد البحث هو مجال تطوّر تقسيم العمل بين الرجال و النساء و تبعاته فى ما يتصل بالإنتقال من مجموعات التجميع إلى مجموعات بستنة . يقدّم إنجلز فرضية كان يدافع عنها على نطاق واسع إلى السنوات الأخيرة ، بانّ الرجال كانوا نموذجيّا مسؤولين عن توفير معظم الموارد الغذائية فى المجتمعات البدائية ؛ و لم يدرك مدى نزوع النساء فعليّا إلى التزويد المنتظم بالغذاء المستهلك فى مجتمعات التجميع من خلال نشاطاتهن التجميعية . التحكّم فى الإنتاج و توزيع الغذاء كقاعدة إقتصادية موسّعة لتشمل صيد الحيوانات و الأشكال الأولية للفلاحة كانت بالتالي مفترضة من قبل إنجلز على أنّها عامة بيد الرجال كإمتداد طبيعي لنشاطاتهم السابقة . و قد إعتقد إنجلز أيضا أنّ تدجين القطعان الحيوانية سبق تدجين النباتات . و بالفعل كلا النشاطان يمكن أن يكونا قد ظهرا بالتوازي أو على عكس ما ذهب إليه ، جرّاء الموقع الجغرافي و التعيّرات الموسمية إلخ . إذ أنّ إنخراط الرجال نموذجيّا فى غالبيتهم فى الصيد قد مكّنهم تماما من الشروع فى تدجين الحيوانات و التحكّم فى القطعان الأولى . و بالعكس كانت نشاطات النساء التجميعية على الأرجح علّمتهنّ ملاحظة طرق النباتات ( فى المجتمعات البدائية كانت النساء عادة تعرفن أكثر عن الأعشاب الطبية مثلا حتى حين كان الشفاء الروحي و إستعمال نباتات الهلوسة غالبا مجالا مخصّصا للرجال ) و ملاحظة نبات البذور وبزوغ السقان الدرنية التى كنّ يجمعنها ، و من الممكن أن تكون النساء قد بادرن بأوّل الزراعات و تعهّدن أوّل البساتين ( كانت النساء بالفعل تتعهّد الحدائق و الحقول فى أنظمة أساسية فى البستنة ) و كنّ تخزّنّ الحبوب.
من غير الواضح كيف أنّ توزيع المحاصيل كان نموذجيّا يدبّر و كذلك من غير الواضح كيف دخل الرجال هذا المجال من النشاط مع تراجع أهمّية الصيد . لعلّ الرجال شرعوا فى الحصول على العبيد و التحكّم فيهم ( " الماشية الإنسانية " ) لتوسيع النشاطات الفلاحية ، و من ثمّة أزاحوا النساء من هذا المجال و كسبوا التحكّم فى الحقول و فى توزيع المنتوجات .
عند الحديث عن ظهور الطبقات ، شرح إنجلز :
" إنّ إنقسام المجتمع إلى طبقتين - إستغلالية و مستغَلّة ، سائدة و مضطهَدة - كان نتيجة حتمية للتطوّر السابق الطفيف للإنتاج . و طالما أنّ العمل الإجتماعي الإجمالي يعطى منتوجا لا يكاد يتجاوز أسباب المعيشة الأكثر ضرورية للجميع ، و طالما أنّ العمل يستغرق بالتالي ، كل وقت الأغلبية الهائلة من أفراد المجتمع ، أو وقتهم كله تقريبا ، يظلّ هذا المجتمع مقسما من كل بد إلى طبقات " ( إنجلز 1878، ص 369 بالأنجليزية ؛ صفحة 328 من النسخة العربية لدار التقدّم ، موسكو).
إنّه لمجرّد مؤشّر لبقاء بدائية المجتمعات الإنسانية أنّ مزيد التوسّع و التغيّر فى القواعد المادية للمجتمعات إلى هذه النقطة لم يستطع أن يجدّ دون مثل هذه الإنقسامات و ما نجم عنها من إستغلال و إضطهاد لقطاعات واسعة من الإنسانية . لكن الآن قد بلغنا مرحلة أين توجد القاعدة المادية للمضيّ أبعد من هذا النوع من التنظيم الإجتماعي و فعلا هذه الإنقسامات الإجتماعية ، بعيدا عن زيادة تطوير القاعدة المادية للمجتمع الإنساني ، هي فعلا و لأوّل مرّة فى التاريخ ، تمنع مزيد تطويره . و مثلما وضع ذلك إنجلز :
" و بالفعل فإنّ زوال الطبقات الإجتماعية يتطلب بلوغ درجة من التطوّر التاريخي يغدو فيها ظاهرة بائدة ولى زمانها ليس فقط وجود هذه الطبقة المسيطرة المعنية أو تلك ، بل و وجود أية طبقة مسيطرة عموما، وبالتالي التقسيم إلى طبقات نفسه . و هكذا يتطلّب زوال الطبقات درجة رفيعة من تطوّر الإنتاج يغدو فيها إستئثار طبقة إجتماعية خاصة بوسائل الإنتاج و المنتوجات – و معها السيطرة السياسية و إحتكار التعليم و الزعامة الروحية – ليس نافلا فقط ، بل يصبح عائقا أمام التطوّر الإقتصادي و السياسي و الثقافي ." ( إنجلز 1878 ، ص 364-365 بالأنجليزية ؛ صفحة 228-229 من النسخة العربية لدار التقدّم ، موسكو).
و اليوم فى عصر الإمبريالية ، علاقات الإنتاج السائدة فى العالم نظام عالمي مندمج و مترابط بدرجة عالية . إنّها فترة متميّزة بالتناقض الحاد الهائل بين الملكية الفردية و التملّك الفردي لوسائل الإنتاج من جهة و الإستعمال الجماعي لهذه الوسائل . لدرجة تفوق كثيرا ما بلغته سابقا ، قوى الإنتاج العالمية يجب أن تستعمل بصفة مشتركة كإنتاج مذرّر و على نطاق فردي ضيق يقع بسرعة تعويضه بنشاطات إنتاج على نطاق واسع تتطلّب المشاركة ( 34) المنسّقة لأعداد كبيرة من الناس . و عدم التوازن الموجود فى العالم يفاقم حتى أكثر عدم ترجيح إمكانية أن تتحقّق إعادة الهيكلة الجوهرية اللازمة للعلاقات الإجتماعية على النطاق العالمي أن تداهم فى مرّة واحدة ، لكن قاعدة مثل هذا التغيير الكوني متوفّرة و ثمّة آفاق القيام بخطوات جبّارة فى هذا الإتجاه بالإطاحة و تفكيك كلّما و حيثما كان ذلك ممكنا الثقل القاتل للبنية الفوقية التى تخدم الحفاظ على تقسيم العمل القائم مع كلّ البؤس و الإضطهاد غير الضروريين الناجمين عن ذلك ، فى سبيل الغالبية الساحقة من الإنسانية .
كم هو باعث للسخرية و كاشف إذن أنّه بالضبط مع حصولنا فى النهاية على مستوى يوفّر قاعدة مادية للتخلّص من الإضطهاد و الإستغلال على نطاق عالمي ، هناك خطوط طويلة من المادحين فى ميدان العلوم و فى وسائل الإعلام تجنح إلى ما هو متخلّف لتجد نوعا من – أي نوع من – الدليل على مفهوم أنّه هناك بعض المميّزات القارة الفطرية للطبيعة الإنسانية تجعل من هذه القفزة غير ممكنة : بقدر ما تطفح الأدلّة المادية التاريخية لتناقض هذه الحجج ، بقدر ما صراحة يبدو أنّهم يبحثون عن مثل هذه الأدلّة ، و يجبرون أكثر فأكثر على العودة إلى الوراء فى الزمن إلى جذورنا الأوّلية ، و مع ذلك هم غير قادرين على مدّنا و لو بظلّ واحد لدليل على الفطرية المفترضة و عدم القدرة تبدّل المميزات الإجتماعية للإنسان . يا لها من نظرة – و ياله من نظام تعكسه و تخدمه – تريد و تحتاج بيأس ، ضد الدلائل المتراكمة أبدا على العكس ، إلى تعليل نسبيّا " فطري " لسبب عدم إمكانية تجاوز إستغلال و إضطهاد قسم من الإنسانية لقسم آخر !
و بالرغم من كلّ ذلك ، كافة تاريخ الإنسانية و البيولوجيا ذاتها يلتقيان ليشيرا إلى الإتجاه العكسي كاشفين من يمثّل فى الواقع مرونتنا السلوكية الهائلة و قدرتنا على التغيّر الإجتماعي فى علاقة بالتغيرات فى الظروف المادية الخارجية التى نحن بصورة متزايدة قادرون على التأثير فيها و صياغتها .
معالجة مشاكل الإنقسامات الإجتماعية و الجور فى العالم المعاصر – بما فى ذلك إنقسامات الهيمنة على النساء و إضطهادهنّ- يبقى مقنّعا بعدد لا يحصى و من قبيل أوهام " أساطير الأصل " القائمة على الحتمية البيولوجية أو الثقافية . إنّهما جميعا جوهريّا مثالية ، كلاهما لأنّهما تعتمدان على فرضيّات لا أدلّة عليها صيّرت على الأرجح بفعل التطوّرات المادية الفعلية ( مثل مفهوم يستند إلى قاعدة جينية خاصة لسلوكات إجتماعية خاصة لدى الإنسان ) و تخفق فى أن تعترف و تأخذ بعين الإعتبار الظروف الإجتماعية المادية الموجودة التى حدّدت إطار تغير المجتمعات الإنسانية ( مثل القاعدة الناشئة لإضطهاد النساء فى التقسيم الإجتماعي الأكثر أوّلية للعمل وفق خطوط الجنس ). قاعدة القضاء على الإستغلال و الإضطهاد ضمن البشر فى الأفق الآن رغم أنّ هذه القفزة ستتطلّب إنقلابا شاملا على العلاقات الإقتصادية و السياسية السائدة و على التثوير الصريح لمجال الأفكار . ستكون هذه القفزة ذات دلالة و محدّدة لمستقبل الحياة البشرية مثل ما كانت محدّدة تلك التى مثّلت الظهور الأوّل للقدرة على مراكمة فائض من الإنتاج بالنسبة لكافة تاريخ الإنسان إلى حدّ الآن .و فى هذه المرّة أيضا أنثى جنسنا ستنهض بدور حيوي ، و حقّا جوهري ، دور فى تحقيق القفزة لكن بنتيجة هذه المرّة هي تحريرها التام و تحرير الإنسانية جمعاء من كافة أشكال الإضطهاد و اللامساواة الإجتماعية .
=================================================================
ملحق : لماذا كان إنجلز متقدّما بخطوة ؟
فى علاقة بإستمرار " أساطير الأصل " المثالية ، من المفيد التفكير فى شدّة التمسّك بأسطورة خاصة ، أسطورة " أسبقية الدماغ " . فهذه الفكرة ظلّت متخندقة بعمق فى النظريّات السائدة بشأن تطوّر الإنسان على الأقّل إلى عشرينات القرن العشرين عندما كانت بقايا " ألوسترالوبتاسينس " الأوّلين قد جري إكتشافها مبيّنة أنّه لديهم دماغ صغير مع وضعية الوقوف ( 35 ) و المظهرالأساسي لهذه الأسطورة يكمن فى مفهوم أنّ ما يميّز " الهوموسابيانس " عن بقية العالم الحيواني هو مجال الأفكار : التفكير منفضلا عن أية مادة و أية قدرات و تفاعلات فيزيائية مع مادة أخرى . و فى عديد الأساطير الدينية و أنظمة مثالية أخرى من التفكير ، إتخذ هذا شكل إزدواجية مثالية بين " الجسد " و " الروح" أو بين " المادة " و " العقل ". وفى الزمن الحديث لا سيما منذ أن سلّطت نظريات داروين بشأن الإنتقاء الطبيعي والجنسي الضوء على القواعد المادية لظهوروتغير كافة أشكال الحياة و تشابك علاقاتها الكامنة، صار أعسر بكثير السعي لفصل الإنسان عن مثل هذه السيرورات و وصفها بأنصاف الآلهة. العديد عندئذ قاموا بتراجع جزئي معترفين بأنّ الإنسان كان أيضا نتاجا للسيرورات المادية للإنتقال الطبيعي لكن إلتصاق مفهوم أنّ الخطوة المفتاح تتوسّط الإختلاف التطوّري بعيدا عن القردة الجدود كانت ظهور ذلك المحلّ للتفكير المنطقي جدّا و السياسة المنظمة جدّا للدماغ الإنساني .
و مع ذلك ، الآن من الواضح و ما لا يمكن وضعه موضع سؤال إنطلاقا من المعلومات المتتالية من المستحاثة أن توسّع الدماغ لم يكن المعطي المفتاح فى تمايز خطّ " الهومينيد " عن القردة ؛ بدلا من ذلك الخطوة البدائية و الحيوية كانت ظهور وضعية الوقوف على رجلين و ما إنجرّ عنها من تحرير للأيدي من أجل نشاطات أخرى غير التنقّل . و هكذا لا شكّ فى أنّ إختلافنا عن القردة الجدود لم تتوسّطه أية قدرات تفكير خاصة مختلفة عن قدراتنا على تغيير المادة لكن بالعكس تماما : التغيرات المفاتيح فى قدرتنا على تغيير المادة عبر العمل أرست قاعدة تطوّر أدمغتنا و قدراتنا على التفكير المجرّد .
تاريخيّا ، جدّت مقاومة كبيرة لهذا المفهوم حتى أنّ أسطورة أسبقية الدماغ ظلّت نظرة سائدة حتى ضمن علماء التطوّر إلى عقود قليلة فقط ؛ إلى حين أجلت معلومات المستحاثة أن وضعية الوقوف على الرجلين أتت اوّلا . و لكن هذا ليس مجرّد مسألة جهل يمكن إستبعادها لا غير بإكتشاف مزيد الدلائل المادية فى شكل مستحاثات . لمدّة طويلة قبل إكتشاف المستحاثات التى ستقدّم هذا " الدليل " وضعت ثلّة من العلماء ( لا سيما أرنست هيكل ) نظرية أسبقية الدماغ موضع سؤال و إقترحوا أنّ وضعية الوقوف على الرجلين هي العامل الذى لعب الدور المفتاح فى التمايز عن القردة . و " نظرة الأقلّية " هذه تبنّاها أيضا إنجلز الذى كتب فى 1876 " دور العمل فى تحوّل القرد إلى إنسان " ، وهو بحث وقع تجاهله إلى درجة كبيرة لكنّه بقوّة عرض نظرة أنّ التحوّل من قردة يجب أن يكون بداية توسّط تطوّر فى وضع القيام إلى وضعية الوقوف التى ستحرّر الأيادي للعمل . و هذا ما أطلق عليه إنجلز " الخطوة الحيوية فى تحوّل القرد إلى إنسان " .
و شدّد إنجلز على أنّ العمل ليس فحسب مصدر جميع الثروة فى المجتمعات الإنسانية ، بل أيضا " الشرط الأساسي الأول للحياة البشرية كلّها " ( 1876، ص 279 بالأنجليزية ؛ صفحة 163 من النسخة العربية لدار الفرابي ، بيروت 1988) و عاكسا المقاومة الهائلة لهذه النظرية فى الأوساط العلمية فى أيامه ، كتب إنجلز أنّه مع تطوّر المجتمعات الإنسانية ، ظهرت ليس فقط الأشكال الأكثر تطوّرا من الإنتاج الفلاحي و الصناعي بل كذلك الفنّ و العلم و التنظيم الإجتماعي المعقّد و القوانين و الدين :
" حيال كلّ هذه التشكلات ، التى ظهرت ، فى المقام الأوّل ، على أنّها نتاجات للدماغ ، و بدت و كأنّها شيء مسيطر على المجتمعات البشرية ، فإنّ الإنتاجات الأكثر تواضعا ، إنتاجات اليد العاملة ، إنتقلت إلى المرتبة الثانية، لا سيما أن الدماغ ، الذى يخطّط للعمل ، كان بإمكانه ، منذ المراحل الأولى من تطوّر المجتمع ( فى الأسرة البدائية ، مثلا ) ، تنفيذ العمل ، الذى يقرّره ، بأيد غير يديه . فإلى العقل ، إلى تطوّر الدماغ و نشاطه ، بدأ الناس ينسبون كلّ الفضل فى التطوّر السريع للمدنية . و إعتادوا على ردّ أفعالهم إلى فكرهم ، بدلا من ردّها إلى حاجياتهم ( التى تنعكس ، بالطبع ، فى الدماغ ، و تدرك عقليّا ). و هكذا تولّدت ، مع الزمن ، تلك النظرة المثالية إلى العالم ، التى ، إستحوذت على العقول ، لا سيما منذ إنهيار العالم اليوناني القديم . وهي لا تزال تسيطر على العقول سيطرة نجد معها أنّه حتى أكثر العلماء من مدرسة داروين نزوعا نحو المادية لا يزالون غير قادرين على تطوير تصوّر واضح عن نشأة الإنسان ، إذ أنّهم ، بحكم التأثير الإيديولوجي المذكور ، لا يرون الدور ، الذى لعبه العمل فى هذا التطوّر ." إنجلز 1876 ، ص 289 بالأنجليزية ؛ صفحة 170 من النسخة العربية لدار الفرابي ، بيروت 1988) .
كيف يمكن لإنجلز أن يكون أقرب بكثير من الحقيقة من غالبية " العلماء الأخصّائيين " فى زمنه ؟
يكمن الجواب فى تطبيقه لمنهج المادية الجدلية و التاريخية الذى خوّل لماركس و إنجلز فهم العوامل و الأسس الجوهرية المحدّدة للتغيير فى مختلف المجتمعات الإنسانية عبر الزمن . و كانا قادرين على فهم أي مجتمع إنساني معيّن يتميّز بأنماط الإنتاج السائدة المتناسبة و قوى إنتاج معيّنة و بالعلاقات بين البشر المتناسبة مع سيرورات الإنتاج هذه ، و إستوعبا أنّ هذا مثّل القاعدة الأساسية التى عنها نشأت المؤسسات السياسية و الإيديولوجية و الأفكار الخاصّة ، عوض العكس . و إستطاعا كذلك أن يُحلّلا القطيعتين التاريخيتين الكبيرتين و الإنقلابات الإجتماعية الكبرى التى تتوسّط الإنتقال من شكل من المجتمع إلى آخر ( أي الإنتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية ). أكّدا أنّ لهذا جذوره فى تطوّر قوى إنتاج المجتمع إلى درجة صارت تكبحها و تعرقلها علاقات الإنتاج و أشكال البناء الفوقي التى أفرزتها فى الأصل . و إحتداد هذا التناقض لا يمكن معالجته إلاّ عبر الإطاحة بهذا الثقل الإجتماعي القاتل . لقد مكّنهما هذا الفهم للسيرورة الجدلية للتغيّر الإجتماعي ، المتجذّر فى التطوّر فى التطوّرات المادية فى الإنتاج المشروطة تاريخيّا ، من ربط كافة التاريخ الإنساني السابق بكلّ تنوّعاته و تعقيداته و الإحاطة به و إسخلاص القوانين الأساسية للتغيّر الإجتماعي منه . وهو ما سمح بلا شكّ لإنجلز بأن ينظر برؤية ثاقبة للعوامل التى تتوسّط الإنتقال من القرد إلى الإنسان . و إن وقع تجاهل هذه الرؤى الثاقبة لعقود ، فإنّها اليوم لم تعد قابلة للإنكار حتى من طرف الذين بينما يعترفون بتلكّؤ بالأدلّة غير القابلة للدحض ، يواصلون همهمة واهية مفادها عدم صلوحية الماركسية .

33- درجة تعدّد الزوجات لدى الرجال تتناسب على الأرجح تناسبا شديدا مع الموارد المادية التى يتحكمون بها أو قد ترتهن بها . لدي الكونغ مثلا ، لغالبية الرجال زوجة رسمية واحدة رغم أنّ زوجة ثانية مقبولة و حتى مصدر مكانة لكن معظم رجال الكونغ ليس بوسعهم ببساطة أن يوفّروا ما يكفى من اللحم ل " يقدموا على " زوجة ثانية و عائلة متسعة بما يعنيه ذلك من إلتزامات تجاه مزيد من الأقارب إلخ . و نموذجيّا تتزوّج نساء الكونغ عدّة مرّات فى حياتهنّ ، بيد أنّه بينما يكون لديهن عدد من العشّاق غير الرسميين ، ليس لديهنّ سوى " زوج " رسمي واحد كلّ مرّة . و عادة تعارض نساء الكونغ ( و قد نجحن فى منع ) إتخاذ الزوج زوجة ثانية و لو أنّ هذه الزوجة الثانية قد تساعدها على التجميع و النشاطات الأخرى . و مثل هذه المقاومة للزوجة الثانية تبدو غالبا على الأقلّ فى جزء منها مرتبطة بكون الإلتزامات الإضافية للرجل يمكن أن تقلّص من كمّية اللحم الموفّرة للزوجة الأولى و لأطفالها .
34- إستعرت هذه المفردة من بوب آفاكيان الذى كتب مثلا : " هذا العصر ، عصر الإمبريالية و الثورة الإشتراكية و مشكلة الإنتقال إلى الشيوعية عالميّا قد صارا أعقد ممّا وصفته فى " كسب العالم ..." ب " عدم التوازن فى العالم " . و ما يحيل إليه هذا هو بالفعل أنّ فى عالم اليوم قوى الإنتاج المتقدّمة متركّزة بين أيدى ثلّة من البلدان المتقدّمة – أي الإمبريالية – بينما إقتصاديات غالبية البلدان فى العالم ليست متخلفة فقط بل مشوّهة و مفكّكة فى تطوّرها بسبب الهيمنة والنهب الإمبرياليين "( أفاكيان،1983، ص 141).
35 – من أجل نقاش ممتع و فيه تحدّي للتفكير لكيف أنّ شدّة التمسّك بأسطورة أسبقية الدماغ قد ساهمت فى القبول طويلا لبلتداون مان فرود وكيف يتواصل إحياؤها فى الأدب المعاصر مثل أعمال آرثور كوسلار، أنظروا غولر 1980 ، ص108- 124 و 131 ).

مراجع كتاب " عن الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية... "
( كما وردت فى آخر صفحات الكتاب بالأنجليزية )
References
Avakian, Bob 1979 , Mao Tsetung’s immortal contributions.
Chicago: RCP Publications.
------1983 , For a Harvest of Dragons: On the “ Cursis of Marxism “ and the power of Marxism , Now More Than Ever .
Chicago: RCP Publications.
Chrover, Stephan L. 1980 .From Genesis to Genocide: The meaning of Human Nature and the power of Behaviour Control. Cambridge : MIT Press.
Donner , Florinda 1982 .Shabono. New York : Delacorte Press.
Eldredge , Niles , and Stephan Jay Gould 1972.-function-ated equilibria: an alternative to phyletic gradualism. In Models in Paleobiology, edited by TM Schopt. San Francisco : Freeman . Cooper :& Co.
Engels , Frederic .1876 . On the part played by labour in the transition from ape to man . In Dialectics of Nature, by Engels. New York . International Publishers, 1940 ed.
------ 1878. Anti – Duhring. Peking : Forein Language Press, 1976 ed
------ 1884. The origin of family, Private Property,and the State, with an introduction by Eleanor Burke Leanock. New York: International Publishers, 1940 ed
Flannery , Regina. 1932. The position of women amoung the Eastern Cree.
Primitive man 12. 81-86.
Frish, Rose E. 1978 .Population, food intake and fertility. Science 199:22-30.
Gould , Stephen Jay 1977. Ever Since Darwin. W.W Norton.
------1978. Sociobiology: the art of storytelling. New Scientist 80. 530-533.
------1980. The Panda’s Thumb, New York : W.W. Norton.
------ 1981. The mismeasure of man .New York: W.W. Norton.
------ 1983. Hen’s Teeth and Horse’s Toes. New York: W.W. Norton.
Gould, Stephen Jay , and Niles Eldredge. 1977. Punctuated equilibria the tempo and mode of evolution reconsidered.
Palebiology 8 : 115-151.
Gould, Stephen Jay , and R.C Lewontin. 1979. The spandrels of San Marco and the Panglossian paradigm: a critique of the adaptationist programme. Proceeding of the Royal Society of London B205: 581-598.
Gould, Stephen Jay , and Elisabeth .S . Vrha. 1982. Exaptation- a missing term in the science of form. Palebiology 8 [1]: 4-15.
Hrdy, Sarah Blaffer. 1981. The Woman That Never Evolved. Cambridge : Harvard University Press.
Kurten , Bjorn.1978. Dance of the Tiger : A Novel of the Ice Age, with an introduction by Stephen Jay Gould. New York: Berkley Books.
Lee, Richard B. 1979. The !Kung San : Men , Women and Work in a Foraging Society. New York : Cambridge University Press.
Lewontin, R. C, Steven Rose , and Leon J. Kamin 1984. Not in our Genes : Biology, Ideology and Human Nature . New York: Pantheon Books.
Lorenz, Konrad. 1966. On Agression . New York : Harcourt Brace Jovanovich.
Marx, Karl . 1859.Preface and Introduction to a contribution to the critique of Political Economy. Peking : Forein Languages Press , 1976 ed.
Mayr , Ernst . 1982. The Growth of Biological Thought- Diversity , Evolution and Inheritance. Cambridge: Harvard University Press.
-----1983. How to carry out the adaptioninst program? American Naturalist 121:324-334.
Morgan , Elaine. 1971. The Descent of Woman . New York . Stein and Day.
Savage-Rumbaugh, E . Sue , and Beverly J. Wilkerson. 1978. Sociosexual behavior in Pan paniscus and Pan troglodytes : a comparative study. Journal of Human Evolution 7 : 327- 344.
Shostak, Marjorie. 1981. Nisa: The Life and Words of a !Kung Woman. Cambridge: Harvard University Press.
Tanner , Nancy Makepeace. 1981. On Becoming Human. New York: Cambridge University Press.
Wilson , Edward O . 1978. On Human Nature. Cambridge:Harvard University Press.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,398,175,840
- إمبراطورية إستغلال ، عالم بؤس و الثورة التي تصرخ الإنسانيّة ...
- نظام ترامب / بانس الفاشي يقترف جرائما ضد الإنسانيّة : ترامب ...
- بعض الأفكار حول الدورالإجتماعي للفنّ والإشتغال على الأفكار و ...
- العلم و الثورة - الباب الأوّل من - العلم و الثورة الشيوعية -
- مقدّمة الكتاب31: العلم و الثورة الشيوعية - فصول و مقالات من ...
- فهم الماويّة فهما علميّا و الدفاع عنها بصلابة و تطويرها ، به ...
- القدح في الشيوعية و التزلّف للإمبريالية - تزييف سلافوج تزتزا ...
- الثورة الشيوعية و لا شيء أقلّ من ذلك ! - بيان الحزب الشيوعي ...
- ألان باديو و دكتاتورية البروليتاريا أو لماذا يساوى نبذ - إطا ...
- الجندر بعد الطبقة - خاتمة كتاب : - الماركسيّة و النسويّة - ، ...
- الأمّة و القوميّة و النسويّة - أمير حسنبور
- أفريل 1968 : تمرّد السود الذى زلزل أمريكا و العالم
- الديمقراطية و النضال النسوي - الفصل الثالث من كتاب - الماركس ...
- الثورة و النضال من أجل المساواة بين الجنسين - مريم جزايري
- لندعم نضالات النساء في إيران ضد الإرتداء الإجباري للحجاب !
- – الماركسية و النسويّة - الفصل الأوّل من الكتاب 30 – لشهرزاد ...
- حول - الإمبراطوريّة - : الشيوعية الثوريّة أم - الشيوعية - دو ...
- لا يزال - بيان الحزب الشيوعي - صحيحا و خطيرا و أمل الذين لا ...
- مقدّمة الكتاب 29 - دفاعا عن الشيوعية الثوريّة و تطويرها - ضد ...
- رفع التحدّى أم التنكّر للثورة ؟ – مقتطف من - الديمقراطية : أ ...


المزيد.....




- حافظ قايد السبسي: نداء تونس لا يدعو إلى تأجيل الإنتخابات وسي ...
- مداخلة الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني الرفيق فرج اطميزه ...
- مداخلة الرفيق صلاح عدلي... أمين عام الحزب الشيوعي المصري في ...
- مداخلة الحزب الشيوعي العراقي في الجلسة الاولى للقاء الاحزاب ...
- مداخلة الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني الرفيق فرج اطميزه ...
- المداخلة الثانية للحزب الشيوعي اللبناني الشعوب العربية ومتطل ...
- مداخلة الحزب الشيوعي العراقي للرفيق جاسم الحلفي حول -أثر الا ...
- منامات المنامة
- الاحزاب الشيوعية العربية..الورشة الاقتصادية في البحرين تأتي ...
- «صحافة اليسار» فى رسالة ماجستير.. فريدة النقاش :«اليسار ملا ...


المزيد.....

- حزب العمال الشيوعى المصري - ملاحظات أولية حول خطوط الحركة ال ... / سعيد العليمى
- الماركسية وأزمة اليسار العربي وسبل النهوض / غازي الصوراني
- روزا لوكسمبورغ بعينيّ رايا دونايفسكايا / ألكسندرا المصري
- روزا لوكسمبورغ : في أزمة الاشتراكيّة الديمقراطيّة ومفارقات ا ... / وسام سعادة
- هل نعتبر دفاعنا عن المدرسة العمومية باعتبارها مدرسة شعبية؟.. ... / محمد الحنفي
- لماذا هذه الهجمة على المدرسة العمومية من قبل الطبقة الحاكمة، ... / محمد الحنفي
- فيدرالية اليسار الديمقراطي، نواة لقيام جبهة وطنية للنضال من ... / محمد الحنفي
- فيدرالية اليسار الديمقراطي، أو الأمل في تحرير اليسار من التق ... / محمد الحنفي
- -الحزب الشيوعي الصيني من التأسيس إلى القواعد الثورية ومناطق ... / الشرارة
- إضاءات خاطفة على كتاب «ماركس ومجتمعات الأطراف» / نايف سلوم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - شادي الشماوي - عن الخطوات البدائية و القفزات المستقبلية - بحث فى ظهور الإنسان و منبع إضطهاد النساء و طريق التحرّر - الباب الثالث من - العلم و الثورة الشيوعية -