أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - تيار (التحدي) التحرر الديمقراطي المغرب - الملكية والتحولات الاقتصادية والسياسية















المزيد.....



الملكية والتحولات الاقتصادية والسياسية


تيار (التحدي) التحرر الديمقراطي المغرب

الحوار المتمدن-العدد: 5949 - 2018 / 7 / 31 - 03:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


نتج عن سياسة التقويم الهيكلي، تحولات جذرية في بنية الإنتاج والبناء المؤسساتي للنظام السياسي الحاكم، فقد تميز عقد التسعينات بشروع الملكية في إصلاحات هيكلية تقنن لليبرالية الاقتصادية ،بدءا من تعديل القوانين المؤطرة للمقاولة مرورا بالجمارك فالسوق المالي والبنكي فالقضائي .... لتعزز الاتفاقات الاستعمارية الجديدة من قبيل التبادل الحر وانخراط المغرب في مسلسل المنظمة العالمية للتجارة هذا المسار.
كان من بين النتائج الأساسية لهده التحولات تعزيز المكانة الاقتصادية والسياسية لفئة من البورجوازية المحلية استطاعت أن تشكل إلى جانب الفئات الأخرى حصان التقويم الهيكلي (ما أطلق عليه البعض بورجوازية متنورة نسبة لهيكلتها وعلاقاتها بالإدارة وتوجهها للإنتاج عوض الاستثمار غير المنتج)
دفع مسلسل اللبرلة الاقتصادية هدا، القوى الامبريالية ومؤسساتها، إلى الرهان على تشكل قوى رأسمالية ناشئة لتمثل قوة توازن مع الملكية من شأنه أن يطور البناء المؤسساتي للنظام ويفتح أفاقا واسعة لليبرالية الاقتصادية والسياسية. ومن جهة أخرى فتوسع مدى الليبرالية الاقتصادية وتعميم مجالاتها ستعزز من تمثيلية الرأسمال داخل المؤسسات مع ما سينشأ عن ذلك من تحرر اقتصادي وسياسي للرأسمال عن الدولة مما يشكل أساسا للديموقراطية الليبرالية.
كان لرهان المدرسة التحولية ( transformistes ) هاته نفوذ كبير خاصة وسط نخب المعارضة التقليدية والنخب الاقتصادية والجامعية. وكان الأساس الذي سرع من التقارب بينها وبين الملكية خاصة أمام اختلال موازين القوة السياسي لصالح الأخيرة منذ أواسط السبعينات. كما مثل هذا الرهان الإطار العام لمنظور "المعارضة البناءة" حيث لم تعارض الليبرالية (خاصة التقويم الهيكلي) كسياسة عامة بقدر ما عارضت أشكال تطبيقها وتصريفها.
لا يمكننا فهم التحولات السياسية لدى نخب الاتحاد الاشتراكي مثلا، دون أن نأخذ بعين الاعتبار هذا التحول الهام في رؤيتهم للتحولات الاقتصادية التي عاشها المغرب. وهذا التحول الفكري بله السياسي هو ما فتح الباب أمام الملكية لاستقطاب النخبة الاتحادية إلى مؤسساته، كما شرع لبداية تشكل رأي سياسي اتحادي بنضج الشروط "للحكم" إلى جانب الملك.
لكن مسلسل اللبرلة هذا لم يؤد إلى الديموقراطية الليبرالية كما توهم البعض، وإنما إلى إعادة هيكلة الملكية لقواها الاجتماعية بشكل عزز من الموقع الاستراتيجي لقوتها الاقتصادية ولموقع وقوة المجموعات الاقتصادية الكبرى. وكان للعديد من السياسات الليبرالية الأثر الكبير في ذلك من قبيل الخوصصة والشراكة بين القطاع العام والخاص وتوسيع الأسواق الخارجية أمام منتجاتها والمديونية الداخلية وتكثيف أشكال الدعم العمومي... لتتحول الليبرالية الاقتصادية إلى آلية لمراقبة وهيكلة الحقل الاقتصادي، بشكل يجعل الملكية تتحكم وتسمو فوق الطبقات الحاكمة، وتسد الطريق أمام الديموقراطية لتعارضها مع مصالحها السياسية والاقتصادية.
كانت حملة التطهير سنة 1996 إعلانا سياسيا من الملكية بإقرار ليبرالية ذات خصوصية محلية مراقبة وموجهة وفق أهداف تخدم الشكل الذي تود به هيكلة القوى الاجتماعية للبورجوازية، وبرغبة الملكية فتح الباب أمام عقد اجتماعي-سياسي جديد مملى تتحدد ملامحه فيما يلي:
استحضار القوة السياسية للإمبريالية ومؤسساتها في رسم وتقرير السياسات المحلية
اعتبار الملكية وقوتها الاقتصادية والسياسية والأمنية فوق الليبرالية (رسم حدود علاقة الاقتصادي والسياسي في الليبرالية بما يوافق الملكية ومصالحها)
التحكم عبر آليات إدارية وسياسية في ولوج الدائرة الاقتصادية لـ"المحظوظين".
التذكير بسلطة العقاب وحق التدخل التي تنفرد بها الملكية.
أضحت موازين القوى لصالح الملكية بشكل كلي، فقد اجتازت الإعصار الاقتصادي والسياسي لسنوات الثمانينات، ومكنتها الإصلاحات النيوليبرالية بشراكة مع الرأسمال الامبريالي ومؤسساته من تطوير بنائها المؤسساتي ليصبح أكثر تمثيلية لنخب الرأسمال دون امتلاك هذه الاخيرة للسلطة. فهي محتكرة من طرف الملكية، عبر نظام سياسي عبارة عن رأس هرم يمركز ويركز كل السلطات بيده ويسمو فوق المؤسسات، التي تمثل فقط آلية لاحتواء واستيعاب مصالح مختلف شرائح الطبقة البورجوازية، ليس عبر توازن للقوى، ولكن عبر تفتيتها بشكل مراقب ومتحكم فيه عبر السلطة الفعلية المتمثلة في الملك.
كانت هاته الشروط المفتاح السياسي للملكية للشروع في هيكلة الحقل الحزبي، التي انطلقت باتفاق فاتح غشت 1996، كتعبير سياسي على الإجماع على مبدأ التشارك لحل المسألة السياسية والاجتماعية ، وقطعا مع أشكال المعارضة الاجتماعية التي تتعارض والوضع الاقتصادي والاجتماعي القائم. وانتهت بحكومة عبد الرحمان اليوسفي التي تعتبر الشكل المتقدم من تصفية الملكية للإصطفافات السياسية الناتجة عن مرحلة النضال ضد المستعمر، ودمجا للاتحاد الاشتراكي وشركائه في بنية الحكم، بالشروط التي مكنت الملكية من التنفيس عن أزمتها السياسية، وإعطاء نفس جديد لمواصلة الإصلاحات النيوليبرالية.
كان لهده التحولات دور كبير في امتصاص النظام لنتائج الأزمة الاجتماعية. فبالإضافة الى الوظيفة السياسية للنقابة كعائق أمام نمو وتطور الحركة العمالية والشعبية بعلة انخراطها في الاصطفاف السياسي الجديد، كان لتعاظم مكانة الجمعيات القروية للتنمية دور أساسي في الحفاظ عموما على الوضع السوسيوسياسي للقرى. ورغم أن الأزمة الاجتماعية أفرزت العديد من النضالات الاجتماعية الخارجة عن هذا الإطار، فهي محلية وغير منظمة ولا متزامنة، مما أضعفها بوجه القمع و الحصار والتبديد.
في هاته الشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية ثم الانتقال السلس للحكم إلى محمد السادس، الذي تمكن عبر العديد من التدابير والإصلاحات والمبادرات، من تغيير صورة الملكية خاصة عبر تعديل بعض أشكال تدبير الحكم الفردي انسجاما مع التغيرات الاجتماعية والتي كانت أهم ملامحه :
المفهوم الجديد للسلطة وتزكية نوع من المصالحة لمحمد السادس أعطى له شعبية مكنته من كنس نسبي لارث والده ليمحو عن شخصه صورة الملك الدموي التي اكتسبها المخيال الشعبي عن والده. صورة كان تعيين جطو لحظة سياسية مؤرخة لتحقيقها.
تمثل 2006 لحظة سياسية حاسمة في تثبيت العهد الجديد وزكى بشكل ملموس خيار 2002 بإبعاد الاتحاد عن الوزارة الاولى. فتقديم تقرير الالفية، وتوصيات لجنة الإنصاف والمصالحة، كان إعلانا من النظام على طي صفحة الماضي بالشكل الذي يخدم إرساء إجماع جديد حول الملكية للسير نحو النمو و العصرنة و الديموقراطية المحمدية. (ما سمي بأولوية التنمية الاجتماعية على حساب الديموقراطية)
سنة 2005 عاود الملك التحكم في جهاز الاستخبارات بتعيين أصدقائه وبعض النخب المدنية كياسين المنصوري على رأس الاستخبارات الخارجية والشرقي الضريس على رأس الأمن الوطني وشكيب بن موسى على رأس الداخلية لتنفيذ الإستراتيجية الجديدة للملك للداخلية : الأمن السياسي والاجتماعي و تعميق تدخلها ومراقبتها للفاعلين في الاقتصاد.
تطوير آليات إجماع لتنفيذ إصلاحات توسع من نفوذ الرأسمال ومن هيمنته .
تنامي دور النسيج الجمعوي في تأطير وتنظيم ومراقبة جزء من حراك الطبقات الوسطى والصغرى وفسح المجال أمام ادماجه في بنيات الدولة شكل خاصية مميزة للعقد الاخير، عبر تشكل شبكات موالية للملكية، تشكل الية للضغط على الحقل الحزبي ومنافس حقيقي له في تأطير وتنظيم المواطنين.
توسيع القاعدة الاجتماعية للملكية كإجابة على التحولات الداخلية للبورجوازية المحلية (ارتفاع مستوى التكوين, التفاعل مع الخارج ...) ترافق مع توسع جسم من الكوادر البرجوازية من مؤسسات تكوين أجنبية، تسبح في نفس تيار و خطاب وسياسة المؤسسات المالية الدولية. تم ادماجها في مؤسساته كآلية للمراقبة والولاء، وللحد من الجمود المرافق للشكل المحافظ للحكم.
اللجوء للتكنوقراط واللجن الملكية وابراز نخب جديدة، مسار توج بتأسيس الاصالة والمعاصرة للتحكم وتهميش الاحزاب السياسية وتمكين الملك من قاعدة جديدة وفق التوجهات النيوليبرالية يشرعن بها الملكية التنفيذية رأس الاستبداد الناعم.
انتزاع مكاسب ديموقراطية في فترة انتقال الحكم من الاب للابن كانت شروطها ممكنة سياسيا واجتماعيا، لكن أخفق جراء الإجماع الذي تشكل حول محمد السادس و جبن وخوف وتخاذل النخب والأحزاب المتفرعة من المعارضة التقليدية ، كما حد ضعف وتشتت القوى والنخب الديموقراطية واليسارية من تشكلها كقوة سياسية ذات مصداقية باستطاعتها تحويل الفترة الانتقالية السياسية الى مكاسب ديموقراطية فعلية.
نتج عن ذلك أن الملكية عبر عدة ميكانيزمات قامت بإخضاع مختلف اقسام البورجوازية المحلية لسلطتها لإرساء نمط من الليبرالية يتوافق مع الاحتكار التام للسلطة الفعلية.
هذا الإجماع ، حوٌل البناء السياسي والدستوري والمؤسساتي للملكية، الى عقد سياسي_اجتماعي مفروض تتحكم الملكية في مفاصله ، يعبر عن مصالح الرأسمال الكبير المحلي ورببيه الامبريالي ويفتح المجال لتمثيلية مختلف النخب التي تساند النظام. أما الحقل الحزبي والسياسي فقد أصبح مجالا مغلقا بين الملكية ونخبها ، وأصبحت فيه وظيفة الانتخابات والتمثيلية في المؤسسات تتحول من سؤال من يحكم الى كيف نكون الى جانب الحاكم.
توفرت شروط سياسية خاصة لصالح نظام محمد السادس لإرساء وتثبيت استبداده "الناعم". ونتج عن ميل ميزان القوى لمصلحة الملكية، الحيلولة دون نمو وتشكل معارضة ديموقراطية على أساس الازمة الاجتماعية.
ورغم تبدل الشروط نتيجة السيرورات الثورية بالمنطقة، مما فسح المجال لانبثاق حركة 20 فبراير، التي خلخلت موازين القوى، لكن دون تعديل جوهري لها. وعدم قدرة الضغط الشعبي على انتزاع تنازلات جوهرية من النظام الملكي كان نتيجة للعوامل التالية:
- التنفيس السياسي القبلي للوضع التفجري في المغرب، خاصة عبر تجربة التناوب وانتقال الحكم بسلاسة. كان له دور في الحيلولة دون توسع القاعدة الاجتماعية لحركة 20 فبراير. فالمغرب الأكثر حرمانا هو الأقل تحركا من زاوية المسألة الديموقراطية. حركة 20 فبراير حاولت التوسع عبر التوجه إلى الأحياء الشعبية، لكنها لم تفلح بسبب ضعف التجاوب وشدة القمع.
- استراتيجية الملكية في التعامل مع الحركة بشرعنة نفسها كقوة اصلاحية.
- قوة الملك السياسية ونفوذه في الأوساط الشعبية : معادلة نعم للإصلاح من دون المس بالملكية.
- ضعف القوى السياسية المنخرطة في الحركة وافتقادها إلى استراتيجية واضحة للربط بين المسألة الديموقراطية والاجتماعية.
تمكنت الملكية من تجاوز المعادلات والهزات التي فرضها تغير الظرفية السياسية بتركيب خيارين أساسيين : الأول سياسي مكنها من احتواء تطلعات العديد من الآراء والأصوات التي وفر لها حراك 20 فبراير التعبير عن مطالبها السياسية عبر الإصلاح الدستوري والمؤسساتي وإجراءات اقتصادية واجتماعية.
والثاني اجتماعي مكنها من احتواء الحراك بما توفر لها من خبرات بالمزج بين القمع والاحتواء و الحصار.
اختلف الوضع المغربي عن نظيره بالمنطقة، حيث أن تغيير رأس النظام لم يكن موضوع مطالبة وتحرك جماهيري، مما وسع حدود مناورة الملكية، عبر استعمال هوامش الإصلاح الممكنة لنظامها، للحد من تطور الحراك الى ثورة منظمة تعصف بأركان نظامها. كما أن رمزية الملك في الأوساط الشعبية ووسط البورجوازية الصغيرة والمتوسطة، والخوف في هذه الأوساط من تحول الأوضاع للعنف والفوضى، عوامل سرعت بنشوء وتطور قاعدة اجتماعية راغبة في إصلاح يضمن الاستقرار. وهو ما تبين خاصة في محطتي الإصلاح الدستوري والانتخابات البرلمانية.
كانت انتخابات 2011، التي لم تتجاوز فيها نسبة المشاركة 45 في المائة بزيادة نسبية عن 37 بالمائة لسنة 2007، إعلانا عن حسم فعلي لموازين الـتأثير في الرأي العام بين الملكية وحركة 20 فبراير لصالح الأولى. ومنح تصدر العدالة والتنمية لنتائج 2011 شرعية إضافية لمسار إصلاح 9 مارس، وفي نفس الوقت بدأت تنكشف تناقضات هذا "المسار الإصلاحي"، بعجزه عن توسيع هوامش الحريات السياسية و الديموقراطية لتعارضها مع الطابع الفعلي لنظام الملكية.
وبعد تأكد الملكية من حسم ميزان القوى المتململ بسبب 20 فبراير، استعملت نفس الميكانيزمات التي سمحت لها بالحد من هذا الحراك الاجتماعي، من أجل إقفال قوس شعارات 9 مارس، الذي فتحته بسبب الذعر الذي أصابها جراء الحراك المحلي والاقليمي.
عكست انتخابات 2011 أيضا طابع النظام الانتخابي المغربي ووظيفته السياسية في إضفاء شرعية سياسية على نظام حكم الملكية. ورغم الإصلاحات الدستورية التي عملت أطراف عدة على تسويقها كالخيار الامثل والممكن بين ملكية تنفيذية وملكية برلمانية دون انتصار أحد الخيارين مع فتح الباب في المدى المنظور للخيار الثاني، فان نتائجها على مستوى هيكلة الحقل الحزبي وتشكيل الحكومة لم تختلف عن سابقاتها:
استبعاد هيمنة قوة سياسية و استفادة اخرى من وضع ريع سياسي تتموقع به في الهيكلة السياسية للمؤسسات.
نظام انتخابي يمكن الملكية من استبعاد فرز قوة اغلبية في مواجهتها وتنافسها الشرعية.
تزكي القاعدة الرئيسية لعدم استقلال الحكومة عن الملك وضعفها في اقرار وتنفيد برنامجها السياسي
الحكومة الجديدة رغم توفرها على اطار مؤسساتي افضل من غيرها فإنها تعاني من نفس نقطة اضعاف سابقاتها: الموقع السياسي المركزي للملكية في تحديد وتتبع وتنفيذ سياستها ، والطابع اللاشعبي لإصلاحات لا تخدم أجندتها الانتخابية.
إن عمل الملكية لتصفية وكنس سياق حراك 20 فبراير، الذي دفعها الى قبول حلول تكتيكية ومؤقتة، ستحاول تقديمه كفشل لحكومة العدالة ولحكومة صناديق الاقتراع عن الاستجابة لتطلعات ومطالب الشعب، درءا منها لاي نقد للحدود البنيوية لإصلاحاتها ولطبيعتها المعادية للديموقراطية ، وسيعزز من سمو الملكية عبر إظهار الاحزاب بصورة عدم الجاهزية للإصلاح وبخيانة التعهدات البرنامجية مع الجماهير. وهو ما تبين في المسار الحالي خاصة بعد خطابي العرش وخطاب 20 غشت 2013.
الحقل الحزبي المهيكل أضحى غير قادر بفعل تبعيته للملك، حتى على صيانة وتفعيل ما يطلق عليه "الهامش الديموقراطي"، فنرى الاتحاد الاشتراكي في كل نسخه بما فيه الأخيرة تابعا لأجندة الملك يسبح بما تمليه ويعتبره برنامجه، فخطاب العرش (يوليوز 2013) والذي يعتبر دفنا من طرف الملك للشعارات الإصلاحية التي حملها دستور 2011، اعتبره الاتحاد بمثابة خطاب المرجعية، كما أن أدوارها في عدة قضايا مصيرية تبين الدور المنوط بها في حجب وتضليل تحكم الملك في الحياة السياسية وتوزيعه للأدوار على بقية الفاعلين.
فشل حكومة العدالة والتنمية لن يفقد هذا الأخير مكانته الحزبية المختلفة عن باقي الاحزاب. فقاعدته الانتخابية، ذات خصوصية لارتباطها بمشروعه السياسي، وهي قاعدة راكمها من خلال عمله السياسي، سواء كمعارضة برلمانية، أو بتموقعه في الجماعات المحلية. قاعدة يتم الحفاظ عليها بقوة التنظيم، والمشروعية المبنية على عدم فساد ذمة اعضائه، ثم عبر ميتودولوجيا سياسية وإعلامية ذات طابع براغماتي، وأخيرا إتقان تدبير تموضعه بالنسبة لمسلسل الاصلاح وتقديم نفسه للملكية كأحسن مجيب عن معادلة الاصلاح في ظل الاستقرار. لكن الحد من نفوذه سيجعل الملكية تعاود التحكم في الحقل الحزبي وتعميق سياق التحكم ما قبل 20 فبراير.
يتبين مما سبق ثلاث استنتاجات رئيسية:
مكانة الرأسمال ونفوذه تعززت في العقود الثلاث الاخيرة، فالإصلاحات النيوليبرالية التي أشرفت عليها الملكية، مكنتها من إعادة هيكلة قواها الاجتماعية، ومن التموضع كمعبر دون مجادلة عن مصالح الامبريالية و الرأسمال المحلي الكبير. كما أن تطوير نظامها السياسي والمؤسساتي، رغم أنه سمح بتمثيل مختلف شرائح البرجوازية المحلية ونخبها، لكن بدون تمكينها من السلطة الفعلية.
يتبين أن أي إصلاح محافظ، مبني على حفظ دور مركزي للملكية، دستوريا وسياسيا ومؤسساتيا، مآله الإخفاق، نظرا لطبيعتها المعادية للديموقراطية والدور السياسي الموكول لها في حفظ مصالح الرأسمال الامبريالي.
الإطار المؤسساتي والاقتصادي القائم، وتبعية البلد للإمبريالية، واندماجه في منطق العولمة الرأسمالية، عوائق بنيوية تفقد أي إصلاح صبغته الاجتماعية. وقد بينت ثورتي مصر وتونس حدود الديموقراطية السياسية ما لم تكن مرتبطة بصعود سياسي لقوى تنفذ برامج شعبية مضادة لمصالح الرأسمال. وستكون النتيجة اصطدامها مع الإطار المؤسساتي والاقتصادي القائم أصلا، لأن المضمون الاجتماعي للنضال الديموقراطي يرتبط بشكل مركب بدينامية معادية للرأسمالية كنظام اجتماعي. و هذا ما يعزز صحة برنامجنا بربط المسألة الديموقراطية بالمسالة الاجتماعية.

أزمة شعارات المسلسل والإجماع
منذ 1975 استطاع النظام الملكي حسم ميزان القوى في "الصراع" الجاري منذ 1956 مع مكونات الحركة الوطنية البرجوازية لصالحه، معلنا تسييج تحكمه الكلي في الوضع السياسي بشعارات الإجماع الوطني والسلم الاجتماعي والمسلسل الديموقراطي.
طبعا، لم تكن هذه الشعارات في عمقها سوى واجهة لإخفاء الديكتاتورية. لكن وظائفها الاجتماعية والسياسية، تتجاوز التشخيص المبسط لمفهوم الواجهة المؤسساتية للحكم المطلق. فعبرها تمت طوال أكثر من عقدين، إعادة انتاج الهيمنة السياسية المطلقة للنظام وإعادة تجديد مشروعيته وقاعدته الاجتماعية.
كانت شعارات المسلسل والإجماع آلية سياسية/مؤسساتية لاحتواء التناقضات السياسية والاجتماعية وتجديد الولاء السياسي للنظام. كما سمحت ببناء حقل سياسي مؤسساتي، يدمج القوى السياسية بشكل متحكم فيه، بشكل يحول دون تشكل فضاء سياسي مستقل عن الملكية يعبر عن مختلف المصالح والتطلعات الاجتماعية.
وإذا كان من نتائج هذه السياسات تجاوز الملكية بسلام منعطف انتقال السلطة بعد وفاة الحسن الثاني، فإننا نشهد في الظرفية الحالية أزمة الشعارات السياسية المؤطرة للهيمنة المطلقة للملكية، مما أفضى الى ما يمكن نعته بـ"أزمة شكل الحكم" لدى الملكية، لغياب قوة سياسية ديموقراطية ذات مصداقية شعبية قادرة على تحويلها الى "ازمة نمط الحكم" . وهو ما يفسر مختلف الأزمات السياسية التي نشهدها اليوم.
فشعار "الوحدة الترابية" لم تعد له نفس الفعالية في هيكلة "اجماع وطني". فالنزاع حول الصحراء الغربية الذي وظفته الملكية لإخضاع الشعب وقواه السياسية والاجتماعية ، بدأ يفقد تدريجيا فعاليته ، و سيتحول ، بعد وقف إطلاق النار سنة 1991 وإفشال عملية الإعداد لاستفتاء تقرير المصير، وفشل مسار المفاوضات المستمرة حتى اليوم على أرضية حل سياسي متفق عليه بين الأطراف، الى مستنقع تكلفته السياسية باهظة.
ففي أقاليم الصحراء الغربية برز جيل جديد في الحركة الوطنية الصحراوية، دمج بين مطلب الاستقلال الوطني والمطالب الاجتماعية، على شكل حركة حقوقية اجتماعية وسياسية تعلن بوضوح ارتباطها بجبهة البوليساريو، وتمارس نوعا من انتفاضة شعبية مستمرة مستنزفة للنظام. هذا التشكل يمثل تدميرا لشرعية التحالف بين النظام واعيان القبائل في الصحراء ويضع الجيش والجهاز الإداري برمته في مواجهة حركات احتجاجية شعبية وليس في مواجهة جماعة مسلحة من مقاتلي حرب الغوار.
كما أن علاقة الملكية بالجيش منذ انقلابي 70-1971 انبنت على "تحييده" سياسيا عبر إطلاق العنان للفساد داخله سواء في صفقات التسلح او النهب المباشر للتموينات والميزانية العسكرية، إضافة الى الريع والإمتيازات الإقتصادية للضباط الكبار والجنرالات. هذه السياسة أفضت إلى الارتباط المصلحي لقادة الجيش مع ضرورة استمرار نزاع الصحراء بدون حل. دون أن نتغافل عن أطروحة الحكم الذاتي حيث يكمن مأزق الملكية في فتح الباب أمام مطالب الجهوية والدولة الفيدرالية بالداخل. أما تنزيل الحكم الذاتي من طرف واحد، لا جدوى منه من زاوية الشروط الدولية للنزاع وارتباطه بمصالح الامبريالية، كما أن إقدام الملكية على ذلك سيطرح من جديد الإشكالية الدستورية. ومن الممكن أن تؤدي أجواء نقاش الاصلاح الدستوري لتضمينه ذلك، أن تؤدي لمآزق تبرير منحه لجهة دون الجهات الأخرى.
ومع طول الوقت ومع ضآلة المكاسب الدبلوماسية وطول مسار المفاوضات بلا حل ، تحولت مسالة الصحراء من محرك "الاجماع " حول النظام الى مغذي لاستنزاف شرعية الملكية . لأن هذه الأخيرة أمام مأزق مزدوج: فمن جهة لا يمكن للملكية اقناع الشعب وضمنه الطبقات الوسطى بتحمل النفقات الباهظة لسياستها في الصحراء الى ما لا نهاية، ومن جهة ثانية كيف ستتعامل مع الجيش وأي سياسة بديلة لتحييده سياسيا في حالة حل نزاع الصحراء؟ ماذا سيفعل بجيش من 250000 جندي كقنبلة موقوتة بين يديه؟ (لا يجب أن ننسى ملاحظة كون المؤسسة العسكرية والدرك هما المؤسستان التي لم يطلهما أي تغيير طيلة "العهد الجديد"؟؟؟). وعلى العموم فإن أي تحول جوهري في مسارات نزاع الصحراء سيعني تحرير المغاربة نهائيا من أسر "الإجماع الوطني" لكونه إسمنت تبرير كافة الشعارات المؤطرة للإستبداد السياسي بالبلد.
أما شعار المسلسل الديموقراطي، فإن كان النظام بواسطته قد تمكن من بناء مؤسساته "الديموقراطية"، عبر انتخابات وتعددية حزبية (تعددية حزبية وليس تعددية سياسية) متحكم فيها، ونجح في فرض أجندته وأهدافه، دون معارضة سياسية قادرة على مواجهتها، فان دلك لا يعني نجاحه في إعطاء شرعية جديدة لواجهته الديمقراطية.
فمن جهة فالمؤسسات "المنتخبة" ليست فاقدة لثقة الشعب فحسب، بل هي رمز للفساد السياسي بالنسبة للأغلبية الساحقة. وتعكس نسب المشاركة في الانتخابات حقيقة الرفض الشعبي لهذه المؤسسات، ولو عبر العزوف عنها، بشكل يؤكد تدني الوعي السياسي للجماهير في غياب قوة سياسية ديموقراطية ذات مصداقية.
اما أحزاب الاصلاحية الليبرالية، التي منحت مشاركتها في "اللعبة السياسية" للملكية، المشروعية "للمسلسل الديموقراطي" فقد اصبحت بلا مصداقية شعبية.
إن الملكية اليوم في وضع فقدت فيه احزاب الواجهة الديمقراطية و نقابات السلم الاجتماعي شرعيتها، ولم تعد قادرة على القيام بوظيفة الوساطة/الصمام السياسي بين السخط الشعبي والملكية، خاصة مع توسع نمط الاحتجاج غير المؤطر من هذه الوسائط التقليدية، هي في وضعية أزمة الشعارات المركزية التي أطرت بها هيمنتها السياسية منذ المسيرة الخضراء.
الملكية و تجديد أدوات المشروعية
الحديث عن أزمة شعارات المسلسل والاجماع، لا يعني ازمة سياسية حاسمة للملكية، بقدر ما دفع بها إلى تجديد أدوات هيمنتها السياسية المطلقة، بشكل جعلها قادرة على الحفاظ على موازين قوى الصراع الطبقي مائلة لصالحها.
لذا فإن منطلق أي تحليل جدي للوضع الراهن بالمغرب هو الإجابة عن سؤال جوهري: لماذا تمكنت الملكية من الانتصار وحسم ميزان القوى لصالحها، أمام الهبة الأكثر جماهيرية في تاريخ المغرب، تجلت في حركة 20 فبراير والاحتجاج الاجتماعي الموازي لها، في سياق إقليمي وجهوي ينضح بالثورات؟
مباشرة بعد اندلاع نضالات حركة 20 فبراير، وأمام ارتعاد فرائص الملكية ومعها الطبقة البرجوازية، أمام مشهد سقوط اصدقائها في تونس ومصر وليبيا. انتهجت الملكية خطة ذكية انطلقت بخطاب 9 مارس، وانتهت بتعيين حكومة يرأسها "الإسلاميون المعتدلون".
لكن هذه الخطة الذكية التي تفادت بها الملكية "الحريق الثوري" لم تكن سوى استعمال نفس ميكانيزمات خروجها من كل المنعطفات التي زعزعت سلطتها الطبقية منذ السنوات الأولى للإستقلال حتى اليوم. مما منح الملكية القدرة على تغيير ميزان القوى لصالحها:
تحييد الحركة النقابية، في مناورة نفذها المعتصم مستشار الملك بمعية قادة المركزيات النقابية، أفضت الى اصطفاف فعلي للجسم المنظم من الطبقة العاملة خارج حراك 20 فبراير مما أفقد هذه الاخيرة القوة الاساسية التي تستطيع وقف الاقتصاد الرأسمالي كضمانة لتغيير ميزان القوى لصالح المعسكر الشعبي. ، خاصة أمام الدرس التونسي والمصري حيث تدخل النقابات في المسلسل الشعبي كان حاسما.
الارخاء المحسوب للقبضة الامنية عبر مزاوجة القمع المحدود مع محاولات الاحتواء في علاقته مع الحركة، ثم اطلاق العنان لمنطق "الهمزة" (الفرصة التي لا يجب افلاتها) للبروليتاريا الرثة ومجمل الكادحين حول مشكلات السكن "العشوائي" واطلاق يد باعة التقسيط في الارصفة، كل هذا مرفوق بعدم تشديد القبضة الإدارية للآليات المخزنية مع السكان ضمانا لإلهائهم وتحييدهم عن المشاركة في 20 فبراير، وعيا من الملكية بما تشكله هذه الفئة من العاطلين المقنعين وشباب الأحياء الشعبية من خطر حين تنضم لحركة النضال.
اطلاق شعارات الاصلاح السياسي والدستوري بطرق جديدة لا تلغي جوهر الاستبداد. وقوة هذا الميكانيزم تكمن في ايهام الطبقات الوسطى ومجمل النخب السياسية بوجود سقف اعلى في الخطاب السياسي للملك يتجاوز ما تطرحه الاحزاب السياسية. وهو سقف سيسمح بتغييرات سياسية جوهرية مما يوجب استغلال الهامش المؤسساتي المتاح، حيث يبرز شخص الملك كراغب في إصلاح ذاتي للنظام. لذلك فمصلحة "الديمقراطيين الحداثيين" في التحاقهم بمعية كافة النخب السياسية والمجتمع المدني لتعزيز مشروع الملك في وجه دعاة مناهضي التغيير.
هذا المنطق / الخديعة يؤدي دورين مزدوجين: الأول توجيه الاحتجاج نحو "بارشوك" الآلية المؤسساتية لدولة الاستبداد (المجالس والسلطات المحلية والبرلمان والحكومة) وفي أقصى الحالات الرهان على تغيير "المحيط الملكي"، وهو بارشوك pare-choc واقي للملكية لتكون في منأى عن الاتهام. والثاني في توجيه هؤلاء (وهم فئات عريضة من النخب المؤثرة اعلاميا وسياسيا ومتشعبة الارتباطات عبر الشبكات الجمعوية المستفيدة من التنمية البشرية)، نحو بدائل النضال المؤسساتي بوهم النتائج الآنية، وتفادي وجوب معركة سياسية مركزية مع الملكية كشرط لحسم المسألة الديمقراطية والاجتماعية.
ميكانيزم توظيف قوة سياسية ذات رصيد شعبي في تجاوز منعطف 20 فبراير. وهو ميكانيزم يطبق أثناء المنعطفات الاساسية وليس في الاوضاع السياسية العادية. وقد طبق نهاية الخمسينات (حكومة عبد الله ابراهيم)
لم تكن هذه القوة السياسية سوى اسلاميي حزب العدالة والتنمية القادرين في سياق الصعود الاسلامي بمصر وتونس، والمتوفرين على رصيد شعبي، وفوق ذلك كونهم ملكيين أكثر من الملك، ومتبنين لليبرالية الاقتصادية. وهم بهذا الشكل سينجحون في وظيفتين مزدوجتين: تنفيذ الملكية لبرنامج الاصلاحات الليبرالية بأيديهم، مع ضمان تكريسهم لكافة آليات الاستبداد السياسي عبر رفضهم الدائم حتى لمشاريع اصلاح سياسي لطبيعة النظام.
طبعا، ففي المنعطفات التاريخية لأزمتها، تضطر الملكية الى إشراك الأحزاب التي تتمتع بحد أدنى من الشرعية والمصداقية في مؤسسات "الواجهة الديموقراطية" لدولتها. لكنها في نفس الوقت رافضة لنمط حكم يسمح للأحزاب باكتساب الشرعية او الحفاظ عليها.
إنه أحد الميكانيزمات الأساسية لانتصار الملكية في كل أزمات مشروعيتها منذ إشراك حزب بنبركة في الحكومة الوطنية 1958. وبعد انتفاضة 1965 (مفاوضات حكومة الوحدة الوطنية) وفي اواسط السبعينيات عبر شعارات الاجماع والمسلسل الديمقراطي حيث شاركت القوى الديمقراطية الليبرالية في انتخابات 1977. وهو نفسه المطبق نهاية حكم الحسن الثاني عبر اشراك نفس القوى في قيادة "حكومة التناوب" التوافقي. وكما في الحالة الأولى حيث كان الهدف إضفاء شرعية سياسية على قمع الملكية الدموي لانتفاضة الريف وتقوية المؤسسات العسكرية والأمنية للنظام مع ما تبعه من اجتثات لجيش التحرير. كانت الحالة الثانية في 1998 بإشراك الاتحاد الاشتراكي في حكومة التناوب لضمان الانتقال الهادئ للعرش من الحسن الثاني لابنه محمد السادس، وكذا ضمان تمرير الإصلاحات الهيكلية بأيادي ذات التأثير القوي في الحركة النقابية والاجتماعية.
لكن الدرس الأساسي هو دوما استعمال حاذق لقوى سياسية ذات مصداقية وعدم رفع اليد عنها حتى استنزافها لتلك المصداقية. ونفس ما وقع في 1959 لعبد الله ابراهيم هو ما كان مصير اليوسفي في 2002. ونفس المصير ينتظر وقوعه لحزب العدالة والتنمية.
انطلاقا من هذه الميكانيزمات استطاعت الملكية توحيد مجمل فئات البرجوازية الكبيرة حولها (منع تحول الامتعاض البرجوازي من الهيمنة الاقتصادية للملكية الى نقد سياسي) واستطاعت تجاوز منعطف 20 فبراير بدون تغييرات جوهرية في نظامها السياسي والاقتصادي، بل استطاعت عبر ذلك توسيع قاعدتها الاجتماعية ورقعت مشروعيتها التي وضعتها 20 فبراير موضع الاتهام.
وخلافا للنظام التونسي و المصري، استغل النظام المغربي تحكمه في الموارد المالية التي ينتزعها من الميزانيات الاجتماعية، لتمويل "سياسة اجتماعية " تسمح له في نفس الوقت بتلطيف جزئي لآثار السياسات اللاشعبية وإضفاء "شرعية اجتماعية" تعوض نسبيا عن فقدان شعاراته الديموقراطية للمصداقية. كما تقوم هذه السياسة بإخفاء المسوؤلية المباشرة للملكية في وضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تقررها المؤسسات الاقتصادية والمالية العالمية، وتوجيه سخط ونقمة ضحايا هذه السياسات نحو الأحزاب والنقابات والحكومة ومجمل الآليات المؤسساتية للدولة (التي لا تتمتع بأي دور أو صلاحيات فعلية) بدل توجهها صوب المركز الفعلي لسلطة القرار: الملك.
الخلاصة إذن هي أن مكانة الملكية في الاقتصاد والدولة، التي تسمح لها بالقيام بوظيفة الموحد السياسي لمختلف قطاعات الطبقة البرجوازية، ليست دكتاتورية فردية منفصلة عن البرجوازية، بل هي القيادة السياسية لدكتاتورية الطبقة البرجوازية بالمغرب. فالملك هو رئيس الدولة والقائد الأعلى لمختلف مؤسساتها وأجهزتها. كما أن تمظهرها كسلطة "فوق" المجتمع وكحكم في صراعات القوى السياسية والاجتماعية، يجعل الملكية تتمتع، خلال الأزمات التي تخلقها الهبات والانتفاضات الجماهيرية، باحتياطي سياسي يمنحها القدرة على المناورة والالتفاف على كل أشكال المعارضة السياسية والاجتماعية.
هذا ما يجعل مسار الأزمة السياسية للملكية ووتيرة تطورها، مختلفا عن مسار وتطور الأزمات السياسية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا. فاذا كانت الأزمة قد مست بشكل سريع ومباشر رأس النظام السياسي في تونس ومصر، فإنها في المغرب تبقى في حدود نمط اشتغال النظام. وهذا ما ساعد النظام على تنشيط العوامل والميكانيزمات المذكورة أعلاه، لتفعيل إستراتيجيته السياسية المعهودة: التراجع التكتيكي لاحتواء الأزمة والالتفاف على الحركة تحضيرا لهجوم استراتيجي لتفكيك الحركة وقمعها. وهو ما نجح في تنفيذه فيما يخص 20 فبراير.
إمارة المؤمنين: التقليدانية لشرعنة الاستبداد
حرصا على ضمان الهيمنة المطلقة للملكية، تعتمد هذه الاخيرة على بناء مشروعيتها عبر مزج غريب لكن ذكي لجوانب العصرنة بموازاة التقليدانية. فالملك رئيس دولة (الفصل 42) لكنه أمير المؤمنين (الفصل 41). فالملك الجديد استطاع عبر مسلسل الانصاف والمصالحة إخضاع النخب المعارضة و محو صورة الحسن الثاني الدموي عن نفسه، ليطور منذ خطاب 30 ابريل 2004 توسيعا فعالا للمشروعية الدينية انطلاقا من مفهوم إمارة المؤمنين.
وقبل ذلك وسع طقوس البيعة لتشمل عند اعتلائه عرش العلويين سنة 1999 الرموز الكبرى للنخبة العسكرية والسياسية، كما يحرص دوما على انضباط الجميع (بما فيهم المتبجحون بالحداثة والقيم التقدمية) لكل الاشكال التقليدانية كحفل افتتاح البرلمان وحفل الولاء والدروس الرمضانية، واستعمال ذلك كأدوات للإخضاع (ارتداء الزي التقليدي من طرف اليساريين عبد الرحيم الجامعي وعبد العزيز النويضي كشرط لاستقبالهما حول مخطط إصلاح العدالة من طرف الملك في رمضان 2013)
توسيع المشروعية الدينية للاستبداد تم عبر ثلاث محاور رئيسية: إعادة هيكلة وزارة الاوقاف – توسيع النخبة الدينية عبر الرابطة المحمدية للعلماء وضمنها هيئة الافتاء ثم المجلس العلمي الاعلى والمجالس المحلية – دعم الإسلام الطرقي.
وهذه المحاور الثلاث تركز الأهداف الاساسية للملك:
تحكم الملكية في مؤسسات إنتاج النخب الدينية وهو ما يرومه اصلاح مناهج دار الحديث الحسنية وإعادة هيكلة وزارة الاوقاف، ثم تطوير نظم التعليم بالمدارس العتيقة وربطها بالوزارة لضمان الولاء وعدم الانفلات.
توسيع النخبة الدينية الموالية للملكية ورفع نسب التأطير الديني في المجتمع بإشراف مباشر منها. فقد انتقلت المجالس العلمية المحلية من 30 الى 70، وتم تسييج عمل هذه النخب ب"ميثاق العلماء" الضامن لولائهم للامير، وتوسيع عدد المرشدين والقيمين الدينيين، اضافة الى تنشيط برنامج محو امية بالمساجد وإذاعة وقناة محمد السادس للقرآن.
التحكم التام في المساجد والأئمة لضمان عدم استعمال المعارضة الدينية لهذه المؤسسة.
الحضور القوي للملكية في مؤسسات الإسلام التقليدي كالزوايا ومواسم الأضرحة حيث يتكلف الحاجب الملكي بالحضور وتسليم الأعطيات والهدايا الملكية.
إن نتائج مجهود الملكية هذا قد ظهر مفعولها في سياق نضالات حركة 20 فبراير، حيث أوعزت للزاوية البودشيشية لحشد أنصارها في مسيرة بالبيضاء دعما لدستور الملك خاصة أمام العدل والإحسان المنحدر زعيمها من نفس الزاوية. كان لافتا اصطفاف كافة المنضوين في إطار السياسة الدينية للملك، في خانة المناهضين لـ 20 فبراير. ورغم وجود استثناءات فالامر كان متعلقا بدواعي مصلحية وليس بمنظور نقدي للإستبداد. يتعلق الامر هنا بحضور أنصار المغراوي لبعض المظاهرات لغاية فتح دور القرآن المغلقة منذ 2003 (وقد تحقق لهم ذلك آنذاك) ثم بعض الفقهاء المحتجين لتحسين اوضاعهم الاجتماعية وقليل من المرتبطين بتيارات اسلامية ضمنهم نددوا بوصاية وزارة الأوقاف على المساجد، لكن بمجرد تحرك الآلية المخزنية وفق ثنائية العطايا والوعيد حتى تبخر ذلك.
المسألة الدالة في هذا السياق هي أنه في سياق مظاهرات 20 فبراير ضد دستور العبيد 2011 ، لم تستطع أي من القوى السياسية حشد أنصارها في الشارع للدفاع عن دستور الاستبداد رغم اصطفافها الى جانب الملك. والقوة الوحيدة التي استطاعت القيام بهذا الدور هو الزاوية البودشيشية التي حشدت أكثر من مائة ألف بالبيضاء في مسيرة ضخمة. الدرس الذي يجب استخلاصه هنا هو أنه في ظل فقدان أدوات الوساطة السياسية للملك (أحزابا ونقابات وجمعيات) لمشروعيتها في شروط تنامي الكفاح الجماهيري فإن الخزان الاحتياطي للمشروعية ستبحث عنه الملكية في قوى دينية محافظة قادرة على لعب دور الطابور الخامس للدولة البرجوازية.
الدرس الآخر الواجب على الثوريين استخلاصه هو النظر إلى إمارة المؤمنين ليس فقط من زاوية المؤسسات الدينية التابعة لها، ولكن أولا في تشعباتها العلائقية وقوة تأثيرها في شرائح واسعة بأسفل الهرم الإجتماعي.وثانيا في فهم أن إعادة انتاج الثقافة الدينية للاستبداد تغزو كافة مناحي التأطير في المجتمع بدءا من المقررات المدرسية والجامعية، مرورا بالمساجد والأوقاف، وصولا للزوايا والأضرحة.
عموما يمكن القول بأن فعالية "إمارة المؤمنين" في إضفاء طابع القداسة الدينية على نظام الحكم الملكي لتوسيع مشروعيته وقاعدته الاجتماعية، مسألة يتم توظيفها كآلية لتحقيق الإجماع حول الملك. حيث كانت مناورة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مكملة للسياسة الدينية بشكل جعل الملكية قادرة على هزم "الاسلام السياسي" مجسدا في خلايا السلفية الجهادية والعدل والإحسان كمنافس في الشرعية الدينية.
تكمن المهام السياسية للقوى التقدمية والثورية هنا في بلورة برامج عمل لتوسيع ونشر الثقافة العلمية وإشاعة التفكير العلماني بموازاة برامج نضال تحرر اجتماعي سياسي للمضطهدين. وهذا المسعى يمكن أن ينطلق مما خلفته روح 20 فبراير في صفوف شبيبة مناهضة للتوجهات المحافظة. وقد أظهر نضالهم وما حققه من تعاطف وتقزز عالمي من طقوس البيعة المذلة ومختلف الجوانب التقليدانية للملكية، قوة ودلالة على القدرة على تأزيم المشروعية الدينية لـ"أمير المؤمنين" إن ترافقت مع مهمة بناء قوة شعبية مناضلة وذات مصداقية عبر برامج نضال لاستنهاض مضطهدي أسفل الهرم الإجتماعي عوض تركهم فريسة للأوهام الرجعية التي تغذيها الملكية والإسلاميون على حد سواء.

أين يكمن مفتاح الأزمة؟
رغم انتصار الملكية في المنعطف السياسي الذي خلقته حركة 20 فبراير في سياق اقليمي وجهوي مشتعل، فإنها لن تستطيع تجاوز تناقضاتها البنيوية التي ستتجلى حتما في أزمات سياسية تتجاوز المؤسسات نحو مشروعية الحكم الملكي في حد ذاته.
ففي سياق الطبيعة التبعية للبرجوازية المغربية ونظامها الملكي، والناتج عنه موقعها المرسوم في قسمة العمل الدولية، ونتيجة لإكراهات العولمة الرأسمالية، ليس من خيار أمام الملكية سوى المزيد من تنفيذ مخططات الإصلاحات المضادة للشعب، أي تطبيق البرنامج الليبرالي حيث اللجوء الى المزيد من الاستدانة لتجاوز أزمة المصادر المالية للميزانية العمومية، والسعي لتقليص كتلة الاجور وتكريس سياسات ضرب تقنين العمل و المزيد من هشاشة الشغل، ثم الإصلاحات الليبرالية لنظام التقاعد ومعه انظمة الحماية الاجتماعية عموما، ثم اصلاح نظام المقاصة، وسياسات اجتماعية تؤدي الى توسيع حجم البطالة الجماهيرية وتردي الخدمات الاجتماعية وشروط التعليم والسكن والصحة...
كل هذه السياسات يرتبط تنفيذها بضرورة الاستبداد السياسي كشكل للنظام السياسي إذ لا ينسجم تنفيذ سياسات نيوليبرالية معادية لطبقة العمال وعموم الكادحين وشرائح من الطبقات الوسطى مع وجود نظام ديمقراطية سياسية مفتوحة على شاكلة الديمقراطيات البرجوازية. ومن ثمة ضرورة الاستبداد السياسي كضمانة لنجاح هذه البرامج اعتمادا على نظام سياسي مؤسس على الهيمنة الاقتصادية والسياسية للملكية مع حرصها الدائم على إبقاء نفسها المعبر السياسي الجماعي والضامن لمصالح الفئات والتجمعات الكبرى للبرجوازية.
لكن هذا الخيار المدمج بين النيوليبرالية والاستبداد سيؤدي دوما الى انفجار النضالات الشعبية على ارضية التناقض الطبقي بين مصالح البرجوازية الكبرى ومصالح العمال ومجمل الفئات الكادحة.
هذا هو الأساس المادي للازمة المركبة اقتصاديا وسياسيا للنظام الملكي البرجوازي الذي يسعى دوما لتجاوزها اما عبر القمع المباشر او عبر ادماج هذا الاخير مع اليات مؤسساتية لامتصاصه.
الا ان المسألة الحاسمة هي الوعي بان انتصار الملكية باليات قمعية او مؤسساتية، يظل دوما رهينا بغياب قوة سياسية قادرة على خلق تحويل الوضع نحو ازمة سياسية حقيقية على ارضية المعارك الطبقية في الشوارع وليس عبر المؤسسات الفاقدة لاي جدوى عملية.
وبالعودة الى ميكانيزم توظيف الملكية لقوة سياسية ذات رصيد شعبي لتجاوز المنعطفات الكبرى في الصراع الطبقي، لا بد من الاشارة الى أن تطبيقه مقرون بمسألة أخرى هي افقاد هذه القوة السياسية قبل اخراجها من المؤسسة الحكومية في الوضع الذي تعي فيه الملكية أنها تجاوزت المنعطف. تلك حالة الاتحاد الاشتراكي سنة 2002 حين استنفذ دوره السياسي، وهو نفس المسعى الراهن للملكية في علاقتها بحزب العدالة والتنمية.
كان الدرس الاساسي للانتخابات الجزئية الأخيرة هو استمرار القوة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية. لكن هذه القوة ترتبط في جزء كبير منها في استعماله الانتخابي للقواعد السلفية.
تعتمد علاقة الملكية بحزب العدالة والتنمية في الظرف الراهن بما يلي:
تقزيم دوره المؤسساتي: فرغم كون بنكيران يراس الحكومة فهو بلا أغلبية تضمن له حرية التحرك، وهو ما يعني سهولة ضربه عن طريق تحريك حلفائه (حزب الاستقلال)، وهو أسلوب يضمن تسريع ولائه بتنفيذ المزيد من الاصلاحات الليبرالية، كما يستنزفه في معارك سياسية مع خصومه وحلفائه مخضعة إياه لشروط مذلة لضمان التآكل التدريجي للمصداقية السياسية للاسلاميين.
رغم كون اسلاميي بنكيران قادة حكومة وبرلمان لا سلطة لهما أصلا، فهم في أعين الجماهير الشعبية مفوضون لتحقيق اصلاحات ملموسة. وفي حالة العكس فهم يتحملون المسؤولية السياسية ويقعون في موضع الاتهام الجماهيري وهو ما يؤدي الى تآكل رصيدهم الشعبي/الانتخابي، ويصورهم في أعين الجماهير في حجمهم الطبيعي كونهم مماثلين لكافة الاحزاب الاخرى التي لا تقدم شيئا للشعب الكادح.
ولاتمام تقزيم حجمه الشعبي والانتخابي تنطلق خطة ادماج السلفيين في حزب النهضة والفضيلة لتشتيت القاعدة الانتخابية للاسلاميين مع ضمان تحييد قواعد العدل والاحسان كلاعب خارج الحلبة المؤسساتية في الظرف الراهن على الاقل.
لسنا هنا في حقل التكهنات، ولكن في استشراف طبيعة الصراعات السياسية بالبلد في السنوات المقبلة، وهنا يطرح السؤال عن طبيعة التدبير السياسي المقبل للملكية من زاوية من هي القوة السياسية التي ستوظفها في تنفيذ البرنامج النيوليبرالي؟
السيناريو الذي تمت رعايته قبل بروز حركة 20 فبراير هو تقوية حزب الاصالة والمعاصرة كذراع سياسي للملكية مهيمن مؤسساتيا وممتد جماهيريا، ولكن حركة 20 فبراير لم تدفع الملكية الى الالغاء النهائي لهذا المشروع بل فقط الى تجميده ظرفيا. ومن المحتمل ان يكون المسار السياسي لحزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي تحت القيادات الجديدة التي خلقتها الملكية ( لشكر وشباط)، ينحو باتجاه قطب سياسي يضم الحزبين اضافة الى الاصالة والمعاصرة، وقد يكون هذا القطب ذراع التدبير السياسي للمرحلة المقبلة.
إن أزمة التناقض بين البرنامج النيوليبرالي المرفوق بالاستبداد السياسي مع المطامح والتطلعات الاجتماعية والديمقراطية للمضطهدين، تعطي للازمة السياسية الراهنة معنى واضحا يتجلى في بحث الملكية عن القوة السياسية التي سيكون توظيفها في التدبير السياسي ملائما لتنفيذ الاصلاحات الليبرالية بلا رد فعل شعبي وقوي. أما الأزمة السياسية الحقيقية التي نسعى لها فلن تكون الا بتدخل العامل الذاتي في الفعل التاريخي وهو وجود قوة سياسية ديمقراطية حاملة لبرنامج اجتماعي وديمقراطي مناهض للرأسمالية يدفع باتجاه القطيعة الثورية مع الاستبداد السياسي والاقتصادي.
إن مفتاح المرحلة السياسية الراهنة من زاوية هذا التحليل هي وجود خانة فارغة لن تتغير ملامح الوضع السياسي الا بوجود قوة سياسية قادرة على ملئ هذه الخانة أي ارتهان التغيير ببقاء قوة يسارية ديمقراطية حاملة لبرنامج القطيعة مع الراسمالية والاستبداد.

أي دور لليسار الليبرالي الحكومي ؟
في سياق التحولات السياسية التي رافقت نظام العولمة الراسمالية، تحولت احزاب الاشتراكية الديمقراطية من برنامج النضال من اجل مراكمة الاصلاحات كوسيلة لتحقيق تدريجي للاشتراكية، نحو المشاركة في الحكومات البرجوازية وتنفيذ الإصلاحات المضادة للعمال ومجمل الفئات الشعبية.
وفي هذا السياق العالمي، كانت النسخة المغربية للاشتراكية الديمقراطية مجسدة في الاتحاد الاشتراكي. منذ اواسط التسيعينيات آخذة في التحول نحو العقيدة الليبرالية مدركة ان برنامج تحويل الملكية الرئاسية المخزنية الى ملكية برلمانية لن يتحقق سوى بتحفيز نضال شعبي جارف من الاسفل. لكنها تخشى أن يؤدي تحفيز نضال شعبي ديموقراطي الى تجاوز برنامجها. لهذا وامام تصلب نظام الحسن الثاني بوجه المطالب الاصلاحية التي قدموها (بمعية الاستقلال والتقدم والاشتراكية ومنظمة العمل في اطار الكتلة الديمقراطية) اتجهت نحو المزيد من الانبطاح المخزني لتستكمل مع حكومة التناوب وما تلاها دورة التحول من حزب إصلاحي الى حزب لتنفيذ الإصلاحات المضادة.
ان مثقفي وقادة الاتحاد الاشتراكي واعون باستحالة تحقيق اصلاحات سياسية واجتماعية ديمقراطية في ظل التكيف مع العولمة الراسمالية. فالنضال من اجل الاصلاحات الاجتماعية في الطور الراهن يؤدي الى مواجهة مباشرة مع الملكية كمعبر عن مصالح البرجوازية السائدة. وهذه المواجهة هم أكثر الواعين بأنها تعني خوض تعبئة شعبية على قاعدة مطالب ديمقراطية معارضة لمصالح الطبقة السائدة، ناهيك عن تخوف الاتحاديين من ان يؤدي أي "انفتاح ديمقراطي" الى صعود اصولي مما اضاف لتحليلهم مبررا آخر للتنازلات المطلوبة لانجاز تحالف "الوطنيين مع العرش العلوي" فملكية أقل حداثة أفضل من بديل اصولي صاعد من صناديق اقتراع ديمقراطي.
ان هذه التحولات لليسار الليبرالي الى احزاب حكومية مندمجة عضويا في دواليب النظام الاستبدادي يؤدي في سياق الخروج من الحكومة الى نشوء نوع من معارضة مشوهة فاقدة لأي مشروع سياسي مغاير. وهذا هو اساس ازمة التحول الحالي نحو المعارضة المؤسساتية لحكومة العدالة والتنمية. فالاتحاد الاشتراكي يجد نفسه في معارضة حكومة تحمل بل تطبق نفس برنامجه السياسي (إذا استثنينا بعض المسوح الدينية للإسلاميين)، وهنا تصبح الموالاة والمعارضة مجرد تموقعات ظرفية في خشبة المسرح التي يتحكم القصر في هندسة أدوارها وراء الكواليس.
اليسار الاصلاحي وشعارالملكية البرلمانية
تستهدف مكونات مشروع "فيدرالية اليسار" مواكبة الحركة الجماهيرية، وتوجيهها نحو مطلب الإصلاح السياسي والدستوري بحثا عن "انفتاح سياسي" يسمح بتوسيع هامش مشاركتها السياسية مؤسساتيا. و هذا الهدف يتعارض مع تطوير الحركة وتعميق طابعها الجماهيري واستقلالية مبادراتها.
ان الهدف النهائي لهذا التحالف، ليس هو بناء حركة شعبية للتغيير الديمقراطي، بل إن الهدف النهائي هو إعادة بناء"كتلة ديمقراطية جديدة". معارضة برلمانية على قاعدة تعاقد سياسي جديد بين المعارضة والملكية، تعاقد يمنح شروطا أفضل للمشاركة في المسلسل الديمقراطي.
وعلى عكس ما يتوهم البعض، لا تسعى هذه القوى إلى فرض قيام "ملكية برلمانية" يتوقف فيها الملك عن ممارسة الحكم، بل تسعى إلى إقامة توازن بين سلطات الملك وصلاحيات المؤسسات النيابية والحكومية، دون تغيير جوهري للطبيعة الاستبدادية للنظام السياسي. ليس ادن من مصلحة هذه الأحزاب أو أهدافها تجذير الحركة وتوسيعها خارج هذا السقف السياسي .
هكذا إذن تظل احزاب المؤتمر الوطني الاتحادي والطليعة واليسار الاشتراكي الموحد رغم اختلافاتها الجزئية تعبيرا عن نمط حزبي موحد، وهو ما يسهل تكوين "فيدرالية اليسار" كشكل للتحالف السياسي فيما بينها. إنها أحزاب إصلاحية بلا إصلاحات، فهي لا تدعو للنضال من اجل برنامج اصلاحات اقتصادية واجتماعية متعارضة مع برامج الاصلاحات النيوليبرالية المضادة، كما أنها لا تدعو الى اصلاحات سياسية حقيقية مؤسسة على مفهوم دولة ديمقراطية تتجاوز الانقسام الحالي بين الدولة الحقيقية (الملكية ومؤسساتها المعينة وطنيا وجهويا ومحليا) وبين دولة الواجهة المؤسساتية (الحكومة والبرلمان والجالس المنتخبة).
فالخطاب السياسي لهذه الأحزاب مؤسس على نصح الملكية وتنبيهها الى ان تطبيق ليبرالية "متوحشة" مرفوقة بسلطة "مخزن اقتصادي" يحمل مخاطر انفجار اجتماعي، لذلك يكمن الحل بالنسبة لها في اصلاح ذاتي للنظام السياسي عبر انفتاح ديمقراطي يؤدي لتنازل طوعي للملك عن بعض صلاحياته غير الجوهرية لتقاسم السلطة مع المؤسسات المنتخبة (الحكومة والبرلمان) وهو ما تسميه عن بهتان بنظام الملكية البرلمانية (بعض منظريها الواعين بهذا التناقض بين مفهوم الملكية البرلمانية وتفاصيل برنامجهم السياسي يبررون الامر بكونه هو ايضا مرحلة انتقالية ستؤدي فيما بعد الى تحقيق الملكية البرلمانية بمفهومها ومعناها الحقيقي: كل السلطة للحكومة والبرلمان فيما للملك دور بروتوكولي).
وهم تحقيق الملكية البرلمانية بدون تغيير حقيقي لميزان العلاقات بين الطبقات، الذي يستلزم شحذ نضالات شعبية على قاعدة مطامحها الاجتماعية. لكن هذه الدينامية الشعبية لا يمكن ،حين تنطلق، تسييجها بشعار تقاسم السلطة مع الملكية.
هذا الرهان مبني على اطروحة تعديل الطابع السياسي للملكية كضرورة حتمية للانخراط في سياق بناء اقتصاد وطني رأسمالي غير قائم على الريع. لكن ما يتم تناسيه هنا هو أن نمط المصالح الطبقية التي تعبر عنه الملكية يجعل المسألة الديموقراطية والاجتماعية مرتبطتين.
النضال من أجل الديموقراطية ليس مبنيا فقط على تحديد الآليات السياسية (ملكية برلمانية) بل يرتبط بالنضال من أجل بديل اجتماعي وطبقي يفك الارتباط بالإمبريالية ويكنس المؤسسات السياسية الحالية للرأسمال ويؤسس لسيادة شعبية عبر مؤسسات جديدة تؤطر وتقود نمط التنمية البديل. فهل نظام ملكية برلمانية، توافق فيها الملكية بمحض ارادتها على تقاسم السلطة مع مؤسسات منتخبة، ستكون النظام السياسي الذي سيحقق هذه الاهداف؟ طبعا لن يجيب بالايجاب سوى واهم أو متحذلق.
ان جوهر المشروع السياسي لليسار الإصلاحي غير الحكومي هو السعي التي تحسين شروط تمثيلها داخل المؤسسات للمشاركة في وظيفة تدبير نفس المشروع السياسي والاقتصادي القائم بلغة إصلاحية حاملة لوهم السعي لتطوير موقع المقاولات الرأسمالية المواطنة في نظام العولمة الرأسمالية، وما يستلزمه الأمر من التضحيات التي يجب ان تتحملها الشغيلة لتحقيق هذه القدرة التنافسية.
إن مكونات مشروع "فيدرالية اليسار" إذن لا تناضل لتجاوز المآزق التاريخية "للكتلة الديمقراطية" لإحداث قطيعة مع تصوراتها، بل تطرح نفسها كقطب سياسي اقل اعتدالا من المطالب التاريخية للإتحاديين، ناهيك عن أن اختيارات الاتحاد الاشتراكي سنة 1975 ينظر إليها هؤلاء اليوم بمثابة برنامج "ثوري" وجب الابتعاد عنه.
وكل هذه التحولات مبنية على مسألة أساسية هي أن الاندماج في العولمة الرأسمالية يلغي أي قاعدة مادية لتوافق طبقي مبني على حدود معينة من الإصلاحات الاجتماعية يرتكز عليها هذا التوافق ليعطي المشروعية السياسية لقوة إصلاحية.
هذا المأزق، إضافة لضعف انغراسها الشعبي وتمثيلها المؤسساتي يجعل من فيدرالية اليسار مجرد صدفة فارغة لا يمكنها في جميع الأحوال بناء قطب سياسي إصلاحي مؤثر في ميزان القوى السياسي.
الخلاصة السياسية لهذا التحليل هي عدم وجود اختلاف جوهري بين احزاب "فيدرالية اليسار" مع المشروع الاصلاحي اليبرالي للكتلة،من زاوية المشروع السياسي الاستراتيجي بل في شكل ووتيرة الاندماج في نفس المشروع السياسي، فكلاهما لا يملكان مشروعا سياسيا مستقلا عن المشروع السائد. وهما كنمطين حزبيين يجسدان فقط الفروق القائمة بين قوى إصلاحية مستعدة لتطبيق الإصلاح المضاد وقوى إصلاحية مستعدة للقيام بدور معارضة إصلاحية بدون إصلاحات.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,391,151,931
- تناقضات الرأسمالية التبعية بالمغرب
- قطيعة مع المخزن الاقتصادي أم قطيعة مع الرأسمالية؟
- كرونولوجيا لأهم أحداث الحراك الشعبي بالريف
- الحراك الشعبي بالريف
- حراك الريف إلى أين ؟
- الحراك الشعبي بالريف: رصد لملامح كفاح استثنائي
- من دروس حراك الريف: الوعي القومي عامل مساهم في معركة التحرر ...
- الريف الكبير: التنمية والتسيير الذاتي
- رسالة من رفاقنا في الحراك الشعبي بالريف


المزيد.....




- هل تنجح مبادرة السراج في إعادة السلام لليبيا؟
- إسقاط طائرة أميركية.. رسائل من طهران تعيد التوتر للمنطقة
- التحالف العربي يعلن ضرب أهدافا للحوثيين في الحديدة تتضمن قوا ...
- البنتاغون يصدر صورة لمسار رحلة الطائرة المسيرة قبل أن تسقطها ...
- التحالف العربي يعلن قصفه أهدافا عسكرية للحوثيين شمال الحديدة ...
- المعارضة السودانية تتسلم مبادرة من إثيوبيا لحل الخلاف على ال ...
- دفعة مالية قطرية لـ 60 ألف عائلة في غزة
- السعودية.. حراك في واشنطن ولندن
- وسائل إعلام: إسرائيل متوجسة من عدم رد واشنطن على إيران
- إصابة مراسل -رابتلي- برصاصة مطاطية أثناء تغطيته الاحتجاجات ف ...


المزيد.....

- الصراع على إفريقيا / حامد فضل الله
- وثائق المؤتمر الثالث للنهج الديمقراطي /
- الرؤية السياسية للحزب الاشتراكى المصرى / الحزب الاشتراكى المصرى
- في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي / محمد بودهان
- في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية / محمد بودهان
- في حراك الريف / محمد بودهان
- قضايا مغربية / محمد بودهان
- في الهوية الأمازيغية للمغرب / محمد بودهان
- الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟ / محمد بودهان
- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - تيار (التحدي) التحرر الديمقراطي المغرب - الملكية والتحولات الاقتصادية والسياسية