أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شفيق الجندوبي - طكّوس















المزيد.....



طكّوس


شفيق الجندوبي

الحوار المتمدن-العدد: 5944 - 2018 / 7 / 25 - 02:33
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


هو على يقين تامّ أنّ اسمه الحقيقيّ "بوجمعة "..لا يدري من أين جاءته كنية "طكّوس" و لم يجد لها معنى أو تفسيرا، لكنّه قبلها مدركا أنّ أهل البلدة تواضعوا عليها وأجمعوا إجماعا لا عودة عنه أنّه طكـّوس. هي إذا إرادة النّاس مجتمعين مجمعين، فما عسى فرد فقير إلى ربّه وإليهم أن يفعل إزاء هيمنة الجماعة التي لا رادّ لقضائها إلا الله؟.. مذ كان يافعا لصقته الكنية..قاصرا ودون رضاه كما يقول..أصبح الآن لماما ما يذكر أنّه بوجمعة وقد صادف هذا الأمر بعضا من هوى نفسه، إذ هو لا يتمنّى أن يكون أبا لأحد، فيجني على"جمعة" ويزجّ بالبراءة في أتّون مأساة الوجود لمجرّد أنّها فلذة كبده ولو بالاسم..هو يتجشّم جسام المصاعب ويكابد المرارات لتخفيف فداحات مصيره، فأنّى له تحمّل مصائر الآخرين ؟ لذاك ردّد مرارا أنّ نفسه ضاقت بالكرب حتّى لم تعد تتّسع لنفسه. كان نحيفا ضامر البنية كسلوقيّ..حثيث الحركة متيقظ الحواسّ كثعلب الفلاة..ورغم أنّ في عينيه الكستنائيّتين حولا مريعا مع رقصة مجنونة في بؤبؤيهما تربك من يتفرّسهما، فقد كانت له قدرة عجيبة على فرز الألوان وتمييزها في أدقّ فويرقاتها..ولا غرو، فهو أشهر دهّان في الحيّ بدءا.. ثمّ في المدينة وضواحيها بعد ذيوع الصّيت..كيف لا؟ وقد أحال قتامة جدران عشرات البيوتات إلى بياض ناصع يشرح النّفوس الكليلة..سرّه في ذلك ما يجعله من عصير الصبّار في مستحلب الكلس لدعم لـُزوجته وبريقه...جرّبه فوجده أنجع من الباروق...احتفظ بسرّه و به استحقّ لقبا آخر أضيف لكنيته فاكتملت الملحمة وصار علامة مهنيّة مسجّلة : طكـّوس البيّاض.
يبيّض طكّوس لبياض النّاس وسوادهم..ويرفض تحديد أجرته مسبقا ..يفعل ذلك بمكر لأنّه واثق أنّ إتقانه لصنعته كفيل بجعل الشِّحاح من زبائنه يغدقون الكيل رغم بخلهم..لكنّه يرفض تبييض القبور معتذرا في لطف وضعف لا يفلح في إخفائه..فهو يكره الموت من ناحية، معتبرا هذه الشّغلات قبلة البيّاضين المبتدئين من ناحية أخرى..لذاك يعيّر بعض زملائه المتطاولين عليه غيرة بكونهم بيّاضو قبور !
طكّوس ينهي عمله على السّاعة الرّابعة عصرا.. بعدها لا يزيد دقيقة واحدة..هو نظام الحصّة الواحدة.. القرار رئاسيّ لا رجعة فيه كما يعبّر عنه بروحه الفكهة..كان كلّما اقترب موعد الرّابعة يزداد حبوره وتغمره بهجة طافحة فيغنّي طقطوقاته المفضّلة وإن خانته كلمات الأغنية عوّضها بصفيره المنغّم العذب.. مع آخر ضربة فرشاة ينطّ من فوق الصّقالة كبهلوان منتشيا مردّدا لازمته المعهودة في فرنسيّة قويمة المبنى متقعّرة النّطق.. وفي مطلع اللازمة كلمة نحتها بنفسه ويصرّ على تردادها. ولا أحد ممن صادقوه على اختلاف مستوياتهم يعرف معناها ولو على وجه التقريب:
- الرّيكيلي..وغدا يوم جديد !
سئل مرارا ولم يجب، وحتّى أستاذ الفرنسيّة "أبوستروف" لم يظفر بشرح "الرّيكيلي" رغم عزازته عند طكوس وماله عليه من واجب العرفان لما لقّنه إيّاه من دروس مجّانيّة بمقهى "الغربي" كلّ صبيحات الآحاد في فصل الشّتاء. فكلّما ولج "أبوستروف" المقهى متأبّطا جريدته الفرنسية إلا ودنا منه طكّوس، فما يكاد صاحبنا يفتح الصحيفة حتى يلفي صديقه دالفا رأسه بين صفحاتها فيكون بينهما ما يكون من دروس وملح ودعابات:
- قل لي صديقي "أبوستروف" هل تنوي قراءة كلّ هذا؟
- نعم طكوس...إذا تركتني وشأني.
- كثير عليك والله. الصّفحة في هذه الجريدة ملحفة سرير لشخصين والحروف نمليّة الحجم. ترفّق بنفسك مازلت في مقتبل العمر والذراري يحتاجونك.
- مليح، أوتريدني أن أحجم عن المطالعة وأنا أدعو لها الذراري كما تقول وألومهم على عزوفهم عنها؟
- لا..لا.. ليس هذا قصدي..لكن يمكنك الاكتفاء بقراءة الحروف الكبيرة التي في العناوين لتحافظ على صحّة بصرك وتربح وقتك وتعفي حدقتيك من الزغللة في تفاصيل النّمل، إلا إذا سقطت أمريكا وتحرّرت فلسطين. ووقتها فليذهب ضوء البصر فداء لفهم المعجزات. افعل مثلي مرّ على العناوين مرور طكـّوس وكما ترى فأنا مثقف بالفرنسيّة أكثر من بعض تلاميذك . ألم تشهد لي بذلك؟
- باهٍ باهٍ يا طكوس فكّ عنّي حصارك فقط.
- ليس قبل أن تستمع إليّ وأنا أقرأ عليك العناوين وتصلح لي نطقي ليتحسّن. اللّه يعيّشك يا أبوستروف أريد أن أورور بالفرنسيّة ولو نصف ورورة صاحبك "بيفو" الذي في التلفزة كي أشرّفك حين أبيّض الدّيار الواقعة في الأحياء الفرنكوفيلية.أمّا باقي الدّيار فهي تحت السّيطرة فأنت تدري أنّي البيّاض الوحيد في العالم الذي يمتلك اشتراكا في مكتبة عموميّة ويحفظ الأشعار والأخبار والملح والنوادر وتاريخ العجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السّلطان الأكبر. سأقرأ هذا..عاونّي بالله.
- حسنا ..شرط أن تشرح لي معنى الرّيكيلي.
- يا أستاذ باللّه خلّ قلبك كبيرا. ماذا لو فاتك طكّوس بكلمة؟ فأنت تتجاوزه بعدد من الكلمات يفوق نمل الأرض ولم يحسدك على ثروتك يوما أوتحسدني على فقري. يا سيّدي كلمتي رهيفة على مخّك الخشين أخاف عليها منك ومن غيرك لكنّ معانيها كالحرباء تتلوّن حسب جوّي.
- والآن... الرّرررررررريكيلي..وغدا يوم جديد !
طكوس ينطق كلمته السحريّة في منعطفات الأحداث اليوميّة ولها في كلّ وقت معنى. و"بوتشي" يعرف معناها في العشيّة فحسب. فإذا نطق بها طكوس ملقيا الفرشاة جانبا يفهم "بوتشي" صبيّه المعاون أنّ يوم العمل انتهى..فيشرع من تلقاء نفسه في تنظيف الفُرَشِ والأسطل وكشط عوالق الدّهـن على الأرضيّة بمِلـْوَقِه العريض الحادّ.
يقصد طكّوس مستودع بيع الخمور دون أن يعطف على دار "ديجة" أمّه التي يقيم معها وحيدا مذ مات والده وغادرت أختاه أرض الوطن للعمل بالخارج..يصطبر في الصّفّ الطويل بهدوء يشوبه شوق إلى جائزة يومه متحاشيا "أذناب الكبّار" وهم عنده صنف أصاغر العالقين بالخمرة حديثا. إنّهم بلا شكّ شباب أفظاظ غلاظ بلا أخلاق، تراهم سكارى وما هم بسكارى. لقد أصابهم عطب في الرّجولة من المنشإ. لا يستأمنون إلا بعضهم بعضا، وقد يتعاركون على قارورة بيرة فيتطاحنون تطاحنا مريعا يخلّف درجات من الأذى تتراوح بين خدوش وكدمات و رضوض، غير أنّها قد تبلغ الشّجوج والثلوم والكلوم حين تدلهمّ طباعهم ويستوحشون في الهجوم، لكّنهم سريعا ما يتصالحون فيتحرّك قطيعهم وينقضّون كالكلاب الوحشيّة على من يجرؤ جراءة السّذج على محاولة ردّهم، ولو بالمعقول، عن همجيّتهم. وقد لا حظ طكوس أنّ ما تناله الضّحيّة الأولى التي تقع بين أيديهم، خاصّة بعد تصالحهم مباشرة، من وقع الاعتداء يكون مضاعفا عظيم المضاضة لشعور كلّ فرد منهم بواجب القيام بمسؤوليّة الدفاع عن اتّحادهم المرمّم عبر الفتك بالعدوّ وتقطيعه إربا إربا لتوطيد أواصر عصبتهم المهدّدة. هؤلاء هم "أذناب الكّبّار" لكن، لو اقتصر حرج طكوس على هؤلاء لهان الخطب، فثمّ صنف آخر وإن لم يكن باطشا أو فظا مؤذيا إيذاء "أذناب الكبّار"، فإنّ طكوس لا يطيق اقترابهم منه ويتحاشاهم أيضا رغم وداعتهم البادية. إنّهم صنف "العلق" والفرد منهم يسلك نهج العلقة مع الجواد الصادي عند العين: يجيء ليروي غلّته فتزرف إلى حلقه مع الشربة وتحكم إعمال ممصّها لتشفط دمه على كيفها طول عمرها ولا تهبط من جنّتها.
طكوس يكره هذا الصّنف من البشر . وهو يرى أنّهم لا يؤذون في الظاهر، لكنّهم يفقّعون المرارة في أحشائه ويصيبون منه الكبد. إنّهم يتلصّقون وهذا أصل في فصيلتهم.. ملحاحون لجوجون.. جزوعون..يقفون عند رأس العين في باب مستودع الخمر ويرافقون كلّ داخل دون استيقافه متوسّلين له أن يكمّل لهم ثمن القنينة، مستعملين في توسّلهم وتسوّلهم لغة يسمها طكّوس بالمضروبة ولعلّه يقصد لغة الذلّ والنّفاق والتّملّق : خمسمائة مليم برأس أمّك ..إنّك وحدك في الرّجولة..ولد حومتي عاوّني على جرعتي ...زنّوس يا معلّم ..إنّك أبوها.. معك شليح لأخيك.. أعرف أنّك وليدها..ها قد جاء ولد الخير .. إن شاء الله دائما ماشية معاك.. قصدنا دارا كبيرة..امش لي...هات أحمل عنك سلعتك إلى السيّارة.. لاتنس أخاك، إنّه منكوب ولا يقدر على الرّكوب !
طكّوس ارتاح منهم بعض الشيء فقد وسموه بالمنتّف أي قليل المال..وهو لا يأمنهم لأنّهم قد لا يقطعون الأمل منه فجأة لو اقتضى الأمر عند الأزمة. وقد روي أنّ "بصقة" ، وهو إحدى العلقات الشنيعة ، اقترب مرّة عقب سكرة الظهيرة من عظيمة كالتوسات الخمّارة وطفق يربّت على جذعها بضع ساعة باكيا لتسلّفه خمّوسا يكمّل به جرعته . وقد كان جادّا وطيد الأمل في الحصول على ضالّته، حتّى إذا شكّ أنّها تشكّ في كونه سيسدّد دينه كما يزعم غدا في الموعود المضبوط، دعا شاحنة "الأوام" الحمراء لتشهد معه وتقدّم للكالتوسة ما يطمئن من ضمان. ولمّا لم يكن من أمره شيء صاح:
سقّاط..سقّاط ..
سقّاط ها البشرْ..
عدواهُمُ سرتْ
حتّى إلى الشّجرْ !
الخمرة واحدة والعشّاق أصناف وأصناف لا تسعها الكتب والمصنّفات. وطكّوس لا يحترم "الجلواطة" وهم من يكمّلون سطلة القنّب ببعض الجعة أو بنت العنب. و قد يحدث العكس عند نفس الفئة حين لا تكاد الخمر تستقرّ في بطون بعضهم فيعمدون إلى تدخين سجائر السطلة ما يدخل ارتباكا في السّريان الطبيعي لدولاب الخمرة. ما هذه الفوضى؟ أين هيبة الخمرة؟ أليس هذا اعتداء على موظف أثناء القيام بمهامّه؟ هؤلاء مرضى اضطراب الكيف. "الجلواطة" معتدون آثمون على سنن الكيمياء، خُرق ليس كأمثالهم خُرق. يبعثرون خطط السّاعي لنشوتهم، ويدبرون عنه دون انتظار حلولها إلى خطّة أخرى، ومنها يفرفرون إلى وهم غائم، فإلى آخر غير مكتمل الملامح. هذه هي الدنيا لامحالة، لكنّهم لا يموتون فيها ولا يحيون. موجودون للقلق، والقلق لأجلهم وجد. محايدون خائبون، لم يعتدوا يوما على أحد..محايدون لم يقترفوا ذنوبا جديرة بأن ينوؤوا بها ويطلبوا الغفران.. محايدون لكنّهم لم يأتوا مع ذلك فضيلة يعتدّ بها فيرجون ثوابا.. محايدون.. موجودون للقلق، والقلق لأجلهم وجد. ..وأصناف أخرى كثيرة منها "الحمّالة" وهم من يتجشّمون معاناة الصّف ليتبضّعوا لغيرهم ممّن يكرهون لأنفسهم ما يرتضون لمن دونهم. وأجرة "الحمّالة " عادة ثلاثة عبوات بيرة أو ما يقابلها نقدا بعد وصول السّلعة لأصحابها المتوارين عمّن يشبهونهم. لكلّ شيء في الحياة ههنا كلفة، لأنّ النّاس ،ههنا أيضا، شدّوا عروة العسر. ولاستتباب النّفاق العامّ كلفة يا صاحبي. ككلفة تواضع الغمام للرّيح تحت الشّمس، حين يستحيل عناق الأرض جهارا أمام أناس يعيبون الحياة على الحياة ويبكون مع ذلك على فراقها. طكّوس يعبّر عن ذلك بلغة أسهل وأسلس. فهو يؤكّك أنّه لم ير الفراشة إلا فزعة قرب النّوار في هذه الدّيار، وأنّها قبل أن تلثم الزّهرة تلتفت يمنة ويسرة خشية بطش ناس يعيشون في فصام مزمن. كما أنّ النّحلة لم تعد تمتصّ الرّحيق في طمأنينة يوما، وباتت تــَـشْـِرق مع كلّ مصّة، لذلك فسد عسل هذا الوقت.
بسبب هذا الحيْص بيْص يخنس طكوس في صفّه حتّى إذا وصل إليه الدور يطلّ على الخمّار من الكوّة المعدنيّة هاتفا وسط اللـّغط والصّنان:
- معزاة وجدييْن.
فأمّا المعزاة فقارورة الخمر الورديّ، وأمّا الجديان فعبوتان من الجعة..يخرج طكّوس من المستودع العظيم غانما مظفّرا محتضنا كيسه الأسود .. فيزرف زرفا..وما أن يجتاز الجسر المراديّ على وادي مجردة حتّى يتمهّل ويسترجع أنفاسه فيعترضه "بوتشي" وقد اقتنى له مزّته المعتادة مع بذور عبّاد الشّمس المحمّصة من عند الغدامسيّ كما تشتهيها "ديجة"..يشكره ويعطيه مصروف جيبه دون أن يغفل عن تذكيره بموعد عمل الغد.
ينظر طكوّس إلى مخروط الورق الحامل لهديّته اليوميّة البسيطة التي خصّصها لامرأة صفا حبّها صفاء عمر كيانه بالسّلام وغمر فؤاده بالأمان. يدير رأسه في تحنان كأنّه يرفض رفض "ديجة" أن يقتني لها لوز العشّاق المملّح أو الفستق المحمّص أو حبّ البلاذر "الكاجو".
"ديجة" عجوز رائعة ليس كمثلها خفّة روح . وهي كثيرا ما أعلمت طكّوس أنّه عليه أن يلمّ ماله لتجد له بنت حلال تلمّه. وحسبها من هداياه بذور عبّاد الشّمس المحمّصة عند الغدامسيّ. وحدث في بعض المرّات، وبشقاوة كان لا بدّ أن تعنّ لطكوس، فجرّب اقتناء بذورها المفضلّة، لكن من حمّاص آخر غير الغدامسيّ، فما أن وضعت البذرة الأولى بين أسنانها حتّى زرعتها زرعا على الجليز قائلة:
- أنتظرك إلى التّاسعة حتّى تستمتع بالكاسات، وأعشّيك عشاء البايات: دجاجا مصليّا وبريكا بالكبّار وبطيخا عسليّا مقلّما في البلاّر، ثمّ لا تشري لي بذور الغدامسيّ. لم أبخل عليك بشيء يا ابن المجنونة، لكنّك لا تهتمّ بي. مذ بدأت تفهم الدنيّا طيّرت لي حرفا من اسمي الذي منحه إيّاي والداي فلم تنادني إلا "ديجة".. صباحا "ديجة".. مساء "ديجة".. في البيت "ديجة".. وفي الشارع "ديجة" وقاومت لتقويمك لكنّ أصررت على صغرك، ففشا بين النّاس ومشى. ولمّا كبرت رجوتك أن تناديني باسمي فاعتذرت وتعلّلت بالنّاس. لو أسمع اليوم من يناديني خديجة لا ألتفت. الحاج بوزيّان وهو آخر من عقدت فيه نوّارتي آملة ألا يحرّف اسمي صار هو الآخر يناديني "ديجة" دون أن يرفّ له جفن. سكتّ عن كلّ هذا فأردت أن تغشّني في الغدامسيّ. إنّك لسلعة فاسدة !
يكتشف طكّوس سماجة دعابته الثقيلة فينبري واقفا رغم تعبه واستحكام السكرة بمفاصله. ها هو يرتدي ملابسه عجلا ويزرف إلى خارج البيت مطبقا خلفه الباب في غضب لائذا بالغدامسيّ. وماهي إلا لحظات حتّى عاد قابضا على مخروط الورق و به المنتوج الغدامسيّ الأصيل. تقدّم من "ديجة" قائلا:
- هاك ديجة ..انظري لقد طلبت منه أن يضع عليه ختمه وقد فعل.
افترّت شفتاها عن ابتسامة ليس أعذب منها في الدّنيا وبادرته مغنّية:
" يرتع في التلّ عندي جدي غزال
يرتع في التّل ويقطف النّوّار"
وأردفت :
- ها..طكوس تحبّ هذه الأغنية ؟ تعرف ..كم غنّيتها لك صغيرا ومازلت. كنت أحيانا أتخاصم مع المرحوم لأنّه يتهكّم عليّ حين أغنّيها فيردّ:
"..فأمّا من ناحية يرتع..فهو يرتع، بل ويبرطع..وأمّا من ناحية جدْي فهو بلا شكّ جدْيٌ، لكنّ احذري إنّه ليس جدي غزال ! هذا والله جدي ماعز. لكنّه أصيل ..ومن شابه أمّه فما ظلم !"
يسند طكوس رأسه على صدر أمّه الأعجف، فتقبّل شعره الأجعد المرقّش بنقط الجير ويسألها:
- تحبّينني ؟
- وماذا عندي غيرك؟ عندي العزاء؟
- تصدقينني القول إذا؟
- إن شاء الله خيرا؟
- ليس في الصراحة غير الخير.
- انطق يا وليدي. برّدت لي مفاصلي..ما تريد أن تعرف؟
- علاقتك بالغدامسي.. لا تخونيني إنّي وليدك ..أقرّي لي بالحقيقة.
تدفع "ديجة" طكوس دفعة واحدة من حجرها، فيتداعى متدحرجا على طول غرفة الجلوس التي لا عرض لها ويستقيم ضاحكا أمام شاشة التلفاز صائحا:
"الرررريكيلي...وغدا يوم جديد ! " فتسبّه "ديجة" سبّا عجيبا تتحّول خلاله الألفاظ المريعة الشنيعة خلايا شهد تقطر عسلا وحبّا فينسى السّامع أن ما كان.. كان سبّا. يا لعمق البلاغة عند "ديجة" وأمثالها !
يذكر طكوس أنّ"ديجة" لم تطلب منه أن ينفق عليها ولو ملّيما واحدا، إذ تجزيها في المصروف وقضاء حاجاتها جراية تقاعد المرحوم من سكّة حديد مرسيليا. وهي فوق كلّ هذا تدّخر نصيبا لا يستهان به ستسحب نصفه لطكوس يوم عرسه بعد كتابة الصّداق كي لا يخادعها ويحتسي بها كاسات هنّ عنده كما خبرت مفضّلات حتّى على الجسد الذي يشيله.
يبتسم حين تعنّ بباله حكاية الحذاء الشّتويّ مع أمّه "ديجة". فلقد رجته ذات شتاء لمّا رأت إفلاسه الظاهر أن يشتري لنفسه حذاء شتويّا متينا وسلّمته للغرض مبلغا ماليّا محترما. ولمّا جنّ الليل وعاد صاحبنا نظرت إلى قدميه فإذا به ما زال ينتعل خفّيه المثقوبين ومنهما يطلاّن إخمصاه مزرورقين:
- الله يكبّ سعدك ياطكوس.
- لماذا يا "ديجة"؟
- أين الحذاء؟
يصمت طكوس مطأطئا رأسه وتعتريه نوبة فواق مفاجئة ..هق..ههق..آآ..هق..
- هل اشتريت الحذاء ؟
- هق..هق..أي نعم
- أين هو؟
يشير طكوس إلى بطنه ويردف:
- هنا.. ههق..آآ..هق.. ألا تسمعين.. إنّه ضيّق بعض الشّيء وهو يضربني بمتانته القاسية.
مازال طكّوس ينظر إلى مخروط الورق الحامل لهديّته اليوميّة البسيطة التي خصّصها لامرأة صفا حبّها صفاء عمر كيانه بالسّلام وغمر فؤاده بالأمان. وحين أفاق من سرحته اللّذيذة أغمد مخروط البذور في الكيس الأسود فغابت معه حكايات "ديجة" إلى حين انفراده بنفسه و بعد ها سيكون له معها في السّهرة ما يكون من الشّؤون والشّجون.
انسلّ صاحبنا عبر الأزقّة العتيقة إلى أطراف المدينة...هناك خلف المسلخ البلديّ حيث البناية الفرنسيّة الطراز.. أو ورثة العكري كما يدعوها طكّوس لتمليحها..هناك في الفناء الخلفيّ سقيفة قرميديّة ذات أعمدة خشبيّة متينة وعتيقة تطلّ على الوادي..يجلس خاليا إلى نفسه ومن أمامه على امتداد الضّفاف شجيرات الخروع تتثنّى تحت نسيمات الغروب بوريقاتها النجميّة الملتمعة فتبوس نوّار أخيّاتها من شجيرات الدّفلى..يا اللّه ! يخاطب طكّوس نفسه في سريرته، أعطتني الدّنيا ما أشتهي: خمرا ورديّا وجبنا هولنديّا وزيتونا أخضر أكتوبريّا..أنت باي زمانك يا طكّوس ! الآن يبدأ تحرير نصّ الإنشاء..كما علّمنا سي الحبيب في المدرسة.. المقدّمة: عبوة البيرة الأولى..الجوهر: معزاة الخمر الورديّ وهي مخّ الحكاية...الخاتمة:عبوة البيرة الثّانية..
حين يمزّ طكّوس كأسه الأولى من الخمرة يلوّح بيده المرقّشة بنقط الجير والدهن..ثمّ يردّد موحوحا في تحنان يخالطه بعض التشفّي :
- وداعا يا عقلي ! وداعا ! يا معذّبي، ما أحيلى فراقك ! يا سبب علّتي.
يقلب طكـّوس بؤبؤي عينيه كأنّه يبغي النّفاذ إلى ساكن جمجمته ثمّ يردف ناظرا إلى قارورة الخمر:
- ...لكنّني عثرت على الدّواء.
ويملأ عجلا كأسا أخرى يعبّها عبّا مميلا رأسه إلى الخلف كي يضمن استقرار كلّ قطرة من قطرات العُـقار في جوفه.
و يصمت فجأة صمتا مطبقا وتسكن حركته. فتبقى الكأس في يمينه فارغة معلّقة بين سبّابته وإبهامه. ها هو يبالغ في الحذر كأنّه يخشى التّشويش على ذبذبات جواب يأتيه عبر أثير مبهم. وتراه بعد برهة يميل رأسه موجّها صوان إحدى أذنيه قبلة أفقه المرتجى، مرهفا ما استطاع سمعه، مصطبرا اصطبار المحاور ذي الصدر الرّحيب تارة، قلقا منقبض الملامح تارة أخرى. ويظلّ في هذا الوضع ردحا من الزّمن فيخاله الرّائي مخبولا، حتّى إذا تسقـّط الجواب وبان له واهن الصّواب هشّ القوام أمام فلسفته البسيطة العتيدة، اطمأنّ وتوطدّت ثقته بنهجه في الحياة وفنّ العيش فيردّ باعتداد:
- يا أخي أتعبتني وبركت عليّ حتّى خنقتني. تنحّ عنّي كي أتنفّس بعض الفرح وليس مهمّا أن يبدو فرحا واهما فالسّعادة هي السّعادة. وأنا أحبّ كيمياءها وأحصل عليها بأبخس الأثمان.
ويطرق مستدعيا ذكاء قلبه ثمّ يستطرد:
- أكره الاستبداد يا عقلي ولا أحبّ السّيادة ولو كنت صاحبها.تركت لك العنان فلم ترني ما يسرّ. أمّا الآن وأنا حرّ فقد رأيت من دونك ما يسرّ. اسمع لن أكون معك قاسيا. خذ بعضا من نهاري واترك لي ما تبقّى كي أعيش على كيفي. أنت لا تعرف الكيْف، بل أنت عدوّه. خلـّـني فأنت لم تذق لذاذته.
فجأة يشيح طكّوس بوجهه عن مخاطبه المفترض. يحمحم حمحمات متتالية ليسرّح حنجرته ثمّ يدندن موّالا خفيضا في البداية ما يلبث أن يتصاعد حتّى يصير جهيرا:
" ابدا حبّ
وفي حبّك ما تكونش حذري
ذوق ذوق.. الحبّ
تسعد من حيث لا تدري
وبلاشي حبّ
طكّوس مريّش وفقري
ثنيّة الحبّ
مسربها للنّشوة دغري
وخمرة الحبّ
في وديان الجنّة تجري
ارضى بالحبّ
لا تقشر لا تبيع وتشري
وشيخة الحبّ
في عظيمات عظامك تسري"

هكذا يمضي كلّ مساءاته منتبذا جنّته الصّغيرة بعيدا عن النّدمان ولغط الحانات. وله مع نفسه أحوال وشطحات، حتّى إذا أنهى تحرير إنشائه قفل إلى دار أمّه..وفي الطريق يستفزّه البعض ممّن يستملحون ردود فعله الظريفة:
- يا طكّوس..جاءتك " داعش"
- وماذا عساهم فاعلون؟
- ..سيمنعون الخمر!
- تونس بعيدة عنهم.
- عندهم خلايا نائمة يبننا وسترى.
- خلايا ؟ الله يخليها من رؤوسهم.
- سترى يا طكوس. وقتها ودّع حبيبتك وانسها.
- هم يراؤون ومثلي يتوارى حشمة، ويمنعون الماعون ومثلي يتبرّع بالماعون ويجود بما يحوي الماعون...إذا أتوا صباحا سأقترب من زعيمهم وأشرب عقله، ومساء بحول الله ترونه معي تحت السّقيفة القرميديّة يتناول جرعته الدّوائيّة.
ثمّ يضيف:
- بالحرام سفهاء لايرون الحرام إلا في الخمرة..آه لو كان كلّ من يقترف خطيئة يسكر من ذنبه ...بالحرام ..بالحرام..بالحرام..سترى النّاس كلّها سكارى..القلاّب الذي لم يوف بالدّين..والغشّاش ..والمطفّف... ومؤذي الناس بغليظ القول..والنمّام..والبيّاض الذي لا يتقن صنعته..وصاحب القلب الأسود...إنّي لأراهم وقد ثقلت ألسنتهم وتلعثمت، وارتبكت خطاهم من مور الأرض تحتهم، وعالجهم الفواق و القيء وسط شوارع المدينة تحت الأضواء..يستعجلون الوصول إلى ديارهم لكن هيهات فقد ضاعت بوصلات أمخاخهم..الوقت يمرّ وهم الآن مزنوؤون تكاد تنفجر منهم المثانات ..ها هم يتبوّلون وبعضهم بالكاد يفتح مزلقة سرواله حتّى يبادره البول، وما يفتأ يحاول الخطو عبثا حتّى يسقط في بركة النّشادر...آه ..ليت الحرامات ترى رغم أنف المراءاة والمواراة.
تحلّق حوله مرّة زمرة من البطّالين الشّباب يستفزّونه كالعادة بغية المتعة..انبرى أحدهم موبّخا:
- الله يهلكك يا طكّوس ..حتّى يوم الجمعة لا تقدّسه..
ردّ في هزء:
- صاحبكم جهلوت..لا يعرف الخيّام..هذا مستوى الدّراسة في أيّامنا..تنجح رغم أنفك والمزود فارغ !..لا يعرف الخيّام !
ويشوقهم حديثه فيتمادون في استفزازه..و يشعر أنّه متطوّع لتثقيفهم:
- كلّنا لا نعرفه..ماذا قال خيّامك؟ غريب أمر فقيه يحلّ الخمرة يوم الجمعة !
- هو ليس فقيها بل شاعر..لا يحرّم ولا يحلّ..فقط يقول..
- ماذا يقول؟.. يهتفون بصوت واحد..
- يقول:
إن تشــرب الخـــمْــرة أســبــوعا
فلا تدع لدى الجُمْعة قدسا شـربها
السَّـبْتُ والجُمْعة عنـْدِيَ استويـــــا
لا تـعــبدِ الأيّـــام واعـــبـدْ ربّــــها
يردف طكّوس بفرنسيّته المتقعّرة :
- الرّيكيلي..وغدا يوم جديد !
بعدها لا تسمع غير قهقهات زمرة الشّباب ترجّع صداها جدر الأزقّة السّاكنة في هدأة اللّيل بينما يمضي طكّوس كقطار على سكّته إلى دار أمّه.
بوتشي هو وكيل اتّصال البيّاض مع طالبي خدماته..أطلّ ذات عشيّة على معلّمه المنتبذ في سقيفته القرميديّة وساق له خبرا طازجا : جليلة بنت الحاجّ تطلب الخدمة.
بعد يومين حلّ طكّوس بعتاده في دار الزّبونة المرموقة..المنزل كبير والشّغلة ستكون مدرّة..جليلة على قدر من الجمال مهيب..كانت بضّة نضرة طويلة القدّ..محيّاها يفيض حسنا مشوبا بحزن غامض تتحدّاه ابتسامات تحكي صمودا عنيدا في وجه نوائب الحياة..لم يأت طكّوس ليتملّى سرّ جمال جليلة ولا كمّونها ..وإن يك حضورها مربكا فهو يصون الحرمات ويدرك فوق ذلك أنّ البيّاض ليس من بياض القوم بل هو من أعماق سوادهم..إلى العمل يا بوتشي ..هيّا..لنتوكّل على الله !
ما هي إلاّ هنيهات حتّى نصبت الصّقالات ومن تحتها فرش البلاستيك واستلّت الملاوق الحادّة ليبدأ المعلّم وصبيّه بكشط قشور الجير النّاهدة عن الجدران وإذا بالجلوف تسّاقط متسارعة كالبَرَد الغليظ.. يتواصل العمل بدأب ..يغنّي طكّوس كعادته مستمدّا من الألحان صبرا لا ينفد وقوّة لا تفلّ..يطاوع مزاج نفسه في تقلّبها بحسب ما يلاقيه في شغلته من نجاحات وصعوبات فيمدح ذاته علنا حينا:
- ..وحدك ياطكّوس..يا فطينْ..يا أكّال الفيتامينْ
ويذمّها حينا آخر:
- ماذا دهاك؟ فتّح عينيك الحولاوْين..تستأهل أن تبقى طول عمرك عالقا كالوزغة على الجدار الأحرش !
تسترق جليلة السّمع لطكّوس فتضحك حتّى تغرورق مقلتاها بالدّموع جاعلة كفّها على فمها تكتّما.. تتنفّس بعمق لترتاح من نوبة الضّحك..ثمّ تقبل عليه بطبق الشّاي وشربة الماء..فتتهلّل أساريره كأنّه في واحة الهناء.
عند الظّهيرة جاء ناصر سلف جليلة من قرية التّفاحة ليتابع سير الأشغال كما ادّعى في الظاهر..أمّا دافعه الباطنيّ فلم يكن غير تسجيل حضور ذكوريّ صونا للعرض..فزوجة أخيه أرملة شابّة ولا مناص من الزّيارة..نظر إلى طكّوس فإذا به أمام مهرّج يبعث على الضّحك للوهلة الأولى.. تلاشت هواجسه واطمأنّ قلبه فلم يلبث أن غادر الدّار بعد أن قبّل ابنة أخيه في مهدها وهنّأ جليلة على حسن سير الأشغال.
في اليوم الثّالث للأشغال غادر بوتشي العمل مبكرا بعد إذن معلّمه، إذ سيلتحق بفرقة "بادوز" للموسيقى الشّعبيّة فهو من أبرز عناصرها..لإحياء حفلة عرس في قرية مجاورة..
واصل طكّوس عمله وحيدا..حدّث نفسه يشجّعها..ومدحها جهرا بأكرم الصّفات ..ثمّ ما لبث أن ذمّها بأقذع القول. ولمّا اكتمل طلاء الجدار الثاني من الغرفة عاودته البهجة .واسترسل في الغناء حتّى نفدت الكلمات وانطلق في الصفير..إلى أن فاجأته جليلة تحت الصّقالة بطبق الشّاي وشربة الماء..وبادرته باسمة:
- كفّ عن الصّفير..ستملأ الدّار بالشّياطين.
- شياطين الإنس أخطر ..وهم يجتمعون من غير صفير..أشكرك.. الشّاي جاء في وقته..
- اللّه يعطيك الصّحة ..شغلك رائع !
- وما زال الرّونق يزيد..
- لو كان المرحوم بيننا لضاعف أجرك.
- رحمة اللّه عليه..أنا لا أعرفه..
- لم يكن كثير الظهور بالمدينة..كان مهندسا من قرية التّفاحة..يحبّ عمله..وكان إلى ذلك ولوعا بالشطرنج وبطلا وطنيّا في هذه الرّياضة..تدرّبت عنده في نادي مجردة. وأصبحت مثله بطلة على يفاعة سنّي. ودعيت مثله للمنتخب الوطنيّ. فسافرنا معا وجبنا العواصم في ثلاث قارّات. وقد حصدنا معا ميداليّات كثيرة وذقنا الحبّ والمجد معا ثمّ توّجنا الملحمة بالزّواج.
أمامه على رقعة الشّطرنج لا يصمد أعتى منافسيه أكثر من نصف ساعة ..كش مات..هاتوا من بعده ! كش مات..هل من منازل؟...وعلى رقعة الحياة لم يصمد هو غير تسع وعشرين سنة وأربعة أشهر تاركا خلفه رضيعة في قماطتها.حزنت لفراقه كما لم أحزن في حياتي. ولولا وقفة أبي الحاج وإخوتي إلى جانبي للحقت به.
بدا الحزن على وجه طكّوس وهو الذي لم يترك له يوما منفذا إلى وجدانه. ومن عجيب المفارقات أنّ سحنته لا تواتيها الكآبة. فكلّما تلمّس الحزن طريقه الوعرة إلى قلب طكّوس بدت ملامحه مضحكة فلا يتمالك أعتى المتجهّمون أنفسهم عن الابتسام لهذه السّحنة السّاخرة من سخرية القدر. ورغم أنّ طكّوس يخونه التعبير عن الأسى، فقد واساها بما يملك من أصدق العبارات وقد التبست عليه مشاعره:
- ربّي معاك..يصونك ويرعاك..ويحفظك لابنتك التي تحتاجك..
- شكرا ..ويحفظك أنت لأولادك..
- أيّ أولاد..أنا..ربّنا كما خلقتنا..
فوجئت جليلة بالخبر..ومازج فجأتها شعور غير متمايز بالفرحة الخافـتة وقد داخلها العطف و طيف وميض من المحبّة...
طالت أعمال طكّوس في دار جليلة ...هو يستعذب المقام وهي لم تستحثّه على الإسراع...وفاحت رائحة أمرهما إلى أن تناهى طشيش الإشاعات إلى سلفها ناصر فقدم ذات يوم منذ انبلاج الصّبح متجهّما حازما وقرّر ألاّ يبارح الدّار إلاّ أن ينهي طكّوس شغله ويجمّع أدواته ويغادرها بغير رجعة.
وكان ما كان..واكتأب صاحبنا منتبذا سقيفته القرميديّة لا يقبل زبائنه والنّاس أجمعين..ولا يردّ في طريقه على استفزازات الشّبيبة...
بعد أشهر من التّيه والوجوم ..أبلغ بوتشي معلّمه أنّ ناصرا طلّق زوجته في قرية التّفاحة تاركا لها رضيعة في قماطتها وتزوّج جليلة أرملة أخيه...ضحك طكّوس كالمجنون ..حتّى خاف عليه الصّبيّ وندم على إخباره..
مرّ الشّتاء غامقا ثقيلا طويلا باردا...وأوشكت مدّخرات طكّوس على النّفاد..النّملة والصّرّار اجتمعا معا في طكّوس...يعمل ويدّخر ويغنّي...هذه الأيّام تأزّمت أمور نملته وبدأ الخطر يتهدّدها ويؤذن بموتها..لعلّ في فواتح شمس الرّبيع خيرا ينتظر فأشغال التّبييض تبدأ في هذه الفترة من الموسم.
ذات عشيّة من عشيّات أفريل اللّذيذة كان طكّوس مع معزاته وجدييها ..تحت سقيفته القرميديّة.. الخروع يتثنّى وطلائع نوّار الدفلى تنعّم مآقيها بالشّمس الرّبيعيّة اللطيفة.. بينما تزرب مياه الوادي غير آبهة بالزّمان..يطلّ بوتشي على معلّمه مبشّرا:
- زبون جديد..سندشّن الموسم يا معلّم !
- من هو؟ أين يقطن؟ سنبدأ العمل غدا؟
- بل هي زبونة..يا معلّم
- افتح فمك..بدأت تقتّر الخبر عليّ..
- زبونة من قرية التّفاحة..طلّقها زوجها منذ أشهر..حلّت بالمدينة تبحث عنك..ورغم طمع المنافسين من الدّهّانة في الفوز بالصّفقة فقد أصرّت أن لا بيّاض يدخل بيتها غير طكّوس.
يبسم طكّوس..يسرح..يرنو إلى السّماء..يقوم ضاحكا ويلقي بمعزاته في الوادي فاردا ذراعيه كخطاطيف الرّبيع، صائحا صيحته المشهودة بفرنسيّته المتقعّرة :
- الرّرررريكيلي.. ! ..وغدا يوم جديد.. !





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,636,534,437
- البوصلة


المزيد.....




- المرجعية الدينية في العراق: لا غنى عن القوات الامنية في تفاد ...
- المرجعية الدينية في العراق: ان المرجعية الدينية لكل العراقيي ...
- طالبة مسلمة تفتح أبواب المسجد لإنقاذ زملائها
- اعتقال 6 أشخاص بتهمة الانتماء لبوكو حرام في السودان
- اعتقال 6 أشخاص بتهمة الانتماء لبوكو حرام في السودان
- عمارة ما بعد الحرب في بيروت.. مواطنة السوق النيوليبرالية بدل ...
- إيران: المرشد الأعلى يوافق على اعتبار القتلى في الاحتجاجات - ...
- السودان يعلن القبض على ستة اشخاص يشتبه بانتمائهم لـ-بوكو حرا ...
- هي الأولى من نوعها... رسالة من شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان إل ...
- رئيسة وزراء نيوزيلندا تتعهد بمنع منفذ هجوم المسجدين من نشر ا ...


المزيد.....

- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شفيق الجندوبي - طكّوس