أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جواد بشارة - الله والكون بين العلم والفلسفة والدين – 1 -















المزيد.....



الله والكون بين العلم والفلسفة والدين – 1 -


جواد بشارة
الحوار المتمدن-العدد: 5941 - 2018 / 7 / 22 - 18:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الله والكون بين العلم والفلسفة والدين – 1 -
د. جواد بشارة
jawadbashara@yahoo.fr
كيف يكون الله مطلق القدرة والخيرية والمحبة للبشر ورغم ذلك يسمح بوجود الشر.. هذا هو السؤال الذي يطرحه
الناس على رجال الدين ولا يحصلون على إجابة وافية ومقنعة أبداً

هل ما ورد في الكتب المقدسة المنزلة من السماء والتي يقال أنها تنقل كلام الله، يتطابق مع الحقائق العلمية التي توصل إليها العلم الحديث في كافة المجالات لا سيما علم الكونيات الكوسمولوجي وعلم الفلك وعلم الفيزياء النظرية وفيزياء الجسيمات الأولية وميكانيك الكموم أو الكوانتوم وعلم الأحياء وعلم الكيمياء الحيوية وعلم التكنولوجيا المتقدمة وتكنولوجيا النانو وعلم الحفريات الأثرية الآركيولوجيا الخ ..؟ المقصود بالنصوص والكتب المقدس هي التوراة والإنجيل والقرآن، وهناك تسمية أخرى هي العهدين القديم والجديد بالنسبة للأول والثاني والقرآن، التي يفترض أن لها مصدر واحد هو الله الخالق في السماء. التوراة أو العهد القديم يعرف في الغرب تحت إسم La Bible وهو مأخوذ عن اللغة الإغريقية القديمة BIBLIA التي تعني " الكتب" بالجمع وليس " الكتاب" وبالتالي فإن الــ " La Bible " هو تجميع لعدد من المؤلفات صاغها وكتبها عدد من المؤلفين المجهولي الهوية، يعتقد أنهم من حاخامات اليهود الذين كانوا موجودين في بابل القديمة بعد السبي اليهودي ونقل اليهود إلى بابل ، وإن تلك المؤلفات كتبت في حقب زمنية مختلفة ومن بينها كتب في التاريخ وفي الشعر وفي الرواية وكتب في الفلسفة والتأملات الصوفية ، وتجدر الإشارة إلى أن أياً من تلك الكتب لم يصل إلينا بنصه الأصلي كمسودة ولم يعثر عليه من قبل أي شخص ولم تصل إلينا تلك النصوص كما كتبت في الأصل. وما يميزها عن غيرها من المؤلفات هي إدعاء الفقهاء ورجال الدين والمؤسسات الدينية اليهو – مسيحية – الإسلامية، أنها دونت بوحي مباشر وبإلهام مباشر من الله. وبالتالي فهي ليست مؤلفات عادية بل هي كتب مقدسة إلهية المصدر.
لا يمكننا وصف تلك النصوص السردية بأنها مقدسة أو مدنسة ، لاهوتية أو ناسوتية، بل يمكننا فقط وصفها بأنها ، إما حقيقية أو مزيفة، صحيحة أو خاطئة، ويمكن التحقق من صحتها إذا ما تمكن العلم من تأكيد حقيقة ما روته حوادث بأنها حدثت بالفعل في سياق التاريخ البشري وبالتالي هي ليست خرافات أو أساطير، وإذا تبين أنها لا تتطابق مع الحقائق التاريخية فهذا يعني أن مصدرها ليس ربانياً أو إلهياً أي هي ليست كلام الله لأن الله لا يخطيء وفق منطق الأديان ذاته. ولقد أجريت تنقيبات أثرية في مدينة أريحا القديمة في فلسطين ومدينة أور في العراق للتأكد من صحة ما ورد في التوراة بشأن هذين الموقعين وكانت النتائج الأولية سلبية ومخيبة لآمال الثيولوجيين وعدم مطابقته للنصوص التوراتية التي تحدثت عن احتلال يشوع Josué للأولى ومغادرة أبراهام " إبراهيم " للثانية، وهل حقاً أن الله اختار من بين شعوب الأرض العبرانيين باعتبارهم شعب الله المختار وكشف لهم كيف أنه صنع أو خلق الكون والأرض والسموات والبشر من خلال قصة آدم وحواء والشيطان والملائكة الخ.. وإنه كلف بني البشر بمهمة مقدسة هي خلافته على الأرض ونشر رسالته الدينية بين كافة الشعوب الأخرى. وهل حقاً اختار الله أشخاصاً بعينهم وفق ما ورد في الكتب المقدسة المنزلة من الله، وزودهم بحقائق قاطعة وقوى وإمكانيات هائلة جعلت بعضهم يجترح المعجزات، وينصبهم رسلاً ووكلاء عنه ويمنحهم حق الحكم بإسم الله على البشر؟. لقد أثبت البحث العلمي أن هناك العديد من الملوك السومريين حولهم كتبة التوراة إلى أنبياء توراتيين مرسلين من الله كما جاء في كتاب الباحث الكبير الدكتور خزعل الماجدي المعنون " أنبياء سومريون: كيف تحول عشرة ملوك سومريين إلى عشرة أنبياء توراتيين؟ ".
جاء في التوراة " في البدء خلق " الإلوهيم ELoHYM" الله" السموات والأرض " في أول جملة في كتاب العهد القديم أو التوراة La Bible في سفر التكوين Genèse، وهذه الكلمة الأخيرة مأخوذة من الكلمة الإغريقية GENESIS التي تعني " ولادة " و " جيل" ، ولقد اختارها المترجم الإغريقي للنص الديني التوراتي باعتبارها تصف أصل العالم.لا أحد يعرف شيئاً عن هذا المترجم وكل ما نعرفه أنه عاش في القرن الثالث قبل الميلاد وكرس نفسه لترجمة كتب اليهود المقدسة إلى اللغة الإغريقية بطلب من ملك ينتمي للسلالة الإغريقية التي كانت تحكم في مصر آنذاك. ولم يتورع في الخيانة والخروج على النص أو الأصل العبري الذي وردت فيه كلمة برشيت BRECHYT العبرية وهي مكونة من الضمير ب B ويعني " في " وكلمة رشيت RECHYT وهي تحريف لكلمة RECH والتي تعني "رأس" وبالتالي يمكننا أن نستنتج أن الكلمة العبرية تقصد في الرأس أو في المقدمة أو في البدء، ويقابلها في اللغة المصرية القديمة الهيروغليفية M HAT ومن خلال الرموز الهيروغليفية ـــ رسم أو صورة بومة وصورة أو رسم للنصف الأمامي لأسد جالس وقدميه ممدتين إلى الأمام مستلقياً على بطنه ويقابل البومة حرف م M الذي يعني " في " ونصف جسد الأسد يقابله لفظ HAT الذي يعني " أمام أو قبل وفي البداية والبدء أو في المقدمة" الخ.. من المرادفات، أما الذراعين الأماميين الممتدتين فيقابلها لفظ أو صوت A وصورة أو رسم نصف الدارة نحو الأسفل التي تمثل لفظة أو صوت ت T . والحال أن العديد من الملوك المصريين من السلالة 12 XII الذي حكموا مصر في بداية الألفية الثانية قبل الميلاد يحملون إسم مون م حات AMeN-M HAT أي" آمون في البدء أو آمون كان البداية". والكل يتذكر إسم توت عنخ آمون وهي تسميات تثبت ، قبل مرحلة ظهور موسى ببضعة عقود، أن عقيدة التوحيد كانت معروفة وخرجت من العقيدة الشركية التعددية المصرية القديمة أي أن التوحيد ذو منشأ مصري وليس عبري عندما فرض الفرعون آخناتون عبادة إله الشمس وحده عكس الإدعاء العبري أن البشر بدأوا موحدين يعبدون إلهاً واحداً هو الله monothéisme ثم انحطت العقيدة تدريجاً وتبعثرت وتحولت إلى الشرك polythéisme، وهذا ما ثبت من دراسة الحضارات القديمة التي لم تترك مكاناً مميزاً للفكر التوحيدي وللعقيدة التوحيدية لا المحلية ولا العالمية الشاملة. ﺍﻟﻠﻐﺎﺕ ﺍﻷﻭﺭوﺑﻴﺔ ﺗﺤﻔﻞ ﺑﺪﺭﺍﺳﺎﺕ ﺗﻌﺎﻟﺞ تاريخ الأديان نشأة وكياناً ﻭﻓﻠﺴﻔﺔ، ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﻨﻬﺞ ﻧﻘﺪﻱ .ﺇﺫ ﺻﺪﺭﺕ ﻛﺘﺎﺑﺎﺕ ﻭﺑﺤﻮﺙ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺗﺘﻨﺎﻭﻝ ذلك الشأن بدءاً ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺜﺎﻣﻦ ﻋﺸﺮ ﻭﻟﻢ ﺗﺘﻮﻗﻒ ، ﻭﺑﻌﻀﻬﺎ ﻛﺘب من ﻗﺒﻞ ﻛﺒﺎﺭ الكتاب المؤمنين ﺑﻌﻘﺎﺋﺪﻫﻢ ﻭﺃﺩﻳﺎﻧﻬﻢ ﻛﻤﺎ ﻓﻌﻞ ﺟﻮﻥ ﺩﻭﻟﻴﻤﻮ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﺠﻨﺔ Histoire du Paradis ﻓﻲ ﻋﺎﻡ 1992 "ﻭﺟﻮﻥ ﺑﻮﺗﻴﺮﻭ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﻭﻻﺩﺓ ﷲ Naissance de Dieu الصادر سنة 1982ﺣﻴﺚ ﺗﻨﺎﻭﻝ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺒﺎﺑﻠﻴﺔ كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه الباحث الدكتور فالح مهدي المعنون "البحث عن جذور الإله الواحد" والذي أضاف " ﻟﻠﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ ﺍﻹﻫﺘﻤﺎﻡ ﺑﺎﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﺓ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺤﺚ ، ﺇﻗﺘﻀﻰ ﺍﻟﺨﻮﺽ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩﻳﺔ ﺑﺈﻋﺘﺒﺎﺭﻫﺎ ﺍﻟﻌﻤﻮﺩ ﺍﻟﻔﻘﺮﻱ ﻟﻜﻞ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪ، ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﺒﺎﺑﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻀﻢ ﺍﻟﻤﻨﺘﺞ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻭﺍﺩﻱ الرافدين. ( ﻧﺴﺒﺔ ﺍﻟﻰ ﻭﺍﺩﻱ ﺍﻟﺮﺍﻓﺪﻳﻦ ﺃﻱ ﺍﻟﺴﻮﻣﺮﻳﻴﻦ، ﺍﻷﻛﺪﻳﻴﻦ ﻭﺍﻷﺷﻮﺭﻳﻴﻦ(ﺃﺻﺒﺢ ﻣﻦ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ ﺍﻵﻥ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻬﺪ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ ﻗﺪ ﺗﺄﺛﺮ ﺑﺎﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﺍﻟﺒﺎﺑﻠﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﻧﺤﻮ ﻁﺎﻍ .
التوحيديون يقولون " كان هناك الله" والمشركون يقولون " كانت هناك آلهة " والماديون يقولون " كانت هناك المادة" قبل بدء الوجود. أما العلماء فلا يجيبون بهذه الطريقة لأن تجاربهم وأبحاثهم محدودة بالزمن وبالتطورات العلمية والتكنولوجية ونتائج التجارب المختبرة والمشاهدات الرصدية لأن أي رد قاطع من قبل العلماء يعني الخروج من نطاق العلم الدخول في حقل الفلسفة لذلك تتنوع الإجابات وفق القناعات الشخصية والمفاهيم والمدركات الشخصية لكل عالم فهناك من بينهم ربانيون أو إلهيون أو ماديون ، مؤمنون أو ملاحدة وهناك اللا أدريون وهناك من يرفض أصلاً الخوض في هذا الموضوع الشائك وكان هذا هو حال العالم الفيزيائي الشهير ألبرت آينشتين عندما سأله حاخام يهودي سؤال استفزازي : هل تؤمن بوجود الله؟ رد آينشتين إنني أؤمن بإله سبينوزا ، ذلك الذي يعبر عن ذاته في أعلى درجات التناغم في الوجود، وليس الإله الذي يشغل نفسه بمصائر وأعمال الكائنات البشرية فلا يمكنني أن أتصور الله على صورة ذلك الكائن الذي يجزي ويعاقب مخلوقاته ويفرض العقاب والثواب على البشر ويرسم أهدافه وغاياته على ضوء أهداف وغايات البشر ، فالله هنا باختصار ما هو إلا إنعكاس لضعف وهشاشة الإنسان . وإذا كان هناك أمر في أعماقي يمكن أن أطلق عليه مشاعر دينية فإنه يتمثل بالإعجاب اللامتناهي وغير المحدود بهندسة الكون ".
هنالك شبه توافق واتفاق جماعي تقريباً بين العلماء على فكرة أن هناك دائماً شيئاً ما موجود إلى جانب فكرة الأزلية والأبدية. كما أنهم توصلوا إلى قانون " التطور" وإن كل شيء يتغير أو في حالة تغيير وتطور دائم ولا شيء يبقى على حاله إلى أبد الآبدين. فالكون اليوم يختلف عما كان عليه بالأمس أي قبل مليارات السنين ولن يبقى على حاله في الغد أي بعد مليارات السنين. إن ما يعطينا الشعور بالاستقرار والركود هو بطء عملية التطور التي تحدث على مدى مليارات من السنوات . وإن كل ما يوجد في الطبيعة إن هو إلا تجمعات وتركيبات لجسيمات أولية غاية في الصغر ، أي البروتونات والإلكترونات والفوتونات وما تحتها من الكواركات غير المرئية والأوتار التي تنتج الجسيمات الأولية من خلال تردداتها وذبذباتها المختلفة والمتنوعة كما تقول نظرية الأوتار الفائقة.
إن موضوع الله والكون موضوعاً حساساً ومسألة عويصة من الناحية الدينية والفلسفية والعلمية لأنها قابلة لمختلف الاجتهادات والتأويلات خاصة عندما يتعامل الباحث ومعه القارئ مع كتب ونصوص مقدسة لا يسمح عادة بمناقشتها أو الطعن في مصداقيتها. فهناك إشكالية تتمثل في عدم العثور على أية براهين عن حقيقة حدوث الوقائع والقصص والحكايات التي وردت في العهد القديم واستنسخها القرآن فيما بعد بطريقته الخاصة وبأسلوبه الفريد المعتمد على السجع النثري . والباحثون المعاصرون يستندون في استنتاجاتهم على ما قدمه علماء الآثار في فلسطين القديمة وعلى وثائق رافدينية وفرعونية قديمة أيضاً. إلى جانب أبحاث لمفكرين وباحثين معاصرين ومتخصصين من المستشرقين ومن بينهم الخبير بالحضارات الرافدينية الفرنسي بوتيرو الذي يكشف في كتابه المشار إليه أعلاه " ولادة الله" عن العلاقة بين اليهودية والثقافة البابلية التي أثرت بالفكر اليهودي والكتابات اليهودية ومنها بالطبع التوراة، لأن هذه العلاقة هي العمود الفقري لكل فكرة التوحيد كما يقول الدكتور فالح مهدي. لقد بات معروفاً أن حضارة وادي الرافدين ، أي السومريين والأكديين والآشوريين، احتوت على الكثير من النصوص التي تحدثت عن فكرة التوحيد والإله الواحد قبل التوراة والإنجيل والقرآن، كما ثبت أن أصل قصة الطوفان والنبي نوح في الكتب السماوية هي أسطورة رافدينية كتبت قبل 1500 عام من ظهور العهد القديم وهي ملحمة جلجامش والتي أخذها اليهود المقيمين في بابل بعد السبي اليهودي على يد نبوخذنصر حيث تم تقديم الدليل القاطع على سرقة اليهود للإرث البابلي وادعوا أنه منزل من الله على نبيهم . فهناك فرق بين الإله الذي صنعته الآيديولوجية الدينية وبين الإله الكوني. أي ذلك الذي يعرفه آينشتين واستمد ماهيته وتعريفه من سبينوزا وهو الذي يجسد أعلى تناغم في الوجود وليس الإله الذي يشغل نفسه بمصائر الكائنات البشرية ويتدخل بكل صغيرة وكبيرة عندهم، ويجزي أو يعاقب مخلوقاته ويغضب عليهم ويهددهم ويرغمهم على عبادته ، فإله الأديان محدود ومختزل بينما إله الأكوان كامل ولا محدود ولامتناهي، ولقد تناولت هذه المسألة باستفاضة في كتابي " إله الأديان وإله الأكوان" الذي سيصدر قريباً عن دار مزيوبوتاميا. وفي المقابل هناك من علماء الكونيات والفيزياء النظرية ممن لا يعتقدون حتى بوجود إله مثل العالم البريطاني ستيفن هوكينغ الذي عرض نظريته ورأيه في كتاب شهير صدر قبل بضعة أعوام باللغة الانجليزية تحت عنوان " التصميم العظيم" وترجمته بالفرنسية كانت" هل هناك مهندس عظيم لهذا الكون؟" حيث وضعنا هوكينغ أمام مشكلة فلسفية عويصة ، فإذا كان الكون قد خلق بفعل الصدفة فمن خلق الصدفة؟ ويقودنا هوكينغ بمهارة عجيبة إلى مسألة نزوع الإنسان لمعرفة سبب وجوده وما إذا كان بمحض الصدفة أم أن هناك خالق له وللأرض التي يعيش فوقها والتي خلقت من أجله ومن أجل سعادته كما تقول الكتب السماوية. يقف المرء مبهوراً أمام قدرة الدين ، أي دين، في تحريك الملايين من الناس حتى في الدول العلمانية المتقدمة والمتطورة فما بالك بالدول النامية أو المحكومة بالفكر الديني والعقل الخرافي؟ وبالتالي فإن الدين ما هو إلا علاقة مع الكائن العلوي، ورغم ذلك بقي الدين عصياً على التعريف بسبب تنوع الثقافات . قبل عشرة أعوام تقريباً من وفاة عالم الفيزياء الفذ البريطاني ستيفن هوكينغ Stephen Hawking نشر هذا الأخير كتابه الذائع الصيت "The Grand Design التصميم العظيم" ومنذ صدوره أحدث الكتاب ضجة في الأوساط العلمية والدينية والجماهيرية، لأنه تناول مسألة الكون والله وقال بالحرف الواحد أن الكون ليس بحاجة إلى إله خالق لكي يوجد. كانت الصراعات الدينية متأججة وفي أوجها، تشعل الشرق الأوسط وجنوب شرقي آسيا وآسيا الوسطى. كان هناك طائفة دينية متشددة ومتعصبة بجنون تهدد بحرق القرآن مما حث قادة العالم وزعمائه السياسيين للرد على ذلك الخطر الكامن ووقف تداعيات مثل هذا الفعل الشنيع خوفاً من انعكاساته التراجيدية وتطور إلى حروب دينية بين الأديان السماوية الثلاثة تحرق الأخضر واليابس، لكن هذا لم يمنع من اندلاع سجال واسع في الصحف والقنوات التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة للحديث عن كتاب فيزيائي نشره عالم طبقت شهرته الآفاق، وتناولت وسائل الإعلام بعناوين بارزة ومستفزة مأخوذة من الكتاب ذلك الحدث مثل :" لم يخلق الله الكون" وإن " الانفجار العظيم ماهو إلا نتيجة حتمية وطبيعية للقوانين الفيزيائية" كما قال ستيفن هوكينغ في كتابه هذا. لقد استعدى هذا العالم ضده أسقف كانتيربري في بريطانيا وزعيم الحاخاميين في المملكة المتحدة ورئيس لجنة الحوار بين الأديان في المجلس الإسلامي في بريطانيا ، الذين وحدوا كلمتهم وجهودهم لمواجهة هذا الانحراف والدعوة إلى إلغاء الله من التفكير البشري وهذه الانعطافة المعادية لله حسب تعبيرهم والتي يقودها ستيفن هوكينغ ورسخها في كتابه المشار إليه أعلاه. عرف عن ستيفن هوكينغ كيف يجد الجمل والعبارة المختصرة وذات الدلالة العميقة والتي تضفي على كتبه وأبحاثه مسحة تفوق ما تتميز به النصوص المقدسة. ففي كتابه الشهير " موجز تاريخ للزمن الصادر سنة 1988 وردت فيه عبارة رسخت في الأذهان تقول:" إذا اكتشفنا النظرية الكاملة والشاملة عن الكون فسيكون ذلك بمثابة انتصار مطلق للعقل البشري عند ذلك سوف نتعرف على حقيقة تفكير الله . وفي كتابه التصميم العظيم Le grand Dessein قام بتركيبة أو خلطة مبسطة لمجمل النظريات العلمية الكوسمولوجية الكونية وللنظريات الفيزيائية المعاصرة وقدمها بلغة مبسطة ومفهومة من قبل القاريء البسيط واختتم استنتاجه أنه يقد لا تكون هناك حاجة أو فائدة ترجى من معرفة تفكير الله يكفينا أن نعرف العلم وقوانينه لنصل إلى الحقيقة ونمتلك الإجابة عن أي تساؤل يطرح. فالنظريات والاكتشافات والتجارب والمشاهدات والانجازات التكنولوجية التي تحققت بعد عام 1988 ونجحت في أن تزيح " الله " عن عرش التفكير البشري. ولقد استعرض ستيفن هوكينغ في كتابه هذا، خطوة بعد خطوة، أسس الفيزياء المعاصرة وصاغ أمل البشر في قهر الجهل والخرافة وخوض معارك معادية للأديان وللمؤسسات الدينية التي تستغل الجهل والخرافة وتسخر النصوص الدينية لإخضاع الناس بوسائل الترهيب والترغيب، على مر القرون.
وكعادة الكتب العلمية المبسطة ، يبدأ كتاب ستيفن هوكينغ بعرض أسس وقواعد النظرية النسبية لآينشتين la relativité ونظرية الكموم أو الكوانتوم la théorie quantique. فالأولى تعلمنا ألا نصف العالم المحيط بنا وفقاً لمرجعياتنا الذهنية والأخلاقية والتربوية التي يغلب عليها الطابع الديني والعقل الخرافي. فعند تقريب المغناطيس من علبة ، تتولد جراء ذلك شحنة كهربائية داخل العلبة سواء كنا على جانب العلبة أو المغناطيس، فوجهة النظر لا يجب أن تؤثر على كيفية شرحنا لما يحدث فليس في ذلك أية خدعة أو سحر وإنما هو قانون علمي صرف. وكذلك ما يتعلق بفكرة آينشتين أنه لا يوجد شيء يمكنه اللحاق بسرعة الضوء أو تجاوزها فمن المستحيل بلوغ سرعة الضوء وهي 300000 كلم/ثانية، وهي المسلمة التي قادتنا لتحقيق العديد من الاكتشافات المذهلة. وأمام دهشة الجميع ، علماء وفيزيائيين وفنانين وشعراء وجمهور واسع من الناس، اتضح أن المدة الزمنية la durée ، والطول la longueur والتزامن الآني la simultanéité في الأحداث، تعتمد كلها على الحركة. ليس فقط الحركة الثابتة بل والمتسارعة أيضاً كما تقول النسبية العامة، وأخذ آينشتين في الاعتبار الجانب " الهندسي la géométrie" للكون برمته ، أي محاولة صياغة النموذج الكوني الكوسمولوجي ، والظواهر الكونية الغامضة الأخرى كالثقوب السوداء.
لقد هزت النسبية قواعد العالم الكلاسيكي أما الميكانيك الكمومي أو الكوانتي فقد زعزع أركانه. فالنموذج الفيزيائي في فيزياء الجسيمات واللامتناهي في الصغر ، وهي الحقل الذي يدور فيه عالم الكموم أو الكوانتوم، وانطلاقاً من قوانين ومعادلات الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، قدم لنا نيلز بور Niels Bohr و فيرنر هيزنبيرغ Werner Heisenberg و إروين شرودينغر Erwin Schrödinger نموذجاً فيزيائياً في سنوات العشرينات من القرن المنصرم، يقوم على إزدواجية طبيعة الجسيم الأولي، حيث تسلك الإلكترونات ، تارة كموجات، وتارة أخرى كجسيمات أولية حبيبية. واستدعى الأمر التخلي عن مبدأ السببية الجامد ، ولقد حاول علماء آخرون بعد الحرب العالمية الثانية كريشارد فاينمان Richard Feynman وزملائه الجمع بين النسبية والميكانيك الكمومي أو الكوانتي ولم ينجح أي منهم في مسعاه لغاية اليوم. وكانت نتيجة ما أفضت إليه محاولات فاينمان ــ أي المحتويات النسبية والكمومية أو الكوانتية للحقول الكهربائية ــ ظهور أحد نماذج الفيزياء النظرية . فأختزل الحقل الكهربائي إلى مجرد تبادل للفوتونات . وحسب فاينمان فإن تفسير أي حدث ، أو أية صيغة للحدث ممكنة الحدوث يجب أخذها في الحسبان ومن ثم يجب جمع تلك القصص أو الأحداث الممكنة الحدوث . كيف تتفاعل الإلكترونات فيما بينها؟ يجيب فاينمان أن بوسع الفوتون أن يرحل أو ينتقل من إلكترون إلى آخر أو يمكنه أن يتحول إلى طريق آخر من خلال تغيره إلى زوج من الجسيمات يمكنها أن تعود لتصبح فوتوناً وإنهاء رحلته . إن هذه العملية هي الأكثر تعقيداً، ويمكنها أن تنتج في طريق رحلة الانتقال للفوتون وهي تحدث بالفعل . وكما يقول علماء الفيزياء : كل ما هو غير ممنوع يكون إجباري الحدوث. وهذا ما ركز عليه ستيفن هوكينغ في كتابه المذكور وتطوير هذه الفلسفة القائلة " بأن كل ما يمكنه أن يحدث سوف يحدث بالفعل ".
قاومت الجاذبية كل محاولات الدمج مع النظرية الكمومية أو الكوانتية لحقول أو مجالات القوة champs de force، ولكن في سنوات الثمانينات فرضت نظرية جديدة نفسها ألا وهي نظرية الأوتار la théorie des cordes.
الفكرة الأساسية للنظرية تقول بأن المكونات الأولية الجوهرية للعالم وحجر الأساس للمكون الأولي للكون المرئي أو المنظور، ليست نماذج من انفجارات مصغرة بل قطعة من المادة أحادية البعد ، نوع من الخيوط أو الحبال cordelettes الخاضعة لتوتر أو شد كبير وشديد وهائل. ومن شأن هذه الشبكة من الخيوط أو الحبال أن تتذبذب بطرق مختلفة على غرار وتر آلة الكمان الموسيقية، وإن مختلف النوتات تتوافق مع مختلف أنواع الطاقات. ومن ثم تعلمنا أشهر معادلة فيزيائية وضعها آينشتين عن العلاقة بين الكتلة والطاقة وسرعة الضوء وهي E = mc2 أي إن الطاقة تساوي الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء ومن خلالها نتعرف على مختلف أنواع الترددات والذبذبات التي تقوم بها الأوتار الأولية ذات الكتل المختلفة.
في سنوات الثمانينات من القرن الماضي القرن العشرين، بزغ أمل في أن يحل نوع من الحبال أو الأوتار محل عدد من الجسيمات الأولية المختلفة ، وبدت للعلماء إمكانية لتوحيد النظريات الفيزيائية في نظرية واحدة شاملة وموحدة وكان الحلم يتمثل في أن الإتساق الذاتي الرياضياتي mathématique l’auto-consistance لا يدع أي بديل آخر سوى نظرية واحدة هي الصحيحة والتي أعطيت تسمية النظرية م «Théorie M» ومعها ستنتهي مهمة الفيزياء المعاصرة في البحث عن حقيقة العالم والوجود. لكن تعقيد الواقع والثغرات الكبيرة في النظريات الفيزيائية القائمة وعدم توافقها مع استمرار التناقضات والمفارقات والألغاز الغامضة ، حال دون التوصل إلى تلك النظرية المنشودة. وتوصل علماء الفيزياء إلى أن نظرية الأوتار الفائقة بإمكانها طرح العديد من الحلول أكثر مما كان متوقعاً منها وتمتلك الكثير من التوقعات والتنبؤات القابلة للبرهنة التجريبية وهي حلول على مدى مفتوح قد يصل احتمالها إلى نسبة 10500 وربما إلى عدد لانهائي من الحلول، وكل حل يعطي صورة مختلفة عن الجسيمات الأولية وعن القوانين المقبولة. وأمام هذا الأفق اللامحدود والمفتوح على اللانهاية، فقد بعض علماء نظرية الأوتار الأمل بينما حاول آخرون المثابرة وإعادة التفكير في وضع النظرية ومعادلاتها الرياضياتية بغية الوصول إلى الهدف المنشود ألا وهو النظرية الموحدة والوحيدة théorie unique. وشحذ آخرون سكاكينهم للطعن في جدية ومصداقية زملائهم ودعوا إلى التخلي عن هذه النظرية وترك القوانين تأخذ مجراها الطبيعي لكي تظل على ما هي عليه الآن وببساطة وبلا تعقيد . من تداعيات وتبعات هذه النظرية الأنيقة والمعقدة أطروحة تعدد الأكوان «multivers» ومن بين العلماء الذي مالوا إلى هذه الأطروحة الراحل الفذ ستيفن هوكينغ. وهي الفكرة القائلة بوجود عدة أكوان وعلى أشكال مختلفة فهي، متداخلة ومتوازية ومتعاقبة دورياً ومتفاعلة فيما بينها على نطاق اللامتناهي في الكبر، ولكل كون منها قوانينه الخاصة وثوابته الخاصة ومكوناته الخاصة ويجدون في هذه الأطروحة امتداد لرؤية ريتشارد فاينمان Feynman التي تقول أن كل الصيغ الممكنة الحدوث أخذت في الاعتبار وقد حدثت بالفعل ولكن ليس فقط لوصف الإمكانيات المتعددة التي يوفرها الفوتون تجاه الإلكترون A أ وما يقدمه هذا إلى الإلكترون ب B ، بل لوصف وتفسير قصة الكون المرئي برمته ومعه جميع قوانينه، كما أوضح ذلك ستفين هوكينغ في كتابه " التصميم العظيم " أو هل يوجد مهندس معماري للكون؟ ويجيب على ذلك بأن الكون المرئي ظهر على نحو عفوي ويتكرر ظهوره بكل طريقة ممكنة متوفرة أمامه وإن أغلب تلك الأصول الممكنة البديلة تتناسب وتتوافق مع صفات وخصال ومزايا وخصائص أكوان أخرى غير كوننا المرئي فهي نسخ عنه بمواصفات مختلفة وبعضها يشبه كوننا في بعض خصاله والأغلبية تختلف عنه كلياً .
كيف قيض لنا أن نتواجد في كون تجعل قوانينه الذرية المادة والحياة قابلتين للوجود وكيف نفسر ذلك؟ فلو كانت الشحنات الكهربائية المتباينة والمتناقضة بين البروتونات والإلكترونات ليست متساوية ومتعارضة لما كنا هنا موجودون نناقش موضوع وجودنا وحياتنا وكوننا الذي نعيش فيه،فهل مرجع ذلك هو تنظيم إعجازي دقيق أم نتيجة لتدخل إلهي ؟ يرد هوكينغ ، ليس في الأمر معجزة، كما لا توجد معجزة إلهية في أن يتواجد كوكبنا الأرض ، خلافاً لباقي كواكب المجموعة الشمسية في نظامنا الشمسي، في المنطقة المثالية المطلوبة لتوفر الحياة وتوفر المياه في حالة السيولة ودرجات الحرارة المعتدلة فهذه الحالة موجودة بكثرة وبعدد مهول في الكون المرئي وتمتاز بها كواكب كثيرة في مجرتنا درب التبانة وفي باقي مجرات الكون المرئي. ولقد توصل العلماء المنضوين تحت مظلة أطروحة تعدد الأكوان إلى تفسير إختلاف الأصول للأكوان المتعددة ، بما فيها كوننا المرئي، وعزوه إلى إختلاف التخلخلات والتقلبات الكمومية أو الكوانتية les fluctuations quantiques، فيمكن لكون مختلف أن ينشأ ، على نحو لانهائي، بمجرد اختلاف فوتون واحد يتحول إلى زوجين من الجسيمات الأولية المتناقضة مثل الإلكترون ونقيضه البوزيترون une paire électron-positron قبل أن يعثر على شكله الأصلي القديم أي الفوتون.فالشرارة الأصلية تنقدح وتحدث فقط لأن الميكانيك الكمومي أو الكوانتي يخبرنا بوجود عدد لانهائي من الاحتمالات التي تؤدي إلى ظهور عدد لا نهائي من الأكوان . وبوسع الفيزياء المعاصرة أن تشرح، ليس فقط كيف يعمل الكون المرئي ، بل وكذلك توضيح سبب وجوده وبدون أية مساعدة ربانية أو إلهية فقط بموجب قوانين ومعطيات الفيزياء الكمومية أو الكوانتية مع ما يلزمها من فيزياء الجسيمات الأولية وما توفره نظرية الأوتار الفائقة من معطيات رياضياتية .
الأديان وتعدد الأكوان:
هناك شعوب لديها تجارب عميقة ومتنوعة وثرية مع الأديان كالصين حيث تعايشت البوذية مع التاوية مع حضور الكونفوشيوسية والإسلام والمسيحية بكافة طوائفهما ومدارسهما الفقهية ، ونفس الشيء في الهند وانتشار الثقافة الهندوسية وتعاملها مع تعدد الآلهة حيث يوجد في الهند 33 مليون إله، مع وجود الديانات والثقافات المسيحية والإسلامية والبوذية واليهودية ، فالسائد هناك هو وحدة الوجود الصوفية ، فكل شيء هو الله ونحن جزءاً منه، فالله المطلق ليس منفصلاً عن العالم والوجود بل هو مكون من كل شيء موجود في هذا الوجود. والبوذية لا تعترف بوجود إله لكنها تستند إلى مفاهيم ومبادئ المستنير بوذا، فالبوذية لا تدعو لعبادة الإله الواحدة ولا تعارض تعدد الآلهة . أما الإيمان في الثقافات القديمة، فقد نشأ داخل زمان وفضاء معينين وإن تجربة المقدس الفرعونية والرافدينية ، السومرية والأكدية، تلقي ضوءاً على ثقافة المكان في هذه البقعة من العالم وتتميز التجربة المصرية الفرعونية عن غيرها في اعتبار الملك الفرعون إله ذو مظهر مهيب. أما في العصر الحديث فقد عد الدين بمثابة حالة اغتراب الإنسان عن ذاته كما يقول فيورباخ أو هو إنجاز متخيل للكائن البشري كما يقول ماركس فيما اعتبر فرويد الدين مجرد تعبير عصابي ، مرضي، لذلك اعتبر الدين في اللغة اللاتينية مفهوم يعني التجميع والاستقبال والتوحيد . وهو بالتالي مؤسسة هدفها توجيه التشريف إلى الرب والاحتفاء به ، إلى جانب كونه مجموعة من الطقوس والشعائر تهدف إلى تقديم الثناء والتبريك والقرابين إلى سلطة عليا مقدسة، لذا فهو عبارة عن الشعور الداخلي بذلك المقدس مع الإيمان بتلك القداسة، كما يخلص الباحث الدكتور فالح مهدي في كتابه البحث عن جذور الإله الواحد. وهناك تعريف أوضح لماركس للدين غير عبارة الدين أفيون الشعوب، والأصح هو الدين أفيون الشعب بالمفرد، والتي يعني بها أن الإيمان الأعمى الذي ينتفي فيه التفكير والقدر على التمحيص والنقد تؤدي بالمؤمن أن يغفو ويرقد رقدة الموتى عما يحيط به من أهوال ومصائب، ليس هذا فحسب ، بل تقوم الأيديولوجية الدينية بترويضه وجعله طيناً وعجيناً يتم التلاعب بوعيه وتوجيهه كيفما ارتأت تلك اليديولوجية، أما تعريفه الأكمل والأوضح فيقول فيه :" الدين هو النظرية العامة لهذا العالم ، قيمته الموسوعية، منطقه بشكله الشعبي، نقطة شرفه الروحانية، ولعه وحماسه البالغ، عقوبته الأخلاقية، طمأنينته وتبريراته الكونية، والتي تمثل الإنجاز المتخيل للكائن الإنساني والسبب في ذلك يكمن في أن الإنسان لا يمتلك الواقع الحقيقي" كما جاء في كتاب البحث عن جذور الإله الواحد للدكتور فالح مهدي والذي يعرف الدين بأنه نظام يستند في قيامه على المخيلة والتمثيل، إذ يقوم منذ لحظة ولادته بتقديم تفسير للعالم بل الكون كله ودور الإنسان فيه ، باعتبار أن الله أو الآلهة ، خلق هو ، أو خلقت هي ، كل شيء من أجله أو أجلها ، أي خلقا " المخيلة"، ويرسما عبر مجموعة المعادلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطقسية، الطريق الذي يجب عليه أن يسلكه" التمثيل التصوري للإله"، مستندين في ذلك إلى مؤسسات أيديولوجية تقوم بخلقها وتطويرها". لذلك لا نجد هناك عقيدة بدون طقوس ولا يمكنها أن تستقيم وتستمر بدون تلك الشعائر والطقوس. من هنا يعود الباحث إلى نظريته الأثيرة عن المكان ودوره، ويربطها بمفهوم الدين ويقول أن الدين هو تفسير ، بل ترجمة متخيلة للنظام الكوني أوجده الحيز الدائري ، حيث ساعد هذا الحيز الدائري على وجود نظام العقائد بكل أشكالها، وعبر ثقافة المكان نشأ وترعرع الدين وأصبحت له اليد الطولى في كل ما يمت إلى الإنسان بصلة. ودليله على ذلك أن " الحيز الأفقي" الذي تعيشه الإنسانية في الزمن الحاضر، أفقد الدين الكثير من بريقه، حيث استطاع الإنسان المعاصر، بفضل التركيبات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية القائمة، والتطور العلمي وسيادة الثقافة الحرة، أن يجيب على الأسئلة الوجودية والجوهرية التي تقلقه وتتعلق بوجوده ومصيره ونظام حياته دون الحاجة إلى اللجوء للمعبد والمسجد والكنيسة أو الرجوع للمؤسسات الدينية. أما تولستوي فيقول أن الدين الحقيقي هو ذلك الذي يقيم علاقة ما بين العقل والمعرفة الإنسانية، ما يعني إلغاء دور المؤسسات الدينية، مثلما كان يعلم الفيلسوف والمفكر الفرنسي الشهير فولتير. فلكل دين عقيدة جامعة ووظائف تعمل على رسم وتوجيه حياة المؤمن وتحدد له ماهو ممنوع وماهو مسموح ، أو الحلال والحرام بالمفهوم الإسلامي. ويطرح تعريف مكمل للدين بأنه مجموعة من المباديء والإرشادات الأخلاقية والسلوكية التي تتحكم بالإنسان من خلال الطقوس والشعائر التي يتم تدوينها وتوجيهها، مؤطرة بنقطتين جوهريتين هما الإيمان بمفهوم الخالق العلوي الأعلى الموجد لكل شيء، والذي يأخذ عدة صور وأسماء كيهوه بالنسبة لليهود والله بالنسبة للمسلمين وبراهما بالنسبة للهندوس الخ ... وهو مفهوم جوهري موجود في أغلب الديانات حتى في الديانات القديمة فإنليل هو الخالق عند السومريين والذي يتحول إلى مردوخ عند البابليين، بل وحتى عند الأقوام البدائية كما يقول عالم الأديان ميرسيا إلياد. وفي كل الأديان هناك أولاً وقبل كل شيء يتوجب قبول مبدأ " الطاعة" والتسليم بالأوامر والتوجيهات المباشرة وغير المباشرة التي تصدرها المؤسسات الدينية بإسم الخالق وهي بطبيعتها ذات طابع أيديولوجي قسري وقمعي يأخذ طابع القدسية، ولقد أشار سبينوزا إلى ذلك في كتابه " رسالة في اللاهوت والسياسة " حيث أكد على مفهوم الطاعة باعتباره ركيزة جوهرية في قيام الإيمان.
وبعد الطاعة يأتي مفهوم أو مبدأ " الإيمان" الذي ينطوي على التصديق والثقة بالأشياء التي نأمل بها واليقين بأشياء لم نرها كما هو واضح في العقيدة المسيحية . والإيمان هو الثقة العميقة بمعتقد من المعتقدات لا سيما الأمر الروحاني الذي لا يمكن التأكد منه مادياً وينبغي تقبله وأن يكون المرء المؤمن على يقين من وجوده وصدقيته حتى لو لم يره أو يثبت لديه وجوده. هناك أسباب عديدة للتوحيد وانتقال الإنسان من تعدد الآلهة إلى إله واحد متعال لا تدركه الأبصار، فاطر السماوات والأرض، العالم القدير الخالق الخ.. حسبما أوردته صيغ القداسة الإسلامية كما في غيرها من الأديان السماوية؟ لماذا ظهرت الأديان التوحيدية في منطقة محددة واحدة هي الشرق الأوسط؟...وفي هذا المجال تجدر الإشارة إلى كتاب المحلل النفسي الشهير سيغموند فرويد " موسى والتوحيد" والذي عرض فيه أطروحة غريبة تقول أن موسى هو أمير مصري خرج من مصر مع أتباعه بعد فشل تجربة الفرعون المجدد والجريء أخناتون الذي فرض عبادة إله الشمس آتون فقط ونبذ باقي الإلهة وهي أول محاولة للتوحيد في العصر الفرعوني. ويتساءل المؤلف {ز فالح مهدي، هل يوجد توحيد قبل العهد القديم؟ ففي الألفية الثالثة قبل الميلاد كان النظام الديني والعقائدي قائماً على مفهوم تعدد الآلهة وتعدد اختصاصاتها لا سيما في الحضارة الرافدينية لكن محرري العهد القديم، أي من صاغوا التوراة والأسفار الخمسة لموسى في حقبة السبي البابلي تأثروا بها إلا أنهم ألغوا فكرة التعدد وتبنوا فكرة التوحيد وعبادة إله واحد خفي لا يرى هو أكبر وأقوى وأكثر عظمة من جميع الآلهة المعروفة آنذاك، وذلك للتغلب على إحباطاتهم النفسية. ولقد نجح كتاب العهد القديم في تأويل وتوظيف النصوص والأساطير والملاحم الرافدينية وعلى ٍرأسها ملحمة جلجامش بما يخدم هدفهم في عبادة الإله الواحد واختلقوا شخصية النبي نوح وعبادته للإله الأعلى الواحد القهار الذي غضب على البشر وقرر إبادتهم من خلال الطوفان وإنقاذه هو وعدد من أفراد عائلته وزوجين من كل الموجودات الحيوانية والنباتية لإعادة إعمار الأرض بالحياة الجديدة المبنية على عبادة الله الواحد وعدم الشرك به. فالرقم الطينية المكتشفة تقول بحدوث طوفان فعلاً وتروي قصته بعيداً عن القداسة الدينية التوراتية إلا أن اليهود عملوا على توظيفها دينياً ورمزياً وأسطورياً من أجل هدف محدد يقول أن مصير المشركين الهلاك ومصير المؤمنين الموحدين النجاة . ففي النص السومري أن الآلهة الشريرة قررت إغراق الأرض للتخلص من الإنسان وشروره وتحدياته للآلهة ومحو أثره من على وجه الأرض ، إلا أن الآلهة الخيرة قررت إنقاذ أتونابشتم وزوجته من تلك الكارثة ومنحهما الخلود. وجهت الآلهة الخيرة تابعها المخلص الأمين أوتونابشتم ببناء سفينة أو فلك ضخم ووضع عائلته ومقتنياته وأقاربه وحيواناته الأليفة والبرية داخل الفلك والإبحار نحو يابسة جديدة بعد غرق الأرض التي يعيش فيها. حور كتاب التوراة النص واختزلوا الآلهة بإله واحد واستبدلوا أوتونابتشم بنوح وألغوا فكرة الخلود فالله الواحد هو الوحيد الخالد الذي لا يموت، وبذلك ولدت فكرة التوحيد وعبادة الإله الواحد التي كررته واتبعته الديانات التوحيدية الأخرى، المسيحية والإسلام فهم يعبدون نفس الإله ولكن بصفات وتعريفات وتسميات وسمات متباينة ومتغايرة.
يأخذنا الكاتب الدكتور فالح مهدي في رحلة شيقة في الفصل الثاني من كتابه القيم في قراءة خاصة ومعمقة وتحليلية للتوراة لاسيما الأسفار الخمسة وعلى رأسها سفر التكوين. ويسرد لنا قصة الخلق كما وردت بالنص في التوراة في سفر التكوين في الإصحاح الأول، ومن ثم يقارن النص بالنصوص الرافدينية حول نفس الموضوع، أي ما عرف بقصة الخلق البابلية والتي كتبت بقرون طويلة قبل الأسطورة التوراتية .
بنت الأساطير الرافدينية تصورها لعملية خلق الكون استناداً على العناصر المعروفة مثل العدم والظلام الدامس. وعندما قررت الآلهة خلق الكون أوكلت الأمر إلى مردوخ الذي غدا نتيجة لذلك سيد الآلهة ويقوم بشق تيامات، إلهة المياه الجوفية، إلى نصفين من القسم السفلي يصنع الأرض ومن القسم العلوي يصنع السماء ثم يواصل عملية خلق العناصر الأخرى كالنور والرياح وبناءاً على ذلك جاء خلق الإنسان حسب الأساطير الرافدينية القديمة بمزج الطين بدم أحد الآلهة الذي اقتصر دوره على ذلك فقط إلى آخر الأسطورة... ولم تكن عملية الخلق البابلية سهلة على شاكلة كن فيكون، بل كانت عملية شاقة وخطيرة خاض فيها الإله مردوخ معركة عنيفة سالت فيها دماء كثيرة انتهت بمقتل تيامات التي تمثل الظلام والفوضى وبمقتلها خرج النور إلى الوجود وأقيم النظام بديلاً للفوضى . كلتا العمليتين، الرافدينية والتوراتية لا تتفقان بالطبع مع قصة ظهور الكون المرئي في العلوم الحديثة إذ أن الأمر استغرق مليارات السنين حسب نظرية الانفجار العظيم البغ بانغ. وهناك قصة للطوفان في نص سومري يتحدث عن الآلهة نينتور وأنليا وخلقهما لذوي الرؤوس السوداء ، أي السومريين، باعتبارهم الشعب الذي اختارته الآلهة يقابلهما في التوراة شخصان هما آدم ونوح.
ثم يقوم الباحث الدكتور فالح مهدي بقراءة أنثروبولوجية لــ "أدبا أو أدفا" السومري و"آدم" العبري أو التوراتي، فالأول خلقه الإله أيا ليحكم البشر وكان ملكاً على مدينة أريدو والثاني خلقه الله العبري أو التوراتي يهوه ليكون أب البشر كما وردت القصة في العهد القديم وتبنتها المسيحية والإسلام. يركز المؤلف على أوجه التشابه بين المصدرين أو النصين والشخصين لغوياً والتركيز على أهمية المكان وتعرضهما للاختبار وما لديهما من مشتركات سلوكية وصفات مشتركة والنتيجة التي توصل إليها الباحث هي أن قصة آدم عبارة عن مادة مركبة من مجموعة أساطير سابقة لنصها الوارد في العهد القديم . وبعد تقديم هذا العرض الوافي يلج الباحث مرة أخرى ليغوص تحليلياً في علاقة نوح التوراتي والطوفان الرافديني، حيث يأخذنا الدكتور فالح في رحلة ممتعة أخرى في أعماق الماضي الغارق في القدم وهو يحلل قصة الطوفان الرافدينية وطريقة العيش ونظام بناء المساكن والمشاحيف والقوارب التي ماتزال بعض ملامحها موجودة اليوم في أهوار الجنوب العراقي وطرق بناء السفن وهيكيليتها أو شكلها الهندسي وأحجامها والمواد المستخدمة في بنائها، ثم يقوم بالشيء ذاته وهو يشرح كيف رويت أسطورة الطوفان في العهد القديم وتفاصيلها ونوع الفلك الذي صنعه نوح ، بغية المقارنة وإثبات الأصل والفرع بينهما حيث ثبت له أن التوراة أو العهد القديم هو الذي سرق نص الأسطورة وفكرتها من النصوص الرافدينية السابقة له. وفي سياق بحثه يركز الدكتور فالح على مسألة مهمة وهي أن قصة النبي موسى كما رويت في العهد القديم تشبه بحذافيرها قصة سرجون الأكدي التي تسبقها بقرون وكيف أن والدته وضعته في قفة من القصب مقيرة ورمته في الماء حيث حمله النهر إلى سقاء الماء الذي رباه كأنه إبنه حيث أحبته الآلهة عشتار وساعدته على تولي العرش، مثلما هو الحال في قصة موسى . ويفرد حيزاً لا بأس به ليقدم لنا قصة الطوفان السومري وهي الأقدم بين 3000-2800 قبل الميلاد، وتروي قصة طوفان حصل قبل ذلك التاريخ بزمن طويل في فترة ممعنة في القدم وتم تداولها شفهياً ثم ثبتت على الألواح الطينية بعد نشأة الكتابة وهي الأسطورة التي أقحمت في ملحمة جلجامش كما يقول الباحث مما وفر الدليل على وجود علاقة بين العهد القديم والثقافة البابلية، حسب استنتاجات العالم فنكيل، حيث صار ينظر للطوفان كموجة غضب سماوية سوداء مدمرة اكتسحت كل شيء في طريقها وسمحت للآلهة بإعادة صنع الحياة فوق الأرض على نحو أفضل. ومن ثم يشرع الباحث في إقامة مقارنة بين أسطورة نوح والأساطير الرافدينية، حيث يقول النص العبري أن الله قرر أن ينهي الحياة فوق الأرض، هكذا وبدون مقدمات، بسبب فساد الإنسان، ولكن ما هو الفساد الذي ارتكبه الإنسان حتى يستحق مثل هذا العقاب القاسي وهو الإبادة التامة من على سطح الأرض؟ لم يرد نص ديني مقدس، لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن ، عن أسباب قرار الله في إحداث الطوفان وإغراق الأرض وما فيها عدا جماعة نوح وحيواناته. وعلمنا أن لنوح ثلاثة أبناء هم سام، الأصل في سلالة الساميين الذين منهم العرب والعبرانيين، وحام أبو الكنعانيين وبافث، ومن أبناء نوح انبثقت منهم شعوب الأرض الجديدة ما بعد الطوفان . وفجأة يصنع نوح من العنب نبيذاً لا ندري كيف تعلم ذلك ، وهو ليس بالأمر السهل، ثم يسكر وينام عارياً، ثم يراه إبنه حام وهو عاري فيعاقب الله حام لأنه نظر إلى عورة أبيه، والحال أن الذي يجب أن يعاقب هو نوح وليس إبنه وردد القرآن نفس القصة بكافة حيثياتها التوراتية دون أن يغير فيها كثيراً رغم الارتباك البادي على النص العبري. أما في النصوص الرافدينية التي دونت قبل ألف عام من طوفان التوراة، فإن الطوفان حدث بناءاً على أوامر الإله انكي ، ولم يكن السبب فساد الإنسان بل تعب وانزعاج الآلهة من ضجيج البشر، نوح ينفذ أمر الله بدون نقاش أو تردد بينما يعترض أتونابشتم للوهلة الأولى ويناقش إلهه أيا ويطالبه بإعلامه بأسباب قراره وماذا سيقول للناس في المدينة وكيف سيرد على تساؤلات الناس وشيوخهم ووجهائهم فيرد عليه إلهه " قل هكذا إني علمت إن انليل يبغضني فلا استطيع العيش في مدينتكم بعد الآن ولن أوجه وجهي إلى أرض انليل وأسكن فيها بل سأرد إلى ابسو وأعيش مع أيا ربي وعليكم سينزل وابلاً من المطر غزيراً. وفي ترجمة أخرى للنص الرافديني قام به العالم الفرنسي المتخصص بحضارات العراق القديمة بوتيرو يقول أوتونابشتم:" عندما فهمت ما طلب من توجهت إلى ربي أيا سائلاً: الأمر الذي كلفتني القيام به يا مولاي سأطبقه وسأنفذه، ولكن كيف سأواجه مدينتي ، شعبي، والشيوخ؟ عندها فتح أيا فاه وتكلم موجهاً كلامه لي، أنا عبده:" ستقول لهم ياشيخي الفطن التالي: يلازمني الخوف من أن إنليل لا يودني كثيراً ، لذا لن يطول بي المقام في مدينتكم ولن يبقى اثر لقدمي فوق إقليم إنليل بل سأهبط إلى الابشو وسأقيم برعاية مولاي أيا عندها سينزل عليكم إنليل مطراً غزيراً.
وبعد أسطورة سفر التكوين التي تناولت الخلق والتكوين وخلق الله للأرض والسماء في ستة أيام واستوائه على العرش كما جاء في العهد القديم والقرآن وتعامل مع الشخصيتين الأساسيتين وهما آدم ونوح. يركز الباحث الدكتور فالح مهدي فيما بعد على شخصيتي إبراهيم الذي عاش في حدود 1700 سنة قبل الميلاد، وموسى وسفر الخروج . مما لا ريب فيه أن ظاهرة النبوة كانت معروفة في الحضارات القديمة التي سبقت حقبة العبرانيين ولكن في نفس المنطقة تقريباً وهي فلسطين وسوريا والأناضول وبالطبع مصر والعراق. نقطة الإنطلاق في الإيمان التوحيدي والخروج من الشرك والتعددية تبدأ في النص العبراني من إبراهيم الذي تمرد على النمرود وحاول هذا الأخير حرقه وهو حي كما تقول النصوص الدينية التوحيدية ثم تأتي شخصية موسى لتكون هي الشخصية المركزية لجميع الأيديولوجيات التوحيدية فهو الذي طالب شعبه بعبادة إله واحد لكنه خاص ببني إسرائيل لذلك عرف العبرانيين بشعب الله المختار ، ونفس المكانة يحتلها موسى في الديانات التوحيدية الثلاثة وهي اليهودية والمسيحية والإسلامية، ولقد تم التركيز عليه كثيراً في القرآن. خرج موسى من مصر إلى فلسطين لإنقاذ نفسه وأتباعه ، وخرج عيسى من فلسطين إلى مصر لإنقاذ نفسه، وخرج محمد من مكة إلى المدينة لإنقاذ نفسه وأتباعه.
يعتبر سيغموند فرويد مصر هي مهد ديانة التوحيد في كتابه الشهير موسى والتوحيد. ويستند في ذلك إلى قصة الفرعون آخناتون 1353-1337 ، الذي فرض عباد إله الشمس آتون وإلغاء عبادة آمون إله القمر، والحال أن التوحيد اليهودي حدث بعد ثمانية قرون من وقع الحدث الأخناتوني كما يقول الدكتور فالح مهدي ، ومع ذلك فإن التوحيد العبري يعيد نفس طقوس ومراسيم وشعائر الملكية الفرعونية بل وحتى أيديولوجيتها باستناده للتوراة التي تعني الشريعة التي يجب اتباعها بعد أن انزل عليه الله محتويات الألواح العشرة ، ولكن لا يوجد اثر لأخناتون في التوراة التي تعتبر العمود الفقري للعهد القديم رغم إنه شخصية تاريخية مشار إليها بوضوح في النصوص الفرعونية بينما لايوجد نص تاريخي مثبت عن وجود شخصية موسى تاريخياً فلا يوجد أي اثر لشخص اسمه موسى في النصوص الفرعونية والسجلات المصرية التي عرف بأنها تدون كل شيء . شكك الكاتب في مصداقية وصلاحية الأطروحة الفرويدية عن موسى لأنه لا يستند إلى أية قاعدة تاريخية صلدة و لا يمكن الأخذ بها في دراسات الدين المقارن، بل إن أسطورته مأخوذة من نصوص أسطورية بابلية تناولت ولادة سرجون الأكدي كما ذكرنا أعلاه، استلهمها اليهود السبايا في بابل وأقحموها في نصوص العهد القديم . يسرد المؤلف أسباب ميوله للأطروحة البابلية بدلاً من الأطروحة الفرويدية قائلاً :" ولد موسى ووضع في قفة وهو الأمر البعيد عن الأعراف المصرية بينما هو أمر معروف في الثقافة الرافدينية بشأن ولادة سرجون الأكدي، وإن نوع القفة أو الطوافة التي وضع فيها موسى لم يكن معروفاً في مصر وبعيد عن هندسة السفن في مصر خاصة وإنها قفة أو طوافة طليت بالزفت أو القير غير المتوفر و الذي لم يألفه المصريون ولم يلجأوا إليه في بناء سفنهم فكان القير أو الزفت يستورد من سوريا وفلسطين إذا دعت الحاجة إليه. أشار الكاتب إلى أن موسى ملتحي كما جاء في النص العبري وهو نمط من أنماط وأدب اللياقة والهندام والوقار لكنه بعيد كلياً عن الإتكيت المصري في حين كان ذلك معروفاً ومنتشراً في وادي الرافدين، حمل موسى ألواحاً دونت فوقها وصياه العشرة والحال إن المصريين لم يلجأوا البتة إلى ألواح الطين بل إلى ورق البردي. يقول النص العبري أن إبنة الفرعون كانت تستحم في نهر النيل في لحظة مرور القفة أو الطوافة التي يوجد فيها الطفل موسى والحال أن ذلك بعيد عن آداب المجتمع المصري وتقاليده ، فإبنة الملك لا تستحم في ماء النهر بل في حمامات وأحواض خاصة فاخرة تعجز العين عن وصفها فهي أميرة وإبنة الفرعون الذي هو إله فوق الأرض فلا يمكنها أن تغتسل كباقي الناس في ماء النهر وأخيراً نسي كاتب النص العبري أن النيل في ذلك الوقت كان مليئاً بالتماسيح الخطرة .
من هنا يقول المؤلف أنه على المستوى التاريخي ، لم يبدأ التوحيد عند اليهود مع موسى، فالاكتشافات المتعلقة بالنقوش وبالدراسات المعمقة للعهد القديم أكدت على نحو قاطع أن الدين اليهودي ، في الألفية الأولى، لم يختلف عن أديان جيرانه. وإن لرب إسرائيل إسم متميز هو يهوه، أي ذلك الإسم الذي رفضت التلفظ به اليهودية المتأخرة، لأنه يشير إلى أنه جاء من ضمن عالم متعدد الآلهة فهو رب الأرباب. فالإسم للرب أو للإنسان، يراد له أن يفيد في التعريف بمن يحمل ذلك الإسم وتمييزه عن أقرانه. لذا فإسم " يهوه" وجد أصلاً لتمييز ذلك الرب عن بقية الآلهة. ففي أثناء تواجد مملكة إسرائيل ويهوذا، من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد، لم يكن يهوه إله اليهود الوحيد، بمعنى آخر أن التوحيد لم يرس دعائمه بعد عند العبرانيين. لقد اعتبر يهوه إله إسرائيل كما كان حال مردوخ إله البابليين، وكيموش إله المؤابين القريبين من يهود تلك الفترة. فاليهود والعبرانيين وغيرهم كثير، عبارة عن قبائل رحل سكنت شرق البحر الميت والصحراء السورية ، ولكل قبيلة أو قوم إلهه الخاص به. لم يحتفى بيهوه كإله أعزب، إذ كانت له أنيسة ، عبارة عن إلهة تشاركه حياته. ولقد أشارت العديد من الكتابات والشواهد الآثارية، إلى وجود اشيراح Asherah كإحدى الإلهات ضمن المجموعة التي يطلق عليها السامية الغربية هي التي كانت إلى جانب يهوه، وهناك دلائل لوجودها عند الأوغاريتيين، قدماء الفلسطينيين وعند سكان وادي الرافدين وبعض تلك الوثائق والنقوش تعود إلى القرن السابع والثامن قبل الميلاد والتي وردت فيها عبارة مثل :" أبارككم باسم يهوه الشاهد على ما أقول ورفيقته اشيراح " أو " أبارككم باسم يهوه رب السامرة وبإسم رفيقته اشيراح" .. وبالتالي كانت فكرة تمجيد وعبادة يهوه وحده قد حصلت بعد تطور طويل وصراع سياسي وأيديولوجي بين يهود الشمال الذين يعبدون بعل، ويهود الجنوب ممثلين بهذا الملك ولا يعبدون إلا يهوه ، وكذلك كرد فعل ضد العنف الآشوري الذي يشترط الخضوع التام للملك الآشوري،كما جاء في كتاب " تحقيق حول الإله الواحد " الذي قدم له توماس رومر في سلسلة عالم الكتاب المقدس منشورات بايارد 2010 في باريس. ففي سفر التثنية هناك تأكيد على أن الرب الوحيد الجدير بالعبادة هو يهوه وليس الملك الآشوري وربه. والتشبث بعبادة إله واحد تم بعد السبي البابلي لليهود أي بعد حوالي ستة قرون قبل الميلاد. فهدم أورشليم لم يكن نتيجة لضعف يهوه بل بالعكس فلقد مكن يهوه البابليين في ذلك لمعاقبة " شعبه" الذي لم يطعه ولم يتعبد له وحده ، ما يعني أن قوة يهوه وعظمته تشمل حتى أعداء شعبه الذين أعانهم وساعدهم على تحقيق السبي ، ولقد استفاد علماء وفقهاء ومعلمي ورجال الدين اليهود على الأساطير العراقية القديمة التي اطلعوا واستفادوا منها في تحرير نصوص العهد القديم. لقد لعبت بابل دوراً جوهرياً في إخراج ذلك الكتاب المقدس من شكله البسيط ومنحته التعقيد الذي شهدته تلك الحضارة المتقدمة ، فتضمن منهجية ونمط تفكير جديدين ، ولقد انتبه كبار المختصين في دراسات العهد القديم إلى ذلك التأثير العظيم الذي وصل إلى حد النقل الحرفي الفج لنصوص رافدينية كما لاحظنا ذلك في قصة الخلق وملحمة الطوفان التي شكلت العمود الفقري للكتب أو الأسفار الخمسة الأولى للتوراة المنسوبة لموسى، كما جاء في بحث الدكتور فالح مهدي المهم السابق في كتابه " الخضوع السني والإحباط الشيعي ، نقد العقل الدائري. فحتى نجمة داود السداسية اليهودية هي في الأصل نجمة بابلية. وفي الأجزاء الأولى من سفر التكوين ، تم التعبير عن يهوه بأنه رب الكون وخالق كل شيء وسمي " الإلوهيم" وهي تعني الرب ولكن بصيغة الجمع أي الأرباب ولقد أكد محررو ذلك الجزء من أن كل آلهة الشعوب الأخرى ما هي إلا تعبير وتجسيم للإله الأوحد يهوه. واستمدوا من الزرادشتية فكرة الجنة والنار، والوعد بحياة أفضل بعد الموت، كما شاع لدى يهود السبي البابلي الذين حررهم فيما بعد الملك قورش الفارسي، في حين أن يهود مستعمرة الإلفانتين éléphantine المصرية كانوا يعبدون إلى جانب يهوه، إلهين آخرين هما آنات وأشيم ــ بيتال، بما ينسجم مع المعتقدات المصرية المتمثلة بالثالوث،كما جاء في كتاب " تحقيق حول الإله الواحد المشار إليه أعلاه.
ثم ينهي الكاتب بحثه عن جذور الإله الواحد في عرض الصلوات والقرابين والشعائر التي قدمها البشر للإلهة على مر العصور وأهميتها النفسية والفلسفية بغية العثور على علاقة مباشرة مع الكائن الأعلى التي قد تؤثر في سلوك الله ، ووضع الدين في خدمة الآيديولجيات، وإن المخيلة البشرية هي حجر الزاوية لحياكة القصص والأساطير وهي بديهية أنثروبولوجية قابلة للتعميم على كل أديان العالم فالأساطير والخرافات مادة تتكرر في كافة الأديان، خاصة تلك التي تتحدث عن المقدس والمسخ والوحوش الخرافية والشياطين والجن والعفاريت والأبطال الأسطوريين، وهي بالتالي نتاج للأوهام الفردية والجماعية حيث يتمتع الوهم الديني بديناميكية تتوافق وتنسجم مع نظامه المنطقي الداخلي الخاص به الذي يفرز له مدوناته ونصوصه الأسطورية والخرافية ويضفي عليها طابع القدسية، فالأديان برمتها ما هي إلا أنظمة إدارية للمقدس كما يقول الدكتور فالح مهدي . لا يتفق المؤلف الدكتور فالح مهدي مع أطروحة الباحث الفرنسي باسكال بويير في كتابه المهم " وخلق الإنسان الآلهة " الصادر عام 2003 والذي قرأته بإمعان ووجدته علمياً جاداً أتفق مع أغلب ما جاء فيه وبالذات لأنه أدخل معادلات علمية في الشأـن الديني توصل من خلالها إلى أن الآلهة من ابتكار الإنسان بغية إعانته ومساندته في ما يواجهه من تحديات ، فكل ذلك الابتكار الذهني البشري ناجم عن النشاط العقلي للإنسان الذي يعبر عن حاجته ومواجهته لألغاز وجوده ، فالدين نشاط ذهني محض يدفع المرء لكي يفكر ويتأمل ويبحث عن إجابات للغز الكون المحيط به ولغز الموت المتربص به ولغز الأسئلة الوجودية التي تؤرق حياته . يتسرع الكاتب في القول أنه مع كل التقدم العلمي المذهل حقاً، فقد بقي أصل الكون لغزاً حقيقياً، ذلك إن الإنفجار الكبير ، مما يطلق عليه البغ بانغ، لا يؤخذ به علمياً باعتباره ذاك الذي أنجب الكون. فالسؤال المتعلق بولادة الكون بعيد كل البعد عن إيجاد إجابات مقنعة لحل ذلك اللغز الذي يشكل إحدى أم التحديات أما علماء الطبيعة والفيزياء، ولكن لا ينبغي أن نتسرع في الحكم على أشياء ومواضيع نجهلها ولم نتعمق فيها كفاية فلا يكفي قراءة كتاب أو دراسة لكي نصل إلى هذا الاستنتاج التعسفي فهذا المجال واسع وغني رغم تعقيده وقدم الكثير من الإجابات في العقود الثلاثة المنصرمة ومنها أن نظرية الانفجار العظيم ثبتت علمياً ومختبرياً واتفق بشأنها كل الوسط العلمي تقريباً وتدرس اليوم في الجامعات والمدارس والمعاهد المتخصصة، فهذا مجال علمي دقيق لا ينبغي الخوض فيه على عجل وتسرع . لقد أثبت العلماء أن كافة الأشياء في الطبيعة ، الحية وغير الحية كالجماد، ما هي إلا تراكمات تتزايد تعقيداً شيئاً فشيئاً من الجسيمات الأولية من الكواركات وما هو أدنى منها، المكونة بدورها للبروتونات والإلكترونات والفوتونات التي تتراكب وتجتمع في تركيبات مختلفة ومتنوعة لإنتاج جسيمات متعددة ذات وظائف محددة فالفوتونات على سبيل المثال ما هي إلا حبيبات للشحنة الكهربائية الموجبة بينما تكون الإلكترونات عبارة عن حبيبات الشحنة الكهربائية السالبة ، والفوتونات هي جسيمات الضوء المرئي أو غير المرئي. إن ابسط تلك التركيبات المادية هي تركيبة ذرة الهيدروجين حيث أن ذرتها الأصغر كتلة من بين جميع العناصر الأخرى، تحتوي فقط على بروتون واحد وإلكترون واحد. ويدور الإلكترون بلا توقف حول البروتون كما يدور القمر حول الأرض ولكنه لا يدور بالضرورة حول محوره بنفس المسافة المدارية فيمكنه أن يبتعد عن البروتون المركزي للذرة طارداً جسيم أو أكثر من فوتونات الضوء ويمكنه أن يقترب ويبتلع جسيم أو أكثر من جسيمات الضوء الأولية أي الفوتونات. فالهيدروجين موجود، ليس فقط على الأرض بل في كل مكان في الكون المرئي. ومن الهيدروجين وتفاعلاته النووية ظهرت باقي العناصر في الكون، وتكونت الذرات والمجالات والحقول الكهرومغناطيسية وخلقت الحركة الدائمة الجاذبية أو الثقالة.
يتبع





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,098,747,637
- قراءة في كتاب مذكرات سيمون دي بوفوار
- مصير داعش بعد إنهياره العسكري في العراق وسوريا -2-
- مصير داعش بعد الإنهيار العسكري في العراق وسوريا
- مطارحات فلسفية وعلمية عن الكون والله – 1-
- التحليل المنطقي
- العراق أمام أربع سنين عجاف قادمة
- معضلة الأديان في تعاطيها مع العقل
- لأوهام الخطرة دور الأديان في تعطيل العقل وترهيبه بالخرافات – ...
- الأوهام الخطرة دور الأديان في تعطيل العقل وترهيبه بالخرافات ...
- دردشة تأملية مع الغيب والماوراء
- الكون والوجود والمطلق
- كابوس الحياة اليومية في العراق رؤية من الداخل
- العراق السوريالي لوحة الانتخابات العراقية السوداء رؤية من ال ...
- السينما الممسرحة والمسرح المؤفلم بريخت نموذجاً
- المأزق الانتخابي في العراق بين الريف والمدينة
- سوريا في مرمى الإصابة الأمريكية مرة أخرى
- العراق الكافكوي رؤية من الداخل
- الملف الكامل لدراسة ألغاز الكون العصية
- مقدمة لنظرية كونية بديلة لكنها غارقة في القدم
- ألغاز الكون المرئي الصامدة – 2 - شيفرة الكون الخفية


المزيد.....




- لماذا استهدف تنظيم -الدولة الإسلامية- سوق الميلاد في مدينة س ...
- مسؤول يكشف عن ابرز اسباب عزوف الاسر المسيحية من العودة لتلكي ...
- خارجية أمريكا تعلّق على وفاة ناشط إيراني اتهم بـ-إهانة المرش ...
- بين سام وعمار - الأقباط: مواطنون وغرباء في الشرق الأوسط
- احتفالات أعياد الميلاد بالبصرة في غياب المسيحيين
- بعد انسحابها من تحالف -الشرعية-.. هل تنجو الجماعة الإسلامية ...
- آلية عربية إسلامية إفريقية مشتركة لدعم قضية فلسطين
- بابا الفاتيكان يقيم أول قداس من نوعه في شبه الجزيرة العربية. ...
- منظمة ADFA بـ سوديرتالية تقف وراء قرار ترامب بحماية الأقلية ...
- بابا الفاتيكان يدين بشدة هجوم -ستراسبورغ- الإرهابي


المزيد.....

- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي
- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جواد بشارة - الله والكون بين العلم والفلسفة والدين – 1 -