أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - محمد شيرين الهوارى - زمن عاطف عبيد.... وأهو قضاء أخف من قضاء















المزيد.....



زمن عاطف عبيد.... وأهو قضاء أخف من قضاء


محمد شيرين الهوارى
الحوار المتمدن-العدد: 5937 - 2018 / 7 / 18 - 16:24
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


المشكلة المتكررة لمعظم ما يحدث فى المحروسة هى أن شعبها الكريم غالباً ما يشعر بحتمية "اختراع العجلة من أول وجديد" كلما أقدم على فعل أو فكر فى مشروع ما. نجده حينئذٍ يمتلئ حماساً ويتحول إلى شعلة نشاط ويتصرف وكأن ليس للبشرية بتاريخها الممتد عبر ملايين السنين سابقة خبرة بذات المجال وأنه هو دون غيره الذى تمخض عقله الجبار عن هذه الفكرة أو تلك ولا يراعى بالتالى كل ما فعلوه أسلافه ليجد نفسه فى النهاية يرتكب نفس أخطائهم ويقع فى نفس المطبات ثم يملاً الدنيا صُراخاً وعويلاً بسبب كل المشاكل التى تعرض لها وما جاء عليه من"موت وخراب ديار" دون أن يقترف ذنباً... أو هكذا يظن.
وتنطبق هذه المشكلة فى الواقع على برنامج الإصلاح الاقتصادى – إن جاز إطلاق هذا المُسمى عليه من الأساس – الذى تنفذه الحكومة المصرية حالياً بالتعاون مع صندوق النقد الدولى. فهو ليس بالجديد فى شئ، لا هو ولا السياسات الاقتصادية ككل ولا نزال نذكر مثيلتها شكلاً وموضوعاً ببداية الألفية فى عهد د/عاطف عبيد والذى ربما كان أهم رئيساً لوزراء مصر (أكتوبر 1999 إلى يوليو 2004) منذ وزارة محمود فهمى النقراشى الثانية (1946 – 1948)، اختلفنا مع سياساته أم اتفقنا وأنا شخصياً كنت ومازلت أختلف معها على طول الخط.
وبالرغم من ذلك لم يهتم على ما يبدو أحد من المسئولين الحاليين بدراسة تجربة عاطف عبيد الثرية كى يستفيد من إيجابياتها ويتلافى أخطاءها بالرغم من أن القائمين عليها كانوا كوادر ذات كفاءات مميزة فى الوزارات ذات الصلة بالشأن الاقتصادى مثل مدحت حسانين (المالية) ومختار خطاب (قطاع الأعمال العام) وحسن خضر (التموين والتجارة الداخلية) بالإضافة إلى محافظى البنك المركزى محمود أبو العيون ثم الداهية المُخضرم فاروق العقدة الذى لم يُمضى سوى ستة أشهر تحت إدارة عبيدقبل مجئ أحمد نظيف رئيساً للوزراء.
لا أقول أن هؤلاء كانوا عباقرة لم يأتى مثلهم من قبل أو من بعد وكانوا أيضاً مجرد شخصيات تكنوقراطية – بما فيهم رئيس الوزراء نفسه – لا علاقة لهم بالسياسة من قريب أو بعيد ولكنهم فى ذات الوقت كانوا يتسمون بفهم متعمق لمكونات المجتمع من حولهم وقدرة على قراءة مفرداته وإمكانياته لا تتوفر لدى من يتقلدون نفس مناصبهم اليوم.
وهناك فى الحقيقة تشابهات كثيرة بين تلك الحقبة والفترة الحالية لا يُمكن اختصارها بحال فى مجرد عناصر محددة مثل التعويم أو التصرف فى شركات القطاع العام وكليهما لم يكن فى جوهره سوى "وش الطبق" كما يقول الفم الشعبى، بل هناك مرادفات أهم وإرهاصات متعددة لما يحدث الآن وإن كانت ليست بالضرورة دائماً واضحة للعيان وقد تمنعنا "ذاكرة السمكة" فى أحيان أخرى من التعامل معها بما تستوجبه من جدية.
فبالرغم من تغيير الإطار السياسى تغييراً جذرياً وافتقادنا اليوم إلى أبسط أشكال الحوار المجتمعى والمشاركة المجتمعية – ناهيكم تماماً عن الممارسات الديمقراطية الصحية – لم يتغير منطق التفكير فى جوانب عدة. صحيح أن نظام مبارك بدا أكثر انفتاحاً على الآخر نوعاً من بعد 2005 ولكنه ظل دائماً من قبل ومن بعد هذا التاريخ كارهاً لكل من تسول له نفسه الحديث فى السياسة حتى ولو بشكل سطحى ولم يكن له شاغل حقيقى سوى تلبية رغبات كبار رجال الأعمال مع مراعاة الحد الأدنى من مستويات المعيشة عبر إلقاء ما تبقى من موائد طعام أصحاب العظمة والجاه إلى بسطاء الشعب وفقراءه. ومثلما لم يختلف عاطف عبيد فى ذلك عن من سبقوه ومن تبعوه، ساروا إبراهيم محلب ثم شريف إسماعيل على نفس هذا الدرب وكلى يقين أن هذا هو بالضبط ما سيفعله مصطفى مدبولى، أحدث رؤوساء وزراء مصر.
الفارق الجوهرى الوحيد هو ربما أن الحكومات المتعاقبة منذ عام 2014 وحتى اليوم هى بكل تأكيد أكثر قسوة وصرامة وتشدداً وتطرفاً ممن سبقوهم واستُبدلت اليوم أجزاء من شبكات رجال الأعمال القديمة (دوائر حسنى بارك) بعناصر من القوات المسلحة على رأسهم "الهيئة الهندسية" و"جهاز الخدمة الوطنية". وليس فى ذلك سراً أذيعه وإنما فقط أردد ما هو مذكور بالفعل فى البيانات والتصريحات الرسمية لتلك الأجهزة والتى يُشار إليها أيضاً فى بعض الأحيان بمسمى "جهة سيادية" وهى إما وزارة الداخلية أو الخارجية أو الدفاع وبما أننا لم نسمع من ذى قبل عن أى أنشطة اقتصادية لوزارتى الداخلية والخارجية تكون الدفاع هى الخيار الأكثر منطقية.
ومن ثم سأحاول على الصفحات الآتية التعرض لأهم الملامح الاقتصادية التى اتسمت بها فترة عاطف عبيد فى علاقتها بواقعنا المعاصر وكيف أننا لازلنا فى مواضع معينة نرتكب أخطاء الماضى وكأن التاريخ لم يكن.
ويمكن تلخيص تلك العناصر فى كل من الآتى:
- جاءت وزارة عاطف عبيد من الأساس لتنفيذ عمليات خصخصة القطاع العام على مراحل حيث رأت القيادة السياسية حينذاك أن المصانع والشركات الحكومية تمثل عبئاً لا يمكن للدولة تحمله على المدى الطويل. فليس من قبيل المصادفة أن جاء أحد أهم خبراء الاقتصاد فى مصر إلى هذا المنصب فى هذا التوقيت بالذات.
كما ركزت حكومة عاطف عبيد أيضاً على الرفع التدريجى للدعم السلعى وفى مقدمته دعم المحروقات لإزالة ما كان قد أصاب الأسواق المصرية من تشوهات سعرية وهو ما لم تفعله حكومة عبيد فى النهاية خشية إنفجار الأسعار.
- وكان مطروحاً فى عهد د/عاطف عبيد أيضاً مسألة اللجوء إلى أشكال تمويلية جديدة ومبتكرة – بالنسبة لمصر على الأقل – بعدما استنفذ القطاع المصرفى التقليدى معظم امكانياته تنظيمياً ومالياً، فظهرت مصطلحات مثل "التمويل العقارى" و"التأجير التمويلى" وإن كانت المجموعة الاقتصادية الحالية قد أضافت إلى قاموسنا المتداول اليوم نشاط التخصيم والشراء بالهامش إلخ.
- وسبقت حكومة عاطف عبيد أيضاً نظيرتها الحالية فى تصور أن المخرج الوحيد من المأزق الاقتصادى المصرى هو اللجوء إلى القطاع الخاص وفليأخذ "الجمل بما حمل" وعليه تتعالى منذ حينها الأصوات المطالبة بخلق بيئة استثمارية أكثر جاذبية، بالنسبة للمستثمر، خاصة فى المناحى التشريعية والضريبية.
- وتأتى على قمة كل ما سبق بالطبع مسألة تعويم الجنيه المصرى أمام الدولار وباقى العملات الرئيسية ويتمثل الفارق الرئيسى بين ما حدث فى زمن عاطف عبيد وبين ما يحدث اليوم فى أن تعويم يناير 2003 كان تعويماً مُداراً، لم يطلق العنان لآلية الإنتربنك وبالتالى زاد معه سعر الدولار ولكنه لم ينفجر.
هذا وإن كان لابد من الاعتراف بأن الحكومة الحالية تبدو أكثر اصراراً على تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادى – أى كان رأينا فيه – وتأخذه بجدية كبيرة مقارنة بسابقتها وإن كنت ألوم عليها رعونتها وعدم مراعاتها للبعدالاجتماعى ولا لسابقة الخبرة.
ولمزيد من الفهم يجب علينا مبدئياً النظر إلى وزارة عاطف عبيد أمام خلفية الاضطرابات السياسية العنيفة على الصعيدين الدولى والمحلى التى اتسمت بها فترتها (1999 – 2004) حيث كان لأحداث مثل تفجيرات مركز التجارة العالمى فى 2001 والغزو الأمريكى للعراق فى 2003 عظيم الأثر على الجوانب الاقتصادية كافة، هذا بعيداً عن تصاعد حدة الهجمات الإرهابية المُستهدفة لقطاع السياحة بالداخل (عمليات شرم الشيخ وطابا ونويبع ودهب) وما ارتبط به ذلك كله من تحديات جسيمة على المستوى الاقتصادى.
ولكن بالرغم من كل ذلك لا شك فى أن وزارة عبيد التى استهدفت خصخصة القطاع العام كما ذكرت من ذى قبل اتخذت وقتها طريق بيع هذه الشركات لمستثمرين رئيسيين Anchor Investors (أتى معظمهم من الخليج العربى والبعض القليل من أوروبا وأمريكا الشمالية) وليس طرحها فى البورصة إما كاملة أو أجزاء منها عبر زيادة رأسمالها كما يحدث الآن حيث لم تكن سوق الأوراق المالية المصرية قد وصلت إلى درجة كافية من النضوج وكانت قيمة تداولاتها منخفضة للغاية لا تتعدى بضعة عشرات الملايين من الجنيهات يومياً وهو مبلغ زهيد للغاية فى عالم البورصة.
وواجهت وزارة عبيد فى مساعيها تلك أيضاً عائق عدم وجود ما يكفى من المكاتب الاستشارية المتخصصة القادرة على تحديد القيمة السوقية العادلة للشركة المطروحة للبيع ولها خبرة فى السوق المحلية، بالإضافة إلى تثبيت سعر العملات الأجنبية أمام الجنيه المصرى عند مستويات غير منطقية كانت تجعل تكلفة هذه الشركات بالنسبة للمستثمر الأجنبى فى بعض الأحوال أعلى من نظرائها فى بلاده وإصرار القيادة السياسية على تجنب التعويم الكامل حتى لا يحدث العكس وينخفض الجنيه لأقل من قيمته العادلة. ونضيف بالطبع إلى ذلك أنه كان يجب أولاً تأهيل هذه الشركات وعمالتها حتى يُمكن بيعها بسعر معقول على أقل تقدير وهو ما لم يحدث حتى اليوم.
ارتبط فشل عاطف عبيد فى عملية الخصخصة إذن بمجموعة من العناصر كانت بعضها خارجاً عن إرادته والبعض الآخر كانت نتاجاً لقلة الخبرات السابقة فى هذا المجال.
ولكن لا يبدو أن أحداً تعلم شيئاً مما حدث وقتها سوى ضرورة تعويم العملة بعيداً عن ما سيسفر عنه ذلك من نتائج عكسية حيث لم يؤدى تعويم نوفمبر 2016 إلى زيادة جاذبية الشركات المصرية العامة والخاصة بل أدى إلى هجوم شرس للمضاربين الأجانب على أسواق المال بكافة أنواعها وتحققت المخاوف القديمة بهبوط الجنيه إلى ما يقل بوضوح عن مستوياته الحقيقية.
كما تجاهل المسئولين أيضاً أن وجود مكاتب الخبرة المتخصصة فى تحديد القيم العادلة للأسهم – وهى أصبحت بالفعل جزء لا يتجزأ من المشهد الاقتصادى المصرى اليوم – لا يُغنى أبداً عن وجود خبراء فى تقييم الشركات نفسها وهو ما لا يزال غائباً عن البلاد إلا فيما ندر وإن كانت قد تشكلت مؤخراً بعض المجموعات الشبابية التى تحاول تعويض هذا النقص الخطير الذى يُحول تقييمات الأسهم إلى أرقام وهمية ليس لها ما يقابلها على أرض الواقع. فلنقل على سبيل المثال أن أسرة مُكونة من خمسة أفراد تعيش فى منزل واحد ويبلغ دخول أفرادها مجتمعين عشرة آلاف جنيه (هذا مرادف لقيمة الأسهم التى ينطلق حسابها من أرباح الشركة وليس قيمة أصولها)، فهل يعنى ذلك أن المنزل كشقة وحصة من الأرض وما به من منقولات لا يساوى سوى مائة وعشرون ألف جنيه، أى قيمة إجمالى الدخل السنوى للأسرة(قيمة الشركة نفسها)؟
وقد كان هذا بالمناسبة هو الباب الخلفى الذى عبره بيعت شركات عديدة فى عصر عاطف عبيد بأقل من قيمتها بكثير وصدرت بشأن بعضها فعلياً أحكام قضائية نهائية بعودتها إلى ملكية الدولة مثل سلسلة محلات "عمر أفندى" الشهيرة سنة 2005 لشركة "أنوال" السعودية بعد مفاوضات استغرقت عدة سنوات وأدارتها فى الأساس حكومة عبيد حتى وإن لم تكتمل إلا بعد إنتهاء فترتها بحوالى سنة.
وينتظرنا هذه المرة نفس المصير حيث تخطط الحكومة الآن لطرح حصة ربما تكون فى حدود 40% من "بنك القاهرة" مثلاً ولا تزيد قيمة السهم الأسمية حالياً عن أربعة جنيهات وهو مقيد بالبورصة برأسمال 2.25 مليار جنيه، أى حتى لو تضاعفت القيمة فى الطرح المرتقب عشرة مرات (وهذا لن يحدث بالطبع) ستكون إجمالى القيمة 22.5 مليار جنيه بالكاد وهو رقم ضئيل للغاية بالنسبة لكيان مصرفى يستحوذ على حصة سوقية تبلغ 15% من إجمالى العملاء النشيطين بمصر وحقق فى عام 2018 فقط أرباح تصل إلى 3.3 مليار جنيه ليكون العائد على الاستثمار حوالى 14.5% وهو رقم وهمى بالنسبة للظرف الاقتصادى الطبيعى بعيداً عن سياسة الفائدة الجنونية التى ينتهجها البنك المركزى المصرى منذ نوفمبر 2016 لظروف استثنائية ولن يتمكن بالطبع من الاستمرار فيها إلى أبد الأبدين.
هذا بالإضافة إلى أن سوق الأوراق المالية صحيح زاد حجمه عشرات المرات عن فترة عاطف عبيد ولكنه فى الوقت نفسه لم يصل بعد إلى مرحلة من الاستقرار تمكنه من استيعاب طروحات بحجم "إنبى" و"بنك القاهرة" أساساً وسيؤدى كليهما على المدى المتوسط إلى تجفيف السيولة الموجودة بما لا يحمد عقباه من آثار سلبية على الشركات الأخرى المُقيدة فى السوق الرئيسية وقد يكون من شأنها الغلق النهائى لبورصة النيل التى تعانى الأمرين أساساً.
ما لم تدركه حكومة عاطف عبيد منذ حوالى خمسة عشر عاماً والظاهر أن حكومة اليوم لا تدركه أيضاً هو أن خصخصخة القطاع العام – إن اتفقنا على ضرورته أصلاً – ليس غرضه تجنيب الدولة الخسائر ولكن أن تجنى منه أرباحاً، أى أن يكون لذلك عائد يفوق ما يُمكن أن تكسبه إذا ما أصلحت هذه الشركات وأعادت هيكلتها. ربما يكون هذا هو بالفعل الحال بالنسبة لبعض الشركات وكن أعتقد أن مثال "بنك القاهرة" الوارد بأعلى يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا لا ينطبق على جميع الشركات المزمع بيعها.
أؤكد مرة أخرى على أن د/عاطف عبيد كان لها عذره فى بعض المناحى ولكن لا يوجد اليوم بأى شكل من الأشكال ما يُمكن أن يُعفى المسئولين عن تحمل التبعات بالكامل والتى أخشى أن تكون وخيمة ما لم يراجعون حساباتهم بدقة وأوقفوا هذا الشكل من الخصخصة فوراً قبل فوات الآوان وليس مطلوباً لتحقيق تلك الغاية سوى أن يلقوا ولو نظرة سريعة فى كتب التاريخ أو حتى يرفعون سماعة التليفون ويتصلون بمن خاضوا التجربة فبعضهم لا يزال حى يُرزق، أطال لنا الله فى أعمارهم.
وتطرقت بموضع سابق فى إطار الحديث عن عملية الخصخصة على موضوع التعويم الذى يحتاج بالطبع إلى المزيد من التفصيل لما كان تأثيره يمتد إلى ما هو أبعد من مجرد جذب المستثمر الأجنبى الذى أصبحت عملته أكثر قيمة بين عشية وضحاها.
والحقيقة أن عاطف عبيد – الخبير الاقتصادى المخضرم – قد أقدم على عملية بالغة التعقيد وهو بالتأكيد كان على علم بذلك منذ البداية حيث أن ما كان يبتغيه هو "الإمساك بالعصا من المنتصف" وتخفيض قيمة الجنيه بشكل يُمكن السيطرة عليه بواسطة "التعويم المُدار". وبالرغم من اعتراض الكثيرين على ذلك فى حينها – وأنا شخصياً كنت منهم – إلا أنه إذا ما نظرنا للأمور من زاويتنا الحالية، يجب الأعتراف بأن قراره ذلك وقتها كان سديداً وعاقلاً رغم صعوبة المسألة من الجانب الفنى وهو ما عجز عن التعامل معه حتى مصرفى متميز من مقام محمود أبو العيون، محافظ البنك المركزى أنذاك، فأستبدله عاطف عبيد فى الشهور الستة الأخيرة من توليه رئاسة الوزارة بفاروق العقدة الذى صحيح لم يتمكن من منع صعود الدولار أمام الجنيه بنسبة 75% تقريباً ولكنه أيضاُ لم يضطر إلى اللجوء للشكل القاسى من التشدد فى السياسة النقدية الذى اتبعه طارق عامر على مدار العام ونصف العام الماضيين حتى لامس سعر الفائدة على الجنيه 20% وبالرغم من ذلك تعدت نسب التضخم حاجز 30%، ما لا يثبت فقط الفشل الذريع لتلك السياسات ولكنه تسبب أيضاً فى ركود وصل لحد الجمود بكافة الأسواق تقريباً وأوقف العديد من المشروعات الاستثمارية الجديدة أو التوسعات التى كانت مُخططة للقديمة ولولا مجهودات وزيرة الأستثمار والتعاون الدولى سحر نصر لكان الموضوع تحول إلى كابوس وظنى أن هذا هو السبب الرئيسى لدمج وزارة الاستثمار مع التعاون الدولى بقيادة نصر بعدما لم تقدم سابقتها لحقيبة الاستثمار داليا خورشيد أى ما يُمكننا الثناء عليه ولو من بعيد سوى تصريحات فارغة، بل ومثيرة للضحك فى بعض الأحيان.
ومن هنا كان يجب على الحكومة الحالية إدراك أننا ومثلما نتعلم من أخطاء الماضى، نتعلم أيضاً من صوابه وكان الأجدى بها اللجوء إلى مثل ذلك "التعويم المُدار" مرة أخرى بدلاً من الخروج علينا بسعر استرشادى يبلغ 13.00 جنيه ولكن غير مُلزم، فتعداه الواقع بحوالى 6 جنيهات ونصف بعدها ببضعة أيام وكأنه لم يكن.
وما فعله العقدة تحديداً هو ربط سعرى الدولار والفائدة بمؤشرات اقتصادية حقيقية وفقاً للناتج المحلى الإجمالى ونسب البطالة وعجز الموازنة وخلافه بدلاً من منحى المحافظ الحالى للبنك المركزى الذى قرأ الآية مقلوبة وجعل سعر الفائدة هو الذى ينتج له المؤشرات الاقتصادية أى أنه وضع "العربة قبل الحصان وندفع نحن جميعاً اليوم ثمن هذا القرار غالياً.
صحيح أنه من الصعب علينا تصور استنساخ تجربة "التعويم المُدار" من أوائل الألفينيات استنساخاً دقيقاً بالنظر إلى مُتغييرات إطارية مختلفة ولكن كان من الممكن على سبيل المثال وضع هامش بنسبة قد تصل إلى 20% صعوداً وهبوطاً على السعر الاسترشادى – وهى نسبة ليست بالقليلة أبداً – مما كان قد حجم سعر الدولار فيما لا يزيد عن 14.30 جنيه لأعلى و11.70 جنيه لأسفل وأعتقد أن هذا نطاق مُعبر عن القيمة الحقيقية للعملة الخضراء وهو فى تصورى الشخصى كان أيضاً كفيلاً بمنع الإنفجار المُرعب لنسب التضخم الذى رأيناه عقب نوفمبر 2016.
هذا بالإضافة إلى مراعاة فاروق العقدة للطبيعية السياسية لقراره أو مجموعة قراراته وهو لم يكن الظرف الاقتصادى العام من حوله يقل سوءً عن أوضاعنا الحالية، بل ربما كانت أكثر ضيقاً من عدة جوانب نظراً لاختلاف موازين القوى والهيمنة الكاملة لشبكات المصالح ومجموعات الضغط فى هذه الحقبة وما استتبع ذلك من تضارب وتناقضات فى عملية اتخاذ القرار نفسها والتى غالباً ما كانت تأخذ وقتاً طويلاً للغاية. لم يتميز زمن العقدة إذن فى شئ عن زمن عامر إلا على سبيل وجود المزيد من الاستقرار السياسى وقت العقدة ولكن هذا عنصر لا يُغفر لعامر إلا القليل جداً من الأخطاء الكارثية التى ارتكبها وهى فى الحقيقة كفيلة بإقالة وزير المالية، بل ورئيس الجمهورية نفسه (لو كان الدستور يسمح بذلك) وليس فقط محافظ البنك المركزى.
ويجب التنويه فى هذا السياق أيضاً إلى ثبوت خطأ فكرة أن التعويم الكامل فى حد ذاته يضمن توافر النقد الأجنبى ويحسن من تدفقاته أو يرفع من قدر تنافسية المُنتج المصرى فى الخارج. فهذا فى واقع الأمر لم يحدث إلا على مستوى زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج ومبيعات الأفراد للبنوك الرسمية وهى فى النهاية مبالغ زهيدة جداً فى سياق الاقتصاد الكلى مهما زادت.
هذا لأن مستورد المُنتج المصرى أو الجهة الأجنبية التى تشترى خدمات من مصر (التعهيد مثلاً) ليست بهذا القدر من السذاجة وهو ما رأيناه بالفعل فى عدة حالات وكانت من أبرزها مطالب شركات السياحة الأوروبية بتخفيض مقابل قيمة الإقامة بالفنادق المصرية بالنسبة للأفواج أو المستوردين الإماراتيين للمحاصيل البستانية المصرية الذين كانت لهم نفس هذه الشروط بالرغم من أنهم يعلمون تماماً مدى ما أضعف التعويم قوة الجنيه المصرى الشرائية.
وعليه وجدنا فجأة أن "السحر قد انقلب على الساحر" فى يوم وليلة ولم يخدم التعويم فى نهاية الأمر سوى القليل من رجال الأعمال المصريين والكثير من نظرائهم الأجانب وأثر بالسلب على قدرة الحكومة المصرية فيما يتعلق بالوفاء بالتزاماتها الخارجية.
ولا يُخفى على أحد كذلك أن التعويم الكامل غير المُدار كان يتطلب أولاً ليس فقط إصدار حزمة من التشريعات لضبط المعاملات المالية والنقدية ورفع نسب الشمول المالى – وهو ما حدث بالفعل – ولكن أيضاً استحداث بعض المفردات التى من شأنها تحسين الإطار التشريعى المتعلق بتقوية وحماية الصناعة الوطنية وبالتالى زيادة الناتج الإجمالى المحلى وهو ما لم يحدث سوى على مستوى بعض القرارات الهامشية – على أهميتها – مثل رفع كفاءة إصدار التراخيص الصناعية وفرض رسوم إغراق على مجموعة صغيرة جداً من السلع، جاءت معظمها من باب مجاملة كبار المُصنعين فى مجالات بعينها وإنشاء سجل للواردات يتعين على الشركات المُصدرة لمصر التسجيل به وهى كلها إجراءات قد تكون فعالة إإذا ما افترضنا وجود رؤية سياسية اقتصادية شاملة لها أفق أبعد من مجرد الدعاية السياسية وإطلاق الشعارات الرنانة وخطط حقيقية وشفافة مُتاح للجميع الإطلاع عليها والتعامل معها بدلاً من لاقتصار على أنصاف الحلول التى قد تبدو لطيفة ومُجدية للوهلة الأولى ولكن مُفرغة من محتواها بمجرد النظر إليها بالبعض من التمعن حتى ولو كانت تحمل فى طياتها أفكار جيدة ونوايا حسنة والأخيرة كما نعلم جميعاً "يفترش بها الطريق إلى جهنم".
ومن جانب آخر لا نبالغ فى شئ بكل تأكيد إذا قلنا أن أكثر ما يمس المواطن المصرى من معدوم الدخل إلى محدوده هى كيفية تدبيره للحد الأدنى من سبل العيش الكريم له ولأسرته فى ظل واقع يطحنه طحناً يوم تلو الآخر بلا رحمة. وبالتالى يكون منطقياً أن يتصدر موضوع مثل الدعم أولويات اهتماماته اليومية وليس الفنيات الاقتصادية الدقيقة من سعر فائدة وهبوط البورصة أو صعودها ونسب النمو وخلافه وهى جميعها أمور لا تهم فى النهاية سوى شديدى التخصص ولا تمس حياة هذا المواطن البسيط اليومية بشكل مباشر.
أما الدعم فهو الخنجر الذى يُمكن أن يضربه فى قلبه، خاصة عندما يكون متعلقاً بالسلع الاستراتيجية والاحتياجات الأساسية التى يصعب ليس فقط الاستغناء عنها ولكن حتى التقشف فيها.
وقد طُرحت فكرة تخفيض الدعم ثم إلغاؤه لأول مرة علناً فى عصر حكومة د/ عاطف عبيد، إلا أنه فى النهاية إتُخذ قرار بعدم المُضى قُدماً فى هذه الخطة لتهديدها السلم الاجتماعى من ناحية ولما كانت ستزيد من الفجوة الكبيرة القائمة بالفعل ما بين الأغنياء والفقراء وتبتعد بالدولة خطوات كبيرة عن هدف تحقيق العدالة الاجتماعية. وذلك كله رغم تسليم الجميع وقتها أن الدعم السلعى عملية مُشوهة للأسواق وأنه فى الكثير من الأحوال لا يصل إلى مستحقيه وهى بالمناسبة حقيقة لا يمكن لأحد إنكارها.
وقد كان واضحاً على ما يبدو أمام رئيس الوزراء وحكومته أن رفع الدعم جزئياً أو كلياً بشكل متسرع أو متهور ستكون أثاره عكس ما قد يظنه البعض لما كان سيؤدى فى النهاية إلى إضعاف ملحوظ للقوة الشرائية وسيتسبب بالتالى فى موجة من الركود ثم التضخم إلى أن يتحقق كابوس الركود التضخمى، أى الركود الناتج عن غلاء الأسعار بما يفوق طاقة المواطن ويُجبر كل من المُصنع والتاجر على رفع الأسعار مراراً وتكراراً حتى يتمكنوا من تحقيق الأرباح المطلوبة لتغطية على الأقل مصاريفهم التشغيلية من عدد أقل من الوحدات المباعة بمعنى أن يكسب صاحب محل الأجهزة المنزلية مثلاً من عشرة ثلاجات نفس مبلغ الألف جنيه الذى كان يكسبه فيما قبل من خمسة عشر ثلاجة ويرتفع بالتالى سعر الوحدة. ومن المؤكد أيضاً أن حكومة عبيد أدركت فى أيامها أن كل ذلك مجتمعاً سيؤثر بشكل ملموس على الإيرادات السيادية للدولة ولن يكون أمامها حينئذٍ سوى اللجوء إلى زيادات ضريبية غير منطقية بكافة ما لهذا من عواقب وخيمة تتمثل فى المزيد من الركود.
وفى المقابل نجد الحكومة المصرية اليوم وهى تضرب عرض الحائط بكل المحاذير الظاهرة للعيان وترتكب كافة الأخطاء التى يُمكن ارتكابها دون أى مبرر موضوعى بعد أن انتابتها حالة ذعر رهيب وخوف لا نهاية له من خسارتها لرضاء صندوق النقد الدولى الذى تعدى بكثير هذه المرة إملاء الشروط على مصر ووصل إلى مرتبة الواضع الفعلى لسياساتها الاقتصادية بدرجة قد تصل فى بعض الأحيان إلى الانتقاص من سيادة الدولة نفسها.
فنجد اليوم استبدال عشوائية توزيع الدعم على من يحتاجه ومن لا يحتاجه بعشوائية منعه عن الجميع وخاصة الطبقات الأكثر فقراً بدعوى ترشيده وتوصيله إلى مستحقيه. وليس أدل على ذلك من الرفع الأخير لأسعار الوقود الذى استثنى "بنزين 95" الذى تحتاجه السيارات الفارهة (أو قلل من نسبة غلائه) فى الوقت الذى وقعت فيه تحت مقصلته كافة أنواع الوقود الأخرى بما فى ذلك "بنزين 80" و"السولار" الذى يخدم فى الأساس الفئات ذات الدخول المنخفضة والمنخفضة جداً. هذا مع العلم أنه حتى لو قد كان زاد "بنزين 95" لم يكن هذا سيغير من الأمر كثيراً لأنه مهما ارتفع سعره ستظل النسبة والتناسب فى صالح الأثرياء وشديدى الثراء.
كما لا تراعى الحكومات المتتالية فى فترة رئاسة عبد الفتاح السيسى منذ 2014 وحتى الآن الآثار العكسية المترتبة على خفض الدعم بهذه الطريقة فيما يتعلق ليس فقط بالقوة الشرائية ولكن أيضاً ما هو مرتبط بذلك من إضعاف الإنتاجية المحلية نفسها التى لم يعد لديها حافزٍ كاف لزيادة مخرجاتها لصعوبة التسويق، الأمر الذى تكون نتيجته الحتمية انخفاض آخر فى الحصيلة الضريبية ليس كرقم مجرد بالطبع ولكن كنسبة من إجمالى الإنفاق بالموازنة العامة على المديين المتوسط والبعيد حتى لو بدا الأمر غير ذلك على المدى القصير حيث بلغت هذه النسبة 72% فى العام المالى 2018/2017 وتستهدف الحكومة زيادتها إلى 73.5% فى 2019/2018 وهى غاية ليست صعبة التحقيق ولكن النسبة ستنخفض فيما بعد حتماً بمجرد أن يظهر ما أشرنا إليه بعد مرور ما أقصاه عامين من اليوم لأن كساد الأسواق يحتاج إلى فترة لينعكس على الحصيلة الضريبية فى المجمل ولا يظهر فى العادة فى نفس سنة المحاسبة. فلنقل على سبيل المثال أن عامل حر انخفض دخله من شهر للثانى من 2000 جنيه إلى 1500 جنيه، لن يشعر أحد بذلك قبل نهاية الشهر بخمسة أو ستة أيام لأن جزء كبير من مصروفاته ثابتة مثل الإيجار والكهرباء والغاز إلخ ولا يمكنه الترشيد فيها لأن استهلاكه منها الذى يُستحق الآن كان قبل انخفاض دخله وليس بعده وهو يقبض مؤخراً وليس مقدماً تماماً كالضرائب التى تُدفع مؤخراً وليس مُقدماً.
ثم يأتى نظام الحكم الحالى ويحدثنا بجرأة يُحسد عليها بصراحة عن استبدال الدعم العينى بالدعم النقدى وهو هنا يُشير إلى بضعة عشرات الجنيهات على بطاقة التموين وفى أفضل الأحوال إلى بضعة مئات من الجنيهات لعدد محدود جداً من المواطنين من خلال برنامج "تكافل وكرامة" بينما تشير أرقام الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فى دراسة نشرها عام 2016 أن 27.8% (ما يزيد عن 26 مليون) من المواطنين المصريين كانوا فى عام 2015 يعيشون تحت خط الفقر البالغ حالياً 482 جنيه مصرى فى الشهر وأغلب الظن أن العدد قد أزداد على مدار الأعوام الثلاثة الأخيرة.
ولا يُخفى على أحد بطبيعة الحال أن الدعم النقدى لن يتمكن أبداً من مجاراة تحرك الأسعار أو غلاء المعيشة أو نسب التضخم إلا إذا كان سيأتى قريباً من ما تقدمه الدول الأوروبية لمواطنيها المحتاجين ولكن لو كانت الدولة المصرية لديها الموارد لتفعل ذلك، لما أضطرت من الأساس لتقليص الدعم.
هذا بالإضافة طبعاً إلى إشكاليات لوجيستية عديدة تجعل من حصر وتحديد المستحقين لمثل هذا الدعم فى ظل غياب معايير حقيقية وتعريفات واضحة لهؤلاء وأيضاً عدم توفر بيانات ومعلومات كافية للاستدلال عليهم من الأساس.
إجمالاً يجوز لنا القول فى هذه النقطة إذن إذن أن الحكومة الحالية تفتقد إلى الفهم الاقتصادى المتعمق والحساسية الاجتماعية الشديدة التى مكنت حكومة عبيد – وأؤكد على اختلافى معها شكلاً وموضوعاً على كافة الأصعدة – من خلق توازنات موضوعية على أرض الواقع قد تكون ظلمت فئات عريضة من الشعب فى أشياء عدة ولكنها لم تنظر إليه أبداً على أنه عبء يجب التخلص منه أو من منطلق أن الدولة غير مسئولة عن مواطنيها إلا فى الحد الأدنى.
كما أشرت فيما قبل إلى عملية الخصخصة وما لها وما عليها وموقفى الشخصى هو أن ما عليها أكثر بووضوح مما لها.
ولكن بعيداً عن موقفى الشخصى الذى هو بكل تأكيد ليس مقياساً لصحة العملية من عدمها، لا شك فى أن الخصخصة كفكرة تحمل فى باطنها تصور أن المخرج الوحيد من المأزق الاقتصادى المصرى هو اللجوء إلى القطاع الخاص وفليأخذ "الجمل بما حمل" وعليه تتعالى الأصوات المطالبة بخلق بيئة استثمارية أكثر جاذبية، بالنسبة للمستثمر، خاصة فى المناحى التشريعية والضريبية.
وهى بدورها فكرة ليست بالجديدة وربما كانت سياسة الانفتاح فى عصر السادات هى أولى إرهاصاتها و تمت وقتها بعشوائية شديدة وأفرزت فى الأساس طبقات رجال الأعمال الطفيلية الذين لم يضيفوا للاقتصاد القومى الكثير ولا القليل وهى فترة لازلنا نعانى من تبعاتها إلى يومنا هذا.
إلا أن الدخول المؤسسى الفعلى للقطاع الخاص فى القطاع الاقتصادى لم يبدأ إلا فى عصر عاطف عبيد بما فى ذلك القرارات التى مهدت سياساته لها الطريق ولم يصدر بعضها إلا فى أوائل 2005 عندما ألزم البنك المركزى كافة البنوك العاملة فى مصر بزيادة رؤوس أموالها إلى ما لا يقل عن 50 مليون دولار أو ما يعادلها فى موعد أقصاه شهر يوليو من نفس السنة، الأمر الذى أدى إلى اختفاء العديد من البنوك الصغيرة التى لم تستطع توفيق أوضاعها فى حينها مثل "بنك مصر الدولى" الذى اضطر إلى الاندماج مع "الأهلى سوسيتيه جنرال" ("قطر الوطنى حالياً) و"المصرى الأمريكى" الذى استحوذ عليه بنك "كاليون ايجيبت" الفرنسى ليتحولا معاً إلى "كريدى أجريكول" و"التجاريون" الذى اشتراه "البنك الأهلى المصرى" وهلم جرا إلى أن تقلص عدد البنوك العاملة فى مصر من ما يزيد عن 60 مصرفاً إلى ما يقل عن أربعون، الأمر الذى أفقد السوق المصرفية المصرية الكثير من مرونتها وقابليتها لاستيعاب شرائح مختلفة من العملاء فى مقابل إرضاء المؤسسات الخاصة الكبرى التى لا ترغب فى دخول سوقاً مزدحمة يعج بالمنافسين متوسطى الحجم القادرين على اجتذاب صغار العملاء الذين يشكلون جزء كبير من القاعدة البنكية فى الدول النامية والأسواق الناشة مثل مصر.
وهذا هو فى الحقيقة لُب الموضوع. فالقطاع الخاص بطبيعته وبكل ما تحمله توجهاته الرأسمالية من تناقضات لا يكره شيئاً قدر ما يكره المنافسة رغم أن هذا هو الأساس الذى تقوم عليه الفلسفة الرأسمالية والسوق الحر وما شابه.
ومن هنا أراد عاطف عبيد إفساح المجال أمام كبريات شركات القطاع الخاص العالمية والمحلية على حد سواء وليس أدل على ذلك من إخراجه لمسرحية استيلاء رجل الأعمال المقرب للنظام وقتها أحمد عز على "شركة الأسكندرية الوطنية للحديد والصلب" ("عز الدخيلة" الآن) والتى استمرت فصولها منذ 1999 وحتى أسدل الستار عليها نهائياً فى 2005 لأن القضية بالنسبة لحكومة عبيد لم تكن أبداً مجرد الاستيلاء على المال العام أو محاباة رجال أعمال مبارك ولكن فى الأساس كان هدفها القضاء على كافة الكيانات الكبرى المملوكة للدولة وهى فى ذلك لم تنجح ولم تفشل فى الحقيقة، بل اضطرت إلى التوقف بمنتصف الطريق بعدما اتضح أن المستثمرين الأجانب غير مهتمين بالدخول فى سوق تحكمها الدولة فى النهاية من الجانب السياسى وشعروا أنه يُنظر إليهم على أنهم "البقرة الحلوب" وأن المستثمرين المصريين ببساطة لا يتمتعون لا بالكفاءة ولا بالوعى المطلوبين لمثل هذه العملية البالغة التعقيد حيث كانوا جميعهم خريجين كلية "إضرب وأجرى".
وبالرغم من أن بيئة الأعمال المصرية بما فى ذلك القائمين عليها قد تطورت للأفضل كثيراً (وأقصد الجانب الفنى والعلمى، ليس الأخلاقى ولا الوطنى) إلا أن الاعتماد على قدرة القطاع الخاص فى إدارة اقتصاد الدولة وفقاً لنظرية "اليد الخفية" التى ابتدعها عالم الاقتصاد الأسكتلندى أدم سميث فى فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر لا تزال وهماً كبيراً لا يمكن التعويل عليه تحت أى ظرف من الظروف ليس فقط لأن النظرية فى حد ذاتها يشوبها العوار ولكن لأن تبعية القطاع الخاص المصرى للخارج وعدم رغبته الواضحة فى تقديم قيمة إنتاجية مُضافة حقيقية وسعيه الدائم نحو أسرع الطرق إلى الربح بصرف النظر عن إستدامته كفيلة بإفشال النظرية حتى لو كانت كاملة متكاملة وغير معيوبة.
هذا بالطبع بالإضافة إلى بقاء الدولة كعنصر مهيمن على الاقتصاد من خلال سيطرة الجهات السيادية المختلفة عليه سيطرة كاملة، سواء كانت القوات المسلحة أو غيرها وهو ما يعتبر مُنفراً للقطاع الخاص وإن قبل به، فهو يقلل من فاعليته وكفاءته بشكل ملحوظ.
هذا لأن الدولة المصرية الحالية قد تملك رؤية تجاه تنفيذ بعض المشروعات والأطر الهيكلية وتأثيرها على الاقتصاد القومى، بل وربما تملك رؤية للأهداف التى تريد الوصول إليها وقد تكون هناك أيضاً ببعض المناحى جدية ما فى تنفيذ ما يُطلق عليه خطة "مصر 20/30" بعيداً عن الدعاية السياسية ولكن الرؤية التى تفتقدها هذه الدولة بشدة وهى الأكثر إلحاحاً هى تصور منطقى عن شكل الاقتصاد الذى تريد أن تصل إليه فى النهاية وكيفية خلق البنية المؤسسية المطلوبة لاستمرار هذا الشكل، أى كان، على المدى البعيد.
الموضوع فى حقيقته إذن صعب جداً حتى لو افترضنا حسن النية لدى الغالبية العظمى من القطاع الخاص لأنه فى مجمله لا يزال حتى هذه اللحظة فى طور التشكيل لأن الاقتصاد المصرى يتغير كل بضعة سنوات بمجرد أن تتغير التركيبة السياسية المُحيطة به لكون نظم الحكم المصرية المُتعاقبة منذ أيام الملكية تقوم بتوظيف الاقتصاد لأغراض سياسية بدلاً من أن تخدم السياسة الاقتصاد.
والقطاع الخاص المصرى تنقصه أيضاً روح المبادرة والريادة التى يحتاج إليها أى اقتصاد قومى إن أردنا له النهوض حيث نرى أن هناك إصراراً شديداً على السير بنفس الدروب التقليدية حتى ولو كانت أثبتت فشلها فى الماضى أو أستُنفذت تماماً وأصبحت كالعبوة الزجاجية الفارغة التى يحاول أحد عصرها. وربما أتت الأزمات الاقتصادية المتتالية منذ عام 2011 ببعض الخير حيث دفعت مجتمع الأعمال الصناعى والتجارى والخدمى إلى البحث عن أسواق جديدة (أفريقيا وبعض دول أمريكا الجنوبية والوسطى بالنسبة للصناعة والتجارة مثلاً أو دول شرق أوروبا – بخلاف روسيا – بالنسبة للقطاع السياحى). كما ظهر هناك أيضاً بعض الاهتمام بتصنيع بدائل السلع المستوردة والسلع الوسيطة (شبه الخام) لتقليل اعتماد المُنتج المصرى على الخامات الواردة من الخارج.
ولكن كل هذه التطورات لا تزال فى بداياتها ومن الصعب الجزم بأنها ستنجح دون أن يكون هناك تأهيل حقيقى للقطاع الخاص ودخوله فى منظومة اقتصادية ذات أفق واسع ولديها ما يمكنها من الاستمرار، أى منظومة تتحرر من باطنها السياسى بقدر ما هو ذلك ممكن، مع مراعاة أن الفصل الكامل ما بين الاقتصاد والسياسة أمر مستحيل حتى فى معاقل الديمقراطية حول العالم.
ولقد قصدت فى الحقيقة تأجيل موضوع الأشكال التمويلية والخدمات المالية غير المصرفية حتى النهاية لما كان بطبيعته يحتوى على قدر كبير جداً من الفنيات المُعقدة نوعاً والكثير من المصطلحات التى غالباً ما لا تكون متداولة خارج دوائر المهتمين بالشأن الاقتصادى بشكل خاص.
وفهمت حكومة عبيد من ضمن ما فهمته جيداً أن هناك سقف واضح ومحدد لقدرة المصارف على دعم الاقتصاد القومى من خلال آليات التمويل التقليدية، خاصة أن أحجام القروض التى يمكنها منحها للشركات والمستثمرين تتوقف على مجموعة كبيرة من العناصر بعيداً حتى عن الجدارة الائتمانية للعميل مثل ودائعها واحتياطياتها وأصولها، باختصار مُجمل مركزها المالى. كما لا نغفل هنا أيضاً ذكر الإطار التشريعى المحيط بها وهو ربما يكون أهم من المؤشرات المالية حيث قد يمنع إعطاء تسهيلات لمجرد عدم توافق الضمانات التى يقدمها المُقترض مع ضوابط لا علاقة لها فى الحقيقة بوجود قدرة للعميل على السداد من انتفائها.
وربما تكون الحكومات المتتالية التى شاهدناها منذ عام 2014 قد تعلمت من وزارة عاطف عبيد التى لم تتمكن من الخروج بمثل هذا الإطار التشريعى لتزامن تواجدها فى ذلك الوقت مع فترة صعود جمال مبارك وزمرته من المنتفعين واللصوص والبعض منهم لا يزال موجوداً بيننا حتى اليوم يعيث فى الأرض فساداً، فعكفت قبل كل شئ على إعداد القوانين المصاحبة للإصلاح المالى المنشود مثل قوانين التمويل العقارى والتأجير التمويلى والتخصيم وهى كلها أطروحات – باستثناء التخصيم – ظهرت لنا للمرة الأولى أثناء فترة د. عاطف عبيد أيضاً. كما قام النظام الحالى بإصدار قانون للضمانات المنقولة وإنشاء كيانات تختص بالسياسات المالية مثل المجلس القومى للمدفوعات واتخذ بالفعل خطوات عدة نحو تحقيق الشمول المالى والتركيز على أنشطة تدفع فعلياً عجلة النمو مثل المشروعات المصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصِغر والتوجه نحو ميكنة الموازانات الخاصة بالدولة وتنقيحها. ودخلت علينا كذلك فى الآونة الأخيرة مصطلحات جديدة على سوق الأوراق المالية مثل الشراء الهامشى والمضاربة بالأسهم المُقترضة.
ولكن ما لم تفعله أى من تلك الحكومات المتعاقبة على مدار السنوات الأربعة المنصرمة هو مراعاة مدى اتساق كل هذه العناصر مع بعضها البعض كى تُشكل فى النهاية منظومة متكاملة ومتجانسة بوسعها تطوير القطاع المالى المصرفى وغير المصرفى على حد سواء.
ومن هنا وجدنا أن حجم التعاملات قد زاد بالفعل، ما يبرر جزئياً نسب النمو التى لا بأس بها على الإطلاق، بل وتعتبر مرتفعة نوعاً بالمقارنة مع اقتصادات أخرى حول العالم ولكن دون أن تكون هناك زيادة حقيقية فى الدخل القومى للفرد أو للجماعة.
فالبنك المركزى عندما يصل مثلاً بمستويات الفائدة إلى الأرقام الفلكية سابقة الذكر لمكافحة التضخم المنفلت قد يجعل بذلك عمليات مثل التأجير التمويلى والتخصيم أكثر جذباً لإنخفاض كُلفة الأموال بها نسبياً ولكنه فى ذات الوقت يجعل فكرة الاستثمار فى حد ذاتها قليلة الإغراء لإمكانية تحقيق نفس العائد أو ما يزيد عنه حتى من خلال أدوات الدخل الثابت قليلة أو منعدمة المخاطر.
كما تحتاج المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصِغر إلى عمالة مُدربة ومنظومة للتسويق قبل أن تحتاج إلى منظومة تمويلية حتى يُمكنها القيام بدورها الرئيسى وهو مكافحة نسب البطالة وهو ما لن يحدث طيلة ما تستمر الحكومة فى النظر إلى هذا القطاع على أنه مجرد وسيلة لدمج القطاع غير الرسمى فى الاقتصاد الرسمى ليس بهدف تحسينه والارتقاء بانتاجيته، بل فقط لزيادة الحصيلة الضريبية وهو أمر هام للغاية بلا أدنى شك ولكنه لا يجوز أن يكون الغرض الوحيد ولا حتى الأساسى إلا إذا اعتبرنا أن الدولة فى الأصل كيان هادف للربح وهو ما لا يمكن لعاقل تصوره.
كما أن ما يجب أن يخصصه كل مصرف لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة بموجب القانون (20% من إجمالى محفظة البنك الائتمانية) لم يعد يذهب إلى مثل تلك المشروعات أساساً بعدما قام البنك المركزى بتعديل صياغة تعريفها عدة مرات وصارت بعضها يصل رأسمالها إلى 15 مليون جنيه مما يُفترض أنه يجعلها من غير المُستحقين لهذا التمويل المُيسر من الأصل.
ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للشمول المالى والذى، إحقاقاً للحق لم يكن أبداً على أجندة حكومة عبيد وأعتبر ذلك من خطاياها الكبرى. ذلك لأن الشمول المالى ليس معناه ميكنة ورقمنة بنية المدفوعات، بل يعنى أولاً وأخيراً "الإتاحة" أى إتاحة الفرصة للمواطن للوصول إلى الخدمات المصرفية ونزيد عليه فى عصرنا الحديث تطوير البنية التكنولوجية التحتية وخاصة خدمات الإنترنت – التى هى فى الواقع تزداد تردياً وغلاءً – للاستغناء ولو جزئياً عن التواجد فى جميع المناطق من خلال فروع أو منافذ.
ولم تفعل أى من الحكومتين السابقتين (إبراهيم محلب وشريف اسماعيل) شئ يُذكر فى هذا الصدد ولم تتعدى مجهوداتها هنا استغلال مكاتب البريد المنتشرة فى أرجاء البلاد كافة فى تيسيير االتحويلات وهو أمر – على أهميته بالنسبة للكثير من المواطنين – هامشى إذا تحدثنا عن الشمول المالى بمفهومه الواسع.
كما جاء أيضاً تطوير البورصة منقوصاً بسبب ضعفها تنظيمياً وتشريعياً ولم تتمكن الحكومات الحالية من استغلال تركة د. عاطف عبيد الذى أقام فى عهده أول بورصة أوراق مالية حقيقية فى مصر منذ عام 1952 بالرغم من بدائيتها لظروف حداثة نشأتها الفعلية وبعيداً عن البورصة شبه الشكلية التى كانت موجودة ما قبل ذلك.
ونُضيف إلى ذلك أن سوق الأوراق المالية أساساً قائمة من حيث جوهرها على كيان واحد فقط لا غير وهو "البنك التجارى الدولى" الذى تبلغ حصته من رأسمالها حوالى 40% وهو أمر أزعم أنه غير موجود مثيلاً له فى أى بورصة أخرى حول العالم. كما تتحكم فى سوق الأوراق المالية هذه 5 أو 6 شركات سمسرة فقط ("المجموعة المالية المصرية / هيرميس" و"بلتون" على سبيل المثال) بينما لا تزيد الحصة السوقية للسواد الأعظم من الشركات الأخرى عن 1% وأقل مما يفتح الباب واسعاً أمام أى من يريد التلاعب أو التربح دون وجه حق وهو ما يحدث بالفعل.
ودخول أدوات مثل الشراء الهامشى (يقوم المُضارب / المستثمر بدفع جزء فقط من قيمة الأسهم ويُموَل الباقى مصرفياً) والمضاربة فى الأسهم المقترضة (بيع الأسهم دون امتلاكها فعلياً) صحيح أنها ساهمت فى توسيع قاعدة المتعاملين ولكن دون إضافة حقيقية أو دخول رؤوس أموال جديدة.
ثم نأتى أخيراً ولكن ليس أخراً إلى موضوع التمويل العقارى الذى ربما يكون قد أنقذ بعض البنوك الصغرى من الإفلاس لما كانت فائدته منخفضة نسبياً وبالتالى عوض جزئياً إحجام معظم المقترضين التقليديين، سواء الشركات أو الأفراد عن اللجوء إلى المصارف بسبب إرتفاع الفائدة الرئيسية كما سبق وأن ذكرت.
وعملية التمويل العقارى هى بدورها آلية طُرحت بقوة وقت حكومة عاطف عبيد وفشلت لإمتناع البنوك عن المشاركة الحقيقية بها لضعف العائد لأنها وقتها كانت تهدف فعلياً إلى المساهمة فى حل مشكلة الإسكان المتفاقمة، خاصة بالنسبة للطبقة الوسطى والوسطى السفلى بينما نجدها فى 2018 وقد تحولت إلى أرضية تخدم الطبقة الوسطى العليا بشكل شبه حصرى ولا يستفيد منها المواطن البسيط فى شئ إلا نسبة ضئيلة للغاية.
ما هى الخلاصة إذن من كل هذا الموضوع ألذى أسهبت فى عرضه على الصفحات السابقة؟
هناك فى الواقع عدة أوجه يمكننا تلخيصها فيما يلى:
أ‌.) كانت حكومة الدكتور عاطف عبيد – التى أؤكد للمرة الثالثة على أختلافى على نهجها شكلاً وموضوعاً – على الأقل أكثر صدقاً وجدية عندما تحدثت عن الإصلاح الاقتصادى الذى يستهدف صالح كافة المواطنين حتى لو كانت انحرفت عن هذا الطريق سريعاً وسلكت مسالك نيوليبرالية تخدم بوضوح الترسيخ للاقتصاد الريعى ليس إلا وتخدم فقط مصالح الرأسمالية المُستغلة والطفيلية التى ظهرت بمصر فى أوائل الألفينيات بعدما رمى السادات بذورها فى سبعينيات القرن الماضى.
ب‌.) جاءت حكومة عاطف عبيد بأهداف واضحة – اخنلفنا أم اتفقنا عليها – والأهم من ذلك أنها كانت أيضاً أهداف واقعية قابلة للتحقيق ولو جزئياً وطرح عبيد آليات محددة لتحقيقها وبنى على أرقام فعلية وافتراضات منطقية بدلاً مما يحدث اليوم حيث نجد مسئولينا الكرام إما أنهم يضللونا قصداً عمداً أو أنهم يعيشون فى أحلام وردية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالواقع المرير الذى نعيشه يوماً تلو الآخر. وجل ما أخشى أنهم يكونون مصدقين لها بالفعل لأن تلك ستكون الطامة الكبرى.
ت‌.) تتكون حكومات الأعوام الأربعة السابقة – ولا يختلف محلب عن اسماعيل عن مدبولى فى ذلك أكثر من اختلاف زيد عن عبيد – من مجموعات تكنوقراطية ضعيفة ترى مهمتها الرئيسية فى إرضاء رئيس الجمهورية بصفة شخصية وهو ما لم يكن حاصلاً فى عصر عاطف عبيد حيث كانت الغاية الأساسية هى ترسيخ دعائم حكم حسنى مبارك وزيادة استقراره وهو الأمر الذى أرفضه أيضاً بالطبع ولكنه على الأقل أكثر موضوعية من اختزال مصير وطن وشعب بأكمله فى شخص واحد.
ث‌.) لم تكن حكومة عاطف عبيد تضع بسطاء المواطنين ومحدوى الدخل وشديدى الفقر فى مقدمة أولوياتها بالطبع ولكنها اعتبرت أن الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن الاجتماعى ضرورة للوصول إلى غاية استقرار نظام الحكم كما أسلفت، أى أنها أدركت أكثر المسائل بداهة وهى أن استقرار الحاكم يتطلب الحد الأدنى من الرضاء الشعبى وهو ما لم تفهمه حكومة أحمد نظيف من بعدها وبكل تأكيد لا تفهمه حكومات ما بعد 30 يونيو 2013 وإلا لما تصرفت كما تتصرف وأن كنت أميل إلى استثناء حكومة الدكتور حازم الببلاوى التى جاءت فى ظرف تاريخى وسياسى يجعل من الصعب، بل ومن المستحيل الحكم عليها.
لم أتخيل فى أى لحظة من اللحظات أنه سيأتى اليوم الذى فيه أترحم على عاطف عبيد وأيامه ولكن دفعتنى السياسات غير الرشيدة المتبعة على مدار السنوات الماضية – الاقتصادية منها وغير الاقتصادية – إلى تذكُر المثل الشعبى القائل بأن "قضاء أخف من قضاء".





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,003,320,561
- على رصيف النترو
- الضربة القاضية للشعب - الإجهاز على القليل المتبقى من الأدوات ...
- فتح عينك، تاكل ملبن - أفكار ومقترحات لإصلاح المنظومة الضريبي ...
- كوكى كاك - صناعة الدواجن نموذجاً على إشكالية الصناعات الغذائ ...
- استراتيجيات تقليص الدعم - قراءة فى التجربة المصرية من منظور ...


المزيد.....




- ما تأثير بيع السعودية سندات الخزانة الأمريكية على واشنطن؟
- الرميحي لـCNN: -التوازن المالي- يعزز فرص الاستثمار بالبحرين ...
- عجز الموازنة الأميركية عند أعلى مستوى منذ 2012
- كيف تتم عمليات تهريب النفط العراقي في البصرة؟
- مصر تقترض 3 مليارات دولار من البنك الدولي
- لماذا ذهبت مشاريع الحاويات الصينية للإمارات بدلا من مصر؟
- الخطوط الكويتية توقع اتفاقية شراء 8 طائرات إيرباص
- رئيس تتارستان يدعو لتعزيز التعاون وزيادة حجم التبادل التجاري ...
- القرم توقع اتفاقيات تعاون مع محافظات سورية
- السيسي يؤكد اهتمام بلاده بتحرير التجارة مع الاتحاد الاقتصادي ...


المزيد.....

- هيمنة البروليتاريا الرثة على موارد الإقتصاد العراقي / سناء عبد القادر مصطفى
- الأزمات التي تهدد مستقبل البشر* / عبد الأمير رحيمة العبود
- السياسة النقدية للعراق بناء الاستقرار الاقتصادي الكلي والحفا ... / مظهر محمد صالح قاسم
- تنمية الأقتصاد العراقي بالتصنيع وتنويع الأنتاج / أحمد إبريهي علي
- الثقة كرأسمال اجتماعي..آثار التوقعات التراكمية على الرفاهية / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الريعي ومنظومة العدالة الاجتماعية في إيران / مجدى عبد الهادى
- الوضع الاقتصادي في المنطقة العربية / إلهامي الميرغني
- معايير سعر النفط الخام في ظل تغيرات عرضه في السوق الدولي / لطيف الوكيل
- الصناعة والزراعة هما قاعدتا التنمية والتقدم الاجتماعي في ظل ... / كاظم حبيب
- تكاملية تخطيط التحليل الوظيفي للموارد البشرية / سفيان منذر صالح


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - محمد شيرين الهوارى - زمن عاطف عبيد.... وأهو قضاء أخف من قضاء