أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جوزف قزي - الإنسان أوّلاً















المزيد.....

الإنسان أوّلاً


جوزف قزي
الحوار المتمدن-العدد: 5937 - 2018 / 7 / 18 - 13:15
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لمْ يَحِنِ الوقت، بعدُ، لأجيب على سؤال طرحه يسوع، يوماً، على تلاميذه : "مَا يقولُ النّاسُ فيَّ؟ مَن أنا؟... وأنتم ما تقولون فيَّ؟ مَن أنا؟"1.. ذلك، وبكل بساطة، لأنّي لم أصِلْ، بعدُ، إلى متابعة التلاميذ ليسوع؛ ولم أتشرّف برفقته؛ ولم أبلغِ الخبرةَ الكافية، ولا الإيمانَ المطلوب، ولا المعرفة الحقيقيّة.
ومع هذا، لن أقولَ مع مَن قال قديماً: "إنّكَ يوحنّا المعمدان، أو إيليّا، أو إرْمِيا، أو أحدُ الأنبياء".
ولن أقول أيضاً: إنّكَ "المسيح" بالمعنى اليهودي التّوراتي التقليدي، حيث للمسيح دورٌ وطنيٌّ سياسيّ، هو تحرير شعبه من نير حكم الرومان وظلمهم.
ولن أقولَ مع مَن يقول اليوم : إنّكَ قائدٌ بطلٌ، أو معلّمٌ صاحبُ عقيدة، أو مؤسِّسُ حركةٍ عالميّة، أو مشترعٌ يضعُ الدساتير ويسنّ القوانين والأنظمة للبشريّة.
ولن أقولَ مع مَن يقول اليوم وغداً : إنّك مؤسِّسُ دِينٍ ومنشئُ مذهب، أو منزِّلُ كتبٍ من السماء، أو إنّك ملاكٌ سماويٌّ، أو نبيّ رسولٌ من ربّ العالمين، أو أركون من أراكين الأرض والسماء...
حاشاكَ من كلّ ذاكَ. وإنْ كنتُ أتبعك من أجل ذلك فأنا صالبُكَ من جديد، وأنتَ منّي بريء.
إنّ أيَّ قولٍ من تلك الأقوال يجعلك كشيخ قبيلة وزعيمِ عشيرة؛ أو يحتّم عليك أن تصنّف الناسَ، بين مَن هم معك ومَن هم ضدّك، أو بين مؤمنينَ بك ومنكرين لكَ... وما عدْتَ، بالتالي، إنساناً مثالَ كلّ إنسان، أو مخلِّصاً يعمل من أجل خلاص البشر أجمعين.
فعليه، والحال هذه، لا يمكن أن يكون يسوع، بالنسبة إليّ، إلاّ ذاك الإنسان مثال كلّ إنسان، والمخلّص الذي يعمل على خلاص كلّ إنسان. إنّه الإنسان المثالي، لأنّه لم يرذلَ من حسابه أحداً: بارّاً كان أو خاطِئاً، مؤمِناً أو كافراً، يهوديّاً أو وثنيًّا، مسلماً أو نصرانيًّا، رجلاً أو امرأةً...
لقد علّم يسوع ذلك، وعمل ذلك، وجاء من أجل ذلك. لقد قال فيما قال: "إنّ اللّه محبّة". و"عليكم أنْ تُحبّوا بعضكم بعضاً". بل قال: الإنسان أوّلاً ثمَّ اللّه، لأنّ الإنسانَ هو الوسيلة إلى اللّه. والوسيلة تكونُ أوّلاً، أي قبل الغاية.
عن هذه الأوّليّة، علّم : "إنْ جِئتَ تُقرِّبُ علَى المذبحِ قربانَك، وذَكَرْتَ لأَخِيكَ شَيئاً علَيكَ، فَدَعْ هنالكَ قربانَك، وبَادِرْ فصَالِحْ أوّلاً أخاكَ. ثمّ عُدْ وقرّبْ قربانَك"2.
هذا التعليم فريدٌ، بل غريبٌ عن منطق الأديان كلّها : أتركِ القربانَ والمذبحَ والهيكلَ، واترك اللهَ نفسَه... واذهبْ إلى أخيكَ، أوّلاً، صالحْه، أَحببْه، إغفِرْ له، تُبْ إليه... ثمّ تعاليا معاً إلى اللّه. وعندما تجتمعان معاً يكون الله هناك معكما3.
يكفيني من يسوع هذا التعليم لكي أكون معه، وله، وإلى الأبد : الإنسان أوّلاً ثمّ الله.
حياة يسوع، وتعاليمُه، وأعمالُه، وسلوكُه، وحتّى موتُه، كلُّها تعلّم ذلك وتؤكّده :
قال في ما قال: "مَن يطلبُ من الله أن يغفر له، وهو لا يغفر لأخيه؟! إنّ اللهَ لن يغفر له"4.
وقال أيضاً: "إنْ قال أحدٌ: إنّي أحِبُّ الله، وهو يُبغض أخاه، كان كَذّاباً. فمَن لا يُحِبُّ أخاه الذي يَراه، لا يَسَعُه أنْ يُحِبَّ اللهَ الذي لا يراه"5.
وأيّة صلاةٍ أعظم من هذه التي علمّناها في قوله: "وَاعْفُ عَنّا ذُنوبَنا عَفْوَنا عَمَّن أذنبَ إلَينَا". المعادلة واضحة: "إنْ تَغْفِروا للنّاس زَلاّتِهِم يَغْفِرْ لكم أبوكُم السّماوي. وإنْ لمْ تغْفِروا للنّاس فأبُوكم لن يَغْفِرَ لكم"6. أي عليكم أنتم أن تغفروا بعضكم لبعض قبل أن تطلبوا من الله أن يغفر لكم.
وأيضاً في قول رسوله: "مَن يقولُ إنّه في النّور، وهو يُبغض أخَاه، فهو حتّى الآنَ في الظلمة... وفي الظلمة يَسير"7.
"هذه هي البُشرى: أن يُحبَّ بعضُنا بعضاً...
"نحن نعلم أنّا انتقلْنا من الموت إلى الحياة، لأنّا نُحبُّ الإخوة.
"مَن لا يُحبُّ يمكُثُ في الموت. كلُّ مَن يُبغِض أخاه يكون قاتلاً.
"وتَعلمون أنّ كلَّ قاتلٍ لا حياةَ أبديّةً له ثابتةً فيه.
"بهذا عرفنا المحبّة: أنّ المسيحَ جادَ بالنَّفْس في سبيلنا، ونحن أيضاً علينا أن نجودَ بالنَّفْس في سبيل الإخوة"8.
"اللّه محبّة، ومَن يثبُتُ في المحبّة يَثْبُتُ في اللّه، واللّهُ يثبتُ فيه...
"نحنُ نُحبُّ الله، لأنّه هو أحبّنا أوَّلاً"9.
والذين يرثون الملكوت هؤلاء هم الذين قال لهم يسوع: "لأنّي جُعْتُ فأَطْعَمْتُمُونِي، وعَطِشتُ فسَقَيتُمُونِي، واغْتَرَبْتُ فآوَيتُمُونِي، وعَرِيتُ فكَسَوتُمُونِي، ومَرِضْتُ فعُدتُمُونِي، وسُجِنْتُ فزُرْتُمُونِي".
ويسألُه الأبرار: "متى رَأيناكَ، يا ربُّ، جائعاً فأطعمناك، أو عطشانَ فسقيناك؟ ومتى رأيناكَ غريباً فآويناك، أو عارياً فكسوناك؟ ومتى رأيناكَ مريضاً، أو سجيناً، فزرناك؟".
فيُجيبهم : "الحقَّ أقولُ لكم: كلّما صَنَعتُم هذا إلى أحدِ إخوتي الأصغَرِينَ هؤلاء فإليّ صنعتموه".
أمّا الذين يذهبون إلى عذابٍ أبديّ فهؤلاء هم الذين لم يَصنعوا شيئاً من هذا إلى أحدِ الأصغَرِين10.
هذه التعاليم العظيمة رافقها تصرّفٌ أعظم : لقد "كان يسوع يجوبُ الجليلَ كلَّه.. ويشفي الشعبَ من كلِّ مرضٍ ووهْنٍ.. وشفى كلَّ عليلٍ جِيء به إليه، كلَّ أنواع المرضى والموجوعين : ممسوسين، ومصروعين، ومفلوجين"11.
❊❊❊
لستُ براغبٍ من يسوع حتّى أكون معه غير مجيئه من أجل "الإنسان أوّلاً". ولستُ أتبعه إلاّ لأنّه لم يعمل إلاّ من أجل ذلك. أقولها بوضوح وصراحة: لا يُغريني من يسوع سوى أنّه جاء يخلّص الإنسانَ من ظلمِ الإنسان، أن يُعيدَ إليه حرّيَّتَه التي سلبها منه الإنبياءُ باسم اللّه. وكأنّي على يقينٍ بأنّ المسلوبَ باسمِ الله لا يُعيده إلاّ الله. لهذا كان يسوعُ مُرسَلاً من عند الله، الوسيط الوحيد بين الله والإنسان، مخلّص الإنسان من شرّ أخيه. بل هو المخلّص..
وبسبب هذا، أُوضح أيضاً فأقول: ليست المسيحيّةُ دِيناً سماويّاً، ولا كتاباً منزَلاً، ولا شريعةً إلهيّةً، ولا حقائقَ جاهزة، ولا مبادئ ثابتة، ولا عقائدَ محدَّدة، ولا قوانينَ جامدة، ولا طقوساً منتظمة، ولا نبوّةً ولا وحياً...
ألمسيحيّة، باختصار، هي تلك التي تعمل من أجل الإنسان أوّلاً؛ أي هي "جماعة" من البشر تعمل بعضها مع بعض من أجل رقيِّ الإنسان وقداسته، أو هي "الكنيسة" المكوّنة من أناسٍ خطأة ضعفاء، يساعد بعضهم بعضاً في البحث عن الله والحقيقة، وفي إعادة الحرّيّة التي سلبها الناموسُ والأنبياء،ُ وقضتِ الأديانُ عليها.
❊❊❊
ليس يسوعُ شيئاً إنْ لمْ يكنْ ذاك الوسيط الوحيد بين الله والإنسان. لقد جاء يسوع يُخلّص الإنسانَ من إله الأنبياء والرسل والأديان والشرائع والكتب المنزلة جميعها.
لم يكن في همّ يسوع أن يؤسّسَ ديناً لفئةٍ من البشر، لأنّ البشر كلَّهم خلْقُه ومُلكُه وتحت عنايته الفائقة؛ بل كان همّه أن يحرّر البشر كلَّ البشر. فهو للأبرار والأشرار سواء، للأصحّاء والمرضى، لليهود والأمم، للمسلمين والمسيحيّين، للأحرار والعبيد، للرجال والنساء... الكلّ مدعوّ إلى وليمته.
ليس يسوعُ شيئاً إن كان جاء ليعلّمنا ويثقّفنا، ويسنّ لنا شرائع، وينزّل علينا حقائق، ويفسّر لنا أسرارَ الكون.. نحن نريدُ من يسوع أن يُعطيَنا ذاتَه، أن يَبقى معنا، أن يستمرّ فينا، أن يكون حاضراً بيننا. ويسوع كان كذلك: فهو حاضرٌ في كنيسته التي هي امتدادٌ له، حاضرٌ في كلّ اثنين يجتمعان باسمه، وحاضرٌ في مأكلِنا ومشربِنا، في وليمة الشكران.
ليس يسوعُ شيئاً إنْ لمْ يكنْ في تصميمه رفْعَنا إليه حتّى نصير شركاءَ للّه في ألوهيّتِه، متَّحدِين به.
دونَ التأليهِ لا يَعنينا يسوعُ شيئاً. نحن لا نريده، لا نبيّاً، ولا ملاكاً، ولا مرسَلاً، ولا قائِداً، ولا زعيماً، ولا معلِّماً، ولا مشترعاً... نريده "وسيطاً" بيننا وبين اللّه. نريد أن يشركنا بألوهيّةِ اللّه. نريده مخلِّصاً، أي يخلّص حرّيّتنا من طغيان الشرائع والأديان التي وضعها الإنسان على نفسه باسم الله.
إلهٌ لا يعرف الألم والصليب والموت لا يعنينا أبداً. إلهٌ خلقَ الألم والصليبَ والموت، من دون أن يتألّم ويُصلب ويموت فهو إلهٌ مستهزِئٌ بنا جميعاً... الموت موجود، واللّه هو الذي أوجده، فعليه أن يذوقه ويتحمّله ليساعدنا على حمْله. لهذا نرى الله في يسوع المسيح صُلب حقّاً. وإن كان لم يُصلب ولم يمتْ فهو لا يعنينا أبداً. لهذا، فنحن نرى في صليبِ يسوع عنوانَ بشريّةٍ سائرةٍ في طريقِ الخلاص والمجد.
إنّي لا أُحسنُ التعامل مع إلهٍ واحدٍ، أحَدٍ، صَمدٍ، متعالٍ، مهيمِنٍ، جبّارٍ، كلّيِّ القدرةِ، ضابطِ الكلِّ، ديّانِ العالمِين...
مع هكذا إله لا أجد لي مكاناً. لا أطمئنّ إليه. لا أعرف كيفَ أدخل إليه... إنّ عقلي يسلّم بوجوده، ولكنّ قلبي لا يسعدُ ولا يطمئنّ إلاّ مع إلهٍ يُحِبّ، ويَعتني بالصّغير والضعيف والمسكين، ويتحمّلُ اللّعنةَ عن الملعونِين، ويتعذّبُ مع المعذَّبين، ويُصلَبُ مع المصلوبين، ويموتُ مع المائتِين.
وكذلك أيضاً لا أُحْسِنُ التعامل مع إلهٍ يقف لي بالمرصاد، ويتّهمني دائماً بأنّني خرّبتُ العالم، وأفسدتُ مخطّطاتِه، وأبعدتُه عن خليقتِه، وارتكبتُ الخطايا والمعاصي لإهانته... مع مثل هذا الإله أجد نفسي متَّهَماً دائماً، مُذنِباً عالميًّا، شرّيراً كبيراً، بل شيطاناً رجيماً، همّه الأذى.
يلوح لي، مع إلهٍ كلّيِّ الكمالِ والجمال، أنّني كلّيّ النّقص والقبح... وبالتالي، لا لقاء بيني وبينه. فلولا يسوع، لما كان هو يتخلّى عن كماله وجماله، ولا أنا أستطيع أن أغيّرَ نقصي وقبحي. يسوع تولّى الأمر، فنجح وانتصر، وفزتُ معه فوزاً كبيراً.
لولا يسوع، لما عرفنا أنّ الله أبٌ محبٌّ، يُقيم معنا، يحلّ فينا، يتجلّى فوق جبالنا، يملأ أرضَنا، يتمجّد بالدبّابات والزحّافات وحيتان البحار وطيور الفضاء... يسوع عرّفنا على أنّ الله محبّة، أبٌ، وابنٌ، وروحٌ، وكنيسة، وتوبة، ورحمة، بعد أن كان إله سيف وحرب ودم وانتقام ... لقد ظلمناه بقولنا عنه واحداً، وثلاثة، وأكثر.. إنّه كلّ شيء، بل هو الكلّ، لأنّه يستوعب الكلّ. لولا يسوع، لعاد اللهُ واحِداً أحَداً صَمداً، مُغلَقاً على ذاته.
لقد حاول البشر، عَبر تاريخهم، إنشاء أديان كثيرة، حدّدوا عقائدها، وثبّتوا مبادئها، وأقاموا فرائضها، ونظّموا طقوسَها، وربطوها بعمد السماء، لعلّها تكون وسيطاً بينهم وبين الله. ولكنّ الإنسان، إرضاءً لله، وتتميماً لشرائعه، ظلمَ أخاه، فأبغضه، وقتله إرضاءً لله نفسه. وكان سؤال الله لهذا القاتل منذ البدء : "مَاذا صَنعتَ بأخيك.. إنّ صوتَ دماءِ أخيكَ صارخٌ إليّ مِن الأرض"12.
ولا يزال الأمرُ هكذا بين البشر، إلى أن كان يسوع الذي جاء من عند الله ليقول لنا: "الله مَحبّة". "من يُحبُّ هو من اللّه". "بادر وصالح أخاك أوّلاً، ثمّ عُدْ إلى اللّه"... فبسبب هذا التعليم، أقول إنّ يسوع وحدَه جاءَ من أجل الإنسان أوّلاً. وما العذاب والصلب والموت والنزول حتى قعر الجحيم إلاّ عناوين كثيرة لمقولة واحدة: "الإنسان أوّلاً".




تطبيق
موقف المسيحيّة من الإسلام

هناك مبدأ مسيحيٌّ عامٌّ وشامل، ينطلق منه المسيحيّون، ويعتمدون عليه، كلَّ مرّةٍ يتناولون الإسلامَ في أبحاثهم، أو يتكلّمون عليه. ألا وهو مبدأ محبّة الإنسان لأخيه الإنسان من حيث هو إنسان. هذا الإنسان، أحبّه اللهُ، فخلقه، وخلّصه، وأعدّ له سعادةً أبديّة.
فالمسيحيّون، إذاً، إنطلاقاً من هذا المبدأ، يخونون مسيحيّتَهم إن كان لهم من المسلمين، أو من أيِّ إنسانٍ آخر، أيُّ موقفٍ رافضٍ. وقد لا يكون اللهُ إلهاً، ولا المسيح مسيحاً، ولا المسيحيّة يكون لها معنىً، إنْ كان لها أيُّ رفضٍ لأيِّ إنسان.
هذه حقيقةٌ كاملةٌ. لا تحتمل تأويلاً ولا اجتهاداً.
فمهما كانت الظروف والأسباب والدوافع والأهداف والمبرِّرات... لا يكون المسيحيّون مسيحيّين إن أبغضوا أيَّ إنسانٍ؛ أو خاصموه؛ أو صنّفوه؛ أو اتّخذوا منه موقِفاً رافضاً بسبب دينه، أو انتمائه، أو عِرقه، أو صلاحه أو شرّه...
فاللهُ نفسُه، في تعاليم المسيحيّة، "يَطلُعُ بشَمْسِه على أشرارٍ وأخيار، ويَهمي بغَيثِه على أبرارٍ وفُجّار"13. فهل يكون المسيحيّون حريصين على الله أكثر من الله نفسه!! وهل المسيحيّون مكلَّفون بالدّفاع عن الله على حسابِ الإنسان؟!
المسيحيّة واضحة في هويّتها ورسالتها، عبّر عنها يوحنّا الإنجيليّ بكلِّ صراحة : "مَن لا يُحِبُّ أخاه الذي يراه، لا يَسَعُه أنْ يُحِبَّ اللهَ الذي لا يَراه"14؛
وفي قوله : "كلُّ مَن يُبغض أخاه يكون قاتلاً. وكلُّ قاتلٍ لا حياةَ أبديّةً له"15.
هاتان الهويّة والرسالة تستندان إلى مفهوم التجسّد الإلهيّ الذي هو أساس الإيمان المسيحيّ. هذا التجسّد الإلهيّ كان من أجل الإنسان، أيِّ إنسان؛ لأنّ الإنسانَ قيمةٌ في حدّ ذاته؛ وحرّيّتَه وكرامتَه أيضاً قيمتان يجب ألاّ يمسّهما ناموسٌ مُنزَل، أو نَبيٌّ مرسَل، أو ملاكٌ مكلَّف، أو دِينٌ موحًى، أو عقيدةٌ مقدّسة، أو شريعةٌ أزليّة ثابتة...
الإنسَانُ، في المسيحيّة، هو الواسطة إلى الله. إنّه وجه الله. وقد لا يُرى اللهُ ولا يُعرف ولا يُحَبُّ إلاّ في وجهِ إنسان، حيث يتجلّى أكثر ممّا يتجلّى في دينٍ، أو كتابٍ، أو شريعةٍ، أو نبيّ... فلكأنّ الدليلَ على الله والواسطةَ إليه هو الإنسان، لا الدِّين، ولا الكتاب، ولا الشريعة، ولا أيّ نبيّ.
هذا الكلام يعني أنّه على المسيحيّين أن يقبلوا الآخرين كما هم، ومن حيث هم، وفي أيِّ دينٍ أو معتقدٍ هم، ومن أيِّ عِرقٍ أو انتماءٍ هم.
يرتكب المسيحيّون إثماً عظيماً إنْ ظنّوا أنّهم سيُدانون على غير الحبّ الذي بذلوه في سبيل إخوتهم البشر، وفي نوع خاصّ، الضعفاء والمحتاجين. فهؤلاء والمسيح سواء16.
نريد أن نقول : إنْ كان المسيحيّون لا يزالون يرفضون المسلمين، أو أيِّ إنسانٍ آخَر، فهم ليسوا بعدُ مسيحيّين. لا المسيح هو ربّهم، ولا المسيحيّة تخصّهم، ولا هم يعرفون من ألِفباء الإنجيل حرفاً واحداً.
إنّ المسيحيّة في لبنان، وفي العالم أيضاً، ويا للأسف، لم تصل بعد، مع المسلمين، إلى هذا المستوى. والأسباب أربعة :
الأوّل : رفضُ المسلمين معرفةَ المسيح معرفةً حقيقيّة، كما هي في الإنجيل وتعاليم الكنيسة والآباء؛ ورجوعهم في معرفةِ أيِّ شيء عن المسيح والمسيحيّة إلى القرآن والأحاديث النبويّة والمصادر الإسلاميّة.
الثاني : يتحمّل المسؤولون في كنيسة لبنان مسؤوليّةَ جهلِ المسلمين ورفضهم للحقائق المسيحيّة. فهم، حتّى الآن، لم يُقدِّموا للمسلمين ما يجب أن يعرفوه عنها.
الثالث : تصرّفُ بعضِ المسيحيّين مع المسلمين تصرُّفاً غيرَ مسيحيّ. فسيرةُ الكثيرين منهم مشكِّكة، وأخلاقهم غير أخلاق المسيح، وروحانيّتهم بعيدة عن الإنجيل، وانتماؤهم إلى الكنيسة انتماءٌ سوسيولوجي، ومحبّتهم للآخرين مصلحة...
ألرّابع : إنغلاقُ المسلمين على المسيحيّين، وتصنيفُهم الناسَ، عامّةً، وبغير صواب، إلى مؤمنين وكافرين وملحدين ومشركين وأهل كتاب؛ وتقسيمهم العالم، أيضاً، إلى دارَين: دار إسلام ودار حرب. والدار الثالثة، دار المعاهدة، موقّتة. هذه الدار الموقّتة أقلقتِ العالمَ بمناداتها بـ "الحوار الإسلامي-المسيحي".
هذا الحوار لا يُقال به في دار الإسلام ولا في دار الحرب. إنّه، في الحقيقة، لا يعني شيئاً. لم يُقدِّمْ نحو التفاهم والتقارب خطوةً واحدة؛ ولم يُظهر، عند القائلين به، أيَّ التزامٍ أو إيمانٍ صريحٍ واضح.
بالنسبة إلى المسيحيّين، أَكان حوارٌ أم لم يكن، فهم ملزمون بمحبّة الآخرين كما هم؛ تحت خطر ألاّ يكونوا مسيحيّين. وبالنسبة إلى المسلمين، إنّ الحوارَ، فضيلةَ دار المعاهدة الموقّتة، هو، بالتالي، موقّت؛ أي هو يصبح بلا معنىً، عندما يصبح المسلمون في دار الإسلام؛ أي عندما يُصبح الإسلامُ كلاًّ في الكلّ، ومهيمناً على الكلّ.
والقائلون بـ"الحوار الإسلامي-المسيحي"، على الطريقة اللّبنانيّة، والمناضلون في سبيله، عليهم، والحال هذه، أن يستبدلوا عنوانَهم وهويَّتهم، ويعملوا، بدل "الحوار الديني"، لـ"حوارٍ وطني"، يشترك فيه كلّ مواطنٍ، مسلماً كان أم غير مسلم، مؤمناً كان أم كافراً. وتكون موضوعاتُه حول "حقوق الإنسان"، ومتطلِّبات المواطنيّة الحقّة، وكلّ ما يؤول إلى خير البشر وسعادتهم، في مرضهم، وعجزهم، وقهرهم، وجهلهم، وإيجاد عملٍ لهم... على هذه يقوم الحوار الحقيقي، لا على "حقوق اللّه"، ومستلزمات السماء، والدفاع عن العقيدة، والجهاد في سبيل الدين، وتصنيف الناس بالنسبة إلى الكفر والإيمان.
وأخيراً، إنّ موقف المسيحيّين من المسلمين هذا، لا يستمدّونه، من مفهومهم للإنسان فحسب؛ بل من حقيقة مسيحيّتهم التي تقوم، أوّلاً وآخِراً، على إيمانهم بالتجسّد الذي فيه "تخلّى" اللّهُ عن ذاته من أجل الإنسان. وهل يكون المسيحيّون مسيحيّين إنْ لم يكونوا "تَجَسُّدِيّين"؟ وهل بوسْعِ المسلمين أنْ يعملوا للّه إنْ لم يكونوا هم أيضاً "تَجسّديّين"؟
----
1 مرقس 27/8-29؛ متى 13/16-15؛ لوقا 18/9...
2 متى 23/5-24.
3 متى 20/18.
4 أنظر مثل العبد القاسي في متى23/18-35.
5 1 يوحنا 20/4.
6 متى 12/6 و15.
7 1 يوحنا 9/2-11.
8 1 يوحنا 11/3-16.
9 1 يوحنا 7/4-21.
10 متى 31/25-46.
11 متى 23/4-24؛ مرقس 39/1؛ لوقا 44/4؛ 17/6-18.
12 تكوين 9/4-16.
13 متى 45/3.
14 1 يوحنّا 20/4.
15 1 يوحنّا 15/3.
16 إقرأ متى 31/25-46، حيث يساوي يسوع نفسَه بالضعفاء، والمرضى، والمساكين، والمسجونين، والغرباء، والجياع، والعطاش...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,100,816,004
- الأديان السرّيّة والكفر بالله
- الله أكبر أم الله أصغر!
- تفسير غير اسلامي للقرآن -2-
- تفسير غير اسلامي للقرآن
- هذه قصّتي مع الموت والحياة
- ليس الاسلام دينا ولا دولة


المزيد.....




- أقباط مصر يناشدون السيسي لحل مشكلاتهم
- عاصمة القرار - الحرية الدينية في الشرق الأوسط
- بالفيديو... حسين الجسمي في ضيافة بابا الفاتيكان
- أردوغان: المسلمون لن يخرجوا فائزين من الصراعات بين الشيعة وا ...
- من خارج الإخوان.. أبرز المشاهير بسجون مصر في عام 2018
- لماذا استهدف تنظيم -الدولة الإسلامية- سوق الميلاد في مدينة س ...
- مسؤول يكشف عن ابرز اسباب عزوف الاسر المسيحية من العودة لتلكي ...
- خارجية أمريكا تعلّق على وفاة ناشط إيراني اتهم بـ-إهانة المرش ...
- بين سام وعمار - الأقباط: مواطنون وغرباء في الشرق الأوسط
- احتفالات أعياد الميلاد بالبصرة في غياب المسيحيين


المزيد.....

- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي
- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جوزف قزي - الإنسان أوّلاً