أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رضا لاغة - المشروع الوطني لحركة الشعب: جدلية التفاعل بين الديمقراطية و التنمية الاقتصادية















المزيد.....


المشروع الوطني لحركة الشعب: جدلية التفاعل بين الديمقراطية و التنمية الاقتصادية


رضا لاغة

الحوار المتمدن-العدد: 5936 - 2018 / 7 / 17 - 14:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المشروع الوطني لحركة الشعب: جدلية التفاعل بين الديمقراطية و التنمية الاقتصادية
تحدثنا في مقالنا السابق عن أسس المشروع الوطني ضمن رؤية ناصرية لحركة الشعب.و لاحظنا أن هناك قصور في الممارسة السياسية ذات التوجه الليبرالي المنعكس سلبا على ثقة الجماهير بالمسار الثوري في تونس.
إن الأمر الخطير في الظروف الراهنة أن تتجه السياسة الليبرالية إلى تسليم مقاليد الحكم للإسلام السياسي تحت ذريعة التوافق و مفاوضات السلم المجتمعي و الجدارة الديمقراطية ؛ وهو ما بدأنا نلمسه إثر الانتخابات البلدية .هنا تأتي أهمية حركة الشعب كفصيل قومي له برنامج سياسي قطري لا يتعارض مع المشروع القومي بقدر ما يشكّل مادة للاختبار ضمن تجربة وليدة جديرة بالدرس و الاهتمام.
المشكل الذي يعترضنا يكتسي بعدين أساسيين :فمن ناحية نحن نسلم إلى هذا الحد بأن المشروع القومي أخفق في مواجهة الائتلاف الخطير للنهج اللليبرالي و الاسلام السياسي و من ناحية أخرى ، إن استمرار هذا الفشل يمثل مدخلا لانهيار أكثر خطورة يهدد الدولة القطرية ذاتها و بالتالي الولوج لا سمح الله في مرحلة اللادولة .وهو ما يعمّق في الآن نفسه مسؤولية حركة الشعب.
تأسيسا على ما سبق ذكرنا أن المشروع الوطني لحركة الشعب حريص على مبدأ المصالحة، بل يجب الاندفاع نحوها . و لكن مع من سنتصالح؟
إن الاجابة عن هذا السؤال تمثّل ضرورة لا فقط للمبادرة التكتيكية، و لكنها ذات موقف حضاري ليس جوهريا في تحقيق المشروع الوطني و لكنه جوهري في الذود عن الدولة القطرية من الانهيار.
هنا بالذات يكمن المشكل، فالقوى القومية ، أو لنقل الهياكل الحزبية لحركة الشعب مغمورة باندفاع عاطفي و حماس ثوري يجعل من الوعي السياسي يتفاعل مع منطق الرفض الذي انعكس سلبا على آلية اتخاذ القرار الناجع و السليم و الحركي ، ليستلهم بذلك مناضليها جوهر الطرح التاريخي القائم على التعارض بين اليوسفية و البرقيبية من جهة و الناصرية و الاسلام السياسي من جهة أخرى.
الأمر الذي نلاحظه هنا أن كفاح القوى القومية في خضمّ هذه التحديات المعيقة لتشكّل المشروع الوطني، يظلّ مجرد حركات احتجاجية لا يمكّن من صنع مستقبل منشود يعالج أخطاء الماضي.إن التوطيد على فكرة المصالحة لا يجب أن يفهم منه الاقتراب من الاسلام السياسي . إذ في هذه الحالة فقط ينقرض و يتلاشى المشروع القومي ؛ فهما يقعان على طرفي نقيض: ففي الظرف الذي تسعى فيه القوى القومية إلى التحشيد من أجل وحدة الأمة العربية ، نجد الاسلام السياسي يسفّه هذا المطلب و يراهن على طرح الخلافة . لذلك ليس غريبا أن يصبح أردوغان خليفة للمسلمين في المخيال الوجداني لهم.
التشخيص إذن للواقع التاريخي موضوعيا يجب أن يعالج لا فقط طوباوية الموقف القومي الرافض لمنطق التوازنات كأرضية للفعل و المناورة و إنما إلى إعادة قراءة التاريخ و الانفلات من الرومانسية السائدة و التي تؤثّم الحركة الدستورية برمتها بإسقاط غريب مستلهم من الصراع البورقيبي اليوسفي.
هكذا يجنح القوميين و يطلقون العنان للرومانسية الثورية فيسقطون سهوا إعادة معالجة الواقع التاريخي. القصد هنا ليس لإنصاف بورقيبة و إنما لفك الارتباط بين البورقيبية و الحركة الدستورية. بمعنى آخر إن بورقيبة و صالح بن يوسف كل منهما انتسب إلى الحركة الدستورية و الخلاف الذي استجد بين الزعيمين أثر سلبا على الحركة التي انقسمت بدورها.
إن هذه التعليمة غالبا ما يتم اغفالها . صحيح أن الصراع أو التنافس بين الزعامات هو قانون من قوانين الوجود الاجتماعي الذي يعلل مثلا فشل الوحدة بين مصر و سورية .و إنما المشكلة تكمن في المناخ اللاديمقراطي الذي حكم الحركة الدستورية ليشكّل الفكر الزعماتي إطارا موحّدا للهياكل و قادر على استقطاب الجماهير.
و رغم مضي حقبة ليست بالقصيرة على هذا الصراع الدامي الذي نشب بين بورقيبة و صالح بن يوسف ظل خطاب كل منهما مغرق في المثالية الايديولوجية و ينتهي في الغالب إلى الشتم سواء في معسكر القوميين أو البورقيبيين.
و الواقع إننا و إذ نستعرض مشروعية المصالحة كمفهوم تم التواضع عليه ضمن هذا المسار الانتقالي لا يمكن أن نسمح لبعض القوميين أن يهربوا بنا إلى الوراء لإعادة انتاج هذا الصراع و لا إلى الأمام للنفخ من جديد في الرومانسية الحالمة التي تحسن التنظير و تعجز عن التغيير.
المشكل إذن الذي ينعكس على آليات العمل السياسي لحركة الشعب أنها تخلق إشكالات تفوق طاقتها: فهي من الناحية الاستراتيجية يتناقض وجودها مع الاسلام السياسي الذي يشكل خطر حقيقي على الدولة و يهدد معالم البناء التاريخي للأمة العربية . و لكنها من ناحية ثانية تسهوا عن إمكاناتها الموضوعية لتستدعي الصراع التاريخي مع البورقيبية لتسقط من حيث لا تدري في مستنقع احتجاب القدرة على الفعل و الانجاز.إنها تسقط بمنطق هوبز في صراع الكل ضد الكل.
إن القوى القومية الحزبية و الجمعياتية حين تطرح مشروعها بوصفه مشروعا سياسيا تتجاهل حجم قدرتها إذ هي محكومة بهاجس التقدمية ، ولأنها تجد تيار المواجهة جارفا ،تميل الدفة نحو التطاحن الداخلي للتأثيم البيني حول مقاربات عملية.
المصالحة التي قصدناها إذن تقوم على فكرة تكييف المشروع الوطني ضمن سياق أطلقنا عليه مصطلح المنخفض الاستراتيجي.و بالتالي فإن مقدمة طريق انجاز المشروع الوطني تقوم ضرورة على تحييد المختلف سياسيا مرحليا و ربما معاضدته ضمن معركة مشتركة بسبب عوامل و متغيرات اقليمية و دولية.
طبعا نحن هنا لا نتحدث عن ذوبان بل عن مصالحة توقف نزيف الاحتقان ضمن جبهة داخلية كل الدلائل تقول أن لها موضع قدم من الدولة . من غير الدساترة أعني هنا أو لنستعمل مصطلح جذاب لدى البعض الدولة العميقة.
إن حركة الاسلام السياسي ( النهضة نموذجا) كانت فطنة إلى أبعد حد،فقد غيّرت من مواقفها الفكرية تجاه البورقيبية .الأمر الذي أدّى إلى عزلة المعارضة و هشاشتها . لقد كادت تتحول إلى شبح كرتوني منخرط في المنظومة دون القدرة على الفعل و التغيير. و للأسف كانت القوى القومية بسبب نمو الكره للبورقيبية في الماضي و الاسلام السياسي في الماضي والحاضر و المستقبل ،مجرّد مشهد فرجة يشكو قصورا فادحا في الأداء و إحساس قاتل بالعجز لدى مناضليها الثوريين جدا.
من هنا يبرز الاهتمام بالمشروع الوطني كمادة ينبغي أن يتعاطى معها كل الأحزاب التي تقر مبدئيا بمشروعية الدولة الوطنية .طبعا نحن نقول ذلك لأن المشروع الوطني متمسك بهدف عام يراعي مؤسسات الدولة و يعترف في الآن نفسه بالتنوع الضروري لانجاز هذا المشروع.
هكذا انتهينا إلى أن المشروع الوطني قطريا يتطلب معرفة الأهداف الاستراتيجية و من ثمة الايمان بها . و لكن هل هذا يكفي ؟ طبعا لا ، إذ يجب أن نحدد الوسائل و السبل المساعدة على تحقيقه في الواقع.
من المناسب هنا أن نتحدث عن جدلية التفاعل بين الديمقراطية و التنمية السياسية. وهي قضية تشكّل مدخلا صحيحا للمشروع الوطني.
يقال عادة أن السياسة اللاّــــ وطنية لا تحلّ أعطاب الحياة اليومية و لا تضمن الحياة الكريمة للمواطن ، إنها تظلّ مجرّد تصنيف شكلي لا يتوافق مع تطلّعات الأفراد و الشعوب . من هذا المنطلق فإن الربط بين عمليتي تحقيق الديمقراطية و التنمية هو المعيار لقيس درجة وطنية النهج السياسي لحزب ما أو ائتلاف ما. فمثلما توفّر الديمقراطية الاستقرار السياسي والاجتماعي وتحقيق العدالة في ثمار التنمية وترشيد السياسات الاقتصادية ، فإن التنمية الاقتصادية تعبّئ الموارد البشرية لتحسين أداء الأجهزة الحكومية والمؤسسات الاقتصادية ، والكشف عن جوانب الخلل والقصور ومواطن الفساد والانحراف. معنى ذلك إن القضية المركزية للمأزق القطري التونسي تكمن في التنمية . يضاف إلى ذلك تخصيص مهم : التنمية القائمة على المشاركة الشعبية. وغنيّ عن البيان أن توسيع هذه المشاركة في عملية صنع القرارات يتطلّب تشجيع منابر الحوار وتبادل الأفكار والتعبير عنها بحرّية ، وإقامة قنوات مفتوحة بين المواطنين والدولة،وإفساح المجال أمام المواطنين لتشكيل منظّمات المجتمع المدني التطوّعية لتأتي تعبيرا عن خيارات المجتمع.
لا تضمن إذن الديمقراطية الاجتماعية الحقوق الأساسية المدنية و السياسية و الثقافية لأفراد المجتمع فحسب ، بل تضمن في نفس الوقت الحقوق الأساسية الاجتماعية و الاقتصادية . إنها تؤمّن المساواة التشاركية من خلال دمقرطة المجتمع.
لو أردنا أن نجسّم هذا التصوّر مقارنة بالتصور الليبرالي الكلاسيكي الذي يعتبر أن المصلحة العامة تتحقق من خلال المصلحة الذاتية لاعتمدنا على الشكلين التاليين:
شكل رقم 1 :
مصلحة فردية ــــــــــ مصلحة عامة

شكل رقم (2 ):
الفرد ــــــــــ الطموح نحو منفعة ذاتية
الفرد ـــــــــــ الطموح نحو منفعة ذاتية { تحقق الصالح العام بمجموع الأفراد.
الفرد ـــــــــــ الطموح نحو منفعة ذاتية



تعليق:
إن الأزمات الاقتصادية العالمية و الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية التي فجّرت نظام حكم بن علي تجعل الاقتصاديون يشكّون في هذه القاعدة الاقتصادية الليبرالية. و يكفي هنا للعودة إلى مساهمة كارل ماركس في الاقتصاد السياسي لنصل إلى استنتاجات مغايرة ، فالاقتصاد الليبرالي لا يقود إلى ثراء المجتمع بل إلى تفاقم البؤس لدى الغالبية العظمى من الفئات الاجتماعية.

شكل رقم (3) :
الديمقراطية الاجتماعيةـ ــــــــدستور عادل تجاه الحقوق الأساسية و سوق كمؤسسة متكافئة لتأمين الحريات
دمقرطة الاقتصاد ـــــــــــــ تسوية مقابل توجيه للاقتصاد
الحاصل تنمية و ازدهار اقتصادي قائم على توازن فعّال بين العرض و الطلب و يكفل تدخّل الدولة كإذار محفّز لأسواق آمنة


تعليق:
إن الأخذ بهذه المبادئ في السياسة الاقتصادية يمكن أن يطلق العنان لنمو نوعي للاقتصاد من شأنه أن يحقق الرّفاه العام.غير أن الممارسة الاجرائية من قبل الدولة ، لا تستطيع دوما أن تنجح في التصدّي للانتهاكات التي تمارس من قبل بعض ذوي النفوذ المالي و بعض الشركات الاحتكارية. ولو انطلقنا من التجربة التونسية لتبيّن لنا القدر الاستدراجي للحملة التي أطلقها يوسف الشاهد على الفساد.إنها عبارة عن طعم للجماهير لحشد التأييد دون انتهاج فعلي للمسار الوطني. فلئن كانت تدعم كنقطة مرجعية الاقتصاد الاجتماعي أو التضامني، إلاّ أنها تظلّ مناورة تكتيكية لجهة حكومية هي اصلا موطنا للفساد. إن محاربة الفساد يبقى مجرّد ضمانة شكلية ما لم يحتكم إلى سياسة مالية توجيهية للاقتصاد تقطع مع السياسة القديمة. نحن هنا نتحدث عن منوال تنموي جديد. لعل وثيقة قرطاج ، على صعيد الفهم و ليس التطبيق ، تمثّل إطارا هاما ، كان يمكن أن يضع البلاد في وجهة جديدة تنقلنا من الصيغة الشكلية للديمقراطية إلى ميثاق اجتماعي و اقتصادي يتّجه فعلا نحو تحقيق الرّفاه العام.
و إذا كنا نقرّ بأن التحول نحو الاهتمام بالقضايا الاجتماعية و الاقتصادية يشكّل أحد الأعراض الطارئة على البنية السياسية للمسار الانتقالي التي ترمز إليها مبادرة قرطاج ، فإننا مدفوعين إلى أن ننظر أولا في أهمية العامل الاجتماعي و الاقتصادي الذي يزوّدنا ببعض المقدمات الأولية لفهم هذا الاختراع الشبابي.و هو ما يحيل بدوره إلى مفارقة . فهو طارئ في المسار السياسي و سبب في التحول الديمقراطي.ففي الحالة الأولى كان هناك تنافس محموم للوصول إلى السلطة ففهمت الديمقراطية فهما مجرّدا من محتواها الاجتماعي و الاقتصادي. أما في الحالة الثانية فإن المشاكل الاجتماعية تمّ تقديمها بوصفها مثالا نموذجيا لتلافي حالة الاحتقان الحزبي و الارتكاز على حكومة الوحدة الوطنية. هذا المفهوم ظهر بوصفه موضوعا مركزيا للنقاش حيث تمّ التأكيد على أن الدولة ستمارس وظائفها الأخلاقية إزاء المشاكل الاجتماعية و الاقتصادية المتفاقمة.
التنمية الاقتصادية و طوبوغرافيا الانتفاضات
للتمرّد في تاريخ تونس الحديث سمة مركزية ما لبثت أن عادت إلى الظهور ضمن هذا الاختراع الشبابي.و رغم أن مفهوم الثورة الشبابية يجلب بعض التجديدات النظرية المهمّة. علينا أن نتجنّب تحديد هذا المنجز الثوري من منطلقات سلبية خالصة تتجاهل خصوصيته النوعية لتنظر إليه في المقابل على أنه تكرار للقديم. رغم أن هناك شبه اجماع ، في الوقت نفسه من قبل بعض الدارسين، يتجلّى بقدر متزايد من الوضوح ، يعمل على إدماج ما حدث ضمن صيرورة تاريخية تستدعي العنصر الجهوي كركيزة لبلورة اقتصاد تضامني.
و تبدو هذه الفكرة حاضرة عند عائشة التايب التي تعتبر" أن التأّخر الاقتصادي لمحافظات الوسط الغربي و ادراك السكان لمدى الاختلاف غير المبرّر بين مناطقهم و مناطق الشّمال و السّاحل كان من أبرز عوامل تنمية احساس جماعي بعقدة اهمال من طرف السلطة المركزية " . ورغم أن هذه المقاربة تزوّدنا بطوبوغرافيا حركات التمرد التي تتحيّز كلها في الوسط و الجنوب الغربي (أحداث الخبز بقبلي سنة 1984 ، أحداث منطقة الحوض المنجمي بقفصة سنة 2008 ، أحداث مدينة بنقردان الحدودية في صيف 2010 ) ؛ إلا أننا نعتقد أن الامساك بالأبعاد الخصوصية لهذا الاختراع الشبابي تقتضي ضرورة التحرر من هذا الربط التاريخي الذي يمارس فعله اليوم .إننا نعتبر أن المسار الثوري هو لبنة لصياغة رؤية معاصرة لمفهوم الدولة ـــ الأمة لا فقط كإطار منظّم للحياة السياسية التي تقوم على الحق و إنما أيضا كفاعل أساسي في خلق سياسة مالية و اقتصادية تحقّق عدالة مواطنية و ليس مجرد انصاف تاريخي لجهات مهضومة الحق في التنمية.
هل معنى ذلك أنه يتعيّن علينا أن نفترض قطيعة بين الإطار التاريخي و الحاضر حتى نحلّ إشكالية الفهم الملحّة التي تتعلق بحقيقة هذا الاختراع الشبابي؟
ليست الاشكالية في كون هذا الاختراع الشبابي منغلق عن التاريخ بل هو منفتح تماما و مقولة التراكم الجدلي تظلّ ذات وجاهة في حدودها المعقولة التي غيّر هابرماس معالمها في كتاب>> بعد ماركس<<. و لكن التطابق الذي يقحمه ضمن قالب تاريخي هو ما يطرح التباسا.إذ يوجد تنافر زماني حاضر على الدوام عندما نقارن أحداث الخبز أو الحوض المنجمي أو مدينة بنقردان الحدودية...
تبقى إذن شروط الطرح التاريخي بعيدة جدا عن تحديد ماهية هذا المسار الثوري الذي ولد كما لو كان أزمة وهو الذي يفسّر وجوده كمقاومة لأزمة. لذلك عندما تخلص عائشة الشايب إلى النتيجة التالية: " إن الناس بحكم عوامل عديدة يتوقعون من الدولة أن تكون مركز الادماج و التنمية ...و لكن عدم تغيّر الاوضاع التنموية و فشل الدولة في تلبية انتظارات الأفراد يجعل من عدم الرضى انطباعا سائدا لديهم " ؛ فإنها في الواقع لا تقدّم سوى وصفا كلاسيكيا لظروف خاصة ( الوسط و الجنوب الغربي) تثير الاستياء ، أي نعم و لكنها تفرض من حيث لا تدري فهما هو الذي وقف عليه فتحي المسكيني عندما حلل مفهوم الملة عند ابن خلدون. إي تلك " التي لا تتحوّل إلى خلق سياسي حضري إلا على نحو متأخّر و اضطرارا و في شكل هرم أو انقراض. وهي تعدد لا يؤلّف وحدة إلا بقدر ما يخترع خارجا لمهاجمته و فضاء لامتحان حدوده" . و من هذا المنظور أيضا فبنفس المنطق التحليلي ، فإن الجهات التي غنمت قدرا من التنمية و لها وجود اجتماعي و اقتصادي مختلف عن الوسط و الجنوب الغربي ليس من مصلحتها الانصهار في هذا المسار الثوري بل ربما تقتضي المصلحة أن تدخل في خصومة معه .و تمكننا هذه المحاجة التي قدمتها عائشة التايب من أن نتعرّف على الحل الذي تصوغه كالتالي:" لعله من المفيد التوقف في هذا النطاق عند مصطلح الاعتراف الذي أصبح يعتمد كمفهوم علمي من طرف عدد من علماء النفس و الاجتماع و أصبح البعض يتحدث عن نظرية الاعتراف بوصفها مدخلا نظريا يمكّن الدارس من استيعاب و فهم بعض المشاكل الاجتماعية و السياسية الكبرى ذات الصلة بإشكاليتي التهميش و الاقصاء" .
لئن كانت عملية الاعتراف التي تؤكّد عليها عائشة التايب ،مهمة. ففي ظلّها يتحقق اشراك لسائر الجهات الاجتماعية التي همّشها النظام السابق. غير أن الخطير في هذا الطرح أنه يقدّم لنا ديالكتيك معكوس للتنوير. فبدل أن نسترشد بتأصيل فتحي المسكيني للرهان الحداثي الذي يقوم على " إنتاج فهم جمهوري ، أي عقل عمومي كوني يحمي البشرية في كل مكان من الكوكب من أيّ تعصب هووي إزاءها مهما كانت طبيعته" ؛إذ بنا نرتدّ من جديد إلى لحظة عصبية جهوية. أي أننا بدل أن ننخرط في التدبير "لما بعد الهووي لأنفسنا الجديدة " نتفط أننا لم نقطع بعد طريق الهوية.
صحيح أننا قد نتفق مع عائشة التايب في توصيفها بأن هذا الاختراع الشبابي " لم يكن ثورة بطون جائعة، انها في ظاهرها انتفاضة من أجل الخبز ...ولكن تكمن خلفها كل وجوه الحرمان و الكبت السياسي و الاجتماعي الذي غذّته قصص استشراء الفساد و الثراء غير المشروع" . ولكن أشكال المقاومة ما كانت لتكون فعّالة لو لم يكن المجتمع المدني مستوعب من قبل الدولة ـــ الأمة. لقد كان يبحث عن سياق جديد ، عن أرضية ذات تعددية قصوى ، و لكنها ليست التعددية الجهوية المتباينة مع المجتمع المدني أصلا و إنما التعددية الديمقراطية التي رأينا أنها تبنى تدريجيا ضمن هذا المسار الثوري رغم ما حفل به من ضروب الاحتواء أحيانا و التعطّل و الانتكاس أحيانا أخرى.
التركيز على هذه المسألة و العمل وفق مستلزماتها يؤدي دورا هاما في إعداد المشروع الوطني و بنائه بناء سليما. نحن هنا نتحدث عن التكامل الجهوي الذي يبقى العنصر الأهم في برأينا لبلورة المشروع الوطني . و بعيد عن الشعبوية و في إطار الدرس العلمي نحتاج إلى قاعدة مادية اجتماعية تدعم آليات التكامل و تسهم في تكوين فئة اجتماعية واسعة تتخطى بنشاطها الحدود الجهوية و تؤكدها في آن . تتخطى من جهة كونها تتمسك و تدافع عن مكوّن الدولة و مركزيتها و مصالحها و تؤكدها من جهة كونها تجسد خليطا غير متجانس من المجتمع المدني و ذو سمات خصوصية .
من هنا نرى المأزق الذي يواجه المشروع الوطني ، فالإسلام السياسي الذي اكتسح الدوائر البلدية لا يحترم الخط الفاصل بين طبيعة المصلحة الحزبية و المصلحة الوطنية. وهو ما يعني أن درجة المشاركة في تمثيلية المجالس البلدية تظل تمثيلية مفرغة من أي محتوى يراعي مبادئ الديمقراطية و أساليبها المتطورة التي يتعلم من خلالها أجيال كيف نبني المجتمع على أساس حر ز غير أن النتيجة المستخلصة إلى عاية اليوم تثبت أن الإسلام السياسي لا تزال مسوّغاته و دوافعه لا وطنية . وهو أمر يعود بنا من جديد إلى إخفاق القوى السياسية التي سلكت طريق الثورية و أهملت الروح السياسية العملية التي تقوم على المناورة و التكتيك.
أن تعمل الأحزاب وفق منطق سياسي يستشرف مشروعا وطنيا يعني أن تعمل في إطار جبهة وطنية تقود العمل السياسي في البلاد.
هنا بالذات تتعاظم مسؤولية قيادة حركة الشعب لتفكّر بجدية في سبل تحقيق هذا الخيار . وهو أمر لا يتحقق بسهولة ، لأنه يستلزم تقوية الصلاة بين القوى القومية حتى تلك التي لم تنخرط ضمن هياكل حركة الشعب و من ثمة التخطيط ضمن طليعة نوعية للتصالح مع هياكل الدولة بأسلوب اصلاحي سلمي .
(يتبع).





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,034,313
- حركة الشعب : الناصرية في تونس و أسس المشروع الوطني
- دقائق متكاسلة
- كش مات ... حكومة يوسف الشاهد و شهوة المتناقضات في فلك الاتحا ...
- المشهد السابع ، رواية ريح من داعش
- المشهد السادس ، رواية ريح من داعش
- المشهد الخامس ، رواية ريح من داعش
- المشهد الرابع، رواية ريح من داعش
- المشهد الثالث ، رواية ريح من داعش
- المشهد الثاني من رواية ريح من داعش
- المشهد الأول - رواية ريح من داعش-
- في مئوية عبد الناصر، هل الناصرية ماض نبكي على أطلاله أم مشرو ...
- ديمقراطية في عصر الكوسموبوليتيكا
- العولمة و انشطار مفهوم السيادة
- مكانة عصمت سيف الدولة في بلورة فهم تقدمي للفكر القومي
- حين تكون قوميا تقدميا
- استقالة محسن مرزوق : صناعة التحولات و كسر النموذج المقفل لحز ...
- رمال القحط
- معقولية خطاب غير خلاّق
- رسالة مفتوحة إلى فخامة رئيس الجمهورية التونسية
- القمع الفتّاك للفكر


المزيد.....




- مزارع أمريكي يحول يقطينة ضخمة إلى قارب في بحيرة
- أزمة سد النهضة: القاهرة تقبل دعوة أمريكية للحوار ورئيس الوزر ...
- قيس سعيّد يصبح رسميا رئيسا لتونس بعد أداء اليمين الدستورية
- الأكراد يرجون الإسرائيليين إيقاف الأتراك في سوريا
- ناشطة سعودية تثير جدلا بفيديو جديد
- nova 5z هاتف متطور من هواوي بـ 225 $
- البطريرك الماروني يعلن تضامنه مع المحتجين في لبنان
- العثور على جثة 39 شخص في شاحنة بلندن والشرطة تفتح تحقيقاً
- الجيش اللبناني يحاول فتح الطرقات بالقوة والمتظاهرون متمسكون ...
- كل ما تريد معرفته عن الاتفاق التركي-الروسي بشأن شمال سوريا


المزيد.....

- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رضا لاغة - المشروع الوطني لحركة الشعب: جدلية التفاعل بين الديمقراطية و التنمية الاقتصادية