أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - ملهم الملائكة - صديقي أسعد ورحلته من البصرة إلى القمة















المزيد.....

صديقي أسعد ورحلته من البصرة إلى القمة


ملهم الملائكة
(Mulham Al Malaika )


الحوار المتمدن-العدد: 5933 - 2018 / 7 / 14 - 22:35
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


فاجأني هاتف برقم فرنسي من أسعد البصري الذي لم أره أو أسمع عنه أي خبر منذ عام 1977، في أوج الهجمة البعثية على الجبهة الوطنية، حيث خطفته أجهزة الأمن وصديقته الطالبة في أكاديمية الفنون من داخل مقهى اللقاء على أبي نؤاس. فصار عليّ أن أخفّ للقائه في شرق فرنسا بعطلة نهاية الأسبوع.

الطريق من بيتي إلى ستراسبورغ ، المدينة خرافية الجمال، طويته في 3 ساعات، مع استراحة قصيرة، تناولت فيه وجبة خفيفة مع قدح قهوة ثم كبست للسيارة البنزين كي تطير إلى شرق فرنسا عبر حقول لا نهاية لها.
انتهت رحلتي في فندق هليتون ستراسبورغ حيث واعدني أسعد البصري في قاعة الضيوف الصباحية، وكان علي أن أمكث لحظات متأملا وجوه الموجودين، حتى تقدم إلي رجل بدين أسود حليق الرأس، باذخ الأناقة، وهو يصرخ باسماً "هاي شبيك، نسيتني، هي كلهه 40 سنة".
أسعد البصري الذي أمامي لا شيء فيه ممن عرفته قبل 4 عقود، لكنّ أناقته ببذلته البيضاء، وقميصه الحرير الأسود بماركة لاكوست مطرزة على ياقته، وحذائه الأبيض غريب الشكل، ويده الممدودة باتجاهي بخاتم زينته ماسة كبيرة، أوجزت لي قصة نجاح ساحق رسا باليساري الأسود البصري النحيف، إلى ساحل أهل القمة المعطر المخيف.
جلسنا ولم يفسح لي أن أسأله، بل عاجلني هو بقصص عالمه الغريب، على طريقة أهل المال والساسة والقادة الغامضين، ومضى مسترسلا بحديث كان بدأه قبل أيام معي على الهاتف: "لن تصدق كيف وجدتك، كنتُ في اجتماع عمل في باريس، وكانت شاشة على الجدار تعرض أخبار قناة فرنسا 24 ، وفجأة ظهرت أنتَ وما كنت لأعرفك لولا عرضهم اسمك معرّفاً تحت صورتك، وبدأتَ تتحدث، فاستأذنت الجالسين معي لحظات، ورفعت صوت التلفزيون، فوجدتك تتحدث عن أزمة الهجرة واللجوء التي تعصف بألمانيا، وبقيتَ تتحدث، فطلبتُ سكرتيرتي، وقلت لها أن تجدك وتؤمن لي اتصالا بك، وعدتُ إلى الاجتماع. في اليوم التالي عادت لي السكرتيرة بايميلك وبرقم هاتفك وحتى بعنوانك في ألمانيا، وبصور لك على النت، وهكذا وصلت إليك، ثم جئتني إلى هنا وأنت لا تعرفني فيما أنا أعرفك، في عصر المعلومات لم تبق أسرار ولم يعد أي شيء بعيد عن متناول المرء".
وتناول جرعة من عصير بكأس معقد التفاصيل، ودعاني أن أختار ما أشاء من مائدته العامرة، رغم أنّ الساعة كانت ما زالت تقترب من الثانية عشرة ظهرا. فسكبت لنفسي من دورق كريستال ضخم كأساً رشيقاً من عصيره ذي الطبقات الخمس، وبدأت اتجرع ذلك الشيء بقصبة زجاجية نحيفة.
وسألته بلهفة: يهمني أن أعرف أولا كيف نجوت وصديقتك الفنانة من قبضة الأمن عام 1977؟
شقت وجهه ذات الابتسامة العريضة بالأسنان شديدة البياض التي ميزته منذ أربعين سنة، ثم قال: يا صديقي، أنا نفسي لا أعرف كل التفاصيل، لكنهم أخذونا من مقهى اللقاء مباشرة إلى بيت في منطقة القصر الأبيض، ثم فرقونا هناك، ولم أعرف مصير رفيقتي ح، ونقلوني بعد رحلة طويلة نسبياً معصوب العينين إلى زنزانة انفرادية صغيرة جداً، حتى أني كنت مضطراً إلى النوم وساقي نصف ملتفة تحت ركبي.
بقيت سجيناً بلا تحقيق 10 أيام، وفجأة، جاءوا إليّ ليلا وأخذوني كما أنا بسيارة مرتفعة معصوب العينين إلى مكان قريب، وانزلوني من السيارة معصوب العينين، وقالوا لا تفتح عينيك حتى تحسب إلى المائة. وبقيت أحسب وأنا أرتجف واقفاً حيث لا أدري، ثم فتحت عصابة عيني ووجدت نفسي في منطقة الرشاد قريبا من مستشفى الشماعية، هل كنتُ سجينا في المشفى؟ لا ولن أدري.
وبعدها، ماذا جرى لك، وما مصير ح التي اعتقلت معك؟
نظر في كأسه متعدد الطبقات برهة، ثم قال" لم أسمع عن ح من يومها أيّ شيء، لكني استنتجت مما جرى أنهم كانوا يريدونها، ولا يريدونني، ومع ذلك أرعبني ما جرى، فلم أكمل عامي الدراسي الأخير بكلية الهندسة، بل عبرت بعد أسبوع من من إطلاق سراحي إلى الكويت، ومن هناك بدأت قصة أخرى تماماً".
تنبه إلى رسالة وصلته على هاتفه الذكي، فانشغل به لحظة، ما دفعني كالعادة أن افتح هاتفي، ثم بدأت بقراءة تطورات الوضع في البصرة، حيدر العبادي تحاصره جموع المتظاهرين في فندق عشار شيراتون، المتظاهرون يقطعون طريق أم قصر، أعمال عنف تطال مقرات حزب الدعوة، مقرات عصائب أهل الحق والتيار الصدري لم يقترب منها أحد...ثم خاطبني أسعد قائلاً "ما هذه التعاسة، هل نلتقي بعد أكثر من أربعين سنة، لنتابع الأخبار على الهاتف؟ أترك هاتفك يا صديقي، والأفضل أن تجعله على وضع طيران، وسأفعل مثلك، هذا اليوم سيكون خارجا عن المألوف" ووضع هاتفه على وضع طيران، ففعلت مثله، وقلت له: "كنت اتابع أخبار البصرة، يبدو أن الأمور تشتد هناك".
"ما الجديد في أخبار البصرة، البحارة يسرقون النفط يومياً عبر مفاتيح تفريغ خاصة صنعوها في مناطق باتت معروفة ويحرسها مسلحون، ويهرّبون النفط الخام إلى مصفاة عبادان في إيران وإلى مصفاة رأس الخفجي في السعودية، حيث يحوّل الى منتجات نفطية، ويتم تداوله مع المهربين بطرق سرية. البصرة اليوم، معبر نفط مهرّب كبير، وقرأت أنّ ما بين 100- 300 ألف برميل نفط يسرق يومياً من عدادات النفط في البصرة وتصل قيمتها الى 20 مليون دولار أي بما يعادل سبعة مليارات دولار سنويا".
ولفت نظري أنه لم يتطرق إلى الحراك الجاري في البصرة، فسألته" ألم تسمع بما جرى ويجري هناك من تظاهرات واضطرابات؟"
ضحك والتقط بمعلقة بضع حبات رمان مهيلة من صحن كريستال، دسها في فمه وهو يقول "يا صديقي لا أتابع أخبار السياسة، بل أتابع نتائجها وتأثيراتها على الاقتصاد، وهذا ما يهمني".
سارعتُ أسأله" ولكنك لم تقل لي ما عملك اليوم، ما سر النجاح الذي يلفك اليوم؟"
ابتسم بهدوء، والتهم مزيداً من حب الرمان المهيّل، ثم قال "أنا أعمل في التجارة، وأبيع وأشتري كل شيء، تشتري 20 شاحنة من فلان، بسعر أقل من المعروض في السوق بنحو 25 بالمائة، ثم تبيعها إلى فلان بسعر السوق، فتكون حققت ربحاً معقولا، وهكذا، المهم أن تعرف من أين تشتري، فالعروض من كل أنحاء العالم، وأين تبيع، فكل أسواق العالم تشتري، ولكن لكل سوق زبائنه".
سارعت اسأله بخبث على ضوء حديثه عن نفط البصرة المهرب "وهل تشتري النفط أيضا؟"
ابتسم بهدوء وهو يقول" قلت لك اشتري وأبيع كل شيء، ولكن كل ذلك يتوقف على سعر البيع، وهذا حديث طويل".
سارعت أسأله مرة أخرى لأبقي الحوار في ملعبه "أين تسكن، وما وضعك الأسري؟"
قال "مبدئيا أنا أسكن باريس، ولكن لدي بيت في لوكسمبورغ للعطل، ولدي بيت في أوكرانيا للعمل، ولدي جناح نصف محجوز بهذا الفندق بشكل دائم للعمل وخاصة للصفقات مع الزبائن الألمان، فهذا المكان قريب عليهم، ولا تقترب منه الفضائح، ستراسبورغ عالم غريب صامت".
والأُسرة، ماذا عن وضعك الأسري، أين تسكن زوجتك وأبناؤك؟
ضحك بشدة وهو يقول" أما عن الزواج فعندي زوجتان، واحدة فرنسية ولي منها ولد وبنت متزوجان يسكنان في باريس، وواحدة إرتيرية بلجيكية وهي تسكن معي في لوكسمبورغ، ولدي منها ولدان وبنت، وعندي صديقة في أوكرانيا، هي معي منذ 10 سنوات، ولي منها ولد وبنت وهم يسكنون في بيتنا بأوكرانيا".
اتكأت على مقعدي محاولا أن أستوعب ما جعل أسعد البصري اليساري النحيف الفقير، مليونيرا يجول بين النساء والعواصم، ولم أتمالك نفسي من سؤاله بكل وقاحة: "كيف حدث هذا يا أسعد؟ كيف تغيرت من ذاك البصري الفقير الساكن في قسم داخلي بائس في باب المعظم والمطارد من أجهزة الأمن، إلى مليونير باذخ يتنقل بين النساء والبلدان؟"
دفع نحوي بصحن كافيار صغير وهو يقول "جرّب الكافيار الإيراني، إنه مفيد للباه ويطيل العمر، كُل معه بعض الزبدة على شريحة خبر سمراء، وستلحظ الفرق هذه الليلة. يا صديقي لكل إنسان قصة، ولم يحن الأوان بعد لأروي قصتي خاصة وأن محدّثي الآن صحفي فضولي قد يختلف معي ذات يوم فيكشف ما أخفي من تفاصيل حياتي أمام أنظار الناس. يا صديق العمر العتيق، دع عنك الأسئلة، ودع البصرة لأهلها فهي قد خربت من زمان، وخلينا في برنامجنا لهذا اليوم وهذه الليلة، سأغادر ستراسبورغ غدا صباحاً إلى جزيرة آراك في جنوب إيران، ومنها إلى كييف، وعلينا أن نقضي الساعات المقبلة بطريقة لا تُنسى، لنفترق بعدها وربما لن يجمعنا لقاء آخر قط، أو قد يجمعنا لقاء في أجل غير معلوم".
حين عدت في اليوم الثاني إلى بيتي في ألمانيا، لم أكن قد عرفت عن عمل أسعد البصري أي تفصيل، رغم قضائنا نحو 14 ساعة معاً في ضحك وكلام وغناء بدد كل أوهامي التي حاول أن يوحي بها إليّ عن عدم اهتمامه بالبصرة ونفطها المهرب بملايين الدولارات.
بون- ألمانيا





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,560,865,452
- وداعاً للهوية الحمراء فالناس تريد الاشتراكية
- آسو براون الإيرانية الألمانية التائهة !
- بعد قرن على ثورة أكتوبر، ماذا تحتاج الشيوعية؟
- -الرئيس- ومسدس الريس
- الزعيم ومسدس الزعيم
- الحب اليساري والحب اليميني
- سميّة العذراء حسب إرادة الكاهن
- رائد فهمي: -قيم العولمة وضعت إشكالية على الوعي الطبقي-
- حقائق و أوهام عن الماء
- الملتحون في كل مكان- حقائق عن اللحية
- أين غابت القروش والفلسان والدراهم ؟
- الشهيدة والشهيد وما بينهما !
- هل تعشق المرأة أن يتأملها الرجال؟
- الرقص الشرقي- من الابتذال الليلي الى فن جماعي
- ليلى في الحمام الرومي بمدينة بادن بادن
- فيروز- صباح الخير يا موسم الشوق !
- تعدد الأزواج – فيسبوك كشف المستور بلا قيود
- فيلم -المنقبة-- التطرف الإسلامي في أوروبا بنكهة كوميدية
- عجّل فالعالم الجديد لا ينتظر أحدا !
- من أسرار الصحافة - حرية الكلمة بلا ثمن!


المزيد.....




- بين تركيا ومصر والسعودية.. أقوى 7 جيوش بعدد المدافع ذاتية ال ...
- بشار الأسد: سنواجه العدوان التركي بكل الوسائل المشروعة
- سوريا: الأكراد يدعون لفتح -ممر إنساني- لإجلاء المدنيين المحا ...
- ماكرون: نعمل على وقف أوروبي جماعي لمبيعات الأسلحة لتركيا
- إطلاق صواريخ -إسكندر- في إطار تدريبات -غروم-2019-
- السيسي يصدر قرارا جمهوريا ببناء محطة جديدة لتحلية مياه البحر ...
- مصر ترحب بفرض عقوبات أمريكية على تركيا بسبب العملية في سوريا ...
- شاهد: محاكمة نازي يبلغ من العمر 93 عاما متهم بقتل 5280 في ال ...
- وفاة رئيس إحدى لجان الكونغرس الثلاث التي تقود تحقيقاً لعزل ت ...
- شاهد: بنس يلتقي أردوغان في محاولة أمريكية لوقف العملية العسك ...


المزيد.....

- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي
- أحاديث العولمة (2) .. “مجدي عبدالهادي” : الدعاوى الليبرالية ... / مجدى عبد الهادى
- أسلحة كاتمة لحروب ناعمة أو كيف يقع الشخص في عبودية الروح / ميشال يمّين
- الصراع حول العولمة..تناقضات التقدم والرجعية في توسّع رأس الم ... / مجدى عبد الهادى
- البريكاريات الطبقة المسحوقة في حقبة الليبرالية الجديدة / سعيد مضيه
- البعد الاجتماعي للعولمة و تاثيراتها على الاسرة الجزائرية / مهدي مكاوي
- مفهوم الامبريالية من عصر الاستعمار العسكري الى العولمة / دكتور الهادي التيمومي
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة / مصطفى مجدي الجمال
- ثقافة العولمة و عولمة الثقافة / سمير امين و برهان غليون
- كتاب اقتصاد الأزمات: في الاقتصاد السياسي لرأس المال المُعولم ... / حسن عطا الرضيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - ملهم الملائكة - صديقي أسعد ورحلته من البصرة إلى القمة