أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صادق إطيمش - ونظل نحتفل بالرابع عشر من تموز كعيد وطني















المزيد.....



ونظل نحتفل بالرابع عشر من تموز كعيد وطني


صادق إطيمش
الحوار المتمدن-العدد: 5932 - 2018 / 7 / 13 - 18:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ونظل نحتفل بالرابع عشر من تموز كعيد وطني

لا زلنا حتى هذا اليوم ، يوم الذكرى الستين لثورة الرابع عشر من تموز المجيدة والتي يحتفل بها العراقيون هذه ألأيام ، نسمع بعض من يجعل هذه الثورة سبباً للمآسي التي يمر بها الوطن الآن. ونسمع هذه الآراء ايضاً بنبرات لا تخلو من الحقد احياناً على هذه الثورة المباركة التي استجابت لمتطلبات الوضع السياسي السائد آنذاك وانتقلت بوطننا العراق إلى مصاف حركة التحرر الوطني والعربي التي كانت سائدة آنذاك ،والتي تصاعدت خاصة بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 . وكمواكِب للوضع السياسي في ذلك الوقت مواكبة لا تخلو من الوعي الفكري الذي تشكلت بداياته في منتصف خمسينات القرن الماضي ، لابد لي ، لا بل ومن الواجب عليَّ ، ان اناقش بعض هذه الأطروحات غير المنصفة بحق هذه الثورة التي نحتفل بذكراها الستين اليوم ، والتي لم يعش احداثها إطلاقاً كل من بلغ الستين من العمر ، او لم يعش احداثها بوعي حتى من بلغ السبعين من العمر اليوم .
تزعم واحدة من هذه الأطروحات بان الثورة قضت على النظام الملكي الجميل الذي اراد سياسيوه السير بوطننا العراق نحو التقدم والإزدهار. قد يصدق البعض ، خاصة من الأجيال التي لم تعش ذلك " العهد الملكي الجميل " إذا ما قارنوا ما نعيشه اليوم من مآسي وويلات تحت حكم عصابات تقول انها اسلامية ، إلا اننا لم نر من اسلامها وتدينها غير بيع الوطن واللصوصية وانتشار الفقر والهوان والمذلة والرذيلة بين اهل العراق الذين يعيشون اليوم وضعاً مأساوياً كانعكاس مرير للوضع المأساوي في عهد التسلط الدكتاتوري البعثي البغيض الذي لم يشكل إلا صورة بشعة تنعكس اليوم بكل بشاعتها على الوضع الذي تقوده احزاب الإسلام السياسي ومن يقف الى جانبها من الإنتهازيين والوصوليين وحملة الفكر القومي الشوفيني والتخلف العشائري والتطرف الطائفي البغيض .
لقد وقف عراقيو الأمس إلى جانب ثورة الرابع عشر من تموز منذ إنطلاقتها في ساعتها الأولى وعبروا عن موقفهم هذا بشتى وسائل التعبير، بالرغم من عدم وضوح الصورة بعد وبالرغم من عدم التأكد من إنهيار النظام الملكي وتاسيس الجمهورية العراقية ، وذلك إيماناً من اولئك العراقيين بالنهج التحرري الذي سخروا عملهم الوطني لتحقيقه رغم كل المضايقات ورغم كل السياسة القمعية التي كان النظام الملكي يمارسها ضدهم آنذاك .

ومنذ فترة ليست بالقصيرة وكثير من المحاولات الإعلامية وعلى مختلف الأصعدة والمستويات تحاول غمز ثورة الرابع عشر من تموز والإنتقاص منها وذلك ليس بشكل مباشر فقط ، بل وغير مباشر ايضاً من خلال التطرق إلى العهد الملكي ورجالاته سواءً من العائلة المالكة او ممن حكموا العراق من سياسيي ذلك العهد ، وكأن هذه المجموعة كانت قد بذلت الغالي والنفيس وضحَّت بكل ما لديها من أجل بناء الدولة العراقية الديمقراطية المستقلة المتحررة من اية سلطة أجنبية . وليس هذا فحسب ، بل ان هذه الجهات الإعلامية التي سخرت المسرحيات والمقالات لهذا الغرض دأبت على إبراز هذه المجموعة التي تسلطت على حكم البلاد والعباد لما يقارب الأربعين عاماً من الزمن وكأنها كانت تعيش حياة الكفاف ، لا بل أنها لا تتقاضى على ممارستها الحكم والسلطة إلا بما تسد به رمقها . وهذا ما يجافي الحقيقة والواقع طبعاً ، إذ ان نظرة بسيطة إلى التاريخ سترينا في أية قصور فارهة كان يعيش الرهط الحاكم وأية سيارات فخمة نسبة لذلك الوقت كانت تحت تصرفهم وإية إمتيازات حكومية كانوا يتمتعون بها . كل ذلك مقابل الفقر المدقع الذي كانت تعيشه الجماهير الواسعة من الشعب العراقي آنذاك .

من الطبيعي ان تبرز هذه المحاولات الآن وهي تسعى إلى إستغلال الوضع السياسي الآني الذي يتيح لها ، رغم فساد قادته وانحطاطهم ، ممارسة حرية الكتابة والنشر وبكل الطرق المتاحة قانوناً ، وهي تروم من وراء ذلك خلق مقارنة بين الملكية والجمهورية مع انحياز واضح للنظام الملكي ورفض اوضح للنظام الجمهوري بشكل عام .
وقبل أن نتطرق إلى حيثيات هذه المقارنة والنتائج التي يسعى البعض إلى الوصول إليها وما قد يسحب فكر المواطن العراقي نحو هذه المقارنة تحت هذه الظروف الجهنمية التي يمر بها وطننا اليوم بكل ما فيها من مساوئ وامتهان لكرامة الإنسان ولأبسط حقوق المواطنة التي تشكل توفير الخدمات العامة الضرورية لحياة إنسان القرن الحادي والعشرين أولوياتها الطبيعية التي لا نقاش فيها ، نحاول بإيجاز التقصي عن الدوافع والأسباب التي دعت إلى بروز مثل هذه الظاهرة على السطح السياسي العراقي في الوقت الحاضر بالذات.

مما لا شك فيه هو أن الحالة السيئة التي يمر بها وطننا الآن قد فسحت المجال لمثل هذه الظاهرة ان تتكرر على الساحة السياسية العراقية وبمختلف الأشكال . ولو تعمقنا في هذه الدراسات التي تُمجد العهد الملكي لوجدناها تتطرق دوماً إلى المقارنة بين ذلك العهد المقبور والعملية السياسية الجارية الآن في وطننا .
ولابد هنا من الإشارة أولاً إلى علاقة هذا الموضوع بإنهيار الدولة العراقية بعد التاسع من نيسان عام 2003، حيث أدى ذلك إلى خلق ظرف سياسي كان المتوقع منه أن يكون نقيضاً للنظام البعثفاشي المنهار . إن إنهيار الدولة العراقية في التاسع من نيسان عام 2003 هو ليس سقوطاً لحكومة أو مؤسسات حكومية كان من الممكن تعويضها بحكومة أو مؤسسات أخرى . وطالما جرى التأكيد قبل سقوط البعثفاشية على طبيعة الدولة العراقية التي ربطها جرذ العوجة بشخصه بحيث أصبح ينطبق عليها ما قاله الجواهري الكبير : تطير إن طار أو تهوى إذا وقعا . إن هذا الربط الدكتاتوري الأهوج الذي أوقف كل المؤسسة الحكومية العراقية لابد له وأن ينتهي بهذه النهاية التي إنسحبت على الدولة بمجملها . وحينما إنهارت هذه الدولة كان من المفروض أن يكون نقيضها هو السائد على الساحة السياسية العراقية. ولقد تحقق هذا النقيض فعلاً ولكن ليس بما كان يأمله الشعب العراقي من هذا التغيير . فإن قلنا بأن الضمانة النسبية لحرية الصحافة وإبداء الرأي والحرية الفكرية التي جاء بها نظام ما بعد البعثفاشية هي النقيض الحقيقي لسياسة القمع الفكري والدكتاتورية السياسية التي كان يمارسها نظام ما قبل التاسع من نيسان ، فإننا من الجانب الآخر لا يمكننا التنكر لزيادة تعمق جذور الفساد الإداري والمالي وعلى مختلف المستويات والأصعدة وذلك مقارنة بالفساد الإداري والمالي الذي أوجده النظام البعثفاشي أصلاً منذ أن تبنى سياسة التسيير الذاتي للمؤسسات الحكومية العراقية . وما يقال عن الفساد الإداري ينسحب على كافة المظاهر الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والثقافية الأخرى التي يمر بها الوطن الآن . وهنا تحاول النشاطات المبذولة لتجميل الوجه القبيح للنظام الملكي المقبور ان تتخذ من النظام السياسي الذي كان سائداً آنذاك لمقارنة النظام القائم حالياً به ، إذ انها لا تستطيع ، أخلاقياً على الأقل ، أن تضع مقارناتها مع البعثفاشية المقيتة التي لا يمكن وضعها في هذا الموقع الذي لا تستحقه إطلاقاً ، فهمجيتها وجبروتها وطغيانها وجرائمها تجعلها في منأى عن المقارنة بأي نظام مهما زادت سيئاته وتكاثرت جرائمه . هذا بالرغم من وجود مَن يلجأ إلى هذه المقارنة اليوم وذلك حينما يبلغ الأمر بأحدهم حداً لا يطاق ، وما أكثر هذه الحدود التي لا تُطاق في عراق اليوم . إلا أن مثل هذه المقارنات مع نظام البعثفاشية تظل عاطفية آنية أكثر مما هي واقعية جادة .

يحاول جراحو وجه العهد الملكي المقبور أن يجعلوا من رجاله الذين إقترفوا ابشع الجرائم بحق الشعب العراقي ، رجالاً أوفياء لهذا الشعب ، تعاملوا معه بكل أخلاق وأدب وسلوك حضاري . وإن أول الشخصيات التي يتطرقون إليها في هذا المجال هي شخصيات العائلة المالكة التي يحاولون بها إبراز هذه العائلة وكأنها عائلة ملائكة الرحمن التي أنزلها الله رحمة على هذا البلد الذي كان سينهار لولا وجود هذه العائلة . وهذا ما يجافي الحقيقة والواقع الذي عاشته هذه العائلة حينما أوتي بها إلى العراق من قبل الدولة البريطانية .
بالنظر لقلة أفراد هذه العائلة الذين حكموا العراق للفترة بين 1921 وحتى 1958 والتي إقتصرت على أربعة رجال فقط مارسوا الحكم في فترات مختلفة ، فلا يمكننا والحالة هذه التطرق إلى كل هؤلاء بنفس المستوى من التقييم . فالرجل الأول في هذه العائلة الملك فيصل الأول قد جاء به الإنكليز إلى العراق بعد أن طرده السوريون من بلادهم حينما أراد الفرنسيون فرضه كملك عليهم . إنه ليس عراقياً ، إلا ان الإنكليز فرضوه على العراقيين إذ أنهم كانوا يعتبرونه ورقتهم الرابحة في العراق ، وكل ما يقال عن الواعز الديني الهاشمي لهذا الإختيار يجافي الواقع ، إذ ان بريطانيا العظمى آنذاك لا شأن لها بالإسلام واهله بقدر ما يوفر لها هذ الإسلام واهله ما يضمن المصالح ويحقق السيطرة . وحال إستلامه مقاليد منصبه في العراق من قبل الحكومة البريطانية سعى إلى ان يتقرب من الشعب العراقي إلى جانب وفاءه لمن نصبوه وذلك بمحاولته تبني ما كان قادة ثورة العشرين قد خططوا له باستقلال العراق من الهيمنة البريطانية . إلا أن تبنيه لهذه الفكرة التي قد يكون مخلصاً لها لم يستطع السير به نحو خطوات جريئة لتحقيقه وذلك بسبب إرتباط دولة العراق التي لا زالت دولة فتية بمجمل السياسة البريطانية التي أوجدتها لتدور في فلكها ولم يكن بإمكان هذا الملك أن يفلت من هذا الفلك .

أما الفترة التي حكم فيها الملك غازي العراق ، فبالرغم من قصرها (1933ـ 1936) فإنها كانت مشوبة بكثير من الأسرار والمؤامرات التي تركزت بشكل أساسي على ممارسة السلطة وديمومتها لبعض القوى السياسية التي جعلت من ضعف هذا الملك الشاب وسيلة لها لتنفيذ مآربها التي لا ناقة للشعب العراقي بها ولا جمل . كما أنها تميزت بحملات قمعية ضد بعض الفئات العراقية التي طالبت بحقوقها القومية آنذاك. وللمزيد من المعلومات الدقيقة عن هذه المرحلة بالذات من تاريخ العراق السياسي والإجتماعي ننصح بمراجعة الكتاب القيم الذي ألفه الباحث القاضي زهير كاظم عبود والمعنون ب " من أوراق الملك غازي " من إصدار " مؤسسة شرق غرب ـ ديوان المسار للنشر " .
أما مرحلة العهد الملكي التي تلت مرحلة الملك غازي فيمكن إعتبارها نموذجاً لممارسات العهد الملكي برمته وذلك لعدة أسباب :
أولاً: في هذه المرحلة تم بناء الدولة العراقية المؤسساتية التي أرادت لها السياسة البريطانية ان تخطو نحو الحداثة التي تتناسب وظروف المنطقة المحيطة بها والتي تقررها مصالح السياسة البريطانية ليس في العراق وحسب ، بل وفي المنطقة عموماً .
ثانياً: تبلورت في هذه المرحلة طبيعة العمل السياسي العراقي بحيث أصبح الصراع على السلطة واضحاً بين القوى السياسية الرئيسة في ذلك الوقت ومن ثم بينها وبين القوى الوطنية التي بدأت عملها السياسي الوطني الذي إنصب على رفض ربط السياسة العراقية بالسياسة البريطانية من خلال المعاهدات بين البلدين وأهمها معاهدة 1930 .
ثالثاً: طول المدة الزمنية التي إستغرقتها هذه الفترة والتي قاربت الإثنين وعشرين سنة، مقارنة بفترتي فيصل الأول التي رافقت نشوء الدولة العراقية وإستمرت إثنتا عشرة سنة تقريباً . وفترة غازي الأول التي إستمرت ثلاث سنوات .
وحينما نتطرق إلى الشخصية السياسية الملكية الرئيسية التي طبعت هذه الفترة بطابعها فميزتها عن الفترات التي سبقتها ، فإننا والحالة هذه لا نجد سوى شخصية الأمير عبد الإله الذي إستمر تأثيره على الساحة السياسية العراقية حتى بعد أن تنحى عن منصب الوصاية على العرش ، حيث تذكر كثير من المصادر التاريخية قيام عبد الإله بتنفيذ السياسة الإنكليزية في العراق بحذافيرها ، إذ ان الإستعمار البريطاني كان يعتبره ، مع الآخرين من رجالات الإنكليز بالعراق ، رجُله الأول داخل العائلة المالكة بعد ان تعرف ساسة الحكومة البريطانية على افكار الملك غازي التي كانت تسير بغير ما يخططون له ، لذلك عمدوا على التخلص منه بمساعدة كل من عبد الإله ونوري السعيد . وللمزيد من المعلومات عن مؤامرة إغتيال الملك غازي من قبل الإنكليز وبالتعاون مع عبد الإله ونوري السعيد وحتى بالتآمر مع زوجته عالية ، لا بأس من مراجعة المؤلَف القيم الذي أشرنا إليه أعلاه من تأليف الباحث القاضي الأستاذ زهير كاظم عبود وخاصة على الصفحات 164 ـ 167 وعلى الصفحة 179 من نفس هذا المؤلَف .
إن شخصاً كهذا يتآمر على ولي نعمته وزوج أخته تنفيذاً لرغبات الأجنبي المستعمر لا يمكنه ان يكون وفياً للشعب العراقي الذي لا ينتمي إليه أصلاً . وهذا ما تشير له كافة الإجراءات القمعية التي إتخذتها الحكومات العراقية التي كانت تسير في فلكه وفلك الإنكليز، كتسخير الجيش العراقي لقمع التحركات العشائرية المناوئة للحكومة أو قمع الإنتفاضات الشعبية التي إنطلقت على شوارع العراق في أربعينات وخمسينات القرن الماضي والإعدامات التي نفذها النظام بحق قادة الحركة الوطنية والتي إرتبطت بسياسة الحكومة العراقية آنذاك والتي كانت تُدار من قبل عبد الإله حتى بعد تخليه الرسمي عن الوصاية على عرش العراق .
هذه ألأسباب واسباب أخرى كثيرة غيرها والتي قد تدخل في باب الإشاعات أو التضخيم حيث قد يصدق بعضها أو لا والمتعلقة بسلوك وتصرفات هذا الأمير الحجازي الماجنة ، تدعونا لأن ندقق النظر فيما ذهب إليه البعض من تزكية شخص عبد الإله وأبعاد تاثيره على مجمل سيئات النظام الملكي إثناء فترة وصايته على عرش العراق وحتى بعد إنتهاء هذه الوصاية وحتى سقوط هذا النظام بثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 .
وإذا ما تجاوزنا افراد العائلة المالكة ونظرنا إلى رجال حاشية هذا العهد الملكي الذين خططوا لسياسته ونفذوها فإننا سوف لن نجد إلا الندرة من هؤلاء السياسيين الذين تبنوا مصالح الوطن وأهله فعلاً قبل تبنيهم ودفاعهم بكل الطرق عن مصالح السياسة البريطانية في العراق . ومن الشخصيات التي لا تنتمي إلى هذه الندرة والتي كانت سائدة ، لا بل مسيطرة على الساحة السياسية العراقية آنذاك هو السياسي العراقي المعروف نوري السعيد الذي يدبج الكثير في الوقت الحاضر المقالات ويخرجون المسرحيات عن ذلك السياسي الذي نعتوه بكل اوصاف الطيبة والوطنية والتسامح والعدالة وغيرها من الأوصاف التي لم يكن يحملها اصلاً . ومن الجدير وصفه بصفاته الحقيقية التي مارسها على الساحة السياسية العراقية طيلة فترة تسلطه على هذه الساحة وأشهر صفاته هذه الحيلة والمراوغة والتآمر واللف والدوران وكأن تاريخ معاوية بن أبي سفيان يعيد نفسه بهذا الرجل على أرض العراق .لا نريد الحديث كثيراً هنا عن هذا الرجل ونكتفي بذكر المصدر القيم للأستاذ الباحث العراقي حامد الحمداني وكتابه المعنون : نوري السعيد رجل المهمات البريطانية الكبرى ، لمراجعته ومعرفة المزيد حول هذا الموضوع .
قد يكون الكثير ممن يكيلون المديح إلى رجالات العهد الملكي ، لم يعيشوا هذه الفترة أصلاً أو لم يعيشوها بوعي . كما أن ذلك يمكن أن ينطلي على البعض الآخر الذي قد يجهل الحقيقة عن هذا العهد لنفس السبب الزمني هذا
.
في هذا العام يمر على ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 ستون عاماً . وهذا يعني حسابياً ان ألأشخاص الذي يبلغون من العمر الآن ستين عاماً فما دون لم يعيشوا فترة قبل الثورة اطلاقاً ، اي لم يعيشوا سياط جلادي العهد الملكي التي رافقت المعارضين لسياسة النظام آنذاك ، وذلك من خلال عمليات التعذيب في سجون ذلك العهد وأقبيته. أو من خلال عمليات النفي والمطاردة ومعسكرات الإبعاد التي تأسست اصلاً لكل مواطن رفع صوته ضد السياسة الموالية للإستعمار البريطاني في العراق . أو من خلال الإعدامات التي نالت قادة القوى الوطنية سواءً في صفوف العسكريين أو المدنيين وفي مقدمتهم قادة الحزب الشيوعي العراقي الذين ظلت جثثهم معلقة في شوارع بغداد لعدة أيام . أو من خلال المجازر الرهيبة التي نفذها النظام الملكي ضد السجناء السياسيين والتي أسفرت عن قتل السجناء في هذه السجون ، ومجزرة سجن الكوت مثل واحد على مثل هذه المجازر . او من خلال الفصل من الوظائف وما كان يسمى بسحب اليد وبذلك قطع مصدر المعيشة لعوائل الوطنيين العراقيين النشطين في الأحزاب المعادية للسياسة الإستعمارية في العراق والتي كان العهد الملكي وحاشيته من الساسة العراقيين أدوات تنفيذها المباشرة . أو من خلال رمي المتظاهرين بالعتاد الحي ووقوع القتلى والجرحى بين مَن تظاهروا لإعلان هذا الموقف الوطني أو ذاك ضد السياسة الإستعمارية البريطانية وأذنابها في الوطن ، كما جرى في انتفاضة 1948 وفي انتفاضات اوائل ومنتصف خمسينات القرن الماضي . أوتسخير الجيش العراقي لضرب العشائر وضرب المتظاهرين أيضاً في الإنتفاضات الوطنية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي . أو من خلال شن الحرب الشعواء على القوى العراقية غير العربية التي طالبت بأبسط حقوقها القومية ، كما جرى للكورد مثلاً .أو من خلال الدعم اللامشروع للإقطاعيين الكبار باستعبادهم الفلاحين وذلك من خلال قوانين سنَّها النظام خصيصاً لفرض السيطرة الإقطاعية في الريف العراقي لكي يضمن بذلك ولاء الإقطاع له وفي مقدمتها قانون دعاوى العشائر ، الذي يعيد تفعيله الإسلاميون اليوم والعصابات الحاكمة معهم . أو من خلال التضييق الذي قد يصل إلى القمع بكل وسائل العنف او بالسجن او بالفصل ضد منتسبي النقابات العمالية التي بدأت بالمطالبة بحقوقها النقابية ، كما جرى في مجزرة كاورباغي واضرابات عمال البصرة مثلاً . " وفخر " هذا النظام أنه جعل من مخازن أسلحة الجيش البريطاني في صحراء نكرة السلمان سجناً رهيباً لمعارضيه من منتسبي الأحزاب الوطنية . أو من خلال سياسة التعريب التي أستخدمها النظام الملكي تجاه المناطق الكوردية وفي مقدمتها مدينة كركوك . أو من خلال الثقافة الإستعمارية الطائفية العنصرية التي أشاعها النظام في مفاصل الدولة العراقية كتبني الجنسية العثمانية مثلاً . كل ذلك جرى في بلد لم يتجاوز عدد سكانه الخمسة ملايين نسمة آنذاك .ولم يقتصر هذا القمع الذي مارسته الأجهزة القمعية الملكية المدنية منها والعسكرية على منطقة واحدة من العراق ، بل شملت الجبال والوديان في كوردستان العراق كما شملت البطاح والصحاري في وسطه وجنوبه . إذ لا يهم مَن يكون على قمة السلطة سواءً نوري السعيد الذي كان أكثرهم نصيباً في الحصول على منصب رئيس الوزراء أو صالح جبر أو توفيق السويدي أو آخرون فإن أجهزة أمن بهجت العطية وسعيد قزاز وخليل كنة وغيرهم من قادة الجهاز القمعي آنذاك ، وما تمخض عن هذه المؤسسات القمعية من جهاز سموه الشعبة الخاصة، التي تخصصت بالشيوعيين ، كانت السباقة دوماً إلى تنفيذ عمليات الملاحقة والسجن والتعذيب حتى الموت أحياناً دون ان يشعر أي من سياسيي العهد الملكي هؤلاء بأي رادع وطني أو أخلاقي من تلك التي يتحدث عنها البعض اليوم باعتبارها من الظواهر التي كانت ترافق رجالات العهد الملكي المقبور . وربما نستطيع القول حتى أولئك الذين قرأوا عن مظالم ذلك العهد لم يستطيعوا تكوين فكرة مباشرة واضحة عنه وذلك لسببين :
أولهما : أن القراءة وحدها لا يمكنها أن تصنع نفس الصورة وتخلق نفس المشاعر التي تبلورت لدى أولئك الذين عاشوا الحدث مباشرة واكتووا بناره أيضاً ، إذ ان المعايشة وحدها من بعيد ودون ألإحتكاك المباشر بالحدث لا تكفي .
وثانيهما : إن هؤلاء قد عاشوا بعدئذ وربما بوعي أساليب البعثفاشية التي بدت في أعينهم ، وهم على حق في ذلك ، غير قابلة للمقارنة مع أي تسلط قمعي ، لذلك فإن القمع الذي مارسه العهد الملكي كان " زلاطة " بالنسبة لهم ، كما يقول المثل العراقي . قد يكون هذا التحليل صحيحاً . إلا ان لكل حقبة زمنية خصوصيتها وآلياتها . وإن آلية القمع التي وظفها العهد الملكي ضد معارضيه كانت قد بلغت قمة التطور في الأساليب القمعية آنذاك، وعلى هذا الأساس فقط يمكن أن تجري المقارنة لنخرج بنتيجة نسبية حول هذا الامر.
إن كل ما نستخلصه من الطرح أعلاه هو أن العهد الملكي كان يشكل وحدة كاملة من البلاط وحاشيته على مختلف مناصب أفرادها سعت لتمثيل مصالح السياسة البريطانية ليس في العراق فقط ، بل وفي المنطقة برمتها . لذلك فإنه ليس من الغرابة بمكان أن يكون العراق هو العضو الفعال ، من بين كل دول المنطقة العربية ، في حلف عسكري إستراتيجي حمل إسم العاصمة العراقية كمؤشر على إضطلاع بلد هذه العاصمة في إشرافه ليس على تمثيل السياسة الإستعمارية في المنطقة وحسب ، بل والدفاع عنها عسكرياً أيضاً مع حلفائه الآخرين في هذا الحلف، حلف بغداد .

من الطبيعي أن يضطلع هذا العهد ببعض الإنجازات التي يمكن إعتبارها ضمن ما كان ينتظره الشعب العراقي من حكومة كانت تتغنى بالوطنية . إلا ان عمق هذه الوطنية العراقية سيبدو لنا واضحاً إذا ما نظرنا إلى ما حققته السياسة الإستعمارية البريطانية بالدرجة الأولى وكل المرتبطين بهذه السياسة تجاه بعض ما تحقق للشعب العراقي اصلاً . أما إذا أخذنا الأمر من واجهة أخرى فإن الصورة ستبدو واضحة اكثر إذا ما أجرينا المقارنة بين المواقف التي وقفتها سياسة العهد الملكي إلى جانب الشعب العراقي وتلك التي إتخذتها ضده إبتداءً بقمع الإنتفاضات والحركات والأحزاب الوطنية وما تمخض عنها من معارك طاحنة بين الشعب والحكومة وانتهاءً بالنفوذ الأجنبي على العراق وكافة مرافقه السياسية والإقتصادية. وما السياسة النفطية التي سلكها العهد الملكي والإمتيازات التي حققتها شركات النفط الأجنبية فيه إلا مثلاً واحداً على ذلك .
لذلك فإنه ليس من المستغرب أن تكون أولى الخطوات الجريئة التي إتخذتها ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 هي التخلص من كبرى سيئات العهد الملكي هذا والتي شملت الحد من التسلط الإقطاعي والقضاء على إمتيازات الشركات النفطية وتحرير الإقتصاد العراقي من الهيمنة ألأجنبية . وكذلك ليس من المستغرب ان نرى ردة الفعل من ألإقطاع والرجعية وأيتام العهد الملكي الذين رفضوا هذا التوجه الوطني الحق لثورة تموز وسعوا إلى مقاومته بكل ما تسنى لهم من الدعم الداخلي والخارجي حتى تحقق لهم ذلك في ألإنقلاب الدموي الأمريكي البعثفاشي الإقطاعي الإسلاموي الإجرامي في الثامن من شباط من عام 1963 .

مَن يريد تبرير مواقف العائلة المالكة العراقية والجرائم التي أرتكبها العهد الملكي بحق العراق شعباً ووطناً من خلال الشعار المرفوع آنذاك بأن " الملك مصون وغير مسؤول " فإنه في الحقيقة يغالط نفسه أكثر مما يغالط الواقع الذي كان سائداً فعلاً . فالملك كان بيده إقالة وتعيين الحكومة من خلال تعينه وإقالته لرئيسها . والملك كان يتحكم بطبيعة وشكل ما يسمى بالبرلمان العراقي الذي لم يدخل فيه الممثلون الحقيقيون للشعب ، بل كان " النواب " يُفرَضون فيه فرضاً كممثلين عن مناطقهم " الإنتخابيه " وحينما دخل بعض ممثلي الشعب الحقيقين إلى البرلمان صدفة ، لجأ الملك إلى حل هذا البرلمان فوراً . والملك كان يعين تعييناً ما يسمى بمجلس الأعيان الذين يشكلون رجال السلطة في غالبيتهم العظمى . أي ان الصلاحيات التي كانت للملك أو للوصي على عرش العراق كانت صلاحيات يمكن توظيفها لمصلحة الشعب والوطن ، إن أرادوا ذلك ، وليس لمصلحة السياسة البريطانية في العراق والمنطقة .
وختاماً لا يسعنا إلا أن ننصح المتقولين على ثورة الرابع عشر من تموز والساعين إلى النيل منها من خلال محاولاتهم لإعادة الإعتبار إلى العهد الملكي ورجاله سواءً في البلاط نفسه أو من حاشية هذا البلاط أن يكفوا عن مثل هذه المحاولات التي لا يمكنهم أن يمرروها خلف ظهر التاريخ الذي شهد على زيف السياسة التي كان يمارسها هذا العهد . لقد عبر الشاعر العراقي الكبير المرحوم معروف الرصافي عن سيئات هذا العهد بقصيدته الرائعة التي كان مطلعها :
أنا بالحكومة والسياسة أعرَفُ .... أأُلام في تفنيدها وأُعَنَفُ
حتى يصل إلى وصف هذا العهد بكل سيئاته قائلاً :
عَلَمٌ ودستورٌ ومجلسُ أمةٍ .... كُلٌ عن المعنى الصحيح مُحَرَفُ
أسماء ليس لنا سوى ألفاظها .... أما معانيها فليست تُعرَفُ
مَن يقرأ الدستور يعلم أنه .... وِفقاً لصك الإنتداب مُصَنَّفُ
مَن ينظر العلَمَ المُرَفرِفَ يَلْقَهُ .... في عزّ غير بني البلاد يُرفرِفُ
مَن يأتِ مجلسنا يُصدّق أنه .... لمُراد غير الناخبين مؤَلَفُ
مَن يأتِ مُطّرَدَ الوزارة يُلْقِها .... بقيود أهل ألإستشارة ترسُفُ
ثم يختم هذا الشاعر العراقي الكبير قصيدته الرائعة هذه مُتنبأً بما سيحدث لهذا النظام قائلاً :
لابد من يوم يطول عليكُمُ .... فيه الحساب كما يطول الموقفُ
الشعب في جزَعٍ فلا تستبعدوا .... يوماً تثور به الجيوشُ وتزحَفُ
وهذا بالفعل ما حققته ثورة القوى الوطنية في الجيش العراقي بمساندة الشعب لهذه الثورة في الرابع عشر من تموز المجيد عام 1958.
المجد كل المجد والسؤدد والخلود لثورة الرابع عشر من تموز في ذكراها الستين. ولتخرس كل الأبواق الساعية للنيل من هذا ألإنجاز العراقي الوطني التاريخي العظيم .
الدكتور صادق إطيمش





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,056,612,664
- وهكذا مر عام الفراق
- وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً ...
- تساؤلات عابرة للتحالفات
- ليفعلها تحالف - سائرون - ويقلب ميزان القوى السياسية
- يا اعداء الشيوعية ... إنحدروا
- انياب الإسلام السياسي تلاحقنا ..... فاقلعوها
- الفشل عنوان تجربة احزاب الإسلام السياسي التي لا ينبغي لها ان ...
- لا تنتخبوا . . .
- الأول من آيار والتشويه الرأسمالي لمضمونه
- نداء ورجاء ...
- هل صحيح ما يروج له دعاة مقاطعة الإنتخابات البرلمانية في العر ...
- فاجأتنا وفجعتنا يا دانا
- الخطاب الإنتخابي في العراق وقدرة الأداء
- الكفيشي يرتجف على منبره ...
- واحسرتاه
- مع بعض خطباء المنابر واكتشافاتهم - العلمية -
- التحالفات السياسية بين المنظور والمُنتَظَر
- مَن كان منكم بلا خطيئة ..... فليرشح للإنتخابات
- العنف بين المؤسس والمُنفذ
- تكفيريون بلا حدود ... حسن الشمري مثالاً


المزيد.....




- أوباما يفاجئ زوجته بباقة ورد خلال تروجيها لكتابها الجديد
- نتانياهو يتفادى انتخابات مبكرة بعد قرار وزير أساسي البقاء في ...
- بينيت يحفظ ماء وجه نتنياهو
- باختصار.. هذا هو حال اليمن اليوم
- البنتاغون: لا موعد لتسليم تركيا مقاتلات أف 35
- تحقيق في اتهام باريس سان جرمان بـ-التمييز-
- نظام الضمان الاجتماعي في بريطانيا -اضطرني للدعارة-
- لاعبان عربيان بين المرشحين لأفضل خط وسط في تاريخ كأس آسيا
- فيديو من دقيقة يوثق رحلة كفاح رونالدو
- فايننشال تايمز: القحطاني أمير الظلام الذي أطاحت به قضية اغتي ...


المزيد.....

- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب
- اللامركزية المالية / أحمد إبريهي علي
- سقوط الوهم / بير رستم
- المنظومة التعليمية فى مصر التحديات والبدائل / كريمة الحفناوى
- نظرة على الأوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع (1-2) / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صادق إطيمش - ونظل نحتفل بالرابع عشر من تموز كعيد وطني