أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سلمان رشيد محمد الهلالي - الدوافع الايديولوجية والسياسية والذاتية في الهجوم على الدكتور علي الوردي (القسم الاول)















المزيد.....



الدوافع الايديولوجية والسياسية والذاتية في الهجوم على الدكتور علي الوردي (القسم الاول)


سلمان رشيد محمد الهلالي
الحوار المتمدن-العدد: 5932 - 2018 / 7 / 13 - 01:39
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الدوافع الايديولوجية والسياسية والذاتية في الهجوم على الدكتور علي الوردي (القسم الاول)
(بداية الحكمة ان تسمي الاشياء باسمائها الحقيقية) مثل صيني
انتشرت في الاونة الاخيرة عبارة مهمة لااعرف مصدرها تقول (اذا كان المثقف العراقي سابقا يتبجح بقراءة علي الوردي , فانه اصبح الان يتبجح بمهاجمة علي الوردي) . وهذه الظاهرة انتشرت بقوة بعد سقوط النظام البعثي الحاكم عام 2003 للاسباب التي قلنا انها تشكل المرجعية الثقافية والفكرية لاي موضوع او نقاش او تقييم او تفسير لاي فكرة او مفهوم او اصطلاح عند الانتلجنسيا العراقية وهى (الايديولوجيا , السياسة , الذاتية) . واذا اردنا التفصيل حول تاثير هذه الاقانيم الثلاث على انتشار ظاهرة التقييم السلبي وغير الموضوعي لكتابات واراء الدكتور الوردي فيمكن ادراجها من خلال التفصيل الاتي :
اولا : الايديولوجيا (Ideology): الايديولوجيا بالمعنى العام هى الحكم المسبق عن اي ظاهرة سياسية واجتماعية ضمن خلفيات دينية او طائفية او علمانية او عشائرية او عائلية او طنية . او الحكم على تلك الظواهر من خلال الايديولوجيات السياسية الدوغمائية الثلاث (الماركسية والقومية والاسلامية) . وهذه الايديولوجيات الثورية والنضالية شكلت النظام المعرفي او (البراديغم)Paradigma)) الثقافي والنموذج الادراكي والفكري في العراقي بعد الحرب العالمية الثانية , حتى اصبحت البنية الاثيرة التي لاترى بقدر ماتؤسس – بلغة محمد اركون – او اللاشعور المعرفي الذي يتحكم بالانتاج الفكري والخطاب السياسي دون ان يظهر للسطح . ويرجع سبب تماهي العراقيين بالايديولوجيا الى اسباب عدة اهمها انها تقدم حلول جاهزة ووصفات سحرية ويوتوبية للحلول المستعصية التي يرزح تحت ظلها المجتمع العراقي , فيما تعتمد الانظمة الليبرالية والديمقراطية الحلول الطويلة الامد والمقاربات التجريبية التي لاتعطي ثمارها ونتائجها الايجابية الا بعد اجيال عديدة . فضلا عن ذلك ان العجز عن تفسير الواقع والخوف من تقديم الحلول الموضوعية وتراكم التراجيديا الغامضة عبر التاريخ الطويل والتوجس من طرح الاشكالات الحقيقية , تعد من اهم العوامل التي تولد الايديولوجيا , وكما يقول كارل مانهايم في كتابه (الايديولوجيا واليوتوبيا)(ان العجزعن مواجهة الحقائق يلد الايديولوجيا) . وسبق ان بين كارل ماركس (ان الايديولوجيا وجدان كاذب وحجاب عن الواقع) لانها لم تاخذ الواقع الموضوعي بنظر الاعتبار في الحكم والتقييم والاصلاح . ويعد الدكتور علي الوردي من اهم المفكرين والكتاب العراقيين الذي لم يتبنى الايديولوجيات الجزمية والثورية فحسب , بل ووقف ضدها وانتقد شموليتها وتفسيرها الاحادي للتاريخ والمجتمع , وهذا الانتقاد استند على اسس رصينة من القيم الليبرالية والعقلانية التي نادى بها من جانب , والتاثر باراء اوغست كونت صاحب الاتجاه الوضعي الذي اكد (ان المجتمع الانساني يعيش على التنظيم اكثر مما يعيش على الايديولوجيات) او عالم الاجتماع الايطالي (فلفريدو بارتيو)(1848-1923) الذي دعا الى الفصل بين عالم القيم وعالم الوقائع , لان ( العوامل اللامنطقية في المجتمع هى المبدا الاساس في علم الاجتماع) . واعتقد ان الوردي - وبما انه كان متاثرا بالنمط الثقافي الامريكي - فانه ربما تاثر بكتاب المفكر السياسي الامريكي دانيال بيل (1919-2011)(نهاية الايديولوجيا) الذي نشره عام 1961 الذي تنبا فيه بموت الايديولوجيات السياسية الكبرى - واهمها الشيوعية - مستندا على وقائع موضوعية وتاريخية سابقة تمثلت بموت النازية والفاشية في اوربا . فيما كان الرفض الثاني للايديولوجيات عند الدكتور الوردي هو انعدام المصداقية في تطبيقها وتلاشي النموذج الحقيقي في استعراضها , وانها لاتعدو ان تكون اناشيد ومحفوظات ومفاهيم وافدة , تبناها المثقفون العراقيون كصرعات فكرية . اي ان الدكتور الوردي استند في رفضه للايديولوجيات الثورية على اساسين :
الاساس الاول : رفض اصل الايديولوجيات الشمولية والدوغمائية التي تتبنى التوجهات الثورية والعصابية ضد القيم الليبرالية والديمقراطية . وهذا الرفض استند الى المطارحات العقلانية والتنويرية التي تبناها الدكتور الوردي بعد التاثر بجيل النهضة العربية اولا , والمتبنيات الليبرالية الامريكية التي تعد الفلسفة البرغماتية المرتكز الدلالي الاول فيها ثانيا . لذا نجد الدكتور الوردي من اوائل العراقيين الذين استهجنوا الايديولوجية النازية الالمانية والفاشية الايطالية التي ظهرت في اوربا قبل الحرب العالمية الثانية وتعاطف معها الكثير من العراقيين بحجة وقوفها ضد بريطانيا وفرنسا . كما كانت له انتقادات حادة للتوجهات الايديولوجية التي برزت بقوة في الشرق الاوسط بعد الحرب العالمية الثانية وتداعيات الحرب الباردة (1945-1990) بين المعسكرين الشرقي الشيوعي والغرب الليبرالي واهمها القومية والماركسية والاسلامية .
الاساس الثاني : انعدام المصداقية الحقيقية عند اصحاب الايديولوجيات الثلاث (الشيوعية والقومية والاسلامية) في تطبيقها على ارض الواقع , وبلورة النموذج الذي يلائم بين النظرية المثالية والممارسة الحقيقية . فحتى الان لم نجد اي تطبيق عملي صادق يعكس توجهات تلك الايديولوجيات في العراق , ليس لانها غريبة عن قيم المجتمع واخلاقه وانماطه الاجتماعية والسياسية والذي تهيمن عليه الانساق الدينية والطائفية والقبلية والاسرية كبنية حقيقية واصلية كامنة في النظام المعرفي والاخلاقي تحتاج الاصلاح والتعرية والتقويم فحسب , بل والى هيمنة الذاتية والمصالح الشخصية والرغبة بالاستحواذ والاستغلال والاستفادة من تلك الايديولوجيات كطريق احادي للمكاسب والمغانم . او مجاراتها من اجل تحقيق الذات وتعويض النقص الاجتماعي والثقافي السائد عند الانتلجنسيا العراقية , بل واصبحت تلك البنى والمفاهيم والانساق التقليدية والبدائية هى من تحرك تلك الايديولوجيات من خلف الستار . فالقوميون في العراق بعد انقلاب 1963 اصبحت تسيرهم الطائفية والعنصرية والقبلية . والشيوعيون تحفزهم الذاتية والمصلحة الشخصية والاحساس بالاقلية المذهبية والاثنية والدينية . والاسلاميون توجههم المغانم المالية والمكاسب الحزبية والانساق العائلية وهكذا الامر . واذا اردنا الدقة فان الاساس الثاني هو الاسوء في المعادلة التي ذكرنها حول سبب رفض الوردي للايديولوجيات الثورية , لان المجتمع يتحمل تلك الايديولوجيات الشمولية والاحادية والاستبدادية على مضض , وكامر واقع فرضته الظروف السياسية والتداعيات الدولية , في سبيل تطبيق افكارها ومبادئها وقيمها على ارض الواقع , على امل الالتزام بما تنادي به اصلا من مفاهيم وقوانين وتوجهات فكرية وسياسية , على قاعدة (الزموهم بما الزموا به انفسهم) , الا انك تجد الكذب والنفاق والخيانة حتى ضمن معايير تلك الايديولوجيات نفسها , وكيف يكون التسلط والاستئثار والهيمنة والمكاسب الحزبية والشخصية وازدواج المعايير همها الاول وهاجسها الاساس , وحينها تظهر لك الكارثة المضاعفة والخسارة العظمى ان تتجمع عليك المصيبتين : الايديولوجيا الدوغمائية والشمولية والثورية التسلطية من جانب , والكذب والتدليس وتلاشي النموذج الواقعي لاراءها ومبادئها وقيمها من جانب اخر.
لذا كان من الطبيعي ان يكون للوردي الموقف الاول في رفض الايديولوجيات النضالية الوافدة . ومن الطبيعي ايضا ان يكون لاوصياء التنزيل الايديولوجي موقفا اكثر رفضا وانتقادا لاراء الوردي الخاصة بهذا الشان . ويمكن استعراض اهم مفاهيم الرفض عند الكتاب المؤدجلين واسباب مهاجمة اراء الوردي وهى بحسب الفاعلية :
1 . القوميين : جميع اطر المتخيل والاستهداف القومي الذي صنعته الانظمة القومية الحاكمة (الناصرية والبعثية) في العراق بعد انقلاب 1963 وحتى سقوطها عام 2003 تشمل الدكتور علي الوردي . فهو ليبرالي التوجه وديمقراطي الهوى وشيعي المنحدر وعلوي (سيد) النسب , وكل هذه السمات وضعتها تلك الانظمة في دائرة الاستهداف والتخوين والتبعية , وبلورة جيلا مخصيا يردد تلك الاستهدافات دون وعي او تحقيق . واما في المسار السياسي فقد انتقد الوردي الايديولوجية القومية – (واسماها الغرور القومي) - ورغم ان انتقاده كان ضمنيا ومختصرا - بسبب خوفه المعروف من تلك السلطات الحاكمة واعترافه بهذا التوجس والتردد عن المواجهة وتفضيله السلامة والامان , الا انه كان ناقدا فاعلا ومتفردا سياسيا . فالدكتور الوردي اعتبر جميع اشكالات العراق الحضارية ومنابع تخلفه وبدائيته وازدواجية قيمه البدوية والمدنية هى من الهجرات والغزوات الوافدة من الصحراء العربية في الهضبة الغربية (السامية والعربية) , والتي جلبت الدمار والخراب والاستبداد والتاخر الحضاري في مختلف الميادين الاخلاقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية . فيما ان القوميين العرب - واهمهم الدكتور عبد العزيز الدوري (1919- 2010) - اعتبروا الهضبة الايرانية في الشرق هى منبع الشر والغزوات والمؤامرات على العراق , واعتقد ان مؤلفات الدوري الطائفية والعنصرية في مطلع الستينات – واهمها (الجذور التاريخية للشعوبية) - كانت ردا غير مباشر على اطروحات الدكتور الوردي واراءه بهذا الشان . وقد عملت السلطات القومية الحاكمة من خلال وسائلها المتعددة في الاعلام والتربية والتعليم والجيش على ترويج اراء الدوري وترسيخها عند العامة والمثقفين والمتعلمين العراقيين على حد سواء , حتى اصبح كل عراقي هو قوميا عروبيا دون ان يعلم , واضحى اللاشعور القومي هو من يحدد اغلب التوجهات السياسية والفكرية عندهم , بل ان التمدد والتاثير القومي وصل حتى الى اشد الشيوعيين والماركسيين تطرفا وثورية , واذا اطلعت على كتابات الشيوعيين الماويين والستاليين الاخيرة لعزيز الحاج ورشيد الخيون وسمير عبيد وسعدي يوسف وفؤاد النمري وجعفر المظفر وكاظم حبيب وهادي العلوي وقاسم حسين صالح وسليم مطر وعبد الحسين شعبان لاعتقدت انك تقرا لميشيل عفلق وخير الله طلفح او خير الدين حسيب , اذ تنعدم تلك الروحية الماركسية والتحليل الطبقي والمادي والنزعة الثورية التي تقف بوجه الرجعية والعنصرية العربية التي تتجلى اليوم بالمملكة السعودية , وطبعا ان الحجة الجاهزة بهذا الشان ستكون الوقوف بوجه المشاريع الايراني , وكانما المشروع السعودي هو مثال التقدمية والتنويرية والحضارية !! واذا كان لينين يقول (حك قشرة الشيوعي تجد الكثير من الراذائل) فاننا في العراق نقول (حك قشرة الشيوعي تجد الكثير من الافكار القومية) , واعتقد ان الامر لايتعلق بهيمنة الخطاب القومي وتاثيره على الانتلجنسيا العراقية وعملية الخصاء التي مارسها على مدى اربعين عاما (1963-2003) فحسب , وانما لان اغلبية الشيوعيين العراقيين كانوا في بواكير حياتهم قوميين عروبيين تحولوا لاحقا للشيوعية , فالقومية العربية هى اقرب للمزاج الطفولي والشعبوي في المجتمع التقليدي والبدائي , لانها قائمة على التضامن وتقدير الاصول والاهتمام بالاساطير المؤسسة والطوطميات وغيرها . ويشكل هذا النمط المسكوت عنه في التاريخ عند اغلب الباحثيين , كما وجدنا ذلك في حالة الشهيد عزيز السيد جاسم (1941-1991) مثلا الذي كان في بواكير حياته قوميا عروبيا ثم تحول الى المتبنيات الماركسية , بل ان اهم منظر ماركسي عربي هو الشهيد حسين مروة (1909-1987) بدا حياته اثناء دراسته في العراق متاثرا بالفكر القومي الذي كان يمثله انذاك حزب الاستقلال الذي يتزعمه محمد مهدي كبة , ثم تحول لاحقا للفكر الماركسي بعد لقائه القيادي الشيوعي الشهيد حسين محمد الشبيبي . ويبدو ان الجذور الريفية والقيم البدوية والروحية الاسلامية كلها عوامل تمجد العروبة والاصول الاسطورية , بل ان الذاكرة الايجابية العربية وجميع سماتها التي يقدسها العراقيون ترجع للجزيرة العربية , المتمثلة اليوم بالمملكة العربية السعودية كالنسب العربي النبيل !! والقران الذي كتب ايضا بالعربية والنبي محمد وال بيته والقبلة او الكعبة وموطن الديانة والمرجعية المكانية والحج ووو وغيرها من السمات التي حتى لو لم يعترف المتعلم والمثقف العراقي بقدسيتها واهميتها , الا انها تشكل في الوجدان قيمة لاشعورية وثيمة مركزية تحدد اغلب التوجهات السياسية التي تغلف بطابع العقلانية والعصرنة . وقد اعترف الشاعر كمال سبتي من الناصرية (1955- 2006) في قصيدته (اخر المدن المقدسة) بتاثير التلقين القومي على العراقيين من حيث تحديد العدو نحو الشرق والتغاضي عن العدو الوافد من الغرب والكامن في الصحراء العربية التي ابادة الملايين من العراقيين الاصليين في السهل الجنوبي (الشعراء كذابين .... ماقالوا يوما .... من الجهة الغربية ياتي القتل) . واذا اردنا الصراحة نجد بؤرة الحكم الاستبدادي والطائفية والعنصرية والمكافحة الثقافية والاقصاء والتهميش والاحتقار والارهاب والهجمات الوهابية والتخوين العروبي والتكفير السلفي وفدت الينا من الجهة الغربية والهضبة الصحراوية التي تماهت مع الحكم السامي قبل الاسلام والتسلط السني العربي بعد الاسلام , ودفع ضريبتها العراقيين الاصليين النبط او الموالي , الذين تمظهروا بالجماعة الشيعية لاحقا . وامام هذا الواقع المؤلم , وقع الشيعة العراقيين في موقف محرج من ناحية العلاقة مع العرب , واصابهم نوعا من (الجرح النرجسي) - بلغة فرويد - فهم من جانب يفتخرون بالاصل العربي الذين ادعوا انهم يرجعون اليه , ومن جانب اخر وجدوا ان العرب لايعترفون بهم ويحتقرونهم ويكفرونهم لاغراض طائفية بغيضة , تمظهرت بصور عدة لايمكن حصرها ضمن نطاق هذا البحث , منها الحرب بالنيابة ضد ايران عام 1980 التي ذهب ضحيتها مئات الالاف من العراقيين واسقاط الانتفاضة الشعبانية عام 1991 التي خلفت مئات الالاف من الشهداء في المقابر الجماعية ثم الحصار الاقتصادي العربي والدولي (1990-2003) الذي انهك المجتمع العراقي والارهاب والتخوين والتحريض والتكفير وانتهاك الاعراض والسبي بعد سقوط النظام البعثي عام 2003 ومارافقها من ممارسات اجرامية وتدميرية وارهابية مشينة . كل هذه الممارسات الفظيعة والسلوكيات البربرية كانت قريبة نسبيا في زمانها ومتتالية في احداثها . فماهو الحل عند الشيعة العراقيين الذين عرف عند اغلبهم البلادة والبلاهة والفطارية والتغابي والحقد على الذات والمجتمع ؟؟؟
بالطبع نحن لانتوقع ان يكون هناك اعتراف او صحوة او مراجعة من قبل الشيعة المخصيين تاريخيا ووجوديا امام الاعراب , لان هذا يكون من الاستحالة بمكان في الحالة العراقية , ليس لان القيم البدوية والريفية الاستعلائية تمنع العراقي من المراجعة والاعتراف بهذا الواقع المزري , وانما لان المرجعية القومية اللاشعورية والنزعة العروبية التي رسختها السلطات والانظمة القومية والبعثية خلال اربعين عاما (1963-2003) تمنعه من التصحيح والتقويم , فكان الحل الاوحد عنده هو تبرير تلك الاعمال الاجرامية والممارسات الطائفية من خلال طريقين :
الاول : الاعتراف بوجود هذه السلوكيات المشينة او التحريض الاجرامي والتخوين الطائفي من قبل العرب ضد العراقيين , ولكن ياتي تبريرها ظاهريا ومتكلفا بانها سلوكيات شاذة من قبل فئات ضالة ومنحرفة , وتصرفات اقلاواتية مدفوعة الثمن من الاستعمار وامريكا – او حتى من ايران - لاتشكل رايا عاما ونمطا شموليا عند العرب والمركزية السنية , والايحاء بان كثير من هذه السلوكيات والتصرفات الاقصلئية والاجرامية موجودة عند كثير من المجتمعات والشعوب في العالم , بل انها موجودة عند حتى بعض الشيعة , وطبعا سيذكرون لنا بعض الاسماء والاحزاب والجماعات الاقصائية التي خلقوا لها ممارسات واكاذيب واساطير لاصحة لها من عمليات القتل والارهاب . ولاحاجة الى القول ان هذا هروب فاضح واختراع غريب من العقل الشيعي المخصي , لان الاراء الشاذة عند بعض العراقيين ضد العرب لاتقارن بالراي العام والمتخيل العربي الشامل ضد الشيعة , بل ان اغلبية العراقيين يقدسون العرب وبقدرونهم ويحسون امامهم بالنقص والدونية والحقارة , رغم تلك الاعمال المشينة والسلوكيات المنحطة .
الثاني : تبرير تلك السلوكيات والدفاع عنها والادعاء بانها جاءت كرد فعل ضد الخطر العراقي الشيعي بعد 2003 والارتماء بالحضن الايراني وترك العراق لمحيطه العربي . وهو بالطبع عذر اقبح من فعل لاتتوقعه يخرج الا من اناس منحطين ومخصيين وصلوا الى درجة الجبن والذل بصورة ليس لها مثيل او تشبيه في التاريخ , ان يكون هناك انسان او مجتمع يبرر القتل لاهله ومجتمعه , بل ولاكثر من ثلاثين مليون شخص باعذار واهية وقناعات سخيفة , او الاعتقاد بجواز ابادة شعب كامل وتدميره وارهابه واغتصاب اعراضه وسبي نسائه وتخوينه وتكفيره والتحريض عليه , والسبب هو فقدان محيطه العربي وارتماء حكومته بالحضن الايراني !!
واذا عدنا الى موضوعنا نجد ان القوميين او الانظمة القومية وكتابها لم يردوا على اراء علي الوردي في كتب خاصة او مقالات مستقلة , والسبب هو نظرة الاستعلاء التي يتمازون بها على الاخرين , وخاصة على ابناء الاقليات والمذاهب المغضوب عليها , بل ان الصحفية الامريكية (كريستين هيلمز) عندما سالت صدام حسين عام 1983 عن ظاهرة الازدواجية عند العراقيين التي ذكرها (البروفسيور) علي الوردي ؟ استنكف صدام عن ذكر حتى اسمه , ونفى ان يكون الفرد العراقي يعاني من الازدواجية !! وذكر الشاعر حميد سعيد ان صدام حسين كانت يتضايق جدا من راي الوردي حول صراع البداوة والحضارة في العراق . ويبدو ان الرئيس صدام قد احس بان الحكام الذين يرجعون الى الاقلية السنية هم المعنيين بالبداوة وهيمنتها وتسلطها على العراقيين الاصليين في السهل الرسوبي التي فصلها الدكتور الوردي في كتابه (شخصية الفرد العراقي) , حيث اكد فيها ان اول دولة في التاريخ كانت قد تبلورة من خلال تسلط البدو اهل الصحراء على اهل الريف والقرى في العراق.
ويبدو ان صدام حسين قد حمل حقدا كبيرا على الوردي بسبب تلك الاراء الجريئة , ظهرت للعلن عندما تقدم الاخير في عقد التسعينات بعريضة يطلب فيها السفر الى الخارج للعلاج بعد اصابته بسرطان البروستات - والذي توفى به لاحقا - فقد همش صدام حسين على العريضة المقدمة بعبارة (الى جهنم !!) . وهذه السلوكيات الحقودة هى بالطبع عكس مايذكره الصحفي سلام الشماع المكلف بمراقبة علي الوردي بان العلاقة بين صدام والوردي كانت ودية !! الا انه اعترف ان الدولة العراقية كانت تهاب الوردي . واما الكتاب القوميين الطائفيين فقد وصفوا الوردي بالوصف الذي يصاحب عادة الكتاب والمثقفين الشيعة غير المخصيين والمتفردين والمتساميين عن القطيع الثقافي العراق وهى (الشعوبي والفارسي والايراني) . فيما كان الدكتور نوري حمودي القيسي عميد كلية الاداب في جامعة بغداد اكثر صراحة في التعبير عن مكنونات نفسه الطائفية والعصابية , فقد وصف الدكتور الوردي بانه (ينتمي الى جيل طازج من المهاجرين الفرس الى العراق) وهذا الموقف ليس بالمستغرب عن الدكتور القيسي الذي عرف عنه التصرف وفق السياقات العثمانية والطائفية مع الاساتذة والطلاب في كلية الاداب في نهاية الثمانينات , فقد اشتكى الدكتور محسن الموسوي(مدير دار الشؤون الثقافية العامة ورئيس تحرير مجلة افاق عربية ) الاستاذ في كلية الاداب سابقا من تصرفات الدكتور القيسي الطائفية , وقد ذكر ذلك الكاتب الامريكي (اريك دافيس) في كتابه القيم والتاريخي (مذكرات دولة). بل ان الدوائر الطائفية القومية الحاكمة قد ارسلوا تهديدا صريحا للدكتو الوردي عام 1978 بالتوقف عن اكمال كتابه (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث)(ستة اجزاء بثمان مجلدات) الذي وصل الى مرحلة مابعد تاسيس الدولة العراقية عام 1921 والتداعيات التي اعقبت تلك التحولات السياسية والحضارية , واحس القوميين الطائفيين بان (الغسيل الوسخ) لتاريخهم قد بدا بالتدوين في هذا الكتاب , فيما ان هذه العوائل والعشائر الحاكمة تريد اسدال النسيان عن تاريخها في التعامل مع الانكليز واقصاء الوطنيين والاستقلاليين الشيعة . فتوقف الوردي - الذي عرف عنه للاسف الخوف والتردد عن اكمال مشروعه التاريخي – الاجتماعي , وننتظر حتى الان كاتبا او باحثا يمتلك العقلية الليبرالية والروحية الانتقادية حتى يكمل هذا المشروع المهم . ويقال ان الاعتراض الرئيسي جاء من عائلة النقيب الكيلانية وعشيرة المشاهدة . فقد استعرض الوردي علاقة نقيب الاشراف عبد الرحمن النقيب الذي عينه الانكليز رئيسا للوزراء عام 1920 بالمس بيل ومواقفه الطائفية من جانب وعلاقته الخاصة والانبطاحية مع الانكليز والمندوب السامي برسي كوكس, واقراره بالسيادة البريطانية في حكم العراق . فيما كان اعتراض عشيرة المشاهدة منحصرا على القصة التي ذكرها الوردي حول زيارة عجيل الياور شيخ قبيلة شمر لعشيرة المشاهدة في شمال بغداد وسؤاله (هل تغزون؟؟) فاجابوا بالنفي , فقال لهم ساخرا (اغزوا الاطكع منكم!!) .
ولم يكن منعه من الكتابة والنشر والتاليف قد شمل كتابه (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) فحسب , بل امتد ليشمل كتبه الثمانية السابقة التي نشرت في مراحل زمنية متعددة . فقد منعت من اعادة طبعها في العراق رغم الاقبال الكبير عليها , واصبحت مؤلفاته نادرة جدا وباهظة الثمن , فخلال دراستي في بغداد بين عامي 1988 – 1993 وارتيادي الاسبوعي - وحتى اليومي - لشارع المتنبي لم اجد كتابا واحدا للدكتور الوردي , الا مرة واحدة وبسعر باهض جدا لم استطع اقتنائه . وعندما اردنا الاستعارة من المكتبة الوطنية قال لنا الموظف المعني : ان كتب الوردي عليها حرف (ر) . وقلنا له ماذا تعني ؟ قال (رقابة) , عدا كتاب اللمحات الذي لم يكن ممنوعا من التداول في المكتبات الرسمية او الاهلية في شارع المتنبي لانه اقرب للكتب والمصنفات التاريخية . ولم يكتف القوميين البعثيين والطائفيين الحاكمين بمنع كتب الدكتور الوردي وتهميشها, بل واشاعوا بين الناس ان الاخير يكتب في مخاطباته الرسمية والاكاديمية وتحت عناويين مؤلفاته الاجتماعية (استاذ متمرس) فيما هو بالواقع لم يحصل على لقب استاذ متمرس عند احالته على التقاعد عام 1970 , (وقيل بان الحكومة البعثية سحبت منه هذا اللقب) . وقد تضايق الوردي من هذه الاشاعة وكتب عريضة ساخرة الى رئيس جامعة بغداد بين عامي (1981-1990) الدكتور طه تايه النعيمي بعنوان (علي الوردي يشكو حظه العاثر!!) يطلب فيها بيان الموقف الرسمي من جامعة بغداد حول حيازته لقب استاذ متمرس , لانه يذكر هذا اللقب في مؤلفاته ويخشى ان يتهمه الناس بالكذب ؟ وبالطبع لم يستجب النعيمي لسؤال الدكتور الوردي او يعلق على العريضة او يبين الموقف الرسمي من هذا اللقب , لان نظرة الاستعلاء العثمانية والعنجهية البدوية والعقلية الطائفية هى من تحرك توجهات مثل هؤلاء القوم .
وجه الوردي نقودات خطيرة الى ركائز الفكر القومي العربي في العراق , وهو النمط او المنهج الذي يستخدمه عادة في النقد والتفكيك والتعرية , حيث ان نقده بنيويا وجذريا للظاهرة , وليس سطحيا او عرضيا . واهم هذه الركائز التي انتقدها الوردي وسخر منها بقوة :
ا . اللغة والادب العربي : فمن المعروف ان القوميين العرب اعتمدوا النمط الالماني في القومية الذي تجلى في اراء الفيلسوف فيختة وكتابه (خطابات الى الامة الالمانية) معتبرا اللغة هى (اس الاساس) في بلورة الامه واتحادها . وسار على هذا الاتجاه منظري القومية العربية امثال ساطع الحصري وزكي الارسوزي وميشيل عفلق في تقديس اللغة العربية واعتبارها الاساس في بلورة الامة العربية المتخيلة , فيما اعتبر الشعر العربي هو (ديوان العرب) والانعكاس الحقيقي لتاريخهم الاجتماعي والثقافي . بمعنى ان كلا من اللغة والادب هما الركائز الاساسية في التاريخ العربي وبلورة القومية والامة الجامعة . فيما وجدنا ان الدكتور الوردي وجه لهما نقدا لاذعا وساخرا واعتبارهما من الانماط التقليدية والبدائية المتخلفة , ودعا الى اصلاهما وتقنين الاهتمام بهما . وانتقد الاطناب في الشعر وتقديسه واعطائه اكبر من منزلته , او الاهتمام به على حساب القضايا الثقافية والفكرية الاخرى , بل وجه نقدا لاذعا للنمط اللغوي العربي السائد والقواعد الخاصة بالاعراب والنحو وغيرها , وقد اطنب ذلك في كتابه (اسطورة الادب الرفيع) الذي رد عليه احد القوميين الناصريين وهو الدكتور عبد الرزاق محي الدين في مقالات عدة .
ب . التاريخ العربي والاسلامي : ان النقد والتعرية والتحليل الذي وجهه الدكتور علي الوردي للتاريخ العربي الاسلامي يكاد ياخذ اغلب صفحات كتبه التسعة , لانه اعتبر التاريخ هو مفتاح الحاضر . ولم يقتصر انتقاد الوردي للتاريخ العربي الجاهلي قبل الاسلام وماتقوم به القبائل العربية من عمليات الغزو والنهب والسلب لبعضها البعض , وانما امتد للتاريخ الاسلامي بعصوره المتعدة (الراشدي والاموي والعباسي والعثماني) التي تعد المركزية السنية المرتكز الدلالي فيه . بل ان الوردي وجه نقدا ساخرا لرموز تعد مقدسة في التاريخ الاسلامي امثال عثمان بن عفان ومعاوية بن ابي سفيان وهارون الرشيد والامين وغيرهم , وبما ان القومية العربية اعتمدت الذاكرة العربية الاسلامية بصورتها السنية الركيزة الاساسية لبلورة مفهوم الامة الجامعة الذي يصهر المجمع في بوتقة واحدة من التوجه والثقافة , واعتبرت هذا التاريخ الرسمي وتلك الشخصات والرموز نوعا من الايقونات المقدسة والتابو المحرمة تجاوزها او نقدها , فانها حتما قد اعتبرت اراء الوردي وكتاباته نوعا من الانتهاك الشنيع للقومية العروبية , لذا ليس من المستغرب ان توجه له تهمة (الشعوبية) الجاهزة ضد كل من يمتلك عقلا انتقاديا مستنيرا , كما ذكر هو ذلك بقوله (ذهب زمن الغرور الشعبي كما ذهب زمن الغرور القومي قبله , ويؤسفنا ان نرى الناس بالامس يتهموننا بالشعوبية لاننا لانجاريهم في غرورهم القومي , واحسبهم يتهموننا بالرجعية لاننا لانجاريهم في غرورهم الشعبي) .
ج . الانساب العربية : من المعروف ان اغلب القوميين العرب في العراق وبلاد الشام ومصر يعتبرون انفسهم الامتداد الطبيعي للقبائل العربية في الجزيرة , وان الدماء التي تسير في عروقهم هى دماء عدنان قحطان او في الاحسن الاحوال دماء عنترة بن شداد او صعصعة بن صوحان والمهلهل وغيرها من الشخصيات الاسطورية التي صنعها العقل العربي الشفاهي . الا انه الوردي رفض هذه الاساطير والاكاذيب , واكد ان انساب السكان في هذه المناطق , انما ترجع الى بقايا اصحاب الحضارات القديمة من الاراميين والنبط والاقباط والموالي وغيرهم , وان الغزوات والفتوحات العربية والاسلامية قد غيرت الهوية الثقافية لهذه المناطق , وتم عربنتها واسلمتها بمرور الوقت , وتحت الضغط السياسي والقسر الاقتصادي ضمن برنامج (الموالي) هو عبارة عن نظام اجتماعي وسياسي يقوم على اجبار العراقيين والشاميين والمصريين من الاراميين والاقباط الاصليين على مولاة اي قبيلة عربية من التي وفدت الى هذه المناطق الثلاث , والانتساب اليها والتحالف معها حتى يتم الاعتراف به كعنصر منتج في المجتمع والدولة العربية الاسلامية . ومع مرور الوقت اخذ هؤلاء الموالي يحملون اسماء تلك القبائل , حتى اصبحوا بتراكم الازمان وتعدد الاجيال هم اصل تلك القبائل . واستند الوردي في هذا الراي على اطروحة علمية وعقلية لاغبار عليها وهى : ان اعداد سكان هذه المجتمعات الحضارية والمدنية والزراعية في بلاد الرافدين وبلاد الشام ومصر هى بعشرات الملايين , فيما ان الغزاة العرب المسلمين الوافدين اليها لاتتجاوز اعدادهم الالاف , فاين ذهب السكان الاصليين ؟ فهل من المعقول انهم تبخروا ام انقرضوا ؟! ام ان الصحيح هو انهم استعربوا واستسلموا وذابوا بالغزاة الوافدين الذين اصبحوا سادة البلاد . وضرب الوردي على ذلك مثلا هو العراق . فقد اكدت الروايات والاخبار ان عدد سكانه قبل الغزو العربي الاسلامي كان يقارب الستة ملايين نسمة , فيما ان عدد الغزاة والقبائل العربية التي احتلته وسيطرت عليه لاتتجاوز اعدادها المليون . فاين بقايا وذراري واحفاد اولئك الستة الملايين ؟ الجواب هو انهم في البدء حملوا القاب تلك القبائل العربية حسب نظام الموالي , ثم مع مرور الزمن وتعاقب الاجيال اصبحوا هم اصحاب تلك القبائل , كما يحصل عندنا في العراق الان عندما يقوم جماعة باللجوء الى احدى العشائر او السكن معها ثم التحالف معها , وبعد مرور اجيال عدة ينسى الناس الاصل الحقيقي لهولاء الجماعة او الحلفاء , ويصبحون من اصحاب العشيرة الحقيقيين والاصلين , بل وربما اصبحوا شيوخا عليها .
ان هذه الرؤية التي اطلقها الدكتور الوردي ستغيظ القوميين العرب في العراق , الذين يتبنون الاصطفاء العرقي والاصل العربي لقبائلهم وعشائرهم ونسبهم , وسيظهرهم بالتالي بمظهر الاعاجم , بل ان الوردي ارجع الاصل الحقيقي لكثير من زعماء العراق الملكي من القوميين الى الاصول التركية والجورجية والشركسية , وكيف انهم انتقلوا من النسق العثماني الذي كانوا يفتخرون به ويتبجحون به على الناس الى النمط القومي العربي بعد تاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 , كما في حالة القادة حكمت سليمان وياسين الهاشمي واخيه طه الهاشمي وناجي شوكت ونوري السعيد وجعفر العسكري وساطع الحصري وبكر صدقي وغيرهم . وقد عبر عن ذلك بقوله (عندما تشكلت الدولة العراقية اخيرا واخذ مجد عدنان وقحطان ونزار يحل محل حكمت ومدحت وحشمت , تراجع الافندية واسقط في ايديهم , ذلك ان لغة سيبوية ونفطوية شرعت تاخذ مكان تلك اللغة التركية الهدارة وتنال قصب السبق بدلا عنها) . ويبدو ان هذا الموضوع سبق ان اثار الشاعر الرصافي , فقال متهكما على رئيس الوزراء ياسين الهاشمي الذي ادعى القومية العربية المتطرفة (زعيم العروبة من طوز خزرماتو!!) . علما ان الوردي هو اول من ارجع الاصول العرقية للطبقة السياسية القومية والنخبة الحاكمة في العراق الى الاصل التركي من جانب , واول من ارجع سلوكياتهم وتصرفاتهم الاستئثارية الى العقلية العثمانية . واكد ذلك في كتابه خوارق اللاشعور بقوله (ان هذه الطبقة تمثل بقايا الحكم العثماني في العراق , واعتقد ان هذه الطبقة قد اثرت في تكوين الفكر السياسي والثقافي في العراق الحديث تاثيرا كبيرا) (وان عددا لايستهان به من افراد الطبقة الحاكمة في العراق هم من بقايا الجندرمة الذين ابتلى الشعب العراقي بهم في العهد العثماني البائد ابتلاء عظيما)(وقد وجد في طبقة الجندرمنة في العراق احتراما للعهد العثماني وتمجيدا لاثاره بشكل يدعو للعجب الشديد) , وذكر انه سيعالج هذا الموضوع بشيىء من التفصيل مستقبلا في بحث واسع , الا انه كعادته لم يكمل تلك الموضوعات الحساسة التي اراد الكتابة عنها , بسبب الخشية والخوف من الحكام الذين يشملهم هذا الكلام سواء اكانوا في العهدين الملكي ام الجمهوري .
واما اخر مااستهجنه القوميون في العراق على الدكتور الوردي فهو مناداته بالقطرية و(العرقاوية) في مؤلفاته الاجتماعية وكتاباته الفكرية والتنويرية . وقد تجلت الظاهرة (العرقاوية) عند الدكتور الوردي في وقت مبكر من حياته الثقافية . فقد نشر اول كتبه عام 1951 بعنوان (شخصية الفرد العراقي) - ولم يقل العربي - وهو ماجلب له الانتقاد من قبل القوميين العراقيين واعتبروه مناداة بالقطرية والاقليمية , الا انه لم يصغي لتلك الاصوات وعاد من جديد لتلك النزعة عند تاليف كتابه القيم (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي)عام 1965 واختتمها بكتابه الموسوعي (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث)(1968-1978) ولم يذكر كلمة (العربي) في جميع عناويين مؤلفاته التسعة , رغم ان الكثير منها تمس الواقع العربي (الاجتماعي والتاريخي والادبي) بصورة او باخرى . وقد ذكر في مقدمة كتابه (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي) ان بعض الكتاب انتقدوا دراسته للمجتمع العراقي اولا , لان المفروض ان يبدا بدراسة المجتمع العربي الاكبر والذي سيؤدي بالمحصلة النهائية الى فهم المجتمع العراقي باعتباره جزءا من ذلك الكل , الا انه ذكر ان هذا يخالف المنهج الاستقرائي العلمي الذي ينادي به والذي ينطلق من الجزيئات وحتى الكليات. لكن هذه الرؤية الوردية لاتمنع من دعوته عام 1962 للكتاب وعلماء الاجتماع العرب خلال مهرجان ابن خلدون في القاهرة الى انشاء علم اجتماع عربي يستمد جذوره من نظرية ابن خلدون في دراسة الظواهر الاجتماعية للبلاد العربية المختلفة , ويبدو ان هذه الدعوة هى تاكيد غير مباشر من قبل الوردي على اطروحته حول صراع البداوة والحضارة في تفسير المجتمع العراقي التي استلهما من افكار ابن خلدون , واراد تعميمها على المجتمعات العربية التي تعيش على حافة الصحراء وتعاني من صراع القيم المدنية والبدوية . لكنه انتقد المنهجية الاجتماعية القومية في دراسة المجتمع العربي التي قام بها بعض الاساتذة المصريون في جامعة القاهرة وادرجوها في كتابهم (الوجيز في دراسة المجتمع العربي) لانها تريد (خلق جيل من الشباب القومي الواعي) من خلال الاسلوب الوعظي والحماسي دون المعرفة الموضوعية والعلمية .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,843,148,058
- ماهية الفتاوي الغريبة عند اهل السنة ..
- القاص علي السوداني قوميا متطرفا !!
- من اسس حزب البعث : زكي الارسوزي ام ميشيل عفلق ؟؟
- ظاهرة (الفطارية) في المجتمع العراقي
- عدوى الطائفية من سعدي يوسف الى طالب عبد العزيز
- فايروس الطائفية عند سعدي يوسف
- متى تبلورت اللهجة البغدادية الحديثة والجامعة ؟؟
- عقدة كيس الحاجة عند المثقفين الشيعة والكورد والمسيحيين (ادوا ...
- هل خالف الشيعة مبدا العدل في احكامهم الفقهية ؟؟
- هل صحيح ان النساء تحب الاوباش ؟؟
- انتلجنسيا بلا شهداء(ماسبب انعدام المثقفين الشهداء في العراق؟ ...
- لماذا اهمل مشروع الشيخ علي الشرقي الاصلاحي ؟؟
- جدلية الديمقراطية اولا ام المجتمع المدني ؟
- الانساق العراقية الفاعلة (العراقي اسير انساقه)
- المركزية السنية والاقليات في العالم العربي
- مقاربات نقدية في مؤلفات عزيز السيد جاسم ومشروعه الفكري
- لماذا خذلت الانتلجنسيا العراقية علي الوردي ؟؟ (القسم الثاني) ...
- لماذا خذلت الانتلجنسيا العراقية علي الوردي ؟؟ (القسم الثاني) ...
- لماذا خذلت الانتلجنسيا العراقية علي الوردي ؟؟ (القسم الثاني) ...
- الليبرالية دين العصر ..


المزيد.....




- الخارجية الروسية تستدعي سفير اليونان
- -حزب الله- يحتفي بتحرير 6 من مقاتليه شمالي سوريا
- بعد تابوت الإسكندرية.. الإعلان عن كشف أثري نادر في مصر
- لحظة غرق زورق يقل 11 سائحا في أمريكا
- مقاتلات إماراتية ترافق طائرة الرئيس الصيني (فيديو)
- فتاة تنتقم من زوجها الخائن في الشارع العام! (فيديو)
- واشنطن تحذر الأمريكيين من خطر التدخلات الإلكترونية الخارجية ...
- لماذا انتظروا في إيران النتائج إلى هذه الدرجة
- الأكراد السوريون سينتقمون للأسد من تركيا والولايات المتحدة
- شبكة مراكز آلية لإدارة الرحلات الجوية في روسيا


المزيد.....

- أساطير أفلاطون – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ناصر الحلواني
- حديقة القتل.. ماذا فعل جنود الله في العراق؟ / يوسف محسن
- ميشيل فوكو مخترع أثريات المعرفة ومؤرخ مؤسسات الجنون والجنس ... / يوسف محسن
- مميزات كل من المدينة الفاضلة والمدينة الضالة لدى الفارابي / موسى برلال
- رياضة كرة القدم.. مقاربة سوسيولوجية / عيبان محمد السامعي
- المعرفة عند أرسطو / عامر عبد زيد
- الفن والسلطة والسياسة : هيدجر ، عن المؤامرة والشعر / رمضان الصباغ
- القيم الفنية والجمالية فى الموقف الاكسيولوجى / رمضان الصباغ
- جينالوجيا مفهوم الثقافة كآلية لتهذيب الإنسان / نورالدين ايت المقدم
- ( قلق الوجود والجمال المطلق ( ما بعد لعنة الجسد وغواية الحض ... / أنس نادر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سلمان رشيد محمد الهلالي - الدوافع الايديولوجية والسياسية والذاتية في الهجوم على الدكتور علي الوردي (القسم الاول)