أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبيحة شبر - وأدتُك قلبي: رواية : الجزء الخامس والأخير















المزيد.....



وأدتُك قلبي: رواية : الجزء الخامس والأخير


صبيحة شبر
الحوار المتمدن-العدد: 5931 - 2018 / 7 / 12 - 00:58
المحور: الادب والفن
    


(65)
تهييء باسمة سعيد نفسها لعودة زوجها ، تفتح آلة التسجيل على الاصوات التي يحبانها معا ، يأتي زوجها:
- امي تسلم عليك!
- كيف هي؟
- بخير ، حدثتها عن متاعب ليلتنا ، وقالت انها طبيعية ، لابد ان نشهدها في بداية الزواج ، وقالت انني احب زوجتي كثيرا ،لهذا لااريد ايلامها في ليلتنا الأولى ، وقالت ايضا ان باسمة تحبك وسوف تتحمل الألم كما تصبر النساء عادة على اوجاع ليلة الدخلة ، وانك سوف لن تصرخي في منتصف ليلتنا كما فعلت في بدايتها..
- هل تحب ان تسمع اغاني ام كلثوم ام نجاة الصغيرة؟
- اي اغنية تحبينها افضل سماعها ، قالت امي انني يجب ان اكون لطيفا معك ، وانك اذا صرخت لااجعل صراخك يتسبب في ايقاف عضوي من الانتصاب ، لاتصرخي حبيبتي ، وسوف تنتهي ليلتنا بخير كما نريدها ، هل تريدين كأسا من البيرة ام العرق؟
- كأسا من العرق.
- هاتفت امي قريبنا الدكتور منعم وحدثته عن متاعبنا ، فوصف لي حبوبا تمدني بالهدوء والطمأنينة في هذه الليلة ، وقال الدكتور منعم ، ان باسمة تحبك وسوف لن تصرخ ، وان الزوجات كلهن يصارعن الألم ولا يخبرن الزوج عنها ، حتى لايفقد القدرة على الانتصاب كما حصل لي..
- احبك احبك احبك..
- وانا احبك ياباسمة اكثر مما تتوقعين ، استرخي حبيبتي ، فالامر طبيعي ، لاتكوني متشنجة ، دعي الشراب يعمل على تهدئتك ، انسي كل شيء الا حبنا الكبير ، وليلتنا السعيدة القادمة..
يطأ احمد منصور باسمة ، تضع تحتها الفوطة البيضاء كما نصحتها صديقتها الطبيبة ،
تمسك بوجه احمد وتقبله قبلة طويلة ، وتوزع قبلاتها على الفم والعنق و العينين ، تجد ان الألم اصبح خفيفا بامكانها ان تتحمله ، يسألها احمد :
- هل انتهينا؟
- ماذا تقول انت؟
- اين الدم ؟
تقوم باسمة وتنظر الى الفوطة البيضاء ، ترى قطرات قليلة من الدم ، تضعها امام عيني احمد ، وهي تشعر ان خنجرا مسموما قد وجه الى كرامتها ، لاتقول شيئا ، وتتوجه الى الحمام لتغسل ما بين فخذيها ، وحين تعود تجد احمد نائما وسط السرير ، وهو يشخر بعنف،
ما زالت الآلام تشعرها ان سكينا حادة قطعت جسدها وجعلته أشلاء رمته بعيدا ، وان قلبها الظاميء لم يجد من يشبعه من سغب ، فهل ما كانت تشعر به من حب ظنته خالدا مجرد سراب؟
وهل يوجد حب حقيقي في هذه الدنيا ؟ ام اننا نتوهم لنجعل الحياة تبدو اكثر جمالا، قلبها ممزق ، قد وجهت اليه طعنة كبيرة ، تشعر انها فقدت شيئا ثمينا لايمكنها استرجاعه، قالت لها صديقتها نجلاء مرة :
- من الخير لاحدانا ان تتزوج رجلا متنورا عن طريق خطبة الأهل ، افضل من الاقتران برجل يدعي التقدمية ، قد ارتبطت معه بعلاقة حب قبل الزواج!
- لماذا يا نجلاء ؟
- لان الرجل المدعي لايصدق ان زوجته لم تعرف رجلا غيره ، مهما كانت براءتها أكيدة.. ويرى انه مادام يحب نساء كثيرات ، فان الفتاة تحب مثله ، ولا يصدق ان المرأة لاتهب رجلها قبلتها فقط الا ان كانت تحبه.
كيف يصدق احمد منصور ان باسمة لم تحب الا اياه ، وان جميع صداقاتها مع الرجال كانت علاقات اخوة؟ وأنى له ان يفهم وهو ليس امرأة تخشى ان ترتبط بعلاقة حب وتحافظ على رأي الحبيب بعفتها . كيف يمكن للمرأة ان تطالب بالمساواة وهي تخشى من علاقات الحب وتحاول وأدها منذ تباشير فجرها، هل يمكن لأي رجل ان يدرك كم تقاسي المرأة كي لايساء الى سمعتها من احد توهمت يوما انه يحبها ، واذا التوهم مجرد أضغاث أحلام .. انى لأحمد منصور ان يعرف ان باسمة لم يعرفها اي رجل ، وانها رغم قصص الحب التي حاولت قتلها في بداية انطلاقها لم تجرب القبلة ولا اللمسة ؟ كيف يمكن ان توجه طعنة نجلاء الى شرفها من رجل احبته كل العمر! ؟

(66)
قطرات قليلة من الدم كانت على الفوطة البيضاء ، حين تساءلت اين الدم ؟ اجابتني بأن وضعت فوطتها امامي ، اصابني الخرس ، لماذا تسيل منها قطرات قليلة ، ، بينما بعض النساء تنزف انهارا من الدماء ؟ لماذا هذا البخل ؟ ومن اين جاءت باسمة بالفوطة ؟ تساؤلي جعلها تتوتر ، رأيت ذلك على ملامحها ، وماذا أفعل انا ؟ انا الرجل الذي اهينت كرامته ؟ كيف لي هذه الثقة ما عدتُ اعرفُ شيئا ، وقد ظننتُ انني قد قطعت السمكة وذيلها ، واذا بي اصبح اليوم موضع هزء من المطالبات بالمساواة ، الا سحقا لكن ، تدعين بهتا انكن بريئات ! لم احب امرأة في حياتي ، الا نهلة التي اجدها موضع فخري واعتزازي ، هي تحبني لذاتي ، وليس لديها مطمح آخر ، لاتريد زواجا ، ولا ان تضع القيود حولي ، كما تفعل النساء حين يحببن . الا يدركن ان الزواج مقبرة الحب ، ذهبت باسمة لتغسل جسدها من تعدي صارخ وقع عليه من قبلي ، وانا كنت صريع الهواجس والشكوك ، هل الفنان المطرب الذي تعجب به باسمة ، هو من جنى محبتها ؟ لا ادري انا ، كلما كنت اسالها عن ماضيها تقسم انها بلا ماض ، من اين جاءتها هذه القوة ؟ كثيرون احبوا باسمة واعجبوا بها ، وغبطوني على محبتها المزعومة لي ، اما دروا انها وصلت لي ثيبا ملعوبا بها ، وانا الحريص على ان تأتيني الزوجة بكرا ، لماذا وقعتُ بارادتي بهذا اليم ؟ وكيف يمكن انقاذ نفسي منه ؟ انا من كنت اتوهم اتصافي بالذكاء والحنكة ، كيف وقعت بملء ارادتي بهذا المطب ؟ تعسا للنساء ولكل من يصدق بكلامهن المعسول ! وأكاذيبهن الفاحشة ، انا احمد منصور اعترف انني وقعت في الفخ المنصوب لي باصرار وترصد ، لماذا تنكر باسمة ماضيها ؟ أليس الأجدر بها ان تخبرني بالحقيقة ؟ الم تكن تدري انني سأقف الى جانبها حين اسمع قصصها العديدة عن أحبابها السابقين ، ألم اساعد شقيقاتي في قصص حبهن ، واقف معهن واقابل احبابهن وادعوهم الى منزلنا ؟ لماذا اخفت عني باسمة قصص غرامياتها ؟ وجعلني ذلك كثير الشكوك . لو ذكرت لي الحقيقة ما كنت اكذب ما تقوله ، اعتقد انه لايوجد امرأة عصرية بلا ماض ، كيف زعمت باسمة انها حرمت نفسها من احضان الحبيب ودفئه من اجل ان تذهب الى العريس بلا دنس ؟ كيف اصدق انا ؟ وهل يمكن للمرأة مهما كانت قوتها ان تئد عواطفها ورغبتها في دفء الرجل ، من اجل ماذا ؟ وتزعم انها فعلت ذلك كي تصون نفسها للزوج القادم ، وهل يمكن لأي زوج ان يكون بديلا عن الحبيب يا باسمة؟ سأحاول ان أكون رؤوفا بها ، فهي كريمة الخصال كما يدرك جميع من عرفوها ، ولن اكرر شكي بها ، وسأستمر على علاقتي بنهلة التي تمنحني السعادة والرضا من حياتي ، فانا لم احقق شيئا الا حبي لمعشوقتي نهلة الرائعة...


(67)

باسمة سعيد في اعلى درجات الفرح ، غُرست في قلبها شتلات السعادة ، واينعت في نفسها ثمار الحبور ، لم تكن تعلم ان الزواج سوف يجعلها بكل هذا السرور، وردتها الظامئة المتطلعة للوصال، تتغنى هذه الليالي بفرح غامر ، بعد ان سقاها الحبيب ، وانقذها من عطش ظنته دائميا ، تنتظر الساعات لأوبة احمد منصور ، وتقوم بكل الأعمال المنزلية ونفسها جذلى، تخرج الى العمل وهي تغني بأعذب الأصوات مترنمة ، واصفة سعادتها الجديدة التي لم تكن تخطر على البال ، قامت بكل الاعمال التي كانت تتوهم انها ستضيف اليها الفرح ، ولكن تعبها الشديد وارهاق نفسها وخذلان روحها ، بعد ان اعياها انتظار العرفان ، كان يخلق لها أسقاما للروح ، وأمراضا للفؤاد ، سمعت الكثيرات من صديقاتها يسبغن الأوصاف الجميلة على تلاقي الجسدين ، لكنها حلمت باتحاد الروحين اولا ، ليؤدي الى تلاحم الجسدين باروع الصلات ، لم تجد احمد منصور كما توقعته جميل النفس هاديء الطباع ، بل كان عنيفا سريع الغضب ، يتفوه بالكلمات النابية المعبرة عن ضيق النفس ، والتسرع في الرد قبل اتضاح القصد من الكلام ، تحملت كل الصفات الحادة ، بصبر لذيذ ، وهي تنتظر ساعة الرقاد ، تنتعش الوردة وتنتظر غيثا يهطل من حبيب جميل ، يتعانقان ، يتبادلان القبل ، يتلاحمان في عزف أخاذ ، تصاحبه الموسيقى من اجمل الألحان ،لكن الحبيب وآسفاه ضنين بالوصال ، لايريد ان تتكرر اللقاءات الثملة ويقول انها تسارع في الاتيان بالعجز قبل الأوان ، وان عليهما ان يقتصدا في أوقات الغرام ، وان تكون ساعات الحب مرتين في الشهر ، ليحافظا على صحتهما قبل الأفول ، وان الترحيب الذي تبديه معيب جدا:
- من علمك هذا؟ اجدك قد جربت الحب قبل الزواج!
- هل عدنا الى الاتهامات مرة اخرى؟
- لاارى انك بريئة كما تقولين!
- لم اجرب الحب ، انما كنت أشتهي الوصال ÷، ولقد خشيت ان اجربه ، ولو كنت اعلم انك ستتهمني لعشت قصة الحب ، كما تفعل الشجاعات من النساء!
- هل تعتبرين هذه الجرأة شجاعة؟
- حرمت نفسي من اجل ان يراني زوجي نظيفة من الخدوش ، ولكنك تتهمني!
- انك سريعة الاستجابة ، ما ان ألمسك حتى ارى الشهوة المستعرة في عينيك!
- وهل كنت تحب ان تقترن بامرأة باردة ؟
- لا أدري ، ربما الباردة افضل من شديدة الحرارة!
- وما العمل؟
- لا عمل الآن ، وقد يأتيك بالأخبار من لم تزودي!


(68)

أتساءل أحيانا هل باسمة بريئة كما تقول ؟ وهل ان بقاءها بعيدة عن الوصال جعلتها بهذه الرهافة ، ما ان اقترب منها حتى اجدها تشتعل ، كيف تعلمت ان تكون بمثل هذه الحرارة قرأت مرة ان حرمان المرأة من الحب قد يجعلها باردة لاتستجيب لمداعبات الحبيب ، وباسمة تدعي انها لم تعش قصة حب حقيقية ! كيف تأتى لها ان تكون بمثل هذه ؟ ، انها تجعلني ارى كل فنون الغرام ، وانا لااستطيع ان ابريء هذه المخلوقة التي وهبتني كل هذه العواطف ، ولم امنحها الا الشك والصدود ، اتعجب لحالة النساء ، كيف يصبرن على مثل هذه العلاقات ؟ وباسمة من اسرة نبيلة ، كانت موضع عنايتها ورعايتها منذ الطفولة ،وحتى شاء لها سوء طالعها ، ان تقترن بي ، احيانا افكر ، لماذا أسيء معاملة المرأة التي وهبتني نفسها ، هل لأنني نشأت في اسرة يحترمون فيها من يبرع في الصراخ ، ويرون ان طلباته اوامر ، يجب ان تطاع ، هذا انا ، اصرخ بلا سبب وأطالبها ان تغير نفسها وقناعاتها من اجلي ، انا الزاخر بالأخطاء ، المعدوم من الثقة ، الخالي من الجمال ! لماذا جعلت باسمة تجد التعاسة في يومها الأول معي ؟ لماذا لم احسن معاملتها ؟ وانا اجدها تشعل الشمعات العشر من اجل ارضائي ، سأدع هذه الأسئلة واعود الى سلوكي نفسه ، فهو يسعدني ، اليس من الثراء ان تجد زوجتك تهرح الى نيل رضاك عنها ؟ وانت تمعن في اذلالها وسلب راحتها النفسية ؟ لماذا انا هكذا ؟ هل انا سيء جدا ، بعضهم يقول انني طيب ، لكني لااحسن فن الكلام ، اتفوه بالكلمات القاسية ، رغبة في نشدان الهيبة ! أي هيبة أريد وأنا أصعب الحياة على رفيقتي فيها ؟ ولكن ما بالي اتهم نفسي ! وباسمة لن تحتج على سوء معاملتي لها ، ربما تجد ها دليلا على الرجولة التي لم تجربها قبلي، فلأمضي في حياتي ، غير وجل ، احب نهلة ، وتخدمني باسمة التي دللها اهلها ، وانا اسمعها قاسي الكلام ، واعيد عليها انني اشك بها ، وانها لم تكن عذراء ، لتكن مشيئتي المهيمنة ، ولتصبح باسمة امتي ، التي اصنع معها ما أشاء ، اهبها بعض اللحظات السعيدة ، واهجرها طوال العمر ، نهلة من اصبو الى رضاها عني ، فهي حبيبتي الوحيدة ، وباسمة تمهد لي طريق السعادة..

(69)

كما النهر الرقراق ينساب من بين يدي باسمة سعيد، تتبخر سويعات الهناء ، وتولي لحظات بهاء اليقين ، أكان حلما جميلا ، انتهى لحظة جفاها الكرى ، وحل بأيامها سهاد مرير ، لماذا تتراءى لها البهجة ، كسراب شمس قائظة ، يسيل فيها من القلوب تعب غزير ، لا طاقة لها باحتماله ، وتتوالى عليها كؤوس الهم والعناء ، تتجرعها حتى الثمالة ، ضاعت كل أحلامها ، وولت طيور الفرح، جارية من أرضها الجدباء ، لتحل في حقول أخرى تعرف ما معنى السرور ، لمَ يهجر المرء فيها غناء العنادل ؟، إلى عواء متواصل كئيب ، أية لعنة حلت ببابها ، فأحالت سنابل قمحها إلى عجاف ، تركتها الأيام ثكلى ، ودعت المسرات في دنيا بعيدة ، وحان لها أن ترتوي من ماء أجاج ...
لمَ تهزم الأيام وتعبس الليالي ؟ أليست الحياة مدا وجزرا ، وفرصا سانحة ، يحسن الفطن اقتناصها ، ليفوز باللذات ، وينأى عن الكآبة والضياع ؟ وأية لذات تحلم بها ، وكأس الحنظل يفتح فاه مرحبا ، شامتا بما حل بأرضها من جفاف .....يصدأ عندها الشعور ، وتهرب النعم ميممة وجهها، صوب شاطئ بعيد
بطاقة تهنئة بالعيد ، وامرأة تلوح بفخر، تتصاغر أمام فتنتها الحسناوات ، وصدر ناهد مرمري ، عاري ، وشعر ينسدل بتراخ فوق الكتفين ، وكلمات قليلة مخطوطة بقلم أنيق :
- اذكرني ، كلما لاحت لك صورتي ...
تؤخذ باسمة على حين غرة ، هل أهرق احدهم فوقها ماء ثلج ؟ لم تحسب أن هذه اللحظة آتية ، وان قناديل حياتها توشك على الانطفاء ، وهي ما زالت في شهور العرس الأولى ،ريح عاتية ، تتلاعب بها ، تكون ريشة في مهبها ، من هي المهيمنة على هذا المشهد المسرحي ؟، تصدر أوامرها ،فيسارع الملبّون بالطاعة ؟ وباسمة ؟ تتنكر القوى الفاعلة ، وكأنها نقطة في بحر عميق الغور ، تطول حيرتها لمَ كل هذا ؟ من تكون هذه ؟ وكيف مرت بحياتها المسهدة الكئيبة ؟ وكيف لا يخطر في بالها ، انه يمكن أن تقابل تضحياتها الجسام بالنكران المبين ، وتقابل أعمالها الناصعة بالهزء ؟ ولمَ تتحول أيامها إلى علقم ؟ وعلام تقابل حسناتها بالسيئات ، ولمَ لا يكون الجزاء من جنس العمل ، وماذا جنت باسمة لتتضاعف على أم رأسها اللعنات ، ويسقونها شراب الحنظل ؟وكانت المحسنة دائما..
تستبد بها التساؤلات ، أي بحر متلاطم الأمواج ، رموها فيه ، وابعدوا عنها قوارب النجاة ، لمن تتوجه طالبة الإحسان، وقد سدت السبل بوجها ؟
قد تكون الخاطئة ؟ لماذا سمحت للأفعى أن تكون قريبة منها ؟ ألم تخش من انقلابها وتلون أفعالها ؟
أتكون بطاقة يتيمة ، قد أثارت بها فيضان المخاوف هذا ، وأغرقتها في يم لا شاطئ له ، وكيف يمكن لها أن تعلم ؟ قد تكون العديد من البطاقات الواعدة ، تسيل أحلاما ، وتجعل الأرض تميد تحتها ؟ ، ألم يصاحبها أفعال تعزز لغتها المطمئنة ؟ من جعل الحسناء بهذه الثقة ، وزرع في نفسها جذور اليقين ؟
تتقلب في بحر من الجمر تتلاطم فيه الأمواج ، أفكارها تضطرب في لجة عميقة الغور، عساها تهتدي إلى قرار ، وكيف يمكن لمن لا يحسن السباحة ، أن يعرف طبيعة البحار ، وسر الأمواج المتصارعة فيها ، هل ضاع كل ما بنته ؟ وتحملت تبعات أعمالها طوال هذه الشهور، هل خطر في بالها انه مثلها ، قُدّ من وفاء ؟
لن تنهزم ، هل تمنحه هدية للراغبات، وهي ساغبة تنظر ، ومن يعيده إليها؟ ، تتفرج... لا حول لها ولا قوة ، هل ضاعت الآن الفرص ؟ أليس بإمكانها تدارك الأمر ، ما زالت الحكاية في بدايتها ، فلتناضل لاسترجاع حقها...
صديقتها السعيدة لديها ما ترنو إليه النفس ، مشاهد آسرة ،وأفلام أكيد مفعولها ، عن كيفية إعادة الهاربين من أعشاشهم الصغيرة ، تشاهد باسمة ما قدمته لها الصديقة ، وتقلد المشاهد ببراعة ، وكأنها بطلة القصة ، تبث الرغبة في نفس أرهقتها صروف الحياة ، تقبل رجلها وتناجيه وتناغيه ، ينهض الحبيب ملبيا ، وتتحقق لها رغبتها ، انتصرت على من يريد بها شرا ، ولكن الفرحة العارمة ما تلبث أن تنقلب وبالا ، لتحط على رأسها ، وهي في منتصف الطريق لتحقيق حلمها الطويل ، والانتصار على من سلب منها جمال الحياة ، واسترداد واهب النعيم ، وساقي اللذات :
- كيف تأتى لك المهارة بهذا الفن ؟ من علمك ؟ هل أكون أنا آخر من يعلم ؟ ..


( 70)
كيف وقعت البطاقة بيد باسمة؟ وكيف يمكن لها ان تقرأ البطاقات المرسلة لي؟ عليها ان تنظف مكتبي وتعتني بالأوراق المتراكمة عليه وعلى الأرض، دون ان تقرأ ما تتضمن تلك الأوراق ، كيف اتت لها الجرأة لتبحث عمن بعثت البطاقة ، وانا كنت اريدها عمياء ، في عملي توجد نساء عديدات ،أرتبط بصداقة معهن ، فهل من المعقول الا أستلم بطاقات الاعجاب منهن ؟ هل ارفض محبتهن ؟ هل يمكن هذا للرجل الناجح ، هل انا امرأة حتى اعتذر عن استلام بطاقات المحبة والاعجاب لأني مرتبطة بعقد زواج؟ لن يسمح الرجل بتقييد حريته ، وهو حر ان يفعل ما يشاء ، يحب من يريد من النساء ويرسل بطاقات الحب اليهن ، هل امنع النساء عن محبتي وانا الرجل المحبوب ذو الجاذبية كما تصفني النساء ، وباسمة محظوظة انها ارتبطت بي ، عليها ان تكون سعيدة ، فأنا زوجها بعقد شهد عليه اثنان ، والأخريات يبادلنني المحبة ، دون ان تتنتظر مني احداهن شيئا الا اللطف في المعاملة ، هل اتنكر لما يبدينه من مودة يحسدني عليها الأصدقاء ، كلهم يغبطونني على عدد النساء اللاتي يمحظنني حبا فريدا لاامل فيه ولا رجاء ، ويبعثن لي بطاقاتهن المعبرة عن شدة الاعجاب والوجد...
، وباسمة بعد ان رأت البطاقة غضبت ، كيف احب اخريات وانا زوجها ؟ وهل حجرت على حريتي بكونها زوجتي ؟ لم تكن تدري ان هناك عدد من البطاقات الأخرى اكثر جراة من تلك التي وقعت في يديها ، ونحن اتفقنا في بداية الزواج الا يفتش احدنا في أوراق الآخر :
- كيف سمحت لنفسك ان تبحثي في أوراقي ؟ انا لم اعرف ماذا تخبيء أوراقك من قصص لاتريدين افشاءها ! هل تعتبين على بطاقة استلمتها من احدى النساء ، وانا اجد الكثيرين من الرجال يعجبون بك ! هل عاتبتك يوما ، هل وجدت انني اخذت ابحث في ادراج مكتبك عما يتهمك من قصص الاعجاب التي تتلقينها من عدد من الرجال ، لك حياتك ولي حياتي ، وان كنا نعيش سوية في منزل مشترك! لا تفتشي في كتبي ودفاتري وانا ايضا لن ابحث عما يشينك في كتبك ، لسنا طفلين ، ونحن ناضجان ، يمكنك ان تحبي من تشائين ، ولا اجد في ذلك ما يخدش كرامتي..
سكتت باسمة ولم تعد الا اتهامي مرات اخر ، رغم اني ما تركت معاشرة النساء ، وبقيتُ استلم بطاقات الحب والاعجاب منهن ، وان كنت احب واحدة هي نهلة ، لكن غضب باسمة المفتعل جعلني اثور على تدخلها في شؤوني ، لتصمت هذه المرأة ولتترك عادة ان تدخل انفها فيما لايعنيها ، وانا أدرك انها لاتعرف رجلا غيري ، الا انني شئت الا تتوهم ان لها حجما اكبر من حقيقتها فانا الرجل وعليها طاعتي..
(71)

المصاعب تتراكم على باسمة سعيد ، واحمد منصور يأتي باغلب تلك الصعاب ، لاتدري باسمة اهو قصد منه ام سوء تدبير ؟ يلومه الأصحاب كيف يمكن ان يتخلى عن المرأة التي احبته كل هذا الحب؟ كانت تظن انه يخلص لها كما هي تحفظ له حقوقه في حضوره والغياب تقول لها صديقتها :
- الرجال كلهم خائنون سيئون ، لاينفع معهم الاخلاص..
- ليس كلهم ، حرام ان نتهم الجميع بصفات البعض!
- أتعرفين ان احمد يخونك مع اية امرأة يجد عندها القبول؟
- لا ارى ذلك ، يمكن انني من شدة انشغالي بعملي وانهماكي بأشغال البيت ، جعلته يشعر انه وحيد مهمل!
- انك لم تقصري ، ماذا يمكن ان تفعلي ؟ وزوجك فقد عمله لأنه كان كثير الغياب؟ اتكل عليك ووجدك مجتهدة في عملك ، حريصة على نجاحك فأكثر من اهماله ، مما اثار استغراب من كان يعرفه قبل زواجه ، بعض الرجال لايطيقون نجاح زوجاتهم ، فيسببون لها المتاعب ، ويضعون المصاعب في طريقها ، كي تفشل في عملها ، ليدعوا ان المرأة من طبيعتها الفشل ، وحين يجدون الزوجة لاتبالي بما يبذلونه من جهود لافشال مساعيها ، وجعلها تفشل في العمل الذي كانت تتقنه قبل الزواج ، فيحزنون ، ويصيبهم التوتر ، ويكثرون التغيب عن عملهم ، وحين يعاقبون على التقصير في العمل بالاعفاء منه ، يعاقبون الزوجة الناجحة بخيانتها مع كل امرأة..
- لكني رغم فقدانه العمل ، لااشك به ،انه لا يخونني!
- لأنك امرأة وفية ، ومن الخطأ جدا ان نظن ان الناس مثلنا ، فان كنت تتصفين بالاخلاص ، فلا يعني هذا ان زوجك مخلص ايضا.
- وكيف يمكنك ان تتهميه بالخيانة ؟ ألا يمكن انه بريء منها؟
- عندي الدلائل ، وقد رغبت في البداية ان اخبيء الحقيقة عنك ، لئلا اسبب لك حزنا ، فانت صديقتي وعزيزة على نفسي، كما تعلمين ، زوجك عزيزتي يصادق كل النساء الا انت زوجته ، فهو بعيد عنك ، يسير متأبطا النساء اللاتي يقول انهن صديقاته ، تاركا اياك تكدحين من اجل الحصول على طعامكما وشرابكما ولباسكما .
- هذا من واجبي ، لأنه فقد عمله!
- ولماذا فقد عمله ؟ أليس بسبب تقصيره بالمحافظة على العمل وصيانته؟
- ربما بذل جهده ولم ينجح!
- لم يبذل! انه الان مسرور ، يجعلك تشقين للقيام بواجبه وواجب المرأة بوقت واحد!
وهو يتفسح مع النساء ، اية لعنة هذه ؟ لماذا تصمتين ؟
- وماذا يمكنني ان افعل؟
- ثوري! وهدديه ان واصل صداقاته مع النساء فانك سوف تهجرينه!
- لا أظن ان تهديدي سوف ينفعني ، طالبته بالطلاق فلم يوافق!
- انت تعرفينه اذن ! صديقتي العزيزة ، لماذا تستمر معاناتك؟
- لأننا في العراق لايمكن للمرأة ان تطالب بالطلاق ، هذا الحق بيد الرجل دائما ، واحمد لن يطلقني لأنني المعيلة والخادمة والقائمة بكل المهام!
- وهل كنت تعرفين كل تصرفاته؟ ورغم هذا تصمتين ؟
- نعم وقلبي يتمزق ، لأنني احببت رجلا بائسا ، أراني النجوم في عز الظهر ، وجعلني اشرب المر واتذوق العلقم ، ليس كلهم صديقتي العزيزة ، يوجد الحنون والشجاع ولكن احمد اراه الان يخلو من كل الصفات التي احببته من اجلها..
- هل تواصلين الحياة معه؟
- انتظر ان يتحسن..
- وكيف تأملين ذلك ؟
- يمكنني ان أصبر على كل شيء ، الا حرماني ان اكون اما..
- وهل هو لايحب الأطفال ؟.


- طالبته عددا من المرات بحقي بالامومة ، لكنه طالب بتأجيل الأمر
- ولماذا يريد التأجيل ؟
- يقول ان ظروفنا الاقتصادية لاتسمح بالانجاب في الوقت الحاضر..وعلينا ان ننتظر ريثما يجد هملا بديلا..
- وهل ستواصلين الصمت على حرمانك من حقك في الطفل؟
- لن أصمت ! سأغير كل شيء....


(72)
أخذت علاقتي بباسمة تسير في طريق مسدود، لم تعد الانسانة الهادئة التي تصبر على كل شيء، وبدأت تطالب ببعض الحقوق ، التي ما كنت أظن انها ستتجرأ على المطالبة بها ، ، ارادت ان نتساوى بالانفاق على متطلبات الأسرة، وانني يجب أن اجتهد للحصول على عمل جديد ، بدلا عن العمل الذي فقدته ، لم تر انه من واجب والديها ان يساعدا في تلبية حاجاتنا المالية:
- كيف تطالبين بالمساواة وانت ترفضين ان تساعدي اسرتي؟
- وهل استمر في المساعدة وانا قد تعبت ، منذ زواجنا وانا انفق على اسرتك..
- هل تعيرينني بفقر اسرتي يا امرأة؟
- ، لا أعيرك ، ولكنك لم تبحث عن عمل بديل..
- ماذا افعل ؟ سدت الأبواب في وجهي..
- الأبواب نحن نفتحها ، لكنك لم تحاول ، وبقيت معتمدا على عملي..
- وما الضير في ذلك ؟ وانت تدعين المساواة ؟
- وهل المساواة تعطيك حقا ان تستغلني ؟

- اصبري حتى يمكننني ان اعود الى عملي السابق ، فأنا احبه كما تعلمين ..
- جد عملا مناسبا.
- انفقي على اهلي كما كنت تفعلين..
- يمكن ان اتحمل ذلك ، ان وافقت على أن ننجب طفلا..
- انت تعرفين انني لااحب الأطفال..
- لكنني احبهم ، واريد ان اصبح اما..
- لماذا نأتي بطفل في وقتنا الصعب هذا؟
- ان لم توافق سوف اطالب بالطلاق..
- لا أحد يعطيك الحق بالطلاق الا ان وافقت انا..
- القاضي يمنحني الحق..
- اصبري قليلا ، وسوف ننجب الطفل الذي تحبين..
- متى ؟
- حين تتحسن الظروف.
- نحن من يحسن ظروفه بالعمل ، ابحث عن عمل ، وستكون ظروفنا كما نشاء..

(73)
يتأخر احمد منصور في العودة الى المنزل ، فتقلق عليه باسمة سعيد ، فيطول انتظارها ، وتصبح نهبا لأفكار شتى ، تأخذها يمينا وشمالا ، هل ذهب الى احد الأصدقاء ، او احد الأقرباء؟ ولماذا لم يخبرها ؟ كان عليه ان ينبئها بامر زيارته لأحد معارفه، وهي الان لاتعلم عن زوجها شيئا ، تراه غامضا جدا ، وتظن انه يخبيء عنها امورا عديدة ، لاتعلم كنهها ، وتود لو عرفت ، تحب ان تعلم اي رجل سعت للاقتران به بعد نضال شاق ، وكانت تأمل انه سوف يدخلها الجنة ، واذا بها تتقلب على نار الشك والقلق المتواصل ، الذي يجعلها دائمة الحيرة ، ماذا يمكنها ان تفعل امام هذا الظلام الدامس الذي يحيط بحياتها ، ويتركها عاجزة عن اخذ زمام المبادرة ، هي الانسانة القوية ، التي عرفها الناس بعزمها واجتهادها ، تجد نفسها مخلوقة حائرة ضعيفة ، هل صدق الذين زعموا ان المرأة في الشرق تصبح اداة بيد زوجها ، يوجهها الى اين يريد ، مهما كانت شخصيتها قوية ، وبرع اهلها في غرس صفات الشجاعة والنبل وكرم الاخلاق داخل نفسها ، المعارف كلهم اجمعوا ان باسمة سعيدة ، انسانة مثقفة تعرف كيف تدافع عن نفسها ، وانه ليس بمقدور احد ان يضع القيود حول حياتها ، دون ان تتمكن من ازالتها ، وانها قد جربت الكثير من المصاعب ، استطاعت ان تجتازها ، وان تزيلها من حياتها ، لتتمتع بالحرية المسؤولة التي تسعى اليها ، ولكنها اليوم ترى انها قد فشلت في ايقاف نزيف الصعوبات التي تكتم على انفاسها ، وتتركها خائرة القوى ، مبددة العزيمة ، تدرك انها احبت احمد منصور بكل ما تحمل في قلبها من مشاعر وفي عقلها من افكار ، ولكن احمد هذا قد بدد آمالها في الحب والحرية ، وانه لايختلف عن الملايين من الرجال ، الذين يدعون فكرا تقدميا ، لكنهم في الحقيقة اشد رجعية من اجدادهم ، واكثر اصرارا على تكبيل المرأة ، وسلبها طاقتها وقدرتها على مقاومة ما يريدون..
يطول تأخر احمد منصور ولا تدري باسمة سعيد ما الذي يجب ان تفعله ؟ هل يمكن ان زوجها قد أصيب بمكروه ، او تعرض لحادث سيء ، هل تظل صامتة تنتظر ان يعود؟ ام يبادر بعمل ينهي متاعبها هذه الليلة ، ويقضي على تساؤلاتها ، وينهي ما تشعر به من آلام ؟ لكن ماذا تفعل؟ وهو لم يخبرها بشيء ؟ هل تتصل هاتفيا ؟ وبمن يمكنها ان تتصل ؟ اتصلت بزوجها مرارا دون ان تظفر بجواب! هل تتصل باحد أصدقائه المقربين ؟ انها واثقة انه سوف يثور غاضبا ان اتصلت بأحد ! ولكنها حيرى هذه الليلة..
تحزم باسمة سعيد امرها ، وتقرر ان تذهب الى شقة اخ زوجها العازب، الذي اعتاد زوجها ان يذهب اليه شاكيا من زواجه التعيس كما يحلو له دائما ان يصف الاقتران بها ،
-كل المشاكل تأتي من زوجتك التي تقول انها مثقفة!
- ليس كلها .. بعض متاعبي منها!
- -ألم تخبرني انها فضولية ، تبحث في اوراقك عما يؤيد شكوكك ؟
- تبحث احيانا ، كما ابحث عما يريبني دائما..
- ألم انصحك ان تقتدي بي ؟ فأنا لا أثق بالنساء !
سمعت باسمة حديث الاخوين صدفة ، ووجدت زوجها يقلد أخاه في كل الأمور ..
سوف تذهب الى شقة الأخ ، أكبر الاحتمالات ان زوجها هناك..
تصل الشقة وتدق الجرس ، تنظر من العين السحرية ، وترى ثمة اشخاص قد اغلقوا مجال الرؤية ، بعد فترة يفتح الباب ، تسلم على اخ زوجها وتدخل ، ترى المائدة منصوبة، وعليها اربعة أقداح فيها شراب نبيذ احمر ، وبجنبها صحون فيها المكسرات واللبلبي والخس ، يخرج زوجها من احد الغرف وهو يرتدي الشورت القصير ، الذي تعرفه عائدا للأخ...
يرى الزوج علامات الاستياء واضحة على محيا زوجته ، فيبادرها صارخا:
- لماذا لحقت بي الى هنا ؟ كل الوقت وانت تشكين بي؟

(74)
طالبتني ان تكون اما ، رغم عدم رغبتي بانجاب تعيس جديد ، يضاف الى جيش المأزومين الفاشلين ، وهددت انها سوف تلجأ للقضاء في حالة عدم موافقتي على طلبها ، اخبرتها انني موافق لئلا تزداد نقمتها علي ÷، فأنا رغم عدم حبي لها لا ارغب ان تغادر حياتي وتطلب الطلاق ، لكنها كالعادة أخذت تقلق علي ذلك القلق المرضي ، عرفت عنها انها لاتطيق فراقي ، ويصيبها الخوف ان تأخرت في عودتي الى المنزل ، تدرك ان حياتنا ليست آمنة / واننا مهددون ، بالتوقيف والتعقب وتأويل الكلمات البريئة التي نتفوه بها ، لم اكن اعلم انها سوف تتبعني أينما ذهبت وان داء الشك القاتل يستبد بها ، ما ان ذهبت الى منزل شقيقي العازب ، والمعروف عنه بشدة اللهو حتى اتت الى المنزل ، كانت هناك امرأتان واخي وانا ، وضع اخي كؤوس النبيذ على المائدة ، صنعت الفتاتان الجاجيك والسلطات وكان اخي قد اشترى اللبلبي والكرزات ، بعد ان لعبت الخمرة بما تبقى من العقول ، دحل اخي مع اجمل الفتاتين الى الغرفة الكبيرة في منزله ، بقيت وحدي مع الفتاة الثانية ، التي لاتتمتع بأي مسحة من الجمال وطلبت مني:
- ونحن ماذا نفعل؟
- ماتحبين...
- لنذهب الى الغرفة الثانية في المنزل!
- لنذهب..
- لم اجرب الحب معك..
- وهل جربته مع الجميع ؟
- كيف الجميع ؟
- لااعني ما تقصدين .. آسف حقا..
دخلت الغرفة معها ، وهي من قام بكل شيء ، لم تسعدني لمساتها ، ثم سمعنا دقات متكررة على الباب ، ذهب اخي لرؤية من يكون الطارق ، وعاد الي مسرعا:
- زوجتك..
ارتدى ملابسه بسرعة ، و فتح الباب ، شاهدت باسمة الكؤوس الأربعة على المائدة ، ونظرت باستنكار الى صحون المزة ، قرأ اخي ما يجول بخاطرها ، ثم خرجت انا من الغرفة مرتديا شورت اخي ، وطلبت من مرافقتي ان تظل في الغرفة والا تخرج منها ، كنت اعرف ان باسمة لن تطيل بقاءها في المنزل، وسوف تعود الى منزلنا وهي متوترة ، فقد تأكد لها بالبرهان الساطع انني مثل اخي تماما زير نساء ، حصل ما توقعت وعادت باسمة ، ولم اعد انا:
- هذه المرأة بحاجة الى تأديب!
- لماذا ؟
- كيف سمحت لها نفسها ان تتعقب خطواتك؟ هل كانت تتوقع ان يرفض رجل نداء امرأة حارة الدماء مثل حسناء ،وبخها على تصرفها الطائش ، ونفذت نصيحة اخي وعدت غاضبا الى المنزل:
- لماذا تشكين بي ؟ هل تبعتك يوما ؟ وانا لا أعرف اين تذهبين كل يوم ؟
(75)

شرحت باسمة سعيد لطالباتها حقوق المرأة ، وبينت ان النساء يجب ان يناضلن طويلا من اجل الوصول الى تلك الحقوق ، التي نجد طريقها شائكا ، تعترضه الصعوبات ، وعلينا ان نجتاز تلك المصاعب ، كي ننعم بالدنيا ونحقق السعادة..
سألت بعض الطالبات:
- كيف نحقق ما نطمح اليه ، ونحن وحيدات بلا معين؟
- لسنا وحيدات ! الرجل بجانب قضيتنا العادلة ، وقف معنا الأب والأخ والحبيب والزوج ، واستطعنا ان نحقق بعض ما نتطلع اليه..
- لا أظن اننا نجحنا!
- لابد من التفاؤل ، الذي يراه علماء الاجتماع موصلا الى نصف الطريق!
- ماذا تقصدين أستاذة باسمة ؟
- أعني ان المناضلين من أجل ما يرونه حقا لهم ، ينبغي ان يكونوا متفائلين ، لأن التشاؤم لايفضي الى حل..
- اعرف انك ناضلت طويلا استاذتي الغالية ، هل نجحت في تحقيق مراميك؟
- نجحت الكثيرات في الوصول الى احلامهن ..
- وأنت ؟
- ربما انا طموحة اكثر من الأخريات!
- اللاتي لم يعملن شيئا نراهن في سعادة كبيرة!
- ليس دائما!
- مجتمعنا هذا يفضل الخانعات ، ويستجيب لارادة الخاملات!
- أراكن اليوم يائسات ! لماذا يا حبيباتي؟
- لانريد ان نخبرك ! لئلا نتسبب في اثارة احزانك!
- ماذا جرى ؟ كلامكن اليوم غامض!
- نريد ان نسألك استاذتنا العزيزة : هل تحقق شيئا من آمالك في الحب والحرية والعدالة؟
- هذه الحقوق تحتاج الى قوانين تدافع عنها ، وتعمل على اثباتها!
- لانسألك عن الحرية والعدالة اللتين تتحققان بالقانون!
- عن أي شيء تسألنني؟
- عن الحب والمساواة في المعاملة !
- ماذا تعنين عزيزتي أحلام؟
- هل يمكن ان تشعري ان حقوقك في الحب قد تحققت ، وزوجك كل يوم يسير مع امرأة؟ نراه يتمشى مع النساء وايديهما متشابكة ، وأنت منهمكة في اشغال المنزل ، وتحسين دخل الأسرة؟ هل توصلت الى حقوقك ، لتناضلي من اجل حقوق النساء؟
- ربما حالتنا ليست عامة ، هناك الكثير من الأسر السعيدة ، ينتشر الحب بين الزوجين ، ويقومان معا بالانفاق على الأولاد ويتعاونان بالأشغال المنزلية. لاتنظرن الى حالتي فقط ، ادرسن قصص المتزوجين ، واصدرن احكامكن ..
- هل كنت تعلمين استاذتنا ؟
- طبيعي ان الزوجة تدرك بتغير عواطف زوجها نحوها .
- مع الأسف .. تشقين في الحياة ، وهو يلعب ويتسلى ، ضاربا مشاعرك بعرض الحائط
- لست وحدي التي تعاني ، هناك من يعشن مثلي ، محرومات من الحقوق ، مع زوج لايبالي بما يقمن به من تضحيات.
- وكيف تتحملين هذه المعاناة استاذتنا الحبيبة؟
- انتظر ان تتحسن تصرفاته بعد فترة!
يبتدعها زوجها ليتمتع مع النساء الكثيرات ، وكثيرا ما تسأل نفسها ، دون ان تتوصل للجواب :
- لماذا يصر احمد منصور على اساءة معاملتي وهو يراني بمثل هذا النكران للذات ؟ وهل انا ضعيفة جدا ، لاأستطيع ان أضع حدا لظلمه؟
(76)
كل الكلام الخيالي الذي نسمعه عن المساواة تكرره باسمة امام طالباتها المراهقات ، من الرجل الذي يتنكر لرجولته في غسل الصحون وتنظيف البلاط ؟ من الرجل الذي يدنس نفسه في تنظيف ا لملابس وكيها ، ومن من الرجال يسمح ان يعود الى منزله ويجد ان الطعام لم ينضج بعد ، وان كؤوس الشاي لم تغسل منذ الصباح ، وان ادوات الحلاقة التي يستعملها بقيت في مكانها ولم تنظف ؟ من الرجل الذي يرضى ان يحرم من السهر مع أصدقائه ؟ من الرجل الذي يحرص على رضا زوجته ؟ ماذا يمكن أن تفعل الزوجة ان وجدت زوجها ليس مهتما بها ؟ لتضرب رأسها بالحائط وتخرس . ماذا افعل انا ان كانت زوجتي مدرسة عليها ان تصحح اوراق طالباتها ، وان تضع الأسئلة للامتحانات الشهرية والفصلية ونصف العام ونهاية العام ، ماذا افعل ان تم فصلي من العمل ، هي لاتصدق ان الفصل تم لأسباب سياسية رغم اني ذكرت لها ذلك ، هي محظوظة انها ارتبطت برجل مثلي ، لايحاسبها كثيرا ان رفضت مشاركتي الفراش ، تقول لابد من ا لمداعبة قبل العمل ، وانا زهقت من كلامها المنمق الذي تردده من غير مناسبة ، انا مظلوم يا ناس ، لماذا لايحق للرجل ان يشكو وانا التعيس الذي تزوج مدرسة تعلم طالباتها العصيان والثورة ضد الرجال ، اي امرأة شاء سوء حظي ان ارتبط بها ؟ معها مصرف البيت وهي تشكو انها لم تستطع ان تشتري براتبها ما تحب ان تهيئه لوجباتنا الثلاثة ، نحن اثنان فقط ، احيانا يزورنا اخي مع احدى النساء ، فتكون الطامة الكبرى وترعد الدنيا وتزبد ، وكأنني انا من اتيت بالنساء الى منزلها ، أليس من حقي ان يزورنا اخي مع المرأة التي يريد :
- زوجتك متسلطة ، من حسن حظي انني لم اتزوج!
- انها متعبة فقط..
- وهل تضع تعبها على اكتافنا؟ ما شأننا نحن؟
- هي تتعب بالعمل ..
- السبب انك لست رجلا ، لتريها العين الحمراء..

(77)

تستبد الحيرة بباسمة سعيد ، ويسلب راحتها القلق، ايمكن ان يكون التباين بين حقيقة الانسان وبين ما يظهره للناس بهذه القوة ، هل يتظاهر احمد منصور بما ليس فيه ، ام انها طبيعة اي منا ، يظهر ما يراه جميلا ، دون ان يكون بمقدوره ان يتمتع به ، يثيرها العجب مما يقوم به للحصول على اعجاب النساء ، وتخلو حياتهما المشتركة من كل جميل ، تسمع عبارات الاستحسان تقولها سيدات محترمات لزوج لايعرف حقوق زوجته ، ولا يسمح لها بالتمتع بالجمال ، يحصي عليها حركاتها ، ويدعي انه مناصر لحقوق المرأة ، هل يجدها امرأة حقا ، ام ان عفله يجردها من صفات الانوثة التي يراها في كل النساء ، الا باسمة سعيد ، التي تنتظر اوبته في كل مساء ، لتسمع منه كلمة واحدة ، تحثها على مواصلة الحياة مع امريء تزوجته لأنها وثقت بحبه لها ، ثم اكتشفت ان قلبه خال من صفات الحب والاعجاب ، يطول سهرها وانتظارها لعودته ، لكنه يرجع مخمورا ، وقد أسرف في الشراب ، فيفسد عليها ليلتها ، ويجعلها تتمنى الا تكون قد عرفته ، او وقعت في حبائله ، يمدحه جميع معارفه واصدقائه من الجنسين ، ويسبغون عليه اجمل الصفات ، التي لاتراها ، وهي التي تحبه ، كيف وقعت في حبه ؟ وكيف ظنت انه يبادلها عاطفتها ؟ كان ذلك سرابا رافقها طول الوقت..
تستمع باسمة الى اقوال اصدقائه :
- احمد رجل كامل ، يتمتع بكل ما تحبه المرأة من صفات !
- انه رجل رائع لكنك لاتعرفين قدره !
- طبيعي ان يعرف الرجل نساء عديدات فهل تريدين ان يكون امرأة؟
- انت تظلمين الرجل الجميل معك ! لماذا اقدمت على الزواج منه ؟
- عشرات النساء يرغبن بالارتباط بأحمد وانت لاتعرفين شمائله!
- ان كنت لاتحبينه ، ليعد الي ، طوال عمري وانا متيمة بوسامته..
- انت تطلبين صفات ليست موجودة ! اتقي الله ولا تكثري الشكوى!
تقرر باسمة سعيد الا تشكو بعد اليوم ، وان تظهر السعادة ، ولا تجعل علامات الحزن تبدو عليها ، ترتدي ملابسها الجميلة ، وترسم ابتسامة السعادة على محياها .ز
يطول انتظارها ، ولا عودة للزوج الغائب ، وحين يقترب الفجر يرجع وقد انهكه الشراب:
-انت حجرة ثقيلة في طريق سعادتي!
تلجم المفاجأة باسمة سعيد ، ويصيبها الخرس ، وتقع على الأرض ، تسمع اشخاص يتحدثون وصوته تسمعه بوضوح:
- لم اقل لها شيئا ووقعت على الأرض..كنت اظن انها امرأة ، واذا بها مخلوقة من قش

(78)

حدثت باسمة سعيد صديقتها اسماء عن معاناتها وعن ارغامها على ان تقول ما لن تعتقد بصحته ، وان من كانت تظن انه حبيبها يجعلها تصرح امام الناس بامور ليست حقيقية ، واصلت باسمة حديثها عن الألم المكبوت: وكيف تحدثت للحاضرين في جمعية الدفاع عن حقوق النساء
يسرني سيداتي ان أقص عليكن حكايتي ، رغم انني لا أحب إلقاء المحاضرات ولا أحبذ قولها ولكني مغلوبة على أمري أنفذ مشيئة الآخرين وامتثل لأوامرهم
كلفت هذا اليوم بهذا الواجب ، ساعدنني كيف ابدأ ، حسنا امرني ان القي على مسامعكن تجربتي الطويلة والدروس التي استخلصتها طيلة سنين عمري السعيدة ، صه ، لقد ذهب ، لنتكلم بصراحة ، طلب مني ان أتحدث عن تجربتي الخاصة وعن المساواة التي نعمت بظلها ، ولقد ابتعد الان ...... وهذه الجلسة نسائية ، سأكون صريحة معكن وأتحدث بلا أكاذيب أو اختلا قات وعندما ترينه مقبلا اخبرنني كي اخذ حذري وأعود إلى حديثي المرسوم والمقرر ، بلا مساواة ولا بطيخ في مجتمعاتنا العربية لا تجعلن صوت المكر يفون عاليا ، فانا لا أطيق إسماع كلماتي لمن كان خارج هذه القاعة ، انتن فقط من أزمع محادثتهن بأمري
هل ذهب ؟ أصدقنني القول ، لم يعد في طاقتي احتمال الصراخ المستمر والزعيق ، أريد ان أحيا بسلام ، هل جربت إحداكن المساواة ؟ هل عاملها زوجها معاملة الند للند ؟ أنت يا سيدتي ؟ لعلك قد تزوجت حديثا ولم تري شيئا بعد من الدنيا ، انا كنت مثلك في مستهل زواجي ، حيث أجنحة الحب ترفرف علينا ، ورحيق الخمرة يسكرنا ، في ذلك الزمن السحيق حيث كنا عاشقين ، ارفعي صوتك ، لم اسمع ما تريدين قوله ، صمت من فضلكن ، ماذا هل تجدن في حديثي تناقضا ؟
اسمع أصوات خطوات تقترب ، لأخفض من صوتي ، لا أريد لأحد أن يسمعني ، فيساء فهمي ، والآن سأبدأ :
يسرني سيداتي آنساتي ..ان أقص عليكن حكايتي ، انا الزوجة والأم التي مضى على زواجها ثلاثة عقود كاملة ، لم يرتفع خلال هذه الفترة الطويلة صوت لي ، لم أتذمر ، لم أشك من سوء طالعي ، او أندب تعثر حظي ، قضيت هذه الأعوام وأنا شبه راضية ، وان لم أكن سعيدة ، فلماذا أشكو ؟ وماذا يصنع لي التذمر ، هل يغير إظهار الألم شيئا من واقع الحال ، أليس من المحال تحسين الأحوال ؟ هل تسألنني كيف استطعت التغلب على مصاعبي ؟ وما هي الطرق التي سلكتها ؟ لن أكون قدوة ، لكن ، آنساتي ، لكل جيل قوانينه ، كنت هادئة دوما ابتسم بوجه العاصفة واخفض لها رأسي وجسدي ،، وحتى روحي ، حتى تمر بسلام ، لم أغضب ، ولم الغضب ؟ لاشيء يغير المكتوب ، حسنا ، غضبت في البداية وكنت اشعر بضياع عمري ، وان حبي قد تبدد ، وكنت أسال نفسي أحيانا كيف استطاع برعونته أن يئد إحساسي بالحب نحوه ، لم يعد يسمعني الكلمات الحلوة التي ترغب بها روحي وكان يعاملني بغلظة أتساءل أحيانا من أين أتى بها ، وحين أحاول ان اعبر عن حبي ، يصرخ بي هازئا ، وبعد أن أحبني وبادلته عواطفه ، وتزوجنا ، ومضت فترة بسيطة على الزواج ، اخذ يحب كل النساء ويظهر لهن المودة ، يقدم لهن الأمنيات والقبلات والهدايا الجميلة في أعياد ميلادهن ، ويأخذ ثمن الهدايا من نقودي ، وأنا أحيا منسية ، لم يتذكر عيد ميلادي ثم أمسى يسمعني القول أنني قد كبرت على مثل هذه الاحتفالات مع أننا في عمر واحد وأبدو أنا اصغر منه أحيانا إذا ما اهتممت بنفسي ،لم يعد يراني امرأته ، ومن أكون ؟ صه ، سكوت من فضلكن ، المراة كالوردة ، تذبل ان لم يتم ارواؤها ، وقد ذبلت انا وانتهى أمري وأصبحت أرى العالم اسود بشع السواد مظلما جهنميا ، والحب شجرة باسقة كثيفة الأغصان ، وارفة الظلال ، تسقط أغصانها ، وتذبل أوراقها وتتساقط مصفرة ، تذروها الرياح ، ان نسي ارواؤها ، في غمرة الإخفاقات التي نعيشها ، كنت أسال نفسي وماذا جنيت حتى يعاملني هكذا ولم أذنب ؟ بقيت اطرح هذا السؤال فترة طويلة من الوقت ، حتى أدركت انه لا جدوى من الأسئلة ،، وأنني أضحيت أتنفس برئة الآخرين وارى بعيونهم ، هو القدر ، جعلني أبدو هادئة ساكنة ، وداخلي يغلي كالمرجل، أكون أحيانا صماء بكماء وحتى عمياء ،حلمت مرارا برجل يحبني ويضمني بحرارة إليه ويقبلني ككل الرجال في العالم ، ولكن هل كانت أحلامي اكبر من طاقتي ؟ ، لا ادري ، كل الذي اعلمه انه لاشيء غير الحب يبعث الأمل في النفوس ،، ويجعلنا نناضل ونجاهد ونشعر أننا أقوياء نقهر كل الشرور ونتغلب عليها ، وأعيش الآن بلا حب ، حياتي باردة كالثلج ، أئن وأتوجع ولا يشعر احد بحالي ، أصبت بكل العلل التي يمكنكن تخيلها ، ماذا افعل وأنا انسانة تعبة ، منهكة ، ووحيدة اردد أغاني فريد الأطرش ولا يصفق لي السامعون ، مالي أراكن وقد علت ابتسامة الاستفهام على محياكن ؟ من منكن استطاعت ان تغبر اتجاه دفة السفينة ؟ هراء ما تدعيه بعضكن ، هل تزعمن المساواة ، أي مساواة تجدنها في العالم العربي ؟ أي القوانين تدعو الى المساواة في بلدانكن المنكوبة ؟ سأكمل لكن قصتي : كنت عاجزة عن النظر والنطق حتى تسير سفينتي بهدوء ، ولا تفقد الملاح قدرته على إدارة الدفة ، لا تنسين إخباري إذا ما لاح لكن احد الذكور ، هل أنا ضعيفة ؟ أبدا ، اشعر دوما أنني قوية ، المراة العربية تكتسب عادات زوجها وتتخلق بها بمرور الوقت ، وانتن كلكن هكذا أصبحتن مثل أزواجكن حين جمعكما عش الزوجية السعيد او التعيس لا ادري ، أرى ابتسامات ساخرة تعلو محياكن هل استحق الشفقة ؟ أبدا ، ما هذا ؟ أرى شخصا يشبهه يطل من بعيد ، له نفس الهيئة ، واثق من نفسه درجة الغرور ، وكأنه لا يقرب الخطأ ، أين هدوئي ؟ لقد تبدد ،،انه يرعبني ، ينسيني قوتي ، يسلبني اتزاني ، يقيدني ، ماذا تدعين يا سيدتي ؟أ تزعمين أنني لا أزال أحبه ، هراء . ما تقولونه هراء ، لماذا يفرض على المرأة ان تحب من نسيها ؟ ينبغي ان أتحلى بقوتي أن أجاهد ضعفي ؟ ولكن كيف ؟ لاحول لي ولا قوة ، يتظاهر بالهدوء ويسمعني كلماته المسمومة ، يلدغني ، سهامه تصيب مني مقتلا ، أجد نفسي مبتعدة عن الموضوع الرئيس ، وعلي ان أحدثكن عن تجربتي الناجحة وحياتي المترعة بالأفراح ، وعليكن أن تسمعنني ، وتقتدين بي ، ولكن انتبهن جيدا ، ربما يلوح علينا ، بابتسامته الصفراء ، ولكن ماذا جرى لي ؟ افقد اتزاني ، ويهجرني صبري ، ويحكمني جزعي ، الا أجد بينكن مهربا ؟ أحاطني الصمت بخيوطه العنكبوتية ، مكثت داخل شرنقتي ،، فأبديت موافقتي على ما يبديه وأنا أتلظى ، أبطن المعارضة ، ماذا حدث لي ؟لا أحب ارتفاع الأصوات ، ويرتبك ضغطي عند أدنى ارتفاع ، ابعدي جهاز التسجيل أيتها السيدة لا أود تسجيل حديثي ، إنني أغبطك على وضعك أيتها الآنسة ، علي ان ابدي أفكارا لا احملها وان أؤيد وجهات نظر لا اتفق معها ، انه هو ، يقترب ، ام انه الوهم ؟، أصدقنني القول ، عزيزاتي ، هل استطاعت إحداكن أن تغير من طباع احدهم ،، وان تساهم في تقدمه نحو الأمام ؟ خداع وأباطيل ما تدعونه ، هراء ما بقينا نسمعه طيلة عمرنا المهدود عن دعاوى المساواة ، تسألنني كيف أستطيع أن أحافظ على هدوئي وسكينة نفسي ،؟ لم يكن الأمر هينا منذ البداية ، حلمت مثلكن بالمساواة وبالتعاون لتذليل الصعاب وبالمناقشة الهادئة ،الهادفة إلى تقريب وجهات النظر ، ولكن رفع الصوت من جانب شريكي ومطالبته لي بان أغير وجهة نظري ، وأتخلى عن قناعاتي جعلني أتظاهر بالهدوء وكثرة التظاهر بالشيء تكسب الإنسان مهارات جديدة ، أصبح التظاهر حقيقة ؟ فلماذا أثور برأيكن ؟ وعلى من ؟ والسفينة كيف يمكنها أن تشق طريقها وسط الأمواج المتلاطمة ؟، ألا ترون ان علينا معشر النساء واجبات كثيرة ؟ وليس لدينا حقوق ، أنت أيتها المراة المتحدثة ، ارفعي صوتك ، واخبريني أي حقوق تزعمين ؟ أنها ثوب فضفاض ، إننا نتدهور ونعود الى الخلف ، هراء .. كل نضالا تكن ذهبت أدراج الرياح ، ماذا تسالين أيتها السيدة ؟ كيف يمكنني ، الاحتفاظ برباطة جأشي ؟ إليكن هذا ، استيقظ مبكرة وأجهز طعام الإفطار.... ماهو السؤال ؟ نعم كل صباح ، أوقظ الأولاد ، اخرج من المنزل بعد ان يكون كل شيء جاهزا : طعام الغداء ، ما يحتاجونه من نقود لكل النهار ، الملابس النظيفة المكوية ، الأرضية ممسوحة بعناية ،والصحون مغسولة، استمر واقفة طيلة ساعات عملي ، أعود ظهرا أتناول قليلا من اللقيمات لتحفظ ماكينتي من الاستمرار بالعمل ، أعود الى العمل مرة أخرى بعد ان اغسل الصحون مرات ومرات ، هل ابتعدت عن الموضوع ؟ قليلا كما أظن ، أعود منهكة في ساعة متأخرة ...ليس كثيرا ، الى ماذا يوجهكن الخيال ؟ فلاشيء في حياتي الا الأسرة والعمل ، هل تسألنني ومتى أقرا؟ حسنا عندما انتهي من كل أعمال النهار وما ان امسك الكتاب حتى يأخذ النعاس بتلابيبي ، ومتى اخرج للترفيه عن نفسي ؟ لقد قرأت هذا السؤال في نظراتكن ، عندما أجد الوقت مناسبا ، هل تجدنني آلة ؟ اجد نفسي هكذا ، انا الة صماء ، والآن اخبرنني بالله من منكن نحيا بصورة أفضل مني ؟ إني أتحدى ، إني أرى أشباحا قادمة من بعيد ، لقد أنهيت كلامي ، وحدثتكن حديثا صادقا ،كنت اطمح اليه وارجوه من صميم قلبي ، أرى ملامحه من النافذة انه يحاول الاستماع الى ما نقول ،انا لم أفه بما يثير الغضب ، سوف ارفع صوتي : إنها حياة حافلة بالنجاحات ، زاخرة بالأفراح ، عشتها مع توأم روحي ، أسمعتكن إياها ،وأرجو ان تستفدن من تجربتي
فنحن زوجان متعاونان في كل أمور الحياة ، ناجحان سعيدان .... وشريكي إنسان ذو قلب كبير ، عشت وإياه حياة ملأى بالسعادة ، مترعة بالنعيم ، أرجو ان تمنحكن الحياة ما منحتني وطابت ليلتكن والى اللقاء


(79)
تسأل أسماء صديقتها باسمة:
- الرجال يحبون المرأة الجريئة ، ألم نجربي ان تقومي باغرائه ، بدلا ان يقوم هو بدعوتك دائما؟
- جربت هذه وأخفقتُ...
- كيف؟
في ليلة ظلماء خلت من اي ضوء ، كنا مجموعة أصدقاء متزوجين ، دعينا الى منزل عائلة ، تحتفل بذكرى زواج ، اوى جميع المدعويين الى اسرتهم ، وبعضهم افترش الأرض .
- متى كان ذلك ؟..
- في الشهر الأول لزواجنا ، كان عنيفا لكنه احيانا يردد بعض كلمات الحب .
قمتُ لأطل على حبيبي الغائب الذي يحضر دائما الى فكري الذي كان متوقدا، وجدته وقد سيطر عليه سلطان الكرى ، وتناوشته حمى الاحلام الطوباوية ، التي ليس بمقدور الأصحاء ان يحلموا انه بقدرتهم الوصول الى تحقيقها يوما ، وجدته كعادته دائما يصرخ في نومه لرؤيته كوابيس لايعلم عنها احد شيئا ، اشتقتُ الى لمساته وقبلاته ، فاغرقته في قبلاتي ، حتى استفاق من نومه :
- باسمة ، عليك اللعنة توقظينني من اعز نومة وتسلبينني حريتي !
- اشتقتُ اليك !
- وهل اشتياقك هذا يجعلك تقترفين بحقي جرما ؟
- لم اقترف بحقك جرما ! اي جرم اقترفت يداي ؟
- ليست يداك ! بل فكرك السقيم ، كيف سولت لك نفسك الآثمة أن توقظيني من عز النوم ؟
- ولكنك زوجي !
- اريد ان اضع حدا لهذه العلاقة الكريهة ، هل هو سجن ابدي تريدين ان توثقي حياتي بحباله؟
- لكني احبك حقا !
- ولماذا تحبينني ؟ ولم ابادلك عاطفتك المشؤومة يوما !
- لكنك احببتني يوما !
- لم احبك ، انت توهمت الحب واتيت اليّ لتسجينيني!
- لم افعل لك شيئا هذه الليلة ليثار غضبك !
- هل تودين ان اوقظ النائمين كلهم لأحدثهم عن سوء اخلاقك !
- سوء اخلاقي ؟ لم أذنب ابدا!
- وهل يعترف الجاني يجريمته بسهولة ؟
- اية جريمة ؟ انت تحيرني ! كل هذه النعوت لأنني رغبت أن أبادلك الحب ؟
- لم تريدي مبادلتي بل احببت ان ترغميني!
- لم ارغمك ! فقط انني اشتقتُ اليك!
- كيف يكون الاشتياق عنوة سيدتي ؟ انت تسعين الى اغتصابي!
تستبد الحيرة بي ويسيطر التوتر على نفسي ، لا أعرف كيف أجيب عن اتهامات ظالمة توجه الي من انسان احببته أكثر من الناس كلهم ، هل أخطأت في حبه ؟ ام اقترفت ذنبا في الاعتراف بحبه ؟ طلبني زوجة ، فأردت ان يكون حبيبا ، وها هو يعلن انني غريبة عنه ، لم يحببني يوما ..



(80)

تتساءل باسمة سعيد عن السر الذي جعل الرجل الذي أحبته ينقلب كل هذا الانقلاب ، لماذا أبدى الحب والتفهم في بداية معرفتهما ، وطلب يدها ، وحين ابدت رغبتها بالحب تغيرت تصرفاته ، هل لأنه عرف انها وقعت في غرامه من اللحظة الأولى والرجال في بلادنا عادة لايريدون ان تبدي المرأة هيامها بهم ، ويفضلون ان يكونوا البادئين باعلان الحب ، هل تسرعت باسمة في بوحها ، اما كان الأجدر بها ان توافق على يده الممدودة اولا ، وتنتظر الوقت المناسب ككل بنات جنسها ، يرغبن بالرجل ويجعلنه يقد م على التصريح بالحب ، باسمة سعيد التقدمية والتي تناضل من اجل المساواة لم تشأ ان تلف وتدور وان تنتظر الحبيب حتى يعلن عن حبه ، فهذا الحبيب لم يكن يبالي بها ن وقد احب فتاة أخرى ، وحين رفضه أهلها تقدم لباسمة التي كان يدرك انها تعشقه ومنذ ان رأته عيناها، فهل الحب وهم كبير يداعب النفوس النبيلة والقلوب المرهفة الشعور ؟ ام انه حقيقة تريد اناسا أقوياء يجعلون العاطفة في حياتهم شجرة وارفة الظلال ، يستظلون بفيئها ، وهل باسمة سعيد كانت من الأقوياء ؟ ام انها تنهزم من الوهلة الأولى وتندب حظها العاثر الذي اوقعها بمثل هذه القصة الشائكة ، احمد منصور ليس قويا ليبقي ثابتا مع انسانة توهمت انها تشعر بالحب ن كما كانت تشعر بالسعادة الغامرة حين تربط صديقين من أصدقائها المخلصين وشائج اجمل علافة في الوجود ، وقد نجحت في جعل الكثيرين من اعز الأصدقاء يقدمون على الارتباط بعلاقة تصمد امام كل انواع الأشواك ؟ هل هي الارادة ام الحظ ما يكمن وراء فشلها الذريع في الوصول الى مبتغاها في بناء حياة سعيدة ، لماذا ترى نفسها وقد أعيتها حالة زوجها الذي تجده ضعيف الأعصاب ، يثور لأتفه الأسباب ، ويسب ويشتم لاعنا الساعة التي جمعتهما معا ، ماذا تفعل الان ؟ وهي ترى ان الحب في داخل نفسها المعذبة قد زال وظهرت مكان جذوره أشواك قاسية تدمي القلب والعقل معا ، هل تصمم على الطلاق ام تحاول ان تنقذ قصتها التي توهمت انها قابلة للتحقق ، اي مصير ينتظرها ، واية لعنة حلت ببابها ، فحولت كل الجمال الى طحالب ضارة تميت كل المخلوقات وتزرع بذور التعاسة والتوتر لتحول الخضرة الى بيداء قاحلة...

























(65)
تهييء باسمة سعيد نفسها لعودة زوجها ، تفتح آلة التسجيل على الاصوات التي يحبانها معا ، يأتي زوجها:
- امي تسلم عليك!
- كيف هي؟
- بخير ، حدثتها عن متاعب ليلتنا ، وقالت انها طبيعية ، لابد ان نشهدها في بداية الزواج ، وقالت انني احب زوجتي كثيرا ،لهذا لااريد ايلامها في ليلتنا الأولى ، وقالت ايضا ان باسمة تحبك وسوف تتحمل الألم كما تصبر النساء عادة على اوجاع ليلة الدخلة ، وانك سوف لن تصرخي في منتصف ليلتنا كما فعلت في بدايتها..
- هل تحب ان تسمع اغاني ام كلثوم ام نجاة الصغيرة؟
- اي اغنية تحبينها افضل سماعها ، قالت امي انني يجب ان اكون لطيفا معك ، وانك اذا صرخت لااجعل صراخك يتسبب في ايقاف عضوي من الانتصاب ، لاتصرخي حبيبتي ، وسوف تنتهي ليلتنا بخير كما نريدها ، هل تريدين كأسا من البيرة ام العرق؟
- كأسا من العرق.
- هاتفت امي قريبنا الدكتور منعم وحدثته عن متاعبنا ، فوصف لي حبوبا تمدني بالهدوء والطمأنينة في هذه الليلة ، وقال الدكتور منعم ، ان باسمة تحبك وسوف لن تصرخ ، وان الزوجات كلهن يصارعن الألم ولا يخبرن الزوج عنها ، حتى لايفقد القدرة على الانتصاب كما حصل لي..
- احبك احبك احبك..
- وانا احبك ياباسمة اكثر مما تتوقعين ، استرخي حبيبتي ، فالامر طبيعي ، لاتكوني متشنجة ، دعي الشراب يعمل على تهدئتك ، انسي كل شيء الا حبنا الكبير ، وليلتنا السعيدة القادمة..
يطأ احمد منصور باسمة ، تضع تحتها الفوطة البيضاء كما نصحتها صديقتها الطبيبة ،
تمسك بوجه احمد وتقبله قبلة طويلة ، وتوزع قبلاتها على الفم والعنق و العينين ، تجد ان الألم اصبح خفيفا بامكانها ان تتحمله ، يسألها احمد :
- هل انتهينا؟
- ماذا تقول انت؟
- اين الدم ؟
تقوم باسمة وتنظر الى الفوطة البيضاء ، ترى قطرات قليلة من الدم ، تضعها امام عيني احمد ، وهي تشعر ان خنجرا مسموما قد وجه الى كرامتها ، لاتقول شيئا ، وتتوجه الى الحمام لتغسل ما بين فخذيها ، وحين تعود تجد احمد نائما وسط السرير ، وهو يشخر بعنف،
ما زالت الآلام تشعرها ان سكينا حادة قطعت جسدها وجعلته أشلاء رمته بعيدا ، وان قلبها الظاميء لم يجد من يشبعه من سغب ، فهل ما كانت تشعر به من حب ظنته خالدا مجرد سراب؟
وهل يوجد حب حقيقي في هذه الدنيا ؟ ام اننا نتوهم لنجعل الحياة تبدو اكثر جمالا، قلبها ممزق ، قد وجهت اليه طعنة كبيرة ، تشعر انها فقدت شيئا ثمينا لايمكنها استرجاعه، قالت لها صديقتها نجلاء مرة :
- من الخير لاحدانا ان تتزوج رجلا متنورا عن طريق خطبة الأهل ، افضل من الاقتران برجل يدعي التقدمية ، قد ارتبطت معه بعلاقة حب قبل الزواج!
- لماذا يا نجلاء ؟
- لان الرجل المدعي لايصدق ان زوجته لم تعرف رجلا غيره ، مهما كانت براءتها أكيدة.. ويرى انه مادام يحب نساء كثيرات ، فان الفتاة تحب مثله ، ولا يصدق ان المرأة لاتهب رجلها قبلتها فقط الا ان كانت تحبه.
كيف يصدق احمد منصور ان باسمة لم تحب الا اياه ، وان جميع صداقاتها مع الرجال كانت علاقات اخوة؟ وأنى له ان يفهم وهو ليس امرأة تخشى ان ترتبط بعلاقة حب وتحافظ على رأي الحبيب بعفتها . كيف يمكن للمرأة ان تطالب بالمساواة وهي تخشى من علاقات الحب وتحاول وأدها منذ تباشير فجرها، هل يمكن لأي رجل ان يدرك كم تقاسي المرأة كي لايساء الى سمعتها من احد توهمت يوما انه يحبها ، واذا التوهم مجرد أضغاث أحلام .. انى لأحمد منصور ان يعرف ان باسمة لم يعرفها اي رجل ، وانها رغم قصص الحب التي حاولت قتلها في بداية انطلاقها لم تجرب القبلة ولا اللمسة ؟ كيف يمكن ان توجه طعنة نجلاء الى شرفها من رجل احبته كل العمر! ؟

(66)
قطرات قليلة من الدم كانت على الفوطة البيضاء ، حين تساءلت اين الدم ؟ اجابتني بأن وضعت فوطتها امامي ، اصابني الخرس ، لماذا تسيل منها قطرات قليلة ، ، بينما بعض النساء تنزف انهارا من الدماء ؟ لماذا هذا البخل ؟ ومن اين جاءت باسمة بالفوطة ؟ تساؤلي جعلها تتوتر ، رأيت ذلك على ملامحها ، وماذا أفعل انا ؟ انا الرجل الذي اهينت كرامته ؟ كيف لي هذه الثقة ما عدتُ اعرفُ شيئا ، وقد ظننتُ انني قد قطعت السمكة وذيلها ، واذا بي اصبح اليوم موضع هزء من المطالبات بالمساواة ، الا سحقا لكن ، تدعين بهتا انكن بريئات ! لم احب امرأة في حياتي ، الا نهلة التي اجدها موضع فخري واعتزازي ، هي تحبني لذاتي ، وليس لديها مطمح آخر ، لاتريد زواجا ، ولا ان تضع القيود حولي ، كما تفعل النساء حين يحببن . الا يدركن ان الزواج مقبرة الحب ، ذهبت باسمة لتغسل جسدها من تعدي صارخ وقع عليه من قبلي ، وانا كنت صريع الهواجس والشكوك ، هل الفنان المطرب الذي تعجب به باسمة ، هو من جنى محبتها ؟ لا ادري انا ، كلما كنت اسالها عن ماضيها تقسم انها بلا ماض ، من اين جاءتها هذه القوة ؟ كثيرون احبوا باسمة واعجبوا بها ، وغبطوني على محبتها المزعومة لي ، اما دروا انها وصلت لي ثيبا ملعوبا بها ، وانا الحريص على ان تأتيني الزوجة بكرا ، لماذا وقعتُ بارادتي بهذا اليم ؟ وكيف يمكن انقاذ نفسي منه ؟ انا من كنت اتوهم اتصافي بالذكاء والحنكة ، كيف وقعت بملء ارادتي بهذا المطب ؟ تعسا للنساء ولكل من يصدق بكلامهن المعسول ! وأكاذيبهن الفاحشة ، انا احمد منصور اعترف انني وقعت في الفخ المنصوب لي باصرار وترصد ، لماذا تنكر باسمة ماضيها ؟ أليس الأجدر بها ان تخبرني بالحقيقة ؟ الم تكن تدري انني سأقف الى جانبها حين اسمع قصصها العديدة عن أحبابها السابقين ، ألم اساعد شقيقاتي في قصص حبهن ، واقف معهن واقابل احبابهن وادعوهم الى منزلنا ؟ لماذا اخفت عني باسمة قصص غرامياتها ؟ وجعلني ذلك كثير الشكوك . لو ذكرت لي الحقيقة ما كنت اكذب ما تقوله ، اعتقد انه لايوجد امرأة عصرية بلا ماض ، كيف زعمت باسمة انها حرمت نفسها من احضان الحبيب ودفئه من اجل ان تذهب الى العريس بلا دنس ؟ كيف اصدق انا ؟ وهل يمكن للمرأة مهما كانت قوتها ان تئد عواطفها ورغبتها في دفء الرجل ، من اجل ماذا ؟ وتزعم انها فعلت ذلك كي تصون نفسها للزوج القادم ، وهل يمكن لأي زوج ان يكون بديلا عن الحبيب يا باسمة؟ سأحاول ان أكون رؤوفا بها ، فهي كريمة الخصال كما يدرك جميع من عرفوها ، ولن اكرر شكي بها ، وسأستمر على علاقتي بنهلة التي تمنحني السعادة والرضا من حياتي ، فانا لم احقق شيئا الا حبي لمعشوقتي نهلة الرائعة...


(67)

باسمة سعيد في اعلى درجات الفرح ، غُرست في قلبها شتلات السعادة ، واينعت في نفسها ثمار الحبور ، لم تكن تعلم ان الزواج سوف يجعلها بكل هذا السرور، وردتها الظامئة المتطلعة للوصال، تتغنى هذه الليالي بفرح غامر ، بعد ان سقاها الحبيب ، وانقذها من عطش ظنته دائميا ، تنتظر الساعات لأوبة احمد منصور ، وتقوم بكل الأعمال المنزلية ونفسها جذلى، تخرج الى العمل وهي تغني بأعذب الأصوات مترنمة ، واصفة سعادتها الجديدة التي لم تكن تخطر على البال ، قامت بكل الاعمال التي كانت تتوهم انها ستضيف اليها الفرح ، ولكن تعبها الشديد وارهاق نفسها وخذلان روحها ، بعد ان اعياها انتظار العرفان ، كان يخلق لها أسقاما للروح ، وأمراضا للفؤاد ، سمعت الكثيرات من صديقاتها يسبغن الأوصاف الجميلة على تلاقي الجسدين ، لكنها حلمت باتحاد الروحين اولا ، ليؤدي الى تلاحم الجسدين باروع الصلات ، لم تجد احمد منصور كما توقعته جميل النفس هاديء الطباع ، بل كان عنيفا سريع الغضب ، يتفوه بالكلمات النابية المعبرة عن ضيق النفس ، والتسرع في الرد قبل اتضاح القصد من الكلام ، تحملت كل الصفات الحادة ، بصبر لذيذ ، وهي تنتظر ساعة الرقاد ، تنتعش الوردة وتنتظر غيثا يهطل من حبيب جميل ، يتعانقان ، يتبادلان القبل ، يتلاحمان في عزف أخاذ ، تصاحبه الموسيقى من اجمل الألحان ،لكن الحبيب وآسفاه ضنين بالوصال ، لايريد ان تتكرر اللقاءات الثملة ويقول انها تسارع في الاتيان بالعجز قبل الأوان ، وان عليهما ان يقتصدا في أوقات الغرام ، وان تكون ساعات الحب مرتين في الشهر ، ليحافظا على صحتهما قبل الأفول ، وان الترحيب الذي تبديه معيب جدا:
- من علمك هذا؟ اجدك قد جربت الحب قبل الزواج!
- هل عدنا الى الاتهامات مرة اخرى؟
- لاارى انك بريئة كما تقولين!
- لم اجرب الحب ، انما كنت أشتهي الوصال ÷، ولقد خشيت ان اجربه ، ولو كنت اعلم انك ستتهمني لعشت قصة الحب ، كما تفعل الشجاعات من النساء!
- هل تعتبرين هذه الجرأة شجاعة؟
- حرمت نفسي من اجل ان يراني زوجي نظيفة من الخدوش ، ولكنك تتهمني!
- انك سريعة الاستجابة ، ما ان ألمسك حتى ارى الشهوة المستعرة في عينيك!
- وهل كنت تحب ان تقترن بامرأة باردة ؟
- لا أدري ، ربما الباردة افضل من شديدة الحرارة!
- وما العمل؟
- لا عمل الآن ، وقد يأتيك بالأخبار من لم تزودي!


(68)

أتساءل أحيانا هل باسمة بريئة كما تقول ؟ وهل ان بقاءها بعيدة عن الوصال جعلتها بهذه الرهافة ، ما ان اقترب منها حتى اجدها تشتعل ، كيف تعلمت ان تكون بمثل هذه الحرارة قرأت مرة ان حرمان المرأة من الحب قد يجعلها باردة لاتستجيب لمداعبات الحبيب ، وباسمة تدعي انها لم تعش قصة حب حقيقية ! كيف تأتى لها ان تكون بمثل هذه ؟ ، انها تجعلني ارى كل فنون الغرام ، وانا لااستطيع ان ابريء هذه المخلوقة التي وهبتني كل هذه العواطف ، ولم امنحها الا الشك والصدود ، اتعجب لحالة النساء ، كيف يصبرن على مثل هذه العلاقات ؟ وباسمة من اسرة نبيلة ، كانت موضع عنايتها ورعايتها منذ الطفولة ،وحتى شاء لها سوء طالعها ، ان تقترن بي ، احيانا افكر ، لماذا أسيء معاملة المرأة التي وهبتني نفسها ، هل لأنني نشأت في اسرة يحترمون فيها من يبرع في الصراخ ، ويرون ان طلباته اوامر ، يجب ان تطاع ، هذا انا ، اصرخ بلا سبب وأطالبها ان تغير نفسها وقناعاتها من اجلي ، انا الزاخر بالأخطاء ، المعدوم من الثقة ، الخالي من الجمال ! لماذا جعلت باسمة تجد التعاسة في يومها الأول معي ؟ لماذا لم احسن معاملتها ؟ وانا اجدها تشعل الشمعات العشر من اجل ارضائي ، سأدع هذه الأسئلة واعود الى سلوكي نفسه ، فهو يسعدني ، اليس من الثراء ان تجد زوجتك تهرح الى نيل رضاك عنها ؟ وانت تمعن في اذلالها وسلب راحتها النفسية ؟ لماذا انا هكذا ؟ هل انا سيء جدا ، بعضهم يقول انني طيب ، لكني لااحسن فن الكلام ، اتفوه بالكلمات القاسية ، رغبة في نشدان الهيبة ! أي هيبة أريد وأنا أصعب الحياة على رفيقتي فيها ؟ ولكن ما بالي اتهم نفسي ! وباسمة لن تحتج على سوء معاملتي لها ، ربما تجد ها دليلا على الرجولة التي لم تجربها قبلي، فلأمضي في حياتي ، غير وجل ، احب نهلة ، وتخدمني باسمة التي دللها اهلها ، وانا اسمعها قاسي الكلام ، واعيد عليها انني اشك بها ، وانها لم تكن عذراء ، لتكن مشيئتي المهيمنة ، ولتصبح باسمة امتي ، التي اصنع معها ما أشاء ، اهبها بعض اللحظات السعيدة ، واهجرها طوال العمر ، نهلة من اصبو الى رضاها عني ، فهي حبيبتي الوحيدة ، وباسمة تمهد لي طريق السعادة..

(69)

كما النهر الرقراق ينساب من بين يدي باسمة سعيد، تتبخر سويعات الهناء ، وتولي لحظات بهاء اليقين ، أكان حلما جميلا ، انتهى لحظة جفاها الكرى ، وحل بأيامها سهاد مرير ، لماذا تتراءى لها البهجة ، كسراب شمس قائظة ، يسيل فيها من القلوب تعب غزير ، لا طاقة لها باحتماله ، وتتوالى عليها كؤوس الهم والعناء ، تتجرعها حتى الثمالة ، ضاعت كل أحلامها ، وولت طيور الفرح، جارية من أرضها الجدباء ، لتحل في حقول أخرى تعرف ما معنى السرور ، لمَ يهجر المرء فيها غناء العنادل ؟، إلى عواء متواصل كئيب ، أية لعنة حلت ببابها ، فأحالت سنابل قمحها إلى عجاف ، تركتها الأيام ثكلى ، ودعت المسرات في دنيا بعيدة ، وحان لها أن ترتوي من ماء أجاج ...
لمَ تهزم الأيام وتعبس الليالي ؟ أليست الحياة مدا وجزرا ، وفرصا سانحة ، يحسن الفطن اقتناصها ، ليفوز باللذات ، وينأى عن الكآبة والضياع ؟ وأية لذات تحلم بها ، وكأس الحنظل يفتح فاه مرحبا ، شامتا بما حل بأرضها من جفاف .....يصدأ عندها الشعور ، وتهرب النعم ميممة وجهها، صوب شاطئ بعيد
بطاقة تهنئة بالعيد ، وامرأة تلوح بفخر، تتصاغر أمام فتنتها الحسناوات ، وصدر ناهد مرمري ، عاري ، وشعر ينسدل بتراخ فوق الكتفين ، وكلمات قليلة مخطوطة بقلم أنيق :
- اذكرني ، كلما لاحت لك صورتي ...
تؤخذ باسمة على حين غرة ، هل أهرق احدهم فوقها ماء ثلج ؟ لم تحسب أن هذه اللحظة آتية ، وان قناديل حياتها توشك على الانطفاء ، وهي ما زالت في شهور العرس الأولى ،ريح عاتية ، تتلاعب بها ، تكون ريشة في مهبها ، من هي المهيمنة على هذا المشهد المسرحي ؟، تصدر أوامرها ،فيسارع الملبّون بالطاعة ؟ وباسمة ؟ تتنكر القوى الفاعلة ، وكأنها نقطة في بحر عميق الغور ، تطول حيرتها لمَ كل هذا ؟ من تكون هذه ؟ وكيف مرت بحياتها المسهدة الكئيبة ؟ وكيف لا يخطر في بالها ، انه يمكن أن تقابل تضحياتها الجسام بالنكران المبين ، وتقابل أعمالها الناصعة بالهزء ؟ ولمَ تتحول أيامها إلى علقم ؟ وعلام تقابل حسناتها بالسيئات ، ولمَ لا يكون الجزاء من جنس العمل ، وماذا جنت باسمة لتتضاعف على أم رأسها اللعنات ، ويسقونها شراب الحنظل ؟وكانت المحسنة دائما..
تستبد بها التساؤلات ، أي بحر متلاطم الأمواج ، رموها فيه ، وابعدوا عنها قوارب النجاة ، لمن تتوجه طالبة الإحسان، وقد سدت السبل بوجها ؟
قد تكون الخاطئة ؟ لماذا سمحت للأفعى أن تكون قريبة منها ؟ ألم تخش من انقلابها وتلون أفعالها ؟
أتكون بطاقة يتيمة ، قد أثارت بها فيضان المخاوف هذا ، وأغرقتها في يم لا شاطئ له ، وكيف يمكن لها أن تعلم ؟ قد تكون العديد من البطاقات الواعدة ، تسيل أحلاما ، وتجعل الأرض تميد تحتها ؟ ، ألم يصاحبها أفعال تعزز لغتها المطمئنة ؟ من جعل الحسناء بهذه الثقة ، وزرع في نفسها جذور اليقين ؟
تتقلب في بحر من الجمر تتلاطم فيه الأمواج ، أفكارها تضطرب في لجة عميقة الغور، عساها تهتدي إلى قرار ، وكيف يمكن لمن لا يحسن السباحة ، أن يعرف طبيعة البحار ، وسر الأمواج المتصارعة فيها ، هل ضاع كل ما بنته ؟ وتحملت تبعات أعمالها طوال هذه الشهور، هل خطر في بالها انه مثلها ، قُدّ من وفاء ؟
لن تنهزم ، هل تمنحه هدية للراغبات، وهي ساغبة تنظر ، ومن يعيده إليها؟ ، تتفرج... لا حول لها ولا قوة ، هل ضاعت الآن الفرص ؟ أليس بإمكانها تدارك الأمر ، ما زالت الحكاية في بدايتها ، فلتناضل لاسترجاع حقها...
صديقتها السعيدة لديها ما ترنو إليه النفس ، مشاهد آسرة ،وأفلام أكيد مفعولها ، عن كيفية إعادة الهاربين من أعشاشهم الصغيرة ، تشاهد باسمة ما قدمته لها الصديقة ، وتقلد المشاهد ببراعة ، وكأنها بطلة القصة ، تبث الرغبة في نفس أرهقتها صروف الحياة ، تقبل رجلها وتناجيه وتناغيه ، ينهض الحبيب ملبيا ، وتتحقق لها رغبتها ، انتصرت على من يريد بها شرا ، ولكن الفرحة العارمة ما تلبث أن تنقلب وبالا ، لتحط على رأسها ، وهي في منتصف الطريق لتحقيق حلمها الطويل ، والانتصار على من سلب منها جمال الحياة ، واسترداد واهب النعيم ، وساقي اللذات :
- كيف تأتى لك المهارة بهذا الفن ؟ من علمك ؟ هل أكون أنا آخر من يعلم ؟ ..


( 70)
كيف وقعت البطاقة بيد باسمة؟ وكيف يمكن لها ان تقرأ البطاقات المرسلة لي؟ عليها ان تنظف مكتبي وتعتني بالأوراق المتراكمة عليه وعلى الأرض، دون ان تقرأ ما تتضمن تلك الأوراق ، كيف اتت لها الجرأة لتبحث عمن بعثت البطاقة ، وانا كنت اريدها عمياء ، في عملي توجد نساء عديدات ،أرتبط بصداقة معهن ، فهل من المعقول الا أستلم بطاقات الاعجاب منهن ؟ هل ارفض محبتهن ؟ هل يمكن هذا للرجل الناجح ، هل انا امرأة حتى اعتذر عن استلام بطاقات المحبة والاعجاب لأني مرتبطة بعقد زواج؟ لن يسمح الرجل بتقييد حريته ، وهو حر ان يفعل ما يشاء ، يحب من يريد من النساء ويرسل بطاقات الحب اليهن ، هل امنع النساء عن محبتي وانا الرجل المحبوب ذو الجاذبية كما تصفني النساء ، وباسمة محظوظة انها ارتبطت بي ، عليها ان تكون سعيدة ، فأنا زوجها بعقد شهد عليه اثنان ، والأخريات يبادلنني المحبة ، دون ان تتنتظر مني احداهن شيئا الا اللطف في المعاملة ، هل اتنكر لما يبدينه من مودة يحسدني عليها الأصدقاء ، كلهم يغبطونني على عدد النساء اللاتي يمحظنني حبا فريدا لاامل فيه ولا رجاء ، ويبعثن لي بطاقاتهن المعبرة عن شدة الاعجاب والوجد...
، وباسمة بعد ان رأت البطاقة غضبت ، كيف احب اخريات وانا زوجها ؟ وهل حجرت على حريتي بكونها زوجتي ؟ لم تكن تدري ان هناك عدد من البطاقات الأخرى اكثر جراة من تلك التي وقعت في يديها ، ونحن اتفقنا في بداية الزواج الا يفتش احدنا في أوراق الآخر :
- كيف سمحت لنفسك ان تبحثي في أوراقي ؟ انا لم اعرف ماذا تخبيء أوراقك من قصص لاتريدين افشاءها ! هل تعتبين على بطاقة استلمتها من احدى النساء ، وانا اجد الكثيرين من الرجال يعجبون بك ! هل عاتبتك يوما ، هل وجدت انني اخذت ابحث في ادراج مكتبك عما يتهمك من قصص الاعجاب التي تتلقينها من عدد من الرجال ، لك حياتك ولي حياتي ، وان كنا نعيش سوية في منزل مشترك! لا تفتشي في كتبي ودفاتري وانا ايضا لن ابحث عما يشينك في كتبك ، لسنا طفلين ، ونحن ناضجان ، يمكنك ان تحبي من تشائين ، ولا اجد في ذلك ما يخدش كرامتي..
سكتت باسمة ولم تعد الا اتهامي مرات اخر ، رغم اني ما تركت معاشرة النساء ، وبقيتُ استلم بطاقات الحب والاعجاب منهن ، وان كنت احب واحدة هي نهلة ، لكن غضب باسمة المفتعل جعلني اثور على تدخلها في شؤوني ، لتصمت هذه المرأة ولتترك عادة ان تدخل انفها فيما لايعنيها ، وانا أدرك انها لاتعرف رجلا غيري ، الا انني شئت الا تتوهم ان لها حجما اكبر من حقيقتها فانا الرجل وعليها طاعتي..
(71)

المصاعب تتراكم على باسمة سعيد ، واحمد منصور يأتي باغلب تلك الصعاب ، لاتدري باسمة اهو قصد منه ام سوء تدبير ؟ يلومه الأصحاب كيف يمكن ان يتخلى عن المرأة التي احبته كل هذا الحب؟ كانت تظن انه يخلص لها كما هي تحفظ له حقوقه في حضوره والغياب تقول لها صديقتها :
- الرجال كلهم خائنون سيئون ، لاينفع معهم الاخلاص..
- ليس كلهم ، حرام ان نتهم الجميع بصفات البعض!
- أتعرفين ان احمد يخونك مع اية امرأة يجد عندها القبول؟
- لا ارى ذلك ، يمكن انني من شدة انشغالي بعملي وانهماكي بأشغال البيت ، جعلته يشعر انه وحيد مهمل!
- انك لم تقصري ، ماذا يمكن ان تفعلي ؟ وزوجك فقد عمله لأنه كان كثير الغياب؟ اتكل عليك ووجدك مجتهدة في عملك ، حريصة على نجاحك فأكثر من اهماله ، مما اثار استغراب من كان يعرفه قبل زواجه ، بعض الرجال لايطيقون نجاح زوجاتهم ، فيسببون لها المتاعب ، ويضعون المصاعب في طريقها ، كي تفشل في عملها ، ليدعوا ان المرأة من طبيعتها الفشل ، وحين يجدون الزوجة لاتبالي بما يبذلونه من جهود لافشال مساعيها ، وجعلها تفشل في العمل الذي كانت تتقنه قبل الزواج ، فيحزنون ، ويصيبهم التوتر ، ويكثرون التغيب عن عملهم ، وحين يعاقبون على التقصير في العمل بالاعفاء منه ، يعاقبون الزوجة الناجحة بخيانتها مع كل امرأة..
- لكني رغم فقدانه العمل ، لااشك به ،انه لا يخونني!
- لأنك امرأة وفية ، ومن الخطأ جدا ان نظن ان الناس مثلنا ، فان كنت تتصفين بالاخلاص ، فلا يعني هذا ان زوجك مخلص ايضا.
- وكيف يمكنك ان تتهميه بالخيانة ؟ ألا يمكن انه بريء منها؟
- عندي الدلائل ، وقد رغبت في البداية ان اخبيء الحقيقة عنك ، لئلا اسبب لك حزنا ، فانت صديقتي وعزيزة على نفسي، كما تعلمين ، زوجك عزيزتي يصادق كل النساء الا انت زوجته ، فهو بعيد عنك ، يسير متأبطا النساء اللاتي يقول انهن صديقاته ، تاركا اياك تكدحين من اجل الحصول على طعامكما وشرابكما ولباسكما .
- هذا من واجبي ، لأنه فقد عمله!
- ولماذا فقد عمله ؟ أليس بسبب تقصيره بالمحافظة على العمل وصيانته؟
- ربما بذل جهده ولم ينجح!
- لم يبذل! انه الان مسرور ، يجعلك تشقين للقيام بواجبه وواجب المرأة بوقت واحد!
وهو يتفسح مع النساء ، اية لعنة هذه ؟ لماذا تصمتين ؟
- وماذا يمكنني ان افعل؟
- ثوري! وهدديه ان واصل صداقاته مع النساء فانك سوف تهجرينه!
- لا أظن ان تهديدي سوف ينفعني ، طالبته بالطلاق فلم يوافق!
- انت تعرفينه اذن ! صديقتي العزيزة ، لماذا تستمر معاناتك؟
- لأننا في العراق لايمكن للمرأة ان تطالب بالطلاق ، هذا الحق بيد الرجل دائما ، واحمد لن يطلقني لأنني المعيلة والخادمة والقائمة بكل المهام!
- وهل كنت تعرفين كل تصرفاته؟ ورغم هذا تصمتين ؟
- نعم وقلبي يتمزق ، لأنني احببت رجلا بائسا ، أراني النجوم في عز الظهر ، وجعلني اشرب المر واتذوق العلقم ، ليس كلهم صديقتي العزيزة ، يوجد الحنون والشجاع ولكن احمد اراه الان يخلو من كل الصفات التي احببته من اجلها..
- هل تواصلين الحياة معه؟
- انتظر ان يتحسن..
- وكيف تأملين ذلك ؟
- يمكنني ان أصبر على كل شيء ، الا حرماني ان اكون اما..
- وهل هو لايحب الأطفال ؟.


- طالبته عددا من المرات بحقي بالامومة ، لكنه طالب بتأجيل الأمر
- ولماذا يريد التأجيل ؟
- يقول ان ظروفنا الاقتصادية لاتسمح بالانجاب في الوقت الحاضر..وعلينا ان ننتظر ريثما يجد هملا بديلا..
- وهل ستواصلين الصمت على حرمانك من حقك في الطفل؟
- لن أصمت ! سأغير كل شيء....


(72)
أخذت علاقتي بباسمة تسير في طريق مسدود، لم تعد الانسانة الهادئة التي تصبر على كل شيء، وبدأت تطالب ببعض الحقوق ، التي ما كنت أظن انها ستتجرأ على المطالبة بها ، ، ارادت ان نتساوى بالانفاق على متطلبات الأسرة، وانني يجب أن اجتهد للحصول على عمل جديد ، بدلا عن العمل الذي فقدته ، لم تر انه من واجب والديها ان يساعدا في تلبية حاجاتنا المالية:
- كيف تطالبين بالمساواة وانت ترفضين ان تساعدي اسرتي؟
- وهل استمر في المساعدة وانا قد تعبت ، منذ زواجنا وانا انفق على اسرتك..
- هل تعيرينني بفقر اسرتي يا امرأة؟
- ، لا أعيرك ، ولكنك لم تبحث عن عمل بديل..
- ماذا افعل ؟ سدت الأبواب في وجهي..
- الأبواب نحن نفتحها ، لكنك لم تحاول ، وبقيت معتمدا على عملي..
- وما الضير في ذلك ؟ وانت تدعين المساواة ؟
- وهل المساواة تعطيك حقا ان تستغلني ؟

- اصبري حتى يمكننني ان اعود الى عملي السابق ، فأنا احبه كما تعلمين ..
- جد عملا مناسبا.
- انفقي على اهلي كما كنت تفعلين..
- يمكن ان اتحمل ذلك ، ان وافقت على أن ننجب طفلا..
- انت تعرفين انني لااحب الأطفال..
- لكنني احبهم ، واريد ان اصبح اما..
- لماذا نأتي بطفل في وقتنا الصعب هذا؟
- ان لم توافق سوف اطالب بالطلاق..
- لا أحد يعطيك الحق بالطلاق الا ان وافقت انا..
- القاضي يمنحني الحق..
- اصبري قليلا ، وسوف ننجب الطفل الذي تحبين..
- متى ؟
- حين تتحسن الظروف.
- نحن من يحسن ظروفه بالعمل ، ابحث عن عمل ، وستكون ظروفنا كما نشاء..

(73)
يتأخر احمد منصور في العودة الى المنزل ، فتقلق عليه باسمة سعيد ، فيطول انتظارها ، وتصبح نهبا لأفكار شتى ، تأخذها يمينا وشمالا ، هل ذهب الى احد الأصدقاء ، او احد الأقرباء؟ ولماذا لم يخبرها ؟ كان عليه ان ينبئها بامر زيارته لأحد معارفه، وهي الان لاتعلم عن زوجها شيئا ، تراه غامضا جدا ، وتظن انه يخبيء عنها امورا عديدة ، لاتعلم كنهها ، وتود لو عرفت ، تحب ان تعلم اي رجل سعت للاقتران به بعد نضال شاق ، وكانت تأمل انه سوف يدخلها الجنة ، واذا بها تتقلب على نار الشك والقلق المتواصل ، الذي يجعلها دائمة الحيرة ، ماذا يمكنها ان تفعل امام هذا الظلام الدامس الذي يحيط بحياتها ، ويتركها عاجزة عن اخذ زمام المبادرة ، هي الانسانة القوية ، التي عرفها الناس بعزمها واجتهادها ، تجد نفسها مخلوقة حائرة ضعيفة ، هل صدق الذين زعموا ان المرأة في الشرق تصبح اداة بيد زوجها ، يوجهها الى اين يريد ، مهما كانت شخصيتها قوية ، وبرع اهلها في غرس صفات الشجاعة والنبل وكرم الاخلاق داخل نفسها ، المعارف كلهم اجمعوا ان باسمة سعيدة ، انسانة مثقفة تعرف كيف تدافع عن نفسها ، وانه ليس بمقدور احد ان يضع القيود حول حياتها ، دون ان تتمكن من ازالتها ، وانها قد جربت الكثير من المصاعب ، استطاعت ان تجتازها ، وان تزيلها من حياتها ، لتتمتع بالحرية المسؤولة التي تسعى اليها ، ولكنها اليوم ترى انها قد فشلت في ايقاف نزيف الصعوبات التي تكتم على انفاسها ، وتتركها خائرة القوى ، مبددة العزيمة ، تدرك انها احبت احمد منصور بكل ما تحمل في قلبها من مشاعر وفي عقلها من افكار ، ولكن احمد هذا قد بدد آمالها في الحب والحرية ، وانه لايختلف عن الملايين من الرجال ، الذين يدعون فكرا تقدميا ، لكنهم في الحقيقة اشد رجعية من اجدادهم ، واكثر اصرارا على تكبيل المرأة ، وسلبها طاقتها وقدرتها على مقاومة ما يريدون..
يطول تأخر احمد منصور ولا تدري باسمة سعيد ما الذي يجب ان تفعله ؟ هل يمكن ان زوجها قد أصيب بمكروه ، او تعرض لحادث سيء ، هل تظل صامتة تنتظر ان يعود؟ ام يبادر بعمل ينهي متاعبها هذه الليلة ، ويقضي على تساؤلاتها ، وينهي ما تشعر به من آلام ؟ لكن ماذا تفعل؟ وهو لم يخبرها بشيء ؟ هل تتصل هاتفيا ؟ وبمن يمكنها ان تتصل ؟ اتصلت بزوجها مرارا دون ان تظفر بجواب! هل تتصل باحد أصدقائه المقربين ؟ انها واثقة انه سوف يثور غاضبا ان اتصلت بأحد ! ولكنها حيرى هذه الليلة..
تحزم باسمة سعيد امرها ، وتقرر ان تذهب الى شقة اخ زوجها العازب، الذي اعتاد زوجها ان يذهب اليه شاكيا من زواجه التعيس كما يحلو له دائما ان يصف الاقتران بها ،
-كل المشاكل تأتي من زوجتك التي تقول انها مثقفة!
- ليس كلها .. بعض متاعبي منها!
- -ألم تخبرني انها فضولية ، تبحث في اوراقك عما يؤيد شكوكك ؟
- تبحث احيانا ، كما ابحث عما يريبني دائما..
- ألم انصحك ان تقتدي بي ؟ فأنا لا أثق بالنساء !
سمعت باسمة حديث الاخوين صدفة ، ووجدت زوجها يقلد أخاه في كل الأمور ..
سوف تذهب الى شقة الأخ ، أكبر الاحتمالات ان زوجها هناك..
تصل الشقة وتدق الجرس ، تنظر من العين السحرية ، وترى ثمة اشخاص قد اغلقوا مجال الرؤية ، بعد فترة يفتح الباب ، تسلم على اخ زوجها وتدخل ، ترى المائدة منصوبة، وعليها اربعة أقداح فيها شراب نبيذ احمر ، وبجنبها صحون فيها المكسرات واللبلبي والخس ، يخرج زوجها من احد الغرف وهو يرتدي الشورت القصير ، الذي تعرفه عائدا للأخ...
يرى الزوج علامات الاستياء واضحة على محيا زوجته ، فيبادرها صارخا:
- لماذا لحقت بي الى هنا ؟ كل الوقت وانت تشكين بي؟

(74)
طالبتني ان تكون اما ، رغم عدم رغبتي بانجاب تعيس جديد ، يضاف الى جيش المأزومين الفاشلين ، وهددت انها سوف تلجأ للقضاء في حالة عدم موافقتي على طلبها ، اخبرتها انني موافق لئلا تزداد نقمتها علي ÷، فأنا رغم عدم حبي لها لا ارغب ان تغادر حياتي وتطلب الطلاق ، لكنها كالعادة أخذت تقلق علي ذلك القلق المرضي ، عرفت عنها انها لاتطيق فراقي ، ويصيبها الخوف ان تأخرت في عودتي الى المنزل ، تدرك ان حياتنا ليست آمنة / واننا مهددون ، بالتوقيف والتعقب وتأويل الكلمات البريئة التي نتفوه بها ، لم اكن اعلم انها سوف تتبعني أينما ذهبت وان داء الشك القاتل يستبد بها ، ما ان ذهبت الى منزل شقيقي العازب ، والمعروف عنه بشدة اللهو حتى اتت الى المنزل ، كانت هناك امرأتان واخي وانا ، وضع اخي كؤوس النبيذ على المائدة ، صنعت الفتاتان الجاجيك والسلطات وكان اخي قد اشترى اللبلبي والكرزات ، بعد ان لعبت الخمرة بما تبقى من العقول ، دحل اخي مع اجمل الفتاتين الى الغرفة الكبيرة في منزله ، بقيت وحدي مع الفتاة الثانية ، التي لاتتمتع بأي مسحة من الجمال وطلبت مني:
- ونحن ماذا نفعل؟
- ماتحبين...
- لنذهب الى الغرفة الثانية في المنزل!
- لنذهب..
- لم اجرب الحب معك..
- وهل جربته مع الجميع ؟
- كيف الجميع ؟
- لااعني ما تقصدين .. آسف حقا..
دخلت الغرفة معها ، وهي من قام بكل شيء ، لم تسعدني لمساتها ، ثم سمعنا دقات متكررة على الباب ، ذهب اخي لرؤية من يكون الطارق ، وعاد الي مسرعا:
- زوجتك..
ارتدى ملابسه بسرعة ، و فتح الباب ، شاهدت باسمة الكؤوس الأربعة على المائدة ، ونظرت باستنكار الى صحون المزة ، قرأ اخي ما يجول بخاطرها ، ثم خرجت انا من الغرفة مرتديا شورت اخي ، وطلبت من مرافقتي ان تظل في الغرفة والا تخرج منها ، كنت اعرف ان باسمة لن تطيل بقاءها في المنزل، وسوف تعود الى منزلنا وهي متوترة ، فقد تأكد لها بالبرهان الساطع انني مثل اخي تماما زير نساء ، حصل ما توقعت وعادت باسمة ، ولم اعد انا:
- هذه المرأة بحاجة الى تأديب!
- لماذا ؟
- كيف سمحت لها نفسها ان تتعقب خطواتك؟ هل كانت تتوقع ان يرفض رجل نداء امرأة حارة الدماء مثل حسناء ،وبخها على تصرفها الطائش ، ونفذت نصيحة اخي وعدت غاضبا الى المنزل:
- لماذا تشكين بي ؟ هل تبعتك يوما ؟ وانا لا أعرف اين تذهبين كل يوم ؟
(75)

شرحت باسمة سعيد لطالباتها حقوق المرأة ، وبينت ان النساء يجب ان يناضلن طويلا من اجل الوصول الى تلك الحقوق ، التي نجد طريقها شائكا ، تعترضه الصعوبات ، وعلينا ان نجتاز تلك المصاعب ، كي ننعم بالدنيا ونحقق السعادة..
سألت بعض الطالبات:
- كيف نحقق ما نطمح اليه ، ونحن وحيدات بلا معين؟
- لسنا وحيدات ! الرجل بجانب قضيتنا العادلة ، وقف معنا الأب والأخ والحبيب والزوج ، واستطعنا ان نحقق بعض ما نتطلع اليه..
- لا أظن اننا نجحنا!
- لابد من التفاؤل ، الذي يراه علماء الاجتماع موصلا الى نصف الطريق!
- ماذا تقصدين أستاذة باسمة ؟
- أعني ان المناضلين من أجل ما يرونه حقا لهم ، ينبغي ان يكونوا متفائلين ، لأن التشاؤم لايفضي الى حل..
- اعرف انك ناضلت طويلا استاذتي الغالية ، هل نجحت في تحقيق مراميك؟
- نجحت الكثيرات في الوصول الى احلامهن ..
- وأنت ؟
- ربما انا طموحة اكثر من الأخريات!
- اللاتي لم يعملن شيئا نراهن في سعادة كبيرة!
- ليس دائما!
- مجتمعنا هذا يفضل الخانعات ، ويستجيب لارادة الخاملات!
- أراكن اليوم يائسات ! لماذا يا حبيباتي؟
- لانريد ان نخبرك ! لئلا نتسبب في اثارة احزانك!
- ماذا جرى ؟ كلامكن اليوم غامض!
- نريد ان نسألك استاذتنا العزيزة : هل تحقق شيئا من آمالك في الحب والحرية والعدالة؟
- هذه الحقوق تحتاج الى قوانين تدافع عنها ، وتعمل على اثباتها!
- لانسألك عن الحرية والعدالة اللتين تتحققان بالقانون!
- عن أي شيء تسألنني؟
- عن الحب والمساواة في المعاملة !
- ماذا تعنين عزيزتي أحلام؟
- هل يمكن ان تشعري ان حقوقك في الحب قد تحققت ، وزوجك كل يوم يسير مع امرأة؟ نراه يتمشى مع النساء وايديهما متشابكة ، وأنت منهمكة في اشغال المنزل ، وتحسين دخل الأسرة؟ هل توصلت الى حقوقك ، لتناضلي من اجل حقوق النساء؟
- ربما حالتنا ليست عامة ، هناك الكثير من الأسر السعيدة ، ينتشر الحب بين الزوجين ، ويقومان معا بالانفاق على الأولاد ويتعاونان بالأشغال المنزلية. لاتنظرن الى حالتي فقط ، ادرسن قصص المتزوجين ، واصدرن احكامكن ..
- هل كنت تعلمين استاذتنا ؟
- طبيعي ان الزوجة تدرك بتغير عواطف زوجها نحوها .
- مع الأسف .. تشقين في الحياة ، وهو يلعب ويتسلى ، ضاربا مشاعرك بعرض الحائط
- لست وحدي التي تعاني ، هناك من يعشن مثلي ، محرومات من الحقوق ، مع زوج لايبالي بما يقمن به من تضحيات.
- وكيف تتحملين هذه المعاناة استاذتنا الحبيبة؟
- انتظر ان تتحسن تصرفاته بعد فترة!
يبتدعها زوجها ليتمتع مع النساء الكثيرات ، وكثيرا ما تسأل نفسها ، دون ان تتوصل للجواب :
- لماذا يصر احمد منصور على اساءة معاملتي وهو يراني بمثل هذا النكران للذات ؟ وهل انا ضعيفة جدا ، لاأستطيع ان أضع حدا لظلمه؟
(76)
كل الكلام الخيالي الذي نسمعه عن المساواة تكرره باسمة امام طالباتها المراهقات ، من الرجل الذي يتنكر لرجولته في غسل الصحون وتنظيف البلاط ؟ من الرجل الذي يدنس نفسه في تنظيف ا لملابس وكيها ، ومن من الرجال يسمح ان يعود الى منزله ويجد ان الطعام لم ينضج بعد ، وان كؤوس الشاي لم تغسل منذ الصباح ، وان ادوات الحلاقة التي يستعملها بقيت في مكانها ولم تنظف ؟ من الرجل الذي يرضى ان يحرم من السهر مع أصدقائه ؟ من الرجل الذي يحرص على رضا زوجته ؟ ماذا يمكن أن تفعل الزوجة ان وجدت زوجها ليس مهتما بها ؟ لتضرب رأسها بالحائط وتخرس . ماذا افعل انا ان كانت زوجتي مدرسة عليها ان تصحح اوراق طالباتها ، وان تضع الأسئلة للامتحانات الشهرية والفصلية ونصف العام ونهاية العام ، ماذا افعل ان تم فصلي من العمل ، هي لاتصدق ان الفصل تم لأسباب سياسية رغم اني ذكرت لها ذلك ، هي محظوظة انها ارتبطت برجل مثلي ، لايحاسبها كثيرا ان رفضت مشاركتي الفراش ، تقول لابد من ا لمداعبة قبل العمل ، وانا زهقت من كلامها المنمق الذي تردده من غير مناسبة ، انا مظلوم يا ناس ، لماذا لايحق للرجل ان يشكو وانا التعيس الذي تزوج مدرسة تعلم طالباتها العصيان والثورة ضد الرجال ، اي امرأة شاء سوء حظي ان ارتبط بها ؟ معها مصرف البيت وهي تشكو انها لم تستطع ان تشتري براتبها ما تحب ان تهيئه لوجباتنا الثلاثة ، نحن اثنان فقط ، احيانا يزورنا اخي مع احدى النساء ، فتكون الطامة الكبرى وترعد الدنيا وتزبد ، وكأنني انا من اتيت بالنساء الى منزلها ، أليس من حقي ان يزورنا اخي مع المرأة التي يريد :
- زوجتك متسلطة ، من حسن حظي انني لم اتزوج!
- انها متعبة فقط..
- وهل تضع تعبها على اكتافنا؟ ما شأننا نحن؟
- هي تتعب بالعمل ..
- السبب انك لست رجلا ، لتريها العين الحمراء..

(77)

تستبد الحيرة بباسمة سعيد ، ويسلب راحتها القلق، ايمكن ان يكون التباين بين حقيقة الانسان وبين ما يظهره للناس بهذه القوة ، هل يتظاهر احمد منصور بما ليس فيه ، ام انها طبيعة اي منا ، يظهر ما يراه جميلا ، دون ان يكون بمقدوره ان يتمتع به ، يثيرها العجب مما يقوم به للحصول على اعجاب النساء ، وتخلو حياتهما المشتركة من كل جميل ، تسمع عبارات الاستحسان تقولها سيدات محترمات لزوج لايعرف حقوق زوجته ، ولا يسمح لها بالتمتع بالجمال ، يحصي عليها حركاتها ، ويدعي انه مناصر لحقوق المرأة ، هل يجدها امرأة حقا ، ام ان عفله يجردها من صفات الانوثة التي يراها في كل النساء ، الا باسمة سعيد ، التي تنتظر اوبته في كل مساء ، لتسمع منه كلمة واحدة ، تحثها على مواصلة الحياة مع امريء تزوجته لأنها وثقت بحبه لها ، ثم اكتشفت ان قلبه خال من صفات الحب والاعجاب ، يطول سهرها وانتظارها لعودته ، لكنه يرجع مخمورا ، وقد أسرف في الشراب ، فيفسد عليها ليلتها ، ويجعلها تتمنى الا تكون قد عرفته ، او وقعت في حبائله ، يمدحه جميع معارفه واصدقائه من الجنسين ، ويسبغون عليه اجمل الصفات ، التي لاتراها ، وهي التي تحبه ، كيف وقعت في حبه ؟ وكيف ظنت انه يبادلها عاطفتها ؟ كان ذلك سرابا رافقها طول الوقت..
تستمع باسمة الى اقوال اصدقائه :
- احمد رجل كامل ، يتمتع بكل ما تحبه المرأة من صفات !
- انه رجل رائع لكنك لاتعرفين قدره !
- طبيعي ان يعرف الرجل نساء عديدات فهل تريدين ان يكون امرأة؟
- انت تظلمين الرجل الجميل معك ! لماذا اقدمت على الزواج منه ؟
- عشرات النساء يرغبن بالارتباط بأحمد وانت لاتعرفين شمائله!
- ان كنت لاتحبينه ، ليعد الي ، طوال عمري وانا متيمة بوسامته..
- انت تطلبين صفات ليست موجودة ! اتقي الله ولا تكثري الشكوى!
تقرر باسمة سعيد الا تشكو بعد اليوم ، وان تظهر السعادة ، ولا تجعل علامات الحزن تبدو عليها ، ترتدي ملابسها الجميلة ، وترسم ابتسامة السعادة على محياها .ز
يطول انتظارها ، ولا عودة للزوج الغائب ، وحين يقترب الفجر يرجع وقد انهكه الشراب:
-انت حجرة ثقيلة في طريق سعادتي!
تلجم المفاجأة باسمة سعيد ، ويصيبها الخرس ، وتقع على الأرض ، تسمع اشخاص يتحدثون وصوته تسمعه بوضوح:
- لم اقل لها شيئا ووقعت على الأرض..كنت اظن انها امرأة ، واذا بها مخلوقة من قش

(78)

حدثت باسمة سعيد صديقتها اسماء عن معاناتها وعن ارغامها على ان تقول ما لن تعتقد بصحته ، وان من كانت تظن انه حبيبها يجعلها تصرح امام الناس بامور ليست حقيقية ، واصلت باسمة حديثها عن الألم المكبوت: وكيف تحدثت للحاضرين في جمعية الدفاع عن حقوق النساء
يسرني سيداتي ان أقص عليكن حكايتي ، رغم انني لا أحب إلقاء المحاضرات ولا أحبذ قولها ولكني مغلوبة على أمري أنفذ مشيئة الآخرين وامتثل لأوامرهم
كلفت هذا اليوم بهذا الواجب ، ساعدنني كيف ابدأ ، حسنا امرني ان القي على مسامعكن تجربتي الطويلة والدروس التي استخلصتها طيلة سنين عمري السعيدة ، صه ، لقد ذهب ، لنتكلم بصراحة ، طلب مني ان أتحدث عن تجربتي الخاصة وعن المساواة التي نعمت بظلها ، ولقد ابتعد الان ...... وهذه الجلسة نسائية ، سأكون صريحة معكن وأتحدث بلا أكاذيب أو اختلا قات وعندما ترينه مقبلا اخبرنني كي اخذ حذري وأعود إلى حديثي المرسوم والمقرر ، بلا مساواة ولا بطيخ في مجتمعاتنا العربية لا تجعلن صوت المكر يفون عاليا ، فانا لا أطيق إسماع كلماتي لمن كان خارج هذه القاعة ، انتن فقط من أزمع محادثتهن بأمري
هل ذهب ؟ أصدقنني القول ، لم يعد في طاقتي احتمال الصراخ المستمر والزعيق ، أريد ان أحيا بسلام ، هل جربت إحداكن المساواة ؟ هل عاملها زوجها معاملة الند للند ؟ أنت يا سيدتي ؟ لعلك قد تزوجت حديثا ولم تري شيئا بعد من الدنيا ، انا كنت مثلك في مستهل زواجي ، حيث أجنحة الحب ترفرف علينا ، ورحيق الخمرة يسكرنا ، في ذلك الزمن السحيق حيث كنا عاشقين ، ارفعي صوتك ، لم اسمع ما تريدين قوله ، صمت من فضلكن ، ماذا هل تجدن في حديثي تناقضا ؟
اسمع أصوات خطوات تقترب ، لأخفض من صوتي ، لا أريد لأحد أن يسمعني ، فيساء فهمي ، والآن سأبدأ :
يسرني سيداتي آنساتي ..ان أقص عليكن حكايتي ، انا الزوجة والأم التي مضى على زواجها ثلاثة عقود كاملة ، لم يرتفع خلال هذه الفترة الطويلة صوت لي ، لم أتذمر ، لم أشك من سوء طالعي ، او أندب تعثر حظي ، قضيت هذه الأعوام وأنا شبه راضية ، وان لم أكن سعيدة ، فلماذا أشكو ؟ وماذا يصنع لي التذمر ، هل يغير إظهار الألم شيئا من واقع الحال ، أليس من المحال تحسين الأحوال ؟ هل تسألنني كيف استطعت التغلب على مصاعبي ؟ وما هي الطرق التي سلكتها ؟ لن أكون قدوة ، لكن ، آنساتي ، لكل جيل قوانينه ، كنت هادئة دوما ابتسم بوجه العاصفة واخفض لها رأسي وجسدي ،، وحتى روحي ، حتى تمر بسلام ، لم أغضب ، ولم الغضب ؟ لاشيء يغير المكتوب ، حسنا ، غضبت في البداية وكنت اشعر بضياع عمري ، وان حبي قد تبدد ، وكنت أسال نفسي أحيانا كيف استطاع برعونته أن يئد إحساسي بالحب نحوه ، لم يعد يسمعني الكلمات الحلوة التي ترغب بها روحي وكان يعاملني بغلظة أتساءل أحيانا من أين أتى بها ، وحين أحاول ان اعبر عن حبي ، يصرخ بي هازئا ، وبعد أن أحبني وبادلته عواطفه ، وتزوجنا ، ومضت فترة بسيطة على الزواج ، اخذ يحب كل النساء ويظهر لهن المودة ، يقدم لهن الأمنيات والقبلات والهدايا الجميلة في أعياد ميلادهن ، ويأخذ ثمن الهدايا من نقودي ، وأنا أحيا منسية ، لم يتذكر عيد ميلادي ثم أمسى يسمعني القول أنني قد كبرت على مثل هذه الاحتفالات مع أننا في عمر واحد وأبدو أنا اصغر منه أحيانا إذا ما اهتممت بنفسي ،لم يعد يراني امرأته ، ومن أكون ؟ صه ، سكوت من فضلكن ، المراة كالوردة ، تذبل ان لم يتم ارواؤها ، وقد ذبلت انا وانتهى أمري وأصبحت أرى العالم اسود بشع السواد مظلما جهنميا ، والحب شجرة باسقة كثيفة الأغصان ، وارفة الظلال ، تسقط أغصانها ، وتذبل أوراقها وتتساقط مصفرة ، تذروها الرياح ، ان نسي ارواؤها ، في غمرة الإخفاقات التي نعيشها ، كنت أسال نفسي وماذا جنيت حتى يعاملني هكذا ولم أذنب ؟ بقيت اطرح هذا السؤال فترة طويلة من الوقت ، حتى أدركت انه لا جدوى من الأسئلة ،، وأنني أضحيت أتنفس برئة الآخرين وارى بعيونهم ، هو القدر ، جعلني أبدو هادئة ساكنة ، وداخلي يغلي كالمرجل، أكون أحيانا صماء بكماء وحتى عمياء ،حلمت مرارا برجل يحبني ويضمني بحرارة إليه ويقبلني ككل الرجال في العالم ، ولكن هل كانت أحلامي اكبر من طاقتي ؟ ، لا ادري ، كل الذي اعلمه انه لاشيء غير الحب يبعث الأمل في النفوس ،، ويجعلنا نناضل ونجاهد ونشعر أننا أقوياء نقهر كل الشرور ونتغلب عليها ، وأعيش الآن بلا حب ، حياتي باردة كالثلج ، أئن وأتوجع ولا يشعر احد بحالي ، أصبت بكل العلل التي يمكنكن تخيلها ، ماذا افعل وأنا انسانة تعبة ، منهكة ، ووحيدة اردد أغاني فريد الأطرش ولا يصفق لي السامعون ، مالي أراكن وقد علت ابتسامة الاستفهام على محياكن ؟ من منكن استطاعت ان تغبر اتجاه دفة السفينة ؟ هراء ما تدعيه بعضكن ، هل تزعمن المساواة ، أي مساواة تجدنها في العالم العربي ؟ أي القوانين تدعو الى المساواة في بلدانكن المنكوبة ؟ سأكمل لكن قصتي : كنت عاجزة عن النظر والنطق حتى تسير سفينتي بهدوء ، ولا تفقد الملاح قدرته على إدارة الدفة ، لا تنسين إخباري إذا ما لاح لكن احد الذكور ، هل أنا ضعيفة ؟ أبدا ، اشعر دوما أنني قوية ، المراة العربية تكتسب عادات زوجها وتتخلق بها بمرور الوقت ، وانتن كلكن هكذا أصبحتن مثل أزواجكن حين جمعكما عش الزوجية السعيد او التعيس لا ادري ، أرى ابتسامات ساخرة تعلو محياكن هل استحق الشفقة ؟ أبدا ، ما هذا ؟ أرى شخصا يشبهه يطل من بعيد ، له نفس الهيئة ، واثق من نفسه درجة الغرور ، وكأنه لا يقرب الخطأ ، أين هدوئي ؟ لقد تبدد ،،انه يرعبني ، ينسيني قوتي ، يسلبني اتزاني ، يقيدني ، ماذا تدعين يا سيدتي ؟أ تزعمين أنني لا أزال أحبه ، هراء . ما تقولونه هراء ، لماذا يفرض على المرأة ان تحب من نسيها ؟ ينبغي ان أتحلى بقوتي أن أجاهد ضعفي ؟ ولكن كيف ؟ لاحول لي ولا قوة ، يتظاهر بالهدوء ويسمعني كلماته المسمومة ، يلدغني ، سهامه تصيب مني مقتلا ، أجد نفسي مبتعدة عن الموضوع الرئيس ، وعلي ان أحدثكن عن تجربتي الناجحة وحياتي المترعة بالأفراح ، وعليكن أن تسمعنني ، وتقتدين بي ، ولكن انتبهن جيدا ، ربما يلوح علينا ، بابتسامته الصفراء ، ولكن ماذا جرى لي ؟ افقد اتزاني ، ويهجرني صبري ، ويحكمني جزعي ، الا أجد بينكن مهربا ؟ أحاطني الصمت بخيوطه العنكبوتية ، مكثت داخل شرنقتي ،، فأبديت موافقتي على ما يبديه وأنا أتلظى ، أبطن المعارضة ، ماذا حدث لي ؟لا أحب ارتفاع الأصوات ، ويرتبك ضغطي عند أدنى ارتفاع ، ابعدي جهاز التسجيل أيتها السيدة لا أود تسجيل حديثي ، إنني أغبطك على وضعك أيتها الآنسة ، علي ان ابدي أفكارا لا احملها وان أؤيد وجهات نظر لا اتفق معها ، انه هو ، يقترب ، ام انه الوهم ؟، أصدقنني القول ، عزيزاتي ، هل استطاعت إحداكن أن تغير من طباع احدهم ،، وان تساهم في تقدمه نحو الأمام ؟ خداع وأباطيل ما تدعونه ، هراء ما بقينا نسمعه طيلة عمرنا المهدود عن دعاوى المساواة ، تسألنني كيف أستطيع أن أحافظ على هدوئي وسكينة نفسي ،؟ لم يكن الأمر هينا منذ البداية ، حلمت مثلكن بالمساواة وبالتعاون لتذليل الصعاب وبالمناقشة الهادئة ،الهادفة إلى تقريب وجهات النظر ، ولكن رفع الصوت من جانب شريكي ومطالبته لي بان أغير وجهة نظري ، وأتخلى عن قناعاتي جعلني أتظاهر بالهدوء وكثرة التظاهر بالشيء تكسب الإنسان مهارات جديدة ، أصبح التظاهر حقيقة ؟ فلماذا أثور برأيكن ؟ وعلى من ؟ والسفينة كيف يمكنها أن تشق طريقها وسط الأمواج المتلاطمة ؟، ألا ترون ان علينا معشر النساء واجبات كثيرة ؟ وليس لدينا حقوق ، أنت أيتها المراة المتحدثة ، ارفعي صوتك ، واخبريني أي حقوق تزعمين ؟ أنها ثوب فضفاض ، إننا نتدهور ونعود الى الخلف ، هراء .. كل نضالا تكن ذهبت أدراج الرياح ، ماذا تسالين أيتها السيدة ؟ كيف يمكنني ، الاحتفاظ برباطة جأشي ؟ إليكن هذا ، استيقظ مبكرة وأجهز طعام الإفطار.... ماهو السؤال ؟ نعم كل صباح ، أوقظ الأولاد ، اخرج من المنزل بعد ان يكون كل شيء جاهزا : طعام الغداء ، ما يحتاجونه من نقود لكل النهار ، الملابس النظيفة المكوية ، الأرضية ممسوحة بعناية ،والصحون مغسولة، استمر واقفة طيلة ساعات عملي ، أعود ظهرا أتناول قليلا من اللقيمات لتحفظ ماكينتي من الاستمرار بالعمل ، أعود الى العمل مرة أخرى بعد ان اغسل الصحون مرات ومرات ، هل ابتعدت عن الموضوع ؟ قليلا كما أظن ، أعود منهكة في ساعة متأخرة ...ليس كثيرا ، الى ماذا يوجهكن الخيال ؟ فلاشيء في حياتي الا الأسرة والعمل ، هل تسألنني ومتى أقرا؟ حسنا عندما انتهي من كل أعمال النهار وما ان امسك الكتاب حتى يأخذ النعاس بتلابيبي ، ومتى اخرج للترفيه عن نفسي ؟ لقد قرأت هذا السؤال في نظراتكن ، عندما أجد الوقت مناسبا ، هل تجدنني آلة ؟ اجد نفسي هكذا ، انا الة صماء ، والآن اخبرنني بالله من منكن نحيا بصورة أفضل مني ؟ إني أتحدى ، إني أرى أشباحا قادمة من بعيد ، لقد أنهيت كلامي ، وحدثتكن حديثا صادقا ،كنت اطمح اليه وارجوه من صميم قلبي ، أرى ملامحه من النافذة انه يحاول الاستماع الى ما نقول ،انا لم أفه بما يثير الغضب ، سوف ارفع صوتي : إنها حياة حافلة بالنجاحات ، زاخرة بالأفراح ، عشتها مع توأم روحي ، أسمعتكن إياها ،وأرجو ان تستفدن من تجربتي
فنحن زوجان متعاونان في كل أمور الحياة ، ناجحان سعيدان .... وشريكي إنسان ذو قلب كبير ، عشت وإياه حياة ملأى بالسعادة ، مترعة بالنعيم ، أرجو ان تمنحكن الحياة ما منحتني وطابت ليلتكن والى اللقاء


(79)
تسأل أسماء صديقتها باسمة:
- الرجال يحبون المرأة الجريئة ، ألم نجربي ان تقومي باغرائه ، بدلا ان يقوم هو بدعوتك دائما؟
- جربت هذه وأخفقتُ...
- كيف؟
في ليلة ظلماء خلت من اي ضوء ، كنا مجموعة أصدقاء متزوجين ، دعينا الى منزل عائلة ، تحتفل بذكرى زواج ، اوى جميع المدعويين الى اسرتهم ، وبعضهم افترش الأرض .
- متى كان ذلك ؟..
- في الشهر الأول لزواجنا ، كان عنيفا لكنه احيانا يردد بعض كلمات الحب .
قمتُ لأطل على حبيبي الغائب الذي يحضر دائما الى فكري الذي كان متوقدا، وجدته وقد سيطر عليه سلطان الكرى ، وتناوشته حمى الاحلام الطوباوية ، التي ليس بمقدور الأصحاء ان يحلموا انه بقدرتهم الوصول الى تحقيقها يوما ، وجدته كعادته دائما يصرخ في نومه لرؤيته كوابيس لايعلم عنها احد شيئا ، اشتقتُ الى لمساته وقبلاته ، فاغرقته في قبلاتي ، حتى استفاق من نومه :
- باسمة ، عليك اللعنة توقظينني من اعز نومة وتسلبينني حريتي !
- اشتقتُ اليك !
- وهل اشتياقك هذا يجعلك تقترفين بحقي جرما ؟
- لم اقترف بحقك جرما ! اي جرم اقترفت يداي ؟
- ليست يداك ! بل فكرك السقيم ، كيف سولت لك نفسك الآثمة أن توقظيني من عز النوم ؟
- ولكنك زوجي !
- اريد ان اضع حدا لهذه العلاقة الكريهة ، هل هو سجن ابدي تريدين ان توثقي حياتي بحباله؟
- لكني احبك حقا !
- ولماذا تحبينني ؟ ولم ابادلك عاطفتك المشؤومة يوما !
- لكنك احببتني يوما !
- لم احبك ، انت توهمت الحب واتيت اليّ لتسجينيني!
- لم افعل لك شيئا هذه الليلة ليثار غضبك !
- هل تودين ان اوقظ النائمين كلهم لأحدثهم عن سوء اخلاقك !
- سوء اخلاقي ؟ لم أذنب ابدا!
- وهل يعترف الجاني يجريمته بسهولة ؟
- اية جريمة ؟ انت تحيرني ! كل هذه النعوت لأنني رغبت أن أبادلك الحب ؟
- لم تريدي مبادلتي بل احببت ان ترغميني!
- لم ارغمك ! فقط انني اشتقتُ اليك!
- كيف يكون الاشتياق عنوة سيدتي ؟ انت تسعين الى اغتصابي!
تستبد الحيرة بي ويسيطر التوتر على نفسي ، لا أعرف كيف أجيب عن اتهامات ظالمة توجه الي من انسان احببته أكثر من الناس كلهم ، هل أخطأت في حبه ؟ ام اقترفت ذنبا في الاعتراف بحبه ؟ طلبني زوجة ، فأردت ان يكون حبيبا ، وها هو يعلن انني غريبة عنه ، لم يحببني يوما ..



(80)

تتساءل باسمة سعيد عن السر الذي جعل الرجل الذي أحبته ينقلب كل هذا الانقلاب ، لماذا أبدى الحب والتفهم في بداية معرفتهما ، وطلب يدها ، وحين ابدت رغبتها بالحب تغيرت تصرفاته ، هل لأنه عرف انها وقعت في غرامه من اللحظة الأولى والرجال في بلادنا عادة لايريدون ان تبدي المرأة هيامها بهم ، ويفضلون ان يكونوا البادئين باعلان الحب ، هل تسرعت باسمة في بوحها ، اما كان الأجدر بها ان توافق على يده الممدودة اولا ، وتنتظر الوقت المناسب ككل بنات جنسها ، يرغبن بالرجل ويجعلنه يقد م على التصريح بالحب ، باسمة سعيد التقدمية والتي تناضل من اجل المساواة لم تشأ ان تلف وتدور وان تنتظر الحبيب حتى يعلن عن حبه ، فهذا الحبيب لم يكن يبالي بها ن وقد احب فتاة أخرى ، وحين رفضه أهلها تقدم لباسمة التي كان يدرك انها تعشقه ومنذ ان رأته عيناها، فهل الحب وهم كبير يداعب النفوس النبيلة والقلوب المرهفة الشعور ؟ ام انه حقيقة تريد اناسا أقوياء يجعلون العاطفة في حياتهم شجرة وارفة الظلال ، يستظلون بفيئها ، وهل باسمة سعيد كانت من الأقوياء ؟ ام انها تنهزم من الوهلة الأولى وتندب حظها العاثر الذي اوقعها بمثل هذه القصة الشائكة ، احمد منصور ليس قويا ليبقي ثابتا مع انسانة توهمت انها تشعر بالحب ن كما كانت تشعر بالسعادة الغامرة حين تربط صديقين من أصدقائها المخلصين وشائج اجمل علافة في الوجود ، وقد نجحت في جعل الكثيرين من اعز الأصدقاء يقدمون على الارتباط بعلاقة تصمد امام كل انواع الأشواك ؟ هل هي الارادة ام الحظ ما يكمن وراء فشلها الذريع في الوصول الى مبتغاها في بناء حياة سعيدة ، لماذا ترى نفسها وقد أعيتها حالة زوجها الذي تجده ضعيف الأعصاب ، يثور لأتفه الأسباب ، ويسب ويشتم لاعنا الساعة التي جمعتهما معا ، ماذا تفعل الان ؟ وهي ترى ان الحب في داخل نفسها المعذبة قد زال وظهرت مكان جذوره أشواك قاسية تدمي القلب والعقل معا ، هل تصمم على الطلاق ام تحاول ان تنقذ قصتها التي توهمت انها قابلة للتحقق ، اي مصير ينتظرها ، واية لعنة حلت ببابها ، فحولت كل الجمال الى طحالب ضارة تميت كل المخلوقات وتزرع بذور التعاسة والتوتر لتحول الخضرة الى بيداء قاحلة...































الجزء الخامس من رواية (وأدتك قلبي)

(65)
تهييء باسمة سعيد نفسها لعودة زوجها ، تفتح آلة التسجيل على الاصوات التي يحبانها معا ، يأتي زوجها:
- امي تسلم عليك!
- كيف هي؟
- بخير ، حدثتها عن متاعب ليلتنا ، وقالت انها طبيعية ، لابد ان نشهدها في بداية الزواج ، وقالت انني احب زوجتي كثيرا ،لهذا لااريد ايلامها في ليلتنا الأولى ، وقالت ايضا ان باسمة تحبك وسوف تتحمل الألم كما تصبر النساء عادة على اوجاع ليلة الدخلة ، وانك سوف لن تصرخي في منتصف ليلتنا كما فعلت في بدايتها..
- هل تحب ان تسمع اغاني ام كلثوم ام نجاة الصغيرة؟
- اي اغنية تحبينها افضل سماعها ، قالت امي انني يجب ان اكون لطيفا معك ، وانك اذا صرخت لااجعل صراخك يتسبب في ايقاف عضوي من الانتصاب ، لاتصرخي حبيبتي ، وسوف تنتهي ليلتنا بخير كما نريدها ، هل تريدين كأسا من البيرة ام العرق؟
- كأسا من العرق.
- هاتفت امي قريبنا الدكتور منعم وحدثته عن متاعبنا ، فوصف لي حبوبا تمدني بالهدوء والطمأنينة في هذه الليلة ، وقال الدكتور منعم ، ان باسمة تحبك وسوف لن تصرخ ، وان الزوجات كلهن يصارعن الألم ولا يخبرن الزوج عنها ، حتى لايفقد القدرة على الانتصاب كما حصل لي..
- احبك احبك احبك..
- وانا احبك ياباسمة اكثر مما تتوقعين ، استرخي حبيبتي ، فالامر طبيعي ، لاتكوني متشنجة ، دعي الشراب يعمل على تهدئتك ، انسي كل شيء الا حبنا الكبير ، وليلتنا السعيدة القادمة..
يطأ احمد منصور باسمة ، تضع تحتها الفوطة البيضاء كما نصحتها صديقتها الطبيبة ،
تمسك بوجه احمد وتقبله قبلة طويلة ، وتوزع قبلاتها على الفم والعنق و العينين ، تجد ان الألم اصبح خفيفا بامكانها ان تتحمله ، يسألها احمد :
- هل انتهينا؟
- ماذا تقول انت؟
- اين الدم ؟
تقوم باسمة وتنظر الى الفوطة البيضاء ، ترى قطرات قليلة من الدم ، تضعها امام عيني احمد ، وهي تشعر ان خنجرا مسموما قد وجه الى كرامتها ، لاتقول شيئا ، وتتوجه الى الحمام لتغسل ما بين فخذيها ، وحين تعود تجد احمد نائما وسط السرير ، وهو يشخر بعنف،
ما زالت الآلام تشعرها ان سكينا حادة قطعت جسدها وجعلته أشلاء رمته بعيدا ، وان قلبها الظاميء لم يجد من يشبعه من سغب ، فهل ما كانت تشعر به من حب ظنته خالدا مجرد سراب؟
وهل يوجد حب حقيقي في هذه الدنيا ؟ ام اننا نتوهم لنجعل الحياة تبدو اكثر جمالا، قلبها ممزق ، قد وجهت اليه طعنة كبيرة ، تشعر انها فقدت شيئا ثمينا لايمكنها استرجاعه، قالت لها صديقتها نجلاء مرة :
- من الخير لاحدانا ان تتزوج رجلا متنورا عن طريق خطبة الأهل ، افضل من الاقتران برجل يدعي التقدمية ، قد ارتبطت معه بعلاقة حب قبل الزواج!
- لماذا يا نجلاء ؟
- لان الرجل المدعي لايصدق ان زوجته لم تعرف رجلا غيره ، مهما كانت براءتها أكيدة.. ويرى انه مادام يحب نساء كثيرات ، فان الفتاة تحب مثله ، ولا يصدق ان المرأة لاتهب رجلها قبلتها فقط الا ان كانت تحبه.
كيف يصدق احمد منصور ان باسمة لم تحب الا اياه ، وان جميع صداقاتها مع الرجال كانت علاقات اخوة؟ وأنى له ان يفهم وهو ليس امرأة تخشى ان ترتبط بعلاقة حب وتحافظ على رأي الحبيب بعفتها . كيف يمكن للمرأة ان تطالب بالمساواة وهي تخشى من علاقات الحب وتحاول وأدها منذ تباشير فجرها، هل يمكن لأي رجل ان يدرك كم تقاسي المرأة كي لايساء الى سمعتها من احد توهمت يوما انه يحبها ، واذا التوهم مجرد أضغاث أحلام .. انى لأحمد منصور ان يعرف ان باسمة لم يعرفها اي رجل ، وانها رغم قصص الحب التي حاولت قتلها في بداية انطلاقها لم تجرب القبلة ولا اللمسة ؟ كيف يمكن ان توجه طعنة نجلاء الى شرفها من رجل احبته كل العمر! ؟

(66)
قطرات قليلة من الدم كانت على الفوطة البيضاء ، حين تساءلت اين الدم ؟ اجابتني بأن وضعت فوطتها امامي ، اصابني الخرس ، لماذا تسيل منها قطرات قليلة ، ، بينما بعض النساء تنزف انهارا من الدماء ؟ لماذا هذا البخل ؟ ومن اين جاءت باسمة بالفوطة ؟ تساؤلي جعلها تتوتر ، رأيت ذلك على ملامحها ، وماذا أفعل انا ؟ انا الرجل الذي اهينت كرامته ؟ كيف لي هذه الثقة ما عدتُ اعرفُ شيئا ، وقد ظننتُ انني قد قطعت السمكة وذيلها ، واذا بي اصبح اليوم موضع هزء من المطالبات بالمساواة ، الا سحقا لكن ، تدعين بهتا انكن بريئات ! لم احب امرأة في حياتي ، الا نهلة التي اجدها موضع فخري واعتزازي ، هي تحبني لذاتي ، وليس لديها مطمح آخر ، لاتريد زواجا ، ولا ان تضع القيود حولي ، كما تفعل النساء حين يحببن . الا يدركن ان الزواج مقبرة الحب ، ذهبت باسمة لتغسل جسدها من تعدي صارخ وقع عليه من قبلي ، وانا كنت صريع الهواجس والشكوك ، هل الفنان المطرب الذي تعجب به باسمة ، هو من جنى محبتها ؟ لا ادري انا ، كلما كنت اسالها عن ماضيها تقسم انها بلا ماض ، من اين جاءتها هذه القوة ؟ كثيرون احبوا باسمة واعجبوا بها ، وغبطوني على محبتها المزعومة لي ، اما دروا انها وصلت لي ثيبا ملعوبا بها ، وانا الحريص على ان تأتيني الزوجة بكرا ، لماذا وقعتُ بارادتي بهذا اليم ؟ وكيف يمكن انقاذ نفسي منه ؟ انا من كنت اتوهم اتصافي بالذكاء والحنكة ، كيف وقعت بملء ارادتي بهذا المطب ؟ تعسا للنساء ولكل من يصدق بكلامهن المعسول ! وأكاذيبهن الفاحشة ، انا احمد منصور اعترف انني وقعت في الفخ المنصوب لي باصرار وترصد ، لماذا تنكر باسمة ماضيها ؟ أليس الأجدر بها ان تخبرني بالحقيقة ؟ الم تكن تدري انني سأقف الى جانبها حين اسمع قصصها العديدة عن أحبابها السابقين ، ألم اساعد شقيقاتي في قصص حبهن ، واقف معهن واقابل احبابهن وادعوهم الى منزلنا ؟ لماذا اخفت عني باسمة قصص غرامياتها ؟ وجعلني ذلك كثير الشكوك . لو ذكرت لي الحقيقة ما كنت اكذب ما تقوله ، اعتقد انه لايوجد امرأة عصرية بلا ماض ، كيف زعمت باسمة انها حرمت نفسها من احضان الحبيب ودفئه من اجل ان تذهب الى العريس بلا دنس ؟ كيف اصدق انا ؟ وهل يمكن للمرأة مهما كانت قوتها ان تئد عواطفها ورغبتها في دفء الرجل ، من اجل ماذا ؟ وتزعم انها فعلت ذلك كي تصون نفسها للزوج القادم ، وهل يمكن لأي زوج ان يكون بديلا عن الحبيب يا باسمة؟ سأحاول ان أكون رؤوفا بها ، فهي كريمة الخصال كما يدرك جميع من عرفوها ، ولن اكرر شكي بها ، وسأستمر على علاقتي بنهلة التي تمنحني السعادة والرضا من حياتي ، فانا لم احقق شيئا الا حبي لمعشوقتي نهلة الرائعة...


(67)

باسمة سعيد في اعلى درجات الفرح ، غُرست في قلبها شتلات السعادة ، واينعت في نفسها ثمار الحبور ، لم تكن تعلم ان الزواج سوف يجعلها بكل هذا السرور، وردتها الظامئة المتطلعة للوصال، تتغنى هذه الليالي بفرح غامر ، بعد ان سقاها الحبيب ، وانقذها من عطش ظنته دائميا ، تنتظر الساعات لأوبة احمد منصور ، وتقوم بكل الأعمال المنزلية ونفسها جذلى، تخرج الى العمل وهي تغني بأعذب الأصوات مترنمة ، واصفة سعادتها الجديدة التي لم تكن تخطر على البال ، قامت بكل الاعمال التي كانت تتوهم انها ستضيف اليها الفرح ، ولكن تعبها الشديد وارهاق نفسها وخذلان روحها ، بعد ان اعياها انتظار العرفان ، كان يخلق لها أسقاما للروح ، وأمراضا للفؤاد ، سمعت الكثيرات من صديقاتها يسبغن الأوصاف الجميلة على تلاقي الجسدين ، لكنها حلمت باتحاد الروحين اولا ، ليؤدي الى تلاحم الجسدين باروع الصلات ، لم تجد احمد منصور كما توقعته جميل النفس هاديء الطباع ، بل كان عنيفا سريع الغضب ، يتفوه بالكلمات النابية المعبرة عن ضيق النفس ، والتسرع في الرد قبل اتضاح القصد من الكلام ، تحملت كل الصفات الحادة ، بصبر لذيذ ، وهي تنتظر ساعة الرقاد ، تنتعش الوردة وتنتظر غيثا يهطل من حبيب جميل ، يتعانقان ، يتبادلان القبل ، يتلاحمان في عزف أخاذ ، تصاحبه الموسيقى من اجمل الألحان ،لكن الحبيب وآسفاه ضنين بالوصال ، لايريد ان تتكرر اللقاءات الثملة ويقول انها تسارع في الاتيان بالعجز قبل الأوان ، وان عليهما ان يقتصدا في أوقات الغرام ، وان تكون ساعات الحب مرتين في الشهر ، ليحافظا على صحتهما قبل الأفول ، وان الترحيب الذي تبديه معيب جدا:
- من علمك هذا؟ اجدك قد جربت الحب قبل الزواج!
- هل عدنا الى الاتهامات مرة اخرى؟
- لاارى انك بريئة كما تقولين!
- لم اجرب الحب ، انما كنت أشتهي الوصال ÷، ولقد خشيت ان اجربه ، ولو كنت اعلم انك ستتهمني لعشت قصة الحب ، كما تفعل الشجاعات من النساء!
- هل تعتبرين هذه الجرأة شجاعة؟
- حرمت نفسي من اجل ان يراني زوجي نظيفة من الخدوش ، ولكنك تتهمني!
- انك سريعة الاستجابة ، ما ان ألمسك حتى ارى الشهوة المستعرة في عينيك!
- وهل كنت تحب ان تقترن بامرأة باردة ؟
- لا أدري ، ربما الباردة افضل من شديدة الحرارة!
- وما العمل؟
- لا عمل الآن ، وقد يأتيك بالأخبار من لم تزودي!


(68)

أتساءل أحيانا هل باسمة بريئة كما تقول ؟ وهل ان بقاءها بعيدة عن الوصال جعلتها بهذه الرهافة ، ما ان اقترب منها حتى اجدها تشتعل ، كيف تعلمت ان تكون بمثل هذه الحرارة قرأت مرة ان حرمان المرأة من الحب قد يجعلها باردة لاتستجيب لمداعبات الحبيب ، وباسمة تدعي انها لم تعش قصة حب حقيقية ! كيف تأتى لها ان تكون بمثل هذه ؟ ، انها تجعلني ارى كل فنون الغرام ، وانا لااستطيع ان ابريء هذه المخلوقة التي وهبتني كل هذه العواطف ، ولم امنحها الا الشك والصدود ، اتعجب لحالة النساء ، كيف يصبرن على مثل هذه العلاقات ؟ وباسمة من اسرة نبيلة ، كانت موضع عنايتها ورعايتها منذ الطفولة ،وحتى شاء لها سوء طالعها ، ان تقترن بي ، احيانا افكر ، لماذا أسيء معاملة المرأة التي وهبتني نفسها ، هل لأنني نشأت في اسرة يحترمون فيها من يبرع في الصراخ ، ويرون ان طلباته اوامر ، يجب ان تطاع ، هذا انا ، اصرخ بلا سبب وأطالبها ان تغير نفسها وقناعاتها من اجلي ، انا الزاخر بالأخطاء ، المعدوم من الثقة ، الخالي من الجمال ! لماذا جعلت باسمة تجد التعاسة في يومها الأول معي ؟ لماذا لم احسن معاملتها ؟ وانا اجدها تشعل الشمعات العشر من اجل ارضائي ، سأدع هذه الأسئلة واعود الى سلوكي نفسه ، فهو يسعدني ، اليس من الثراء ان تجد زوجتك تهرح الى نيل رضاك عنها ؟ وانت تمعن في اذلالها وسلب راحتها النفسية ؟ لماذا انا هكذا ؟ هل انا سيء جدا ، بعضهم يقول انني طيب ، لكني لااحسن فن الكلام ، اتفوه بالكلمات القاسية ، رغبة في نشدان الهيبة ! أي هيبة أريد وأنا أصعب الحياة على رفيقتي فيها ؟ ولكن ما بالي اتهم نفسي ! وباسمة لن تحتج على سوء معاملتي لها ، ربما تجد ها دليلا على الرجولة التي لم تجربها قبلي، فلأمضي في حياتي ، غير وجل ، احب نهلة ، وتخدمني باسمة التي دللها اهلها ، وانا اسمعها قاسي الكلام ، واعيد عليها انني اشك بها ، وانها لم تكن عذراء ، لتكن مشيئتي المهيمنة ، ولتصبح باسمة امتي ، التي اصنع معها ما أشاء ، اهبها بعض اللحظات السعيدة ، واهجرها طوال العمر ، نهلة من اصبو الى رضاها عني ، فهي حبيبتي الوحيدة ، وباسمة تمهد لي طريق السعادة..

(69)

كما النهر الرقراق ينساب من بين يدي باسمة سعيد، تتبخر سويعات الهناء ، وتولي لحظات بهاء اليقين ، أكان حلما جميلا ، انتهى لحظة جفاها الكرى ، وحل بأيامها سهاد مرير ، لماذا تتراءى لها البهجة ، كسراب شمس قائظة ، يسيل فيها من القلوب تعب غزير ، لا طاقة لها باحتماله ، وتتوالى عليها كؤوس الهم والعناء ، تتجرعها حتى الثمالة ، ضاعت كل أحلامها ، وولت طيور الفرح، جارية من أرضها الجدباء ، لتحل في حقول أخرى تعرف ما معنى السرور ، لمَ يهجر المرء فيها غناء العنادل ؟، إلى عواء متواصل كئيب ، أية لعنة حلت ببابها ، فأحالت سنابل قمحها إلى عجاف ، تركتها الأيام ثكلى ، ودعت المسرات في دنيا بعيدة ، وحان لها أن ترتوي من ماء أجاج ...
لمَ تهزم الأيام وتعبس الليالي ؟ أليست الحياة مدا وجزرا ، وفرصا سانحة ، يحسن الفطن اقتناصها ، ليفوز باللذات ، وينأى عن الكآبة والضياع ؟ وأية لذات تحلم بها ، وكأس الحنظل يفتح فاه مرحبا ، شامتا بما حل بأرضها من جفاف .....يصدأ عندها الشعور ، وتهرب النعم ميممة وجهها، صوب شاطئ بعيد
بطاقة تهنئة بالعيد ، وامرأة تلوح بفخر، تتصاغر أمام فتنتها الحسناوات ، وصدر ناهد مرمري ، عاري ، وشعر ينسدل بتراخ فوق الكتفين ، وكلمات قليلة مخطوطة بقلم أنيق :
- اذكرني ، كلما لاحت لك صورتي ...
تؤخذ باسمة على حين غرة ، هل أهرق احدهم فوقها ماء ثلج ؟ لم تحسب أن هذه اللحظة آتية ، وان قناديل حياتها توشك على الانطفاء ، وهي ما زالت في شهور العرس الأولى ،ريح عاتية ، تتلاعب بها ، تكون ريشة في مهبها ، من هي المهيمنة على هذا المشهد المسرحي ؟، تصدر أوامرها ،فيسارع الملبّون بالطاعة ؟ وباسمة ؟ تتنكر القوى الفاعلة ، وكأنها نقطة في بحر عميق الغور ، تطول حيرتها لمَ كل هذا ؟ من تكون هذه ؟ وكيف مرت بحياتها المسهدة الكئيبة ؟ وكيف لا يخطر في بالها ، انه يمكن أن تقابل تضحياتها الجسام بالنكران المبين ، وتقابل أعمالها الناصعة بالهزء ؟ ولمَ تتحول أيامها إلى علقم ؟ وعلام تقابل حسناتها بالسيئات ، ولمَ لا يكون الجزاء من جنس العمل ، وماذا جنت باسمة لتتضاعف على أم رأسها اللعنات ، ويسقونها شراب الحنظل ؟وكانت المحسنة دائما..
تستبد بها التساؤلات ، أي بحر متلاطم الأمواج ، رموها فيه ، وابعدوا عنها قوارب النجاة ، لمن تتوجه طالبة الإحسان، وقد سدت السبل بوجها ؟
قد تكون الخاطئة ؟ لماذا سمحت للأفعى أن تكون قريبة منها ؟ ألم تخش من انقلابها وتلون أفعالها ؟
أتكون بطاقة يتيمة ، قد أثارت بها فيضان المخاوف هذا ، وأغرقتها في يم لا شاطئ له ، وكيف يمكن لها أن تعلم ؟ قد تكون العديد من البطاقات الواعدة ، تسيل أحلاما ، وتجعل الأرض تميد تحتها ؟ ، ألم يصاحبها أفعال تعزز لغتها المطمئنة ؟ من جعل الحسناء بهذه الثقة ، وزرع في نفسها جذور اليقين ؟
تتقلب في بحر من الجمر تتلاطم فيه الأمواج ، أفكارها تضطرب في لجة عميقة الغور، عساها تهتدي إلى قرار ، وكيف يمكن لمن لا يحسن السباحة ، أن يعرف طبيعة البحار ، وسر الأمواج المتصارعة فيها ، هل ضاع كل ما بنته ؟ وتحملت تبعات أعمالها طوال هذه الشهور، هل خطر في بالها انه مثلها ، قُدّ من وفاء ؟
لن تنهزم ، هل تمنحه هدية للراغبات، وهي ساغبة تنظر ، ومن يعيده إليها؟ ، تتفرج... لا حول لها ولا قوة ، هل ضاعت الآن الفرص ؟ أليس بإمكانها تدارك الأمر ، ما زالت الحكاية في بدايتها ، فلتناضل لاسترجاع حقها...
صديقتها السعيدة لديها ما ترنو إليه النفس ، مشاهد آسرة ،وأفلام أكيد مفعولها ، عن كيفية إعادة الهاربين من أعشاشهم الصغيرة ، تشاهد باسمة ما قدمته لها الصديقة ، وتقلد المشاهد ببراعة ، وكأنها بطلة القصة ، تبث الرغبة في نفس أرهقتها صروف الحياة ، تقبل رجلها وتناجيه وتناغيه ، ينهض الحبيب ملبيا ، وتتحقق لها رغبتها ، انتصرت على من يريد بها شرا ، ولكن الفرحة العارمة ما تلبث أن تنقلب وبالا ، لتحط على رأسها ، وهي في منتصف الطريق لتحقيق حلمها الطويل ، والانتصار على من سلب منها جمال الحياة ، واسترداد واهب النعيم ، وساقي اللذات :
- كيف تأتى لك المهارة بهذا الفن ؟ من علمك ؟ هل أكون أنا آخر من يعلم ؟ ..


( 70)
كيف وقعت البطاقة بيد باسمة؟ وكيف يمكن لها ان تقرأ البطاقات المرسلة لي؟ عليها ان تنظف مكتبي وتعتني بالأوراق المتراكمة عليه وعلى الأرض، دون ان تقرأ ما تتضمن تلك الأوراق ، كيف اتت لها الجرأة لتبحث عمن بعثت البطاقة ، وانا كنت اريدها عمياء ، في عملي توجد نساء عديدات ،أرتبط بصداقة معهن ، فهل من المعقول الا أستلم بطاقات الاعجاب منهن ؟ هل ارفض محبتهن ؟ هل يمكن هذا للرجل الناجح ، هل انا امرأة حتى اعتذر عن استلام بطاقات المحبة والاعجاب لأني مرتبطة بعقد زواج؟ لن يسمح الرجل بتقييد حريته ، وهو حر ان يفعل ما يشاء ، يحب من يريد من النساء ويرسل بطاقات الحب اليهن ، هل امنع النساء عن محبتي وانا الرجل المحبوب ذو الجاذبية كما تصفني النساء ، وباسمة محظوظة انها ارتبطت بي ، عليها ان تكون سعيدة ، فأنا زوجها بعقد شهد عليه اثنان ، والأخريات يبادلنني المحبة ، دون ان تتنتظر مني احداهن شيئا الا اللطف في المعاملة ، هل اتنكر لما يبدينه من مودة يحسدني عليها الأصدقاء ، كلهم يغبطونني على عدد النساء اللاتي يمحظنني حبا فريدا لاامل فيه ولا رجاء ، ويبعثن لي بطاقاتهن المعبرة عن شدة الاعجاب والوجد...
، وباسمة بعد ان رأت البطاقة غضبت ، كيف احب اخريات وانا زوجها ؟ وهل حجرت على حريتي بكونها زوجتي ؟ لم تكن تدري ان هناك عدد من البطاقات الأخرى اكثر جراة من تلك التي وقعت في يديها ، ونحن اتفقنا في بداية الزواج الا يفتش احدنا في أوراق الآخر :
- كيف سمحت لنفسك ان تبحثي في أوراقي ؟ انا لم اعرف ماذا تخبيء أوراقك من قصص لاتريدين افشاءها ! هل تعتبين على بطاقة استلمتها من احدى النساء ، وانا اجد الكثيرين من الرجال يعجبون بك ! هل عاتبتك يوما ، هل وجدت انني اخذت ابحث في ادراج مكتبك عما يتهمك من قصص الاعجاب التي تتلقينها من عدد من الرجال ، لك حياتك ولي حياتي ، وان كنا نعيش سوية في منزل مشترك! لا تفتشي في كتبي ودفاتري وانا ايضا لن ابحث عما يشينك في كتبك ، لسنا طفلين ، ونحن ناضجان ، يمكنك ان تحبي من تشائين ، ولا اجد في ذلك ما يخدش كرامتي..
سكتت باسمة ولم تعد الا اتهامي مرات اخر ، رغم اني ما تركت معاشرة النساء ، وبقيتُ استلم بطاقات الحب والاعجاب منهن ، وان كنت احب واحدة هي نهلة ، لكن غضب باسمة المفتعل جعلني اثور على تدخلها في شؤوني ، لتصمت هذه المرأة ولتترك عادة ان تدخل انفها فيما لايعنيها ، وانا أدرك انها لاتعرف رجلا غيري ، الا انني شئت الا تتوهم ان لها حجما اكبر من حقيقتها فانا الرجل وعليها طاعتي..
(71)

المصاعب تتراكم على باسمة سعيد ، واحمد منصور يأتي باغلب تلك الصعاب ، لاتدري باسمة اهو قصد منه ام سوء تدبير ؟ يلومه الأصحاب كيف يمكن ان يتخلى عن المرأة التي احبته كل هذا الحب؟ كانت تظن انه يخلص لها كما هي تحفظ له حقوقه في حضوره والغياب تقول لها صديقتها :
- الرجال كلهم خائنون سيئون ، لاينفع معهم الاخلاص..
- ليس كلهم ، حرام ان نتهم الجميع بصفات البعض!
- أتعرفين ان احمد يخونك مع اية امرأة يجد عندها القبول؟
- لا ارى ذلك ، يمكن انني من شدة انشغالي بعملي وانهماكي بأشغال البيت ، جعلته يشعر انه وحيد مهمل!
- انك لم تقصري ، ماذا يمكن ان تفعلي ؟ وزوجك فقد عمله لأنه كان كثير الغياب؟ اتكل عليك ووجدك مجتهدة في عملك ، حريصة على نجاحك فأكثر من اهماله ، مما اثار استغراب من كان يعرفه قبل زواجه ، بعض الرجال لايطيقون نجاح زوجاتهم ، فيسببون لها المتاعب ، ويضعون المصاعب في طريقها ، كي تفشل في عملها ، ليدعوا ان المرأة من طبيعتها الفشل ، وحين يجدون الزوجة لاتبالي بما يبذلونه من جهود لافشال مساعيها ، وجعلها تفشل في العمل الذي كانت تتقنه قبل الزواج ، فيحزنون ، ويصيبهم التوتر ، ويكثرون التغيب عن عملهم ، وحين يعاقبون على التقصير في العمل بالاعفاء منه ، يعاقبون الزوجة الناجحة بخيانتها مع كل امرأة..
- لكني رغم فقدانه العمل ، لااشك به ،انه لا يخونني!
- لأنك امرأة وفية ، ومن الخطأ جدا ان نظن ان الناس مثلنا ، فان كنت تتصفين بالاخلاص ، فلا يعني هذا ان زوجك مخلص ايضا.
- وكيف يمكنك ان تتهميه بالخيانة ؟ ألا يمكن انه بريء منها؟
- عندي الدلائل ، وقد رغبت في البداية ان اخبيء الحقيقة عنك ، لئلا اسبب لك حزنا ، فانت صديقتي وعزيزة على نفسي، كما تعلمين ، زوجك عزيزتي يصادق كل النساء الا انت زوجته ، فهو بعيد عنك ، يسير متأبطا النساء اللاتي يقول انهن صديقاته ، تاركا اياك تكدحين من اجل الحصول على طعامكما وشرابكما ولباسكما .
- هذا من واجبي ، لأنه فقد عمله!
- ولماذا فقد عمله ؟ أليس بسبب تقصيره بالمحافظة على العمل وصيانته؟
- ربما بذل جهده ولم ينجح!
- لم يبذل! انه الان مسرور ، يجعلك تشقين للقيام بواجبه وواجب المرأة بوقت واحد!
وهو يتفسح مع النساء ، اية لعنة هذه ؟ لماذا تصمتين ؟
- وماذا يمكنني ان افعل؟
- ثوري! وهدديه ان واصل صداقاته مع النساء فانك سوف تهجرينه!
- لا أظن ان تهديدي سوف ينفعني ، طالبته بالطلاق فلم يوافق!
- انت تعرفينه اذن ! صديقتي العزيزة ، لماذا تستمر معاناتك؟
- لأننا في العراق لايمكن للمرأة ان تطالب بالطلاق ، هذا الحق بيد الرجل دائما ، واحمد لن يطلقني لأنني المعيلة والخادمة والقائمة بكل المهام!
- وهل كنت تعرفين كل تصرفاته؟ ورغم هذا تصمتين ؟
- نعم وقلبي يتمزق ، لأنني احببت رجلا بائسا ، أراني النجوم في عز الظهر ، وجعلني اشرب المر واتذوق العلقم ، ليس كلهم صديقتي العزيزة ، يوجد الحنون والشجاع ولكن احمد اراه الان يخلو من كل الصفات التي احببته من اجلها..
- هل تواصلين الحياة معه؟
- انتظر ان يتحسن..
- وكيف تأملين ذلك ؟
- يمكنني ان أصبر على كل شيء ، الا حرماني ان اكون اما..
- وهل هو لايحب الأطفال ؟.


- طالبته عددا من المرات بحقي بالامومة ، لكنه طالب بتأجيل الأمر
- ولماذا يريد التأجيل ؟
- يقول ان ظروفنا الاقتصادية لاتسمح بالانجاب في الوقت الحاضر..وعلينا ان ننتظر ريثما يجد هملا بديلا..
- وهل ستواصلين الصمت على حرمانك من حقك في الطفل؟
- لن أصمت ! سأغير كل شيء....


(72)
أخذت علاقتي بباسمة تسير في طريق مسدود، لم تعد الانسانة الهادئة التي تصبر على كل شيء، وبدأت تطالب ببعض الحقوق ، التي ما كنت أظن انها ستتجرأ على المطالبة بها ، ، ارادت ان نتساوى بالانفاق على متطلبات الأسرة، وانني يجب أن اجتهد للحصول على عمل جديد ، بدلا عن العمل الذي فقدته ، لم تر انه من واجب والديها ان يساعدا في تلبية حاجاتنا المالية:
- كيف تطالبين بالمساواة وانت ترفضين ان تساعدي اسرتي؟
- وهل استمر في المساعدة وانا قد تعبت ، منذ زواجنا وانا انفق على اسرتك..
- هل تعيرينني بفقر اسرتي يا امرأة؟
- ، لا أعيرك ، ولكنك لم تبحث عن عمل بديل..
- ماذا افعل ؟ سدت الأبواب في وجهي..
- الأبواب نحن نفتحها ، لكنك لم تحاول ، وبقيت معتمدا على عملي..
- وما الضير في ذلك ؟ وانت تدعين المساواة ؟
- وهل المساواة تعطيك حقا ان تستغلني ؟

- اصبري حتى يمكننني ان اعود الى عملي السابق ، فأنا احبه كما تعلمين ..
- جد عملا مناسبا.
- انفقي على اهلي كما كنت تفعلين..
- يمكن ان اتحمل ذلك ، ان وافقت على أن ننجب طفلا..
- انت تعرفين انني لااحب الأطفال..
- لكنني احبهم ، واريد ان اصبح اما..
- لماذا نأتي بطفل في وقتنا الصعب هذا؟
- ان لم توافق سوف اطالب بالطلاق..
- لا أحد يعطيك الحق بالطلاق الا ان وافقت انا..
- القاضي يمنحني الحق..
- اصبري قليلا ، وسوف ننجب الطفل الذي تحبين..
- متى ؟
- حين تتحسن الظروف.
- نحن من يحسن ظروفه بالعمل ، ابحث عن عمل ، وستكون ظروفنا كما نشاء..

(73)
يتأخر احمد منصور في العودة الى المنزل ، فتقلق عليه باسمة سعيد ، فيطول انتظارها ، وتصبح نهبا لأفكار شتى ، تأخذها يمينا وشمالا ، هل ذهب الى احد الأصدقاء ، او احد الأقرباء؟ ولماذا لم يخبرها ؟ كان عليه ان ينبئها بامر زيارته لأحد معارفه، وهي الان لاتعلم عن زوجها شيئا ، تراه غامضا جدا ، وتظن انه يخبيء عنها امورا عديدة ، لاتعلم كنهها ، وتود لو عرفت ، تحب ان تعلم اي رجل سعت للاقتران به بعد نضال شاق ، وكانت تأمل انه سوف يدخلها الجنة ، واذا بها تتقلب على نار الشك والقلق المتواصل ، الذي يجعلها دائمة الحيرة ، ماذا يمكنها ان تفعل امام هذا الظلام الدامس الذي يحيط بحياتها ، ويتركها عاجزة عن اخذ زمام المبادرة ، هي الانسانة القوية ، التي عرفها الناس بعزمها واجتهادها ، تجد نفسها مخلوقة حائرة ضعيفة ، هل صدق الذين زعموا ان المرأة في الشرق تصبح اداة بيد زوجها ، يوجهها الى اين يريد ، مهما كانت شخصيتها قوية ، وبرع اهلها في غرس صفات الشجاعة والنبل وكرم الاخلاق داخل نفسها ، المعارف كلهم اجمعوا ان باسمة سعيدة ، انسانة مثقفة تعرف كيف تدافع عن نفسها ، وانه ليس بمقدور احد ان يضع القيود حول حياتها ، دون ان تتمكن من ازالتها ، وانها قد جربت الكثير من المصاعب ، استطاعت ان تجتازها ، وان تزيلها من حياتها ، لتتمتع بالحرية المسؤولة التي تسعى اليها ، ولكنها اليوم ترى انها قد فشلت في ايقاف نزيف الصعوبات التي تكتم على انفاسها ، وتتركها خائرة القوى ، مبددة العزيمة ، تدرك انها احبت احمد منصور بكل ما تحمل في قلبها من مشاعر وفي عقلها من افكار ، ولكن احمد هذا قد بدد آمالها في الحب والحرية ، وانه لايختلف عن الملايين من الرجال ، الذين يدعون فكرا تقدميا ، لكنهم في الحقيقة اشد رجعية من اجدادهم ، واكثر اصرارا على تكبيل المرأة ، وسلبها طاقتها وقدرتها على مقاومة ما يريدون..
يطول تأخر احمد منصور ولا تدري باسمة سعيد ما الذي يجب ان تفعله ؟ هل يمكن ان زوجها قد أصيب بمكروه ، او تعرض لحادث سيء ، هل تظل صامتة تنتظر ان يعود؟ ام يبادر بعمل ينهي متاعبها هذه الليلة ، ويقضي على تساؤلاتها ، وينهي ما تشعر به من آلام ؟ لكن ماذا تفعل؟ وهو لم يخبرها بشيء ؟ هل تتصل هاتفيا ؟ وبمن يمكنها ان تتصل ؟ اتصلت بزوجها مرارا دون ان تظفر بجواب! هل تتصل باحد أصدقائه المقربين ؟ انها واثقة انه سوف يثور غاضبا ان اتصلت بأحد ! ولكنها حيرى هذه الليلة..
تحزم باسمة سعيد امرها ، وتقرر ان تذهب الى شقة اخ زوجها العازب، الذي اعتاد زوجها ان يذهب اليه شاكيا من زواجه التعيس كما يحلو له دائما ان يصف الاقتران بها ،
-كل المشاكل تأتي من زوجتك التي تقول انها مثقفة!
- ليس كلها .. بعض متاعبي منها!
- -ألم تخبرني انها فضولية ، تبحث في اوراقك عما يؤيد شكوكك ؟
- تبحث احيانا ، كما ابحث عما يريبني دائما..
- ألم انصحك ان تقتدي بي ؟ فأنا لا أثق بالنساء !
سمعت باسمة حديث الاخوين صدفة ، ووجدت زوجها يقلد أخاه في كل الأمور ..
سوف تذهب الى شقة الأخ ، أكبر الاحتمالات ان زوجها هناك..
تصل الشقة وتدق الجرس ، تنظر من العين السحرية ، وترى ثمة اشخاص قد اغلقوا مجال الرؤية ، بعد فترة يفتح الباب ، تسلم على اخ زوجها وتدخل ، ترى المائدة منصوبة، وعليها اربعة أقداح فيها شراب نبيذ احمر ، وبجنبها صحون فيها المكسرات واللبلبي والخس ، يخرج زوجها من احد الغرف وهو يرتدي الشورت القصير ، الذي تعرفه عائدا للأخ...
يرى الزوج علامات الاستياء واضحة على محيا زوجته ، فيبادرها صارخا:
- لماذا لحقت بي الى هنا ؟ كل الوقت وانت تشكين بي؟

(74)
طالبتني ان تكون اما ، رغم عدم رغبتي بانجاب تعيس جديد ، يضاف الى جيش المأزومين الفاشلين ، وهددت انها سوف تلجأ للقضاء في حالة عدم موافقتي على طلبها ، اخبرتها انني موافق لئلا تزداد نقمتها علي ÷، فأنا رغم عدم حبي لها لا ارغب ان تغادر حياتي وتطلب الطلاق ، لكنها كالعادة أخذت تقلق علي ذلك القلق المرضي ، عرفت عنها انها لاتطيق فراقي ، ويصيبها الخوف ان تأخرت في عودتي الى المنزل ، تدرك ان حياتنا ليست آمنة / واننا مهددون ، بالتوقيف والتعقب وتأويل الكلمات البريئة التي نتفوه بها ، لم اكن اعلم انها سوف تتبعني أينما ذهبت وان داء الشك القاتل يستبد بها ، ما ان ذهبت الى منزل شقيقي العازب ، والمعروف عنه بشدة اللهو حتى اتت الى المنزل ، كانت هناك امرأتان واخي وانا ، وضع اخي كؤوس النبيذ على المائدة ، صنعت الفتاتان الجاجيك والسلطات وكان اخي قد اشترى اللبلبي والكرزات ، بعد ان لعبت الخمرة بما تبقى من العقول ، دحل اخي مع اجمل الفتاتين الى الغرفة الكبيرة في منزله ، بقيت وحدي مع الفتاة الثانية ، التي لاتتمتع بأي مسحة من الجمال وطلبت مني:
- ونحن ماذا نفعل؟
- ماتحبين...
- لنذهب الى الغرفة الثانية في المنزل!
- لنذهب..
- لم اجرب الحب معك..
- وهل جربته مع الجميع ؟
- كيف الجميع ؟
- لااعني ما تقصدين .. آسف حقا..
دخلت الغرفة معها ، وهي من قام بكل شيء ، لم تسعدني لمساتها ، ثم سمعنا دقات متكررة على الباب ، ذهب اخي لرؤية من يكون الطارق ، وعاد الي مسرعا:
- زوجتك..
ارتدى ملابسه بسرعة ، و فتح الباب ، شاهدت باسمة الكؤوس الأربعة على المائدة ، ونظرت باستنكار الى صحون المزة ، قرأ اخي ما يجول بخاطرها ، ثم خرجت انا من الغرفة مرتديا شورت اخي ، وطلبت من مرافقتي ان تظل في الغرفة والا تخرج منها ، كنت اعرف ان باسمة لن تطيل بقاءها في المنزل، وسوف تعود الى منزلنا وهي متوترة ، فقد تأكد لها بالبرهان الساطع انني مثل اخي تماما زير نساء ، حصل ما توقعت وعادت باسمة ، ولم اعد انا:
- هذه المرأة بحاجة الى تأديب!
- لماذا ؟
- كيف سمحت لها نفسها ان تتعقب خطواتك؟ هل كانت تتوقع ان يرفض رجل نداء امرأة حارة الدماء مثل حسناء ،وبخها على تصرفها الطائش ، ونفذت نصيحة اخي وعدت غاضبا الى المنزل:
- لماذا تشكين بي ؟ هل تبعتك يوما ؟ وانا لا أعرف اين تذهبين كل يوم ؟
(75)

شرحت باسمة سعيد لطالباتها حقوق المرأة ، وبينت ان النساء يجب ان يناضلن طويلا من اجل الوصول الى تلك الحقوق ، التي نجد طريقها شائكا ، تعترضه الصعوبات ، وعلينا ان نجتاز تلك المصاعب ، كي ننعم بالدنيا ونحقق السعادة..
سألت بعض الطالبات:
- كيف نحقق ما نطمح اليه ، ونحن وحيدات بلا معين؟
- لسنا وحيدات ! الرجل بجانب قضيتنا العادلة ، وقف معنا الأب والأخ والحبيب والزوج ، واستطعنا ان نحقق بعض ما نتطلع اليه..
- لا أظن اننا نجحنا!
- لابد من التفاؤل ، الذي يراه علماء الاجتماع موصلا الى نصف الطريق!
- ماذا تقصدين أستاذة باسمة ؟
- أعني ان المناضلين من أجل ما يرونه حقا لهم ، ينبغي ان يكونوا متفائلين ، لأن التشاؤم لايفضي الى حل..
- اعرف انك ناضلت طويلا استاذتي الغالية ، هل نجحت في تحقيق مراميك؟
- نجحت الكثيرات في الوصول الى احلامهن ..
- وأنت ؟
- ربما انا طموحة اكثر من الأخريات!
- اللاتي لم يعملن شيئا نراهن في سعادة كبيرة!
- ليس دائما!
- مجتمعنا هذا يفضل الخانعات ، ويستجيب لارادة الخاملات!
- أراكن اليوم يائسات ! لماذا يا حبيباتي؟
- لانريد ان نخبرك ! لئلا نتسبب في اثارة احزانك!
- ماذا جرى ؟ كلامكن اليوم غامض!
- نريد ان نسألك استاذتنا العزيزة : هل تحقق شيئا من آمالك في الحب والحرية والعدالة؟
- هذه الحقوق تحتاج الى قوانين تدافع عنها ، وتعمل على اثباتها!
- لانسألك عن الحرية والعدالة اللتين تتحققان بالقانون!
- عن أي شيء تسألنني؟
- عن الحب والمساواة في المعاملة !
- ماذا تعنين عزيزتي أحلام؟
- هل يمكن ان تشعري ان حقوقك في الحب قد تحققت ، وزوجك كل يوم يسير مع امرأة؟ نراه يتمشى مع النساء وايديهما متشابكة ، وأنت منهمكة في اشغال المنزل ، وتحسين دخل الأسرة؟ هل توصلت الى حقوقك ، لتناضلي من اجل حقوق النساء؟
- ربما حالتنا ليست عامة ، هناك الكثير من الأسر السعيدة ، ينتشر الحب بين الزوجين ، ويقومان معا بالانفاق على الأولاد ويتعاونان بالأشغال المنزلية. لاتنظرن الى حالتي فقط ، ادرسن قصص المتزوجين ، واصدرن احكامكن ..
- هل كنت تعلمين استاذتنا ؟
- طبيعي ان الزوجة تدرك بتغير عواطف زوجها نحوها .
- مع الأسف .. تشقين في الحياة ، وهو يلعب ويتسلى ، ضاربا مشاعرك بعرض الحائط
- لست وحدي التي تعاني ، هناك من يعشن مثلي ، محرومات من الحقوق ، مع زوج لايبالي بما يقمن به من تضحيات.
- وكيف تتحملين هذه المعاناة استاذتنا الحبيبة؟
- انتظر ان تتحسن تصرفاته بعد فترة!
يبتدعها زوجها ليتمتع مع النساء الكثيرات ، وكثيرا ما تسأل نفسها ، دون ان تتوصل للجواب :
- لماذا يصر احمد منصور على اساءة معاملتي وهو يراني بمثل هذا النكران للذات ؟ وهل انا ضعيفة جدا ، لاأستطيع ان أضع حدا لظلمه؟
(76)
كل الكلام الخيالي الذي نسمعه عن المساواة تكرره باسمة امام طالباتها المراهقات ، من الرجل الذي يتنكر لرجولته في غسل الصحون وتنظيف البلاط ؟ من الرجل الذي يدنس نفسه في تنظيف ا لملابس وكيها ، ومن من الرجال يسمح ان يعود الى منزله ويجد ان الطعام لم ينضج بعد ، وان كؤوس الشاي لم تغسل منذ الصباح ، وان ادوات الحلاقة التي يستعملها بقيت في مكانها ولم تنظف ؟ من الرجل الذي يرضى ان يحرم من السهر مع أصدقائه ؟ من الرجل الذي يحرص على رضا زوجته ؟ ماذا يمكن أن تفعل الزوجة ان وجدت زوجها ليس مهتما بها ؟ لتضرب رأسها بالحائط وتخرس . ماذا افعل انا ان كانت زوجتي مدرسة عليها ان تصحح اوراق طالباتها ، وان تضع الأسئلة للامتحانات الشهرية والفصلية ونصف العام ونهاية العام ، ماذا افعل ان تم فصلي من العمل ، هي لاتصدق ان الفصل تم لأسباب سياسية رغم اني ذكرت لها ذلك ، هي محظوظة انها ارتبطت برجل مثلي ، لايحاسبها كثيرا ان رفضت مشاركتي الفراش ، تقول لابد من ا لمداعبة قبل العمل ، وانا زهقت من كلامها المنمق الذي تردده من غير مناسبة ، انا مظلوم يا ناس ، لماذا لايحق للرجل ان يشكو وانا التعيس الذي تزوج مدرسة تعلم طالباتها العصيان والثورة ضد الرجال ، اي امرأة شاء سوء حظي ان ارتبط بها ؟ معها مصرف البيت وهي تشكو انها لم تستطع ان تشتري براتبها ما تحب ان تهيئه لوجباتنا الثلاثة ، نحن اثنان فقط ، احيانا يزورنا اخي مع احدى النساء ، فتكون الطامة الكبرى وترعد الدنيا وتزبد ، وكأنني انا من اتيت بالنساء الى منزلها ، أليس من حقي ان يزورنا اخي مع المرأة التي يريد :
- زوجتك متسلطة ، من حسن حظي انني لم اتزوج!
- انها متعبة فقط..
- وهل تضع تعبها على اكتافنا؟ ما شأننا نحن؟
- هي تتعب بالعمل ..
- السبب انك لست رجلا ، لتريها العين الحمراء..

(77)

تستبد الحيرة بباسمة سعيد ، ويسلب راحتها القلق، ايمكن ان يكون التباين بين حقيقة الانسان وبين ما يظهره للناس بهذه القوة ، هل يتظاهر احمد منصور بما ليس فيه ، ام انها طبيعة اي منا ، يظهر ما يراه جميلا ، دون ان يكون بمقدوره ان يتمتع به ، يثيرها العجب مما يقوم به للحصول على اعجاب النساء ، وتخلو حياتهما المشتركة من كل جميل ، تسمع عبارات الاستحسان تقولها سيدات محترمات لزوج لايعرف حقوق زوجته ، ولا يسمح لها بالتمتع بالجمال ، يحصي عليها حركاتها ، ويدعي انه مناصر لحقوق المرأة ، هل يجدها امرأة حقا ، ام ان عفله يجردها من صفات الانوثة التي يراها في كل النساء ، الا باسمة سعيد ، التي تنتظر اوبته في كل مساء ، لتسمع منه كلمة واحدة ، تحثها على مواصلة الحياة مع امريء تزوجته لأنها وثقت بحبه لها ، ثم اكتشفت ان قلبه خال من صفات الحب والاعجاب ، يطول سهرها وانتظارها لعودته ، لكنه يرجع مخمورا ، وقد أسرف في الشراب ، فيفسد عليها ليلتها ، ويجعلها تتمنى الا تكون قد عرفته ، او وقعت في حبائله ، يمدحه جميع معارفه واصدقائه من الجنسين ، ويسبغون عليه اجمل الصفات ، التي لاتراها ، وهي التي تحبه ، كيف وقعت في حبه ؟ وكيف ظنت انه يبادلها عاطفتها ؟ كان ذلك سرابا رافقها طول الوقت..
تستمع باسمة الى اقوال اصدقائه :
- احمد رجل كامل ، يتمتع بكل ما تحبه المرأة من صفات !
- انه رجل رائع لكنك لاتعرفين قدره !
- طبيعي ان يعرف الرجل نساء عديدات فهل تريدين ان يكون امرأة؟
- انت تظلمين الرجل الجميل معك ! لماذا اقدمت على الزواج منه ؟
- عشرات النساء يرغبن بالارتباط بأحمد وانت لاتعرفين شمائله!
- ان كنت لاتحبينه ، ليعد الي ، طوال عمري وانا متيمة بوسامته..
- انت تطلبين صفات ليست موجودة ! اتقي الله ولا تكثري الشكوى!
تقرر باسمة سعيد الا تشكو بعد اليوم ، وان تظهر السعادة ، ولا تجعل علامات الحزن تبدو عليها ، ترتدي ملابسها الجميلة ، وترسم ابتسامة السعادة على محياها .ز
يطول انتظارها ، ولا عودة للزوج الغائب ، وحين يقترب الفجر يرجع وقد انهكه الشراب:
-انت حجرة ثقيلة في طريق سعادتي!
تلجم المفاجأة باسمة سعيد ، ويصيبها الخرس ، وتقع على الأرض ، تسمع اشخاص يتحدثون وصوته تسمعه بوضوح:
- لم اقل لها شيئا ووقعت على الأرض..كنت اظن انها امرأة ، واذا بها مخلوقة من قش

(78)

حدثت باسمة سعيد صديقتها اسماء عن معاناتها وعن ارغامها على ان تقول ما لن تعتقد بصحته ، وان من كانت تظن انه حبيبها يجعلها تصرح امام الناس بامور ليست حقيقية ، واصلت باسمة حديثها عن الألم المكبوت: وكيف تحدثت للحاضرين في جمعية الدفاع عن حقوق النساء
يسرني سيداتي ان أقص عليكن حكايتي ، رغم انني لا أحب إلقاء المحاضرات ولا أحبذ قولها ولكني مغلوبة على أمري أنفذ مشيئة الآخرين وامتثل لأوامرهم
كلفت هذا اليوم بهذا الواجب ، ساعدنني كيف ابدأ ، حسنا امرني ان القي على مسامعكن تجربتي الطويلة والدروس التي استخلصتها طيلة سنين عمري السعيدة ، صه ، لقد ذهب ، لنتكلم بصراحة ، طلب مني ان أتحدث عن تجربتي الخاصة وعن المساواة التي نعمت بظلها ، ولقد ابتعد الان ...... وهذه الجلسة نسائية ، سأكون صريحة معكن وأتحدث بلا أكاذيب أو اختلا قات وعندما ترينه مقبلا اخبرنني كي اخذ حذري وأعود إلى حديثي المرسوم والمقرر ، بلا مساواة ولا بطيخ في مجتمعاتنا العربية لا تجعلن صوت المكر يفون عاليا ، فانا لا أطيق إسماع كلماتي لمن كان خارج هذه القاعة ، انتن فقط من أزمع محادثتهن بأمري
هل ذهب ؟ أصدقنني القول ، لم يعد في طاقتي احتمال الصراخ المستمر والزعيق ، أريد ان أحيا بسلام ، هل جربت إحداكن المساواة ؟ هل عاملها زوجها معاملة الند للند ؟ أنت يا سيدتي ؟ لعلك قد تزوجت حديثا ولم تري شيئا بعد من الدنيا ، انا كنت مثلك في مستهل زواجي ، حيث أجنحة الحب ترفرف علينا ، ورحيق الخمرة يسكرنا ، في ذلك الزمن السحيق حيث كنا عاشقين ، ارفعي صوتك ، لم اسمع ما تريدين قوله ، صمت من فضلكن ، ماذا هل تجدن في حديثي تناقضا ؟
اسمع أصوات خطوات تقترب ، لأخفض من صوتي ، لا أريد لأحد أن يسمعني ، فيساء فهمي ، والآن سأبدأ :
يسرني سيداتي آنساتي ..ان أقص عليكن حكايتي ، انا الزوجة والأم التي مضى على زواجها ثلاثة عقود كاملة ، لم يرتفع خلال هذه الفترة الطويلة صوت لي ، لم أتذمر ، لم أشك من سوء طالعي ، او أندب تعثر حظي ، قضيت هذه الأعوام وأنا شبه راضية ، وان لم أكن سعيدة ، فلماذا أشكو ؟ وماذا يصنع لي التذمر ، هل يغير إظهار الألم شيئا من واقع الحال ، أليس من المحال تحسين الأحوال ؟ هل تسألنني كيف استطعت التغلب على مصاعبي ؟ وما هي الطرق التي سلكتها ؟ لن أكون قدوة ، لكن ، آنساتي ، لكل جيل قوانينه ، كنت هادئة دوما ابتسم بوجه العاصفة واخفض لها رأسي وجسدي ،، وحتى روحي ، حتى تمر بسلام ، لم أغضب ، ولم الغضب ؟ لاشيء يغير المكتوب ، حسنا ، غضبت في البداية وكنت اشعر بضياع عمري ، وان حبي قد تبدد ، وكنت أسال نفسي أحيانا كيف استطاع برعونته أن يئد إحساسي بالحب نحوه ، لم يعد يسمعني الكلمات الحلوة التي ترغب بها روحي وكان يعاملني بغلظة أتساءل أحيانا من أين أتى بها ، وحين أحاول ان اعبر عن حبي ، يصرخ بي هازئا ، وبعد أن أحبني وبادلته عواطفه ، وتزوجنا ، ومضت فترة بسيطة على الزواج ، اخذ يحب كل النساء ويظهر لهن المودة ، يقدم لهن الأمنيات والقبلات والهدايا الجميلة في أعياد ميلادهن ، ويأخذ ثمن الهدايا من نقودي ، وأنا أحيا منسية ، لم يتذكر عيد ميلادي ثم أمسى يسمعني القول أنني قد كبرت على مثل هذه الاحتفالات مع أننا في عمر واحد وأبدو أنا اصغر منه أحيانا إذا ما اهتممت بنفسي ،لم يعد يراني امرأته ، ومن أكون ؟ صه ، سكوت من فضلكن ، المراة كالوردة ، تذبل ان لم يتم ارواؤها ، وقد ذبلت انا وانتهى أمري وأصبحت أرى العالم اسود بشع السواد مظلما جهنميا ، والحب شجرة باسقة كثيفة الأغصان ، وارفة الظلال ، تسقط أغصانها ، وتذبل أوراقها وتتساقط مصفرة ، تذروها الرياح ، ان نسي ارواؤها ، في غمرة الإخفاقات التي نعيشها ، كنت أسال نفسي وماذا جنيت حتى يعاملني هكذا ولم أذنب ؟ بقيت اطرح هذا السؤال فترة طويلة من الوقت ، حتى أدركت انه لا جدوى من الأسئلة ،، وأنني أضحيت أتنفس برئة الآخرين وارى بعيونهم ، هو القدر ، جعلني أبدو هادئة ساكنة ، وداخلي يغلي كالمرجل، أكون أحيانا صماء بكماء وحتى عمياء ،حلمت مرارا برجل يحبني ويضمني بحرارة إليه ويقبلني ككل الرجال في العالم ، ولكن هل كانت أحلامي اكبر من طاقتي ؟ ، لا ادري ، كل الذي اعلمه انه لاشيء غير الحب يبعث الأمل في النفوس ،، ويجعلنا نناضل ونجاهد ونشعر أننا أقوياء نقهر كل الشرور ونتغلب عليها ، وأعيش الآن بلا حب ، حياتي باردة كالثلج ، أئن وأتوجع ولا يشعر احد بحالي ، أصبت بكل العلل التي يمكنكن تخيلها ، ماذا افعل وأنا انسانة تعبة ، منهكة ، ووحيدة اردد أغاني فريد الأطرش ولا يصفق لي السامعون ، مالي أراكن وقد علت ابتسامة الاستفهام على محياكن ؟ من منكن استطاعت ان تغبر اتجاه دفة السفينة ؟ هراء ما تدعيه بعضكن ، هل تزعمن المساواة ، أي مساواة تجدنها في العالم العربي ؟ أي القوانين تدعو الى المساواة في بلدانكن المنكوبة ؟ سأكمل لكن قصتي : كنت عاجزة عن النظر والنطق حتى تسير سفينتي بهدوء ، ولا تفقد الملاح قدرته على إدارة الدفة ، لا تنسين إخباري إذا ما لاح لكن احد الذكور ، هل أنا ضعيفة ؟ أبدا ، اشعر دوما أنني قوية ، المراة العربية تكتسب عادات زوجها وتتخلق بها بمرور الوقت ، وانتن كلكن هكذا أصبحتن مثل أزواجكن حين جمعكما عش الزوجية السعيد او التعيس لا ادري ، أرى ابتسامات ساخرة تعلو محياكن هل استحق الشفقة ؟ أبدا ، ما هذا ؟ أرى شخصا يشبهه يطل من بعيد ، له نفس الهيئة ، واثق من نفسه درجة الغرور ، وكأنه لا يقرب الخطأ ، أين هدوئي ؟ لقد تبدد ،،انه يرعبني ، ينسيني قوتي ، يسلبني اتزاني ، يقيدني ، ماذا تدعين يا سيدتي ؟أ تزعمين أنني لا أزال أحبه ، هراء . ما تقولونه هراء ، لماذا يفرض على المرأة ان تحب من نسيها ؟ ينبغي ان أتحلى بقوتي أن أجاهد ضعفي ؟ ولكن كيف ؟ لاحول لي ولا قوة ، يتظاهر بالهدوء ويسمعني كلماته المسمومة ، يلدغني ، سهامه تصيب مني مقتلا ، أجد نفسي مبتعدة عن الموضوع الرئيس ، وعلي ان أحدثكن عن تجربتي الناجحة وحياتي المترعة بالأفراح ، وعليكن أن تسمعنني ، وتقتدين بي ، ولكن انتبهن جيدا ، ربما يلوح علينا ، بابتسامته الصفراء ، ولكن ماذا جرى لي ؟ افقد اتزاني ، ويهجرني صبري ، ويحكمني جزعي ، الا أجد بينكن مهربا ؟ أحاطني الصمت بخيوطه العنكبوتية ، مكثت داخل شرنقتي ،، فأبديت موافقتي على ما يبديه وأنا أتلظى ، أبطن المعارضة ، ماذا حدث لي ؟لا أحب ارتفاع الأصوات ، ويرتبك ضغطي عند أدنى ارتفاع ، ابعدي جهاز التسجيل أيتها السيدة لا أود تسجيل حديثي ، إنني أغبطك على وضعك أيتها الآنسة ، علي ان ابدي أفكارا لا احملها وان أؤيد وجهات نظر لا اتفق معها ، انه هو ، يقترب ، ام انه الوهم ؟، أصدقنني القول ، عزيزاتي ، هل استطاعت إحداكن أن تغير من طباع احدهم ،، وان تساهم في تقدمه نحو الأمام ؟ خداع وأباطيل ما تدعونه ، هراء ما بقينا نسمعه طيلة عمرنا المهدود عن دعاوى المساواة ، تسألنني كيف أستطيع أن أحافظ على هدوئي وسكينة نفسي ،؟ لم يكن الأمر هينا منذ البداية ، حلمت مثلكن بالمساواة وبالتعاون لتذليل الصعاب وبالمناقشة الهادئة ،الهادفة إلى تقريب وجهات النظر ، ولكن رفع الصوت من جانب شريكي ومطالبته لي بان أغير وجهة نظري ، وأتخلى عن قناعاتي جعلني أتظاهر بالهدوء وكثرة التظاهر بالشيء تكسب الإنسان مهارات جديدة ، أصبح التظاهر حقيقة ؟ فلماذا أثور برأيكن ؟ وعلى من ؟ والسفينة كيف يمكنها أن تشق طريقها وسط الأمواج المتلاطمة ؟، ألا ترون ان علينا معشر النساء واجبات كثيرة ؟ وليس لدينا حقوق ، أنت أيتها المراة المتحدثة ، ارفعي صوتك ، واخبريني أي حقوق تزعمين ؟ أنها ثوب فضفاض ، إننا نتدهور ونعود الى الخلف ، هراء .. كل نضالا تكن ذهبت أدراج الرياح ، ماذا تسالين أيتها السيدة ؟ كيف يمكنني ، الاحتفاظ برباطة جأشي ؟ إليكن هذا ، استيقظ مبكرة وأجهز طعام الإفطار.... ماهو السؤال ؟ نعم كل صباح ، أوقظ الأولاد ، اخرج من المنزل بعد ان يكون كل شيء جاهزا : طعام الغداء ، ما يحتاجونه من نقود لكل النهار ، الملابس النظيفة المكوية ، الأرضية ممسوحة بعناية ،والصحون مغسولة، استمر واقفة طيلة ساعات عملي ، أعود ظهرا أتناول قليلا من اللقيمات لتحفظ ماكينتي من الاستمرار بالعمل ، أعود الى العمل مرة أخرى بعد ان اغسل الصحون مرات ومرات ، هل ابتعدت عن الموضوع ؟ قليلا كما أظن ، أعود منهكة في ساعة متأخرة ...ليس كثيرا ، الى ماذا يوجهكن الخيال ؟ فلاشيء في حياتي الا الأسرة والعمل ، هل تسألنني ومتى أقرا؟ حسنا عندما انتهي من كل أعمال النهار وما ان امسك الكتاب حتى يأخذ النعاس بتلابيبي ، ومتى اخرج للترفيه عن نفسي ؟ لقد قرأت هذا السؤال في نظراتكن ، عندما أجد الوقت مناسبا ، هل تجدنني آلة ؟ اجد نفسي هكذا ، انا الة صماء ، والآن اخبرنني بالله من منكن نحيا بصورة أفضل مني ؟ إني أتحدى ، إني أرى أشباحا قادمة من بعيد ، لقد أنهيت كلامي ، وحدثتكن حديثا صادقا ،كنت اطمح اليه وارجوه من صميم قلبي ، أرى ملامحه من النافذة انه يحاول الاستماع الى ما نقول ،انا لم أفه بما يثير الغضب ، سوف ارفع صوتي : إنها حياة حافلة بالنجاحات ، زاخرة بالأفراح ، عشتها مع توأم روحي ، أسمعتكن إياها ،وأرجو ان تستفدن من تجربتي
فنحن زوجان متعاونان في كل أمور الحياة ، ناجحان سعيدان .... وشريكي إنسان ذو قلب كبير ، عشت وإياه حياة ملأى بالسعادة ، مترعة بالنعيم ، أرجو ان تمنحكن الحياة ما منحتني وطابت ليلتكن والى اللقاء


(79)
تسأل أسماء صديقتها باسمة:
- الرجال يحبون المرأة الجريئة ، ألم نجربي ان تقومي باغرائه ، بدلا ان يقوم هو بدعوتك دائما؟
- جربت هذه وأخفقتُ...
- كيف؟
في ليلة ظلماء خلت من اي ضوء ، كنا مجموعة أصدقاء متزوجين ، دعينا الى منزل عائلة ، تحتفل بذكرى زواج ، اوى جميع المدعويين الى اسرتهم ، وبعضهم افترش الأرض .
- متى كان ذلك ؟..
- في الشهر الأول لزواجنا ، كان عنيفا لكنه احيانا يردد بعض كلمات الحب .
قمتُ لأطل على حبيبي الغائب الذي يحضر دائما الى فكري الذي كان متوقدا، وجدته وقد سيطر عليه سلطان الكرى ، وتناوشته حمى الاحلام الطوباوية ، التي ليس بمقدور الأصحاء ان يحلموا انه بقدرتهم الوصول الى تحقيقها يوما ، وجدته كعادته دائما يصرخ في نومه لرؤيته كوابيس لايعلم عنها احد شيئا ، اشتقتُ الى لمساته وقبلاته ، فاغرقته في قبلاتي ، حتى استفاق من نومه :
- باسمة ، عليك اللعنة توقظينني من اعز نومة وتسلبينني حريتي !
- اشتقتُ اليك !
- وهل اشتياقك هذا يجعلك تقترفين بحقي جرما ؟
- لم اقترف بحقك جرما ! اي جرم اقترفت يداي ؟
- ليست يداك ! بل فكرك السقيم ، كيف سولت لك نفسك الآثمة أن توقظيني من عز النوم ؟
- ولكنك زوجي !
- اريد ان اضع حدا لهذه العلاقة الكريهة ، هل هو سجن ابدي تريدين ان توثقي حياتي بحباله؟
- لكني احبك حقا !
- ولماذا تحبينني ؟ ولم ابادلك عاطفتك المشؤومة يوما !
- لكنك احببتني يوما !
- لم احبك ، انت توهمت الحب واتيت اليّ لتسجينيني!
- لم افعل لك شيئا هذه الليلة ليثار غضبك !
- هل تودين ان اوقظ النائمين كلهم لأحدثهم عن سوء اخلاقك !
- سوء اخلاقي ؟ لم أذنب ابدا!
- وهل يعترف الجاني يجريمته بسهولة ؟
- اية جريمة ؟ انت تحيرني ! كل هذه النعوت لأنني رغبت أن أبادلك الحب ؟
- لم تريدي مبادلتي بل احببت ان ترغميني!
- لم ارغمك ! فقط انني اشتقتُ اليك!
- كيف يكون الاشتياق عنوة سيدتي ؟ انت تسعين الى اغتصابي!
تستبد الحيرة بي ويسيطر التوتر على نفسي ، لا أعرف كيف أجيب عن اتهامات ظالمة توجه الي من انسان احببته أكثر من الناس كلهم ، هل أخطأت في حبه ؟ ام اقترفت ذنبا في الاعتراف بحبه ؟ طلبني زوجة ، فأردت ان يكون حبيبا ، وها هو يعلن انني غريبة عنه ، لم يحببني يوما ..



(80)

تتساءل باسمة سعيد عن السر الذي جعل الرجل الذي أحبته ينقلب كل هذا الانقلاب ، لماذا أبدى الحب والتفهم في بداية معرفتهما ، وطلب يدها ، وحين ابدت رغبتها بالحب تغيرت تصرفاته ، هل لأنه عرف انها وقعت في غرامه من اللحظة الأولى والرجال في بلادنا عادة لايريدون ان تبدي المرأة هيامها بهم ، ويفضلون ان يكونوا البادئين باعلان الحب ، هل تسرعت باسمة في بوحها ، اما كان الأجدر بها ان توافق على يده الممدودة اولا ، وتنتظر الوقت المناسب ككل بنات جنسها ، يرغبن بالرجل ويجعلنه يقد م على التصريح بالحب ، باسمة سعيد التقدمية والتي تناضل من اجل المساواة لم تشأ ان تلف وتدور وان تنتظر الحبيب حتى يعلن عن حبه ، فهذا الحبيب لم يكن يبالي بها ن وقد احب فتاة أخرى ، وحين رفضه أهلها تقدم لباسمة التي كان يدرك انها تعشقه ومنذ ان رأته عيناها، فهل الحب وهم كبير يداعب النفوس النبيلة والقلوب المرهفة الشعور ؟ ام انه حقيقة تريد اناسا أقوياء يجعلون العاطفة في حياتهم شجرة وارفة الظلال ، يستظلون بفيئها ، وهل باسمة سعيد كانت من الأقوياء ؟ ام انها تنهزم من الوهلة الأولى وتندب حظها العاثر الذي اوقعها بمثل هذه القصة الشائكة ، احمد منصور ليس قويا ليبقي ثابتا مع انسانة توهمت انها تشعر بالحب ن كما كانت تشعر بالسعادة الغامرة حين تربط صديقين من أصدقائها المخلصين وشائج اجمل علافة في الوجود ، وقد نجحت في جعل الكثيرين من اعز الأصدقاء يقدمون على الارتباط بعلاقة تصمد امام كل انواع الأشواك ؟ هل هي الارادة ام الحظ ما يكمن وراء فشلها الذريع في الوصول الى مبتغاها في بناء حياة سعيدة ، لماذا ترى نفسها وقد أعيتها حالة زوجها الذي تجده ضعيف الأعصاب ، يثور لأتفه الأسباب ، ويسب ويشتم لاعنا الساعة التي جمعتهما معا ، ماذا تفعل الان ؟ وهي ترى ان الحب في داخل نفسها المعذبة قد زال وظهرت مكان جذوره أشواك قاسية تدمي القلب والعقل معا ، هل تصمم على الطلاق ام تحاول ان تنقذ قصتها التي توهمت انها قابلة للتحقق ، اي مصير ينتظرها ، واية لعنة حلت ببابها ، فحولت كل الجمال الى طحالب ضارة تميت كل المخلوقات وتزرع بذور التعاسة والتوتر لتحول الخضرة الى بيداء قاحلة...

انتهت































الجزء الخامس من رواية وأدتك قلبي

(65)
تهييء باسمة سعيد نفسها لعودة زوجها ، تفتح آلة التسجيل على الاصوات التي يحبانها معا ، يأتي زوجها:
- امي تسلم عليك!
- كيف هي؟
- بخير ، حدثتها عن متاعب ليلتنا ، وقالت انها طبيعية ، لابد ان نشهدها في بداية الزواج ، وقالت انني احب زوجتي كثيرا ،لهذا لااريد ايلامها في ليلتنا الأولى ، وقالت ايضا ان باسمة تحبك وسوف تتحمل الألم كما تصبر النساء عادة على اوجاع ليلة الدخلة ، وانك سوف لن تصرخي في منتصف ليلتنا كما فعلت في بدايتها..
- هل تحب ان تسمع اغاني ام كلثوم ام نجاة الصغيرة؟
- اي اغنية تحبينها افضل سماعها ، قالت امي انني يجب ان اكون لطيفا معك ، وانك اذا صرخت لااجعل صراخك يتسبب في ايقاف عضوي من الانتصاب ، لاتصرخي حبيبتي ، وسوف تنتهي ليلتنا بخير كما نريدها ، هل تريدين كأسا من البيرة ام العرق؟
- كأسا من العرق.
- هاتفت امي قريبنا الدكتور منعم وحدثته عن متاعبنا ، فوصف لي حبوبا تمدني بالهدوء والطمأنينة في هذه الليلة ، وقال الدكتور منعم ، ان باسمة تحبك وسوف لن تصرخ ، وان الزوجات كلهن يصارعن الألم ولا يخبرن الزوج عنها ، حتى لايفقد القدرة على الانتصاب كما حصل لي..
- احبك احبك احبك..
- وانا احبك ياباسمة اكثر مما تتوقعين ، استرخي حبيبتي ، فالامر طبيعي ، لاتكوني متشنجة ، دعي الشراب يعمل على تهدئتك ، انسي كل شيء الا حبنا الكبير ، وليلتنا السعيدة القادمة..
يطأ احمد منصور باسمة ، تضع تحتها الفوطة البيضاء كما نصحتها صديقتها الطبيبة ،
تمسك بوجه احمد وتقبله قبلة طويلة ، وتوزع قبلاتها على الفم والعنق و العينين ، تجد ان الألم اصبح خفيفا بامكانها ان تتحمله ، يسألها احمد :
- هل انتهينا؟
- ماذا تقول انت؟
- اين الدم ؟
تقوم باسمة وتنظر الى الفوطة البيضاء ، ترى قطرات قليلة من الدم ، تضعها امام عيني احمد ، وهي تشعر ان خنجرا مسموما قد وجه الى كرامتها ، لاتقول شيئا ، وتتوجه الى الحمام لتغسل ما بين فخذيها ، وحين تعود تجد احمد نائما وسط السرير ، وهو يشخر بعنف،
ما زالت الآلام تشعرها ان سكينا حادة قطعت جسدها وجعلته أشلاء رمته بعيدا ، وان قلبها الظاميء لم يجد من يشبعه من سغب ، فهل ما كانت تشعر به من حب ظنته خالدا مجرد سراب؟
وهل يوجد حب حقيقي في هذه الدنيا ؟ ام اننا نتوهم لنجعل الحياة تبدو اكثر جمالا، قلبها ممزق ، قد وجهت اليه طعنة كبيرة ، تشعر انها فقدت شيئا ثمينا لايمكنها استرجاعه، قالت لها صديقتها نجلاء مرة :
- من الخير لاحدانا ان تتزوج رجلا متنورا عن طريق خطبة الأهل ، افضل من الاقتران برجل يدعي التقدمية ، قد ارتبطت معه بعلاقة حب قبل الزواج!
- لماذا يا نجلاء ؟
- لان الرجل المدعي لايصدق ان زوجته لم تعرف رجلا غيره ، مهما كانت براءتها أكيدة.. ويرى انه مادام يحب نساء كثيرات ، فان الفتاة تحب مثله ، ولا يصدق ان المرأة لاتهب رجلها قبلتها فقط الا ان كانت تحبه.
كيف يصدق احمد منصور ان باسمة لم تحب الا اياه ، وان جميع صداقاتها مع الرجال كانت علاقات اخوة؟ وأنى له ان يفهم وهو ليس امرأة تخشى ان ترتبط بعلاقة حب وتحافظ على رأي الحبيب بعفتها . كيف يمكن للمرأة ان تطالب بالمساواة وهي تخشى من علاقات الحب وتحاول وأدها منذ تباشير فجرها، هل يمكن لأي رجل ان يدرك كم تقاسي المرأة كي لايساء الى سمعتها من احد توهمت يوما انه يحبها ، واذا التوهم مجرد أضغاث أحلام .. انى لأحمد منصور ان يعرف ان باسمة لم يعرفها اي رجل ، وانها رغم قصص الحب التي حاولت قتلها في بداية انطلاقها لم تجرب القبلة ولا اللمسة ؟ كيف يمكن ان توجه طعنة نجلاء الى شرفها من رجل احبته كل العمر! ؟

(66)
قطرات قليلة من الدم كانت على الفوطة البيضاء ، حين تساءلت اين الدم ؟ اجابتني بأن وضعت فوطتها امامي ، اصابني الخرس ، لماذا تسيل منها قطرات قليلة ، ، بينما بعض النساء تنزف انهارا من الدماء ؟ لماذا هذا البخل ؟ ومن اين جاءت باسمة بالفوطة ؟ تساؤلي جعلها تتوتر ، رأيت ذلك على ملامحها ، وماذا أفعل انا ؟ انا الرجل الذي اهينت كرامته ؟ كيف لي هذه الثقة ما عدتُ اعرفُ شيئا ، وقد ظننتُ انني قد قطعت السمكة وذيلها ، واذا بي اصبح اليوم موضع هزء من المطالبات بالمساواة ، الا سحقا لكن ، تدعين بهتا انكن بريئات ! لم احب امرأة في حياتي ، الا نهلة التي اجدها موضع فخري واعتزازي ، هي تحبني لذاتي ، وليس لديها مطمح آخر ، لاتريد زواجا ، ولا ان تضع القيود حولي ، كما تفعل النساء حين يحببن . الا يدركن ان الزواج مقبرة الحب ، ذهبت باسمة لتغسل جسدها من تعدي صارخ وقع عليه من قبلي ، وانا كنت صريع الهواجس والشكوك ، هل الفنان المطرب الذي تعجب به باسمة ، هو من جنى محبتها ؟ لا ادري انا ، كلما كنت اسالها عن ماضيها تقسم انها بلا ماض ، من اين جاءتها هذه القوة ؟ كثيرون احبوا باسمة واعجبوا بها ، وغبطوني على محبتها المزعومة لي ، اما دروا انها وصلت لي ثيبا ملعوبا بها ، وانا الحريص على ان تأتيني الزوجة بكرا ، لماذا وقعتُ بارادتي بهذا اليم ؟ وكيف يمكن انقاذ نفسي منه ؟ انا من كنت اتوهم اتصافي بالذكاء والحنكة ، كيف وقعت بملء ارادتي بهذا المطب ؟ تعسا للنساء ولكل من يصدق بكلامهن المعسول ! وأكاذيبهن الفاحشة ، انا احمد منصور اعترف انني وقعت في الفخ المنصوب لي باصرار وترصد ، لماذا تنكر باسمة ماضيها ؟ أليس الأجدر بها ان تخبرني بالحقيقة ؟ الم تكن تدري انني سأقف الى جانبها حين اسمع قصصها العديدة عن أحبابها السابقين ، ألم اساعد شقيقاتي في قصص حبهن ، واقف معهن واقابل احبابهن وادعوهم الى منزلنا ؟ لماذا اخفت عني باسمة قصص غرامياتها ؟ وجعلني ذلك كثير الشكوك . لو ذكرت لي الحقيقة ما كنت اكذب ما تقوله ، اعتقد انه لايوجد امرأة عصرية بلا ماض ، كيف زعمت باسمة انها حرمت نفسها من احضان الحبيب ودفئه من اجل ان تذهب الى العريس بلا دنس ؟ كيف اصدق انا ؟ وهل يمكن للمرأة مهما كانت قوتها ان تئد عواطفها ورغبتها في دفء الرجل ، من اجل ماذا ؟ وتزعم انها فعلت ذلك كي تصون نفسها للزوج القادم ، وهل يمكن لأي زوج ان يكون بديلا عن الحبيب يا باسمة؟ سأحاول ان أكون رؤوفا بها ، فهي كريمة الخصال كما يدرك جميع من عرفوها ، ولن اكرر شكي بها ، وسأستمر على علاقتي بنهلة التي تمنحني السعادة والرضا من حياتي ، فانا لم احقق شيئا الا حبي لمعشوقتي نهلة الرائعة...


(67)

باسمة سعيد في اعلى درجات الفرح ، غُرست في قلبها شتلات السعادة ، واينعت في نفسها ثمار الحبور ، لم تكن تعلم ان الزواج سوف يجعلها بكل هذا السرور، وردتها الظامئة المتطلعة للوصال، تتغنى هذه الليالي بفرح غامر ، بعد ان سقاها الحبيب ، وانقذها من عطش ظنته دائميا ، تنتظر الساعات لأوبة احمد منصور ، وتقوم بكل الأعمال المنزلية ونفسها جذلى، تخرج الى العمل وهي تغني بأعذب الأصوات مترنمة ، واصفة سعادتها الجديدة التي لم تكن تخطر على البال ، قامت بكل الاعمال التي كانت تتوهم انها ستضيف اليها الفرح ، ولكن تعبها الشديد وارهاق نفسها وخذلان روحها ، بعد ان اعياها انتظار العرفان ، كان يخلق لها أسقاما للروح ، وأمراضا للفؤاد ، سمعت الكثيرات من صديقاتها يسبغن الأوصاف الجميلة على تلاقي الجسدين ، لكنها حلمت باتحاد الروحين اولا ، ليؤدي الى تلاحم الجسدين باروع الصلات ، لم تجد احمد منصور كما توقعته جميل النفس هاديء الطباع ، بل كان عنيفا سريع الغضب ، يتفوه بالكلمات النابية المعبرة عن ضيق النفس ، والتسرع في الرد قبل اتضاح القصد من الكلام ، تحملت كل الصفات الحادة ، بصبر لذيذ ، وهي تنتظر ساعة الرقاد ، تنتعش الوردة وتنتظر غيثا يهطل من حبيب جميل ، يتعانقان ، يتبادلان القبل ، يتلاحمان في عزف أخاذ ، تصاحبه الموسيقى من اجمل الألحان ،لكن الحبيب وآسفاه ضنين بالوصال ، لايريد ان تتكرر اللقاءات الثملة ويقول انها تسارع في الاتيان بالعجز قبل الأوان ، وان عليهما ان يقتصدا في أوقات الغرام ، وان تكون ساعات الحب مرتين في الشهر ، ليحافظا على صحتهما قبل الأفول ، وان الترحيب الذي تبديه معيب جدا:
- من علمك هذا؟ اجدك قد جربت الحب قبل الزواج!
- هل عدنا الى الاتهامات مرة اخرى؟
- لاارى انك بريئة كما تقولين!
- لم اجرب الحب ، انما كنت أشتهي الوصال ÷، ولقد خشيت ان اجربه ، ولو كنت اعلم انك ستتهمني لعشت قصة الحب ، كما تفعل الشجاعات من النساء!
- هل تعتبرين هذه الجرأة شجاعة؟
- حرمت نفسي من اجل ان يراني زوجي نظيفة من الخدوش ، ولكنك تتهمني!
- انك سريعة الاستجابة ، ما ان ألمسك حتى ارى الشهوة المستعرة في عينيك!
- وهل كنت تحب ان تقترن بامرأة باردة ؟
- لا أدري ، ربما الباردة افضل من شديدة الحرارة!
- وما العمل؟
- لا عمل الآن ، وقد يأتيك بالأخبار من لم تزودي!


(68)

أتساءل أحيانا هل باسمة بريئة كما تقول ؟ وهل ان بقاءها بعيدة عن الوصال جعلتها بهذه الرهافة ، ما ان اقترب منها حتى اجدها تشتعل ، كيف تعلمت ان تكون بمثل هذه الحرارة قرأت مرة ان حرمان المرأة من الحب قد يجعلها باردة لاتستجيب لمداعبات الحبيب ، وباسمة تدعي انها لم تعش قصة حب حقيقية ! كيف تأتى لها ان تكون بمثل هذه ؟ ، انها تجعلني ارى كل فنون الغرام ، وانا لااستطيع ان ابريء هذه المخلوقة التي وهبتني كل هذه العواطف ، ولم امنحها الا الشك والصدود ، اتعجب لحالة النساء ، كيف يصبرن على مثل هذه العلاقات ؟ وباسمة من اسرة نبيلة ، كانت موضع عنايتها ورعايتها منذ الطفولة ،وحتى شاء لها سوء طالعها ، ان تقترن بي ، احيانا افكر ، لماذا أسيء معاملة المرأة التي وهبتني نفسها ، هل لأنني نشأت في اسرة يحترمون فيها من يبرع في الصراخ ، ويرون ان طلباته اوامر ، يجب ان تطاع ، هذا انا ، اصرخ بلا سبب وأطالبها ان تغير نفسها وقناعاتها من اجلي ، انا الزاخر بالأخطاء ، المعدوم من الثقة ، الخالي من الجمال ! لماذا جعلت باسمة تجد التعاسة في يومها الأول معي ؟ لماذا لم احسن معاملتها ؟ وانا اجدها تشعل الشمعات العشر من اجل ارضائي ، سأدع هذه الأسئلة واعود الى سلوكي نفسه ، فهو يسعدني ، اليس من الثراء ان تجد زوجتك تهرح الى نيل رضاك عنها ؟ وانت تمعن في اذلالها وسلب راحتها النفسية ؟ لماذا انا هكذا ؟ هل انا سيء جدا ، بعضهم يقول انني طيب ، لكني لااحسن فن الكلام ، اتفوه بالكلمات القاسية ، رغبة في نشدان الهيبة ! أي هيبة أريد وأنا أصعب الحياة على رفيقتي فيها ؟ ولكن ما بالي اتهم نفسي ! وباسمة لن تحتج على سوء معاملتي لها ، ربما تجد ها دليلا على الرجولة التي لم تجربها قبلي، فلأمضي في حياتي ، غير وجل ، احب نهلة ، وتخدمني باسمة التي دللها اهلها ، وانا اسمعها قاسي الكلام ، واعيد عليها انني اشك بها ، وانها لم تكن عذراء ، لتكن مشيئتي المهيمنة ، ولتصبح باسمة امتي ، التي اصنع معها ما أشاء ، اهبها بعض اللحظات السعيدة ، واهجرها طوال العمر ، نهلة من اصبو الى رضاها عني ، فهي حبيبتي الوحيدة ، وباسمة تمهد لي طريق السعادة..

(69)

كما النهر الرقراق ينساب من بين يدي باسمة سعيد، تتبخر سويعات الهناء ، وتولي لحظات بهاء اليقين ، أكان حلما جميلا ، انتهى لحظة جفاها الكرى ، وحل بأيامها سهاد مرير ، لماذا تتراءى لها البهجة ، كسراب شمس قائظة ، يسيل فيها من القلوب تعب غزير ، لا طاقة لها باحتماله ، وتتوالى عليها كؤوس الهم والعناء ، تتجرعها حتى الثمالة ، ضاعت كل أحلامها ، وولت طيور الفرح، جارية من أرضها الجدباء ، لتحل في حقول أخرى تعرف ما معنى السرور ، لمَ يهجر المرء فيها غناء العنادل ؟، إلى عواء متواصل كئيب ، أية لعنة حلت ببابها ، فأحالت سنابل قمحها إلى عجاف ، تركتها الأيام ثكلى ، ودعت المسرات في دنيا بعيدة ، وحان لها أن ترتوي من ماء أجاج ...
لمَ تهزم الأيام وتعبس الليالي ؟ أليست الحياة مدا وجزرا ، وفرصا سانحة ، يحسن الفطن اقتناصها ، ليفوز باللذات ، وينأى عن الكآبة والضياع ؟ وأية لذات تحلم بها ، وكأس الحنظل يفتح فاه مرحبا ، شامتا بما حل بأرضها من جفاف .....يصدأ عندها الشعور ، وتهرب النعم ميممة وجهها، صوب شاطئ بعيد
بطاقة تهنئة بالعيد ، وامرأة تلوح بفخر، تتصاغر أمام فتنتها الحسناوات ، وصدر ناهد مرمري ، عاري ، وشعر ينسدل بتراخ فوق الكتفين ، وكلمات قليلة مخطوطة بقلم أنيق :
- اذكرني ، كلما لاحت لك صورتي ...
تؤخذ باسمة على حين غرة ، هل أهرق احدهم فوقها ماء ثلج ؟ لم تحسب أن هذه اللحظة آتية ، وان قناديل حياتها توشك على الانطفاء ، وهي ما زالت في شهور العرس الأولى ،ريح عاتية ، تتلاعب بها ، تكون ريشة في مهبها ، من هي المهيمنة على هذا المشهد المسرحي ؟، تصدر أوامرها ،فيسارع الملبّون بالطاعة ؟ وباسمة ؟ تتنكر القوى الفاعلة ، وكأنها نقطة في بحر عميق الغور ، تطول حيرتها لمَ كل هذا ؟ من تكون هذه ؟ وكيف مرت بحياتها المسهدة الكئيبة ؟ وكيف لا يخطر في بالها ، انه يمكن أن تقابل تضحياتها الجسام بالنكران المبين ، وتقابل أعمالها الناصعة بالهزء ؟ ولمَ تتحول أيامها إلى علقم ؟ وعلام تقابل حسناتها بالسيئات ، ولمَ لا يكون الجزاء من جنس العمل ، وماذا جنت باسمة لتتضاعف على أم رأسها اللعنات ، ويسقونها شراب الحنظل ؟وكانت المحسنة دائما..
تستبد بها التساؤلات ، أي بحر متلاطم الأمواج ، رموها فيه ، وابعدوا عنها قوارب النجاة ، لمن تتوجه طالبة الإحسان، وقد سدت السبل بوجها ؟
قد تكون الخاطئة ؟ لماذا سمحت للأفعى أن تكون قريبة منها ؟ ألم تخش من انقلابها وتلون أفعالها ؟
أتكون بطاقة يتيمة ، قد أثارت بها فيضان المخاوف هذا ، وأغرقتها في يم لا شاطئ له ، وكيف يمكن لها أن تعلم ؟ قد تكون العديد من البطاقات الواعدة ، تسيل أحلاما ، وتجعل الأرض تميد تحتها ؟ ، ألم يصاحبها أفعال تعزز لغتها المطمئنة ؟ من جعل الحسناء بهذه الثقة ، وزرع في نفسها جذور اليقين ؟
تتقلب في بحر من الجمر تتلاطم فيه الأمواج ، أفكارها تضطرب في لجة عميقة الغور، عساها تهتدي إلى قرار ، وكيف يمكن لمن لا يحسن السباحة ، أن يعرف طبيعة البحار ، وسر الأمواج المتصارعة فيها ، هل ضاع كل ما بنته ؟ وتحملت تبعات أعمالها طوال هذه الشهور، هل خطر في بالها انه مثلها ، قُدّ من وفاء ؟
لن تنهزم ، هل تمنحه هدية للراغبات، وهي ساغبة تنظر ، ومن يعيده إليها؟ ، تتفرج... لا حول لها ولا قوة ، هل ضاعت الآن الفرص ؟ أليس بإمكانها تدارك الأمر ، ما زالت الحكاية في بدايتها ، فلتناضل لاسترجاع حقها...
صديقتها السعيدة لديها ما ترنو إليه النفس ، مشاهد آسرة ،وأفلام أكيد مفعولها ، عن كيفية إعادة الهاربين من أعشاشهم الصغيرة ، تشاهد باسمة ما قدمته لها الصديقة ، وتقلد المشاهد ببراعة ، وكأنها بطلة القصة ، تبث الرغبة في نفس أرهقتها صروف الحياة ، تقبل رجلها وتناجيه وتناغيه ، ينهض الحبيب ملبيا ، وتتحقق لها رغبتها ، انتصرت على من يريد بها شرا ، ولكن الفرحة العارمة ما تلبث أن تنقلب وبالا ، لتحط على رأسها ، وهي في منتصف الطريق لتحقيق حلمها الطويل ، والانتصار على من سلب منها جمال الحياة ، واسترداد واهب النعيم ، وساقي اللذات :
- كيف تأتى لك المهارة بهذا الفن ؟ من علمك ؟ هل أكون أنا آخر من يعلم ؟ ..


( 70)
كيف وقعت البطاقة بيد باسمة؟ وكيف يمكن لها ان تقرأ البطاقات المرسلة لي؟ عليها ان تنظف مكتبي وتعتني بالأوراق المتراكمة عليه وعلى الأرض، دون ان تقرأ ما تتضمن تلك الأوراق ، كيف اتت لها الجرأة لتبحث عمن بعثت البطاقة ، وانا كنت اريدها عمياء ، في عملي توجد نساء عديدات ،أرتبط بصداقة معهن ، فهل من المعقول الا أستلم بطاقات الاعجاب منهن ؟ هل ارفض محبتهن ؟ هل يمكن هذا للرجل الناجح ، هل انا امرأة حتى اعتذر عن استلام بطاقات المحبة والاعجاب لأني مرتبطة بعقد زواج؟ لن يسمح الرجل بتقييد حريته ، وهو حر ان يفعل ما يشاء ، يحب من يريد من النساء ويرسل بطاقات الحب اليهن ، هل امنع النساء عن محبتي وانا الرجل المحبوب ذو الجاذبية كما تصفني النساء ، وباسمة محظوظة انها ارتبطت بي ، عليها ان تكون سعيدة ، فأنا زوجها بعقد شهد عليه اثنان ، والأخريات يبادلنني المحبة ، دون ان تتنتظر مني احداهن شيئا الا اللطف في المعاملة ، هل اتنكر لما يبدينه من مودة يحسدني عليها الأصدقاء ، كلهم يغبطونني على عدد النساء اللاتي يمحظنني حبا فريدا لاامل فيه ولا رجاء ، ويبعثن لي بطاقاتهن المعبرة عن شدة الاعجاب والوجد...
، وباسمة بعد ان رأت البطاقة غضبت ، كيف احب اخريات وانا زوجها ؟ وهل حجرت على حريتي بكونها زوجتي ؟ لم تكن تدري ان هناك عدد من البطاقات الأخرى اكثر جراة من تلك التي وقعت في يديها ، ونحن اتفقنا في بداية الزواج الا يفتش احدنا في أوراق الآخر :
- كيف سمحت لنفسك ان تبحثي في أوراقي ؟ انا لم اعرف ماذا تخبيء أوراقك من قصص لاتريدين افشاءها ! هل تعتبين على بطاقة استلمتها من احدى النساء ، وانا اجد الكثيرين من الرجال يعجبون بك ! هل عاتبتك يوما ، هل وجدت انني اخذت ابحث في ادراج مكتبك عما يتهمك من قصص الاعجاب التي تتلقينها من عدد من الرجال ، لك حياتك ولي حياتي ، وان كنا نعيش سوية في منزل مشترك! لا تفتشي في كتبي ودفاتري وانا ايضا لن ابحث عما يشينك في كتبك ، لسنا طفلين ، ونحن ناضجان ، يمكنك ان تحبي من تشائين ، ولا اجد في ذلك ما يخدش كرامتي..
سكتت باسمة ولم تعد الا اتهامي مرات اخر ، رغم اني ما تركت معاشرة النساء ، وبقيتُ استلم بطاقات الحب والاعجاب منهن ، وان كنت احب واحدة هي نهلة ، لكن غضب باسمة المفتعل جعلني اثور على تدخلها في شؤوني ، لتصمت هذه المرأة ولتترك عادة ان تدخل انفها فيما لايعنيها ، وانا أدرك انها لاتعرف رجلا غيري ، الا انني شئت الا تتوهم ان لها حجما اكبر من حقيقتها فانا الرجل وعليها طاعتي..
(71)

المصاعب تتراكم على باسمة سعيد ، واحمد منصور يأتي باغلب تلك الصعاب ، لاتدري باسمة اهو قصد منه ام سوء تدبير ؟ يلومه الأصحاب كيف يمكن ان يتخلى عن المرأة التي احبته كل هذا الحب؟ كانت تظن انه يخلص لها كما هي تحفظ له حقوقه في حضوره والغياب تقول لها صديقتها :
- الرجال كلهم خائنون سيئون ، لاينفع معهم الاخلاص..
- ليس كلهم ، حرام ان نتهم الجميع بصفات البعض!
- أتعرفين ان احمد يخونك مع اية امرأة يجد عندها القبول؟
- لا ارى ذلك ، يمكن انني من شدة انشغالي بعملي وانهماكي بأشغال البيت ، جعلته يشعر انه وحيد مهمل!
- انك لم تقصري ، ماذا يمكن ان تفعلي ؟ وزوجك فقد عمله لأنه كان كثير الغياب؟ اتكل عليك ووجدك مجتهدة في عملك ، حريصة على نجاحك فأكثر من اهماله ، مما اثار استغراب من كان يعرفه قبل زواجه ، بعض الرجال لايطيقون نجاح زوجاتهم ، فيسببون لها المتاعب ، ويضعون المصاعب في طريقها ، كي تفشل في عملها ، ليدعوا ان المرأة من طبيعتها الفشل ، وحين يجدون الزوجة لاتبالي بما يبذلونه من جهود لافشال مساعيها ، وجعلها تفشل في العمل الذي كانت تتقنه قبل الزواج ، فيحزنون ، ويصيبهم التوتر ، ويكثرون التغيب عن عملهم ، وحين يعاقبون على التقصير في العمل بالاعفاء منه ، يعاقبون الزوجة الناجحة بخيانتها مع كل امرأة..
- لكني رغم فقدانه العمل ، لااشك به ،انه لا يخونني!
- لأنك امرأة وفية ، ومن الخطأ جدا ان نظن ان الناس مثلنا ، فان كنت تتصفين بالاخلاص ، فلا يعني هذا ان زوجك مخلص ايضا.
- وكيف يمكنك ان تتهميه بالخيانة ؟ ألا يمكن انه بريء منها؟
- عندي الدلائل ، وقد رغبت في البداية ان اخبيء الحقيقة عنك ، لئلا اسبب لك حزنا ، فانت صديقتي وعزيزة على نفسي، كما تعلمين ، زوجك عزيزتي يصادق كل النساء الا انت زوجته ، فهو بعيد عنك ، يسير متأبطا النساء اللاتي يقول انهن صديقاته ، تاركا اياك تكدحين من اجل الحصول على طعامكما وشرابكما ولباسكما .
- هذا من واجبي ، لأنه فقد عمله!
- ولماذا فقد عمله ؟ أليس بسبب تقصيره بالمحافظة على العمل وصيانته؟
- ربما بذل جهده ولم ينجح!
- لم يبذل! انه الان مسرور ، يجعلك تشقين للقيام بواجبه وواجب المرأة بوقت واحد!
وهو يتفسح مع النساء ، اية لعنة هذه ؟ لماذا تصمتين ؟
- وماذا يمكنني ان افعل؟
- ثوري! وهدديه ان واصل صداقاته مع النساء فانك سوف تهجرينه!
- لا أظن ان تهديدي سوف ينفعني ، طالبته بالطلاق فلم يوافق!
- انت تعرفينه اذن ! صديقتي العزيزة ، لماذا تستمر معاناتك؟
- لأننا في العراق لايمكن للمرأة ان تطالب بالطلاق ، هذا الحق بيد الرجل دائما ، واحمد لن يطلقني لأنني المعيلة والخادمة والقائمة بكل المهام!
- وهل كنت تعرفين كل تصرفاته؟ ورغم هذا تصمتين ؟
- نعم وقلبي يتمزق ، لأنني احببت رجلا بائسا ، أراني النجوم في عز الظهر ، وجعلني اشرب المر واتذوق العلقم ، ليس كلهم صديقتي العزيزة ، يوجد الحنون والشجاع ولكن احمد اراه الان يخلو من كل الصفات التي احببته من اجلها..
- هل تواصلين الحياة معه؟
- انتظر ان يتحسن..
- وكيف تأملين ذلك ؟
- يمكنني ان أصبر على كل شيء ، الا حرماني ان اكون اما..
- وهل هو لايحب الأطفال ؟.


- طالبته عددا من المرات بحقي بالامومة ، لكنه طالب بتأجيل الأمر
- ولماذا يريد التأجيل ؟
- يقول ان ظروفنا الاقتصادية لاتسمح بالانجاب في الوقت الحاضر..وعلينا ان ننتظر ريثما يجد هملا بديلا..
- وهل ستواصلين الصمت على حرمانك من حقك في الطفل؟
- لن أصمت ! سأغير كل شيء....


(72)
أخذت علاقتي بباسمة تسير في طريق مسدود، لم تعد الانسانة الهادئة التي تصبر على كل شيء، وبدأت تطالب ببعض الحقوق ، التي ما كنت أظن انها ستتجرأ على المطالبة بها ، ، ارادت ان نتساوى بالانفاق على متطلبات الأسرة، وانني يجب أن اجتهد للحصول على عمل جديد ، بدلا عن العمل الذي فقدته ، لم تر انه من واجب والديها ان يساعدا في تلبية حاجاتنا المالية:
- كيف تطالبين بالمساواة وانت ترفضين ان تساعدي اسرتي؟
- وهل استمر في المساعدة وانا قد تعبت ، منذ زواجنا وانا انفق على اسرتك..
- هل تعيرينني بفقر اسرتي يا امرأة؟
- ، لا أعيرك ، ولكنك لم تبحث عن عمل بديل..
- ماذا افعل ؟ سدت الأبواب في وجهي..
- الأبواب نحن نفتحها ، لكنك لم تحاول ، وبقيت معتمدا على عملي..
- وما الضير في ذلك ؟ وانت تدعين المساواة ؟
- وهل المساواة تعطيك حقا ان تستغلني ؟

- اصبري حتى يمكننني ان اعود الى عملي السابق ، فأنا احبه كما تعلمين ..
- جد عملا مناسبا.
- انفقي على اهلي كما كنت تفعلين..
- يمكن ان اتحمل ذلك ، ان وافقت على أن ننجب طفلا..
- انت تعرفين انني لااحب الأطفال..
- لكنني احبهم ، واريد ان اصبح اما..
- لماذا نأتي بطفل في وقتنا الصعب هذا؟
- ان لم توافق سوف اطالب بالطلاق..
- لا أحد يعطيك الحق بالطلاق الا ان وافقت انا..
- القاضي يمنحني الحق..
- اصبري قليلا ، وسوف ننجب الطفل الذي تحبين..
- متى ؟
- حين تتحسن الظروف.
- نحن من يحسن ظروفه بالعمل ، ابحث عن عمل ، وستكون ظروفنا كما نشاء..

(73)
يتأخر احمد منصور في العودة الى المنزل ، فتقلق عليه باسمة سعيد ، فيطول انتظارها ، وتصبح نهبا لأفكار شتى ، تأخذها يمينا وشمالا ، هل ذهب الى احد الأصدقاء ، او احد الأقرباء؟ ولماذا لم يخبرها ؟ كان عليه ان ينبئها بامر زيارته لأحد معارفه، وهي الان لاتعلم عن زوجها شيئا ، تراه غامضا جدا ، وتظن انه يخبيء عنها امورا عديدة ، لاتعلم كنهها ، وتود لو عرفت ، تحب ان تعلم اي رجل سعت للاقتران به بعد نضال شاق ، وكانت تأمل انه سوف يدخلها الجنة ، واذا بها تتقلب على نار الشك والقلق المتواصل ، الذي يجعلها دائمة الحيرة ، ماذا يمكنها ان تفعل امام هذا الظلام الدامس الذي يحيط بحياتها ، ويتركها عاجزة عن اخذ زمام المبادرة ، هي الانسانة القوية ، التي عرفها الناس بعزمها واجتهادها ، تجد نفسها مخلوقة حائرة ضعيفة ، هل صدق الذين زعموا ان المرأة في الشرق تصبح اداة بيد زوجها ، يوجهها الى اين يريد ، مهما كانت شخصيتها قوية ، وبرع اهلها في غرس صفات الشجاعة والنبل وكرم الاخلاق داخل نفسها ، المعارف كلهم اجمعوا ان باسمة سعيدة ، انسانة مثقفة تعرف كيف تدافع عن نفسها ، وانه ليس بمقدور احد ان يضع القيود حول حياتها ، دون ان تتمكن من ازالتها ، وانها قد جربت الكثير من المصاعب ، استطاعت ان تجتازها ، وان تزيلها من حياتها ، لتتمتع بالحرية المسؤولة التي تسعى اليها ، ولكنها اليوم ترى انها قد فشلت في ايقاف نزيف الصعوبات التي تكتم على انفاسها ، وتتركها خائرة القوى ، مبددة العزيمة ، تدرك انها احبت احمد منصور بكل ما تحمل في قلبها من مشاعر وفي عقلها من افكار ، ولكن احمد هذا قد بدد آمالها في الحب والحرية ، وانه لايختلف عن الملايين من الرجال ، الذين يدعون فكرا تقدميا ، لكنهم في الحقيقة اشد رجعية من اجدادهم ، واكثر اصرارا على تكبيل المرأة ، وسلبها طاقتها وقدرتها على مقاومة ما يريدون..
يطول تأخر احمد منصور ولا تدري باسمة سعيد ما الذي يجب ان تفعله ؟ هل يمكن ان زوجها قد أصيب بمكروه ، او تعرض لحادث سيء ، هل تظل صامتة تنتظر ان يعود؟ ام يبادر بعمل ينهي متاعبها هذه الليلة ، ويقضي على تساؤلاتها ، وينهي ما تشعر به من آلام ؟ لكن ماذا تفعل؟ وهو لم يخبرها بشيء ؟ هل تتصل هاتفيا ؟ وبمن يمكنها ان تتصل ؟ اتصلت بزوجها مرارا دون ان تظفر بجواب! هل تتصل باحد أصدقائه المقربين ؟ انها واثقة انه سوف يثور غاضبا ان اتصلت بأحد ! ولكنها حيرى هذه الليلة..
تحزم باسمة سعيد امرها ، وتقرر ان تذهب الى شقة اخ زوجها العازب، الذي اعتاد زوجها ان يذهب اليه شاكيا من زواجه التعيس كما يحلو له دائما ان يصف الاقتران بها ،
-كل المشاكل تأتي من زوجتك التي تقول انها مثقفة!
- ليس كلها .. بعض متاعبي منها!
- -ألم تخبرني انها فضولية ، تبحث في اوراقك عما يؤيد شكوكك ؟
- تبحث احيانا ، كما ابحث عما يريبني دائما..
- ألم انصحك ان تقتدي بي ؟ فأنا لا أثق بالنساء !
سمعت باسمة حديث الاخوين صدفة ، ووجدت زوجها يقلد أخاه في كل الأمور ..
سوف تذهب الى شقة الأخ ، أكبر الاحتمالات ان زوجها هناك..
تصل الشقة وتدق الجرس ، تنظر من العين السحرية ، وترى ثمة اشخاص قد اغلقوا مجال الرؤية ، بعد فترة يفتح الباب ، تسلم على اخ زوجها وتدخل ، ترى المائدة منصوبة، وعليها اربعة أقداح فيها شراب نبيذ احمر ، وبجنبها صحون فيها المكسرات واللبلبي والخس ، يخرج زوجها من احد الغرف وهو يرتدي الشورت القصير ، الذي تعرفه عائدا للأخ...
يرى الزوج علامات الاستياء واضحة على محيا زوجته ، فيبادرها صارخا:
- لماذا لحقت بي الى هنا ؟ كل الوقت وانت تشكين بي؟

(74)
طالبتني ان تكون اما ، رغم عدم رغبتي بانجاب تعيس جديد ، يضاف الى جيش المأزومين الفاشلين ، وهددت انها سوف تلجأ للقضاء في حالة عدم موافقتي على طلبها ، اخبرتها انني موافق لئلا تزداد نقمتها علي ÷، فأنا رغم عدم حبي لها لا ارغب ان تغادر حياتي وتطلب الطلاق ، لكنها كالعادة أخذت تقلق علي ذلك القلق المرضي ، عرفت عنها انها لاتطيق فراقي ، ويصيبها الخوف ان تأخرت في عودتي الى المنزل ، تدرك ان حياتنا ليست آمنة / واننا مهددون ، بالتوقيف والتعقب وتأويل الكلمات البريئة التي نتفوه بها ، لم اكن اعلم انها سوف تتبعني أينما ذهبت وان داء الشك القاتل يستبد بها ، ما ان ذهبت الى منزل شقيقي العازب ، والمعروف عنه بشدة اللهو حتى اتت الى المنزل ، كانت هناك امرأتان واخي وانا ، وضع اخي كؤوس النبيذ على المائدة ، صنعت الفتاتان الجاجيك والسلطات وكان اخي قد اشترى اللبلبي والكرزات ، بعد ان لعبت الخمرة بما تبقى من العقول ، دحل اخي مع اجمل الفتاتين الى الغرفة الكبيرة في منزله ، بقيت وحدي مع الفتاة الثانية ، التي لاتتمتع بأي مسحة من الجمال وطلبت مني:
- ونحن ماذا نفعل؟
- ماتحبين...
- لنذهب الى الغرفة الثانية في المنزل!
- لنذهب..
- لم اجرب الحب معك..
- وهل جربته مع الجميع ؟
- كيف الجميع ؟
- لااعني ما تقصدين .. آسف حقا..
دخلت الغرفة معها ، وهي من قام بكل شيء ، لم تسعدني لمساتها ، ثم سمعنا دقات متكررة على الباب ، ذهب اخي لرؤية من يكون الطارق ، وعاد الي مسرعا:
- زوجتك..
ارتدى ملابسه بسرعة ، و فتح الباب ، شاهدت باسمة الكؤوس الأربعة على المائدة ، ونظرت باستنكار الى صحون المزة ، قرأ اخي ما يجول بخاطرها ، ثم خرجت انا من الغرفة مرتديا شورت اخي ، وطلبت من مرافقتي ان تظل في الغرفة والا تخرج منها ، كنت اعرف ان باسمة لن تطيل بقاءها في المنزل، وسوف تعود الى منزلنا وهي متوترة ، فقد تأكد لها بالبرهان الساطع انني مثل اخي تماما زير نساء ، حصل ما توقعت وعادت باسمة ، ولم اعد انا:
- هذه المرأة بحاجة الى تأديب!
- لماذا ؟
- كيف سمحت لها نفسها ان تتعقب خطواتك؟ هل كانت تتوقع ان يرفض رجل نداء امرأة حارة الدماء مثل حسناء ،وبخها على تصرفها الطائش ، ونفذت نصيحة اخي وعدت غاضبا الى المنزل:
- لماذا تشكين بي ؟ هل تبعتك يوما ؟ وانا لا أعرف اين تذهبين كل يوم ؟
(75)

شرحت باسمة سعيد لطالباتها حقوق المرأة ، وبينت ان النساء يجب ان يناضلن طويلا من اجل الوصول الى تلك الحقوق ، التي نجد طريقها شائكا ، تعترضه الصعوبات ، وعلينا ان نجتاز تلك المصاعب ، كي ننعم بالدنيا ونحقق السعادة..
سألت بعض الطالبات:
- كيف نحقق ما نطمح اليه ، ونحن وحيدات بلا معين؟
- لسنا وحيدات ! الرجل بجانب قضيتنا العادلة ، وقف معنا الأب والأخ والحبيب والزوج ، واستطعنا ان نحقق بعض ما نتطلع اليه..
- لا أظن اننا نجحنا!
- لابد من التفاؤل ، الذي يراه علماء الاجتماع موصلا الى نصف الطريق!
- ماذا تقصدين أستاذة باسمة ؟
- أعني ان المناضلين من أجل ما يرونه حقا لهم ، ينبغي ان يكونوا متفائلين ، لأن التشاؤم لايفضي الى حل..
- اعرف انك ناضلت طويلا استاذتي الغالية ، هل نجحت في تحقيق مراميك؟
- نجحت الكثيرات في الوصول الى احلامهن ..
- وأنت ؟
- ربما انا طموحة اكثر من الأخريات!
- اللاتي لم يعملن شيئا نراهن في سعادة كبيرة!
- ليس دائما!
- مجتمعنا هذا يفضل الخانعات ، ويستجيب لارادة الخاملات!
- أراكن اليوم يائسات ! لماذا يا حبيباتي؟
- لانريد ان نخبرك ! لئلا نتسبب في اثارة احزانك!
- ماذا جرى ؟ كلامكن اليوم غامض!
- نريد ان نسألك استاذتنا العزيزة : هل تحقق شيئا من آمالك في الحب والحرية والعدالة؟
- هذه الحقوق تحتاج الى قوانين تدافع عنها ، وتعمل على اثباتها!
- لانسألك عن الحرية والعدالة اللتين تتحققان بالقانون!
- عن أي شيء تسألنني؟
- عن الحب والمساواة في المعاملة !
- ماذا تعنين عزيزتي أحلام؟
- هل يمكن ان تشعري ان حقوقك في الحب قد تحققت ، وزوجك كل يوم يسير مع امرأة؟ نراه يتمشى مع النساء وايديهما متشابكة ، وأنت منهمكة في اشغال المنزل ، وتحسين دخل الأسرة؟ هل توصلت الى حقوقك ، لتناضلي من اجل حقوق النساء؟
- ربما حالتنا ليست عامة ، هناك الكثير من الأسر السعيدة ، ينتشر الحب بين الزوجين ، ويقومان معا بالانفاق على الأولاد ويتعاونان بالأشغال المنزلية. لاتنظرن الى حالتي فقط ، ادرسن قصص المتزوجين ، واصدرن احكامكن ..
- هل كنت تعلمين استاذتنا ؟
- طبيعي ان الزوجة تدرك بتغير عواطف زوجها نحوها .
- مع الأسف .. تشقين في الحياة ، وهو يلعب ويتسلى ، ضاربا مشاعرك بعرض الحائط
- لست وحدي التي تعاني ، هناك من يعشن مثلي ، محرومات من الحقوق ، مع زوج لايبالي بما يقمن به من تضحيات.
- وكيف تتحملين هذه المعاناة استاذتنا الحبيبة؟
- انتظر ان تتحسن تصرفاته بعد فترة!
يبتدعها زوجها ليتمتع مع النساء الكثيرات ، وكثيرا ما تسأل نفسها ، دون ان تتوصل للجواب :
- لماذا يصر احمد منصور على اساءة معاملتي وهو يراني بمثل هذا النكران للذات ؟ وهل انا ضعيفة جدا ، لاأستطيع ان أضع حدا لظلمه؟
(76)
كل الكلام الخيالي الذي نسمعه عن المساواة تكرره باسمة امام طالباتها المراهقات ، من الرجل الذي يتنكر لرجولته في غسل الصحون وتنظيف البلاط ؟ من الرجل الذي يدنس نفسه في تنظيف ا لملابس وكيها ، ومن من الرجال يسمح ان يعود الى منزله ويجد ان الطعام لم ينضج بعد ، وان كؤوس الشاي لم تغسل منذ الصباح ، وان ادوات الحلاقة التي يستعملها بقيت في مكانها ولم تنظف ؟ من الرجل الذي يرضى ان يحرم من السهر مع أصدقائه ؟ من الرجل الذي يحرص على رضا زوجته ؟ ماذا يمكن أن تفعل الزوجة ان وجدت زوجها ليس مهتما بها ؟ لتضرب رأسها بالحائط وتخرس . ماذا افعل انا ان كانت زوجتي مدرسة عليها ان تصحح اوراق طالباتها ، وان تضع الأسئلة للامتحانات الشهرية والفصلية ونصف العام ونهاية العام ، ماذا افعل ان تم فصلي من العمل ، هي لاتصدق ان الفصل تم لأسباب سياسية رغم اني ذكرت لها ذلك ، هي محظوظة انها ارتبطت برجل مثلي ، لايحاسبها كثيرا ان رفضت مشاركتي الفراش ، تقول لابد من ا لمداعبة قبل العمل ، وانا زهقت من كلامها المنمق الذي تردده من غير مناسبة ، انا مظلوم يا ناس ، لماذا لايحق للرجل ان يشكو وانا التعيس الذي تزوج مدرسة تعلم طالباتها العصيان والثورة ضد الرجال ، اي امرأة شاء سوء حظي ان ارتبط بها ؟ معها مصرف البيت وهي تشكو انها لم تستطع ان تشتري براتبها ما تحب ان تهيئه لوجباتنا الثلاثة ، نحن اثنان فقط ، احيانا يزورنا اخي مع احدى النساء ، فتكون الطامة الكبرى وترعد الدنيا وتزبد ، وكأنني انا من اتيت بالنساء الى منزلها ، أليس من حقي ان يزورنا اخي مع المرأة التي يريد :
- زوجتك متسلطة ، من حسن حظي انني لم اتزوج!
- انها متعبة فقط..
- وهل تضع تعبها على اكتافنا؟ ما شأننا نحن؟
- هي تتعب بالعمل ..
- السبب انك لست رجلا ، لتريها العين الحمراء..

(77)

تستبد الحيرة بباسمة سعيد ، ويسلب راحتها القلق، ايمكن ان يكون التباين بين حقيقة الانسان وبين ما يظهره للناس بهذه القوة ، هل يتظاهر احمد منصور بما ليس فيه ، ام انها طبيعة اي منا ، يظهر ما يراه جميلا ، دون ان يكون بمقدوره ان يتمتع به ، يثيرها العجب مما يقوم به للحصول على اعجاب النساء ، وتخلو حياتهما المشتركة من كل جميل ، تسمع عبارات الاستحسان تقولها سيدات محترمات لزوج لايعرف حقوق زوجته ، ولا يسمح لها بالتمتع بالجمال ، يحصي عليها حركاتها ، ويدعي انه مناصر لحقوق المرأة ، هل يجدها امرأة حقا ، ام ان عفله يجردها من صفات الانوثة التي يراها في كل النساء ، الا باسمة سعيد ، التي تنتظر اوبته في كل مساء ، لتسمع منه كلمة واحدة ، تحثها على مواصلة الحياة مع امريء تزوجته لأنها وثقت بحبه لها ، ثم اكتشفت ان قلبه خال من صفات الحب والاعجاب ، يطول سهرها وانتظارها لعودته ، لكنه يرجع مخمورا ، وقد أسرف في الشراب ، فيفسد عليها ليلتها ، ويجعلها تتمنى الا تكون قد عرفته ، او وقعت في حبائله ، يمدحه جميع معارفه واصدقائه من الجنسين ، ويسبغون عليه اجمل الصفات ، التي لاتراها ، وهي التي تحبه ، كيف وقعت في حبه ؟ وكيف ظنت انه يبادلها عاطفتها ؟ كان ذلك سرابا رافقها طول الوقت..
تستمع باسمة الى اقوال اصدقائه :
- احمد رجل كامل ، يتمتع بكل ما تحبه المرأة من صفات !
- انه رجل رائع لكنك لاتعرفين قدره !
- طبيعي ان يعرف الرجل نساء عديدات فهل تريدين ان يكون امرأة؟
- انت تظلمين الرجل الجميل معك ! لماذا اقدمت على الزواج منه ؟
- عشرات النساء يرغبن بالارتباط بأحمد وانت لاتعرفين شمائله!
- ان كنت لاتحبينه ، ليعد الي ، طوال عمري وانا متيمة بوسامته..
- انت تطلبين صفات ليست موجودة ! اتقي الله ولا تكثري الشكوى!
تقرر باسمة سعيد الا تشكو بعد اليوم ، وان تظهر السعادة ، ولا تجعل علامات الحزن تبدو عليها ، ترتدي ملابسها الجميلة ، وترسم ابتسامة السعادة على محياها .ز
يطول انتظارها ، ولا عودة للزوج الغائب ، وحين يقترب الفجر يرجع وقد انهكه الشراب:
-انت حجرة ثقيلة في طريق سعادتي!
تلجم المفاجأة باسمة سعيد ، ويصيبها الخرس ، وتقع على الأرض ، تسمع اشخاص يتحدثون وصوته تسمعه بوضوح:
- لم اقل لها شيئا ووقعت على الأرض..كنت اظن انها امرأة ، واذا بها مخلوقة من قش

(78)

حدثت باسمة سعيد صديقتها اسماء عن معاناتها وعن ارغامها على ان تقول ما لن تعتقد بصحته ، وان من كانت تظن انه حبيبها يجعلها تصرح امام الناس بامور ليست حقيقية ، واصلت باسمة حديثها عن الألم المكبوت: وكيف تحدثت للحاضرين في جمعية الدفاع عن حقوق النساء
يسرني سيداتي ان أقص عليكن حكايتي ، رغم انني لا أحب إلقاء المحاضرات ولا أحبذ قولها ولكني مغلوبة على أمري أنفذ مشيئة الآخرين وامتثل لأوامرهم
كلفت هذا اليوم بهذا الواجب ، ساعدنني كيف ابدأ ، حسنا امرني ان القي على مسامعكن تجربتي الطويلة والدروس التي استخلصتها طيلة سنين عمري السعيدة ، صه ، لقد ذهب ، لنتكلم بصراحة ، طلب مني ان أتحدث عن تجربتي الخاصة وعن المساواة التي نعمت بظلها ، ولقد ابتعد الان ...... وهذه الجلسة نسائية ، سأكون صريحة معكن وأتحدث بلا أكاذيب أو اختلا قات وعندما ترينه مقبلا اخبرنني كي اخذ حذري وأعود إلى حديثي المرسوم والمقرر ، بلا مساواة ولا بطيخ في مجتمعاتنا العربية لا تجعلن صوت المكر يفون عاليا ، فانا لا أطيق إسماع كلماتي لمن كان خارج هذه القاعة ، انتن فقط من أزمع محادثتهن بأمري
هل ذهب ؟ أصدقنني القول ، لم يعد في طاقتي احتمال الصراخ المستمر والزعيق ، أريد ان أحيا بسلام ، هل جربت إحداكن المساواة ؟ هل عاملها زوجها معاملة الند للند ؟ أنت يا سيدتي ؟ لعلك قد تزوجت حديثا ولم تري شيئا بعد من الدنيا ، انا كنت مثلك في مستهل زواجي ، حيث أجنحة الحب ترفرف علينا ، ورحيق الخمرة يسكرنا ، في ذلك الزمن السحيق حيث كنا عاشقين ، ارفعي صوتك ، لم اسمع ما تريدين قوله ، صمت من فضلكن ، ماذا هل تجدن في حديثي تناقضا ؟
اسمع أصوات خطوات تقترب ، لأخفض من صوتي ، لا أريد لأحد أن يسمعني ، فيساء فهمي ، والآن سأبدأ :
يسرني سيداتي آنساتي ..ان أقص عليكن حكايتي ، انا الزوجة والأم التي مضى على زواجها ثلاثة عقود كاملة ، لم يرتفع خلال هذه الفترة الطويلة صوت لي ، لم أتذمر ، لم أشك من سوء طالعي ، او أندب تعثر حظي ، قضيت هذه الأعوام وأنا شبه راضية ، وان لم أكن سعيدة ، فلماذا أشكو ؟ وماذا يصنع لي التذمر ، هل يغير إظهار الألم شيئا من واقع الحال ، أليس من المحال تحسين الأحوال ؟ هل تسألنني كيف استطعت التغلب على مصاعبي ؟ وما هي الطرق التي سلكتها ؟ لن أكون قدوة ، لكن ، آنساتي ، لكل جيل قوانينه ، كنت هادئة دوما ابتسم بوجه العاصفة واخفض لها رأسي وجسدي ،، وحتى روحي ، حتى تمر بسلام ، لم أغضب ، ولم الغضب ؟ لاشيء يغير المكتوب ، حسنا ، غضبت في البداية وكنت اشعر بضياع عمري ، وان حبي قد تبدد ، وكنت أسال نفسي أحيانا كيف استطاع برعونته أن يئد إحساسي بالحب نحوه ، لم يعد يسمعني الكلمات الحلوة التي ترغب بها روحي وكان يعاملني بغلظة أتساءل أحيانا من أين أتى بها ، وحين أحاول ان اعبر عن حبي ، يصرخ بي هازئا ، وبعد أن أحبني وبادلته عواطفه ، وتزوجنا ، ومضت فترة بسيطة على الزواج ، اخذ يحب كل النساء ويظهر لهن المودة ، يقدم لهن الأمنيات والقبلات والهدايا الجميلة في أعياد ميلادهن ، ويأخذ ثمن الهدايا من نقودي ، وأنا أحيا منسية ، لم يتذكر عيد ميلادي ثم أمسى يسمعني القول أنني قد كبرت على مثل هذه الاحتفالات مع أننا في عمر واحد وأبدو أنا اصغر منه أحيانا إذا ما اهتممت بنفسي ،لم يعد يراني امرأته ، ومن أكون ؟ صه ، سكوت من فضلكن ، المراة كالوردة ، تذبل ان لم يتم ارواؤها ، وقد ذبلت انا وانتهى أمري وأصبحت أرى العالم اسود بشع السواد مظلما جهنميا ، والحب شجرة باسقة كثيفة الأغصان ، وارفة الظلال ، تسقط أغصانها ، وتذبل أوراقها وتتساقط مصفرة ، تذروها الرياح ، ان نسي ارواؤها ، في غمرة الإخفاقات التي نعيشها ، كنت أسال نفسي وماذا جنيت حتى يعاملني هكذا ولم أذنب ؟ بقيت اطرح هذا السؤال فترة طويلة من الوقت ، حتى أدركت انه لا جدوى من الأسئلة ،، وأنني أضحيت أتنفس برئة الآخرين وارى بعيونهم ، هو القدر ، جعلني أبدو هادئة ساكنة ، وداخلي يغلي كالمرجل، أكون أحيانا صماء بكماء وحتى عمياء ،حلمت مرارا برجل يحبني ويضمني بحرارة إليه ويقبلني ككل الرجال في العالم ، ولكن هل كانت أحلامي اكبر من طاقتي ؟ ، لا ادري ، كل الذي اعلمه انه لاشيء غير الحب يبعث الأمل في النفوس ،، ويجعلنا نناضل ونجاهد ونشعر أننا أقوياء نقهر كل الشرور ونتغلب عليها ، وأعيش الآن بلا حب ، حياتي باردة كالثلج ، أئن وأتوجع ولا يشعر احد بحالي ، أصبت بكل العلل التي يمكنكن تخيلها ، ماذا افعل وأنا انسانة تعبة ، منهكة ، ووحيدة اردد أغاني فريد الأطرش ولا يصفق لي السامعون ، مالي أراكن وقد علت ابتسامة الاستفهام على محياكن ؟ من منكن استطاعت ان تغبر اتجاه دفة السفينة ؟ هراء ما تدعيه بعضكن ، هل تزعمن المساواة ، أي مساواة تجدنها في العالم العربي ؟ أي القوانين تدعو الى المساواة في بلدانكن المنكوبة ؟ سأكمل لكن قصتي : كنت عاجزة عن النظر والنطق حتى تسير سفينتي بهدوء ، ولا تفقد الملاح قدرته على إدارة الدفة ، لا تنسين إخباري إذا ما لاح لكن احد الذكور ، هل أنا ضعيفة ؟ أبدا ، اشعر دوما أنني قوية ، المراة العربية تكتسب عادات زوجها وتتخلق بها بمرور الوقت ، وانتن كلكن هكذا أصبحتن مثل أزواجكن حين جمعكما عش الزوجية السعيد او التعيس لا ادري ، أرى ابتسامات ساخرة تعلو محياكن هل استحق الشفقة ؟ أبدا ، ما هذا ؟ أرى شخصا يشبهه يطل من بعيد ، له نفس الهيئة ، واثق من نفسه درجة الغرور ، وكأنه لا يقرب الخطأ ، أين هدوئي ؟ لقد تبدد ،،انه يرعبني ، ينسيني قوتي ، يسلبني اتزاني ، يقيدني ، ماذا تدعين يا سيدتي ؟أ تزعمين أنني لا أزال أحبه ، هراء . ما تقولونه هراء ، لماذا يفرض على المرأة ان تحب من نسيها ؟ ينبغي ان أتحلى بقوتي أن أجاهد ضعفي ؟ ولكن كيف ؟ لاحول لي ولا قوة ، يتظاهر بالهدوء ويسمعني كلماته المسمومة ، يلدغني ، سهامه تصيب مني مقتلا ، أجد نفسي مبتعدة عن الموضوع الرئيس ، وعلي ان أحدثكن عن تجربتي الناجحة وحياتي المترعة بالأفراح ، وعليكن أن تسمعنني ، وتقتدين بي ، ولكن انتبهن جيدا ، ربما يلوح علينا ، بابتسامته الصفراء ، ولكن ماذا جرى لي ؟ افقد اتزاني ، ويهجرني صبري ، ويحكمني جزعي ، الا أجد بينكن مهربا ؟ أحاطني الصمت بخيوطه العنكبوتية ، مكثت داخل شرنقتي ،، فأبديت موافقتي على ما يبديه وأنا أتلظى ، أبطن المعارضة ، ماذا حدث لي ؟لا أحب ارتفاع الأصوات ، ويرتبك ضغطي عند أدنى ارتفاع ، ابعدي جهاز التسجيل أيتها السيدة لا أود تسجيل حديثي ، إنني أغبطك على وضعك أيتها الآنسة ، علي ان ابدي أفكارا لا احملها وان أؤيد وجهات نظر لا اتفق معها ، انه هو ، يقترب ، ام انه الوهم ؟، أصدقنني القول ، عزيزاتي ، هل استطاعت إحداكن أن تغير من طباع احدهم ،، وان تساهم في تقدمه نحو الأمام ؟ خداع وأباطيل ما تدعونه ، هراء ما بقينا نسمعه طيلة عمرنا المهدود عن دعاوى المساواة ، تسألنني كيف أستطيع أن أحافظ على هدوئي وسكينة نفسي ،؟ لم يكن الأمر هينا منذ البداية ، حلمت مثلكن بالمساواة وبالتعاون لتذليل الصعاب وبالمناقشة الهادئة ،الهادفة إلى تقريب وجهات النظر ، ولكن رفع الصوت من جانب شريكي ومطالبته لي بان أغير وجهة نظري ، وأتخلى عن قناعاتي جعلني أتظاهر بالهدوء وكثرة التظاهر بالشيء تكسب الإنسان مهارات جديدة ، أصبح التظاهر حقيقة ؟ فلماذا أثور برأيكن ؟ وعلى من ؟ والسفينة كيف يمكنها أن تشق طريقها وسط الأمواج المتلاطمة ؟، ألا ترون ان علينا معشر النساء واجبات كثيرة ؟ وليس لدينا حقوق ، أنت أيتها المراة المتحدثة ، ارفعي صوتك ، واخبريني أي حقوق تزعمين ؟ أنها ثوب فضفاض ، إننا نتدهور ونعود الى الخلف ، هراء .. كل نضالا تكن ذهبت أدراج الرياح ، ماذا تسالين أيتها السيدة ؟ كيف يمكنني ، الاحتفاظ برباطة جأشي ؟ إليكن هذا ، استيقظ مبكرة وأجهز طعام الإفطار.... ماهو السؤال ؟ نعم كل صباح ، أوقظ الأولاد ، اخرج من المنزل بعد ان يكون كل شيء جاهزا : طعام الغداء ، ما يحتاجونه من نقود لكل النهار ، الملابس النظيفة المكوية ، الأرضية ممسوحة بعناية ،والصحون مغسولة، استمر واقفة طيلة ساعات عملي ، أعود ظهرا أتناول قليلا من اللقيمات لتحفظ ماكينتي من الاستمرار بالعمل ، أعود الى العمل مرة أخرى بعد ان اغسل الصحون مرات ومرات ، هل ابتعدت عن الموضوع ؟ قليلا كما أظن ، أعود منهكة في ساعة متأخرة ...ليس كثيرا ، الى ماذا يوجهكن الخيال ؟ فلاشيء في حياتي الا الأسرة والعمل ، هل تسألنني ومتى أقرا؟ حسنا عندما انتهي من كل أعمال النهار وما ان امسك الكتاب حتى يأخذ النعاس بتلابيبي ، ومتى اخرج للترفيه عن نفسي ؟ لقد قرأت هذا السؤال في نظراتكن ، عندما أجد الوقت مناسبا ، هل تجدنني آلة ؟ اجد نفسي هكذا ، انا الة صماء ، والآن اخبرنني بالله من منكن نحيا بصورة أفضل مني ؟ إني أتحدى ، إني أرى أشباحا قادمة من بعيد ، لقد أنهيت كلامي ، وحدثتكن حديثا صادقا ،كنت اطمح اليه وارجوه من صميم قلبي ، أرى ملامحه من النافذة انه يحاول الاستماع الى ما نقول ،انا لم أفه بما يثير الغضب ، سوف ارفع صوتي : إنها حياة حافلة بالنجاحات ، زاخرة بالأفراح ، عشتها مع توأم روحي ، أسمعتكن إياها ،وأرجو ان تستفدن من تجربتي
فنحن زوجان متعاونان في كل أمور الحياة ، ناجحان سعيدان .... وشريكي إنسان ذو قلب كبير ، عشت وإياه حياة ملأى بالسعادة ، مترعة بالنعيم ، أرجو ان تمنحكن الحياة ما منحتني وطابت ليلتكن والى اللقاء


(79)
تسأل أسماء صديقتها باسمة:
- الرجال يحبون المرأة الجريئة ، ألم نجربي ان تقومي باغرائه ، بدلا ان يقوم هو بدعوتك دائما؟
- جربت هذه وأخفقتُ...
- كيف؟
في ليلة ظلماء خلت من اي ضوء ، كنا مجموعة أصدقاء متزوجين ، دعينا الى منزل عائلة ، تحتفل بذكرى زواج ، اوى جميع المدعويين الى اسرتهم ، وبعضهم افترش الأرض .
- متى كان ذلك ؟..
- في الشهر الأول لزواجنا ، كان عنيفا لكنه احيانا يردد بعض كلمات الحب .
قمتُ لأطل على حبيبي الغائب الذي يحضر دائما الى فكري الذي كان متوقدا، وجدته وقد سيطر عليه سلطان الكرى ، وتناوشته حمى الاحلام الطوباوية ، التي ليس بمقدور الأصحاء ان يحلموا انه بقدرتهم الوصول الى تحقيقها يوما ، وجدته كعادته دائما يصرخ في نومه لرؤيته كوابيس لايعلم عنها احد شيئا ، اشتقتُ الى لمساته وقبلاته ، فاغرقته في قبلاتي ، حتى استفاق من نومه :
- باسمة ، عليك اللعنة توقظينني من اعز نومة وتسلبينني حريتي !
- اشتقتُ اليك !
- وهل اشتياقك هذا يجعلك تقترفين بحقي جرما ؟
- لم اقترف بحقك جرما ! اي جرم اقترفت يداي ؟
- ليست يداك ! بل فكرك السقيم ، كيف سولت لك نفسك الآثمة أن توقظيني من عز النوم ؟
- ولكنك زوجي !
- اريد ان اضع حدا لهذه العلاقة الكريهة ، هل هو سجن ابدي تريدين ان توثقي حياتي بحباله؟
- لكني احبك حقا !
- ولماذا تحبينني ؟ ولم ابادلك عاطفتك المشؤومة يوما !
- لكنك احببتني يوما !
- لم احبك ، انت توهمت الحب واتيت اليّ لتسجينيني!
- لم افعل لك شيئا هذه الليلة ليثار غضبك !
- هل تودين ان اوقظ النائمين كلهم لأحدثهم عن سوء اخلاقك !
- سوء اخلاقي ؟ لم أذنب ابدا!
- وهل يعترف الجاني يجريمته بسهولة ؟
- اية جريمة ؟ انت تحيرني ! كل هذه النعوت لأنني رغبت أن أبادلك الحب ؟
- لم تريدي مبادلتي بل احببت ان ترغميني!
- لم ارغمك ! فقط انني اشتقتُ اليك!
- كيف يكون الاشتياق عنوة سيدتي ؟ انت تسعين الى اغتصابي!
تستبد الحيرة بي ويسيطر التوتر على نفسي ، لا أعرف كيف أجيب عن اتهامات ظالمة توجه الي من انسان احببته أكثر من الناس كلهم ، هل أخطأت في حبه ؟ ام اقترفت ذنبا في الاعتراف بحبه ؟ طلبني زوجة ، فأردت ان يكون حبيبا ، وها هو يعلن انني غريبة عنه ، لم يحببني يوما ..



(80)

تتساءل باسمة سعيد عن السر الذي جعل الرجل الذي أحبته ينقلب كل هذا الانقلاب ، لماذا أبدى الحب والتفهم في بداية معرفتهما ، وطلب يدها ، وحين ابدت رغبتها بالحب تغيرت تصرفاته ، هل لأنه عرف انها وقعت في غرامه من اللحظة الأولى والرجال في بلادنا عادة لايريدون ان تبدي المرأة هيامها بهم ، ويفضلون ان يكونوا البادئين باعلان الحب ، هل تسرعت باسمة في بوحها ، اما كان الأجدر بها ان توافق على يده الممدودة اولا ، وتنتظر الوقت المناسب ككل بنات جنسها ، يرغبن بالرجل ويجعلنه يقد م على التصريح بالحب ، باسمة سعيد التقدمية والتي تناضل من اجل المساواة لم تشأ ان تلف وتدور وان تنتظر الحبيب حتى يعلن عن حبه ، فهذا الحبيب لم يكن يبالي بها ن وقد احب فتاة أخرى ، وحين رفضه أهلها تقدم لباسمة التي كان يدرك انها تعشقه ومنذ ان رأته عيناها، فهل الحب وهم كبير يداعب النفوس النبيلة والقلوب المرهفة الشعور ؟ ام انه حقيقة تريد اناسا أقوياء يجعلون العاطفة في حياتهم شجرة وارفة الظلال ، يستظلون بفيئها ، وهل باسمة سعيد كانت من الأقوياء ؟ ام انها تنهزم من الوهلة الأولى وتندب حظها العاثر الذي اوقعها بمثل هذه القصة الشائكة ، احمد منصور ليس قويا ليبقي ثابتا مع انسانة توهمت انها تشعر بالحب ن كما كانت تشعر بالسعادة الغامرة حين تربط صديقين من أصدقائها المخلصين وشائج اجمل علافة في الوجود ، وقد نجحت في جعل الكثيرين من اعز الأصدقاء يقدمون على الارتباط بعلاقة تصمد امام كل انواع الأشواك ؟ هل هي الارادة ام الحظ ما يكمن وراء فشلها الذريع في الوصول الى مبتغاها في بناء حياة سعيدة ، لماذا ترى نفسها وقد أعيتها حالة زوجها الذي تجده ضعيف الأعصاب ، يثور لأتفه الأسباب ، ويسب ويشتم لاعنا الساعة التي جمعتهما معا ، ماذا تفعل الان ؟ وهي ترى ان الحب في داخل نفسها المعذبة قد زال وظهرت مكان جذوره أشواك قاسية تدمي القلب والعقل معا ، هل تصمم على الطلاق ام تحاول ان تنقذ قصتها التي توهمت انها قابلة للتحقق ، اي مصير ينتظرها ، واية لعنة حلت ببابها ، فحولت كل الجمال الى طحالب ضارة تميت كل المخلوقات وتزرع بذور التعاسة والتوتر لتحول الخضرة الى بيداء قاحلة...

انتهت
































الجزء الخامس من رواية ( وأدتك قلبي)
(65)
تهييء باسمة سعيد نفسها لعودة زوجها ، تفتح آلة التسجيل على الاصوات التي يحبانها معا ، يأتي زوجها:
- امي تسلم عليك!
- كيف هي؟
- بخير ، حدثتها عن متاعب ليلتنا ، وقالت انها طبيعية ، لابد ان نشهدها في بداية الزواج ، وقالت انني احب زوجتي كثيرا ،لهذا لااريد ايلامها في ليلتنا الأولى ، وقالت ايضا ان باسمة تحبك وسوف تتحمل الألم كما تصبر النساء عادة على اوجاع ليلة الدخلة ، وانك سوف لن تصرخي في منتصف ليلتنا كما فعلت في بدايتها..
- هل تحب ان تسمع اغاني ام كلثوم ام نجاة الصغيرة؟
- اي اغنية تحبينها افضل سماعها ، قالت امي انني يجب ان اكون لطيفا معك ، وانك اذا صرخت لااجعل صراخك يتسبب في ايقاف عضوي من الانتصاب ، لاتصرخي حبيبتي ، وسوف تنتهي ليلتنا بخير كما نريدها ، هل تريدين كأسا من البيرة ام العرق؟
- كأسا من العرق.
- هاتفت امي قريبنا الدكتور منعم وحدثته عن متاعبنا ، فوصف لي حبوبا تمدني بالهدوء والطمأنينة في هذه الليلة ، وقال الدكتور منعم ، ان باسمة تحبك وسوف لن تصرخ ، وان الزوجات كلهن يصارعن الألم ولا يخبرن الزوج عنها ، حتى لايفقد القدرة على الانتصاب كما حصل لي..
- احبك احبك احبك..
- وانا احبك ياباسمة اكثر مما تتوقعين ، استرخي حبيبتي ، فالامر طبيعي ، لاتكوني متشنجة ، دعي الشراب يعمل على تهدئتك ، انسي كل شيء الا حبنا الكبير ، وليلتنا السعيدة القادمة..
يطأ احمد منصور باسمة ، تضع تحتها الفوطة البيضاء كما نصحتها صديقتها الطبيبة ،
تمسك بوجه احمد وتقبله قبلة طويلة ، وتوزع قبلاتها على الفم والعنق و العينين ، تجد ان الألم اصبح خفيفا بامكانها ان تتحمله ، يسألها احمد :
- هل انتهينا؟
- ماذا تقول انت؟
- اين الدم ؟
تقوم باسمة وتنظر الى الفوطة البيضاء ، ترى قطرات قليلة من الدم ، تضعها امام عيني احمد ، وهي تشعر ان خنجرا مسموما قد وجه الى كرامتها ، لاتقول شيئا ، وتتوجه الى الحمام لتغسل ما بين فخذيها ، وحين تعود تجد احمد نائما وسط السرير ، وهو يشخر بعنف،
ما زالت الآلام تشعرها ان سكينا حادة قطعت جسدها وجعلته أشلاء رمته بعيدا ، وان قلبها الظاميء لم يجد من يشبعه من سغب ، فهل ما كانت تشعر به من حب ظنته خالدا مجرد سراب؟
وهل يوجد حب حقيقي في هذه الدنيا ؟ ام اننا نتوهم لنجعل الحياة تبدو اكثر جمالا، قلبها ممزق ، قد وجهت اليه طعنة كبيرة ، تشعر انها فقدت شيئا ثمينا لايمكنها استرجاعه، قالت لها صديقتها نجلاء مرة :
- من الخير لاحدانا ان تتزوج رجلا متنورا عن طريق خطبة الأهل ، افضل من الاقتران برجل يدعي التقدمية ، قد ارتبطت معه بعلاقة حب قبل الزواج!
- لماذا يا نجلاء ؟
- لان الرجل المدعي لايصدق ان زوجته لم تعرف رجلا غيره ، مهما كانت براءتها أكيدة.. ويرى انه مادام يحب نساء كثيرات ، فان الفتاة تحب مثله ، ولا يصدق ان المرأة لاتهب رجلها قبلتها فقط الا ان كانت تحبه.
كيف يصدق احمد منصور ان باسمة لم تحب الا اياه ، وان جميع صداقاتها مع الرجال كانت علاقات اخوة؟ وأنى له ان يفهم وهو ليس امرأة تخشى ان ترتبط بعلاقة حب وتحافظ على رأي الحبيب بعفتها . كيف يمكن للمرأة ان تطالب بالمساواة وهي تخشى من علاقات الحب وتحاول وأدها منذ تباشير فجرها، هل يمكن لأي رجل ان يدرك كم تقاسي المرأة كي لايساء الى سمعتها من احد توهمت يوما انه يحبها ، واذا التوهم مجرد أضغاث أحلام .. انى لأحمد منصور ان يعرف ان باسمة لم يعرفها اي رجل ، وانها رغم قصص الحب التي حاولت قتلها في بداية انطلاقها لم تجرب القبلة ولا اللمسة ؟ كيف يمكن ان توجه طعنة نجلاء الى شرفها من رجل احبته كل العمر! ؟

(66)
قطرات قليلة من الدم كانت على الفوطة البيضاء ، حين تساءلت اين الدم ؟ اجابتني بأن وضعت فوطتها امامي ، اصابني الخرس ، لماذا تسيل منها قطرات قليلة ، ، بينما بعض النساء تنزف انهارا من الدماء ؟ لماذا هذا البخل ؟ ومن اين جاءت باسمة بالفوطة ؟ تساؤلي جعلها تتوتر ، رأيت ذلك على ملامحها ، وماذا أفعل انا ؟ انا الرجل الذي اهينت كرامته ؟ كيف لي هذه الثقة ما عدتُ اعرفُ شيئا ، وقد ظننتُ انني قد قطعت السمكة وذيلها ، واذا بي اصبح اليوم موضع هزء من المطالبات بالمساواة ، الا سحقا لكن ، تدعين بهتا انكن بريئات ! لم احب امرأة في حياتي ، الا نهلة التي اجدها موضع فخري واعتزازي ، هي تحبني لذاتي ، وليس لديها مطمح آخر ، لاتريد زواجا ، ولا ان تضع القيود حولي ، كما تفعل النساء حين يحببن . الا يدركن ان الزواج مقبرة الحب ، ذهبت باسمة لتغسل جسدها من تعدي صارخ وقع عليه من قبلي ، وانا كنت صريع الهواجس والشكوك ، هل الفنان المطرب الذي تعجب به باسمة ، هو من جنى محبتها ؟ لا ادري انا ، كلما كنت اسالها عن ماضيها تقسم انها بلا ماض ، من اين جاءتها هذه القوة ؟ كثيرون احبوا باسمة واعجبوا بها ، وغبطوني على محبتها المزعومة لي ، اما دروا انها وصلت لي ثيبا ملعوبا بها ، وانا الحريص على ان تأتيني الزوجة بكرا ، لماذا وقعتُ بارادتي بهذا اليم ؟ وكيف يمكن انقاذ نفسي منه ؟ انا من كنت اتوهم اتصافي بالذكاء والحنكة ، كيف وقعت بملء ارادتي بهذا المطب ؟ تعسا للنساء ولكل من يصدق بكلامهن المعسول ! وأكاذيبهن الفاحشة ، انا احمد منصور اعترف انني وقعت في الفخ المنصوب لي باصرار وترصد ، لماذا تنكر باسمة ماضيها ؟ أليس الأجدر بها ان تخبرني بالحقيقة ؟ الم تكن تدري انني سأقف الى جانبها حين اسمع قصصها العديدة عن أحبابها السابقين ، ألم اساعد شقيقاتي في قصص حبهن ، واقف معهن واقابل احبابهن وادعوهم الى منزلنا ؟ لماذا اخفت عني باسمة قصص غرامياتها ؟ وجعلني ذلك كثير الشكوك . لو ذكرت لي الحقيقة ما كنت اكذب ما تقوله ، اعتقد انه لايوجد امرأة عصرية بلا ماض ، كيف زعمت باسمة انها حرمت نفسها من احضان الحبيب ودفئه من اجل ان تذهب الى العريس بلا دنس ؟ كيف اصدق انا ؟ وهل يمكن للمرأة مهما كانت قوتها ان تئد عواطفها ورغبتها في دفء الرجل ، من اجل ماذا ؟ وتزعم انها فعلت ذلك كي تصون نفسها للزوج القادم ، وهل يمكن لأي زوج ان يكون بديلا عن الحبيب يا باسمة؟ سأحاول ان أكون رؤوفا بها ، فهي كريمة الخصال كما يدرك جميع من عرفوها ، ولن اكرر شكي بها ، وسأستمر على علاقتي بنهلة التي تمنحني السعادة والرضا من حياتي ، فانا لم احقق شيئا الا حبي لمعشوقتي نهلة الرائعة...


(67)

باسمة سعيد في اعلى درجات الفرح ، غُرست في قلبها شتلات السعادة ، واينعت في نفسها ثمار الحبور ، لم تكن تعلم ان الزواج سوف يجعلها بكل هذا السرور، وردتها الظامئة المتطلعة للوصال، تتغنى هذه الليالي بفرح غامر ، بعد ان سقاها الحبيب ، وانقذها من عطش ظنته دائميا ، تنتظر الساعات لأوبة احمد منصور ، وتقوم بكل الأعمال المنزلية ونفسها جذلى، تخرج الى العمل وهي تغني بأعذب الأصوات مترنمة ، واصفة سعادتها الجديدة التي لم تكن تخطر على البال ، قامت بكل الاعمال التي كانت تتوهم انها ستضيف اليها الفرح ، ولكن تعبها الشديد وارهاق نفسها وخذلان روحها ، بعد ان اعياها انتظار العرفان ، كان يخلق لها أسقاما للروح ، وأمراضا للفؤاد ، سمعت الكثيرات من صديقاتها يسبغن الأوصاف الجميلة على تلاقي الجسدين ، لكنها حلمت باتحاد الروحين اولا ، ليؤدي الى تلاحم الجسدين باروع الصلات ، لم تجد احمد منصور كما توقعته جميل النفس هاديء الطباع ، بل كان عنيفا سريع الغضب ، يتفوه بالكلمات النابية المعبرة عن ضيق النفس ، والتسرع في الرد قبل اتضاح القصد من الكلام ، تحملت كل الصفات الحادة ، بصبر لذيذ ، وهي تنتظر ساعة الرقاد ، تنتعش الوردة وتنتظر غيثا يهطل من حبيب جميل ، يتعانقان ، يتبادلان القبل ، يتلاحمان في عزف أخاذ ، تصاحبه الموسيقى من اجمل الألحان ،لكن الحبيب وآسفاه ضنين بالوصال ، لايريد ان تتكرر اللقاءات الثملة ويقول انها تسارع في الاتيان بالعجز قبل الأوان ، وان عليهما ان يقتصدا في أوقات الغرام ، وان تكون ساعات الحب مرتين في الشهر ، ليحافظا على صحتهما قبل الأفول ، وان الترحيب الذي تبديه معيب جدا:
- من علمك هذا؟ اجدك قد جربت الحب قبل الزواج!
- هل عدنا الى الاتهامات مرة اخرى؟
- لاارى انك بريئة كما تقولين!
- لم اجرب الحب ، انما كنت أشتهي الوصال ÷، ولقد خشيت ان اجربه ، ولو كنت اعلم انك ستتهمني لعشت قصة الحب ، كما تفعل الشجاعات من النساء!
- هل تعتبرين هذه الجرأة شجاعة؟
- حرمت نفسي من اجل ان يراني زوجي نظيفة من الخدوش ، ولكنك تتهمني!
- انك سريعة الاستجابة ، ما ان ألمسك حتى ارى الشهوة المستعرة في عينيك!
- وهل كنت تحب ان تقترن بامرأة باردة ؟
- لا أدري ، ربما الباردة افضل من شديدة الحرارة!
- وما العمل؟
- لا عمل الآن ، وقد يأتيك بالأخبار من لم تزودي!


(68)

أتساءل أحيانا هل باسمة بريئة كما تقول ؟ وهل ان بقاءها بعيدة عن الوصال جعلتها بهذه الرهافة ، ما ان اقترب منها حتى اجدها تشتعل ، كيف تعلمت ان تكون بمثل هذه الحرارة قرأت مرة ان حرمان المرأة من الحب قد يجعلها باردة لاتستجيب لمداعبات الحبيب ، وباسمة تدعي انها لم تعش قصة حب حقيقية ! كيف تأتى لها ان تكون بمثل هذه ؟ ، انها تجعلني ارى كل فنون الغرام ، وانا لااستطيع ان ابريء هذه المخلوقة التي وهبتني كل هذه العواطف ، ولم امنحها الا الشك والصدود ، اتعجب لحالة النساء ، كيف يصبرن على مثل هذه العلاقات ؟ وباسمة من اسرة نبيلة ، كانت موضع عنايتها ورعايتها منذ الطفولة ،وحتى شاء لها سوء طالعها ، ان تقترن بي ، احيانا افكر ، لماذا أسيء معاملة المرأة التي وهبتني نفسها ، هل لأنني نشأت في اسرة يحترمون فيها من يبرع في الصراخ ، ويرون ان طلباته اوامر ، يجب ان تطاع ، هذا انا ، اصرخ بلا سبب وأطالبها ان تغير نفسها وقناعاتها من اجلي ، انا الزاخر بالأخطاء ، المعدوم من الثقة ، الخالي من الجمال ! لماذا جعلت باسمة تجد التعاسة في يومها الأول معي ؟ لماذا لم احسن معاملتها ؟ وانا اجدها تشعل الشمعات العشر من اجل ارضائي ، سأدع هذه الأسئلة واعود الى سلوكي نفسه ، فهو يسعدني ، اليس من الثراء ان تجد زوجتك تهرح الى نيل رضاك عنها ؟ وانت تمعن في اذلالها وسلب راحتها النفسية ؟ لماذا انا هكذا ؟ هل انا سيء جدا ، بعضهم يقول انني طيب ، لكني لااحسن فن الكلام ، اتفوه بالكلمات القاسية ، رغبة في نشدان الهيبة ! أي هيبة أريد وأنا أصعب الحياة على رفيقتي فيها ؟ ولكن ما بالي اتهم نفسي ! وباسمة لن تحتج على سوء معاملتي لها ، ربما تجد ها دليلا على الرجولة التي لم تجربها قبلي، فلأمضي في حياتي ، غير وجل ، احب نهلة ، وتخدمني باسمة التي دللها اهلها ، وانا اسمعها قاسي الكلام ، واعيد عليها انني اشك بها ، وانها لم تكن عذراء ، لتكن مشيئتي المهيمنة ، ولتصبح باسمة امتي ، التي اصنع معها ما أشاء ، اهبها بعض اللحظات السعيدة ، واهجرها طوال العمر ، نهلة من اصبو الى رضاها عني ، فهي حبيبتي الوحيدة ، وباسمة تمهد لي طريق السعادة..

(69)

كما النهر الرقراق ينساب من بين يدي باسمة سعيد، تتبخر سويعات الهناء ، وتولي لحظات بهاء اليقين ، أكان حلما جميلا ، انتهى لحظة جفاها الكرى ، وحل بأيامها سهاد مرير ، لماذا تتراءى لها البهجة ، كسراب شمس قائظة ، يسيل فيها من القلوب تعب غزير ، لا طاقة لها باحتماله ، وتتوالى عليها كؤوس الهم والعناء ، تتجرعها حتى الثمالة ، ضاعت كل أحلامها ، وولت طيور الفرح، جارية من أرضها الجدباء ، لتحل في حقول أخرى تعرف ما معنى السرور ، لمَ يهجر المرء فيها غناء العنادل ؟، إلى عواء متواصل كئيب ، أية لعنة حلت ببابها ، فأحالت سنابل قمحها إلى عجاف ، تركتها الأيام ثكلى ، ودعت المسرات في دنيا بعيدة ، وحان لها أن ترتوي من ماء أجاج ...
لمَ تهزم الأيام وتعبس الليالي ؟ أليست الحياة مدا وجزرا ، وفرصا سانحة ، يحسن الفطن اقتناصها ، ليفوز باللذات ، وينأى عن الكآبة والضياع ؟ وأية لذات تحلم بها ، وكأس الحنظل يفتح فاه مرحبا ، شامتا بما حل بأرضها من جفاف .....يصدأ عندها الشعور ، وتهرب النعم ميممة وجهها، صوب شاطئ بعيد
بطاقة تهنئة بالعيد ، وامرأة تلوح بفخر، تتصاغر أمام فتنتها الحسناوات ، وصدر ناهد مرمري ، عاري ، وشعر ينسدل بتراخ فوق الكتفين ، وكلمات قليلة مخطوطة بقلم أنيق :
- اذكرني ، كلما لاحت لك صورتي ...
تؤخذ باسمة على حين غرة ، هل أهرق احدهم فوقها ماء ثلج ؟ لم تحسب أن هذه اللحظة آتية ، وان قناديل حياتها توشك على الانطفاء ، وهي ما زالت في شهور العرس الأولى ،ريح عاتية ، تتلاعب بها ، تكون ريشة في مهبها ، من هي المهيمنة على هذا المشهد المسرحي ؟، تصدر أوامرها ،فيسارع الملبّون بالطاعة ؟ وباسمة ؟ تتنكر القوى الفاعلة ، وكأنها نقطة في بحر عميق الغور ، تطول حيرتها لمَ كل هذا ؟ من تكون هذه ؟ وكيف مرت بحياتها المسهدة الكئيبة ؟ وكيف لا يخطر في بالها ، انه يمكن أن تقابل تضحياتها الجسام بالنكران المبين ، وتقابل أعمالها الناصعة بالهزء ؟ ولمَ تتحول أيامها إلى علقم ؟ وعلام تقابل حسناتها بالسيئات ، ولمَ لا يكون الجزاء من جنس العمل ، وماذا جنت باسمة لتتضاعف على أم رأسها اللعنات ، ويسقونها شراب الحنظل ؟وكانت المحسنة دائما..
تستبد بها التساؤلات ، أي بحر متلاطم الأمواج ، رموها فيه ، وابعدوا عنها قوارب النجاة ، لمن تتوجه طالبة الإحسان، وقد سدت السبل بوجها ؟
قد تكون الخاطئة ؟ لماذا سمحت للأفعى أن تكون قريبة منها ؟ ألم تخش من انقلابها وتلون أفعالها ؟
أتكون بطاقة يتيمة ، قد أثارت بها فيضان المخاوف هذا ، وأغرقتها في يم لا شاطئ له ، وكيف يمكن لها أن تعلم ؟ قد تكون العديد من البطاقات الواعدة ، تسيل أحلاما ، وتجعل الأرض تميد تحتها ؟ ، ألم يصاحبها أفعال تعزز لغتها المطمئنة ؟ من جعل الحسناء بهذه الثقة ، وزرع في نفسها جذور اليقين ؟
تتقلب في بحر من الجمر تتلاطم فيه الأمواج ، أفكارها تضطرب في لجة عميقة الغور، عساها تهتدي إلى قرار ، وكيف يمكن لمن لا يحسن السباحة ، أن يعرف طبيعة البحار ، وسر الأمواج المتصارعة فيها ، هل ضاع كل ما بنته ؟ وتحملت تبعات أعمالها طوال هذه الشهور، هل خطر في بالها انه مثلها ، قُدّ من وفاء ؟
لن تنهزم ، هل تمنحه هدية للراغبات، وهي ساغبة تنظر ، ومن يعيده إليها؟ ، تتفرج... لا حول لها ولا قوة ، هل ضاعت الآن الفرص ؟ أليس بإمكانها تدارك الأمر ، ما زالت الحكاية في بدايتها ، فلتناضل لاسترجاع حقها...
صديقتها السعيدة لديها ما ترنو إليه النفس ، مشاهد آسرة ،وأفلام أكيد مفعولها ، عن كيفية إعادة الهاربين من أعشاشهم الصغيرة ، تشاهد باسمة ما قدمته لها الصديقة ، وتقلد المشاهد ببراعة ، وكأنها بطلة القصة ، تبث الرغبة في نفس أرهقتها صروف الحياة ، تقبل رجلها وتناجيه وتناغيه ، ينهض الحبيب ملبيا ، وتتحقق لها رغبتها ، انتصرت على من يريد بها شرا ، ولكن الفرحة العارمة ما تلبث أن تنقلب وبالا ، لتحط على رأسها ، وهي في منتصف الطريق لتحقيق حلمها الطويل ، والانتصار على من سلب منها جمال الحياة ، واسترداد واهب النعيم ، وساقي اللذات :
- كيف تأتى لك المهارة بهذا الفن ؟ من علمك ؟ هل أكون أنا آخر من يعلم ؟ ..


( 70)
كيف وقعت البطاقة بيد باسمة؟ وكيف يمكن لها ان تقرأ البطاقات المرسلة لي؟ عليها ان تنظف مكتبي وتعتني بالأوراق المتراكمة عليه وعلى الأرض، دون ان تقرأ ما تتضمن تلك الأوراق ، كيف اتت لها الجرأة لتبحث عمن بعثت البطاقة ، وانا كنت اريدها عمياء ، في عملي توجد نساء عديدات ،أرتبط بصداقة معهن ، فهل من المعقول الا أستلم بطاقات الاعجاب منهن ؟ هل ارفض محبتهن ؟ هل يمكن هذا للرجل الناجح ، هل انا امرأة حتى اعتذر عن استلام بطاقات المحبة والاعجاب لأني مرتبطة بعقد زواج؟ لن يسمح الرجل بتقييد حريته ، وهو حر ان يفعل ما يشاء ، يحب من يريد من النساء ويرسل بطاقات الحب اليهن ، هل امنع النساء عن محبتي وانا الرجل المحبوب ذو الجاذبية كما تصفني النساء ، وباسمة محظوظة انها ارتبطت بي ، عليها ان تكون سعيدة ، فأنا زوجها بعقد شهد عليه اثنان ، والأخريات يبادلنني المحبة ، دون ان تتنتظر مني احداهن شيئا الا اللطف في المعاملة ، هل اتنكر لما يبدينه من مودة يحسدني عليها الأصدقاء ، كلهم يغبطونني على عدد النساء اللاتي يمحظنني حبا فريدا لاامل فيه ولا رجاء ، ويبعثن لي بطاقاتهن المعبرة عن شدة الاعجاب والوجد...
، وباسمة بعد ان رأت البطاقة غضبت ، كيف احب اخريات وانا زوجها ؟ وهل حجرت على حريتي بكونها زوجتي ؟ لم تكن تدري ان هناك عدد من البطاقات الأخرى اكثر جراة من تلك التي وقعت في يديها ، ونحن اتفقنا في بداية الزواج الا يفتش احدنا في أوراق الآخر :
- كيف سمحت لنفسك ان تبحثي في أوراقي ؟ انا لم اعرف ماذا تخبيء أوراقك من قصص لاتريدين افشاءها ! هل تعتبين على بطاقة استلمتها من احدى النساء ، وانا اجد الكثيرين من الرجال يعجبون بك ! هل عاتبتك يوما ، هل وجدت انني اخذت ابحث في ادراج مكتبك عما يتهمك من قصص الاعجاب التي تتلقينها من عدد من الرجال ، لك حياتك ولي حياتي ، وان كنا نعيش سوية في منزل مشترك! لا تفتشي في كتبي ودفاتري وانا ايضا لن ابحث عما يشينك في كتبك ، لسنا طفلين ، ونحن ناضجان ، يمكنك ان تحبي من تشائين ، ولا اجد في ذلك ما يخدش كرامتي..
سكتت باسمة ولم تعد الا اتهامي مرات اخر ، رغم اني ما تركت معاشرة النساء ، وبقيتُ استلم بطاقات الحب والاعجاب منهن ، وان كنت احب واحدة هي نهلة ، لكن غضب باسمة المفتعل جعلني اثور على تدخلها في شؤوني ، لتصمت هذه المرأة ولتترك عادة ان تدخل انفها فيما لايعنيها ، وانا أدرك انها لاتعرف رجلا غيري ، الا انني شئت الا تتوهم ان لها حجما اكبر من حقيقتها فانا الرجل وعليها طاعتي..
(71)

المصاعب تتراكم على باسمة سعيد ، واحمد منصور يأتي باغلب تلك الصعاب ، لاتدري باسمة اهو قصد منه ام سوء تدبير ؟ يلومه الأصحاب كيف يمكن ان يتخلى عن المرأة التي احبته كل هذا الحب؟ كانت تظن انه يخلص لها كما هي تحفظ له حقوقه في حضوره والغياب تقول لها صديقتها :
- الرجال كلهم خائنون سيئون ، لاينفع معهم الاخلاص..
- ليس كلهم ، حرام ان نتهم الجميع بصفات البعض!
- أتعرفين ان احمد يخونك مع اية امرأة يجد عندها القبول؟
- لا ارى ذلك ، يمكن انني من شدة انشغالي بعملي وانهماكي بأشغال البيت ، جعلته يشعر انه وحيد مهمل!
- انك لم تقصري ، ماذا يمكن ان تفعلي ؟ وزوجك فقد عمله لأنه كان كثير الغياب؟ اتكل عليك ووجدك مجتهدة في عملك ، حريصة على نجاحك فأكثر من اهماله ، مما اثار استغراب من كان يعرفه قبل زواجه ، بعض الرجال لايطيقون نجاح زوجاتهم ، فيسببون لها المتاعب ، ويضعون المصاعب في طريقها ، كي تفشل في عملها ، ليدعوا ان المرأة من طبيعتها الفشل ، وحين يجدون الزوجة لاتبالي بما يبذلونه من جهود لافشال مساعيها ، وجعلها تفشل في العمل الذي كانت تتقنه قبل الزواج ، فيحزنون ، ويصيبهم التوتر ، ويكثرون التغيب عن عملهم ، وحين يعاقبون على التقصير في العمل بالاعفاء منه ، يعاقبون الزوجة الناجحة بخيانتها مع كل امرأة..
- لكني رغم فقدانه العمل ، لااشك به ،انه لا يخونني!
- لأنك امرأة وفية ، ومن الخطأ جدا ان نظن ان الناس مثلنا ، فان كنت تتصفين بالاخلاص ، فلا يعني هذا ان زوجك مخلص ايضا.
- وكيف يمكنك ان تتهميه بالخيانة ؟ ألا يمكن انه بريء منها؟
- عندي الدلائل ، وقد رغبت في البداية ان اخبيء الحقيقة عنك ، لئلا اسبب لك حزنا ، فانت صديقتي وعزيزة على نفسي، كما تعلمين ، زوجك عزيزتي يصادق كل النساء الا انت زوجته ، فهو بعيد عنك ، يسير متأبطا النساء اللاتي يقول انهن صديقاته ، تاركا اياك تكدحين من اجل الحصول على طعامكما وشرابكما ولباسكما .
- هذا من واجبي ، لأنه فقد عمله!
- ولماذا فقد عمله ؟ أليس بسبب تقصيره بالمحافظة على العمل وصيانته؟
- ربما بذل جهده ولم ينجح!
- لم يبذل! انه الان مسرور ، يجعلك تشقين للقيام بواجبه وواجب المرأة بوقت واحد!
وهو يتفسح مع النساء ، اية لعنة هذه ؟ لماذا تصمتين ؟
- وماذا يمكنني ان افعل؟
- ثوري! وهدديه ان واصل صداقاته مع النساء فانك سوف تهجرينه!
- لا أظن ان تهديدي سوف ينفعني ، طالبته بالطلاق فلم يوافق!
- انت تعرفينه اذن ! صديقتي العزيزة ، لماذا تستمر معاناتك؟
- لأننا في العراق لايمكن للمرأة ان تطالب بالطلاق ، هذا الحق بيد الرجل دائما ، واحمد لن يطلقني لأنني المعيلة والخادمة والقائمة بكل المهام!
- وهل كنت تعرفين كل تصرفاته؟ ورغم هذا تصمتين ؟
- نعم وقلبي يتمزق ، لأنني احببت رجلا بائسا ، أراني النجوم في عز الظهر ، وجعلني اشرب المر واتذوق العلقم ، ليس كلهم صديقتي العزيزة ، يوجد الحنون والشجاع ولكن احمد اراه الان يخلو من كل الصفات التي احببته من اجلها..
- هل تواصلين الحياة معه؟
- انتظر ان يتحسن..
- وكيف تأملين ذلك ؟
- يمكنني ان أصبر على كل شيء ، الا حرماني ان اكون اما..
- وهل هو لايحب الأطفال ؟.


- طالبته عددا من المرات بحقي بالامومة ، لكنه طالب بتأجيل الأمر
- ولماذا يريد التأجيل ؟
- يقول ان ظروفنا الاقتصادية لاتسمح بالانجاب في الوقت الحاضر..وعلينا ان ننتظر ريثما يجد هملا بديلا..
- وهل ستواصلين الصمت على حرمانك من حقك في الطفل؟
- لن أصمت ! سأغير كل شيء....


(72)
أخذت علاقتي بباسمة تسير في طريق مسدود، لم تعد الانسانة الهادئة التي تصبر على كل شيء، وبدأت تطالب ببعض الحقوق ، التي ما كنت أظن انها ستتجرأ على المطالبة بها ، ، ارادت ان نتساوى بالانفاق على متطلبات الأسرة، وانني يجب أن اجتهد للحصول على عمل جديد ، بدلا عن العمل الذي فقدته ، لم تر انه من واجب والديها ان يساعدا في تلبية حاجاتنا المالية:
- كيف تطالبين بالمساواة وانت ترفضين ان تساعدي اسرتي؟
- وهل استمر في المساعدة وانا قد تعبت ، منذ زواجنا وانا انفق على اسرتك..
- هل تعيرينني بفقر اسرتي يا امرأة؟
- ، لا أعيرك ، ولكنك لم تبحث عن عمل بديل..
- ماذا افعل ؟ سدت الأبواب في وجهي..
- الأبواب نحن نفتحها ، لكنك لم تحاول ، وبقيت معتمدا على عملي..
- وما الضير في ذلك ؟ وانت تدعين المساواة ؟
- وهل المساواة تعطيك حقا ان تستغلني ؟

- اصبري حتى يمكننني ان اعود الى عملي السابق ، فأنا احبه كما تعلمين ..
- جد عملا مناسبا.
- انفقي على اهلي كما كنت تفعلين..
- يمكن ان اتحمل ذلك ، ان وافقت على أن ننجب طفلا..
- انت تعرفين انني لااحب الأطفال..
- لكنني احبهم ، واريد ان اصبح اما..
- لماذا نأتي بطفل في وقتنا الصعب هذا؟
- ان لم توافق سوف اطالب بالطلاق..
- لا أحد يعطيك الحق بالطلاق الا ان وافقت انا..
- القاضي يمنحني الحق..
- اصبري قليلا ، وسوف ننجب الطفل الذي تحبين..
- متى ؟
- حين تتحسن الظروف.
- نحن من يحسن ظروفه بالعمل ، ابحث عن عمل ، وستكون ظروفنا كما نشاء..

(73)
يتأخر احمد منصور في العودة الى المنزل ، فتقلق عليه باسمة سعيد ، فيطول انتظارها ، وتصبح نهبا لأفكار شتى ، تأخذها يمينا وشمالا ، هل ذهب الى احد الأصدقاء ، او احد الأقرباء؟ ولماذا لم يخبرها ؟ كان عليه ان ينبئها بامر زيارته لأحد معارفه، وهي الان لاتعلم عن زوجها شيئا ، تراه غامضا جدا ، وتظن انه يخبيء عنها امورا عديدة ، لاتعلم كنهها ، وتود لو عرفت ، تحب ان تعلم اي رجل سعت للاقتران به بعد نضال شاق ، وكانت تأمل انه سوف يدخلها الجنة ، واذا بها تتقلب على نار الشك والقلق المتواصل ، الذي يجعلها دائمة الحيرة ، ماذا يمكنها ان تفعل امام هذا الظلام الدامس الذي يحيط بحياتها ، ويتركها عاجزة عن اخذ زمام المبادرة ، هي الانسانة القوية ، التي عرفها الناس بعزمها واجتهادها ، تجد نفسها مخلوقة حائرة ضعيفة ، هل صدق الذين زعموا ان المرأة في الشرق تصبح اداة بيد زوجها ، يوجهها الى اين يريد ، مهما كانت شخصيتها قوية ، وبرع اهلها في غرس صفات الشجاعة والنبل وكرم الاخلاق داخل نفسها ، المعارف كلهم اجمعوا ان باسمة سعيدة ، انسانة مثقفة تعرف كيف تدافع عن نفسها ، وانه ليس بمقدور احد ان يضع القيود حول حياتها ، دون ان تتمكن من ازالتها ، وانها قد جربت الكثير من المصاعب ، استطاعت ان تجتازها ، وان تزيلها من حياتها ، لتتمتع بالحرية المسؤولة التي تسعى اليها ، ولكنها اليوم ترى انها قد فشلت في ايقاف نزيف الصعوبات التي تكتم على انفاسها ، وتتركها خائرة القوى ، مبددة العزيمة ، تدرك انها احبت احمد منصور بكل ما تحمل في قلبها من مشاعر وفي عقلها من افكار ، ولكن احمد هذا قد بدد آمالها في الحب والحرية ، وانه لايختلف عن الملايين من الرجال ، الذين يدعون فكرا تقدميا ، لكنهم في الحقيقة اشد رجعية من اجدادهم ، واكثر اصرارا على تكبيل المرأة ، وسلبها طاقتها وقدرتها على مقاومة ما يريدون..
يطول تأخر احمد منصور ولا تدري باسمة سعيد ما الذي يجب ان تفعله ؟ هل يمكن ان زوجها قد أصيب بمكروه ، او تعرض لحادث سيء ، هل تظل صامتة تنتظر ان يعود؟ ام يبادر بعمل ينهي متاعبها هذه الليلة ، ويقضي على تساؤلاتها ، وينهي ما تشعر به من آلام ؟ لكن ماذا تفعل؟ وهو لم يخبرها بشيء ؟ هل تتصل هاتفيا ؟ وبمن يمكنها ان تتصل ؟ اتصلت بزوجها مرارا دون ان تظفر بجواب! هل تتصل باحد أصدقائه المقربين ؟ انها واثقة انه سوف يثور غاضبا ان اتصلت بأحد ! ولكنها حيرى هذه الليلة..
تحزم باسمة سعيد امرها ، وتقرر ان تذهب الى شقة اخ زوجها العازب، الذي اعتاد زوجها ان يذهب اليه شاكيا من زواجه التعيس كما يحلو له دائما ان يصف الاقتران بها ،
-كل المشاكل تأتي من زوجتك التي تقول انها مثقفة!
- ليس كلها .. بعض متاعبي منها!
- -ألم تخبرني انها فضولية ، تبحث في اوراقك عما يؤيد شكوكك ؟
- تبحث احيانا ، كما ابحث عما يريبني دائما..
- ألم انصحك ان تقتدي بي ؟ فأنا لا أثق بالنساء !
سمعت باسمة حديث الاخوين صدفة ، ووجدت زوجها يقلد أخاه في كل الأمور ..
سوف تذهب الى شقة الأخ ، أكبر الاحتمالات ان زوجها هناك..
تصل الشقة وتدق الجرس ، تنظر من العين السحرية ، وترى ثمة اشخاص قد اغلقوا مجال الرؤية ، بعد فترة يفتح الباب ، تسلم على اخ زوجها وتدخل ، ترى المائدة منصوبة، وعليها اربعة أقداح فيها شراب نبيذ احمر ، وبجنبها صحون فيها المكسرات واللبلبي والخس ، يخرج زوجها من احد الغرف وهو يرتدي الشورت القصير ، الذي تعرفه عائدا للأخ...
يرى الزوج علامات الاستياء واضحة على محيا زوجته ، فيبادرها صارخا:
- لماذا لحقت بي الى هنا ؟ كل الوقت وانت تشكين بي؟

(74)
طالبتني ان تكون اما ، رغم عدم رغبتي بانجاب تعيس جديد ، يضاف الى جيش المأزومين الفاشلين ، وهددت انها سوف تلجأ للقضاء في حالة عدم موافقتي على طلبها ، اخبرتها انني موافق لئلا تزداد نقمتها علي ÷، فأنا رغم عدم حبي لها لا ارغب ان تغادر حياتي وتطلب الطلاق ، لكنها كالعادة أخذت تقلق علي ذلك القلق المرضي ، عرفت عنها انها لاتطيق فراقي ، ويصيبها الخوف ان تأخرت في عودتي الى المنزل ، تدرك ان حياتنا ليست آمنة / واننا مهددون ، بالتوقيف والتعقب وتأويل الكلمات البريئة التي نتفوه بها ، لم اكن اعلم انها سوف تتبعني أينما ذهبت وان داء الشك القاتل يستبد بها ، ما ان ذهبت الى منزل شقيقي العازب ، والمعروف عنه بشدة اللهو حتى اتت الى المنزل ، كانت هناك امرأتان واخي وانا ، وضع اخي كؤوس النبيذ على المائدة ، صنعت الفتاتان الجاجيك والسلطات وكان اخي قد اشترى اللبلبي والكرزات ، بعد ان لعبت الخمرة بما تبقى من العقول ، دحل اخي مع اجمل الفتاتين الى الغرفة الكبيرة في منزله ، بقيت وحدي مع الفتاة الثانية ، التي لاتتمتع بأي مسحة من الجمال وطلبت مني:
- ونحن ماذا نفعل؟
- ماتحبين...
- لنذهب الى الغرفة الثانية في المنزل!
- لنذهب..
- لم اجرب الحب معك..
- وهل جربته مع الجميع ؟
- كيف الجميع ؟
- لااعني ما تقصدين .. آسف حقا..
دخلت الغرفة معها ، وهي من قام بكل شيء ، لم تسعدني لمساتها ، ثم سمعنا دقات متكررة على الباب ، ذهب اخي لرؤية من يكون الطارق ، وعاد الي مسرعا:
- زوجتك..
ارتدى ملابسه بسرعة ، و فتح الباب ، شاهدت باسمة الكؤوس الأربعة على المائدة ، ونظرت باستنكار الى صحون المزة ، قرأ اخي ما يجول بخاطرها ، ثم خرجت انا من الغرفة مرتديا شورت اخي ، وطلبت من مرافقتي ان تظل في الغرفة والا تخرج منها ، كنت اعرف ان باسمة لن تطيل بقاءها في المنزل، وسوف تعود الى منزلنا وهي متوترة ، فقد تأكد لها بالبرهان الساطع انني مثل اخي تماما زير نساء ، حصل ما توقعت وعادت باسمة ، ولم اعد انا:
- هذه المرأة بحاجة الى تأديب!
- لماذا ؟
- كيف سمحت لها نفسها ان تتعقب خطواتك؟ هل كانت تتوقع ان يرفض رجل نداء امرأة حارة الدماء مثل حسناء ،وبخها على تصرفها الطائش ، ونفذت نصيحة اخي وعدت غاضبا الى المنزل:
- لماذا تشكين بي ؟ هل تبعتك يوما ؟ وانا لا أعرف اين تذهبين كل يوم ؟
(75)

شرحت باسمة سعيد لطالباتها حقوق المرأة ، وبينت ان النساء يجب ان يناضلن طويلا من اجل الوصول الى تلك الحقوق ، التي نجد طريقها شائكا ، تعترضه الصعوبات ، وعلينا ان نجتاز تلك المصاعب ، كي ننعم بالدنيا ونحقق السعادة..
سألت بعض الطالبات:
- كيف نحقق ما نطمح اليه ، ونحن وحيدات بلا معين؟
- لسنا وحيدات ! الرجل بجانب قضيتنا العادلة ، وقف معنا الأب والأخ والحبيب والزوج ، واستطعنا ان نحقق بعض ما نتطلع اليه..
- لا أظن اننا نجحنا!
- لابد من التفاؤل ، الذي يراه علماء الاجتماع موصلا الى نصف الطريق!
- ماذا تقصدين أستاذة باسمة ؟
- أعني ان المناضلين من أجل ما يرونه حقا لهم ، ينبغي ان يكونوا متفائلين ، لأن التشاؤم لايفضي الى حل..
- اعرف انك ناضلت طويلا استاذتي الغالية ، هل نجحت في تحقيق مراميك؟
- نجحت الكثيرات في الوصول الى احلامهن ..
- وأنت ؟
- ربما انا طموحة اكثر من الأخريات!
- اللاتي لم يعملن شيئا نراهن في سعادة كبيرة!
- ليس دائما!
- مجتمعنا هذا يفضل الخانعات ، ويستجيب لارادة الخاملات!
- أراكن اليوم يائسات ! لماذا يا حبيباتي؟
- لانريد ان نخبرك ! لئلا نتسبب في اثارة احزانك!
- ماذا جرى ؟ كلامكن اليوم غامض!
- نريد ان نسألك استاذتنا العزيزة : هل تحقق شيئا من آمالك في الحب والحرية والعدالة؟
- هذه الحقوق تحتاج الى قوانين تدافع عنها ، وتعمل على اثباتها!
- لانسألك عن الحرية والعدالة اللتين تتحققان بالقانون!
- عن أي شيء تسألنني؟
- عن الحب والمساواة في المعاملة !
- ماذا تعنين عزيزتي أحلام؟
- هل يمكن ان تشعري ان حقوقك في الحب قد تحققت ، وزوجك كل يوم يسير مع امرأة؟ نراه يتمشى مع النساء وايديهما متشابكة ، وأنت منهمكة في اشغال المنزل ، وتحسين دخل الأسرة؟ هل توصلت الى حقوقك ، لتناضلي من اجل حقوق النساء؟
- ربما حالتنا ليست عامة ، هناك الكثير من الأسر السعيدة ، ينتشر الحب بين الزوجين ، ويقومان معا بالانفاق على الأولاد ويتعاونان بالأشغال المنزلية. لاتنظرن الى حالتي فقط ، ادرسن قصص المتزوجين ، واصدرن احكامكن ..
- هل كنت تعلمين استاذتنا ؟
- طبيعي ان الزوجة تدرك بتغير عواطف زوجها نحوها .
- مع الأسف .. تشقين في الحياة ، وهو يلعب ويتسلى ، ضاربا مشاعرك بعرض الحائط
- لست وحدي التي تعاني ، هناك من يعشن مثلي ، محرومات من الحقوق ، مع زوج لايبالي بما يقمن به من تضحيات.
- وكيف تتحملين هذه المعاناة استاذتنا الحبيبة؟
- انتظر ان تتحسن تصرفاته بعد فترة!
يبتدعها زوجها ليتمتع مع النساء الكثيرات ، وكثيرا ما تسأل نفسها ، دون ان تتوصل للجواب :
- لماذا يصر احمد منصور على اساءة معاملتي وهو يراني بمثل هذا النكران للذات ؟ وهل انا ضعيفة جدا ، لاأستطيع ان أضع حدا لظلمه؟
(76)
كل الكلام الخيالي الذي نسمعه عن المساواة تكرره باسمة امام طالباتها المراهقات ، من الرجل الذي يتنكر لرجولته في غسل الصحون وتنظيف البلاط ؟ من الرجل الذي يدنس نفسه في تنظيف ا لملابس وكيها ، ومن من الرجال يسمح ان يعود الى منزله ويجد ان الطعام لم ينضج بعد ، وان كؤوس الشاي لم تغسل منذ الصباح ، وان ادوات الحلاقة التي يستعملها بقيت في مكانها ولم تنظف ؟ من الرجل الذي يرضى ان يحرم من السهر مع أصدقائه ؟ من الرجل الذي يحرص على رضا زوجته ؟ ماذا يمكن أن تفعل الزوجة ان وجدت زوجها ليس مهتما بها ؟ لتضرب رأسها بالحائط وتخرس . ماذا افعل انا ان كانت زوجتي مدرسة عليها ان تصحح اوراق طالباتها ، وان تضع الأسئلة للامتحانات الشهرية والفصلية ونصف العام ونهاية العام ، ماذا افعل ان تم فصلي من العمل ، هي لاتصدق ان الفصل تم لأسباب سياسية رغم اني ذكرت لها ذلك ، هي محظوظة انها ارتبطت برجل مثلي ، لايحاسبها كثيرا ان رفضت مشاركتي الفراش ، تقول لابد من ا لمداعبة قبل العمل ، وانا زهقت من كلامها المنمق الذي تردده من غير مناسبة ، انا مظلوم يا ناس ، لماذا لايحق للرجل ان يشكو وانا التعيس الذي تزوج مدرسة تعلم طالباتها العصيان والثورة ضد الرجال ، اي امرأة شاء سوء حظي ان ارتبط بها ؟ معها مصرف البيت وهي تشكو انها لم تستطع ان تشتري براتبها ما تحب ان تهيئه لوجباتنا الثلاثة ، نحن اثنان فقط ، احيانا يزورنا اخي مع احدى النساء ، فتكون الطامة الكبرى وترعد الدنيا وتزبد ، وكأنني انا من اتيت بالنساء الى منزلها ، أليس من حقي ان يزورنا اخي مع المرأة التي يريد :
- زوجتك متسلطة ، من حسن حظي انني لم اتزوج!
- انها متعبة فقط..
- وهل تضع تعبها على اكتافنا؟ ما شأننا نحن؟
- هي تتعب بالعمل ..
- السبب انك لست رجلا ، لتريها العين الحمراء..

(77)

تستبد الحيرة بباسمة سعيد ، ويسلب راحتها القلق، ايمكن ان يكون التباين بين حقيقة الانسان وبين ما يظهره للناس بهذه القوة ، هل يتظاهر احمد منصور بما ليس فيه ، ام انها طبيعة اي منا ، يظهر ما يراه جميلا ، دون ان يكون بمقدوره ان يتمتع به ، يثيرها العجب مما يقوم به للحصول على اعجاب النساء ، وتخلو حياتهما المشتركة من كل جميل ، تسمع عبارات الاستحسان تقولها سيدات محترمات لزوج لايعرف حقوق زوجته ، ولا يسمح لها بالتمتع بالجمال ، يحصي عليها حركاتها ، ويدعي انه مناصر لحقوق المرأة ، هل يجدها امرأة حقا ، ام ان عفله يجردها من صفات الانوثة التي يراها في كل النساء ، الا باسمة سعيد ، التي تنتظر اوبته في كل مساء ، لتسمع منه كلمة واحدة ، تحثها على مواصلة الحياة مع امريء تزوجته لأنها وثقت بحبه لها ، ثم اكتشفت ان قلبه خال من صفات الحب والاعجاب ، يطول سهرها وانتظارها لعودته ، لكنه يرجع مخمورا ، وقد أسرف في الشراب ، فيفسد عليها ليلتها ، ويجعلها تتمنى الا تكون قد عرفته ، او وقعت في حبائله ، يمدحه جميع معارفه واصدقائه من الجنسين ، ويسبغون عليه اجمل الصفات ، التي لاتراها ، وهي التي تحبه ، كيف وقعت في حبه ؟ وكيف ظنت انه يبادلها عاطفتها ؟ كان ذلك سرابا رافقها طول الوقت..
تستمع باسمة الى اقوال اصدقائه :
- احمد رجل كامل ، يتمتع بكل ما تحبه المرأة من صفات !
- انه رجل رائع لكنك لاتعرفين قدره !
- طبيعي ان يعرف الرجل نساء عديدات فهل تريدين ان يكون امرأة؟
- انت تظلمين الرجل الجميل معك ! لماذا اقدمت على الزواج منه ؟
- عشرات النساء يرغبن بالارتباط بأحمد وانت لاتعرفين شمائله!
- ان كنت لاتحبينه ، ليعد الي ، طوال عمري وانا متيمة بوسامته..
- انت تطلبين صفات ليست موجودة ! اتقي الله ولا تكثري الشكوى!
تقرر باسمة سعيد الا تشكو بعد اليوم ، وان تظهر السعادة ، ولا تجعل علامات الحزن تبدو عليها ، ترتدي ملابسها الجميلة ، وترسم ابتسامة السعادة على محياها .ز
يطول انتظارها ، ولا عودة للزوج الغائب ، وحين يقترب الفجر يرجع وقد انهكه الشراب:
-انت حجرة ثقيلة في طريق سعادتي!
تلجم المفاجأة باسمة سعيد ، ويصيبها الخرس ، وتقع على الأرض ، تسمع اشخاص يتحدثون وصوته تسمعه بوضوح:
- لم اقل لها شيئا ووقعت على الأرض..كنت اظن انها امرأة ، واذا بها مخلوقة من قش

(78)

حدثت باسمة سعيد صديقتها اسماء عن معاناتها وعن ارغامها على ان تقول ما لن تعتقد بصحته ، وان من كانت تظن انه حبيبها يجعلها تصرح امام الناس بامور ليست حقيقية ، واصلت باسمة حديثها عن الألم المكبوت: وكيف تحدثت للحاضرين في جمعية الدفاع عن حقوق النساء
يسرني سيداتي ان أقص عليكن حكايتي ، رغم انني لا أحب إلقاء المحاضرات ولا أحبذ قولها ولكني مغلوبة على أمري أنفذ مشيئة الآخرين وامتثل لأوامرهم
كلفت هذا اليوم بهذا الواجب ، ساعدنني كيف ابدأ ، حسنا امرني ان القي على مسامعكن تجربتي الطويلة والدروس التي استخلصتها طيلة سنين عمري السعيدة ، صه ، لقد ذهب ، لنتكلم بصراحة ، طلب مني ان أتحدث عن تجربتي الخاصة وعن المساواة التي نعمت بظلها ، ولقد ابتعد الان ...... وهذه الجلسة نسائية ، سأكون صريحة معكن وأتحدث بلا أكاذيب أو اختلا قات وعندما ترينه مقبلا اخبرنني كي اخذ حذري وأعود إلى حديثي المرسوم والمقرر ، بلا مساواة ولا بطيخ في مجتمعاتنا العربية لا تجعلن صوت المكر يفون عاليا ، فانا لا أطيق إسماع كلماتي لمن كان خارج هذه القاعة ، انتن فقط من أزمع محادثتهن بأمري
هل ذهب ؟ أصدقنني القول ، لم يعد في طاقتي احتمال الصراخ المستمر والزعيق ، أريد ان أحيا بسلام ، هل جربت إحداكن المساواة ؟ هل عاملها زوجها معاملة الند للند ؟ أنت يا سيدتي ؟ لعلك قد تزوجت حديثا ولم تري شيئا بعد من الدنيا ، انا كنت مثلك في مستهل زواجي ، حيث أجنحة الحب ترفرف علينا ، ورحيق الخمرة يسكرنا ، في ذلك الزمن السحيق حيث كنا عاشقين ، ارفعي صوتك ، لم اسمع ما تريدين قوله ، صمت من فضلكن ، ماذا هل تجدن في حديثي تناقضا ؟
اسمع أصوات خطوات تقترب ، لأخفض من صوتي ، لا أريد لأحد أن يسمعني ، فيساء فهمي ، والآن سأبدأ :
يسرني سيداتي آنساتي ..ان أقص عليكن حكايتي ، انا الزوجة والأم التي مضى على زواجها ثلاثة عقود كاملة ، لم يرتفع خلال هذه الفترة الطويلة صوت لي ، لم أتذمر ، لم أشك من سوء طالعي ، او أندب تعثر حظي ، قضيت هذه الأعوام وأنا شبه راضية ، وان لم أكن سعيدة ، فلماذا أشكو ؟ وماذا يصنع لي التذمر ، هل يغير إظهار الألم شيئا من واقع الحال ، أليس من المحال تحسين الأحوال ؟ هل تسألنني كيف استطعت التغلب على مصاعبي ؟ وما هي الطرق التي سلكتها ؟ لن أكون قدوة ، لكن ، آنساتي ، لكل جيل قوانينه ، كنت هادئة دوما ابتسم بوجه العاصفة واخفض لها رأسي وجسدي ،، وحتى روحي ، حتى تمر بسلام ، لم أغضب ، ولم الغضب ؟ لاشيء يغير المكتوب ، حسنا ، غضبت في البداية وكنت اشعر بضياع عمري ، وان حبي قد تبدد ، وكنت أسال نفسي أحيانا كيف استطاع برعونته أن يئد إحساسي بالحب نحوه ، لم يعد يسمعني الكلمات الحلوة التي ترغب بها روحي وكان يعاملني بغلظة أتساءل أحيانا من أين أتى بها ، وحين أحاول ان اعبر عن حبي ، يصرخ بي هازئا ، وبعد أن أحبني وبادلته عواطفه ، وتزوجنا ، ومضت فترة بسيطة على الزواج ، اخذ يحب كل النساء ويظهر لهن المودة ، يقدم لهن الأمنيات والقبلات والهدايا الجميلة في أعياد ميلادهن ، ويأخذ ثمن الهدايا من نقودي ، وأنا أحيا منسية ، لم يتذكر عيد ميلادي ثم أمسى يسمعني القول أنني قد كبرت على مثل هذه الاحتفالات مع أننا في عمر واحد وأبدو أنا اصغر منه أحيانا إذا ما اهتممت بنفسي ،لم يعد يراني امرأته ، ومن أكون ؟ صه ، سكوت من فضلكن ، المراة كالوردة ، تذبل ان لم يتم ارواؤها ، وقد ذبلت انا وانتهى أمري وأصبحت أرى العالم اسود بشع السواد مظلما جهنميا ، والحب شجرة باسقة كثيفة الأغصان ، وارفة الظلال ، تسقط أغصانها ، وتذبل أوراقها وتتساقط مصفرة ، تذروها الرياح ، ان نسي ارواؤها ، في غمرة الإخفاقات التي نعيشها ، كنت أسال نفسي وماذا جنيت حتى يعاملني هكذا ولم أذنب ؟ بقيت اطرح هذا السؤال فترة طويلة من الوقت ، حتى أدركت انه لا جدوى من الأسئلة ،، وأنني أضحيت أتنفس برئة الآخرين وارى بعيونهم ، هو القدر ، جعلني أبدو هادئة ساكنة ، وداخلي يغلي كالمرجل، أكون أحيانا صماء بكماء وحتى عمياء ،حلمت مرارا برجل يحبني ويضمني بحرارة إليه ويقبلني ككل الرجال في العالم ، ولكن هل كانت أحلامي اكبر من طاقتي ؟ ، لا ادري ، كل الذي اعلمه انه لاشيء غير الحب يبعث الأمل في النفوس ،، ويجعلنا نناضل ونجاهد ونشعر أننا أقوياء نقهر كل الشرور ونتغلب عليها ، وأعيش الآن بلا حب ، حياتي باردة كالثلج ، أئن وأتوجع ولا يشعر احد بحالي ، أصبت بكل العلل التي يمكنكن تخيلها ، ماذا افعل وأنا انسانة تعبة ، منهكة ، ووحيدة اردد أغاني فريد الأطرش ولا يصفق لي السامعون ، مالي أراكن وقد علت ابتسامة الاستفهام على محياكن ؟ من منكن استطاعت ان تغبر اتجاه دفة السفينة ؟ هراء ما تدعيه بعضكن ، هل تزعمن المساواة ، أي مساواة تجدنها في العالم العربي ؟ أي القوانين تدعو الى المساواة في بلدانكن المنكوبة ؟ سأكمل لكن قصتي : كنت عاجزة عن النظر والنطق حتى تسير سفينتي بهدوء ، ولا تفقد الملاح قدرته على إدارة الدفة ، لا تنسين إخباري إذا ما لاح لكن احد الذكور ، هل أنا ضعيفة ؟ أبدا ، اشعر دوما أنني قوية ، المراة العربية تكتسب عادات زوجها وتتخلق بها بمرور الوقت ، وانتن كلكن هكذا أصبحتن مثل أزواجكن حين جمعكما عش الزوجية السعيد او التعيس لا ادري ، أرى ابتسامات ساخرة تعلو محياكن هل استحق الشفقة ؟ أبدا ، ما هذا ؟ أرى شخصا يشبهه يطل من بعيد ، له نفس الهيئة ، واثق من نفسه درجة الغرور ، وكأنه لا يقرب الخطأ ، أين هدوئي ؟ لقد تبدد ،،انه يرعبني ، ينسيني قوتي ، يسلبني اتزاني ، يقيدني ، ماذا تدعين يا سيدتي ؟أ تزعمين أنني لا أزال أحبه ، هراء . ما تقولونه هراء ، لماذا يفرض على المرأة ان تحب من نسيها ؟ ينبغي ان أتحلى بقوتي أن أجاهد ضعفي ؟ ولكن كيف ؟ لاحول لي ولا قوة ، يتظاهر بالهدوء ويسمعني كلماته المسمومة ، يلدغني ، سهامه تصيب مني مقتلا ، أجد نفسي مبتعدة عن الموضوع الرئيس ، وعلي ان أحدثكن عن تجربتي الناجحة وحياتي المترعة بالأفراح ، وعليكن أن تسمعنني ، وتقتدين بي ، ولكن انتبهن جيدا ، ربما يلوح علينا ، بابتسامته الصفراء ، ولكن ماذا جرى لي ؟ افقد اتزاني ، ويهجرني صبري ، ويحكمني جزعي ، الا أجد بينكن مهربا ؟ أحاطني الصمت بخيوطه العنكبوتية ، مكثت داخل شرنقتي ،، فأبديت موافقتي على ما يبديه وأنا أتلظى ، أبطن المعارضة ، ماذا حدث لي ؟لا أحب ارتفاع الأصوات ، ويرتبك ضغطي عند أدنى ارتفاع ، ابعدي جهاز التسجيل أيتها السيدة لا أود تسجيل حديثي ، إنني أغبطك على وضعك أيتها الآنسة ، علي ان ابدي أفكارا لا احملها وان أؤيد وجهات نظر لا اتفق معها ، انه هو ، يقترب ، ام انه الوهم ؟، أصدقنني القول ، عزيزاتي ، هل استطاعت إحداكن أن تغير من طباع احدهم ،، وان تساهم في تقدمه نحو الأمام ؟ خداع وأباطيل ما تدعونه ، هراء ما بقينا نسمعه طيلة عمرنا المهدود عن دعاوى المساواة ، تسألنني كيف أستطيع أن أحافظ على هدوئي وسكينة نفسي ،؟ لم يكن الأمر هينا منذ البداية ، حلمت مثلكن بالمساواة وبالتعاون لتذليل الصعاب وبالمناقشة الهادئة ،الهادفة إلى تقريب وجهات النظر ، ولكن رفع الصوت من جانب شريكي ومطالبته لي بان أغير وجهة نظري ، وأتخلى عن قناعاتي جعلني أتظاهر بالهدوء وكثرة التظاهر بالشيء تكسب الإنسان مهارات جديدة ، أصبح التظاهر حقيقة ؟ فلماذا أثور برأيكن ؟ وعلى من ؟ والسفينة كيف يمكنها أن تشق طريقها وسط الأمواج المتلاطمة ؟، ألا ترون ان علينا معشر النساء واجبات كثيرة ؟ وليس لدينا حقوق ، أنت أيتها المراة المتحدثة ، ارفعي صوتك ، واخبريني أي حقوق تزعمين ؟ أنها ثوب فضفاض ، إننا نتدهور ونعود الى الخلف ، هراء .. كل نضالا تكن ذهبت أدراج الرياح ، ماذا تسالين أيتها السيدة ؟ كيف يمكنني ، الاحتفاظ برباطة جأشي ؟ إليكن هذا ، استيقظ مبكرة وأجهز طعام الإفطار.... ماهو السؤال ؟ نعم كل صباح ، أوقظ الأولاد ، اخرج من المنزل بعد ان يكون كل شيء جاهزا : طعام الغداء ، ما يحتاجونه من نقود لكل النهار ، الملابس النظيفة المكوية ، الأرضية ممسوحة بعناية ،والصحون مغسولة، استمر واقفة طيلة ساعات عملي ، أعود ظهرا أتناول قليلا من اللقيمات لتحفظ ماكينتي من الاستمرار بالعمل ، أعود الى العمل مرة أخرى بعد ان اغسل الصحون مرات ومرات ، هل ابتعدت عن الموضوع ؟ قليلا كما أظن ، أعود منهكة في ساعة متأخرة ...ليس كثيرا ، الى ماذا يوجهكن الخيال ؟ فلاشيء في حياتي الا الأسرة والعمل ، هل تسألنني ومتى أقرا؟ حسنا عندما انتهي من كل أعمال النهار وما ان امسك الكتاب حتى يأخذ النعاس بتلابيبي ، ومتى اخرج للترفيه عن نفسي ؟ لقد قرأت هذا السؤال في نظراتكن ، عندما أجد الوقت مناسبا ، هل تجدنني آلة ؟ اجد نفسي هكذا ، انا الة صماء ، والآن اخبرنني بالله من منكن نحيا بصورة أفضل مني ؟ إني أتحدى ، إني أرى أشباحا قادمة من بعيد ، لقد أنهيت كلامي ، وحدثتكن حديثا صادقا ،كنت اطمح اليه وارجوه من صميم قلبي ، أرى ملامحه من النافذة انه يحاول الاستماع الى ما نقول ،انا لم أفه بما يثير الغضب ، سوف ارفع صوتي : إنها حياة حافلة بالنجاحات ، زاخرة بالأفراح ، عشتها مع توأم روحي ، أسمعتكن إياها ،وأرجو ان تستفدن من تجربتي
فنحن زوجان متعاونان في كل أمور الحياة ، ناجحان سعيدان .... وشريكي إنسان ذو قلب كبير ، عشت وإياه حياة ملأى بالسعادة ، مترعة بالنعيم ، أرجو ان تمنحكن الحياة ما منحتني وطابت ليلتكن والى اللقاء


(79)
تسأل أسماء صديقتها باسمة:
- الرجال يحبون المرأة الجريئة ، ألم نجربي ان تقومي باغرائه ، بدلا ان يقوم هو بدعوتك دائما؟
- جربت هذه وأخفقتُ...
- كيف؟
في ليلة ظلماء خلت من اي ضوء ، كنا مجموعة أصدقاء متزوجين ، دعينا الى منزل عائلة ، تحتفل بذكرى زواج ، اوى جميع المدعويين الى اسرتهم ، وبعضهم افترش الأرض .
- متى كان ذلك ؟..
- في الشهر الأول لزواجنا ، كان عنيفا لكنه احيانا يردد بعض كلمات الحب .
قمتُ لأطل على حبيبي الغائب الذي يحضر دائما الى فكري الذي كان متوقدا، وجدته وقد سيطر عليه سلطان الكرى ، وتناوشته حمى الاحلام الطوباوية ، التي ليس بمقدور الأصحاء ان يحلموا انه بقدرتهم الوصول الى تحقيقها يوما ، وجدته كعادته دائما يصرخ في نومه لرؤيته كوابيس لايعلم عنها احد شيئا ، اشتقتُ الى لمساته وقبلاته ، فاغرقته في قبلاتي ، حتى استفاق من نومه :
- باسمة ، عليك اللعنة توقظينني من اعز نومة وتسلبينني حريتي !
- اشتقتُ اليك !
- وهل اشتياقك هذا يجعلك تقترفين بحقي جرما ؟
- لم اقترف بحقك جرما ! اي جرم اقترفت يداي ؟
- ليست يداك ! بل فكرك السقيم ، كيف سولت لك نفسك الآثمة أن توقظيني من عز النوم ؟
- ولكنك زوجي !
- اريد ان اضع حدا لهذه العلاقة الكريهة ، هل هو سجن ابدي تريدين ان توثقي حياتي بحباله؟
- لكني احبك حقا !
- ولماذا تحبينني ؟ ولم ابادلك عاطفتك المشؤومة يوما !
- لكنك احببتني يوما !
- لم احبك ، انت توهمت الحب واتيت اليّ لتسجينيني!
- لم افعل لك شيئا هذه الليلة ليثار غضبك !
- هل تودين ان اوقظ النائمين كلهم لأحدثهم عن سوء اخلاقك !
- سوء اخلاقي ؟ لم أذنب ابدا!
- وهل يعترف الجاني يجريمته بسهولة ؟
- اية جريمة ؟ انت تحيرني ! كل هذه النعوت لأنني رغبت أن أبادلك الحب ؟
- لم تريدي مبادلتي بل احببت ان ترغميني!
- لم ارغمك ! فقط انني اشتقتُ اليك!
- كيف يكون الاشتياق عنوة سيدتي ؟ انت تسعين الى اغتصابي!
تستبد الحيرة بي ويسيطر التوتر على نفسي ، لا أعرف كيف أجيب عن اتهامات ظالمة توجه الي من انسان احببته أكثر من الناس كلهم ، هل أخطأت في حبه ؟ ام اقترفت ذنبا في الاعتراف بحبه ؟ طلبني زوجة ، فأردت ان يكون حبيبا ، وها هو يعلن انني غريبة عنه ، لم يحببني يوما ..



(80)

تتساءل باسمة سعيد عن السر الذي جعل الرجل الذي أحبته ينقلب كل هذا الانقلاب ، لماذا أبدى الحب والتفهم في بداية معرفتهما ، وطلب يدها ، وحين ابدت رغبتها بالحب تغيرت تصرفاته ، هل لأنه عرف انها وقعت في غرامه من اللحظة الأولى والرجال في بلادنا عادة لايريدون ان تبدي المرأة هيامها بهم ، ويفضلون ان يكونوا البادئين باعلان الحب ، هل تسرعت باسمة في بوحها ، اما كان الأجدر بها ان توافق على يده الممدودة اولا ، وتنتظر الوقت المناسب ككل بنات جنسها ، يرغبن بالرجل ويجعلنه يقد م على التصريح بالحب ، باسمة سعيد التقدمية والتي تناضل من اجل المساواة لم تشأ ان تلف وتدور وان تنتظر الحبيب حتى يعلن عن حبه ، فهذا الحبيب لم يكن يبالي بها ن وقد احب فتاة أخرى ، وحين رفضه أهلها تقدم لباسمة التي كان يدرك انها تعشقه ومنذ ان رأته عيناها، فهل الحب وهم كبير يداعب النفوس النبيلة والقلوب المرهفة الشعور ؟ ام انه حقيقة تريد اناسا أقوياء يجعلون العاطفة في حياتهم شجرة وارفة الظلال ، يستظلون بفيئها ، وهل باسمة سعيد كانت من الأقوياء ؟ ام انها تنهزم من الوهلة الأولى وتندب حظها العاثر الذي اوقعها بمثل هذه القصة الشائكة ، احمد منصور ليس قويا ليبقي ثابتا مع انسانة توهمت انها تشعر بالحب ن كما كانت تشعر بالسعادة الغامرة حين تربط صديقين من أصدقائها المخلصين وشائج اجمل علافة في الوجود ، وقد نجحت في جعل الكثيرين من اعز الأصدقاء يقدمون على الارتباط بعلاقة تصمد امام كل انواع الأشواك ؟ هل هي الارادة ام الحظ ما يكمن وراء فشلها الذريع في الوصول الى مبتغاها في بناء حياة سعيدة ، لماذا ترى نفسها وقد أعيتها حالة زوجها الذي تجده ضعيف الأعصاب ، يثور لأتفه الأسباب ، ويسب ويشتم لاعنا الساعة التي جمعتهما معا ، ماذا تفعل الان ؟ وهي ترى ان الحب في داخل نفسها المعذبة قد زال وظهرت مكان جذوره أشواك قاسية تدمي القلب والعقل معا ، هل تصمم على الطلاق ام تحاول ان تنقذ قصتها التي توهمت انها قابلة للتحقق ، اي مصير ينتظرها ، واية لعنة حلت ببابها ، فحولت كل الجمال الى طحالب ضارة تميت كل المخلوقات وتزرع بذور التعاسة والتوتر لتحول الخضرة الى بيداء قاحلة...

انتهت







































الجزء الخامس من رواية ( وأدتك قلبي)
(65)
تهييء باسمة سعيد نفسها لعودة زوجها ، تفتح آلة التسجيل على الاصوات التي يحبانها معا ، يأتي زوجها:
- امي تسلم عليك!
- كيف هي؟
- بخير ، حدثتها عن متاعب ليلتنا ، وقالت انها طبيعية ، لابد ان نشهدها في بداية الزواج ، وقالت انني احب زوجتي كثيرا ،لهذا لااريد ايلامها في ليلتنا الأولى ، وقالت ايضا ان باسمة تحبك وسوف تتحمل الألم كما تصبر النساء عادة على اوجاع ليلة الدخلة ، وانك سوف لن تصرخي في منتصف ليلتنا كما فعلت في بدايتها..
- هل تحب ان تسمع اغاني ام كلثوم ام نجاة الصغيرة؟
- اي اغنية تحبينها افضل سماعها ، قالت امي انني يجب ان اكون لطيفا معك ، وانك اذا صرخت لااجعل صراخك يتسبب في ايقاف عضوي من الانتصاب ، لاتصرخي حبيبتي ، وسوف تنتهي ليلتنا بخير كما نريدها ، هل تريدين كأسا من البيرة ام العرق؟
- كأسا من العرق.
- هاتفت امي قريبنا الدكتور منعم وحدثته عن متاعبنا ، فوصف لي حبوبا تمدني بالهدوء والطمأنينة في هذه الليلة ، وقال الدكتور منعم ، ان باسمة تحبك وسوف لن تصرخ ، وان الزوجات كلهن يصارعن الألم ولا يخبرن الزوج عنها ، حتى لايفقد القدرة على الانتصاب كما حصل لي..
- احبك احبك احبك..
- وانا احبك ياباسمة اكثر مما تتوقعين ، استرخي حبيبتي ، فالامر طبيعي ، لاتكوني متشنجة ، دعي الشراب يعمل على تهدئتك ، انسي كل شيء الا حبنا الكبير ، وليلتنا السعيدة القادمة..
يطأ احمد منصور باسمة ، تضع تحتها الفوطة البيضاء كما نصحتها صديقتها الطبيبة ،
تمسك بوجه احمد وتقبله قبلة طويلة ، وتوزع قبلاتها على الفم والعنق و العينين ، تجد ان الألم اصبح خفيفا بامكانها ان تتحمله ، يسألها احمد :
- هل انتهينا؟
- ماذا تقول انت؟
- اين الدم ؟
تقوم باسمة وتنظر الى الفوطة البيضاء ، ترى قطرات قليلة من الدم ، تضعها امام عيني احمد ، وهي تشعر ان خنجرا مسموما قد وجه الى كرامتها ، لاتقول شيئا ، وتتوجه الى الحمام لتغسل ما بين فخذيها ، وحين تعود تجد احمد نائما وسط السرير ، وهو يشخر بعنف،
ما زالت الآلام تشعرها ان سكينا حادة قطعت جسدها وجعلته أشلاء رمته بعيدا ، وان قلبها الظاميء لم يجد من يشبعه من سغب ، فهل ما كانت تشعر به من حب ظنته خالدا مجرد سراب؟
وهل يوجد حب حقيقي في هذه الدنيا ؟ ام اننا نتوهم لنجعل الحياة تبدو اكثر جمالا، قلبها ممزق ، قد وجهت اليه طعنة كبيرة ، تشعر انها فقدت شيئا ثمينا لايمكنها استرجاعه، قالت لها صديقتها نجلاء مرة :
- من الخير لاحدانا ان تتزوج رجلا متنورا عن طريق خطبة الأهل ، افضل من الاقتران برجل يدعي التقدمية ، قد ارتبطت معه بعلاقة حب قبل الزواج!
- لماذا يا نجلاء ؟
- لان الرجل المدعي لايصدق ان زوجته لم تعرف رجلا غيره ، مهما كانت براءتها أكيدة.. ويرى انه مادام يحب نساء كثيرات ، فان الفتاة تحب مثله ، ولا يصدق ان المرأة لاتهب رجلها قبلتها فقط الا ان كانت تحبه.
كيف يصدق احمد منصور ان باسمة لم تحب الا اياه ، وان جميع صداقاتها مع الرجال كانت علاقات اخوة؟ وأنى له ان يفهم وهو ليس امرأة تخشى ان ترتبط بعلاقة حب وتحافظ على رأي الحبيب بعفتها . كيف يمكن للمرأة ان تطالب بالمساواة وهي تخشى من علاقات الحب وتحاول وأدها منذ تباشير فجرها، هل يمكن لأي رجل ان يدرك كم تقاسي المرأة كي لايساء الى سمعتها من احد توهمت يوما انه يحبها ، واذا التوهم مجرد أضغاث أحلام .. انى لأحمد منصور ان يعرف ان باسمة لم يعرفها اي رجل ، وانها رغم قصص الحب التي حاولت قتلها في بداية انطلاقها لم تجرب القبلة ولا اللمسة ؟ كيف يمكن ان توجه طعنة نجلاء الى شرفها من رجل احبته كل العمر! ؟

(66)
قطرات قليلة من الدم كانت على الفوطة البيضاء ، حين تساءلت اين الدم ؟ اجابتني بأن وضعت فوطتها امامي ، اصابني الخرس ، لماذا تسيل منها قطرات قليلة ، ، بينما بعض النساء تنزف انهارا من الدماء ؟ لماذا هذا البخل ؟ ومن اين جاءت باسمة بالفوطة ؟ تساؤلي جعلها تتوتر ، رأيت ذلك على ملامحها ، وماذا أفعل انا ؟ انا الرجل الذي اهينت كرامته ؟ كيف لي هذه الثقة ما عدتُ اعرفُ شيئا ، وقد ظننتُ انني قد قطعت السمكة وذيلها ، واذا بي اصبح اليوم موضع هزء من المطالبات بالمساواة ، الا سحقا لكن ، تدعين بهتا انكن بريئات ! لم احب امرأة في حياتي ، الا نهلة التي اجدها موضع فخري واعتزازي ، هي تحبني لذاتي ، وليس لديها مطمح آخر ، لاتريد زواجا ، ولا ان تضع القيود حولي ، كما تفعل النساء حين يحببن . الا يدركن ان الزواج مقبرة الحب ، ذهبت باسمة لتغسل جسدها من تعدي صارخ وقع عليه من قبلي ، وانا كنت صريع الهواجس والشكوك ، هل الفنان المطرب الذي تعجب به باسمة ، هو من جنى محبتها ؟ لا ادري انا ، كلما كنت اسالها عن ماضيها تقسم انها بلا ماض ، من اين جاءتها هذه القوة ؟ كثيرون احبوا باسمة واعجبوا بها ، وغبطوني على محبتها المزعومة لي ، اما دروا انها وصلت لي ثيبا ملعوبا بها ، وانا الحريص على ان تأتيني الزوجة بكرا ، لماذا وقعتُ بارادتي بهذا اليم ؟ وكيف يمكن انقاذ نفسي منه ؟ انا من كنت اتوهم اتصافي بالذكاء والحنكة ، كيف وقعت بملء ارادتي بهذا المطب ؟ تعسا للنساء ولكل من يصدق بكلامهن المعسول ! وأكاذيبهن الفاحشة ، انا احمد منصور اعترف انني وقعت في الفخ المنصوب لي باصرار وترصد ، لماذا تنكر باسمة ماضيها ؟ أليس الأجدر بها ان تخبرني بالحقيقة ؟ الم تكن تدري انني سأقف الى جانبها حين اسمع قصصها العديدة عن أحبابها السابقين ، ألم اساعد شقيقاتي في قصص حبهن ، واقف معهن واقابل احبابهن وادعوهم الى منزلنا ؟ لماذا اخفت عني باسمة قصص غرامياتها ؟ وجعلني ذلك كثير الشكوك . لو ذكرت لي الحقيقة ما كنت اكذب ما تقوله ، اعتقد انه لايوجد امرأة عصرية بلا ماض ، كيف زعمت باسمة انها حرمت نفسها من احضان الحبيب ودفئه من اجل ان تذهب الى العريس بلا دنس ؟ كيف اصدق انا ؟ وهل يمكن للمرأة مهما كانت قوتها ان تئد عواطفها ورغبتها في دفء الرجل ، من اجل ماذا ؟ وتزعم انها فعلت ذلك كي تصون نفسها للزوج القادم ، وهل يمكن لأي زوج ان يكون بديلا عن الحبيب يا باسمة؟ سأحاول ان أكون رؤوفا بها ، فهي كريمة الخصال كما يدرك جميع من عرفوها ، ولن اكرر شكي بها ، وسأستمر على علاقتي بنهلة التي تمنحني السعادة والرضا من حياتي ، فانا لم احقق شيئا الا حبي لمعشوقتي نهلة الرائعة...


(67)

باسمة سعيد في اعلى درجات الفرح ، غُرست في قلبها شتلات السعادة ، واينعت في نفسها ثمار الحبور ، لم تكن تعلم ان الزواج سوف يجعلها بكل هذا السرور، وردتها الظامئة المتطلعة للوصال، تتغنى هذه الليالي بفرح غامر ، بعد ان سقاها الحبيب ، وانقذها من عطش ظنته دائميا ، تنتظر الساعات لأوبة احمد منصور ، وتقوم بكل الأعمال المنزلية ونفسها جذلى، تخرج الى العمل وهي تغني بأعذب الأصوات مترنمة ، واصفة سعادتها الجديدة التي لم تكن تخطر على البال ، قامت بكل الاعمال التي كانت تتوهم انها ستضيف اليها الفرح ، ولكن تعبها الشديد وارهاق نفسها وخذلان روحها ، بعد ان اعياها انتظار العرفان ، كان يخلق لها أسقاما للروح ، وأمراضا للفؤاد ، سمعت الكثيرات من صديقاتها يسبغن الأوصاف الجميلة على تلاقي الجسدين ، لكنها حلمت باتحاد الروحين اولا ، ليؤدي الى تلاحم الجسدين باروع الصلات ، لم تجد احمد منصور كما توقعته جميل النفس هاديء الطباع ، بل كان عنيفا سريع الغضب ، يتفوه بالكلمات النابية المعبرة عن ضيق النفس ، والتسرع في الرد قبل اتضاح القصد من الكلام ، تحملت كل الصفات الحادة ، بصبر لذيذ ، وهي تنتظر ساعة الرقاد ، تنتعش الوردة وتنتظر غيثا يهطل من حبيب جميل ، يتعانقان ، يتبادلان القبل ، يتلاحمان في عزف أخاذ ، تصاحبه الموسيقى من اجمل الألحان ،لكن الحبيب وآسفاه ضنين بالوصال ، لايريد ان تتكرر اللقاءات الثملة ويقول انها تسارع في الاتيان بالعجز قبل الأوان ، وان عليهما ان يقتصدا في أوقات الغرام ، وان تكون ساعات الحب مرتين في الشهر ، ليحافظا على صحتهما قبل الأفول ، وان الترحيب الذي تبديه معيب جدا:
- من علمك هذا؟ اجدك قد جربت الحب قبل الزواج!
- هل عدنا الى الاتهامات مرة اخرى؟
- لاارى انك بريئة كما تقولين!
- لم اجرب الحب ، انما كنت أشتهي الوصال ÷، ولقد خشيت ان اجربه ، ولو كنت اعلم انك ستتهمني لعشت قصة الحب ، كما تفعل الشجاعات من النساء!
- هل تعتبرين هذه الجرأة شجاعة؟
- حرمت نفسي من اجل ان يراني زوجي نظيفة من الخدوش ، ولكنك تتهمني!
- انك سريعة الاستجابة ، ما ان ألمسك حتى ارى الشهوة المستعرة في عينيك!
- وهل كنت تحب ان تقترن بامرأة باردة ؟
- لا أدري ، ربما الباردة افضل من شديدة الحرارة!
- وما العمل؟
- لا عمل الآن ، وقد يأتيك بالأخبار من لم تزودي!


(68)

أتساءل أحيانا هل باسمة بريئة كما تقول ؟ وهل ان بقاءها بعيدة عن الوصال جعلتها بهذه الرهافة ، ما ان اقترب منها حتى اجدها تشتعل ، كيف تعلمت ان تكون بمثل هذه الحرارة قرأت مرة ان حرمان المرأة من الحب قد يجعلها باردة لاتستجيب لمداعبات الحبيب ، وباسمة تدعي انها لم تعش قصة حب حقيقية ! كيف تأتى لها ان تكون بمثل هذه ؟ ، انها تجعلني ارى كل فنون الغرام ، وانا لااستطيع ان ابريء هذه المخلوقة التي وهبتني كل هذه العواطف ، ولم امنحها الا الشك والصدود ، اتعجب لحالة النساء ، كيف يصبرن على مثل هذه العلاقات ؟ وباسمة من اسرة نبيلة ، كانت موضع عنايتها ورعايتها منذ الطفولة ،وحتى شاء لها سوء طالعها ، ان تقترن بي ، احيانا افكر ، لماذا أسيء معاملة المرأة التي وهبتني نفسها ، هل لأنني نشأت في اسرة يحترمون فيها من يبرع في الصراخ ، ويرون ان طلباته اوامر ، يجب ان تطاع ، هذا انا ، اصرخ بلا سبب وأطالبها ان تغير نفسها وقناعاتها من اجلي ، انا الزاخر بالأخطاء ، المعدوم من الثقة ، الخالي من الجمال ! لماذا جعلت باسمة تجد التعاسة في يومها الأول معي ؟ لماذا لم احسن معاملتها ؟ وانا اجدها تشعل الشمعات العشر من اجل ارضائي ، سأدع هذه الأسئلة واعود الى سلوكي نفسه ، فهو يسعدني ، اليس من الثراء ان تجد زوجتك تهرح الى نيل رضاك عنها ؟ وانت تمعن في اذلالها وسلب راحتها النفسية ؟ لماذا انا هكذا ؟ هل انا سيء جدا ، بعضهم يقول انني طيب ، لكني لااحسن فن الكلام ، اتفوه بالكلمات القاسية ، رغبة في نشدان الهيبة ! أي هيبة أريد وأنا أصعب الحياة على رفيقتي فيها ؟ ولكن ما بالي اتهم نفسي ! وباسمة لن تحتج على سوء معاملتي لها ، ربما تجد ها دليلا على الرجولة التي لم تجربها قبلي، فلأمضي في حياتي ، غير وجل ، احب نهلة ، وتخدمني باسمة التي دللها اهلها ، وانا اسمعها قاسي الكلام ، واعيد عليها انني اشك بها ، وانها لم تكن عذراء ، لتكن مشيئتي المهيمنة ، ولتصبح باسمة امتي ، التي اصنع معها ما أشاء ، اهبها بعض اللحظات السعيدة ، واهجرها طوال العمر ، نهلة من اصبو الى رضاها عني ، فهي حبيبتي الوحيدة ، وباسمة تمهد لي طريق السعادة..

(69)

كما النهر الرقراق ينساب من بين يدي باسمة سعيد، تتبخر سويعات الهناء ، وتولي لحظات بهاء اليقين ، أكان حلما جميلا ، انتهى لحظة جفاها الكرى ، وحل بأيامها سهاد مرير ، لماذا تتراءى لها البهجة ، كسراب شمس قائظة ، يسيل فيها من القلوب تعب غزير ، لا طاقة لها باحتماله ، وتتوالى عليها كؤوس الهم والعناء ، تتجرعها حتى الثمالة ، ضاعت كل أحلامها ، وولت طيور الفرح، جارية من أرضها الجدباء ، لتحل في حقول أخرى تعرف ما معنى السرور ، لمَ يهجر المرء فيها غناء العنادل ؟، إلى عواء متواصل كئيب ، أية لعنة حلت ببابها ، فأحالت سنابل قمحها إلى عجاف ، تركتها الأيام ثكلى ، ودعت المسرات في دنيا بعيدة ، وحان لها أن ترتوي من ماء أجاج ...
لمَ تهزم الأيام وتعبس الليالي ؟ أليست الحياة مدا وجزرا ، وفرصا سانحة ، يحسن الفطن اقتناصها ، ليفوز باللذات ، وينأى عن الكآبة والضياع ؟ وأية لذات تحلم بها ، وكأس الحنظل يفتح فاه مرحبا ، شامتا بما حل بأرضها من جفاف .....يصدأ عندها الشعور ، وتهرب النعم ميممة وجهها، صوب شاطئ بعيد
بطاقة تهنئة بالعيد ، وامرأة تلوح بفخر، تتصاغر أمام فتنتها الحسناوات ، وصدر ناهد مرمري ، عاري ، وشعر ينسدل بتراخ فوق الكتفين ، وكلمات قليلة مخطوطة بقلم أنيق :
- اذكرني ، كلما لاحت لك صورتي ...
تؤخذ باسمة على حين غرة ، هل أهرق احدهم فوقها ماء ثلج ؟ لم تحسب أن هذه اللحظة آتية ، وان قناديل حياتها توشك على الانطفاء ، وهي ما زالت في شهور العرس الأولى ،ريح عاتية ، تتلاعب بها ، تكون ريشة في مهبها ، من هي المهيمنة على هذا المشهد المسرحي ؟، تصدر أوامرها ،فيسارع الملبّون بالطاعة ؟ وباسمة ؟ تتنكر القوى الفاعلة ، وكأنها نقطة في بحر عميق الغور ، تطول حيرتها لمَ كل هذا ؟ من تكون هذه ؟ وكيف مرت بحياتها المسهدة الكئيبة ؟ وكيف لا يخطر في بالها ، انه يمكن أن تقابل تضحياتها الجسام بالنكران المبين ، وتقابل أعمالها الناصعة بالهزء ؟ ولمَ تتحول أيامها إلى علقم ؟ وعلام تقابل حسناتها بالسيئات ، ولمَ لا يكون الجزاء من جنس العمل ، وماذا جنت باسمة لتتضاعف على أم رأسها اللعنات ، ويسقونها شراب الحنظل ؟وكانت المحسنة دائما..
تستبد بها التساؤلات ، أي بحر متلاطم الأمواج ، رموها فيه ، وابعدوا عنها قوارب النجاة ، لمن تتوجه طالبة الإحسان، وقد سدت السبل بوجها ؟
قد تكون الخاطئة ؟ لماذا سمحت للأفعى أن تكون قريبة منها ؟ ألم تخش من انقلابها وتلون أفعالها ؟
أتكون بطاقة يتيمة ، قد أثارت بها فيضان المخاوف هذا ، وأغرقتها في يم لا شاطئ له ، وكيف يمكن لها أن تعلم ؟ قد تكون العديد من البطاقات الواعدة ، تسيل أحلاما ، وتجعل الأرض تميد تحتها ؟ ، ألم يصاحبها أفعال تعزز لغتها المطمئنة ؟ من جعل الحسناء بهذه الثقة ، وزرع في نفسها جذور اليقين ؟
تتقلب في بحر من الجمر تتلاطم فيه الأمواج ، أفكارها تضطرب في لجة عميقة الغور، عساها تهتدي إلى قرار ، وكيف يمكن لمن لا يحسن السباحة ، أن يعرف طبيعة البحار ، وسر الأمواج المتصارعة فيها ، هل ضاع كل ما بنته ؟ وتحملت تبعات أعمالها طوال هذه الشهور، هل خطر في بالها انه مثلها ، قُدّ من وفاء ؟
لن تنهزم ، هل تمنحه هدية للراغبات، وهي ساغبة تنظر ، ومن يعيده إليها؟ ، تتفرج... لا حول لها ولا قوة ، هل ضاعت الآن الفرص ؟ أليس بإمكانها تدارك الأمر ، ما زالت الحكاية في بدايتها ، فلتناضل لاسترجاع حقها...
صديقتها السعيدة لديها ما ترنو إليه النفس ، مشاهد آسرة ،وأفلام أكيد مفعولها ، عن كيفية إعادة الهاربين من أعشاشهم الصغيرة ، تشاهد باسمة ما قدمته لها الصديقة ، وتقلد المشاهد ببراعة ، وكأنها بطلة القصة ، تبث الرغبة في نفس أرهقتها صروف الحياة ، تقبل رجلها وتناجيه وتناغيه ، ينهض الحبيب ملبيا ، وتتحقق لها رغبتها ، انتصرت على من يريد بها شرا ، ولكن الفرحة العارمة ما تلبث أن تنقلب وبالا ، لتحط على رأسها ، وهي في منتصف الطريق لتحقيق حلمها الطويل ، والانتصار على من سلب منها جمال الحياة ، واسترداد واهب النعيم ، وساقي اللذات :
- كيف تأتى لك المهارة بهذا الفن ؟ من علمك ؟ هل أكون أنا آخر من يعلم ؟ ..


( 70)
كيف وقعت البطاقة بيد باسمة؟ وكيف يمكن لها ان تقرأ البطاقات المرسلة لي؟ عليها ان تنظف مكتبي وتعتني بالأوراق المتراكمة عليه وعلى الأرض، دون ان تقرأ ما تتضمن تلك الأوراق ، كيف اتت لها الجرأة لتبحث عمن بعثت البطاقة ، وانا كنت اريدها عمياء ، في عملي توجد نساء عديدات ،أرتبط بصداقة معهن ، فهل من المعقول الا أستلم بطاقات الاعجاب منهن ؟ هل ارفض محبتهن ؟ هل يمكن هذا للرجل الناجح ، هل انا امرأة حتى اعتذر عن استلام بطاقات المحبة والاعجاب لأني مرتبطة بعقد زواج؟ لن يسمح الرجل بتقييد حريته ، وهو حر ان يفعل ما يشاء ، يحب من يريد من النساء ويرسل بطاقات الحب اليهن ، هل امنع النساء عن محبتي وانا الرجل المحبوب ذو الجاذبية كما تصفني النساء ، وباسمة محظوظة انها ارتبطت بي ، عليها ان تكون سعيدة ، فأنا زوجها بعقد شهد عليه اثنان ، والأخريات يبادلنني المحبة ، دون ان تتنتظر مني احداهن شيئا الا اللطف في المعاملة ، هل اتنكر لما يبدينه من مودة يحسدني عليها الأصدقاء ، كلهم يغبطونني على عدد النساء اللاتي يمحظنني حبا فريدا لاامل فيه ولا رجاء ، ويبعثن لي بطاقاتهن المعبرة عن شدة الاعجاب والوجد...
، وباسمة بعد ان رأت البطاقة غضبت ، كيف احب اخريات وانا زوجها ؟ وهل حجرت على حريتي بكونها زوجتي ؟ لم تكن تدري ان هناك عدد من البطاقات الأخرى اكثر جراة من تلك التي وقعت في يديها ، ونحن اتفقنا في بداية الزواج الا يفتش احدنا في أوراق الآخر :
- كيف سمحت لنفسك ان تبحثي في أوراقي ؟ انا لم اعرف ماذا تخبيء أوراقك من قصص لاتريدين افشاءها ! هل تعتبين على بطاقة استلمتها من احدى النساء ، وانا اجد الكثيرين من الرجال يعجبون بك ! هل عاتبتك يوما ، هل وجدت انني اخذت ابحث في ادراج مكتبك عما يتهمك من قصص الاعجاب التي تتلقينها من عدد من الرجال ، لك حياتك ولي حياتي ، وان كنا نعيش سوية في منزل مشترك! لا تفتشي في كتبي ودفاتري وانا ايضا لن ابحث عما يشينك في كتبك ، لسنا طفلين ، ونحن ناضجان ، يمكنك ان تحبي من تشائين ، ولا اجد في ذلك ما يخدش كرامتي..
سكتت باسمة ولم تعد الا اتهامي مرات اخر ، رغم اني ما تركت معاشرة النساء ، وبقيتُ استلم بطاقات الحب والاعجاب منهن ، وان كنت احب واحدة هي نهلة ، لكن غضب باسمة المفتعل جعلني اثور على تدخلها في شؤوني ، لتصمت هذه المرأة ولتترك عادة ان تدخل انفها فيما لايعنيها ، وانا أدرك انها لاتعرف رجلا غيري ، الا انني شئت الا تتوهم ان لها حجما اكبر من حقيقتها فانا الرجل وعليها طاعتي..
(71)

المصاعب تتراكم على باسمة سعيد ، واحمد منصور يأتي باغلب تلك الصعاب ، لاتدري باسمة اهو قصد منه ام سوء تدبير ؟ يلومه الأصحاب كيف يمكن ان يتخلى عن المرأة التي احبته كل هذا الحب؟ كانت تظن انه يخلص لها كما هي تحفظ له حقوقه في حضوره والغياب تقول لها صديقتها :
- الرجال كلهم خائنون سيئون ، لاينفع معهم الاخلاص..
- ليس كلهم ، حرام ان نتهم الجميع بصفات البعض!
- أتعرفين ان احمد يخونك مع اية امرأة يجد عندها القبول؟
- لا ارى ذلك ، يمكن انني من شدة انشغالي بعملي وانهماكي بأشغال البيت ، جعلته يشعر انه وحيد مهمل!
- انك لم تقصري ، ماذا يمكن ان تفعلي ؟ وزوجك فقد عمله لأنه كان كثير الغياب؟ اتكل عليك ووجدك مجتهدة في عملك ، حريصة على نجاحك فأكثر من اهماله ، مما اثار استغراب من كان يعرفه قبل زواجه ، بعض الرجال لايطيقون نجاح زوجاتهم ، فيسببون لها المتاعب ، ويضعون المصاعب في طريقها ، كي تفشل في عملها ، ليدعوا ان المرأة من طبيعتها الفشل ، وحين يجدون الزوجة لاتبالي بما يبذلونه من جهود لافشال مساعيها ، وجعلها تفشل في العمل الذي كانت تتقنه قبل الزواج ، فيحزنون ، ويصيبهم التوتر ، ويكثرون التغيب عن عملهم ، وحين يعاقبون على التقصير في العمل بالاعفاء منه ، يعاقبون الزوجة الناجحة بخيانتها مع كل امرأة..
- لكني رغم فقدانه العمل ، لااشك به ،انه لا يخونني!
- لأنك امرأة وفية ، ومن الخطأ جدا ان نظن ان الناس مثلنا ، فان كنت تتصفين بالاخلاص ، فلا يعني هذا ان زوجك مخلص ايضا.
- وكيف يمكنك ان تتهميه بالخيانة ؟ ألا يمكن انه بريء منها؟
- عندي الدلائل ، وقد رغبت في البداية ان اخبيء الحقيقة عنك ، لئلا اسبب لك حزنا ، فانت صديقتي وعزيزة على نفسي، كما تعلمين ، زوجك عزيزتي يصادق كل النساء الا انت زوجته ، فهو بعيد عنك ، يسير متأبطا النساء اللاتي يقول انهن صديقاته ، تاركا اياك تكدحين من اجل الحصول على طعامكما وشرابكما ولباسكما .
- هذا من واجبي ، لأنه فقد عمله!
- ولماذا فقد عمله ؟ أليس بسبب تقصيره بالمحافظة على العمل وصيانته؟
- ربما بذل جهده ولم ينجح!
- لم يبذل! انه الان مسرور ، يجعلك تشقين للقيام بواجبه وواجب المرأة بوقت واحد!
وهو يتفسح مع النساء ، اية لعنة هذه ؟ لماذا تصمتين ؟
- وماذا يمكنني ان افعل؟
- ثوري! وهدديه ان واصل صداقاته مع النساء فانك سوف تهجرينه!
- لا أظن ان تهديدي سوف ينفعني ، طالبته بالطلاق فلم يوافق!
- انت تعرفينه اذن ! صديقتي العزيزة ، لماذا تستمر معاناتك؟
- لأننا في العراق لايمكن للمرأة ان تطالب بالطلاق ، هذا الحق بيد الرجل دائما ، واحمد لن يطلقني لأنني المعيلة والخادمة والقائمة بكل المهام!
- وهل كنت تعرفين كل تصرفاته؟ ورغم هذا تصمتين ؟
- نعم وقلبي يتمزق ، لأنني احببت رجلا بائسا ، أراني النجوم في عز الظهر ، وجعلني اشرب المر واتذوق العلقم ، ليس كلهم صديقتي العزيزة ، يوجد الحنون والشجاع ولكن احمد اراه الان يخلو من كل الصفات التي احببته من اجلها..
- هل تواصلين الحياة معه؟
- انتظر ان يتحسن..
- وكيف تأملين ذلك ؟
- يمكنني ان أصبر على كل شيء ، الا حرماني ان اكون اما..
- وهل هو لايحب الأطفال ؟.


- طالبته عددا من المرات بحقي بالامومة ، لكنه طالب بتأجيل الأمر
- ولماذا يريد التأجيل ؟
- يقول ان ظروفنا الاقتصادية لاتسمح بالانجاب في الوقت الحاضر..وعلينا ان ننتظر ريثما يجد هملا بديلا..
- وهل ستواصلين الصمت على حرمانك من حقك في الطفل؟
- لن أصمت ! سأغير كل شيء....


(72)
أخذت علاقتي بباسمة تسير في طريق مسدود، لم تعد الانسانة الهادئة التي تصبر على كل شيء، وبدأت تطالب ببعض الحقوق ، التي ما كنت أظن انها ستتجرأ على المطالبة بها ، ، ارادت ان نتساوى بالانفاق على متطلبات الأسرة، وانني يجب أن اجتهد للحصول على عمل جديد ، بدلا عن العمل الذي فقدته ، لم تر انه من واجب والديها ان يساعدا في تلبية حاجاتنا المالية:
- كيف تطالبين بالمساواة وانت ترفضين ان تساعدي اسرتي؟
- وهل استمر في المساعدة وانا قد تعبت ، منذ زواجنا وانا انفق على اسرتك..
- هل تعيرينني بفقر اسرتي يا امرأة؟
- ، لا أعيرك ، ولكنك لم تبحث عن عمل بديل..
- ماذا افعل ؟ سدت الأبواب في وجهي..
- الأبواب نحن نفتحها ، لكنك لم تحاول ، وبقيت معتمدا على عملي..
- وما الضير في ذلك ؟ وانت تدعين المساواة ؟
- وهل المساواة تعطيك حقا ان تستغلني ؟

- اصبري حتى يمكننني ان اعود الى عملي السابق ، فأنا احبه كما تعلمين ..
- جد عملا مناسبا.
- انفقي على اهلي كما كنت تفعلين..
- يمكن ان اتحمل ذلك ، ان وافقت على أن ننجب طفلا..
- انت تعرفين انني لااحب الأطفال..
- لكنني احبهم ، واريد ان اصبح اما..
- لماذا نأتي بطفل في وقتنا الصعب هذا؟
- ان لم توافق سوف اطالب بالطلاق..
- لا أحد يعطيك الحق بالطلاق الا ان وافقت انا..
- القاضي يمنحني الحق..
- اصبري قليلا ، وسوف ننجب الطفل الذي تحبين..
- متى ؟
- حين تتحسن الظروف.
- نحن من يحسن ظروفه بالعمل ، ابحث عن عمل ، وستكون ظروفنا كما نشاء..

(73)
يتأخر احمد منصور في العودة الى المنزل ، فتقلق عليه باسمة سعيد ، فيطول انتظارها ، وتصبح نهبا لأفكار شتى ، تأخذها يمينا وشمالا ، هل ذهب الى احد الأصدقاء ، او احد الأقرباء؟ ولماذا لم يخبرها ؟ كان عليه ان ينبئها بامر زيارته لأحد معارفه، وهي الان لاتعلم عن زوجها شيئا ، تراه غامضا جدا ، وتظن انه يخبيء عنها امورا عديدة ، لاتعلم كنهها ، وتود لو عرفت ، تحب ان تعلم اي رجل سعت للاقتران به بعد نضال شاق ، وكانت تأمل انه سوف يدخلها الجنة ، واذا بها تتقلب على نار الشك والقلق المتواصل ، الذي يجعلها دائمة الحيرة ، ماذا يمكنها ان تفعل امام هذا الظلام الدامس الذي يحيط بحياتها ، ويتركها عاجزة عن اخذ زمام المبادرة ، هي الانسانة القوية ، التي عرفها الناس بعزمها واجتهادها ، تجد نفسها مخلوقة حائرة ضعيفة ، هل صدق الذين زعموا ان المرأة في الشرق تصبح اداة بيد زوجها ، يوجهها الى اين يريد ، مهما كانت شخصيتها قوية ، وبرع اهلها في غرس صفات الشجاعة والنبل وكرم الاخلاق داخل نفسها ، المعارف كلهم اجمعوا ان باسمة سعيدة ، انسانة مثقفة تعرف كيف تدافع عن نفسها ، وانه ليس بمقدور احد ان يضع القيود حول حياتها ، دون ان تتمكن من ازالتها ، وانها قد جربت الكثير من المصاعب ، استطاعت ان تجتازها ، وان تزيلها من حياتها ، لتتمتع بالحرية المسؤولة التي تسعى اليها ، ولكنها اليوم ترى انها قد فشلت في ايقاف نزيف الصعوبات التي تكتم على انفاسها ، وتتركها خائرة القوى ، مبددة العزيمة ، تدرك انها احبت احمد منصور بكل ما تحمل في قلبها من مشاعر وفي عقلها من افكار ، ولكن احمد هذا قد بدد آمالها في الحب والحرية ، وانه لايختلف عن الملايين من الرجال ، الذين يدعون فكرا تقدميا ، لكنهم في الحقيقة اشد رجعية من اجدادهم ، واكثر اصرارا على تكبيل المرأة ، وسلبها طاقتها وقدرتها على مقاومة ما يريدون..
يطول تأخر احمد منصور ولا تدري باسمة سعيد ما الذي يجب ان تفعله ؟ هل يمكن ان زوجها قد أصيب بمكروه ، او تعرض لحادث سيء ، هل تظل صامتة تنتظر ان يعود؟ ام يبادر بعمل ينهي متاعبها هذه الليلة ، ويقضي على تساؤلاتها ، وينهي ما تشعر به من آلام ؟ لكن ماذا تفعل؟ وهو لم يخبرها بشيء ؟ هل تتصل هاتفيا ؟ وبمن يمكنها ان تتصل ؟ اتصلت بزوجها مرارا دون ان تظفر بجواب! هل تتصل باحد أصدقائه المقربين ؟ انها واثقة انه سوف يثور غاضبا ان اتصلت بأحد ! ولكنها حيرى هذه الليلة..
تحزم باسمة سعيد امرها ، وتقرر ان تذهب الى شقة اخ زوجها العازب، الذي اعتاد زوجها ان يذهب اليه شاكيا من زواجه التعيس كما يحلو له دائما ان يصف الاقتران بها ،
-كل المشاكل تأتي من زوجتك التي تقول انها مثقفة!
- ليس كلها .. بعض متاعبي منها!
- -ألم تخبرني انها فضولية ، تبحث في اوراقك عما يؤيد شكوكك ؟
- تبحث احيانا ، كما ابحث عما يريبني دائما..
- ألم انصحك ان تقتدي بي ؟ فأنا لا أثق بالنساء !
سمعت باسمة حديث الاخوين صدفة ، ووجدت زوجها يقلد أخاه في كل الأمور ..
سوف تذهب الى شقة الأخ ، أكبر الاحتمالات ان زوجها هناك..
تصل الشقة وتدق الجرس ، تنظر من العين السحرية ، وترى ثمة اشخاص قد اغلقوا مجال الرؤية ، بعد فترة يفتح الباب ، تسلم على اخ زوجها وتدخل ، ترى المائدة منصوبة، وعليها اربعة أقداح فيها شراب نبيذ احمر ، وبجنبها صحون فيها المكسرات واللبلبي والخس ، يخرج زوجها من احد الغرف وهو يرتدي الشورت القصير ، الذي تعرفه عائدا للأخ...
يرى الزوج علامات الاستياء واضحة على محيا زوجته ، فيبادرها صارخا:
- لماذا لحقت بي الى هنا ؟ كل الوقت وانت تشكين بي؟

(74)
طالبتني ان تكون اما ، رغم عدم رغبتي بانجاب تعيس جديد ، يضاف الى جيش المأزومين الفاشلين ، وهددت انها سوف تلجأ للقضاء في حالة عدم موافقتي على طلبها ، اخبرتها انني موافق لئلا تزداد نقمتها علي ÷، فأنا رغم عدم حبي لها لا ارغب ان تغادر حياتي وتطلب الطلاق ، لكنها كالعادة أخذت تقلق علي ذلك القلق المرضي ، عرفت عنها انها لاتطيق فراقي ، ويصيبها الخوف ان تأخرت في عودتي الى المنزل ، تدرك ان حياتنا ليست آمنة / واننا مهددون ، بالتوقيف والتعقب وتأويل الكلمات البريئة التي نتفوه بها ، لم اكن اعلم انها سوف تتبعني أينما ذهبت وان داء الشك القاتل يستبد بها ، ما ان ذهبت الى منزل شقيقي العازب ، والمعروف عنه بشدة اللهو حتى اتت الى المنزل ، كانت هناك امرأتان واخي وانا ، وضع اخي كؤوس النبيذ على المائدة ، صنعت الفتاتان الجاجيك والسلطات وكان اخي قد اشترى اللبلبي والكرزات ، بعد ان لعبت الخمرة بما تبقى من العقول ، دحل اخي مع اجمل الفتاتين الى الغرفة الكبيرة في منزله ، بقيت وحدي مع الفتاة الثانية ، التي لاتتمتع بأي مسحة من الجمال وطلبت مني:
- ونحن ماذا نفعل؟
- ماتحبين...
- لنذهب الى الغرفة الثانية في المنزل!
- لنذهب..
- لم اجرب الحب معك..
- وهل جربته مع الجميع ؟
- كيف الجميع ؟
- لااعني ما تقصدين .. آسف حقا..
دخلت الغرفة معها ، وهي من قام بكل شيء ، لم تسعدني لمساتها ، ثم سمعنا دقات متكررة على الباب ، ذهب اخي لرؤية من يكون الطارق ، وعاد الي مسرعا:
- زوجتك..
ارتدى ملابسه بسرعة ، و فتح الباب ، شاهدت باسمة الكؤوس الأربعة على المائدة ، ونظرت باستنكار الى صحون المزة ، قرأ اخي ما يجول بخاطرها ، ثم خرجت انا من الغرفة مرتديا شورت اخي ، وطلبت من مرافقتي ان تظل في الغرفة والا تخرج منها ، كنت اعرف ان باسمة لن تطيل بقاءها في المنزل، وسوف تعود الى منزلنا وهي متوترة ، فقد تأكد لها بالبرهان الساطع انني مثل اخي تماما زير نساء ، حصل ما توقعت وعادت باسمة ، ولم اعد انا:
- هذه المرأة بحاجة الى تأديب!
- لماذا ؟
- كيف سمحت لها نفسها ان تتعقب خطواتك؟ هل كانت تتوقع ان يرفض رجل نداء امرأة حارة الدماء مثل حسناء ،وبخها على تصرفها الطائش ، ونفذت نصيحة اخي وعدت غاضبا الى المنزل:
- لماذا تشكين بي ؟ هل تبعتك يوما ؟ وانا لا أعرف اين تذهبين كل يوم ؟
(75)

شرحت باسمة سعيد لطالباتها حقوق المرأة ، وبينت ان النساء يجب ان يناضلن طويلا من اجل الوصول الى تلك الحقوق ، التي نجد طريقها شائكا ، تعترضه الصعوبات ، وعلينا ان نجتاز تلك المصاعب ، كي ننعم بالدنيا ونحقق السعادة..
سألت بعض الطالبات:
- كيف نحقق ما نطمح اليه ، ونحن وحيدات بلا معين؟
- لسنا وحيدات ! الرجل بجانب قضيتنا العادلة ، وقف معنا الأب والأخ والحبيب والزوج ، واستطعنا ان نحقق بعض ما نتطلع اليه..
- لا أظن اننا نجحنا!
- لابد من التفاؤل ، الذي يراه علماء الاجتماع موصلا الى نصف الطريق!
- ماذا تقصدين أستاذة باسمة ؟
- أعني ان المناضلين من أجل ما يرونه حقا لهم ، ينبغي ان يكونوا متفائلين ، لأن التشاؤم لايفضي الى حل..
- اعرف انك ناضلت طويلا استاذتي الغالية ، هل نجحت في تحقيق مراميك؟
- نجحت الكثيرات في الوصول الى احلامهن ..
- وأنت ؟
- ربما انا طموحة اكثر من الأخريات!
- اللاتي لم يعملن شيئا نراهن في سعادة كبيرة!
- ليس دائما!
- مجتمعنا هذا يفضل الخانعات ، ويستجيب لارادة الخاملات!
- أراكن اليوم يائسات ! لماذا يا حبيباتي؟
- لانريد ان نخبرك ! لئلا نتسبب في اثارة احزانك!
- ماذا جرى ؟ كلامكن اليوم غامض!
- نريد ان نسألك استاذتنا العزيزة : هل تحقق شيئا من آمالك في الحب والحرية والعدالة؟
- هذه الحقوق تحتاج الى قوانين تدافع عنها ، وتعمل على اثباتها!
- لانسألك عن الحرية والعدالة اللتين تتحققان بالقانون!
- عن أي شيء تسألنني؟
- عن الحب والمساواة في المعاملة !
- ماذا تعنين عزيزتي أحلام؟
- هل يمكن ان تشعري ان حقوقك في الحب قد تحققت ، وزوجك كل يوم يسير مع امرأة؟ نراه يتمشى مع النساء وايديهما متشابكة ، وأنت منهمكة في اشغال المنزل ، وتحسين دخل الأسرة؟ هل توصلت الى حقوقك ، لتناضلي من اجل حقوق النساء؟
- ربما حالتنا ليست عامة ، هناك الكثير من الأسر السعيدة ، ينتشر الحب بين الزوجين ، ويقومان معا بالانفاق على الأولاد ويتعاونان بالأشغال المنزلية. لاتنظرن الى حالتي فقط ، ادرسن قصص المتزوجين ، واصدرن احكامكن ..
- هل كنت تعلمين استاذتنا ؟
- طبيعي ان الزوجة تدرك بتغير عواطف زوجها نحوها .
- مع الأسف .. تشقين في الحياة ، وهو يلعب ويتسلى ، ضاربا مشاعرك بعرض الحائط
- لست وحدي التي تعاني ، هناك من يعشن مثلي ، محرومات من الحقوق ، مع زوج لايبالي بما يقمن به من تضحيات.
- وكيف تتحملين هذه المعاناة استاذتنا الحبيبة؟
- انتظر ان تتحسن تصرفاته بعد فترة!
يبتدعها زوجها ليتمتع مع النساء الكثيرات ، وكثيرا ما تسأل نفسها ، دون ان تتوصل للجواب :
- لماذا يصر احمد منصور على اساءة معاملتي وهو يراني بمثل هذا النكران للذات ؟ وهل انا ضعيفة جدا ، لاأستطيع ان أضع حدا لظلمه؟
(76)
كل الكلام الخيالي الذي نسمعه عن المساواة تكرره باسمة امام طالباتها المراهقات ، من الرجل الذي يتنكر لرجولته في غسل الصحون وتنظيف البلاط ؟ من الرجل الذي يدنس نفسه في تنظيف ا لملابس وكيها ، ومن من الرجال يسمح ان يعود الى منزله ويجد ان الطعام لم ينضج بعد ، وان كؤوس الشاي لم تغسل منذ الصباح ، وان ادوات الحلاقة التي يستعملها بقيت في مكانها ولم تنظف ؟ من الرجل الذي يرضى ان يحرم من السهر مع أصدقائه ؟ من الرجل الذي يحرص على رضا زوجته ؟ ماذا يمكن أن تفعل الزوجة ان وجدت زوجها ليس مهتما بها ؟ لتضرب رأسها بالحائط وتخرس . ماذا افعل انا ان كانت زوجتي مدرسة عليها ان تصحح اوراق طالباتها ، وان تضع الأسئلة للامتحانات الشهرية والفصلية ونصف العام ونهاية العام ، ماذا افعل ان تم فصلي من العمل ، هي لاتصدق ان الفصل تم لأسباب سياسية رغم اني ذكرت لها ذلك ، هي محظوظة انها ارتبطت برجل مثلي ، لايحاسبها كثيرا ان رفضت مشاركتي الفراش ، تقول لابد من ا لمداعبة قبل العمل ، وانا زهقت من كلامها المنمق الذي تردده من غير مناسبة ، انا مظلوم يا ناس ، لماذا لايحق للرجل ان يشكو وانا التعيس الذي تزوج مدرسة تعلم طالباتها العصيان والثورة ضد الرجال ، اي امرأة شاء سوء حظي ان ارتبط بها ؟ معها مصرف البيت وهي تشكو انها لم تستطع ان تشتري براتبها ما تحب ان تهيئه لوجباتنا الثلاثة ، نحن اثنان فقط ، احيانا يزورنا اخي مع احدى النساء ، فتكون الطامة الكبرى وترعد الدنيا وتزبد ، وكأنني انا من اتيت بالنساء الى منزلها ، أليس من حقي ان يزورنا اخي مع المرأة التي يريد :
- زوجتك متسلطة ، من حسن حظي انني لم اتزوج!
- انها متعبة فقط..
- وهل تضع تعبها على اكتافنا؟ ما شأننا نحن؟
- هي تتعب بالعمل ..
- السبب انك لست رجلا ، لتريها العين الحمراء..

(77)

تستبد الحيرة بباسمة سعيد ، ويسلب راحتها القلق، ايمكن ان يكون التباين بين حقيقة الانسان وبين ما يظهره للناس بهذه القوة ، هل يتظاهر احمد منصور بما ليس فيه ، ام انها طبيعة اي منا ، يظهر ما يراه جميلا ، دون ان يكون بمقدوره ان يتمتع به ، يثيرها العجب مما يقوم به للحصول على اعجاب النساء ، وتخلو حياتهما المشتركة من كل جميل ، تسمع عبارات الاستحسان تقولها سيدات محترمات لزوج لايعرف حقوق زوجته ، ولا يسمح لها بالتمتع بالجمال ، يحصي عليها حركاتها ، ويدعي انه مناصر لحقوق المرأة ، هل يجدها امرأة حقا ، ام ان عفله يجردها من صفات الانوثة التي يراها في كل النساء ، الا باسمة سعيد ، التي تنتظر اوبته في كل مساء ، لتسمع منه كلمة واحدة ، تحثها على مواصلة الحياة مع امريء تزوجته لأنها وثقت بحبه لها ، ثم اكتشفت ان قلبه خال من صفات الحب والاعجاب ، يطول سهرها وانتظارها لعودته ، لكنه يرجع مخمورا ، وقد أسرف في الشراب ، فيفسد عليها ليلتها ، ويجعلها تتمنى الا تكون قد عرفته ، او وقعت في حبائله ، يمدحه جميع معارفه واصدقائه من الجنسين ، ويسبغون عليه اجمل الصفات ، التي لاتراها ، وهي التي تحبه ، كيف وقعت في حبه ؟ وكيف ظنت انه يبادلها عاطفتها ؟ كان ذلك سرابا رافقها طول الوقت..
تستمع باسمة الى اقوال اصدقائه :
- احمد رجل كامل ، يتمتع بكل ما تحبه المرأة من صفات !
- انه رجل رائع لكنك لاتعرفين قدره !
- طبيعي ان يعرف الرجل نساء عديدات فهل تريدين ان يكون امرأة؟
- انت تظلمين الرجل الجميل معك ! لماذا اقدمت على الزواج منه ؟
- عشرات النساء يرغبن بالارتباط بأحمد وانت لاتعرفين شمائله!
- ان كنت لاتحبينه ، ليعد الي ، طوال عمري وانا متيمة بوسامته..
- انت تطلبين صفات ليست موجودة ! اتقي الله ولا تكثري الشكوى!
تقرر باسمة سعيد الا تشكو بعد اليوم ، وان تظهر السعادة ، ولا تجعل علامات الحزن تبدو عليها ، ترتدي ملابسها الجميلة ، وترسم ابتسامة السعادة على محياها .ز
يطول انتظارها ، ولا عودة للزوج الغائب ، وحين يقترب الفجر يرجع وقد انهكه الشراب:
-انت حجرة ثقيلة في طريق سعادتي!
تلجم المفاجأة باسمة سعيد ، ويصيبها الخرس ، وتقع على الأرض ، تسمع اشخاص يتحدثون وصوته تسمعه بوضوح:
- لم اقل لها شيئا ووقعت على الأرض..كنت اظن انها امرأة ، واذا بها مخلوقة من قش

(78)

حدثت باسمة سعيد صديقتها اسماء عن معاناتها وعن ارغامها على ان تقول ما لن تعتقد بصحته ، وان من كانت تظن انه حبيبها يجعلها تصرح امام الناس بامور ليست حقيقية ، واصلت باسمة حديثها عن الألم المكبوت: وكيف تحدثت للحاضرين في جمعية الدفاع عن حقوق النساء
يسرني سيداتي ان أقص عليكن حكايتي ، رغم انني لا أحب إلقاء المحاضرات ولا أحبذ قولها ولكني مغلوبة على أمري أنفذ مشيئة الآخرين وامتثل لأوامرهم
كلفت هذا اليوم بهذا الواجب ، ساعدنني كيف ابدأ ، حسنا امرني ان القي على مسامعكن تجربتي الطويلة والدروس التي استخلصتها طيلة سنين عمري السعيدة ، صه ، لقد ذهب ، لنتكلم بصراحة ، طلب مني ان أتحدث عن تجربتي الخاصة وعن المساواة التي نعمت بظلها ، ولقد ابتعد الان ...... وهذه الجلسة نسائية ، سأكون صريحة معكن وأتحدث بلا أكاذيب أو اختلا قات وعندما ترينه مقبلا اخبرنني كي اخذ حذري وأعود إلى حديثي المرسوم والمقرر ، بلا مساواة ولا بطيخ في مجتمعاتنا العربية لا تجعلن صوت المكر يفون عاليا ، فانا لا أطيق إسماع كلماتي لمن كان خارج هذه القاعة ، انتن فقط من أزمع محادثتهن بأمري
هل ذهب ؟ أصدقنني القول ، لم يعد في طاقتي احتمال الصراخ المستمر والزعيق ، أريد ان أحيا بسلام ، هل جربت إحداكن المساواة ؟ هل عاملها زوجها معاملة الند للند ؟ أنت يا سيدتي ؟ لعلك قد تزوجت حديثا ولم تري شيئا بعد من الدنيا ، انا كنت مثلك في مستهل زواجي ، حيث أجنحة الحب ترفرف علينا ، ورحيق الخمرة يسكرنا ، في ذلك الزمن السحيق حيث كنا عاشقين ، ارفعي صوتك ، لم اسمع ما تريدين قوله ، صمت من فضلكن ، ماذا هل تجدن في حديثي تناقضا ؟
اسمع أصوات خطوات تقترب ، لأخفض من صوتي ، لا أريد لأحد أن يسمعني ، فيساء فهمي ، والآن سأبدأ :
يسرني سيداتي آنساتي ..ان أقص عليكن حكايتي ، انا الزوجة والأم التي مضى على زواجها ثلاثة عقود كاملة ، لم يرتفع خلال هذه الفترة الطويلة صوت لي ، لم أتذمر ، لم أشك من سوء طالعي ، او أندب تعثر حظي ، قضيت هذه الأعوام وأنا شبه راضية ، وان لم أكن سعيدة ، فلماذا أشكو ؟ وماذا يصنع لي التذمر ، هل يغير إظهار الألم شيئا من واقع الحال ، أليس من المحال تحسين الأحوال ؟ هل تسألنني كيف استطعت التغلب على مصاعبي ؟ وما هي الطرق التي سلكتها ؟ لن أكون قدوة ، لكن ، آنساتي ، لكل جيل قوانينه ، كنت هادئة دوما ابتسم بوجه العاصفة واخفض لها رأسي وجسدي ،، وحتى روحي ، حتى تمر بسلام ، لم أغضب ، ولم الغضب ؟ لاشيء يغير المكتوب ، حسنا ، غضبت في البداية وكنت اشعر بضياع عمري ، وان حبي قد تبدد ، وكنت أسال نفسي أحيانا كيف استطاع برعونته أن يئد إحساسي بالحب نحوه ، لم يعد يسمعني الكلمات الحلوة التي ترغب بها روحي وكان يعاملني بغلظة أتساءل أحيانا من أين أتى بها ، وحين أحاول ان اعبر عن حبي ، يصرخ بي هازئا ، وبعد أن أحبني وبادلته عواطفه ، وتزوجنا ، ومضت فترة بسيطة على الزواج ، اخذ يحب كل النساء ويظهر لهن المودة ، يقدم لهن الأمنيات والقبلات والهدايا الجميلة في أعياد ميلادهن ، ويأخذ ثمن الهدايا من نقودي ، وأنا أحيا منسية ، لم يتذكر عيد ميلادي ثم أمسى يسمعني القول أنني قد كبرت على مثل هذه الاحتفالات مع أننا في عمر واحد وأبدو أنا اصغر منه أحيانا إذا ما اهتممت بنفسي ،لم يعد يراني امرأته ، ومن أكون ؟ صه ، سكوت من فضلكن ، المراة كالوردة ، تذبل ان لم يتم ارواؤها ، وقد ذبلت انا وانتهى أمري وأصبحت أرى العالم اسود بشع السواد مظلما جهنميا ، والحب شجرة باسقة كثيفة الأغصان ، وارفة الظلال ، تسقط أغصانها ، وتذبل أوراقها وتتساقط مصفرة ، تذروها الرياح ، ان نسي ارواؤها ، في غمرة الإخفاقات التي نعيشها ، كنت أسال نفسي وماذا جنيت حتى يعاملني هكذا ولم أذنب ؟ بقيت اطرح هذا السؤال فترة طويلة من الوقت ، حتى أدركت انه لا جدوى من الأسئلة ،، وأنني أضحيت أتنفس برئة الآخرين وارى بعيونهم ، هو القدر ، جعلني أبدو هادئة ساكنة ، وداخلي يغلي كالمرجل، أكون أحيانا صماء بكماء وحتى عمياء ،حلمت مرارا برجل يحبني ويضمني بحرارة إليه ويقبلني ككل الرجال في العالم ، ولكن هل كانت أحلامي اكبر من طاقتي ؟ ، لا ادري ، كل الذي اعلمه انه لاشيء غير الحب يبعث الأمل في النفوس ،، ويجعلنا نناضل ونجاهد ونشعر أننا أقوياء نقهر كل الشرور ونتغلب عليها ، وأعيش الآن بلا حب ، حياتي باردة كالثلج ، أئن وأتوجع ولا يشعر احد بحالي ، أصبت بكل العلل التي يمكنكن تخيلها ، ماذا افعل وأنا انسانة تعبة ، منهكة ، ووحيدة اردد أغاني فريد الأطرش ولا يصفق لي السامعون ، مالي أراكن وقد علت ابتسامة الاستفهام على محياكن ؟ من منكن استطاعت ان تغبر اتجاه دفة السفينة ؟ هراء ما تدعيه بعضكن ، هل تزعمن المساواة ، أي مساواة تجدنها في العالم العربي ؟ أي القوانين تدعو الى المساواة في بلدانكن المنكوبة ؟ سأكمل لكن قصتي : كنت عاجزة عن النظر والنطق حتى تسير سفينتي بهدوء ، ولا تفقد الملاح قدرته على إدارة الدفة ، لا تنسين إخباري إذا ما لاح لكن احد الذكور ، هل أنا ضعيفة ؟ أبدا ، اشعر دوما أنني قوية ، المراة العربية تكتسب عادات زوجها وتتخلق بها بمرور الوقت ، وانتن كلكن هكذا أصبحتن مثل أزواجكن حين جمعكما عش الزوجية السعيد او التعيس لا ادري ، أرى ابتسامات ساخرة تعلو محياكن هل استحق الشفقة ؟ أبدا ، ما هذا ؟ أرى شخصا يشبهه يطل من بعيد ، له نفس الهيئة ، واثق من نفسه درجة الغرور ، وكأنه لا يقرب الخطأ ، أين هدوئي ؟ لقد تبدد ،،انه يرعبني ، ينسيني قوتي ، يسلبني اتزاني ، يقيدني ، ماذا تدعين يا سيدتي ؟أ تزعمين أنني لا أزال أحبه ، هراء . ما تقولونه هراء ، لماذا يفرض على المرأة ان تحب من نسيها ؟ ينبغي ان أتحلى بقوتي أن أجاهد ضعفي ؟ ولكن كيف ؟ لاحول لي ولا قوة ، يتظاهر بالهدوء ويسمعني كلماته المسمومة ، يلدغني ، سهامه تصيب مني مقتلا ، أجد نفسي مبتعدة عن الموضوع الرئيس ، وعلي ان أحدثكن عن تجربتي الناجحة وحياتي المترعة بالأفراح ، وعليكن أن تسمعنني ، وتقتدين بي ، ولكن انتبهن جيدا ، ربما يلوح علينا ، بابتسامته الصفراء ، ولكن ماذا جرى لي ؟ افقد اتزاني ، ويهجرني صبري ، ويحكمني جزعي ، الا أجد بينكن مهربا ؟ أحاطني الصمت بخيوطه العنكبوتية ، مكثت داخل شرنقتي ،، فأبديت موافقتي على ما يبديه وأنا أتلظى ، أبطن المعارضة ، ماذا حدث لي ؟لا أحب ارتفاع الأصوات ، ويرتبك ضغطي عند أدنى ارتفاع ، ابعدي جهاز التسجيل أيتها السيدة لا أود تسجيل حديثي ، إنني أغبطك على وضعك أيتها الآنسة ، علي ان ابدي أفكارا لا احملها وان أؤيد وجهات نظر لا اتفق معها ، انه هو ، يقترب ، ام انه الوهم ؟، أصدقنني القول ، عزيزاتي ، هل استطاعت إحداكن أن تغير من طباع احدهم ،، وان تساهم في تقدمه نحو الأمام ؟ خداع وأباطيل ما تدعونه ، هراء ما بقينا نسمعه طيلة عمرنا المهدود عن دعاوى المساواة ، تسألنني كيف أستطيع أن أحافظ على هدوئي وسكينة نفسي ،؟ لم يكن الأمر هينا منذ البداية ، حلمت مثلكن بالمساواة وبالتعاون لتذليل الصعاب وبالمناقشة الهادئة ،الهادفة إلى تقريب وجهات النظر ، ولكن رفع الصوت من جانب شريكي ومطالبته لي بان أغير وجهة نظري ، وأتخلى عن قناعاتي جعلني أتظاهر بالهدوء وكثرة التظاهر بالشيء تكسب الإنسان مهارات جديدة ، أصبح التظاهر حقيقة ؟ فلماذا أثور برأيكن ؟ وعلى من ؟ والسفينة كيف يمكنها أن تشق طريقها وسط الأمواج المتلاطمة ؟، ألا ترون ان علينا معشر النساء واجبات كثيرة ؟ وليس لدينا حقوق ، أنت أيتها المراة المتحدثة ، ارفعي صوتك ، واخبريني أي حقوق تزعمين ؟ أنها ثوب فضفاض ، إننا نتدهور ونعود الى الخلف ، هراء .. كل نضالا تكن ذهبت أدراج الرياح ، ماذا تسالين أيتها السيدة ؟ كيف يمكنني ، الاحتفاظ برباطة جأشي ؟ إليكن هذا ، استيقظ مبكرة وأجهز طعام الإفطار.... ماهو السؤال ؟ نعم كل صباح ، أوقظ الأولاد ، اخرج من المنزل بعد ان يكون كل شيء جاهزا : طعام الغداء ، ما يحتاجونه من نقود لكل النهار ، الملابس النظيفة المكوية ، الأرضية ممسوحة بعناية ،والصحون مغسولة، استمر واقفة طيلة ساعات عملي ، أعود ظهرا أتناول قليلا من اللقيمات لتحفظ ماكينتي من الاستمرار بالعمل ، أعود الى العمل مرة أخرى بعد ان اغسل الصحون مرات ومرات ، هل ابتعدت عن الموضوع ؟ قليلا كما أظن ، أعود منهكة في ساعة متأخرة ...ليس كثيرا ، الى ماذا يوجهكن الخيال ؟ فلاشيء في حياتي الا الأسرة والعمل ، هل تسألنني ومتى أقرا؟ حسنا عندما انتهي من كل أعمال النهار وما ان امسك الكتاب حتى يأخذ النعاس بتلابيبي ، ومتى اخرج للترفيه عن نفسي ؟ لقد قرأت هذا السؤال في نظراتكن ، عندما أجد الوقت مناسبا ، هل تجدنني آلة ؟ اجد نفسي هكذا ، انا الة صماء ، والآن اخبرنني بالله من منكن نحيا بصورة أفضل مني ؟ إني أتحدى ، إني أرى أشباحا قادمة من بعيد ، لقد أنهيت كلامي ، وحدثتكن حديثا صادقا ،كنت اطمح اليه وارجوه من صميم قلبي ، أرى ملامحه من النافذة انه يحاول الاستماع الى ما نقول ،انا لم أفه بما يثير الغضب ، سوف ارفع صوتي : إنها حياة حافلة بالنجاحات ، زاخرة بالأفراح ، عشتها مع توأم روحي ، أسمعتكن إياها ،وأرجو ان تستفدن من تجربتي
فنحن زوجان متعاونان في كل أمور الحياة ، ناجحان سعيدان .... وشريكي إنسان ذو قلب كبير ، عشت وإياه حياة ملأى بالسعادة ، مترعة بالنعيم ، أرجو ان تمنحكن الحياة ما منحتني وطابت ليلتكن والى اللقاء


(79)
تسأل أسماء صديقتها باسمة:
- الرجال يحبون المرأة الجريئة ، ألم نجربي ان تقومي باغرائه ، بدلا ان يقوم هو بدعوتك دائما؟
- جربت هذه وأخفقتُ...
- كيف؟
في ليلة ظلماء خلت من اي ضوء ، كنا مجموعة أصدقاء متزوجين ، دعينا الى منزل عائلة ، تحتفل بذكرى زواج ، اوى جميع المدعويين الى اسرتهم ، وبعضهم افترش الأرض .
- متى كان ذلك ؟..
- في الشهر الأول لزواجنا ، كان عنيفا لكنه احيانا يردد بعض كلمات الحب .
قمتُ لأطل على حبيبي الغائب الذي يحضر دائما الى فكري الذي كان متوقدا، وجدته وقد سيطر عليه سلطان الكرى ، وتناوشته حمى الاحلام الطوباوية ، التي ليس بمقدور الأصحاء ان يحلموا انه بقدرتهم الوصول الى تحقيقها يوما ، وجدته كعادته دائما يصرخ في نومه لرؤيته كوابيس لايعلم عنها احد شيئا ، اشتقتُ الى لمساته وقبلاته ، فاغرقته في قبلاتي ، حتى استفاق من نومه :
- باسمة ، عليك اللعنة توقظينني من اعز نومة وتسلبينني حريتي !
- اشتقتُ اليك !
- وهل اشتياقك هذا يجعلك تقترفين بحقي جرما ؟
- لم اقترف بحقك جرما ! اي جرم اقترفت يداي ؟
- ليست يداك ! بل فكرك السقيم ، كيف سولت لك نفسك الآثمة أن توقظيني من عز النوم ؟
- ولكنك زوجي !
- اريد ان اضع حدا لهذه العلاقة الكريهة ، هل هو سجن ابدي تريدين ان توثقي حياتي بحباله؟
- لكني احبك حقا !
- ولماذا تحبينني ؟ ولم ابادلك عاطفتك المشؤومة يوما !
- لكنك احببتني يوما !
- لم احبك ، انت توهمت الحب واتيت اليّ لتسجينيني!
- لم افعل لك شيئا هذه الليلة ليثار غضبك !
- هل تودين ان اوقظ النائمين كلهم لأحدثهم عن سوء اخلاقك !
- سوء اخلاقي ؟ لم أذنب ابدا!
- وهل يعترف الجاني يجريمته بسهولة ؟
- اية جريمة ؟ انت تحيرني ! كل هذه النعوت لأنني رغبت أن أبادلك الحب ؟
- لم تريدي مبادلتي بل احببت ان ترغميني!
- لم ارغمك ! فقط انني اشتقتُ اليك!
- كيف يكون الاشتياق عنوة سيدتي ؟ انت تسعين الى اغتصابي!
تستبد الحيرة بي ويسيطر التوتر على نفسي ، لا أعرف كيف أجيب عن اتهامات ظالمة توجه الي من انسان احببته أكثر من الناس كلهم ، هل أخطأت في حبه ؟ ام اقترفت ذنبا في الاعتراف بحبه ؟ طلبني زوجة ، فأردت ان يكون حبيبا ، وها هو يعلن انني غريبة عنه ، لم يحببني يوما ..



(80)

تتساءل باسمة سعيد عن السر الذي جعل الرجل الذي أحبته ينقلب كل هذا الانقلاب ، لماذا أبدى الحب والتفهم في بداية معرفتهما ، وطلب يدها ، وحين ابدت رغبتها بالحب تغيرت تصرفاته ، هل لأنه عرف انها وقعت في غرامه من اللحظة الأولى والرجال في بلادنا عادة لايريدون ان تبدي المرأة هيامها بهم ، ويفضلون ان يكونوا البادئين باعلان الحب ، هل تسرعت باسمة في بوحها ، اما كان الأجدر بها ان توافق على يده الممدودة اولا ، وتنتظر الوقت المناسب ككل بنات جنسها ، يرغبن بالرجل ويجعلنه يقد م على التصريح بالحب ، باسمة سعيد التقدمية والتي تناضل من اجل المساواة لم تشأ ان تلف وتدور وان تنتظر الحبيب حتى يعلن عن حبه ، فهذا الحبيب لم يكن يبالي بها ن وقد احب فتاة أخرى ، وحين رفضه أهلها تقدم لباسمة التي كان يدرك انها تعشقه ومنذ ان رأته عيناها، فهل الحب وهم كبير يداعب النفوس النبيلة والقلوب المرهفة الشعور ؟ ام انه حقيقة تريد اناسا أقوياء يجعلون العاطفة في حياتهم شجرة وارفة الظلال ، يستظلون بفيئها ، وهل باسمة سعيد كانت من الأقوياء ؟ ام انها تنهزم من الوهلة الأولى وتندب حظها العاثر الذي اوقعها بمثل هذه القصة الشائكة ، احمد منصور ليس قويا ليبقي ثابتا مع انسانة توهمت انها تشعر بالحب ن كما كانت تشعر بالسعادة الغامرة حين تربط صديقين من أصدقائها المخلصين وشائج اجمل علافة في الوجود ، وقد نجحت في جعل الكثيرين من اعز الأصدقاء يقدمون على الارتباط بعلاقة تصمد امام كل انواع الأشواك ؟ هل هي الارادة ام الحظ ما يكمن وراء فشلها الذريع في الوصول الى مبتغاها في بناء حياة سعيدة ، لماذا ترى نفسها وقد أعيتها حالة زوجها الذي تجده ضعيف الأعصاب ، يثور لأتفه الأسباب ، ويسب ويشتم لاعنا الساعة التي جمعتهما معا ، ماذا تفعل الان ؟ وهي ترى ان الحب في داخل نفسها المعذبة قد زال وظهرت مكان جذوره أشواك قاسية تدمي القلب والعقل معا ، هل تصمم على الطلاق ام تحاول ان تنقذ قصتها التي توهمت انها قابلة للتحقق ، اي مصير ينتظرها ، واية لعنة حلت ببابها ، فحولت كل الجمال الى طحالب ضارة تميت كل المخلوقات وتزرع بذور التعاسة والتوتر لتحول الخضرة الى بيداء قاحلة...

انتهت

































الجزء الخامس من رواية ( وأدتك قلبي)
(65)
تهييء باسمة سعيد نفسها لعودة زوجها ، تفتح آلة التسجيل على الاصوات التي يحبانها معا ، يأتي زوجها:
- امي تسلم عليك!
- كيف هي؟
- بخير ، حدثتها عن متاعب ليلتنا ، وقالت انها طبيعية ، لابد ان نشهدها في بداية الزواج ، وقالت انني احب زوجتي كثيرا ،لهذا لااريد ايلامها في ليلتنا الأولى ، وقالت ايضا ان باسمة تحبك وسوف تتحمل الألم كما تصبر النساء عادة على اوجاع ليلة الدخلة ، وانك سوف لن تصرخي في منتصف ليلتنا كما فعلت في بدايتها..
- هل تحب ان تسمع اغاني ام كلثوم ام نجاة الصغيرة؟
- اي اغنية تحبينها افضل سماعها ، قالت امي انني يجب ان اكون لطيفا معك ، وانك اذا صرخت لااجعل صراخك يتسبب في ايقاف عضوي من الانتصاب ، لاتصرخي حبيبتي ، وسوف تنتهي ليلتنا بخير كما نريدها ، هل تريدين كأسا من البيرة ام العرق؟
- كأسا من العرق.
- هاتفت امي قريبنا الدكتور منعم وحدثته عن متاعبنا ، فوصف لي حبوبا تمدني بالهدوء والطمأنينة في هذه الليلة ، وقال الدكتور منعم ، ان باسمة تحبك وسوف لن تصرخ ، وان الزوجات كلهن يصارعن الألم ولا يخبرن الزوج عنها ، حتى لايفقد القدرة على الانتصاب كما حصل لي..
- احبك احبك احبك..
- وانا احبك ياباسمة اكثر مما تتوقعين ، استرخي حبيبتي ، فالامر طبيعي ، لاتكوني متشنجة ، دعي الشراب يعمل على تهدئتك ، انسي كل شيء الا حبنا الكبير ، وليلتنا السعيدة القادمة..
يطأ احمد منصور باسمة ، تضع تحتها الفوطة البيضاء كما نصحتها صديقتها الطبيبة ،
تمسك بوجه احمد وتقبله قبلة طويلة ، وتوزع قبلاتها على الفم والعنق و العينين ، تجد ان الألم اصبح خفيفا بامكانها ان تتحمله ، يسألها احمد :
- هل انتهينا؟
- ماذا تقول انت؟
- اين الدم ؟
تقوم باسمة وتنظر الى الفوطة البيضاء ، ترى قطرات قليلة من الدم ، تضعها امام عيني احمد ، وهي تشعر ان خنجرا مسموما قد وجه الى كرامتها ، لاتقول شيئا ، وتتوجه الى الحمام لتغسل ما بين فخذيها ، وحين تعود تجد احمد نائما وسط السرير ، وهو يشخر بعنف،
ما زالت الآلام تشعرها ان سكينا حادة قطعت جسدها وجعلته أشلاء رمته بعيدا ، وان قلبها الظاميء لم يجد من يشبعه من سغب ، فهل ما كانت تشعر به من حب ظنته خالدا مجرد سراب؟
وهل يوجد حب حقيقي في هذه الدنيا ؟ ام اننا نتوهم لنجعل الحياة تبدو اكثر جمالا، قلبها ممزق ، قد وجهت اليه طعنة كبيرة ، تشعر انها فقدت شيئا ثمينا لايمكنها استرجاعه، قالت لها صديقتها نجلاء مرة :
- من الخير لاحدانا ان تتزوج رجلا متنورا عن طريق خطبة الأهل ، افضل من الاقتران برجل يدعي التقدمية ، قد ارتبطت معه بعلاقة حب قبل الزواج!
- لماذا يا نجلاء ؟
- لان الرجل المدعي لايصدق ان زوجته لم تعرف رجلا غيره ، مهما كانت براءتها أكيدة.. ويرى انه مادام يحب نساء كثيرات ، فان الفتاة تحب مثله ، ولا يصدق ان المرأة لاتهب رجلها قبلتها فقط الا ان كانت تحبه.
كيف يصدق احمد منصور ان باسمة لم تحب الا اياه ، وان جميع صداقاتها مع الرجال كانت علاقات اخوة؟ وأنى له ان يفهم وهو ليس امرأة تخشى ان ترتبط بعلاقة حب وتحافظ على رأي الحبيب بعفتها . كيف يمكن للمرأة ان تطالب بالمساواة وهي تخشى من علاقات الحب وتحاول وأدها منذ تباشير فجرها، هل يمكن لأي رجل ان يدرك كم تقاسي المرأة كي لايساء الى سمعتها من احد توهمت يوما انه يحبها ، واذا التوهم مجرد أضغاث أحلام .. انى لأحمد منصور ان يعرف ان باسمة لم يعرفها اي رجل ، وانها رغم قصص الحب التي حاولت قتلها في بداية انطلاقها لم تجرب القبلة ولا اللمسة ؟ كيف يمكن ان توجه طعنة نجلاء الى شرفها من رجل احبته كل العمر! ؟

(66)
قطرات قليلة من الدم كانت على الفوطة البيضاء ، حين تساءلت اين الدم ؟ اجابتني بأن وضعت فوطتها امامي ، اصابني الخرس ، لماذا تسيل منها قطرات قليلة ، ، بينما بعض النساء تنزف انهارا من الدماء ؟ لماذا هذا البخل ؟ ومن اين جاءت باسمة بالفوطة ؟ تساؤلي جعلها تتوتر ، رأيت ذلك على ملامحها ، وماذا أفعل انا ؟ انا الرجل الذي اهينت كرامته ؟ كيف لي هذه الثقة ما عدتُ اعرفُ شيئا ، وقد ظننتُ انني قد قطعت السمكة وذيلها ، واذا بي اصبح اليوم موضع هزء من المطالبات بالمساواة ، الا سحقا لكن ، تدعين بهتا انكن بريئات ! لم احب امرأة في حياتي ، الا نهلة التي اجدها موضع فخري واعتزازي ، هي تحبني لذاتي ، وليس لديها مطمح آخر ، لاتريد زواجا ، ولا ان تضع القيود حولي ، كما تفعل النساء حين يحببن . الا يدركن ان الزواج مقبرة الحب ، ذهبت باسمة لتغسل جسدها من تعدي صارخ وقع عليه من قبلي ، وانا كنت صريع الهواجس والشكوك ، هل الفنان المطرب الذي تعجب به باسمة ، هو من جنى محبتها ؟ لا ادري انا ، كلما كنت اسالها عن ماضيها تقسم انها بلا ماض ، من اين جاءتها هذه القوة ؟ كثيرون احبوا باسمة واعجبوا بها ، وغبطوني على محبتها المزعومة لي ، اما دروا انها وصلت لي ثيبا ملعوبا بها ، وانا الحريص على ان تأتيني الزوجة بكرا ، لماذا وقعتُ بارادتي بهذا اليم ؟ وكيف يمكن انقاذ نفسي منه ؟ انا من كنت اتوهم اتصافي بالذكاء والحنكة ، كيف وقعت بملء ارادتي بهذا المطب ؟ تعسا للنساء ولكل من يصدق بكلامهن المعسول ! وأكاذيبهن الفاحشة ، انا احمد منصور اعترف انني وقعت في الفخ المنصوب لي باصرار وترصد ، لماذا تنكر باسمة ماضيها ؟ أليس الأجدر بها ان تخبرني بالحقيقة ؟ الم تكن تدري انني سأقف الى جانبها حين اسمع قصصها العديدة عن أحبابها السابقين ، ألم اساعد شقيقاتي في قصص حبهن ، واقف معهن واقابل احبابهن وادعوهم الى منزلنا ؟ لماذا اخفت عني باسمة قصص غرامياتها ؟ وجعلني ذلك كثير الشكوك . لو ذكرت لي الحقيقة ما كنت اكذب ما تقوله ، اعتقد انه لايوجد امرأة عصرية بلا ماض ، كيف زعمت باسمة انها حرمت نفسها من احضان الحبيب ودفئه من اجل ان تذهب الى العريس بلا دنس ؟ كيف اصدق انا ؟ وهل يمكن للمرأة مهما كانت قوتها ان تئد عواطفها ورغبتها في دفء الرجل ، من اجل ماذا ؟ وتزعم انها فعلت ذلك كي تصون نفسها للزوج القادم ، وهل يمكن لأي زوج ان يكون بديلا عن الحبيب يا باسمة؟ سأحاول ان أكون رؤوفا بها ، فهي كريمة الخصال كما يدرك جميع من عرفوها ، ولن اكرر شكي بها ، وسأستمر على علاقتي بنهلة التي تمنحني السعادة والرضا من حياتي ، فانا لم احقق شيئا الا حبي لمعشوقتي نهلة الرائعة...


(67)

باسمة سعيد في اعلى درجات الفرح ، غُرست في قلبها شتلات السعادة ، واينعت في نفسها ثمار الحبور ، لم تكن تعلم ان الزواج سوف يجعلها بكل هذا السرور، وردتها الظامئة المتطلعة للوصال، تتغنى هذه الليالي بفرح غامر ، بعد ان سقاها الحبيب ، وانقذها من عطش ظنته دائميا ، تنتظر الساعات لأوبة احمد منصور ، وتقوم بكل الأعمال المنزلية ونفسها جذلى، تخرج الى العمل وهي تغني بأعذب الأصوات مترنمة ، واصفة سعادتها الجديدة التي لم تكن تخطر على البال ، قامت بكل الاعمال التي كانت تتوهم انها ستضيف اليها الفرح ، ولكن تعبها الشديد وارهاق نفسها وخذلان روحها ، بعد ان اعياها انتظار العرفان ، كان يخلق لها أسقاما للروح ، وأمراضا للفؤاد ، سمعت الكثيرات من صديقاتها يسبغن الأوصاف الجميلة على تلاقي الجسدين ، لكنها حلمت باتحاد الروحين اولا ، ليؤدي الى تلاحم الجسدين باروع الصلات ، لم تجد احمد منصور كما توقعته جميل النفس هاديء الطباع ، بل كان عنيفا سريع الغضب ، يتفوه بالكلمات النابية المعبرة عن ضيق النفس ، والتسرع في الرد قبل اتضاح القصد من الكلام ، تحملت كل الصفات الحادة ، بصبر لذيذ ، وهي تنتظر ساعة الرقاد ، تنتعش الوردة وتنتظر غيثا يهطل من حبيب جميل ، يتعانقان ، يتبادلان القبل ، يتلاحمان في عزف أخاذ ، تصاحبه الموسيقى من اجمل الألحان ،لكن الحبيب وآسفاه ضنين بالوصال ، لايريد ان تتكرر اللقاءات الثملة ويقول انها تسارع في الاتيان بالعجز قبل الأوان ، وان عليهما ان يقتصدا في أوقات الغرام ، وان تكون ساعات الحب مرتين في الشهر ، ليحافظا على صحتهما قبل الأفول ، وان الترحيب الذي تبديه معيب جدا:
- من علمك هذا؟ اجدك قد جربت الحب قبل الزواج!
- هل عدنا الى الاتهامات مرة اخرى؟
- لاارى انك بريئة كما تقولين!
- لم اجرب الحب ، انما كنت أشتهي الوصال ÷، ولقد خشيت ان اجربه ، ولو كنت اعلم انك ستتهمني لعشت قصة الحب ، كما تفعل الشجاعات من النساء!
- هل تعتبرين هذه الجرأة شجاعة؟
- حرمت نفسي من اجل ان يراني زوجي نظيفة من الخدوش ، ولكنك تتهمني!
- انك سريعة الاستجابة ، ما ان ألمسك حتى ارى الشهوة المستعرة في عينيك!
- وهل كنت تحب ان تقترن بامرأة باردة ؟
- لا أدري ، ربما الباردة افضل من شديدة الحرارة!
- وما العمل؟
- لا عمل الآن ، وقد يأتيك بالأخبار من لم تزودي!


(68)

أتساءل أحيانا هل باسمة بريئة كما تقول ؟ وهل ان بقاءها بعيدة عن الوصال جعلتها بهذه الرهافة ، ما ان اقترب منها حتى اجدها تشتعل ، كيف تعلمت ان تكون بمثل هذه الحرارة قرأت مرة ان حرمان المرأة من الحب قد يجعلها باردة لاتستجيب لمداعبات الحبيب ، وباسمة تدعي انها لم تعش قصة حب حقيقية ! كيف تأتى لها ان تكون بمثل هذه ؟ ، انها تجعلني ارى كل فنون الغرام ، وانا لااستطيع ان ابريء هذه المخلوقة التي وهبتني كل هذه العواطف ، ولم امنحها الا الشك والصدود ، اتعجب لحالة النساء ، كيف يصبرن على مثل هذه العلاقات ؟ وباسمة من اسرة نبيلة ، كانت موضع عنايتها ورعايتها منذ الطفولة ،وحتى شاء لها سوء طالعها ، ان تقترن بي ، احيانا افكر ، لماذا أسيء معاملة المرأة التي وهبتني نفسها ، هل لأنني نشأت في اسرة يحترمون فيها من يبرع في الصراخ ، ويرون ان طلباته اوامر ، يجب ان تطاع ، هذا انا ، اصرخ بلا سبب وأطالبها ان تغير نفسها وقناعاتها من اجلي ، انا الزاخر بالأخطاء ، المعدوم من الثقة ، الخالي من الجمال ! لماذا جعلت باسمة تجد التعاسة في يومها الأول معي ؟ لماذا لم احسن معاملتها ؟ وانا اجدها تشعل الشمعات العشر من اجل ارضائي ، سأدع هذه الأسئلة واعود الى سلوكي نفسه ، فهو يسعدني ، اليس من الثراء ان تجد زوجتك تهرح الى نيل رضاك عنها ؟ وانت تمعن في اذلالها وسلب راحتها النفسية ؟ لماذا انا هكذا ؟ هل انا سيء جدا ، بعضهم يقول انني طيب ، لكني لااحسن فن الكلام ، اتفوه بالكلمات القاسية ، رغبة في نشدان الهيبة ! أي هيبة أريد وأنا أصعب الحياة على رفيقتي فيها ؟ ولكن ما بالي اتهم نفسي ! وباسمة لن تحتج على سوء معاملتي لها ، ربما تجد ها دليلا على الرجولة التي لم تجربها قبلي، فلأمضي في حياتي ، غير وجل ، احب نهلة ، وتخدمني باسمة التي دللها اهلها ، وانا اسمعها قاسي الكلام ، واعيد عليها انني اشك بها ، وانها لم تكن عذراء ، لتكن مشيئتي المهيمنة ، ولتصبح باسمة امتي ، التي اصنع معها ما أشاء ، اهبها بعض اللحظات السعيدة ، واهجرها طوال العمر ، نهلة من اصبو الى رضاها عني ، فهي حبيبتي الوحيدة ، وباسمة تمهد لي طريق السعادة..

(69)

كما النهر الرقراق ينساب من بين يدي باسمة سعيد، تتبخر سويعات الهناء ، وتولي لحظات بهاء اليقين ، أكان حلما جميلا ، انتهى لحظة جفاها الكرى ، وحل بأيامها سهاد مرير ، لماذا تتراءى لها البهجة ، كسراب شمس قائظة ، يسيل فيها من القلوب تعب غزير ، لا طاقة لها باحتماله ، وتتوالى عليها كؤوس الهم والعناء ، تتجرعها حتى الثمالة ، ضاعت كل أحلامها ، وولت طيور الفرح، جارية من أرضها الجدباء ، لتحل في حقول أخرى تعرف ما معنى السرور ، لمَ يهجر المرء فيها غناء العنادل ؟، إلى عواء متواصل كئيب ، أية لعنة حلت ببابها ، فأحالت سنابل قمحها إلى عجاف ، تركتها الأيام ثكلى ، ودعت المسرات في دنيا بعيدة ، وحان لها أن ترتوي من ماء أجاج ...
لمَ تهزم الأيام وتعبس الليالي ؟ أليست الحياة مدا وجزرا ، وفرصا سانحة ، يحسن الفطن اقتناصها ، ليفوز باللذات ، وينأى عن الكآبة والضياع ؟ وأية لذات تحلم بها ، وكأس الحنظل يفتح فاه مرحبا ، شامتا بما حل بأرضها من جفاف .....يصدأ عندها الشعور ، وتهرب النعم ميممة وجهها، صوب شاطئ بعيد
بطاقة تهنئة بالعيد ، وامرأة تلوح بفخر، تتصاغر أمام فتنتها الحسناوات ، وصدر ناهد مرمري ، عاري ، وشعر ينسدل بتراخ فوق الكتفين ، وكلمات قليلة مخطوطة بقلم أنيق :
- اذكرني ، كلما لاحت لك صورتي ...
تؤخذ باسمة على حين غرة ، هل أهرق احدهم فوقها ماء ثلج ؟ لم تحسب أن هذه اللحظة آتية ، وان قناديل حياتها توشك على الانطفاء ، وهي ما زالت في شهور العرس الأولى ،ريح عاتية ، تتلاعب بها ، تكون ريشة في مهبها ، من هي المهيمنة على هذا المشهد المسرحي ؟، تصدر أوامرها ،فيسارع الملبّون بالطاعة ؟ وباسمة ؟ تتنكر القوى الفاعلة ، وكأنها نقطة في بحر عميق الغور ، تطول حيرتها لمَ كل هذا ؟ من تكون هذه ؟ وكيف مرت بحياتها المسهدة الكئيبة ؟ وكيف لا يخطر في بالها ، انه يمكن أن تقابل تضحياتها الجسام بالنكران المبين ، وتقابل أعمالها الناصعة بالهزء ؟ ولمَ تتحول أيامها إلى علقم ؟ وعلام تقابل حسناتها بالسيئات ، ولمَ لا يكون الجزاء من جنس العمل ، وماذا جنت باسمة لتتضاعف على أم رأسها اللعنات ، ويسقونها شراب الحنظل ؟وكانت المحسنة دائما..
تستبد بها التساؤلات ، أي بحر متلاطم الأمواج ، رموها فيه ، وابعدوا عنها قوارب النجاة ، لمن تتوجه طالبة الإحسان، وقد سدت السبل بوجها ؟
قد تكون الخاطئة ؟ لماذا سمحت للأفعى أن تكون قريبة منها ؟ ألم تخش من انقلابها وتلون أفعالها ؟
أتكون بطاقة يتيمة ، قد أثارت بها فيضان المخاوف هذا ، وأغرقتها في يم لا شاطئ له ، وكيف يمكن لها أن تعلم ؟ قد تكون العديد من البطاقات الواعدة ، تسيل أحلاما ، وتجعل الأرض تميد تحتها ؟ ، ألم يصاحبها أفعال تعزز لغتها المطمئنة ؟ من جعل الحسناء بهذه الثقة ، وزرع في نفسها جذور اليقين ؟
تتقلب في بحر من الجمر تتلاطم فيه الأمواج ، أفكارها تضطرب في لجة عميقة الغور، عساها تهتدي إلى قرار ، وكيف يمكن لمن لا يحسن السباحة ، أن يعرف طبيعة البحار ، وسر الأمواج المتصارعة فيها ، هل ضاع كل ما بنته ؟ وتحملت تبعات أعمالها طوال هذه الشهور، هل خطر في بالها انه مثلها ، قُدّ من وفاء ؟
لن تنهزم ، هل تمنحه هدية للراغبات، وهي ساغبة تنظر ، ومن يعيده إليها؟ ، تتفرج... لا حول لها ولا قوة ، هل ضاعت الآن الفرص ؟ أليس بإمكانها تدارك الأمر ، ما زالت الحكاية في بدايتها ، فلتناضل لاسترجاع حقها...
صديقتها السعيدة لديها ما ترنو إليه النفس ، مشاهد آسرة ،وأفلام أكيد مفعولها ، عن كيفية إعادة الهاربين من أعشاشهم الصغيرة ، تشاهد باسمة ما قدمته لها الصديقة ، وتقلد المشاهد ببراعة ، وكأنها بطلة القصة ، تبث الرغبة في نفس أرهقتها صروف الحياة ، تقبل رجلها وتناجيه وتناغيه ، ينهض الحبيب ملبيا ، وتتحقق لها رغبتها ، انتصرت على من يريد بها شرا ، ولكن الفرحة العارمة ما تلبث أن تنقلب وبالا ، لتحط على رأسها ، وهي في منتصف الطريق لتحقيق حلمها الطويل ، والانتصار على من سلب منها جمال الحياة ، واسترداد واهب النعيم ، وساقي اللذات :
- كيف تأتى لك المهارة بهذا الفن ؟ من علمك ؟ هل أكون أنا آخر من يعلم ؟ ..


( 70)
كيف وقعت البطاقة بيد باسمة؟ وكيف يمكن لها ان تقرأ البطاقات المرسلة لي؟ عليها ان تنظف مكتبي وتعتني بالأوراق المتراكمة عليه وعلى الأرض، دون ان تقرأ ما تتضمن تلك الأوراق ، كيف اتت لها الجرأة لتبحث عمن بعثت البطاقة ، وانا كنت اريدها عمياء ، في عملي توجد نساء عديدات ،أرتبط بصداقة معهن ، فهل من المعقول الا أستلم بطاقات الاعجاب منهن ؟ هل ارفض محبتهن ؟ هل يمكن هذا للرجل الناجح ، هل انا امرأة حتى اعتذر عن استلام بطاقات المحبة والاعجاب لأني مرتبطة بعقد زواج؟ لن يسمح الرجل بتقييد حريته ، وهو حر ان يفعل ما يشاء ، يحب من يريد من النساء ويرسل بطاقات الحب اليهن ، هل امنع النساء عن محبتي وانا الرجل المحبوب ذو الجاذبية كما تصفني النساء ، وباسمة محظوظة انها ارتبطت بي ، عليها ان تكون سعيدة ، فأنا زوجها بعقد شهد عليه اثنان ، والأخريات يبادلنني المحبة ، دون ان تتنتظر مني احداهن شيئا الا اللطف في المعاملة ، هل اتنكر لما يبدينه من مودة يحسدني عليها الأصدقاء ، كلهم يغبطونني على عدد النساء اللاتي يمحظنني حبا فريدا لاامل فيه ولا رجاء ، ويبعثن لي بطاقاتهن المعبرة عن شدة الاعجاب والوجد...
، وباسمة بعد ان رأت البطاقة غضبت ، كيف احب اخريات وانا زوجها ؟ وهل حجرت على حريتي بكونها زوجتي ؟ لم تكن تدري ان هناك عدد من البطاقات الأخرى اكثر جراة من تلك التي وقعت في يديها ، ونحن اتفقنا في بداية الزواج الا يفتش احدنا في أوراق الآخر :
- كيف سمحت لنفسك ان تبحثي في أوراقي ؟ انا لم اعرف ماذا تخبيء أوراقك من قصص لاتريدين افشاءها ! هل تعتبين على بطاقة استلمتها من احدى النساء ، وانا اجد الكثيرين من الرجال يعجبون بك ! هل عاتبتك يوما ، هل وجدت انني اخذت ابحث في ادراج مكتبك عما يتهمك من قصص الاعجاب التي تتلقينها من عدد من الرجال ، لك حياتك ولي حياتي ، وان كنا نعيش سوية في منزل مشترك! لا تفتشي في كتبي ودفاتري وانا ايضا لن ابحث عما يشينك في كتبك ، لسنا طفلين ، ونحن ناضجان ، يمكنك ان تحبي من تشائين ، ولا اجد في ذلك ما يخدش كرامتي..
سكتت باسمة ولم تعد الا اتهامي مرات اخر ، رغم اني ما تركت معاشرة النساء ، وبقيتُ استلم بطاقات الحب والاعجاب منهن ، وان كنت احب واحدة هي نهلة ، لكن غضب باسمة المفتعل جعلني اثور على تدخلها في شؤوني ، لتصمت هذه المرأة ولتترك عادة ان تدخل انفها فيما لايعنيها ، وانا أدرك انها لاتعرف رجلا غيري ، الا انني شئت الا تتوهم ان لها حجما اكبر من حقيقتها فانا الرجل وعليها طاعتي..
(71)

المصاعب تتراكم على باسمة سعيد ، واحمد منصور يأتي باغلب تلك الصعاب ، لاتدري باسمة اهو قصد منه ام سوء تدبير ؟ يلومه الأصحاب كيف يمكن ان يتخلى عن المرأة التي احبته كل هذا الحب؟ كانت تظن انه يخلص لها كما هي تحفظ له حقوقه في حضوره والغياب تقول لها صديقتها :
- الرجال كلهم خائنون سيئون ، لاينفع معهم الاخلاص..
- ليس كلهم ، حرام ان نتهم الجميع بصفات البعض!
- أتعرفين ان احمد يخونك مع اية امرأة يجد عندها القبول؟
- لا ارى ذلك ، يمكن انني من شدة انشغالي بعملي وانهماكي بأشغال البيت ، جعلته يشعر انه وحيد مهمل!
- انك لم تقصري ، ماذا يمكن ان تفعلي ؟ وزوجك فقد عمله لأنه كان كثير الغياب؟ اتكل عليك ووجدك مجتهدة في عملك ، حريصة على نجاحك فأكثر من اهماله ، مما اثار استغراب من كان يعرفه قبل زواجه ، بعض الرجال لايطيقون نجاح زوجاتهم ، فيسببون لها المتاعب ، ويضعون المصاعب في طريقها ، كي تفشل في عملها ، ليدعوا ان المرأة من طبيعتها الفشل ، وحين يجدون الزوجة لاتبالي بما يبذلونه من جهود لافشال مساعيها ، وجعلها تفشل في العمل الذي كانت تتقنه قبل الزواج ، فيحزنون ، ويصيبهم التوتر ، ويكثرون التغيب عن عملهم ، وحين يعاقبون على التقصير في العمل بالاعفاء منه ، يعاقبون الزوجة الناجحة بخيانتها مع كل امرأة..
- لكني رغم فقدانه العمل ، لااشك به ،انه لا يخونني!
- لأنك امرأة وفية ، ومن الخطأ جدا ان نظن ان الناس مثلنا ، فان كنت تتصفين بالاخلاص ، فلا يعني هذا ان زوجك مخلص ايضا.
- وكيف يمكنك ان تتهميه بالخيانة ؟ ألا يمكن انه بريء منها؟
- عندي الدلائل ، وقد رغبت في البداية ان اخبيء الحقيقة عنك ، لئلا اسبب لك حزنا ، فانت صديقتي وعزيزة على نفسي، كما تعلمين ، زوجك عزيزتي يصادق كل النساء الا انت زوجته ، فهو بعيد عنك ، يسير متأبطا النساء اللاتي يقول انهن صديقاته ، تاركا اياك تكدحين من اجل الحصول على طعامكما وشرابكما ولباسكما .
- هذا من واجبي ، لأنه فقد عمله!
- ولماذا فقد عمله ؟ أليس بسبب تقصيره بالمحافظة على العمل وصيانته؟
- ربما بذل جهده ولم ينجح!
- لم يبذل! انه الان مسرور ، يجعلك تشقين للقيام بواجبه وواجب المرأة بوقت واحد!
وهو يتفسح مع النساء ، اية لعنة هذه ؟ لماذا تصمتين ؟
- وماذا يمكنني ان افعل؟
- ثوري! وهدديه ان واصل صداقاته مع النساء فانك سوف تهجرينه!
- لا أظن ان تهديدي سوف ينفعني ، طالبته بالطلاق فلم يوافق!
- انت تعرفينه اذن ! صديقتي العزيزة ، لماذا تستمر معاناتك؟
- لأننا في العراق لايمكن للمرأة ان تطالب بالطلاق ، هذا الحق بيد الرجل دائما ، واحمد لن يطلقني لأنني المعيلة والخادمة والقائمة بكل المهام!
- وهل كنت تعرفين كل تصرفاته؟ ورغم هذا تصمتين ؟
- نعم وقلبي يتمزق ، لأنني احببت رجلا بائسا ، أراني النجوم في عز الظهر ، وجعلني اشرب المر واتذوق العلقم ، ليس كلهم صديقتي العزيزة ، يوجد الحنون والشجاع ولكن احمد اراه الان يخلو من كل الصفات التي احببته من اجلها..
- هل تواصلين الحياة معه؟
- انتظر ان يتحسن..
- وكيف تأملين ذلك ؟
- يمكنني ان أصبر على كل شيء ، الا حرماني ان اكون اما..
- وهل هو لايحب الأطفال ؟.


- طالبته عددا من المرات بحقي بالامومة ، لكنه طالب بتأجيل الأمر
- ولماذا يريد التأجيل ؟
- يقول ان ظروفنا الاقتصادية لاتسمح بالانجاب في الوقت الحاضر..وعلينا ان ننتظر ريثما يجد هملا بديلا..
- وهل ستواصلين الصمت على حرمانك من حقك في الطفل؟
- لن أصمت ! سأغير كل شيء....


(72)
أخذت علاقتي بباسمة تسير في طريق مسدود، لم تعد الانسانة الهادئة التي تصبر على كل شيء، وبدأت تطالب ببعض الحقوق ، التي ما كنت أظن انها ستتجرأ على المطالبة بها ، ، ارادت ان نتساوى بالانفاق على متطلبات الأسرة، وانني يجب أن اجتهد للحصول على عمل جديد ، بدلا عن العمل الذي فقدته ، لم تر انه من واجب والديها ان يساعدا في تلبية حاجاتنا المالية:
- كيف تطالبين بالمساواة وانت ترفضين ان تساعدي اسرتي؟
- وهل استمر في المساعدة وانا قد تعبت ، منذ زواجنا وانا انفق على اسرتك..
- هل تعيرينني بفقر اسرتي يا امرأة؟
- ، لا أعيرك ، ولكنك لم تبحث عن عمل بديل..
- ماذا افعل ؟ سدت الأبواب في وجهي..
- الأبواب نحن نفتحها ، لكنك لم تحاول ، وبقيت معتمدا على عملي..
- وما الضير في ذلك ؟ وانت تدعين المساواة ؟
- وهل المساواة تعطيك حقا ان تستغلني ؟

- اصبري حتى يمكننني ان اعود الى عملي السابق ، فأنا احبه كما تعلمين ..
- جد عملا مناسبا.
- انفقي على اهلي كما كنت تفعلين..
- يمكن ان اتحمل ذلك ، ان وافقت على أن ننجب طفلا..
- انت تعرفين انني لااحب الأطفال..
- لكنني احبهم ، واريد ان اصبح اما..
- لماذا نأتي بطفل في وقتنا الصعب هذا؟
- ان لم توافق سوف اطالب بالطلاق..
- لا أحد يعطيك الحق بالطلاق الا ان وافقت انا..
- القاضي يمنحني الحق..
- اصبري قليلا ، وسوف ننجب الطفل الذي تحبين..
- متى ؟
- حين تتحسن الظروف.
- نحن من يحسن ظروفه بالعمل ، ابحث عن عمل ، وستكون ظروفنا كما نشاء..

(73)
يتأخر احمد منصور في العودة الى المنزل ، فتقلق عليه باسمة سعيد ، فيطول انتظارها ، وتصبح نهبا لأفكار شتى ، تأخذها يمينا وشمالا ، هل ذهب الى احد الأصدقاء ، او احد الأقرباء؟ ولماذا لم يخبرها ؟ كان عليه ان ينبئها بامر زيارته لأحد معارفه، وهي الان لاتعلم عن زوجها شيئا ، تراه غامضا جدا ، وتظن انه يخبيء عنها امورا عديدة ، لاتعلم كنهها ، وتود لو عرفت ، تحب ان تعلم اي رجل سعت للاقتران به بعد نضال شاق ، وكانت تأمل انه سوف يدخلها الجنة ، واذا بها تتقلب على نار الشك والقلق المتواصل ، الذي يجعلها دائمة الحيرة ، ماذا يمكنها ان تفعل امام هذا الظلام الدامس الذي يحيط بحياتها ، ويتركها عاجزة عن اخذ زمام المبادرة ، هي الانسانة القوية ، التي عرفها الناس بعزمها واجتهادها ، تجد نفسها مخلوقة حائرة ضعيفة ، هل صدق الذين زعموا ان المرأة في الشرق تصبح اداة بيد زوجها ، يوجهها الى اين يريد ، مهما كانت شخصيتها قوية ، وبرع اهلها في غرس صفات الشجاعة والنبل وكرم الاخلاق داخل نفسها ، المعارف كلهم اجمعوا ان باسمة سعيدة ، انسانة مثقفة تعرف كيف تدافع عن نفسها ، وانه ليس بمقدور احد ان يضع القيود حول حياتها ، دون ان تتمكن من ازالتها ، وانها قد جربت الكثير من المصاعب ، استطاعت ان تجتازها ، وان تزيلها من حياتها ، لتتمتع بالحرية المسؤولة التي تسعى اليها ، ولكنها اليوم ترى انها قد فشلت في ايقاف نزيف الصعوبات التي تكتم على انفاسها ، وتتركها خائرة القوى ، مبددة العزيمة ، تدرك انها احبت احمد منصور بكل ما تحمل في قلبها من مشاعر وفي عقلها من افكار ، ولكن احمد هذا قد بدد آمالها في الحب والحرية ، وانه لايختلف عن الملايين من الرجال ، الذين يدعون فكرا تقدميا ، لكنهم في الحقيقة اشد رجعية من اجدادهم ، واكثر اصرارا على تكبيل المرأة ، وسلبها طاقتها وقدرتها على مقاومة ما يريدون..
يطول تأخر احمد منصور ولا تدري باسمة سعيد ما الذي يجب ان تفعله ؟ هل يمكن ان زوجها قد أصيب بمكروه ، او تعرض لحادث سيء ، هل تظل صامتة تنتظر ان يعود؟ ام يبادر بعمل ينهي متاعبها هذه الليلة ، ويقضي على تساؤلاتها ، وينهي ما تشعر به من آلام ؟ لكن ماذا تفعل؟ وهو لم يخبرها بشيء ؟ هل تتصل هاتفيا ؟ وبمن يمكنها ان تتصل ؟ اتصلت بزوجها مرارا دون ان تظفر بجواب! هل تتصل باحد أصدقائه المقربين ؟ انها واثقة انه سوف يثور غاضبا ان اتصلت بأحد ! ولكنها حيرى هذه الليلة..
تحزم باسمة سعيد امرها ، وتقرر ان تذهب الى شقة اخ زوجها العازب، الذي اعتاد زوجها ان يذهب اليه شاكيا من زواجه التعيس كما يحلو له دائما ان يصف الاقتران بها ،
-كل المشاكل تأتي من زوجتك التي تقول انها مثقفة!
- ليس كلها .. بعض متاعبي منها!
- -ألم تخبرني انها فضولية ، تبحث في اوراقك عما يؤيد شكوكك ؟
- تبحث احيانا ، كما ابحث عما يريبني دائما..
- ألم انصحك ان تقتدي بي ؟ فأنا لا أثق بالنساء !
سمعت باسمة حديث الاخوين صدفة ، ووجدت زوجها يقلد أخاه في كل الأمور ..
سوف تذهب الى شقة الأخ ، أكبر الاحتمالات ان زوجها هناك..
تصل الشقة وتدق الجرس ، تنظر من العين السحرية ، وترى ثمة اشخاص قد اغلقوا مجال الرؤية ، بعد فترة يفتح الباب ، تسلم على اخ زوجها وتدخل ، ترى المائدة منصوبة، وعليها اربعة أقداح فيها شراب نبيذ احمر ، وبجنبها صحون فيها المكسرات واللبلبي والخس ، يخرج زوجها من احد الغرف وهو يرتدي الشورت القصير ، الذي تعرفه عائدا للأخ...
يرى الزوج علامات الاستياء واضحة على محيا زوجته ، فيبادرها صارخا:
- لماذا لحقت بي الى هنا ؟ كل الوقت وانت تشكين بي؟

(74)
طالبتني ان تكون اما ، رغم عدم رغبتي بانجاب تعيس جديد ، يضاف الى جيش المأزومين الفاشلين ، وهددت انها سوف تلجأ للقضاء في حالة عدم موافقتي على طلبها ، اخبرتها انني موافق لئلا تزداد نقمتها علي ÷، فأنا رغم عدم حبي لها لا ارغب ان تغادر حياتي وتطلب الطلاق ، لكنها كالعادة أخذت تقلق علي ذلك القلق المرضي ، عرفت عنها انها لاتطيق فراقي ، ويصيبها الخوف ان تأخرت في عودتي الى المنزل ، تدرك ان حياتنا ليست آمنة / واننا مهددون ، بالتوقيف والتعقب وتأويل الكلمات البريئة التي نتفوه بها ، لم اكن اعلم انها سوف تتبعني أينما ذهبت وان داء الشك القاتل يستبد بها ، ما ان ذهبت الى منزل شقيقي العازب ، والمعروف عنه بشدة اللهو حتى اتت الى المنزل ، كانت هناك امرأتان واخي وانا ، وضع اخي كؤوس النبيذ على المائدة ، صنعت الفتاتان الجاجيك والسلطات وكان اخي قد اشترى اللبلبي والكرزات ، بعد ان لعبت الخمرة بما تبقى من العقول ، دحل اخي مع اجمل الفتاتين الى الغرفة الكبيرة في منزله ، بقيت وحدي مع الفتاة الثانية ، التي لاتتمتع بأي مسحة من الجمال وطلبت مني:
- ونحن ماذا نفعل؟
- ماتحبين...
- لنذهب الى الغرفة الثانية في المنزل!
- لنذهب..
- لم اجرب الحب معك..
- وهل جربته مع الجميع ؟
- كيف الجميع ؟
- لااعني ما تقصدين .. آسف حقا..
دخلت الغرفة معها ، وهي من قام بكل شيء ، لم تسعدني لمساتها ، ثم سمعنا دقات متكررة على الباب ، ذهب اخي لرؤية من يكون الطارق ، وعاد الي مسرعا:
- زوجتك..
ارتدى ملابسه بسرعة ، و فتح الباب ، شاهدت باسمة الكؤوس الأربعة على المائدة ، ونظرت باستنكار الى صحون المزة ، قرأ اخي ما يجول بخاطرها ، ثم خرجت انا من الغرفة مرتديا شورت اخي ، وطلبت من مرافقتي ان تظل في الغرفة والا تخرج منها ، كنت اعرف ان باسمة لن تطيل بقاءها في المنزل، وسوف تعود الى منزلنا وهي متوترة ، فقد تأكد لها بالبرهان الساطع انني مثل اخي تماما زير نساء ، حصل ما توقعت وعادت باسمة ، ولم اعد انا:
- هذه المرأة بحاجة الى تأديب!
- لماذا ؟
- كيف سمحت لها نفسها ان تتعقب خطواتك؟ هل كانت تتوقع ان يرفض رجل نداء امرأة حارة الدماء مثل حسناء ،وبخها على تصرفها الطائش ، ونفذت نصيحة اخي وعدت غاضبا الى المنزل:
- لماذا تشكين بي ؟ هل تبعتك يوما ؟ وانا لا أعرف اين تذهبين كل يوم ؟
(75)

شرحت باسمة سعيد لطالباتها حقوق المرأة ، وبينت ان النساء يجب ان يناضلن طويلا من اجل الوصول الى تلك الحقوق ، التي نجد طريقها شائكا ، تعترضه الصعوبات ، وعلينا ان نجتاز تلك المصاعب ، كي ننعم بالدنيا ونحقق السعادة..
سألت بعض الطالبات:
- كيف نحقق ما نطمح اليه ، ونحن وحيدات بلا معين؟
- لسنا وحيدات ! الرجل بجانب قضيتنا العادلة ، وقف معنا الأب والأخ والحبيب والزوج ، واستطعنا ان نحقق بعض ما نتطلع اليه..
- لا أظن اننا نجحنا!
- لابد من التفاؤل ، الذي يراه علماء الاجتماع موصلا الى نصف الطريق!
- ماذا تقصدين أستاذة باسمة ؟
- أعني ان المناضلين من أجل ما يرونه حقا لهم ، ينبغي ان يكونوا متفائلين ، لأن التشاؤم لايفضي الى حل..
- اعرف انك ناضلت طويلا استاذتي الغالية ، هل نجحت في تحقيق مراميك؟
- نجحت الكثيرات في الوصول الى احلامهن ..
- وأنت ؟
- ربما انا طموحة اكثر من الأخريات!
- اللاتي لم يعملن شيئا نراهن في سعادة كبيرة!
- ليس دائما!
- مجتمعنا هذا يفضل الخانعات ، ويستجيب لارادة الخاملات!
- أراكن اليوم يائسات ! لماذا يا حبيباتي؟
- لانريد ان نخبرك ! لئلا نتسبب في اثارة احزانك!
- ماذا جرى ؟ كلامكن اليوم غامض!
- نريد ان نسألك استاذتنا العزيزة : هل تحقق شيئا من آمالك في الحب والحرية والعدالة؟
- هذه الحقوق تحتاج الى قوانين تدافع عنها ، وتعمل على اثباتها!
- لانسألك عن الحرية والعدالة اللتين تتحققان بالقانون!
- عن أي شيء تسألنني؟
- عن الحب والمساواة في المعاملة !
- ماذا تعنين عزيزتي أحلام؟
- هل يمكن ان تشعري ان حقوقك في الحب قد تحققت ، وزوجك كل يوم يسير مع امرأة؟ نراه يتمشى مع النساء وايديهما متشابكة ، وأنت منهمكة في اشغال المنزل ، وتحسين دخل الأسرة؟ هل توصلت الى حقوقك ، لتناضلي من اجل حقوق النساء؟
- ربما حالتنا ليست عامة ، هناك الكثير من الأسر السعيدة ، ينتشر الحب بين الزوجين ، ويقومان معا بالانفاق على الأولاد ويتعاونان بالأشغال المنزلية. لاتنظرن الى حالتي فقط ، ادرسن قصص المتزوجين ، واصدرن احكامكن ..
- هل كنت تعلمين استاذتنا ؟
- طبيعي ان الزوجة تدرك بتغير عواطف زوجها نحوها .
- مع الأسف .. تشقين في الحياة ، وهو يلعب ويتسلى ، ضاربا مشاعرك بعرض الحائط
- لست وحدي التي تعاني ، هناك من يعشن مثلي ، محرومات من الحقوق ، مع زوج لايبالي بما يقمن به من تضحيات.
- وكيف تتحملين هذه المعاناة استاذتنا الحبيبة؟
- انتظر ان تتحسن تصرفاته بعد فترة!
يبتدعها زوجها ليتمتع مع النساء الكثيرات ، وكثيرا ما تسأل نفسها ، دون ان تتوصل للجواب :
- لماذا يصر احمد منصور على اساءة معاملتي وهو يراني بمثل هذا النكران للذات ؟ وهل انا ضعيفة جدا ، لاأستطيع ان أضع حدا لظلمه؟
(76)
كل الكلام الخيالي الذي نسمعه عن المساواة تكرره باسمة امام طالباتها المراهقات ، من الرجل الذي يتنكر لرجولته في غسل الصحون وتنظيف البلاط ؟ من الرجل الذي يدنس نفسه في تنظيف ا لملابس وكيها ، ومن من الرجال يسمح ان يعود الى منزله ويجد ان الطعام لم ينضج بعد ، وان كؤوس الشاي لم تغسل منذ الصباح ، وان ادوات الحلاقة التي يستعملها بقيت في مكانها ولم تنظف ؟ من الرجل الذي يرضى ان يحرم من السهر مع أصدقائه ؟ من الرجل الذي يحرص على رضا زوجته ؟ ماذا يمكن أن تفعل الزوجة ان وجدت زوجها ليس مهتما بها ؟ لتضرب رأسها بالحائط وتخرس . ماذا افعل انا ان كانت زوجتي مدرسة عليها ان تصحح اوراق طالباتها ، وان تضع الأسئلة للامتحانات الشهرية والفصلية ونصف العام ونهاية العام ، ماذا افعل ان تم فصلي من العمل ، هي لاتصدق ان الفصل تم لأسباب سياسية رغم اني ذكرت لها ذلك ، هي محظوظة انها ارتبطت برجل مثلي ، لايحاسبها كثيرا ان رفضت مشاركتي الفراش ، تقول لابد من ا لمداعبة قبل العمل ، وانا زهقت من كلامها المنمق الذي تردده من غير مناسبة ، انا مظلوم يا ناس ، لماذا لايحق للرجل ان يشكو وانا التعيس الذي تزوج مدرسة تعلم طالباتها العصيان والثورة ضد الرجال ، اي امرأة شاء سوء حظي ان ارتبط بها ؟ معها مصرف البيت وهي تشكو انها لم تستطع ان تشتري براتبها ما تحب ان تهيئه لوجباتنا الثلاثة ، نحن اثنان فقط ، احيانا يزورنا اخي مع احدى النساء ، فتكون الطامة الكبرى وترعد الدنيا وتزبد ، وكأنني انا من اتيت بالنساء الى منزلها ، أليس من حقي ان يزورنا اخي مع المرأة التي يريد :
- زوجتك متسلطة ، من حسن حظي انني لم اتزوج!
- انها متعبة فقط..
- وهل تضع تعبها على اكتافنا؟ ما شأننا نحن؟
- هي تتعب بالعمل ..
- السبب انك لست رجلا ، لتريها العين الحمراء..

(77)

تستبد الحيرة بباسمة سعيد ، ويسلب راحتها القلق، ايمكن ان يكون التباين بين حقيقة الانسان وبين ما يظهره للناس بهذه القوة ، هل يتظاهر احمد منصور بما ليس فيه ، ام انها طبيعة اي منا ، يظهر ما يراه جميلا ، دون ان يكون بمقدوره ان يتمتع به ، يثيرها العجب مما يقوم به للحصول على اعجاب النساء ، وتخلو حياتهما المشتركة من كل جميل ، تسمع عبارات الاستحسان تقولها سيدات محترمات لزوج لايعرف حقوق زوجته ، ولا يسمح لها بالتمتع بالجمال ، يحصي عليها حركاتها ، ويدعي انه مناصر لحقوق المرأة ، هل يجدها امرأة حقا ، ام ان عفله يجردها من صفات الانوثة التي يراها في كل النساء ، الا باسمة سعيد ، التي تنتظر اوبته في كل مساء ، لتسمع منه كلمة واحدة ، تحثها على مواصلة الحياة مع امريء تزوجته لأنها وثقت بحبه لها ، ثم اكتشفت ان قلبه خال من صفات الحب والاعجاب ، يطول سهرها وانتظارها لعودته ، لكنه يرجع مخمورا ، وقد أسرف في الشراب ، فيفسد عليها ليلتها ، ويجعلها تتمنى الا تكون قد عرفته ، او وقعت في حبائله ، يمدحه جميع معارفه واصدقائه من الجنسين ، ويسبغون عليه اجمل الصفات ، التي لاتراها ، وهي التي تحبه ، كيف وقعت في حبه ؟ وكيف ظنت انه يبادلها عاطفتها ؟ كان ذلك سرابا رافقها طول الوقت..
تستمع باسمة الى اقوال اصدقائه :
- احمد رجل كامل ، يتمتع بكل ما تحبه المرأة من صفات !
- انه رجل رائع لكنك لاتعرفين قدره !
- طبيعي ان يعرف الرجل نساء عديدات فهل تريدين ان يكون امرأة؟
- انت تظلمين الرجل الجميل معك ! لماذا اقدمت على الزواج منه ؟
- عشرات النساء يرغبن بالارتباط بأحمد وانت لاتعرفين شمائله!
- ان كنت لاتحبينه ، ليعد الي ، طوال عمري وانا متيمة بوسامته..
- انت تطلبين صفات ليست موجودة ! اتقي الله ولا تكثري الشكوى!
تقرر باسمة سعيد الا تشكو بعد اليوم ، وان تظهر السعادة ، ولا تجعل علامات الحزن تبدو عليها ، ترتدي ملابسها الجميلة ، وترسم ابتسامة السعادة على محياها .ز
يطول انتظارها ، ولا عودة للزوج الغائب ، وحين يقترب الفجر يرجع وقد انهكه الشراب:
-انت حجرة ثقيلة في طريق سعادتي!
تلجم المفاجأة باسمة سعيد ، ويصيبها الخرس ، وتقع على الأرض ، تسمع اشخاص يتحدثون وصوته تسمعه بوضوح:
- لم اقل لها شيئا ووقعت على الأرض..كنت اظن انها امرأة ، واذا بها مخلوقة من قش

(78)

حدثت باسمة سعيد صديقتها اسماء عن معاناتها وعن ارغامها على ان تقول ما لن تعتقد بصحته ، وان من كانت تظن انه حبيبها يجعلها تصرح امام الناس بامور ليست حقيقية ، واصلت باسمة حديثها عن الألم المكبوت: وكيف تحدثت للحاضرين في جمعية الدفاع عن حقوق النساء
يسرني سيداتي ان أقص عليكن حكايتي ، رغم انني لا أحب إلقاء المحاضرات ولا أحبذ قولها ولكني مغلوبة على أمري أنفذ مشيئة الآخرين وامتثل لأوامرهم
كلفت هذا اليوم بهذا الواجب ، ساعدنني كيف ابدأ ، حسنا امرني ان القي على مسامعكن تجربتي الطويلة والدروس التي استخلصتها طيلة سنين عمري السعيدة ، صه ، لقد ذهب ، لنتكلم بصراحة ، طلب مني ان أتحدث عن تجربتي الخاصة وعن المساواة التي نعمت بظلها ، ولقد ابتعد الان ...... وهذه الجلسة نسائية ، سأكون صريحة معكن وأتحدث بلا أكاذيب أو اختلا قات وعندما ترينه مقبلا اخبرنني كي اخذ حذري وأعود إلى حديثي المرسوم والمقرر ، بلا مساواة ولا بطيخ في مجتمعاتنا العربية لا تجعلن صوت المكر يفون عاليا ، فانا لا أطيق إسماع كلماتي لمن كان خارج هذه القاعة ، انتن فقط من أزمع محادثتهن بأمري
هل ذهب ؟ أصدقنني القول ، لم يعد في طاقتي احتمال الصراخ المستمر والزعيق ، أريد ان أحيا بسلام ، هل جربت إحداكن المساواة ؟ هل عاملها زوجها معاملة الند للند ؟ أنت يا سيدتي ؟ لعلك قد تزوجت حديثا ولم تري شيئا بعد من الدنيا ، انا كنت مثلك في مستهل زواجي ، حيث أجنحة الحب ترفرف علينا ، ورحيق الخمرة يسكرنا ، في ذلك الزمن السحيق حيث كنا عاشقين ، ارفعي صوتك ، لم اسمع ما تريدين قوله ، صمت من فضلكن ، ماذا هل تجدن في حديثي تناقضا ؟
اسمع أصوات خطوات تقترب ، لأخفض من صوتي ، لا أريد لأحد أن يسمعني ، فيساء فهمي ، والآن سأبدأ :
يسرني سيداتي آنساتي ..ان أقص عليكن حكايتي ، انا الزوجة والأم التي مضى على زواجها ثلاثة عقود كاملة ، لم يرتفع خلال هذه الفترة الطويلة صوت لي ، لم أتذمر ، لم أشك من سوء طالعي ، او أندب تعثر حظي ، قضيت هذه الأعوام وأنا شبه راضية ، وان لم أكن سعيدة ، فلماذا أشكو ؟ وماذا يصنع لي التذمر ، هل يغير إظهار الألم شيئا من واقع الحال ، أليس من المحال تحسين الأحوال ؟ هل تسألنني كيف استطعت التغلب على مصاعبي ؟ وما هي الطرق التي سلكتها ؟ لن أكون قدوة ، لكن ، آنساتي ، لكل جيل قوانينه ، كنت هادئة دوما ابتسم بوجه العاصفة واخفض لها رأسي وجسدي ،، وحتى روحي ، حتى تمر بسلام ، لم أغضب ، ولم الغضب ؟ لاشيء يغير المكتوب ، حسنا ، غضبت في البداية وكنت اشعر بضياع عمري ، وان حبي قد تبدد ، وكنت أسال نفسي أحيانا كيف استطاع برعونته أن يئد إحساسي بالحب نحوه ، لم يعد يسمعني الكلمات الحلوة التي ترغب بها روحي وكان يعاملني بغلظة أتساءل أحيانا من أين أتى بها ، وحين أحاول ان اعبر عن حبي ، يصرخ بي هازئا ، وبعد أن أحبني وبادلته عواطفه ، وتزوجنا ، ومضت فترة بسيطة على الزواج ، اخذ يحب كل النساء ويظهر لهن المودة ، يقدم لهن الأمنيات والقبلات والهدايا الجميلة في أعياد ميلادهن ، ويأخذ ثمن الهدايا من نقودي ، وأنا أحيا منسية ، لم يتذكر عيد ميلادي ثم أمسى يسمعني القول أنني قد كبرت على مثل هذه الاحتفالات مع أننا في عمر واحد وأبدو أنا اصغر منه أحيانا إذا ما اهتممت بنفسي ،لم يعد يراني امرأته ، ومن أكون ؟ صه ، سكوت من فضلكن ، المراة كالوردة ، تذبل ان لم يتم ارواؤها ، وقد ذبلت انا وانتهى أمري وأصبحت أرى العالم اسود بشع السواد مظلما جهنميا ، والحب شجرة باسقة كثيفة الأغصان ، وارفة الظلال ، تسقط أغصانها ، وتذبل أوراقها وتتساقط مصفرة ، تذروها الرياح ، ان نسي ارواؤها ، في غمرة الإخفاقات التي نعيشها ، كنت أسال نفسي وماذا جنيت حتى يعاملني هكذا ولم أذنب ؟ بقيت اطرح هذا السؤال فترة طويلة من الوقت ، حتى أدركت انه لا جدوى من الأسئلة ،، وأنني أضحيت أتنفس برئة الآخرين وارى بعيونهم ، هو القدر ، جعلني أبدو هادئة ساكنة ، وداخلي يغلي كالمرجل، أكون أحيانا صماء بكماء وحتى عمياء ،حلمت مرارا برجل يحبني ويضمني بحرارة إليه ويقبلني ككل الرجال في العالم ، ولكن هل كانت أحلامي اكبر من طاقتي ؟ ، لا ادري ، كل الذي اعلمه انه لاشيء غير الحب يبعث الأمل في النفوس ،، ويجعلنا نناضل ونجاهد ونشعر أننا أقوياء نقهر كل الشرور ونتغلب عليها ، وأعيش الآن بلا حب ، حياتي باردة كالثلج ، أئن وأتوجع ولا يشعر احد بحالي ، أصبت بكل العلل التي يمكنكن تخيلها ، ماذا افعل وأنا انسانة تعبة ، منهكة ، ووحيدة اردد أغاني فريد الأطرش ولا يصفق لي السامعون ، مالي أراكن وقد علت ابتسامة الاستفهام على محياكن ؟ من منكن استطاعت ان تغبر اتجاه دفة السفينة ؟ هراء ما تدعيه بعضكن ، هل تزعمن المساواة ، أي مساواة تجدنها في العالم العربي ؟ أي القوانين تدعو الى المساواة في بلدانكن المنكوبة ؟ سأكمل لكن قصتي : كنت عاجزة عن النظر والنطق حتى تسير سفينتي بهدوء ، ولا تفقد الملاح قدرته على إدارة الدفة ، لا تنسين إخباري إذا ما لاح لكن احد الذكور ، هل أنا ضعيفة ؟ أبدا ، اشعر دوما أنني قوية ، المراة العربية تكتسب عادات زوجها وتتخلق بها بمرور الوقت ، وانتن كلكن هكذا أصبحتن مثل أزواجكن حين جمعكما عش الزوجية السعيد او التعيس لا ادري ، أرى ابتسامات ساخرة تعلو محياكن هل استحق الشفقة ؟ أبدا ، ما هذا ؟ أرى شخصا يشبهه يطل من بعيد ، له نفس الهيئة ، واثق من نفسه درجة الغرور ، وكأنه لا يقرب الخطأ ، أين هدوئي ؟ لقد تبدد ،،انه يرعبني ، ينسيني قوتي ، يسلبني اتزاني ، يقيدني ، ماذا تدعين يا سيدتي ؟أ تزعمين أنني لا أزال أحبه ، هراء . ما تقولونه هراء ، لماذا يفرض على المرأة ان تحب من نسيها ؟ ينبغي ان أتحلى بقوتي أن أجاهد ضعفي ؟ ولكن كيف ؟ لاحول لي ولا قوة ، يتظاهر بالهدوء ويسمعني كلماته المسمومة ، يلدغني ، سهامه تصيب مني مقتلا ، أجد نفسي مبتعدة عن الموضوع الرئيس ، وعلي ان أحدثكن عن تجربتي الناجحة وحياتي المترعة بالأفراح ، وعليكن أن تسمعنني ، وتقتدين بي ، ولكن انتبهن جيدا ، ربما يلوح علينا ، بابتسامته الصفراء ، ولكن ماذا جرى لي ؟ افقد اتزاني ، ويهجرني صبري ، ويحكمني جزعي ، الا أجد بينكن مهربا ؟ أحاطني الصمت بخيوطه العنكبوتية ، مكثت داخل شرنقتي ،، فأبديت موافقتي على ما يبديه وأنا أتلظى ، أبطن المعارضة ، ماذا حدث لي ؟لا أحب ارتفاع الأصوات ، ويرتبك ضغطي عند أدنى ارتفاع ، ابعدي جهاز التسجيل أيتها السيدة لا أود تسجيل حديثي ، إنني أغبطك على وضعك أيتها الآنسة ، علي ان ابدي أفكارا لا احملها وان أؤيد وجهات نظر لا اتفق معها ، انه هو ، يقترب ، ام انه الوهم ؟، أصدقنني القول ، عزيزاتي ، هل استطاعت إحداكن أن تغير من طباع احدهم ،، وان تساهم في تقدمه نحو الأمام ؟ خداع وأباطيل ما تدعونه ، هراء ما بقينا نسمعه طيلة عمرنا المهدود عن دعاوى المساواة ، تسألنني كيف أستطيع أن أحافظ على هدوئي وسكينة نفسي ،؟ لم يكن الأمر هينا منذ البداية ، حلمت مثلكن بالمساواة وبالتعاون لتذليل الصعاب وبالمناقشة الهادئة ،الهادفة إلى تقريب وجهات النظر ، ولكن رفع الصوت من جانب شريكي ومطالبته لي بان أغير وجهة نظري ، وأتخلى عن قناعاتي جعلني أتظاهر بالهدوء وكثرة التظاهر بالشيء تكسب الإنسان مهارات جديدة ، أصبح التظاهر حقيقة ؟ فلماذا أثور برأيكن ؟ وعلى من ؟ والسفينة كيف يمكنها أن تشق طريقها وسط الأمواج المتلاطمة ؟، ألا ترون ان علينا معشر النساء واجبات كثيرة ؟ وليس لدينا حقوق ، أنت أيتها المراة المتحدثة ، ارفعي صوتك ، واخبريني أي حقوق تزعمين ؟ أنها ثوب فضفاض ، إننا نتدهور ونعود الى الخلف ، هراء .. كل نضالا تكن ذهبت أدراج الرياح ، ماذا تسالين أيتها السيدة ؟ كيف يمكنني ، الاحتفاظ برباطة جأشي ؟ إليكن هذا ، استيقظ مبكرة وأجهز طعام الإفطار.... ماهو السؤال ؟ نعم كل صباح ، أوقظ الأولاد ، اخرج من المنزل بعد ان يكون كل شيء جاهزا : طعام الغداء ، ما يحتاجونه من نقود لكل النهار ، الملابس النظيفة المكوية ، الأرضية ممسوحة بعناية ،والصحون مغسولة، استمر واقفة طيلة ساعات عملي ، أعود ظهرا أتناول قليلا من اللقيمات لتحفظ ماكينتي من الاستمرار بالعمل ، أعود الى العمل مرة أخرى بعد ان اغسل الصحون مرات ومرات ، هل ابتعدت عن الموضوع ؟ قليلا كما أظن ، أعود منهكة في ساعة متأخرة ...ليس كثيرا ، الى ماذا يوجهكن الخيال ؟ فلاشيء في حياتي الا الأسرة والعمل ، هل تسألنني ومتى أقرا؟ حسنا عندما انتهي من كل أعمال النهار وما ان امسك الكتاب حتى يأخذ النعاس بتلابيبي ، ومتى اخرج للترفيه عن نفسي ؟ لقد قرأت هذا السؤال في نظراتكن ، عندما أجد الوقت مناسبا ، هل تجدنني آلة ؟ اجد نفسي هكذا ، انا الة صماء ، والآن اخبرنني بالله من منكن نحيا بصورة أفضل مني ؟ إني أتحدى ، إني أرى أشباحا قادمة من بعيد ، لقد أنهيت كلامي ، وحدثتكن حديثا صادقا ،كنت اطمح اليه وارجوه من صميم قلبي ، أرى ملامحه من النافذة انه يحاول الاستماع الى ما نقول ،انا لم أفه بما يثير الغضب ، سوف ارفع صوتي : إنها حياة حافلة بالنجاحات ، زاخرة بالأفراح ، عشتها مع توأم روحي ، أسمعتكن إياها ،وأرجو ان تستفدن من تجربتي
فنحن زوجان متعاونان في كل أمور الحياة ، ناجحان سعيدان .... وشريكي إنسان ذو قلب كبير ، عشت وإياه حياة ملأى بالسعادة ، مترعة بالنعيم ، أرجو ان تمنحكن الحياة ما منحتني وطابت ليلتكن والى اللقاء


(79)
تسأل أسماء صديقتها باسمة:
- الرجال يحبون المرأة الجريئة ، ألم نجربي ان تقومي باغرائه ، بدلا ان يقوم هو بدعوتك دائما؟
- جربت هذه وأخفقتُ...
- كيف؟
في ليلة ظلماء خلت من اي ضوء ، كنا مجموعة أصدقاء متزوجين ، دعينا الى منزل عائلة ، تحتفل بذكرى زواج ، اوى جميع المدعويين الى اسرتهم ، وبعضهم افترش الأرض .
- متى كان ذلك ؟..
- في الشهر الأول لزواجنا ، كان عنيفا لكنه احيانا يردد بعض كلمات الحب .
قمتُ لأطل على حبيبي الغائب الذي يحضر دائما الى فكري الذي كان متوقدا، وجدته وقد سيطر عليه سلطان الكرى ، وتناوشته حمى الاحلام الطوباوية ، التي ليس بمقدور الأصحاء ان يحلموا انه بقدرتهم الوصول الى تحقيقها يوما ، وجدته كعادته دائما يصرخ في نومه لرؤيته كوابيس لايعلم عنها احد شيئا ، اشتقتُ الى لمساته وقبلاته ، فاغرقته في قبلاتي ، حتى استفاق من نومه :
- باسمة ، عليك اللعنة توقظينني من اعز نومة وتسلبينني حريتي !
- اشتقتُ اليك !
- وهل اشتياقك هذا يجعلك تقترفين بحقي جرما ؟
- لم اقترف بحقك جرما ! اي جرم اقترفت يداي ؟
- ليست يداك ! بل فكرك السقيم ، كيف سولت لك نفسك الآثمة أن توقظيني من عز النوم ؟
- ولكنك زوجي !
- اريد ان اضع حدا لهذه العلاقة الكريهة ، هل هو سجن ابدي تريدين ان توثقي حياتي بحباله؟
- لكني احبك حقا !
- ولماذا تحبينني ؟ ولم ابادلك عاطفتك المشؤومة يوما !
- لكنك احببتني يوما !
- لم احبك ، انت توهمت الحب واتيت اليّ لتسجينيني!
- لم افعل لك شيئا هذه الليلة ليثار غضبك !
- هل تودين ان اوقظ النائمين كلهم لأحدثهم عن سوء اخلاقك !
- سوء اخلاقي ؟ لم أذنب ابدا!
- وهل يعترف الجاني يجريمته بسهولة ؟
- اية جريمة ؟ انت تحيرني ! كل هذه النعوت لأنني رغبت أن أبادلك الحب ؟
- لم تريدي مبادلتي بل احببت ان ترغميني!
- لم ارغمك ! فقط انني اشتقتُ اليك!
- كيف يكون الاشتياق عنوة سيدتي ؟ انت تسعين الى اغتصابي!
تستبد الحيرة بي ويسيطر التوتر على نفسي ، لا أعرف كيف أجيب عن اتهامات ظالمة توجه الي من انسان احببته أكثر من الناس كلهم ، هل أخطأت في حبه ؟ ام اقترفت ذنبا في الاعتراف بحبه ؟ طلبني زوجة ، فأردت ان يكون حبيبا ، وها هو يعلن انني غريبة عنه ، لم يحببني يوما ..



(80)

تتساءل باسمة سعيد عن السر الذي جعل الرجل الذي أحبته ينقلب كل هذا الانقلاب ، لماذا أبدى الحب والتفهم في بداية معرفتهما ، وطلب يدها ، وحين ابدت رغبتها بالحب تغيرت تصرفاته ، هل لأنه عرف انها وقعت في غرامه من اللحظة الأولى والرجال في بلادنا عادة لايريدون ان تبدي المرأة هيامها بهم ، ويفضلون ان يكونوا البادئين باعلان الحب ، هل تسرعت باسمة في بوحها ، اما كان الأجدر بها ان توافق على يده الممدودة اولا ، وتنتظر الوقت المناسب ككل بنات جنسها ، يرغبن بالرجل ويجعلنه يقد م على التصريح بالحب ، باسمة سعيد التقدمية والتي تناضل من اجل المساواة لم تشأ ان تلف وتدور وان تنتظر الحبيب حتى يعلن عن حبه ، فهذا الحبيب لم يكن يبالي بها ن وقد احب فتاة أخرى ، وحين رفضه أهلها تقدم لباسمة التي كان يدرك انها تعشقه ومنذ ان رأته عيناها، فهل الحب وهم كبير يداعب النفوس النبيلة والقلوب المرهفة الشعور ؟ ام انه حقيقة تريد اناسا أقوياء يجعلون العاطفة في حياتهم شجرة وارفة الظلال ، يستظلون بفيئها ، وهل باسمة سعيد كانت من الأقوياء ؟ ام انها تنهزم من الوهلة الأولى وتندب حظها العاثر الذي اوقعها بمثل هذه القصة الشائكة ، احمد منصور ليس قويا ليبقي ثابتا مع انسانة توهمت انها تشعر بالحب ن كما كانت تشعر بالسعادة الغامرة حين تربط صديقين من أصدقائها المخلصين وشائج اجمل علافة في الوجود ، وقد نجحت في جعل الكثيرين من اعز الأصدقاء يقدمون على الارتباط بعلاقة تصمد امام كل انواع الأشواك ؟ هل هي الارادة ام الحظ ما يكمن وراء فشلها الذريع في الوصول الى مبتغاها في بناء حياة سعيدة ، لماذا ترى نفسها وقد أعيتها حالة زوجها الذي تجده ضعيف الأعصاب ، يثور لأتفه الأسباب ، ويسب ويشتم لاعنا الساعة التي جمعتهما معا ، ماذا تفعل الان ؟ وهي ترى ان الحب في داخل نفسها المعذبة قد زال وظهرت مكان جذوره أشواك قاسية تدمي القلب والعقل معا ، هل تصمم على الطلاق ام تحاول ان تنقذ قصتها التي توهمت انها قابلة للتحقق ، اي مصير ينتظرها ، واية لعنة حلت ببابها ، فحولت كل الجمال الى طحالب ضارة تميت كل المخلوقات وتزرع بذور التعاسة والتوتر لتحول الخضرة الى بيداء قاحلة...

انتهت







































الجزء الخامس من رواية ( وأدتك قلبي)
(65)
تهييء باسمة سعيد نفسها لعودة زوجها ، تفتح آلة التسجيل على الاصوات التي يحبانها معا ، يأتي زوجها:
- امي تسلم عليك!
- كيف هي؟
- بخير ، حدثتها عن متاعب ليلتنا ، وقالت انها طبيعية ، لابد ان نشهدها في بداية الزواج ، وقالت انني احب زوجتي كثيرا ،لهذا لااريد ايلامها في ليلتنا الأولى ، وقالت ايضا ان باسمة تحبك وسوف تتحمل الألم كما تصبر النساء عادة على اوجاع ليلة الدخلة ، وانك سوف لن تصرخي في منتصف ليلتنا كما فعلت في بدايتها..
- هل تحب ان تسمع اغاني ام كلثوم ام نجاة الصغيرة؟
- اي اغنية تحبينها افضل سماعها ، قالت امي انني يجب ان اكون لطيفا معك ، وانك اذا صرخت لااجعل صراخك يتسبب في ايقاف عضوي من الانتصاب ، لاتصرخي حبيبتي ، وسوف تنتهي ليلتنا بخير كما نريدها ، هل تريدين كأسا من البيرة ام العرق؟
- كأسا من العرق.
- هاتفت امي قريبنا الدكتور منعم وحدثته عن متاعبنا ، فوصف لي حبوبا تمدني بالهدوء والطمأنينة في هذه الليلة ، وقال الدكتور منعم ، ان باسمة تحبك وسوف لن تصرخ ، وان الزوجات كلهن يصارعن الألم ولا يخبرن الزوج عنها ، حتى لايفقد القدرة على الانتصاب كما حصل لي..
- احبك احبك احبك..
- وانا احبك ياباسمة اكثر مما تتوقعين ، استرخي حبيبتي ، فالامر طبيعي ، لاتكوني متشنجة ، دعي الشراب يعمل على تهدئتك ، انسي كل شيء الا حبنا الكبير ، وليلتنا السعيدة القادمة..
يطأ احمد منصور باسمة ، تضع تحتها الفوطة البيضاء كما نصحتها صديقتها الطبيبة ،
تمسك بوجه احمد وتقبله قبلة طويلة ، وتوزع قبلاتها على الفم والعنق و العينين ، تجد ان الألم اصبح خفيفا بامكانها ان تتحمله ، يسألها احمد :
- هل انتهينا؟
- ماذا تقول انت؟
- اين الدم ؟
تقوم باسمة وتنظر الى الفوطة البيضاء ، ترى قطرات قليلة من الدم ، تضعها امام عيني احمد ، وهي تشعر ان خنجرا مسموما قد وجه الى كرامتها ، لاتقول شيئا ، وتتوجه الى الحمام لتغسل ما بين فخذيها ، وحين تعود تجد احمد نائما وسط السرير ، وهو يشخر بعنف،
ما زالت الآلام تشعرها ان سكينا حادة قطعت جسدها وجعلته أشلاء رمته بعيدا ، وان قلبها الظاميء لم يجد من يشبعه من سغب ، فهل ما كانت تشعر به من حب ظنته خالدا مجرد سراب؟
وهل يوجد حب حقيقي في هذه الدنيا ؟ ام اننا نتوهم لنجعل الحياة تبدو اكثر جمالا، قلبها ممزق ، قد وجهت اليه طعنة كبيرة ، تشعر انها فقدت شيئا ثمينا لايمكنها استرجاعه، قالت لها صديقتها نجلاء مرة :
- من الخير لاحدانا ان تتزوج رجلا متنورا عن طريق خطبة الأهل ، افضل من الاقتران برجل يدعي التقدمية ، قد ارتبطت معه بعلاقة حب قبل الزواج!
- لماذا يا نجلاء ؟
- لان الرجل المدعي لايصدق ان زوجته لم تعرف رجلا غيره ، مهما كانت براءتها أكيدة.. ويرى انه مادام يحب نساء كثيرات ، فان الفتاة تحب مثله ، ولا يصدق ان المرأة لاتهب رجلها قبلتها فقط الا ان كانت تحبه.
كيف يصدق احمد منصور ان باسمة لم تحب الا اياه ، وان جميع صداقاتها مع الرجال كانت علاقات اخوة؟ وأنى له ان يفهم وهو ليس امرأة تخشى ان ترتبط بعلاقة حب وتحافظ على رأي الحبيب بعفتها . كيف يمكن للمرأة ان تطالب بالمساواة وهي تخشى من علاقات الحب وتحاول وأدها منذ تباشير فجرها، هل يمكن لأي رجل ان يدرك كم تقاسي المرأة كي لايساء الى سمعتها من احد توهمت يوما انه يحبها ، واذا التوهم مجرد أضغاث أحلام .. انى لأحمد منصور ان يعرف ان باسمة لم يعرفها اي رجل ، وانها رغم قصص الحب التي حاولت قتلها في بداية انطلاقها لم تجرب القبلة ولا اللمسة ؟ كيف يمكن ان توجه طعنة نجلاء الى شرفها من رجل احبته كل العمر! ؟

(66)
قطرات قليلة من الدم كانت على الفوطة البيضاء ، حين تساءلت اين الدم ؟ اجابتني بأن وضعت فوطتها امامي ، اصابني الخرس ، لماذا تسيل منها قطرات قليلة ، ، بينما بعض النساء تنزف انهارا من الدماء ؟ لماذا هذا البخل ؟ ومن اين جاءت باسمة بالفوطة ؟ تساؤلي جعلها تتوتر ، رأيت ذلك على ملامحها ، وماذا أفعل انا ؟ انا الرجل الذي اهينت كرامته ؟ كيف لي هذه الثقة ما عدتُ اعرفُ شيئا ، وقد ظننتُ انني قد قطعت السمكة وذيلها ، واذا بي اصبح اليوم موضع هزء من المطالبات بالمساواة ، الا سحقا لكن ، تدعين بهتا انكن بريئات ! لم احب امرأة في حياتي ، الا نهلة التي اجدها موضع فخري واعتزازي ، هي تحبني لذاتي ، وليس لديها مطمح آخر ، لاتريد زواجا ، ولا ان تضع القيود حولي ، كما تفعل النساء حين يحببن . الا يدركن ان الزواج مقبرة الحب ، ذهبت باسمة لتغسل جسدها من تعدي صارخ وقع عليه من قبلي ، وانا كنت صريع الهواجس والشكوك ، هل الفنان المطرب الذي تعجب به باسمة ، هو من جنى محبتها ؟ لا ادري انا ، كلما كنت اسالها عن ماضيها تقسم انها بلا ماض ، من اين جاءتها هذه القوة ؟ كثيرون احبوا باسمة واعجبوا بها ، وغبطوني على محبتها المزعومة لي ، اما دروا انها وصلت لي ثيبا ملعوبا بها ، وانا الحريص على ان تأتيني الزوجة بكرا ، لماذا وقعتُ بارادتي بهذا اليم ؟ وكيف يمكن انقاذ نفسي منه ؟ انا من كنت اتوهم اتصافي بالذكاء والحنكة ، كيف وقعت بملء ارادتي بهذا المطب ؟ تعسا للنساء ولكل من يصدق بكلامهن المعسول ! وأكاذيبهن الفاحشة ، انا احمد منصور اعترف انني وقعت في الفخ المنصوب لي باصرار وترصد ، لماذا تنكر باسمة ماضيها ؟ أليس الأجدر بها ان تخبرني بالحقيقة ؟ الم تكن تدري انني سأقف الى جانبها حين اسمع قصصها العديدة عن أحبابها السابقين ، ألم اساعد شقيقاتي في قصص حبهن ، واقف معهن واقابل احبابهن وادعوهم الى منزلنا ؟ لماذا اخفت عني باسمة قصص غرامياتها ؟ وجعلني ذلك كثير الشكوك . لو ذكرت لي الحقيقة ما كنت اكذب ما تقوله ، اعتقد انه لايوجد امرأة عصرية بلا ماض ، كيف زعمت باسمة انها حرمت نفسها من احضان الحبيب ودفئه من اجل ان تذهب الى العريس بلا دنس ؟ كيف اصدق انا ؟ وهل يمكن للمرأة مهما كانت قوتها ان تئد عواطفها ورغبتها في دفء الرجل ، من اجل ماذا ؟ وتزعم انها فعلت ذلك كي تصون نفسها للزوج القادم ، وهل يمكن لأي زوج ان يكون بديلا عن الحبيب يا باسمة؟ سأحاول ان أكون رؤوفا بها ، فهي كريمة الخصال كما يدرك جميع من عرفوها ، ولن اكرر شكي بها ، وسأستمر على علاقتي بنهلة التي تمنحني السعادة والرضا من حياتي ، فانا لم احقق شيئا الا حبي لمعشوقتي نهلة الرائعة...


(67)

باسمة سعيد في اعلى درجات الفرح ، غُرست في قلبها شتلات السعادة ، واينعت في نفسها ثمار الحبور ، لم تكن تعلم ان الزواج سوف يجعلها بكل هذا السرور، وردتها الظامئة المتطلعة للوصال، تتغنى هذه الليالي بفرح غامر ، بعد ان سقاها الحبيب ، وانقذها من عطش ظنته دائميا ، تنتظر الساعات لأوبة احمد منصور ، وتقوم بكل الأعمال المنزلية ونفسها جذلى، تخرج الى العمل وهي تغني بأعذب الأصوات مترنمة ، واصفة سعادتها الجديدة التي لم تكن تخطر على البال ، قامت بكل الاعمال التي كانت تتوهم انها ستضيف اليها الفرح ، ولكن تعبها الشديد وارهاق نفسها وخذلان روحها ، بعد ان اعياها انتظار العرفان ، كان يخلق لها أسقاما للروح ، وأمراضا للفؤاد ، سمعت الكثيرات من صديقاتها يسبغن الأوصاف الجميلة على تلاقي الجسدين ، لكنها حلمت باتحاد الروحين اولا ، ليؤدي الى تلاحم الجسدين باروع الصلات ، لم تجد احمد منصور كما توقعته جميل النفس هاديء الطباع ، بل كان عنيفا سريع الغضب ، يتفوه بالكلمات النابية المعبرة عن ضيق النفس ، والتسرع في الرد قبل اتضاح القصد من الكلام ، تحملت كل الصفات الحادة ، بصبر لذيذ ، وهي تنتظر ساعة الرقاد ، تنتعش الوردة وتنتظر غيثا يهطل من حبيب جميل ، يتعانقان ، يتبادلان القبل ، يتلاحمان في عزف أخاذ ، تصاحبه الموسيقى من اجمل الألحان ،لكن الحبيب وآسفاه ضنين بالوصال ، لايريد ان تتكرر اللقاءات الثملة ويقول انها تسارع في الاتيان بالعجز قبل الأوان ، وان عليهما ان يقتصدا في أوقات الغرام ، وان تكون ساعات الحب مرتين في الشهر ، ليحافظا على صحتهما قبل الأفول ، وان الترحيب الذي تبديه معيب جدا:
- من علمك هذا؟ اجدك قد جربت الحب قبل الزواج!
- هل عدنا الى الاتهامات مرة اخرى؟
- لاارى انك بريئة كما تقولين!
- لم اجرب الحب ، انما كنت أشتهي الوصال ÷، ولقد خشيت ان اجربه ، ولو كنت اعلم انك ستتهمني لعشت قصة الحب ، كما تفعل الشجاعات من النساء!
- هل تعتبرين هذه الجرأة شجاعة؟
- حرمت نفسي من اجل ان يراني زوجي نظيفة من الخدوش ، ولكنك تتهمني!
- انك سريعة الاستجابة ، ما ان ألمسك حتى ارى الشهوة المستعرة في عينيك!
- وهل كنت تحب ان تقترن بامرأة باردة ؟
- لا أدري ، ربما الباردة افضل من شديدة الحرارة!
- وما العمل؟
- لا عمل الآن ، وقد يأتيك بالأخبار من لم تزودي!


(68)

أتساءل أحيانا هل باسمة بريئة كما تقول ؟ وهل ان بقاءها بعيدة عن الوصال جعلتها بهذه الرهافة ، ما ان اقترب منها حتى اجدها تشتعل ، كيف تعلمت ان تكون بمثل هذه الحرارة قرأت مرة ان حرمان المرأة من الحب قد يجعلها باردة لاتستجيب لمداعبات الحبيب ، وباسمة تدعي انها لم تعش قصة حب حقيقية ! كيف تأتى لها ان تكون بمثل هذه ؟ ، انها تجعلني ارى كل فنون الغرام ، وانا لااستطيع ان ابريء هذه المخلوقة التي وهبتني كل هذه العواطف ، ولم امنحها الا الشك والصدود ، اتعجب لحالة النساء ، كيف يصبرن على مثل هذه العلاقات ؟ وباسمة من اسرة نبيلة ، كانت موضع عنايتها ورعايتها منذ الطفولة ،وحتى شاء لها سوء طالعها ، ان تقترن بي ، احيانا افكر ، لماذا أسيء معاملة المرأة التي وهبتني نفسها ، هل لأنني نشأت في اسرة يحترمون فيها من يبرع في الصراخ ، ويرون ان طلباته اوامر ، يجب ان تطاع ، هذا انا ، اصرخ بلا سبب وأطالبها ان تغير نفسها وقناعاتها من اجلي ، انا الزاخر بالأخطاء ، المعدوم من الثقة ، الخالي من الجمال ! لماذا جعلت باسمة تجد التعاسة في يومها الأول معي ؟ لماذا لم احسن معاملتها ؟ وانا اجدها تشعل الشمعات العشر من اجل ارضائي ، سأدع هذه الأسئلة واعود الى سلوكي نفسه ، فهو يسعدني ، اليس من الثراء ان تجد زوجتك تهرح الى نيل رضاك عنها ؟ وانت تمعن في اذلالها وسلب راحتها النفسية ؟ لماذا انا هكذا ؟ هل انا سيء جدا ، بعضهم يقول انني طيب ، لكني لااحسن فن الكلام ، اتفوه بالكلمات القاسية ، رغبة في نشدان الهيبة ! أي هيبة أريد وأنا أصعب الحياة على رفيقتي فيها ؟ ولكن ما بالي اتهم نفسي ! وباسمة لن تحتج على سوء معاملتي لها ، ربما تجد ها دليلا على الرجولة التي لم تجربها قبلي، فلأمضي في حياتي ، غير وجل ، احب نهلة ، وتخدمني باسمة التي دللها اهلها ، وانا اسمعها قاسي الكلام ، واعيد عليها انني اشك بها ، وانها لم تكن عذراء ، لتكن مشيئتي المهيمنة ، ولتصبح باسمة امتي ، التي اصنع معها ما أشاء ، اهبها بعض اللحظات السعيدة ، واهجرها طوال العمر ، نهلة من اصبو الى رضاها عني ، فهي حبيبتي الوحيدة ، وباسمة تمهد لي طريق السعادة..

(69)

كما النهر الرقراق ينساب من بين يدي باسمة سعيد، تتبخر سويعات الهناء ، وتولي لحظات بهاء اليقين ، أكان حلما جميلا ، انتهى لحظة جفاها الكرى ، وحل بأيامها سهاد مرير ، لماذا تتراءى لها البهجة ، كسراب شمس قائظة ، يسيل فيها من القلوب تعب غزير ، لا طاقة لها باحتماله ، وتتوالى عليها كؤوس الهم والعناء ، تتجرعها حتى الثمالة ، ضاعت كل أحلامها ، وولت طيور الفرح، جارية من أرضها الجدباء ، لتحل في حقول أخرى تعرف ما معنى السرور ، لمَ يهجر المرء فيها غناء العنادل ؟، إلى عواء متواصل كئيب ، أية لعنة حلت ببابها ، فأحالت سنابل قمحها إلى عجاف ، تركتها الأيام ثكلى ، ودعت المسرات في دنيا بعيدة ، وحان لها أن ترتوي من ماء أجاج ...
لمَ تهزم الأيام وتعبس الليالي ؟ أليست الحياة مدا وجزرا ، وفرصا سانحة ، يحسن الفطن اقتناصها ، ليفوز باللذات ، وينأى عن الكآبة والضياع ؟ وأية لذات تحلم بها ، وكأس الحنظل يفتح فاه مرحبا ، شامتا بما حل بأرضها من جفاف .....يصدأ عندها الشعور ، وتهرب النعم ميممة وجهها، صوب شاطئ بعيد
بطاقة تهنئة بالعيد ، وامرأة تلوح بفخر، تتصاغر أمام فتنتها الحسناوات ، وصدر ناهد مرمري ، عاري ، وشعر ينسدل بتراخ فوق الكتفين ، وكلمات قليلة مخطوطة بقلم أنيق :
- اذكرني ، كلما لاحت لك صورتي ...
تؤخذ باسمة على حين غرة ، هل أهرق احدهم فوقها ماء ثلج ؟ لم تحسب أن هذه اللحظة آتية ، وان قناديل حياتها توشك على الانطفاء ، وهي ما زالت في شهور العرس الأولى ،ريح عاتية ، تتلاعب بها ، تكون ريشة في مهبها ، من هي المهيمنة على هذا المشهد المسرحي ؟، تصدر أوامرها ،فيسارع الملبّون بالطاعة ؟ وباسمة ؟ تتنكر القوى الفاعلة ، وكأنها نقطة في بحر عميق الغور ، تطول حيرتها لمَ كل هذا ؟ من تكون هذه ؟ وكيف مرت بحياتها المسهدة الكئيبة ؟ وكيف لا يخطر في بالها ، انه يمكن أن تقابل تضحياتها الجسام بالنكران المبين ، وتقابل أعمالها الناصعة بالهزء ؟ ولمَ تتحول أيامها إلى علقم ؟ وعلام تقابل حسناتها بالسيئات ، ولمَ لا يكون الجزاء من جنس العمل ، وماذا جنت باسمة لتتضاعف على أم رأسها اللعنات ، ويسقونها شراب الحنظل ؟وكانت المحسنة دائما..
تستبد بها التساؤلات ، أي بحر متلاطم الأمواج ، رموها فيه ، وابعدوا عنها قوارب النجاة ، لمن تتوجه طالبة الإحسان، وقد سدت السبل بوجها ؟
قد تكون الخاطئة ؟ لماذا سمحت للأفعى أن تكون قريبة منها ؟ ألم تخش من انقلابها وتلون أفعالها ؟
أتكون بطاقة يتيمة ، قد أثارت بها فيضان المخاوف هذا ، وأغرقتها في يم لا شاطئ له ، وكيف يمكن لها أن تعلم ؟ قد تكون العديد من البطاقات الواعدة ، تسيل أحلاما ، وتجعل الأرض تميد تحتها ؟ ، ألم يصاحبها أفعال تعزز لغتها المطمئنة ؟ من جعل الحسناء بهذه الثقة ، وزرع في نفسها جذور اليقين ؟
تتقلب في بحر من الجمر تتلاطم فيه الأمواج ، أفكارها تضطرب في لجة عميقة الغور، عساها تهتدي إلى قرار ، وكيف يمكن لمن لا يحسن السباحة ، أن يعرف طبيعة البحار ، وسر الأمواج المتصارعة فيها ، هل ضاع كل ما بنته ؟ وتحملت تبعات أعمالها طوال هذه الشهور، هل خطر في بالها انه مثلها ، قُدّ من وفاء ؟
لن تنهزم ، هل تمنحه هدية للراغبات، وهي ساغبة تنظر ، ومن يعيده إليها؟ ، تتفرج... لا حول لها ولا قوة ، هل ضاعت الآن الفرص ؟ أليس بإمكانها تدارك الأمر ، ما زالت الحكاية في بدايتها ، فلتناضل لاسترجاع حقها...
صديقتها السعيدة لديها ما ترنو إليه النفس ، مشاهد آسرة ،وأفلام أكيد مفعولها ، عن كيفية إعادة الهاربين من أعشاشهم الصغيرة ، تشاهد باسمة ما قدمته لها الصديقة ، وتقلد المشاهد ببراعة ، وكأنها بطلة القصة ، تبث الرغبة في نفس أرهقتها صروف الحياة ، تقبل رجلها وتناجيه وتناغيه ، ينهض الحبيب ملبيا ، وتتحقق لها رغبتها ، انتصرت على من يريد بها شرا ، ولكن الفرحة العارمة ما تلبث أن تنقلب وبالا ، لتحط على رأسها ، وهي في منتصف الطريق لتحقيق حلمها الطويل ، والانتصار على من سلب منها جمال الحياة ، واسترداد واهب النعيم ، وساقي اللذات :
- كيف تأتى لك المهارة بهذا الفن ؟ من علمك ؟ هل أكون أنا آخر من يعلم ؟ ..


( 70)
كيف وقعت البطاقة بيد باسمة؟ وكيف يمكن لها ان تقرأ البطاقات المرسلة لي؟ عليها ان تنظف مكتبي وتعتني بالأوراق المتراكمة عليه وعلى الأرض، دون ان تقرأ ما تتضمن تلك الأوراق ، كيف اتت لها الجرأة لتبحث عمن بعثت البطاقة ، وانا كنت اريدها عمياء ، في عملي توجد نساء عديدات ،أرتبط بصداقة معهن ، فهل من المعقول الا أستلم بطاقات الاعجاب منهن ؟ هل ارفض محبتهن ؟ هل يمكن هذا للرجل الناجح ، هل انا امرأة حتى اعتذر عن استلام بطاقات المحبة والاعجاب لأني مرتبطة بعقد زواج؟ لن يسمح الرجل بتقييد حريته ، وهو حر ان يفعل ما يشاء ، يحب من يريد من النساء ويرسل بطاقات الحب اليهن ، هل امنع النساء عن محبتي وانا الرجل المحبوب ذو الجاذبية كما تصفني النساء ، وباسمة محظوظة انها ارتبطت بي ، عليها ان تكون سعيدة ، فأنا زوجها بعقد شهد عليه اثنان ، والأخريات يبادلنني المحبة ، دون ان تتنتظر مني احداهن شيئا الا اللطف في المعاملة ، هل اتنكر لما يبدينه من مودة يحسدني عليها الأصدقاء ، كلهم يغبطونني على عدد النساء اللاتي يمحظنني حبا فريدا لاامل فيه ولا رجاء ، ويبعثن لي بطاقاتهن المعبرة عن شدة الاعجاب والوجد...
، وباسمة بعد ان رأت البطاقة غضبت ، كيف احب اخريات وانا زوجها ؟ وهل حجرت على حريتي بكونها زوجتي ؟ لم تكن تدري ان هناك عدد من البطاقات الأخرى اكثر جراة من تلك التي وقعت في يديها ، ونحن اتفقنا في بداية الزواج الا يفتش احدنا في أوراق الآخر :
- كيف سمحت لنفسك ان تبحثي في أوراقي ؟ انا لم اعرف ماذا تخبيء أوراقك من قصص لاتريدين افشاءها ! هل تعتبين على بطاقة استلمتها من احدى النساء ، وانا اجد الكثيرين من الرجال يعجبون بك ! هل عاتبتك يوما ، هل وجدت انني اخذت ابحث في ادراج مكتبك عما يتهمك من قصص الاعجاب التي تتلقينها من عدد من الرجال ، لك حياتك ولي حياتي ، وان كنا نعيش سوية في منزل مشترك! لا تفتشي في كتبي ودفاتري وانا ايضا لن ابحث عما يشينك في كتبك ، لسنا طفلين ، ونحن ناضجان ، يمكنك ان تحبي من تشائين ، ولا اجد في ذلك ما يخدش كرامتي..
سكتت باسمة ولم تعد الا اتهامي مرات اخر ، رغم اني ما تركت معاشرة النساء ، وبقيتُ استلم بطاقات الحب والاعجاب منهن ، وان كنت احب واحدة هي نهلة ، لكن غضب باسمة المفتعل جعلني اثور على تدخلها في شؤوني ، لتصمت هذه المرأة ولتترك عادة ان تدخل انفها فيما لايعنيها ، وانا أدرك انها لاتعرف رجلا غيري ، الا انني شئت الا تتوهم ان لها حجما اكبر من حقيقتها فانا الرجل وعليها طاعتي..
(71)

المصاعب تتراكم على باسمة سعيد ، واحمد منصور يأتي باغلب تلك الصعاب ، لاتدري باسمة اهو قصد منه ام سوء تدبير ؟ يلومه الأصحاب كيف يمكن ان يتخلى عن المرأة التي احبته كل هذا الحب؟ كانت تظن انه يخلص لها كما هي تحفظ له حقوقه في حضوره والغياب تقول لها صديقتها :
- الرجال كلهم خائنون سيئون ، لاينفع معهم الاخلاص..
- ليس كلهم ، حرام ان نتهم الجميع بصفات البعض!
- أتعرفين ان احمد يخونك مع اية امرأة يجد عندها القبول؟
- لا ارى ذلك ، يمكن انني من شدة انشغالي بعملي وانهماكي بأشغال البيت ، جعلته يشعر انه وحيد مهمل!
- انك لم تقصري ، ماذا يمكن ان تفعلي ؟ وزوجك فقد عمله لأنه كان كثير الغياب؟ اتكل عليك ووجدك مجتهدة في عملك ، حريصة على نجاحك فأكثر من اهماله ، مما اثار استغراب من كان يعرفه قبل زواجه ، بعض الرجال لايطيقون نجاح زوجاتهم ، فيسببون لها المتاعب ، ويضعون المصاعب في طريقها ، كي تفشل في عملها ، ليدعوا ان المرأة من طبيعتها الفشل ، وحين يجدون الزوجة لاتبالي بما يبذلونه من جهود لافشال مساعيها ، وجعلها تفشل في العمل الذي كانت تتقنه قبل الزواج ، فيحزنون ، ويصيبهم التوتر ، ويكثرون التغيب عن عملهم ، وحين يعاقبون على التقصير في العمل بالاعفاء منه ، يعاقبون الزوجة الناجحة بخيانتها مع كل امرأة..
- لكني رغم فقدانه العمل ، لااشك به ،انه لا يخونني!
- لأنك امرأة وفية ، ومن الخطأ جدا ان نظن ان الناس مثلنا ، فان كنت تتصفين بالاخلاص ، فلا يعني هذا ان زوجك مخلص ايضا.
- وكيف يمكنك ان تتهميه بالخيانة ؟ ألا يمكن انه بريء منها؟
- عندي الدلائل ، وقد رغبت في البداية ان اخبيء الحقيقة عنك ، لئلا اسبب لك حزنا ، فانت صديقتي وعزيزة على نفسي، كما تعلمين ، زوجك عزيزتي يصادق كل النساء الا انت زوجته ، فهو بعيد عنك ، يسير متأبطا النساء اللاتي يقول انهن صديقاته ، تاركا اياك تكدحين من اجل الحصول على طعامكما وشرابكما ولباسكما .
- هذا من واجبي ، لأنه فقد عمله!
- ولماذا فقد عمله ؟ أليس بسبب تقصيره بالمحافظة على العمل وصيانته؟
- ربما بذل جهده ولم ينجح!
- لم يبذل! انه الان مسرور ، يجعلك تشقين للقيام بواجبه وواجب المرأة بوقت واحد!
وهو يتفسح مع النساء ، اية لعنة هذه ؟ لماذا تصمتين ؟
- وماذا يمكنني ان افعل؟
- ثوري! وهدديه ان واصل صداقاته مع النساء فانك سوف تهجرينه!
- لا أظن ان تهديدي سوف ينفعني ، طالبته بالطلاق فلم يوافق!
- انت تعرفينه اذن ! صديقتي العزيزة ، لماذا تستمر معاناتك؟
- لأننا في العراق لايمكن للمرأة ان تطالب بالطلاق ، هذا الحق بيد الرجل دائما ، واحمد لن يطلقني لأنني المعيلة والخادمة والقائمة بكل المهام!
- وهل كنت تعرفين كل تصرفاته؟ ورغم هذا تصمتين ؟
- نعم وقلبي يتمزق ، لأنني احببت رجلا بائسا ، أراني النجوم في عز الظهر ، وجعلني اشرب المر واتذوق العلقم ، ليس كلهم صديقتي العزيزة ، يوجد الحنون والشجاع ولكن احمد اراه الان يخلو من كل الصفات التي احببته من اجلها..
- هل تواصلين الحياة معه؟
- انتظر ان يتحسن..
- وكيف تأملين ذلك ؟
- يمكنني ان أصبر على كل شيء ، الا حرماني ان اكون اما..
- وهل هو لايحب الأطفال ؟.


- طالبته عددا من المرات بحقي بالامومة ، لكنه طالب بتأجيل الأمر
- ولماذا يريد التأجيل ؟
- يقول ان ظروفنا الاقتصادية لاتسمح بالانجاب في الوقت الحاضر..وعلينا ان ننتظر ريثما يجد هملا بديلا..
- وهل ستواصلين الصمت على حرمانك من حقك في الطفل؟
- لن أصمت ! سأغير كل شيء....


(72)
أخذت علاقتي بباسمة تسير في طريق مسدود، لم تعد الانسانة الهادئة التي تصبر على كل شيء، وبدأت تطالب ببعض الحقوق ، التي ما كنت أظن انها ستتجرأ على المطالبة بها ، ، ارادت ان نتساوى بالانفاق على متطلبات الأسرة، وانني يجب أن اجتهد للحصول على عمل جديد ، بدلا عن العمل الذي فقدته ، لم تر انه من واجب والديها ان يساعدا في تلبية حاجاتنا المالية:
- كيف تطالبين بالمساواة وانت ترفضين ان تساعدي اسرتي؟
- وهل استمر في المساعدة وانا قد تعبت ، منذ زواجنا وانا انفق على اسرتك..
- هل تعيرينني بفقر اسرتي يا امرأة؟
- ، لا أعيرك ، ولكنك لم تبحث عن عمل بديل..
- ماذا افعل ؟ سدت الأبواب في وجهي..
- الأبواب نحن نفتحها ، لكنك لم تحاول ، وبقيت معتمدا على عملي..
- وما الضير في ذلك ؟ وانت تدعين المساواة ؟
- وهل المساواة تعطيك حقا ان تستغلني ؟

- اصبري حتى يمكننني ان اعود الى عملي السابق ، فأنا احبه كما تعلمين ..
- جد عملا مناسبا.
- انفقي على اهلي كما كنت تفعلين..
- يمكن ان اتحمل ذلك ، ان وافقت على أن ننجب طفلا..
- انت تعرفين انني لااحب الأطفال..
- لكنني احبهم ، واريد ان اصبح اما..
- لماذا نأتي بطفل في وقتنا الصعب هذا؟
- ان لم توافق سوف اطالب بالطلاق..
- لا أحد يعطيك الحق بالطلاق الا ان وافقت انا..
- القاضي يمنحني الحق..
- اصبري قليلا ، وسوف ننجب الطفل الذي تحبين..
- متى ؟
- حين تتحسن الظروف.
- نحن من يحسن ظروفه بالعمل ، ابحث عن عمل ، وستكون ظروفنا كما نشاء..

(73)
يتأخر احمد منصور في العودة الى المنزل ، فتقلق عليه باسمة سعيد ، فيطول انتظارها ، وتصبح نهبا لأفكار شتى ، تأخذها يمينا وشمالا ، هل ذهب الى احد الأصدقاء ، او احد الأقرباء؟ ولماذا لم يخبرها ؟ كان عليه ان ينبئها بامر زيارته لأحد معارفه، وهي الان لاتعلم عن زوجها شيئا ، تراه غامضا جدا ، وتظن انه يخبيء عنها امورا عديدة ، لاتعلم كنهها ، وتود لو عرفت ، تحب ان تعلم اي رجل سعت للاقتران به بعد نضال شاق ، وكانت تأمل انه سوف يدخلها الجنة ، واذا بها تتقلب على نار الشك والقلق المتواصل ، الذي يجعلها دائمة الحيرة ، ماذا يمكنها ان تفعل امام هذا الظلام الدامس الذي يحيط بحياتها ، ويتركها عاجزة عن اخذ زمام المبادرة ، هي الانسانة القوية ، التي عرفها الناس بعزمها واجتهادها ، تجد نفسها مخلوقة حائرة ضعيفة ، هل صدق الذين زعموا ان المرأة في الشرق تصبح اداة بيد زوجها ، يوجهها الى اين يريد ، مهما كانت شخصيتها قوية ، وبرع اهلها في غرس صفات الشجاعة والنبل وكرم الاخلاق داخل نفسها ، المعارف كلهم اجمعوا ان باسمة سعيدة ، انسانة مثقفة تعرف كيف تدافع عن نفسها ، وانه ليس بمقدور احد ان يضع القيود حول حياتها ، دون ان تتمكن من ازالتها ، وانها قد جربت الكثير من المصاعب ، استطاعت ان تجتازها ، وان تزيلها من حياتها ، لتتمتع بالحرية المسؤولة التي تسعى اليها ، ولكنها اليوم ترى انها قد فشلت في ايقاف نزيف الصعوبات التي تكتم على انفاسها ، وتتركها خائرة القوى ، مبددة العزيمة ، تدرك انها احبت احمد منصور بكل ما تحمل في قلبها من مشاعر وفي عقلها من افكار ، ولكن احمد هذا قد بدد آمالها في الحب والحرية ، وانه لايختلف عن الملايين من الرجال ، الذين يدعون فكرا تقدميا ، لكنهم في الحقيقة اشد رجعية من اجدادهم ، واكثر اصرارا على تكبيل المرأة ، وسلبها طاقتها وقدرتها على مقاومة ما يريدون..
يطول تأخر احمد منصور ولا تدري باسمة سعيد ما الذي يجب ان تفعله ؟ هل يمكن ان زوجها قد أصيب بمكروه ، او تعرض لحادث سيء ، هل تظل صامتة تنتظر ان يعود؟ ام يبادر بعمل ينهي متاعبها هذه الليلة ، ويقضي على تساؤلاتها ، وينهي ما تشعر به من آلام ؟ لكن ماذا تفعل؟ وهو لم يخبرها بشيء ؟ هل تتصل هاتفيا ؟ وبمن يمكنها ان تتصل ؟ اتصلت بزوجها مرارا دون ان تظفر بجواب! هل تتصل باحد أصدقائه المقربين ؟ انها واثقة انه سوف يثور غاضبا ان اتصلت بأحد ! ولكنها حيرى هذه الليلة..
تحزم باسمة سعيد امرها ، وتقرر ان تذهب الى شقة اخ زوجها العازب، الذي اعتاد زوجها ان يذهب اليه شاكيا من زواجه التعيس كما يحلو له دائما ان يصف الاقتران بها ،
-كل المشاكل تأتي من زوجتك التي تقول انها مثقفة!
- ليس كلها .. بعض متاعبي منها!
- -ألم تخبرني انها فضولية ، تبحث في اوراقك عما يؤيد شكوكك ؟
- تبحث احيانا ، كما ابحث عما يريبني دائما..
- ألم انصحك ان تقتدي بي ؟ فأنا لا أثق بالنساء !
سمعت باسمة حديث الاخوين صدفة ، ووجدت زوجها يقلد أخاه في كل الأمور ..
سوف تذهب الى شقة الأخ ، أكبر الاحتمالات ان زوجها هناك..
تصل الشقة وتدق الجرس ، تنظر من العين السحرية ، وترى ثمة اشخاص قد اغلقوا مجال الرؤية ، بعد فترة يفتح الباب ، تسلم على اخ زوجها وتدخل ، ترى المائدة منصوبة، وعليها اربعة أقداح فيها شراب نبيذ احمر ، وبجنبها صحون فيها المكسرات واللبلبي والخس ، يخرج زوجها من احد الغرف وهو يرتدي الشورت القصير ، الذي تعرفه عائدا للأخ...
يرى الزوج علامات الاستياء واضحة على محيا زوجته ، فيبادرها صارخا:
- لماذا لحقت بي الى هنا ؟ كل الوقت وانت تشكين بي؟

(74)
طالبتني ان تكون اما ، رغم عدم رغبتي بانجاب تعيس جديد ، يضاف الى جيش المأزومين الفاشلين ، وهددت انها سوف تلجأ للقضاء في حالة عدم موافقتي على طلبها ، اخبرتها انني موافق لئلا تزداد نقمتها علي ÷، فأنا رغم عدم حبي لها لا ارغب ان تغادر حياتي وتطلب الطلاق ، لكنها كالعادة أخذت تقلق علي ذلك القلق المرضي ، عرفت عنها انها لاتطيق فراقي ، ويصيبها الخوف ان تأخرت في عودتي الى المنزل ، تدرك ان حياتنا ليست آمنة / واننا مهددون ، بالتوقيف والتعقب وتأويل الكلمات البريئة التي نتفوه بها ، لم اكن اعلم انها سوف تتبعني أينما ذهبت وان داء الشك القاتل يستبد بها ، ما ان ذهبت الى منزل شقيقي العازب ، والمعروف عنه بشدة اللهو حتى اتت الى المنزل ، كانت هناك امرأتان واخي وانا ، وضع اخي كؤوس النبيذ على المائدة ، صنعت الفتاتان الجاجيك والسلطات وكان اخي قد اشترى اللبلبي والكرزات ، بعد ان لعبت الخمرة بما تبقى من العقول ، دحل اخي مع اجمل الفتاتين الى الغرفة الكبيرة في منزله ، بقيت وحدي مع الفتاة الثانية ، التي لاتتمتع بأي مسحة من الجمال وطلبت مني:
- ونحن ماذا نفعل؟
- ماتحبين...
- لنذهب الى الغرفة الثانية في المنزل!
- لنذهب..
- لم اجرب الحب معك..
- وهل جربته مع الجميع ؟
- كيف الجميع ؟
- لااعني ما تقصدين .. آسف حقا..
دخلت الغرفة معها ، وهي من قام بكل شيء ، لم تسعدني لمساتها ، ثم سمعنا دقات متكررة على الباب ، ذهب اخي لرؤية من يكون الطارق ، وعاد الي مسرعا:
- زوجتك..
ارتدى ملابسه بسرعة ، و فتح الباب ، شاهدت باسمة الكؤوس الأربعة على المائدة ، ونظرت باستنكار الى صحون المزة ، قرأ اخي ما يجول بخاطرها ، ثم خرجت انا من الغرفة مرتديا شورت اخي ، وطلبت من مرافقتي ان تظل في الغرفة والا تخرج منها ، كنت اعرف ان باسمة لن تطيل بقاءها في المنزل، وسوف تعود الى منزلنا وهي متوترة ، فقد تأكد لها بالبرهان الساطع انني مثل اخي تماما زير نساء ، حصل ما توقعت وعادت باسمة ، ولم اعد انا:
- هذه المرأة بحاجة الى تأديب!
- لماذا ؟
- كيف سمحت لها نفسها ان تتعقب خطواتك؟ هل كانت تتوقع ان يرفض رجل نداء امرأة حارة الدماء مثل حسناء ،وبخها على تصرفها الطائش ، ونفذت نصيحة اخي وعدت غاضبا الى المنزل:
- لماذا تشكين بي ؟ هل تبعتك يوما ؟ وانا لا أعرف اين تذهبين كل يوم ؟
(75)

شرحت باسمة سعيد لطالباتها حقوق المرأة ، وبينت ان النساء يجب ان يناضلن طويلا من اجل الوصول الى تلك الحقوق ، التي نجد طريقها شائكا ، تعترضه الصعوبات ، وعلينا ان نجتاز تلك المصاعب ، كي ننعم بالدنيا ونحقق السعادة..
سألت بعض الطالبات:
- كيف نحقق ما نطمح اليه ، ونحن وحيدات بلا معين؟
- لسنا وحيدات ! الرجل بجانب قضيتنا العادلة ، وقف معنا الأب والأخ والحبيب والزوج ، واستطعنا ان نحقق بعض ما نتطلع اليه..
- لا أظن اننا نجحنا!
- لابد من التفاؤل ، الذي يراه علماء الاجتماع موصلا الى نصف الطريق!
- ماذا تقصدين أستاذة باسمة ؟
- أعني ان المناضلين من أجل ما يرونه حقا لهم ، ينبغي ان يكونوا متفائلين ، لأن التشاؤم لايفضي الى حل..
- اعرف انك ناضلت طويلا استاذتي الغالية ، هل نجحت في تحقيق مراميك؟
- نجحت الكثيرات في الوصول الى احلامهن ..
- وأنت ؟
- ربما انا طموحة اكثر من الأخريات!
- اللاتي لم يعملن شيئا نراهن في سعادة كبيرة!
- ليس دائما!
- مجتمعنا هذا يفضل الخانعات ، ويستجيب لارادة الخاملات!
- أراكن اليوم يائسات ! لماذا يا حبيباتي؟
- لانريد ان نخبرك ! لئلا نتسبب في اثارة احزانك!
- ماذا جرى ؟ كلامكن اليوم غامض!
- نريد ان نسألك استاذتنا العزيزة : هل تحقق شيئا من آمالك في الحب والحرية والعدالة؟
- هذه الحقوق تحتاج الى قوانين تدافع عنها ، وتعمل على اثباتها!
- لانسألك عن الحرية والعدالة اللتين تتحققان بالقانون!
- عن أي شيء تسألنني؟
- عن الحب والمساواة في المعاملة !
- ماذا تعنين عزيزتي أحلام؟
- هل يمكن ان تشعري ان حقوقك في الحب قد تحققت ، وزوجك كل يوم يسير مع امرأة؟ نراه يتمشى مع النساء وايديهما متشابكة ، وأنت منهمكة في اشغال المنزل ، وتحسين دخل الأسرة؟ هل توصلت الى حقوقك ، لتناضلي من اجل حقوق النساء؟
- ربما حالتنا ليست عامة ، هناك الكثير من الأسر السعيدة ، ينتشر الحب بين الزوجين ، ويقومان معا بالانفاق على الأولاد ويتعاونان بالأشغال المنزلية. لاتنظرن الى حالتي فقط ، ادرسن قصص المتزوجين ، واصدرن احكامكن ..
- هل كنت تعلمين استاذتنا ؟
- طبيعي ان الزوجة تدرك بتغير عواطف زوجها نحوها .
- مع الأسف .. تشقين في الحياة ، وهو يلعب ويتسلى ، ضاربا مشاعرك بعرض الحائط
- لست وحدي التي تعاني ، هناك من يعشن مثلي ، محرومات من الحقوق ، مع زوج لايبالي بما يقمن به من تضحيات.
- وكيف تتحملين هذه المعاناة استاذتنا الحبيبة؟
- انتظر ان تتحسن تصرفاته بعد فترة!
يبتدعها زوجها ليتمتع مع النساء الكثيرات ، وكثيرا ما تسأل نفسها ، دون ان تتوصل للجواب :
- لماذا يصر احمد منصور على اساءة معاملتي وهو يراني بمثل هذا النكران للذات ؟ وهل انا ضعيفة جدا ، لاأستطيع ان أضع حدا لظلمه؟
(76)
كل الكلام الخيالي الذي نسمعه عن المساواة تكرره باسمة امام طالباتها المراهقات ، من الرجل الذي يتنكر لرجولته في غسل الصحون وتنظيف البلاط ؟ من الرجل الذي يدنس نفسه في تنظيف ا لملابس وكيها ، ومن من الرجال يسمح ان يعود الى منزله ويجد ان الطعام لم ينضج بعد ، وان كؤوس الشاي لم تغسل منذ الصباح ، وان ادوات الحلاقة التي يستعملها بقيت في مكانها ولم تنظف ؟ من الرجل الذي يرضى ان يحرم من السهر مع أصدقائه ؟ من الرجل الذي يحرص على رضا زوجته ؟ ماذا يمكن أن تفعل الزوجة ان وجدت زوجها ليس مهتما بها ؟ لتضرب رأسها بالحائط وتخرس . ماذا افعل انا ان كانت زوجتي مدرسة عليها ان تصحح اوراق طالباتها ، وان تضع الأسئلة للامتحانات الشهرية والفصلية ونصف العام ونهاية العام ، ماذا افعل ان تم فصلي من العمل ، هي لاتصدق ان الفصل تم لأسباب سياسية رغم اني ذكرت لها ذلك ، هي محظوظة انها ارتبطت برجل مثلي ، لايحاسبها كثيرا ان رفضت مشاركتي الفراش ، تقول لابد من ا لمداعبة قبل العمل ، وانا زهقت من كلامها المنمق الذي تردده من غير مناسبة ، انا مظلوم يا ناس ، لماذا لايحق للرجل ان يشكو وانا التعيس الذي تزوج مدرسة تعلم طالباتها العصيان والثورة ضد الرجال ، اي امرأة شاء سوء حظي ان ارتبط بها ؟ معها مصرف البيت وهي تشكو انها لم تستطع ان تشتري براتبها ما تحب ان تهيئه لوجباتنا الثلاثة ، نحن اثنان فقط ، احيانا يزورنا اخي مع احدى النساء ، فتكون الطامة الكبرى وترعد الدنيا وتزبد ، وكأنني انا من اتيت بالنساء الى منزلها ، أليس من حقي ان يزورنا اخي مع المرأة التي يريد :
- زوجتك متسلطة ، من حسن حظي انني لم اتزوج!
- انها متعبة فقط..
- وهل تضع تعبها على اكتافنا؟ ما شأننا نحن؟
- هي تتعب بالعمل ..
- السبب انك لست رجلا ، لتريها العين الحمراء..

(77)

تستبد الحيرة بباسمة سعيد ، ويسلب راحتها القلق، ايمكن ان يكون التباين بين حقيقة الانسان وبين ما يظهره للناس بهذه القوة ، هل يتظاهر احمد منصور بما ليس فيه ، ام انها طبيعة اي منا ، يظهر ما يراه جميلا ، دون ان يكون بمقدوره ان يتمتع به ، يثيرها العجب مما يقوم به للحصول على اعجاب النساء ، وتخلو حياتهما المشتركة من كل جميل ، تسمع عبارات الاستحسان تقولها سيدات محترمات لزوج لايعرف حقوق زوجته ، ولا يسمح لها بالتمتع بالجمال ، يحصي عليها حركاتها ، ويدعي انه مناصر لحقوق المرأة ، هل يجدها امرأة حقا ، ام ان عفله يجردها من صفات الانوثة التي يراها في كل النساء ، الا باسمة سعيد ، التي تنتظر اوبته في كل مساء ، لتسمع منه كلمة واحدة ، تحثها على مواصلة الحياة مع امريء تزوجته لأنها وثقت بحبه لها ، ثم اكتشفت ان قلبه خال من صفات الحب والاعجاب ، يطول سهرها وانتظارها لعودته ، لكنه يرجع مخمورا ، وقد أسرف في الشراب ، فيفسد عليها ليلتها ، ويجعلها تتمنى الا تكون قد عرفته ، او وقعت في حبائله ، يمدحه جميع معارفه واصدقائه من الجنسين ، ويسبغون عليه اجمل الصفات ، التي لاتراها ، وهي التي تحبه ، كيف وقعت في حبه ؟ وكيف ظنت انه يبادلها عاطفتها ؟ كان ذلك سرابا رافقها طول الوقت..
تستمع باسمة الى اقوال اصدقائه :
- احمد رجل كامل ، يتمتع بكل ما تحبه المرأة من صفات !
- انه رجل رائع لكنك لاتعرفين قدره !
- طبيعي ان يعرف الرجل نساء عديدات فهل تريدين ان يكون امرأة؟
- انت تظلمين الرجل الجميل معك ! لماذا اقدمت على الزواج منه ؟
- عشرات النساء يرغبن بالارتباط بأحمد وانت لاتعرفين شمائله!
- ان كنت لاتحبينه ، ليعد الي ، طوال عمري وانا متيمة بوسامته..
- انت تطلبين صفات ليست موجودة ! اتقي الله ولا تكثري الشكوى!
تقرر باسمة سعيد الا تشكو بعد اليوم ، وان تظهر السعادة ، ولا تجعل علامات الحزن تبدو عليها ، ترتدي ملابسها الجميلة ، وترسم ابتسامة السعادة على محياها .ز
يطول انتظارها ، ولا عودة للزوج الغائب ، وحين يقترب الفجر يرجع وقد انهكه الشراب:
-انت حجرة ثقيلة في طريق سعادتي!
تلجم المفاجأة باسمة سعيد ، ويصيبها الخرس ، وتقع على الأرض ، تسمع اشخاص يتحدثون وصوته تسمعه بوضوح:
- لم اقل لها شيئا ووقعت على الأرض..كنت اظن انها امرأة ، واذا بها مخلوقة من قش

(78)

حدثت باسمة سعيد صديقتها اسماء عن معاناتها وعن ارغامها على ان تقول ما لن تعتقد بصحته ، وان من كانت تظن انه حبيبها يجعلها تصرح امام الناس بامور ليست حقيقية ، واصلت باسمة حديثها عن الألم المكبوت: وكيف تحدثت للحاضرين في جمعية الدفاع عن حقوق النساء
يسرني سيداتي ان أقص عليكن حكايتي ، رغم انني لا أحب إلقاء المحاضرات ولا أحبذ قولها ولكني مغلوبة على أمري أنفذ مشيئة الآخرين وامتثل لأوامرهم
كلفت هذا اليوم بهذا الواجب ، ساعدنني كيف ابدأ ، حسنا امرني ان القي على مسامعكن تجربتي الطويلة والدروس التي استخلصتها طيلة سنين عمري السعيدة ، صه ، لقد ذهب ، لنتكلم بصراحة ، طلب مني ان أتحدث عن تجربتي الخاصة وعن المساواة التي نعمت بظلها ، ولقد ابتعد الان ...... وهذه الجلسة نسائية ، سأكون صريحة معكن وأتحدث بلا أكاذيب أو اختلا قات وعندما ترينه مقبلا اخبرنني كي اخذ حذري وأعود إلى حديثي المرسوم والمقرر ، بلا مساواة ولا بطيخ في مجتمعاتنا العربية لا تجعلن صوت المكر يفون عاليا ، فانا لا أطيق إسماع كلماتي لمن كان خارج هذه القاعة ، انتن فقط من أزمع محادثتهن بأمري
هل ذهب ؟ أصدقنني القول ، لم يعد في طاقتي احتمال الصراخ المستمر والزعيق ، أريد ان أحيا بسلام ، هل جربت إحداكن المساواة ؟ هل عاملها زوجها معاملة الند للند ؟ أنت يا سيدتي ؟ لعلك قد تزوجت حديثا ولم تري شيئا بعد من الدنيا ، انا كنت مثلك في مستهل زواجي ، حيث أجنحة الحب ترفرف علينا ، ورحيق الخمرة يسكرنا ، في ذلك الزمن السحيق حيث كنا عاشقين ، ارفعي صوتك ، لم اسمع ما تريدين قوله ، صمت من فضلكن ، ماذا هل تجدن في حديثي تناقضا ؟
اسمع أصوات خطوات تقترب ، لأخفض من صوتي ، لا أريد لأحد أن يسمعني ، فيساء فهمي ، والآن سأبدأ :
يسرني سيداتي آنساتي ..ان أقص عليكن حكايتي ، انا الزوجة والأم التي مضى على زواجها ثلاثة عقود كاملة ، لم يرتفع خلال هذه الفترة الطويلة صوت لي ، لم أتذمر ، لم أشك من سوء طالعي ، او أندب تعثر حظي ، قضيت هذه الأعوام وأنا شبه راضية ، وان لم أكن سعيدة ، فلماذا أشكو ؟ وماذا يصنع لي التذمر ، هل يغير إظهار الألم شيئا من واقع الحال ، أليس من المحال تحسين الأحوال ؟ هل تسألنني كيف استطعت التغلب على مصاعبي ؟ وما هي الطرق التي سلكتها ؟ لن أكون قدوة ، لكن ، آنساتي ، لكل جيل قوانينه ، كنت هادئة دوما ابتسم بوجه العاصفة واخفض لها رأسي وجسدي ،، وحتى روحي ، حتى تمر بسلام ، لم أغضب ، ولم الغضب ؟ لاشيء يغير المكتوب ، حسنا ، غضبت في البداية وكنت اشعر بضياع عمري ، وان حبي قد تبدد ، وكنت أسال نفسي أحيانا كيف استطاع برعونته أن يئد إحساسي بالحب نحوه ، لم يعد يسمعني الكلمات الحلوة التي ترغب بها روحي وكان يعاملني بغلظة أتساءل أحيانا من أين أتى بها ، وحين أحاول ان اعبر عن حبي ، يصرخ بي هازئا ، وبعد أن أحبني وبادلته عواطفه ، وتزوجنا ، ومضت فترة بسيطة على الزواج ، اخذ يحب كل النساء ويظهر لهن المودة ، يقدم لهن الأمنيات والقبلات والهدايا الجميلة في أعياد ميلادهن ، ويأخذ ثمن الهدايا من نقودي ، وأنا أحيا منسية ، لم يتذكر عيد ميلادي ثم أمسى يسمعني القول أنني قد كبرت على مثل هذه الاحتفالات مع أننا في عمر واحد وأبدو أنا اصغر منه أحيانا إذا ما اهتممت بنفسي ،لم يعد يراني امرأته ، ومن أكون ؟ صه ، سكوت من فضلكن ، المراة كالوردة ، تذبل ان لم يتم ارواؤها ، وقد ذبلت انا وانتهى أمري وأصبحت أرى العالم اسود بشع السواد مظلما جهنميا ، والحب شجرة باسقة كثيفة الأغصان ، وارفة الظلال ، تسقط أغصانها ، وتذبل أوراقها وتتساقط مصفرة ، تذروها الرياح ، ان نسي ارواؤها ، في غمرة الإخفاقات التي نعيشها ، كنت أسال نفسي وماذا جنيت حتى يعاملني هكذا ولم أذنب ؟ بقيت اطرح هذا السؤال فترة طويلة من الوقت ، حتى أدركت انه لا جدوى من الأسئلة ،، وأنني أضحيت أتنفس برئة الآخرين وارى بعيونهم ، هو القدر ، جعلني أبدو هادئة ساكنة ، وداخلي يغلي كالمرجل، أكون أحيانا صماء بكماء وحتى عمياء ،حلمت مرارا برجل يحبني ويضمني بحرارة إليه ويقبلني ككل الرجال في العالم ، ولكن هل كانت أحلامي اكبر من طاقتي ؟ ، لا ادري ، كل الذي اعلمه انه لاشيء غير الحب يبعث الأمل في النفوس ،، ويجعلنا نناضل ونجاهد ونشعر أننا أقوياء نقهر كل الشرور ونتغلب عليها ، وأعيش الآن بلا حب ، حياتي باردة كالثلج ، أئن وأتوجع ولا يشعر احد بحالي ، أصبت بكل العلل التي يمكنكن تخيلها ، ماذا افعل وأنا انسانة تعبة ، منهكة ، ووحيدة اردد أغاني فريد الأطرش ولا يصفق لي السامعون ، مالي أراكن وقد علت ابتسامة الاستفهام على محياكن ؟ من منكن استطاعت ان تغبر اتجاه دفة السفينة ؟ هراء ما تدعيه بعضكن ، هل تزعمن المساواة ، أي مساواة تجدنها في العالم العربي ؟ أي القوانين تدعو الى المساواة في بلدانكن المنكوبة ؟ سأكمل لكن قصتي : كنت عاجزة عن النظر والنطق حتى تسير سفينتي بهدوء ، ولا تفقد الملاح قدرته على إدارة الدفة ، لا تنسين إخباري إذا ما لاح لكن احد الذكور ، هل أنا ضعيفة ؟ أبدا ، اشعر دوما أنني قوية ، المراة العربية تكتسب عادات زوجها وتتخلق بها بمرور الوقت ، وانتن كلكن هكذا أصبحتن مثل أزواجكن حين جمعكما عش الزوجية السعيد او التعيس لا ادري ، أرى ابتسامات ساخرة تعلو محياكن هل استحق الشفقة ؟ أبدا ، ما هذا ؟ أرى شخصا يشبهه يطل من بعيد ، له نفس الهيئة ، واثق من نفسه درجة الغرور ، وكأنه لا يقرب الخطأ ، أين هدوئي ؟ لقد تبدد ،،انه يرعبني ، ينسيني قوتي ، يسلبني اتزاني ، يقيدني ، ماذا تدعين يا سيدتي ؟أ تزعمين أنني لا أزال أحبه ، هراء . ما تقولونه هراء ، لماذا يفرض على المرأة ان تحب من نسيها ؟ ينبغي ان أتحلى بقوتي أن أجاهد ضعفي ؟ ولكن كيف ؟ لاحول لي ولا قوة ، يتظاهر بالهدوء ويسمعني كلماته المسمومة ، يلدغني ، سهامه تصيب مني مقتلا ، أجد نفسي مبتعدة عن الموضوع الرئيس ، وعلي ان أحدثكن عن تجربتي الناجحة وحياتي المترعة بالأفراح ، وعليكن أن تسمعنني ، وتقتدين بي ، ولكن انتبهن جيدا ، ربما يلوح علينا ، بابتسامته الصفراء ، ولكن ماذا جرى لي ؟ افقد اتزاني ، ويهجرني صبري ، ويحكمني جزعي ، الا أجد بينكن مهربا ؟ أحاطني الصمت بخيوطه العنكبوتية ، مكثت داخل شرنقتي ،، فأبديت موافقتي على ما يبديه وأنا أتلظى ، أبطن المعارضة ، ماذا حدث لي ؟لا أحب ارتفاع الأصوات ، ويرتبك ضغطي عند أدنى ارتفاع ، ابعدي جهاز التسجيل أيتها السيدة لا أود تسجيل حديثي ، إنني أغبطك على وضعك أيتها الآنسة ، علي ان ابدي أفكارا لا احملها وان أؤيد وجهات نظر لا اتفق معها ، انه هو ، يقترب ، ام انه الوهم ؟، أصدقنني القول ، عزيزاتي ، هل استطاعت إحداكن أن تغير من طباع احدهم ،، وان تساهم في تقدمه نحو الأمام ؟ خداع وأباطيل ما تدعونه ، هراء ما بقينا نسمعه طيلة عمرنا المهدود عن دعاوى المساواة ، تسألنني كيف أستطيع أن أحافظ على هدوئي وسكينة نفسي ،؟ لم يكن الأمر هينا منذ البداية ، حلمت مثلكن بالمساواة وبالتعاون لتذليل الصعاب وبالمناقشة الهادئة ،الهادفة إلى تقريب وجهات النظر ، ولكن رفع الصوت من جانب شريكي ومطالبته لي بان أغير وجهة نظري ، وأتخلى عن قناعاتي جعلني أتظاهر بالهدوء وكثرة التظاهر بالشيء تكسب الإنسان مهارات جديدة ، أصبح التظاهر حقيقة ؟ فلماذا أثور برأيكن ؟ وعلى من ؟ والسفينة كيف يمكنها أن تشق طريقها وسط الأمواج المتلاطمة ؟، ألا ترون ان علينا معشر النساء واجبات كثيرة ؟ وليس لدينا حقوق ، أنت أيتها المراة المتحدثة ، ارفعي صوتك ، واخبريني أي حقوق تزعمين ؟ أنها ثوب فضفاض ، إننا نتدهور ونعود الى الخلف ، هراء .. كل نضالا تكن ذهبت أدراج الرياح ، ماذا تسالين أيتها السيدة ؟ كيف يمكنني ، الاحتفاظ برباطة جأشي ؟ إليكن هذا ، استيقظ مبكرة وأجهز طعام الإفطار.... ماهو السؤال ؟ نعم كل صباح ، أوقظ الأولاد ، اخرج من المنزل بعد ان يكون كل شيء جاهزا : طعام الغداء ، ما يحتاجونه من نقود لكل النهار ، الملابس النظيفة المكوية ، الأرضية ممسوحة بعناية ،والصحون مغسولة، استمر واقفة طيلة ساعات عملي ، أعود ظهرا أتناول قليلا من اللقيمات لتحفظ ماكينتي من الاستمرار بالعمل ، أعود الى العمل مرة أخرى بعد ان اغسل الصحون مرات ومرات ، هل ابتعدت عن الموضوع ؟ قليلا كما أظن ، أعود منهكة في ساعة متأخرة ...ليس كثيرا ، الى ماذا يوجهكن الخيال ؟ فلاشيء في حياتي الا الأسرة والعمل ، هل تسألنني ومتى أقرا؟ حسنا عندما انتهي من كل أعمال النهار وما ان امسك الكتاب حتى يأخذ النعاس بتلابيبي ، ومتى اخرج للترفيه عن نفسي ؟ لقد قرأت هذا السؤال في نظراتكن ، عندما أجد الوقت مناسبا ، هل تجدنني آلة ؟ اجد نفسي هكذا ، انا الة صماء ، والآن اخبرنني بالله من منكن نحيا بصورة أفضل مني ؟ إني أتحدى ، إني أرى أشباحا قادمة من بعيد ، لقد أنهيت كلامي ، وحدثتكن حديثا صادقا ،كنت اطمح اليه وارجوه من صميم قلبي ، أرى ملامحه من النافذة انه يحاول الاستماع الى ما نقول ،انا لم أفه بما يثير الغضب ، سوف ارفع صوتي : إنها حياة حافلة بالنجاحات ، زاخرة بالأفراح ، عشتها مع توأم روحي ، أسمعتكن إياها ،وأرجو ان تستفدن من تجربتي
فنحن زوجان متعاونان في كل أمور الحياة ، ناجحان سعيدان .... وشريكي إنسان ذو قلب كبير ، عشت وإياه حياة ملأى بالسعادة ، مترعة بالنعيم ، أرجو ان تمنحكن الحياة ما منحتني وطابت ليلتكن والى اللقاء


(79)
تسأل أسماء صديقتها باسمة:
- الرجال يحبون المرأة الجريئة ، ألم نجربي ان تقومي باغرائه ، بدلا ان يقوم هو بدعوتك دائما؟
- جربت هذه وأخفقتُ...
- كيف؟
في ليلة ظلماء خلت من اي ضوء ، كنا مجموعة أصدقاء متزوجين ، دعينا الى منزل عائلة ، تحتفل بذكرى زواج ، اوى جميع المدعويين الى اسرتهم ، وبعضهم افترش الأرض .
- متى كان ذلك ؟..
- في الشهر الأول لزواجنا ، كان عنيفا لكنه احيانا يردد بعض كلمات الحب .
قمتُ لأطل على حبيبي الغائب الذي يحضر دائما الى فكري الذي كان متوقدا، وجدته وقد سيطر عليه سلطان الكرى ، وتناوشته حمى الاحلام الطوباوية ، التي ليس بمقدور الأصحاء ان يحلموا انه بقدرتهم الوصول الى تحقيقها يوما ، وجدته كعادته دائما يصرخ في نومه لرؤيته كوابيس لايعلم عنها احد شيئا ، اشتقتُ الى لمساته وقبلاته ، فاغرقته في قبلاتي ، حتى استفاق من نومه :
- باسمة ، عليك اللعنة توقظينني من اعز نومة وتسلبينني حريتي !
- اشتقتُ اليك !
- وهل اشتياقك هذا يجعلك تقترفين بحقي جرما ؟
- لم اقترف بحقك جرما ! اي جرم اقترفت يداي ؟
- ليست يداك ! بل فكرك السقيم ، كيف سولت لك نفسك الآثمة أن توقظيني من عز النوم ؟
- ولكنك زوجي !
- اريد ان اضع حدا لهذه العلاقة الكريهة ، هل هو سجن ابدي تريدين ان توثقي حياتي بحباله؟
- لكني احبك حقا !
- ولماذا تحبينني ؟ ولم ابادلك عاطفتك المشؤومة يوما !
- لكنك احببتني يوما !
- لم احبك ، انت توهمت الحب واتيت اليّ لتسجينيني!
- لم افعل لك شيئا هذه الليلة ليثار غضبك !
- هل تودين ان اوقظ النائمين كلهم لأحدثهم عن سوء اخلاقك !
- سوء اخلاقي ؟ لم أذنب ابدا!
- وهل يعترف الجاني يجريمته بسهولة ؟
- اية جريمة ؟ انت تحيرني ! كل هذه النعوت لأنني رغبت أن أبادلك الحب ؟
- لم تريدي مبادلتي بل احببت ان ترغميني!
- لم ارغمك ! فقط انني اشتقتُ اليك!
- كيف يكون الاشتياق عنوة سيدتي ؟ انت تسعين الى اغتصابي!
تستبد الحيرة بي ويسيطر التوتر على نفسي ، لا أعرف كيف أجيب عن اتهامات ظالمة توجه الي من انسان احببته أكثر من الناس كلهم ، هل أخطأت في حبه ؟ ام اقترفت ذنبا في الاعتراف بحبه ؟ طلبني زوجة ، فأردت ان يكون حبيبا ، وها هو يعلن انني غريبة عنه ، لم يحببني يوما ..



(80)

تتساءل باسمة سعيد عن السر الذي جعل الرجل الذي أحبته ينقلب كل هذا الانقلاب ، لماذا أبدى الحب والتفهم في بداية معرفتهما ، وطلب يدها ، وحين ابدت رغبتها بالحب تغيرت تصرفاته ، هل لأنه عرف انها وقعت في غرامه من اللحظة الأولى والرجال في بلادنا عادة لايريدون ان تبدي المرأة هيامها بهم ، ويفضلون ان يكونوا البادئين باعلان الحب ، هل تسرعت باسمة في بوحها ، اما كان الأجدر بها ان توافق على يده الممدودة اولا ، وتنتظر الوقت المناسب ككل بنات جنسها ، يرغبن بالرجل ويجعلنه يقد م على التصريح بالحب ، باسمة سعيد التقدمية والتي تناضل من اجل المساواة لم تشأ ان تلف وتدور وان تنتظر الحبيب حتى يعلن عن حبه ، فهذا الحبيب لم يكن يبالي بها ن وقد احب فتاة أخرى ، وحين رفضه أهلها تقدم لباسمة التي كان يدرك انها تعشقه ومنذ ان رأته عيناها، فهل الحب وهم كبير يداعب النفوس النبيلة والقلوب المرهفة الشعور ؟ ام انه حقيقة تريد اناسا أقوياء يجعلون العاطفة في حياتهم شجرة وارفة الظلال ، يستظلون بفيئها ، وهل باسمة سعيد كانت من الأقوياء ؟ ام انها تنهزم من الوهلة الأولى وتندب حظها العاثر الذي اوقعها بمثل هذه القصة الشائكة ، احمد منصور ليس قويا ليبقي ثابتا مع انسانة توهمت انها تشعر بالحب ن كما كانت تشعر بالسعادة الغامرة حين تربط صديقين من أصدقائها المخلصين وشائج اجمل علافة في الوجود ، وقد نجحت في جعل الكثيرين من اعز الأصدقاء يقدمون على الارتباط بعلاقة تصمد امام كل انواع الأشواك ؟ هل هي الارادة ام الحظ ما يكمن وراء فشلها الذريع في الوصول الى مبتغاها في بناء حياة سعيدة ، لماذا ترى نفسها وقد أعيتها حالة زوجها الذي تجده ضعيف الأعصاب ، يثور لأتفه الأسباب ، ويسب ويشتم لاعنا الساعة التي جمعتهما معا ، ماذا تفعل الان ؟ وهي ترى ان الحب في داخل نفسها المعذبة قد زال وظهرت مكان جذوره أشواك قاسية تدمي القلب والعقل معا ، هل تصمم على الطلاق ام تحاول ان تنقذ قصتها التي توهمت انها قابلة للتحقق ، اي مصير ينتظرها ، واية لعنة حلت ببابها ، فحولت كل الجمال الى طحالب ضارة تميت كل المخلوقات وتزرع بذور التعاسة والتوتر لتحول الخضرة الى بيداء قاحلة...

انتهت







































الجزء الخامس من رواية ( وأدتك قلبي)
(65)
تهييء باسمة سعيد نفسها لعودة زوجها ، تفتح آلة التسجيل على الاصوات التي يحبانها معا ، يأتي زوجها:
- امي تسلم عليك!
- كيف هي؟
- بخير ، حدثتها عن متاعب ليلتنا ، وقالت انها طبيعية ، لابد ان نشهدها في بداية الزواج ، وقالت انني احب زوجتي كثيرا ،لهذا لااريد ايلامها في ليلتنا الأولى ، وقالت ايضا ان باسمة تحبك وسوف تتحمل الألم كما تصبر النساء عادة على اوجاع ليلة الدخلة ، وانك سوف لن تصرخي في منتصف ليلتنا كما فعلت في بدايتها..
- هل تحب ان تسمع اغاني ام كلثوم ام نجاة الصغيرة؟
- اي اغنية تحبينها افضل سماعها ، قالت امي انني يجب ان اكون لطيفا معك ، وانك اذا صرخت لااجعل صراخك يتسبب في ايقاف عضوي من الانتصاب ، لاتصرخي حبيبتي ، وسوف تنتهي ليلتنا بخير كما نريدها ، هل تريدين كأسا من البيرة ام العرق؟
- كأسا من العرق.
- هاتفت امي قريبنا الدكتور منعم وحدثته عن متاعبنا ، فوصف لي حبوبا تمدني بالهدوء والطمأنينة في هذه الليلة ، وقال الدكتور منعم ، ان باسمة تحبك وسوف لن تصرخ ، وان الزوجات كلهن يصارعن الألم ولا يخبرن الزوج عنها ، حتى لايفقد القدرة على الانتصاب كما حصل لي..
- احبك احبك احبك..
- وانا احبك ياباسمة اكثر مما تتوقعين ، استرخي حبيبتي ، فالامر طبيعي ، لاتكوني متشنجة ، دعي الشراب يعمل على تهدئتك ، انسي كل شيء الا حبنا الكبير ، وليلتنا السعيدة القادمة..
يطأ احمد منصور باسمة ، تضع تحتها الفوطة البيضاء كما نصحتها صديقتها الطبيبة ،
تمسك بوجه احمد وتقبله قبلة طويلة ، وتوزع قبلاتها على الفم والعنق و العينين ، تجد ان الألم اصبح خفيفا بامكانها ان تتحمله ، يسألها احمد :
- هل انتهينا؟
- ماذا تقول انت؟
- اين الدم ؟
تقوم باسمة وتنظر الى الفوطة البيضاء ، ترى قطرات قليلة من الدم ، تضعها امام عيني احمد ، وهي تشعر ان خنجرا مسموما قد وجه الى كرامتها ، لاتقول شيئا ، وتتوجه الى الحمام لتغسل ما بين فخذيها ، وحين تعود تجد احمد نائما وسط السرير ، وهو يشخر بعنف،
ما زالت الآلام تشعرها ان سكينا حادة قطعت جسدها وجعلته أشلاء رمته بعيدا ، وان قلبها الظاميء لم يجد من يشبعه من سغب ، فهل ما كانت تشعر به من حب ظنته خالدا مجرد سراب؟
وهل يوجد حب حقيقي في هذه الدنيا ؟ ام اننا نتوهم لنجعل الحياة تبدو اكثر جمالا، قلبها ممزق ، قد وجهت اليه طعنة كبيرة ، تشعر انها فقدت شيئا ثمينا لايمكنها استرجاعه، قالت لها صديقتها نجلاء مرة :
- من الخير لاحدانا ان تتزوج رجلا متنورا عن طريق خطبة الأهل ، افضل من الاقتران برجل يدعي التقدمية ، قد ارتبطت معه بعلاقة حب قبل الزواج!
- لماذا يا نجلاء ؟
- لان الرجل المدعي لايصدق ان زوجته لم تعرف رجلا غيره ، مهما كانت براءتها أكيدة.. ويرى انه مادام يحب نساء كثيرات ، فان الفتاة تحب مثله ، ولا يصدق ان المرأة لاتهب رجلها قبلتها فقط الا ان كانت تحبه.
كيف يصدق احمد منصور ان باسمة لم تحب الا اياه ، وان جميع صداقاتها مع الرجال كانت علاقات اخوة؟ وأنى له ان يفهم وهو ليس امرأة تخشى ان ترتبط بعلاقة حب وتحافظ على رأي الحبيب بعفتها . كيف يمكن للمرأة ان تطالب بالمساواة وهي تخشى من علاقات الحب وتحاول وأدها منذ تباشير فجرها، هل يمكن لأي رجل ان يدرك كم تقاسي المرأة كي لايساء الى سمعتها من احد توهمت يوما انه يحبها ، واذا التوهم مجرد أضغاث أحلام .. انى لأحمد منصور ان يعرف ان باسمة لم يعرفها اي رجل ، وانها رغم قصص الحب التي حاولت قتلها في بداية انطلاقها لم تجرب القبلة ولا اللمسة ؟ كيف يمكن ان توجه طعنة نجلاء الى شرفها من رجل احبته كل العمر! ؟

(66)
قطرات قليلة من الدم كانت على الفوطة البيضاء ، حين تساءلت اين الدم ؟ اجابتني بأن وضعت فوطتها امامي ، اصابني الخرس ، لماذا تسيل منها قطرات قليلة ، ، بينما بعض النساء تنزف انهارا من الدماء ؟ لماذا هذا البخل ؟ ومن اين جاءت باسمة بالفوطة ؟ تساؤلي جعلها تتوتر ، رأيت ذلك على ملامحها ، وماذا أفعل انا ؟ انا الرجل الذي اهينت كرامته ؟ كيف لي هذه الثقة ما عدتُ اعرفُ شيئا ، وقد ظننتُ انني قد قطعت السمكة وذيلها ، واذا بي اصبح اليوم موضع هزء من المطالبات بالمساواة ، الا سحقا لكن ، تدعين بهتا انكن بريئات ! لم احب امرأة في حياتي ، الا نهلة التي اجدها موضع فخري واعتزازي ، هي تحبني لذاتي ، وليس لديها مطمح آخر ، لاتريد زواجا ، ولا ان تضع القيود حولي ، كما تفعل النساء حين يحببن . الا يدركن ان الزواج مقبرة الحب ، ذهبت باسمة لتغسل جسدها من تعدي صارخ وقع عليه من قبلي ، وانا كنت صريع الهواجس والشكوك ، هل الفنان المطرب الذي تعجب به باسمة ، هو من جنى محبتها ؟ لا ادري انا ، كلما كنت اسالها عن ماضيها تقسم انها بلا ماض ، من اين جاءتها هذه القوة ؟ كثيرون احبوا باسمة واعجبوا بها ، وغبطوني على محبتها المزعومة لي ، اما دروا انها وصلت لي ثيبا ملعوبا بها ، وانا الحريص على ان تأتيني الزوجة بكرا ، لماذا وقعتُ بارادتي بهذا اليم ؟ وكيف يمكن انقاذ نفسي منه ؟ انا من كنت اتوهم اتصافي بالذكاء والحنكة ، كيف وقعت بملء ارادتي بهذا المطب ؟ تعسا للنساء ولكل من يصدق بكلامهن المعسول ! وأكاذيبهن الفاحشة ، انا احمد منصور اعترف انني وقعت في الفخ المنصوب لي باصرار وترصد ، لماذا تنكر باسمة ماضيها ؟ أليس الأجدر بها ان تخبرني بالحقيقة ؟ الم تكن تدري انني سأقف الى جانبها حين اسمع قصصها العديدة عن أحبابها السابقين ، ألم اساعد شقيقاتي في قصص حبهن ، واقف معهن واقابل احبابهن وادعوهم الى منزلنا ؟ لماذا اخفت عني باسمة قصص غرامياتها ؟ وجعلني ذلك كثير الشكوك . لو ذكرت لي الحقيقة ما كنت اكذب ما تقوله ، اعتقد انه لايوجد امرأة عصرية بلا ماض ، كيف زعمت باسمة انها حرمت نفسها من احضان الحبيب ودفئه من اجل ان تذهب الى العريس بلا دنس ؟ كيف اصدق انا ؟ وهل يمكن للمرأة مهما كانت قوتها ان تئد عواطفها ورغبتها في دفء الرجل ، من اجل ماذا ؟ وتزعم انها فعلت ذلك كي تصون نفسها للزوج القادم ، وهل يمكن لأي زوج ان يكون بديلا عن الحبيب يا باسمة؟ سأحاول ان أكون رؤوفا بها ، فهي كريمة الخصال كما يدرك جميع من عرفوها ، ولن اكرر شكي بها ، وسأستمر على علاقتي بنهلة التي تمنحني السعادة والرضا من حياتي ، فانا لم احقق شيئا الا حبي لمعشوقتي نهلة الرائعة...


(67)

باسمة سعيد في اعلى درجات الفرح ، غُرست في قلبها شتلات السعادة ، واينعت في نفسها ثمار الحبور ، لم تكن تعلم ان الزواج سوف يجعلها بكل هذا السرور، وردتها الظامئة المتطلعة للوصال، تتغنى هذه الليالي بفرح غامر ، بعد ان سقاها الحبيب ، وانقذها من عطش ظنته دائميا ، تنتظر الساعات لأوبة احمد منصور ، وتقوم بكل الأعمال المنزلية ونفسها جذلى، تخرج الى العمل وهي تغني بأعذب الأصوات مترنمة ، واصفة سعادتها الجديدة التي لم تكن تخطر على البال ، قامت بكل الاعمال التي كانت تتوهم انها ستضيف اليها الفرح ، ولكن تعبها الشديد وارهاق نفسها وخذلان روحها ، بعد ان اعياها انتظار العرفان ، كان يخلق لها أسقاما للروح ، وأمراضا للفؤاد ، سمعت الكثيرات من صديقاتها يسبغن الأوصاف الجميلة على تلاقي الجسدين ، لكنها حلمت باتحاد الروحين اولا ، ليؤدي الى تلاحم الجسدين باروع الصلات ، لم تجد احمد منصور كما توقعته جميل النفس هاديء الطباع ، بل كان عنيفا سريع الغضب ، يتفوه بالكلمات النابية المعبرة عن ضيق النفس ، والتسرع في الرد قبل اتضاح القصد من الكلام ، تحملت كل الصفات الحادة ، بصبر لذيذ ، وهي تنتظر ساعة الرقاد ، تنتعش الوردة وتنتظر غيثا يهطل من حبيب جميل ، يتعانقان ، يتبادلان القبل ، يتلاحمان في عزف أخاذ ، تصاحبه الموسيقى من اجمل الألحان ،لكن الحبيب وآسفاه ضنين بالوصال ، لايريد ان تتكرر اللقاءات الثملة ويقول انها تسارع في الاتيان بالعجز قبل الأوان ، وان عليهما ان يقتصدا في أوقات الغرام ، وان تكون ساعات الحب مرتين في الشهر ، ليحافظا على صحتهما قبل الأفول ، وان الترحيب الذي تبديه معيب جدا:
- من علمك هذا؟ اجدك قد جربت الحب قبل الزواج!
- هل عدنا الى الاتهامات مرة اخرى؟
- لاارى انك بريئة كما تقولين!
- لم اجرب الحب ، انما كنت أشتهي الوصال ÷، ولقد خشيت ان اجربه ، ولو كنت اعلم انك ستتهمني لعشت قصة الحب ، كما تفعل الشجاعات من النساء!
- هل تعتبرين هذه الجرأة شجاعة؟
- حرمت نفسي من اجل ان يراني زوجي نظيفة من الخدوش ، ولكنك تتهمني!
- انك سريعة الاستجابة ، ما ان ألمسك حتى ارى الشهوة المستعرة في عينيك!
- وهل كنت تحب ان تقترن بامرأة باردة ؟
- لا أدري ، ربما الباردة افضل من شديدة الحرارة!
- وما العمل؟
- لا عمل الآن ، وقد يأتيك بالأخبار من لم تزودي!


(68)

أتساءل أحيانا هل باسمة بريئة كما تقول ؟ وهل ان بقاءها بعيدة عن الوصال جعلتها بهذه الرهافة ، ما ان اقترب منها حتى اجدها تشتعل ، كيف تعلمت ان تكون بمثل هذه الحرارة قرأت مرة ان حرمان المرأة من الحب قد يجعلها باردة لاتستجيب لمداعبات الحبيب ، وباسمة تدعي انها لم تعش قصة حب حقيقية ! كيف تأتى لها ان تكون بمثل هذه ؟ ، انها تجعلني ارى كل فنون الغرام ، وانا لااستطيع ان ابريء هذه المخلوقة التي وهبتني كل هذه العواطف ، ولم امنحها الا الشك والصدود ، اتعجب لحالة النساء ، كيف يصبرن على مثل هذه العلاقات ؟ وباسمة من اسرة نبيلة ، كانت موضع عنايتها ورعايتها منذ الطفولة ،وحتى شاء لها سوء طالعها ، ان تقترن بي ، احيانا افكر ، لماذا أسيء معاملة المرأة التي وهبتني نفسها ، هل لأنني نشأت في اسرة يحترمون فيها من يبرع في الصراخ ، ويرون ان طلباته اوامر ، يجب ان تطاع ، هذا انا ، اصرخ بلا سبب وأطالبها ان تغير نفسها وقناعاتها من اجلي ، انا الزاخر بالأخطاء ، المعدوم من الثقة ، الخالي من الجمال ! لماذا جعلت باسمة تجد التعاسة في يومها الأول معي ؟ لماذا لم احسن معاملتها ؟ وانا اجدها تشعل الشمعات العشر من اجل ارضائي ، سأدع هذه الأسئلة واعود الى سلوكي نفسه ، فهو يسعدني ، اليس من الثراء ان تجد زوجتك تهرح الى نيل رضاك عنها ؟ وانت تمعن في اذلالها وسلب راحتها النفسية ؟ لماذا انا هكذا ؟ هل انا سيء جدا ، بعضهم يقول انني طيب ، لكني لااحسن فن الكلام ، اتفوه بالكلمات القاسية ، رغبة في نشدان الهيبة ! أي هيبة أريد وأنا أصعب الحياة على رفيقتي فيها ؟ ولكن ما بالي اتهم نفسي ! وباسمة لن تحتج على سوء معاملتي لها ، ربما تجد ها دليلا على الرجولة التي لم تجربها قبلي، فلأمضي في حياتي ، غير وجل ، احب نهلة ، وتخدمني باسمة التي دللها اهلها ، وانا اسمعها قاسي الكلام ، واعيد عليها انني اشك بها ، وانها لم تكن عذراء ، لتكن مشيئتي المهيمنة ، ولتصبح باسمة امتي ، التي اصنع معها ما أشاء ، اهبها بعض اللحظات السعيدة ، واهجرها طوال العمر ، نهلة من اصبو الى رضاها عني ، فهي حبيبتي الوحيدة ، وباسمة تمهد لي طريق السعادة..

(69)

كما النهر الرقراق ينساب من بين يدي باسمة سعيد، تتبخر سويعات الهناء ، وتولي لحظات بهاء اليقين ، أكان حلما جميلا ، انتهى لحظة جفاها الكرى ، وحل بأيامها سهاد مرير ، لماذا تتراءى لها البهجة ، كسراب شمس قائظة ، يسيل فيها من القلوب تعب غزير ، لا طاقة لها باحتماله ، وتتوالى عليها كؤوس الهم والعناء ، تتجرعها حتى الثمالة ، ضاعت كل أحلامها ، وولت طيور الفرح، جارية من أرضها الجدباء ، لتحل في حقول أخرى تعرف ما معنى السرور ، لمَ يهجر المرء فيها غناء العنادل ؟، إلى عواء متواصل كئيب ، أية لعنة حلت ببابها ، فأحالت سنابل قمحها إلى عجاف ، تركتها الأيام ثكلى ، ودعت المسرات في دنيا بعيدة ، وحان لها أن ترتوي من ماء أجاج ...
لمَ تهزم الأيام وتعبس الليالي ؟ أليست الحياة مدا وجزرا ، وفرصا سانحة ، يحسن الفطن اقتناصها ، ليفوز باللذات ، وينأى عن الكآبة والضياع ؟ وأية لذات تحلم بها ، وكأس الحنظل يفتح فاه مرحبا ، شامتا بما حل بأرضها من جفاف .....يصدأ عندها الشعور ، وتهرب النعم ميممة وجهها، صوب شاطئ بعيد
بطاقة تهنئة بالعيد ، وامرأة تلوح بفخر، تتصاغر أمام فتنتها الحسناوات ، وصدر ناهد مرمري ، عاري ، وشعر ينسدل بتراخ فوق الكتفين ، وكلمات قليلة مخطوطة بقلم أنيق :
- اذكرني ، كلما لاحت لك صورتي ...
تؤخذ باسمة على حين غرة ، هل أهرق احدهم فوقها ماء ثلج ؟ لم تحسب أن هذه اللحظة آتية ، وان قناديل حياتها توشك على الانطفاء ، وهي ما زالت في شهور العرس الأولى ،ريح عاتية ، تتلاعب بها ، تكون ريشة في مهبها ، من هي المهيمنة على هذا المشهد المسرحي ؟، تصدر أوامرها ،فيسارع الملبّون بالطاعة ؟ وباسمة ؟ تتنكر القوى الفاعلة ، وكأنها نقطة في بحر عميق الغور ، تطول حيرتها لمَ كل هذا ؟ من تكون هذه ؟ وكيف مرت بحياتها المسهدة الكئيبة ؟ وكيف لا يخطر في بالها ، انه يمكن أن تقابل تضحياتها الجسام بالنكران المبين ، وتقابل أعمالها الناصعة بالهزء ؟ ولمَ تتحول أيامها إلى علقم ؟ وعلام تقابل حسناتها بالسيئات ، ولمَ لا يكون الجزاء من جنس العمل ، وماذا جنت باسمة لتتضاعف على أم رأسها اللعنات ، ويسقونها شراب الحنظل ؟وكانت المحسنة دائما..
تستبد بها التساؤلات ، أي بحر متلاطم الأمواج ، رموها فيه ، وابعدوا عنها قوارب النجاة ، لمن تتوجه طالبة الإحسان، وقد سدت السبل بوجها ؟
قد تكون الخاطئة ؟ لماذا سمحت للأفعى أن تكون قريبة منها ؟ ألم تخش من انقلابها وتلون أفعالها ؟
أتكون بطاقة يتيمة ، قد أثارت بها فيضان المخاوف هذا ، وأغرقتها في يم لا شاطئ له ، وكيف يمكن لها أن تعلم ؟ قد تكون العديد من البطاقات الواعدة ، تسيل أحلاما ، وتجعل الأرض تميد تحتها ؟ ، ألم يصاحبها أفعال تعزز لغتها المطمئنة ؟ من جعل الحسناء بهذه الثقة ، وزرع في نفسها جذور اليقين ؟
تتقلب في بحر من الجمر تتلاطم فيه الأمواج ، أفكارها تضطرب في لجة عميقة الغور، عساها تهتدي إلى قرار ، وكيف يمكن لمن لا يحسن السباحة ، أن يعرف طبيعة البحار ، وسر الأمواج المتصارعة فيها ، هل ضاع كل ما بنته ؟ وتحملت تبعات أعمالها طوال هذه الشهور، هل خطر في بالها انه مثلها ، قُدّ من وفاء ؟
لن تنهزم ، هل تمنحه هدية للراغبات، وهي ساغبة تنظر ، ومن يعيده إليها؟ ، تتفرج... لا حول لها ولا قوة ، هل ضاعت الآن الفرص ؟ أليس بإمكانها تدارك الأمر ، ما زالت الحكاية في بدايتها ، فلتناضل لاسترجاع حقها...
صديقتها السعيدة لديها ما ترنو إليه النفس ، مشاهد آسرة ،وأفلام أكيد مفعولها ، عن كيفية إعادة الهاربين من أعشاشهم الصغيرة ، تشاهد باسمة ما قدمته لها الصديقة ، وتقلد المشاهد ببراعة ، وكأنها بطلة القصة ، تبث الرغبة في نفس أرهقتها صروف الحياة ، تقبل رجلها وتناجيه وتناغيه ، ينهض الحبيب ملبيا ، وتتحقق لها رغبتها ، انتصرت على من يريد بها شرا ، ولكن الفرحة العارمة ما تلبث أن تنقلب وبالا ، لتحط على رأسها ، وهي في منتصف الطريق لتحقيق حلمها الطويل ، والانتصار على من سلب منها جمال الحياة ، واسترداد واهب النعيم ، وساقي اللذات :
- كيف تأتى لك المهارة بهذا الفن ؟ من علمك ؟ هل أكون أنا آخر من يعلم ؟ ..


( 70)
كيف وقعت البطاقة بيد باسمة؟ وكيف يمكن لها ان تقرأ البطاقات المرسلة لي؟ عليها ان تنظف مكتبي وتعتني بالأوراق المتراكمة عليه وعلى الأرض، دون ان تقرأ ما تتضمن تلك الأوراق ، كيف اتت لها الجرأة لتبحث عمن بعثت البطاقة ، وانا كنت اريدها عمياء ، في عملي توجد نساء عديدات ،أرتبط بصداقة معهن ، فهل من المعقول الا أستلم بطاقات الاعجاب منهن ؟ هل ارفض محبتهن ؟ هل يمكن هذا للرجل الناجح ، هل انا امرأة حتى اعتذر عن استلام بطاقات المحبة والاعجاب لأني مرتبطة بعقد زواج؟ لن يسمح الرجل بتقييد حريته ، وهو حر ان يفعل ما يشاء ، يحب من يريد من النساء ويرسل بطاقات الحب اليهن ، هل امنع النساء عن محبتي وانا الرجل المحبوب ذو الجاذبية كما تصفني النساء ، وباسمة محظوظة انها ارتبطت بي ، عليها ان تكون سعيدة ، فأنا زوجها بعقد شهد عليه اثنان ، والأخريات يبادلنني المحبة ، دون ان تتنتظر مني احداهن شيئا الا اللطف في المعاملة ، هل اتنكر لما يبدينه من مودة يحسدني عليها الأصدقاء ، كلهم يغبطونني على عدد النساء اللاتي يمحظنني حبا فريدا لاامل فيه ولا رجاء ، ويبعثن لي بطاقاتهن المعبرة عن شدة الاعجاب والوجد...
، وباسمة بعد ان رأت البطاقة غضبت ، كيف احب اخريات وانا زوجها ؟ وهل حجرت على حريتي بكونها زوجتي ؟ لم تكن تدري ان هناك عدد من البطاقات الأخرى اكثر جراة من تلك التي وقعت في يديها ، ونحن اتفقنا في بداية الزواج الا يفتش احدنا في أوراق الآخر :
- كيف سمحت لنفسك ان تبحثي في أوراقي ؟ انا لم اعرف ماذا تخبيء أوراقك من قصص لاتريدين افشاءها ! هل تعتبين على بطاقة استلمتها من احدى النساء ، وانا اجد الكثيرين من الرجال يعجبون بك ! هل عاتبتك يوما ، هل وجدت انني اخذت ابحث في ادراج مكتبك عما يتهمك من قصص الاعجاب التي تتلقينها من عدد من الرجال ، لك حياتك ولي حياتي ، وان كنا نعيش سوية في منزل مشترك! لا تفتشي في كتبي ودفاتري وانا ايضا لن ابحث عما يشينك في كتبك ، لسنا طفلين ، ونحن ناضجان ، يمكنك ان تحبي من تشائين ، ولا اجد في ذلك ما يخدش كرامتي..
سكتت باسمة ولم تعد الا اتهامي مرات اخر ، رغم اني ما تركت معاشرة النساء ، وبقيتُ استلم بطاقات الحب والاعجاب منهن ، وان كنت احب واحدة هي نهلة ، لكن غضب باسمة المفتعل جعلني اثور على تدخلها في شؤوني ، لتصمت هذه المرأة ولتترك عادة ان تدخل انفها فيما لايعنيها ، وانا أدرك انها لاتعرف رجلا غيري ، الا انني شئت الا تتوهم ان لها حجما اكبر من حقيقتها فانا الرجل وعليها طاعتي..
(71)

المصاعب تتراكم على باسمة سعيد ، واحمد منصور يأتي باغلب تلك الصعاب ، لاتدري باسمة اهو قصد منه ام سوء تدبير ؟ يلومه الأصحاب كيف يمكن ان يتخلى عن المرأة التي احبته كل هذا الحب؟ كانت تظن انه يخلص لها كما هي تحفظ له حقوقه في حضوره والغياب تقول لها صديقتها :
- الرجال كلهم خائنون سيئون ، لاينفع معهم الاخلاص..
- ليس كلهم ، حرام ان نتهم الجميع بصفات البعض!
- أتعرفين ان احمد يخونك مع اية امرأة يجد عندها القبول؟
- لا ارى ذلك ، يمكن انني من شدة انشغالي بعملي وانهماكي بأشغال البيت ، جعلته يشعر انه وحيد مهمل!
- انك لم تقصري ، ماذا يمكن ان تفعلي ؟ وزوجك فقد عمله لأنه كان كثير الغياب؟ اتكل عليك ووجدك مجتهدة في عملك ، حريصة على نجاحك فأكثر من اهماله ، مما اثار استغراب من كان يعرفه قبل زواجه ، بعض الرجال لايطيقون نجاح زوجاتهم ، فيسببون لها المتاعب ، ويضعون المصاعب في طريقها ، كي تفشل في عملها ، ليدعوا ان المرأة من طبيعتها الفشل ، وحين يجدون الزوجة لاتبالي بما يبذلونه من جهود لافشال مساعيها ، وجعلها تفشل في العمل الذي كانت تتقنه قبل الزواج ، فيحزنون ، ويصيبهم التوتر ، ويكثرون التغيب عن عملهم ، وحين يعاقبون على التقصير في العمل بالاعفاء منه ، يعاقبون الزوجة الناجحة بخيانتها مع كل امرأة..
- لكني رغم فقدانه العمل ، لااشك به ،انه لا يخونني!
- لأنك امرأة وفية ، ومن الخطأ جدا ان نظن ان الناس مثلنا ، فان كنت تتصفين بالاخلاص ، فلا يعني هذا ان زوجك مخلص ايضا.
- وكيف يمكنك ان تتهميه بالخيانة ؟ ألا يمكن انه بريء منها؟
- عندي الدلائل ، وقد رغبت في البداية ان اخبيء الحقيقة عنك ، لئلا اسبب لك حزنا ، فانت صديقتي وعزيزة على نفسي، كما تعلمين ، زوجك عزيزتي يصادق كل النساء الا انت زوجته ، فهو بعيد عنك ، يسير متأبطا النساء اللاتي يقول انهن صديقاته ، تاركا اياك تكدحين من اجل الحصول على طعامكما وشرابكما ولباسكما .
- هذا من واجبي ، لأنه فقد عمله!
- ولماذا فقد عمله ؟ أليس بسبب تقصيره بالمحافظة على العمل وصيانته؟
- ربما بذل جهده ولم ينجح!
- لم يبذل! انه الان مسرور ، يجعلك تشقين للقيام بواجبه وواجب المرأة بوقت واحد!
وهو يتفسح مع النساء ، اية لعنة هذه ؟ لماذا تصمتين ؟
- وماذا يمكنني ان افعل؟
- ثوري! وهدديه ان واصل صداقاته مع النساء فانك سوف تهجرينه!
- لا أظن ان تهديدي سوف ينفعني ، طالبته بالطلاق فلم يوافق!
- انت تعرفينه اذن ! صديقتي العزيزة ، لماذا تستمر معاناتك؟
- لأننا في العراق لايمكن للمرأة ان تطالب بالطلاق ، هذا الحق بيد الرجل دائما ، واحمد لن يطلقني لأنني المعيلة والخادمة والقائمة بكل المهام!
- وهل كنت تعرفين كل تصرفاته؟ ورغم هذا تصمتين ؟
- نعم وقلبي يتمزق ، لأنني احببت رجلا بائسا ، أراني النجوم في عز الظهر ، وجعلني اشرب المر واتذوق العلقم ، ليس كلهم صديقتي العزيزة ، يوجد الحنون والشجاع ولكن احمد اراه الان يخلو من كل الصفات التي احببته من اجلها..
- هل تواصلين الحياة معه؟
- انتظر ان يتحسن..
- وكيف تأملين ذلك ؟
- يمكنني ان أصبر على كل شيء ، الا حرماني ان اكون اما..
- وهل هو لايحب الأطفال ؟.


- طالبته عددا من المرات بحقي بالامومة ، لكنه طالب بتأجيل الأمر
- ولماذا يريد التأجيل ؟
- يقول ان ظروفنا الاقتصادية لاتسمح بالانجاب في الوقت الحاضر..وعلينا ان ننتظر ريثما يجد هملا بديلا..
- وهل ستواصلين الصمت على حرمانك من حقك في الطفل؟
- لن أصمت ! سأغير كل شيء....


(72)
أخذت علاقتي بباسمة تسير في طريق مسدود، لم تعد الانسانة الهادئة التي تصبر على كل شيء، وبدأت تطالب ببعض الحقوق ، التي ما كنت أظن انها ستتجرأ على المطالبة بها ، ، ارادت ان نتساوى بالانفاق على متطلبات الأسرة، وانني يجب أن اجتهد للحصول على عمل جديد ، بدلا عن العمل الذي فقدته ، لم تر انه من واجب والديها ان يساعدا في تلبية حاجاتنا المالية:
- كيف تطالبين بالمساواة وانت ترفضين ان تساعدي اسرتي؟
- وهل استمر في المساعدة وانا قد تعبت ، منذ زواجنا وانا انفق على اسرتك..
- هل تعيرينني بفقر اسرتي يا امرأة؟
- ، لا أعيرك ، ولكنك لم تبحث عن عمل بديل..
- ماذا افعل ؟ سدت الأبواب في وجهي..
- الأبواب نحن نفتحها ، لكنك لم تحاول ، وبقيت معتمدا على عملي..
- وما الضير في ذلك ؟ وانت تدعين المساواة ؟
- وهل المساواة تعطيك حقا ان تستغلني ؟

- اصبري حتى يمكننني ان اعود الى عملي السابق ، فأنا احبه كما تعلمين ..
- جد عملا مناسبا.
- انفقي على اهلي كما كنت تفعلين..
- يمكن ان اتحمل ذلك ، ان وافقت على أن ننجب طفلا..
- انت تعرفين انني لااحب الأطفال..
- لكنني احبهم ، واريد ان اصبح اما..
- لماذا نأتي بطفل في وقتنا الصعب هذا؟
- ان لم توافق سوف اطالب بالطلاق..
- لا أحد يعطيك الحق بالطلاق الا ان وافقت انا..
- القاضي يمنحني الحق..
- اصبري قليلا ، وسوف ننجب الطفل الذي تحبين..
- متى ؟
- حين تتحسن الظروف.
- نحن من يحسن ظروفه بالعمل ، ابحث عن عمل ، وستكون ظروفنا كما نشاء..

(73)
يتأخر احمد منصور في العودة الى المنزل ، فتقلق عليه باسمة سعيد ، فيطول انتظارها ، وتصبح نهبا لأفكار شتى ، تأخذها يمينا وشمالا ، هل ذهب الى احد الأصدقاء ، او احد الأقرباء؟ ولماذا لم يخبرها ؟ كان عليه ان ينبئها بامر زيارته لأحد معارفه، وهي الان لاتعلم عن زوجها شيئا ، تراه غامضا جدا ، وتظن انه يخبيء عنها امورا عديدة ، لاتعلم كنهها ، وتود لو عرفت ، تحب ان تعلم اي رجل سعت للاقتران به بعد نضال شاق ، وكانت تأمل انه سوف يدخلها الجنة ، واذا بها تتقلب على نار الشك والقلق المتواصل ، الذي يجعلها دائمة الحيرة ، ماذا يمكنها ان تفعل امام هذا الظلام الدامس الذي يحيط بحياتها ، ويتركها عاجزة عن اخذ زمام المبادرة ، هي الانسانة القوية ، التي عرفها الناس بعزمها واجتهادها ، تجد نفسها مخلوقة حائرة ضعيفة ، هل صدق الذين زعموا ان المرأة في الشرق تصبح اداة بيد زوجها ، يوجهها الى اين يريد ، مهما كانت شخصيتها قوية ، وبرع اهلها في غرس صفات الشجاعة والنبل وكرم الاخلاق داخل نفسها ، المعارف كلهم اجمعوا ان باسمة سعيدة ، انسانة مثقفة تعرف كيف تدافع عن نفسها ، وانه ليس بمقدور احد ان يضع القيود حول حياتها ، دون ان تتمكن من ازالتها ، وانها قد جربت الكثير من المصاعب ، استطاعت ان تجتازها ، وان تزيلها من حياتها ، لتتمتع بالحرية المسؤولة التي تسعى اليها ، ولكنها اليوم ترى انها قد فشلت في ايقاف نزيف الصعوبات التي تكتم على انفاسها ، وتتركها خائرة القوى ، مبددة العزيمة ، تدرك انها احبت احمد منصور بكل ما تحمل في قلبها من مشاعر وفي عقلها من افكار ، ولكن احمد هذا قد بدد آمالها في الحب والحرية ، وانه لايختلف عن الملايين من الرجال ، الذين يدعون فكرا تقدميا ، لكنهم في الحقيقة اشد رجعية من اجدادهم ، واكثر اصرارا على تكبيل المرأة ، وسلبها طاقتها وقدرتها على مقاومة ما يريدون..
يطول تأخر احمد منصور ولا تدري باسمة سعيد ما الذي يجب ان تفعله ؟ هل يمكن ان زوجها قد أصيب بمكروه ، او تعرض لحادث سيء ، هل تظل صامتة تنتظر ان يعود؟ ام يبادر بعمل ينهي متاعبها هذه الليلة ، ويقضي على تساؤلاتها ، وينهي ما تشعر به من آلام ؟ لكن ماذا تفعل؟ وهو لم يخبرها بشيء ؟ هل تتصل هاتفيا ؟ وبمن يمكنها ان تتصل ؟ اتصلت بزوجها مرارا دون ان تظفر بجواب! هل تتصل باحد أصدقائه المقربين ؟ انها واثقة انه سوف يثور غاضبا ان اتصلت بأحد ! ولكنها حيرى هذه الليلة..
تحزم باسمة سعيد امرها ، وتقرر ان تذهب الى شقة اخ زوجها العازب، الذي اعتاد زوجها ان يذهب اليه شاكيا من زواجه التعيس كما يحلو له دائما ان يصف الاقتران بها ،
-كل المشاكل تأتي من زوجتك التي تقول انها مثقفة!
- ليس كلها .. بعض متاعبي منها!
- -ألم تخبرني انها فضولية ، تبحث في اوراقك عما يؤيد شكوكك ؟
- تبحث احيانا ، كما ابحث عما يريبني دائما..
- ألم انصحك ان تقتدي بي ؟ فأنا لا أثق بالنساء !
سمعت باسمة حديث الاخوين صدفة ، ووجدت زوجها يقلد أخاه في كل الأمور ..
سوف تذهب الى شقة الأخ ، أكبر الاحتمالات ان زوجها هناك..
تصل الشقة وتدق الجرس ، تنظر من العين السحرية ، وترى ثمة اشخاص قد اغلقوا مجال الرؤية ، بعد فترة يفتح الباب ، تسلم على اخ زوجها وتدخل ، ترى المائدة منصوبة، وعليها اربعة أقداح فيها شراب نبيذ احمر ، وبجنبها صحون فيها المكسرات واللبلبي والخس ، يخرج زوجها من احد الغرف وهو يرتدي الشورت القصير ، الذي تعرفه عائدا للأخ...
يرى الزوج علامات الاستياء واضحة على محيا زوجته ، فيبادرها صارخا:
- لماذا لحقت بي الى هنا ؟ كل الوقت وانت تشكين بي؟

(74)
طالبتني ان تكون اما ، رغم عدم رغبتي بانجاب تعيس جديد ، يضاف الى جيش المأزومين الفاشلين ، وهددت انها سوف تلجأ للقضاء في حالة عدم موافقتي على طلبها ، اخبرتها انني موافق لئلا تزداد نقمتها علي ÷، فأنا رغم عدم حبي لها لا ارغب ان تغادر حياتي وتطلب الطلاق ، لكنها كالعادة أخذت تقلق علي ذلك القلق المرضي ، عرفت عنها انها لاتطيق فراقي ، ويصيبها الخوف ان تأخرت في عودتي الى المنزل ، تدرك ان حياتنا ليست آمنة / واننا مهددون ، بالتوقيف والتعقب وتأويل الكلمات البريئة التي نتفوه بها ، لم اكن اعلم انها سوف تتبعني أينما ذهبت وان داء الشك القاتل يستبد بها ، ما ان ذهبت الى منزل شقيقي العازب ، والمعروف عنه بشدة اللهو حتى اتت الى المنزل ، كانت هناك امرأتان واخي وانا ، وضع اخي كؤوس النبيذ على المائدة ، صنعت الفتاتان الجاجيك والسلطات وكان اخي قد اشترى اللبلبي والكرزات ، بعد ان لعبت الخمرة بما تبقى من العقول ، دحل اخي مع اجمل الفتاتين الى الغرفة الكبيرة في منزله ، بقيت وحدي مع الفتاة الثانية ، التي لاتتمتع بأي مسحة من الجمال وطلبت مني:
- ونحن ماذا نفعل؟
- ماتحبين...
- لنذهب الى الغرفة الثانية في المنزل!
- لنذهب..
- لم اجرب الحب معك..
- وهل جربته مع الجميع ؟
- كيف الجميع ؟
- لااعني ما تقصدين .. آسف حقا..
دخلت الغرفة معها ، وهي من قام بكل شيء ، لم تسعدني لمساتها ، ثم سمعنا دقات متكررة على الباب ، ذهب اخي لرؤية من يكون الطارق ، وعاد الي مسرعا:
- زوجتك..
ارتدى ملابسه بسرعة ، و فتح الباب ، شاهدت باسمة الكؤوس الأربعة على المائدة ، ونظرت باستنكار الى صحون المزة ، قرأ اخي ما يجول بخاطرها ، ثم خرجت انا من الغرفة مرتديا شورت اخي ، وطلبت من مرافقتي ان تظل في الغرفة والا تخرج منها ، كنت اعرف ان باسمة لن تطيل بقاءها في المنزل، وسوف تعود الى منزلنا وهي متوترة ، فقد تأكد لها بالبرهان الساطع انني مثل اخي تماما زير نساء ، حصل ما توقعت وعادت باسمة ، ولم اعد انا:
- هذه المرأة بحاجة الى تأديب!
- لماذا ؟
- كيف سمحت لها نفسها ان تتعقب خطواتك؟ هل كانت تتوقع ان يرفض رجل نداء امرأة حارة الدماء مثل حسناء ،وبخها على تصرفها الطائش ، ونفذت نصيحة اخي وعدت غاضبا الى المنزل:
- لماذا تشكين بي ؟ هل تبعتك يوما ؟ وانا لا أعرف اين تذهبين كل يوم ؟
(75)

شرحت باسمة سعيد لطالباتها حقوق المرأة ، وبينت ان النساء يجب ان يناضلن طويلا من اجل الوصول الى تلك الحقوق ، التي نجد طريقها شائكا ، تعترضه الصعوبات ، وعلينا ان نجتاز تلك المصاعب ، كي ننعم بالدنيا ونحقق السعادة..
سألت بعض الطالبات:
- كيف نحقق ما نطمح اليه ، ونحن وحيدات بلا معين؟
- لسنا وحيدات ! الرجل بجانب قضيتنا العادلة ، وقف معنا الأب والأخ والحبيب والزوج ، واستطعنا ان نحقق بعض ما نتطلع اليه..
- لا أظن اننا نجحنا!
- لابد من التفاؤل ، الذي يراه علماء الاجتماع موصلا الى نصف الطريق!
- ماذا تقصدين أستاذة باسمة ؟
- أعني ان المناضلين من أجل ما يرونه حقا لهم ، ينبغي ان يكونوا متفائلين ، لأن التشاؤم لايفضي الى حل..
- اعرف انك ناضلت طويلا استاذتي الغالية ، هل نجحت في تحقيق مراميك؟
- نجحت الكثيرات في الوصول الى احلامهن ..
- وأنت ؟
- ربما انا طموحة اكثر من الأخريات!
- اللاتي لم يعملن شيئا نراهن في سعادة كبيرة!
- ليس دائما!
- مجتمعنا هذا يفضل الخانعات ، ويستجيب لارادة الخاملات!
- أراكن اليوم يائسات ! لماذا يا حبيباتي؟
- لانريد ان نخبرك ! لئلا نتسبب في اثارة احزانك!
- ماذا جرى ؟ كلامكن اليوم غامض!
- نريد ان نسألك استاذتنا العزيزة : هل تحقق شيئا من آمالك في الحب والحرية والعدالة؟
- هذه الحقوق تحتاج الى قوانين تدافع عنها ، وتعمل على اثباتها!
- لانسألك عن الحرية والعدالة اللتين تتحققان بالقانون!
- عن أي شيء تسألنني؟
- عن الحب والمساواة في المعاملة !
- ماذا تعنين عزيزتي أحلام؟
- هل يمكن ان تشعري ان حقوقك في الحب قد تحققت ، وزوجك كل يوم يسير مع امرأة؟ نراه يتمشى مع النساء وايديهما متشابكة ، وأنت منهمكة في اشغال المنزل ، وتحسين دخل الأسرة؟ هل توصلت الى حقوقك ، لتناضلي من اجل حقوق النساء؟
- ربما حالتنا ليست عامة ، هناك الكثير من الأسر السعيدة ، ينتشر الحب بين الزوجين ، ويقومان معا بالانفاق على الأولاد ويتعاونان بالأشغال المنزلية. لاتنظرن الى حالتي فقط ، ادرسن قصص المتزوجين ، واصدرن احكامكن ..
- هل كنت تعلمين استاذتنا ؟
- طبيعي ان الزوجة تدرك بتغير عواطف زوجها نحوها .
- مع الأسف .. تشقين في الحياة ، وهو يلعب ويتسلى ، ضاربا مشاعرك بعرض الحائط
- لست وحدي التي تعاني ، هناك من يعشن مثلي ، محرومات من الحقوق ، مع زوج لايبالي بما يقمن به من تضحيات.
- وكيف تتحملين هذه المعاناة استاذتنا الحبيبة؟
- انتظر ان تتحسن تصرفاته بعد فترة!
يبتدعها زوجها ليتمتع مع النساء الكثيرات ، وكثيرا ما تسأل نفسها ، دون ان تتوصل للجواب :
- لماذا يصر احمد منصور على اساءة معاملتي وهو يراني بمثل هذا النكران للذات ؟ وهل انا ضعيفة جدا ، لاأستطيع ان أضع حدا لظلمه؟
(76)
كل الكلام الخيالي الذي نسمعه عن المساواة تكرره باسمة امام طالباتها المراهقات ، من الرجل الذي يتنكر لرجولته في غسل الصحون وتنظيف البلاط ؟ من الرجل الذي يدنس نفسه في تنظيف ا لملابس وكيها ، ومن من الرجال يسمح ان يعود الى منزله ويجد ان الطعام لم ينضج بعد ، وان كؤوس الشاي لم تغسل منذ الصباح ، وان ادوات الحلاقة التي يستعملها بقيت في مكانها ولم تنظف ؟ من الرجل الذي يرضى ان يحرم من السهر مع أصدقائه ؟ من الرجل الذي يحرص على رضا زوجته ؟ ماذا يمكن أن تفعل الزوجة ان وجدت زوجها ليس مهتما بها ؟ لتضرب رأسها بالحائط وتخرس . ماذا افعل انا ان كانت زوجتي مدرسة عليها ان تصحح اوراق طالباتها ، وان تضع الأسئلة للامتحانات الشهرية والفصلية ونصف العام ونهاية العام ، ماذا افعل ان تم فصلي من العمل ، هي لاتصدق ان الفصل تم لأسباب سياسية رغم اني ذكرت لها ذلك ، هي محظوظة انها ارتبطت برجل مثلي ، لايحاسبها كثيرا ان رفضت مشاركتي الفراش ، تقول لابد من ا لمداعبة قبل العمل ، وانا زهقت من كلامها المنمق الذي تردده من غير مناسبة ، انا مظلوم يا ناس ، لماذا لايحق للرجل ان يشكو وانا التعيس الذي تزوج مدرسة تعلم طالباتها العصيان والثورة ضد الرجال ، اي امرأة شاء سوء حظي ان ارتبط بها ؟ معها مصرف البيت وهي تشكو انها لم تستطع ان تشتري براتبها ما تحب ان تهيئه لوجباتنا الثلاثة ، نحن اثنان فقط ، احيانا يزورنا اخي مع احدى النساء ، فتكون الطامة الكبرى وترعد الدنيا وتزبد ، وكأنني انا من اتيت بالنساء الى منزلها ، أليس من حقي ان يزورنا اخي مع المرأة التي يريد :
- زوجتك متسلطة ، من حسن حظي انني لم اتزوج!
- انها متعبة فقط..
- وهل تضع تعبها على اكتافنا؟ ما شأننا نحن؟
- هي تتعب بالعمل ..
- السبب انك لست رجلا ، لتريها العين الحمراء..

(77)

تستبد الحيرة بباسمة سعيد ، ويسلب راحتها القلق، ايمكن ان يكون التباين بين حقيقة الانسان وبين ما يظهره للناس بهذه القوة ، هل يتظاهر احمد منصور بما ليس فيه ، ام انها طبيعة اي منا ، يظهر ما يراه جميلا ، دون ان يكون بمقدوره ان يتمتع به ، يثيرها العجب مما يقوم به للحصول على اعجاب النساء ، وتخلو حياتهما المشتركة من كل جميل ، تسمع عبارات الاستحسان تقولها سيدات محترمات لزوج لايعرف حقوق زوجته ، ولا يسمح لها بالتمتع بالجمال ، يحصي عليها حركاتها ، ويدعي انه مناصر لحقوق المرأة ، هل يجدها امرأة حقا ، ام ان عفله يجردها من صفات الانوثة التي يراها في كل النساء ، الا باسمة سعيد ، التي تنتظر اوبته في كل مساء ، لتسمع منه كلمة واحدة ، تحثها على مواصلة الحياة مع امريء تزوجته لأنها وثقت بحبه لها ، ثم اكتشفت ان قلبه خال من صفات الحب والاعجاب ، يطول سهرها وانتظارها لعودته ، لكنه يرجع مخمورا ، وقد أسرف في الشراب ، فيفسد عليها ليلتها ، ويجعلها تتمنى الا تكون قد عرفته ، او وقعت في حبائله ، يمدحه جميع معارفه واصدقائه من الجنسين ، ويسبغون عليه اجمل الصفات ، التي لاتراها ، وهي التي تحبه ، كيف وقعت في حبه ؟ وكيف ظنت انه يبادلها عاطفتها ؟ كان ذلك سرابا رافقها طول الوقت..
تستمع باسمة الى اقوال اصدقائه :
- احمد رجل كامل ، يتمتع بكل ما تحبه المرأة من صفات !
- انه رجل رائع لكنك لاتعرفين قدره !
- طبيعي ان يعرف الرجل نساء عديدات فهل تريدين ان يكون امرأة؟
- انت تظلمين الرجل الجميل معك ! لماذا اقدمت على الزواج منه ؟
- عشرات النساء يرغبن بالارتباط بأحمد وانت لاتعرفين شمائله!
- ان كنت لاتحبينه ، ليعد الي ، طوال عمري وانا متيمة بوسامته..
- انت تطلبين صفات ليست موجودة ! اتقي الله ولا تكثري الشكوى!
تقرر باسمة سعيد الا تشكو بعد اليوم ، وان تظهر السعادة ، ولا تجعل علامات الحزن تبدو عليها ، ترتدي ملابسها الجميلة ، وترسم ابتسامة السعادة على محياها .ز
يطول انتظارها ، ولا عودة للزوج الغائب ، وحين يقترب الفجر يرجع وقد انهكه الشراب:
-انت حجرة ثقيلة في طريق سعادتي!
تلجم المفاجأة باسمة سعيد ، ويصيبها الخرس ، وتقع على الأرض ، تسمع اشخاص يتحدثون وصوته تسمعه بوضوح:
- لم اقل لها شيئا ووقعت على الأرض..كنت اظن انها امرأة ، واذا بها مخلوقة من قش

(78)

حدثت باسمة سعيد صديقتها اسماء عن معاناتها وعن ارغامها على ان تقول ما لن تعتقد بصحته ، وان من كانت تظن انه حبيبها يجعلها تصرح امام الناس بامور ليست حقيقية ، واصلت باسمة حديثها عن الألم المكبوت: وكيف تحدثت للحاضرين في جمعية الدفاع عن حقوق النساء
يسرني سيداتي ان أقص عليكن حكايتي ، رغم انني لا أحب إلقاء المحاضرات ولا أحبذ قولها ولكني مغلوبة على أمري أنفذ مشيئة الآخرين وامتثل لأوامرهم
كلفت هذا اليوم بهذا الواجب ، ساعدنني كيف ابدأ ، حسنا امرني ان القي على مسامعكن تجربتي الطويلة والدروس التي استخلصتها طيلة سنين عمري السعيدة ، صه ، لقد ذهب ، لنتكلم بصراحة ، طلب مني ان أتحدث عن تجربتي الخاصة وعن المساواة التي نعمت بظلها ، ولقد ابتعد الان ...... وهذه الجلسة نسائية ، سأكون صريحة معكن وأتحدث بلا أكاذيب أو اختلا قات وعندما ترينه مقبلا اخبرنني كي اخذ حذري وأعود إلى حديثي المرسوم والمقرر ، بلا مساواة ولا بطيخ في مجتمعاتنا العربية لا تجعلن صوت المكر يفون عاليا ، فانا لا أطيق إسماع كلماتي لمن كان خارج هذه القاعة ، انتن فقط من أزمع محادثتهن بأمري
هل ذهب ؟ أصدقنني القول ، لم يعد في طاقتي احتمال الصراخ المستمر والزعيق ، أريد ان أحيا بسلام ، هل جربت إحداكن المساواة ؟ هل عاملها زوجها معاملة الند للند ؟ أنت يا سيدتي ؟ لعلك قد تزوجت حديثا ولم تري شيئا بعد من الدنيا ، انا كنت مثلك في مستهل زواجي ، حيث أجنحة الحب ترفرف علينا ، ورحيق الخمرة يسكرنا ، في ذلك الزمن السحيق حيث كنا عاشقين ، ارفعي صوتك ، لم اسمع ما تريدين قوله ، صمت من فضلكن ، ماذا هل تجدن في حديثي تناقضا ؟
اسمع أصوات خطوات تقترب ، لأخفض من صوتي ، لا أريد لأحد أن يسمعني ، فيساء فهمي ، والآن سأبدأ :
يسرني سيداتي آنساتي ..ان أقص عليكن حكايتي ، انا الزوجة والأم التي مضى على زواجها ثلاثة عقود كاملة ، لم يرتفع خلال هذه الفترة الطويلة صوت لي ، لم أتذمر ، لم أشك من سوء طالعي ، او أندب تعثر حظي ، قضيت هذه الأعوام وأنا شبه راضية ، وان لم أكن سعيدة ، فلماذا أشكو ؟ وماذا يصنع لي التذمر ، هل يغير إظهار الألم شيئا من واقع الحال ، أليس من المحال تحسين الأحوال ؟ هل تسألنني كيف استطعت التغلب على مصاعبي ؟ وما هي الطرق التي سلكتها ؟ لن أكون قدوة ، لكن ، آنساتي ، لكل جيل قوانينه ، كنت هادئة دوما ابتسم بوجه العاصفة واخفض لها رأسي وجسدي ،، وحتى روحي ، حتى تمر بسلام ، لم أغضب ، ولم الغضب ؟ لاشيء يغير المكتوب ، حسنا ، غضبت في البداية وكنت اشعر بضياع عمري ، وان حبي قد تبدد ، وكنت أسال نفسي أحيانا كيف استطاع برعونته أن يئد إحساسي بالحب نحوه ، لم يعد يسمعني الكلمات الحلوة التي ترغب بها روحي وكان يعاملني بغلظة أتساءل أحيانا من أين أتى بها ، وحين أحاول ان اعبر عن حبي ، يصرخ بي هازئا ، وبعد أن أحبني وبادلته عواطفه ، وتزوجنا ، ومضت فترة بسيطة على الزواج ، اخذ يحب كل النساء ويظهر لهن المودة ، يقدم لهن الأمنيات والقبلات والهدايا الجميلة في أعياد ميلادهن ، ويأخذ ثمن الهدايا من نقودي ، وأنا أحيا منسية ، لم يتذكر عيد ميلادي ثم أمسى يسمعني القول أنني قد كبرت على مثل هذه الاحتفالات مع أننا في عمر واحد وأبدو أنا اصغر منه أحيانا إذا ما اهتممت بنفسي ،لم يعد يراني امرأته ، ومن أكون ؟ صه ، سكوت من فضلكن ، المراة كالوردة ، تذبل ان لم يتم ارواؤها ، وقد ذبلت انا وانتهى أمري وأصبحت أرى العالم اسود بشع السواد مظلما جهنميا ، والحب شجرة باسقة كثيفة الأغصان ، وارفة الظلال ، تسقط أغصانها ، وتذبل أوراقها وتتساقط مصفرة ، تذروها الرياح ، ان نسي ارواؤها ، في غمرة الإخفاقات التي نعيشها ، كنت أسال نفسي وماذا جنيت حتى يعاملني هكذا ولم أذنب ؟ بقيت اطرح هذا السؤال فترة طويلة من الوقت ، حتى أدركت انه لا جدوى من الأسئلة ،، وأنني أضحيت أتنفس برئة الآخرين وارى بعيونهم ، هو القدر ، جعلني أبدو هادئة ساكنة ، وداخلي يغلي كالمرجل، أكون أحيانا صماء بكماء وحتى عمياء ،حلمت مرارا برجل يحبني ويضمني بحرارة إليه ويقبلني ككل الرجال في العالم ، ولكن هل كانت أحلامي اكبر من طاقتي ؟ ، لا ادري ، كل الذي اعلمه انه لاشيء غير الحب يبعث الأمل في النفوس ،، ويجعلنا نناضل ونجاهد ونشعر أننا أقوياء نقهر كل الشرور ونتغلب عليها ، وأعيش الآن بلا حب ، حياتي باردة كالثلج ، أئن وأتوجع ولا يشعر احد بحالي ، أصبت بكل العلل التي يمكنكن تخيلها ، ماذا افعل وأنا انسانة تعبة ، منهكة ، ووحيدة اردد أغاني فريد الأطرش ولا يصفق لي السامعون ، مالي أراكن وقد علت ابتسامة الاستفهام على محياكن ؟ من منكن استطاعت ان تغبر اتجاه دفة السفينة ؟ هراء ما تدعيه بعضكن ، هل تزعمن المساواة ، أي مساواة تجدنها في العالم العربي ؟ أي القوانين تدعو الى المساواة في بلدانكن المنكوبة ؟ سأكمل لكن قصتي : كنت عاجزة عن النظر والنطق حتى تسير سفينتي بهدوء ، ولا تفقد الملاح قدرته على إدارة الدفة ، لا تنسين إخباري إذا ما لاح لكن احد الذكور ، هل أنا ضعيفة ؟ أبدا ، اشعر دوما أنني قوية ، المراة العربية تكتسب عادات زوجها وتتخلق بها بمرور الوقت ، وانتن كلكن هكذا أصبحتن مثل أزواجكن حين جمعكما عش الزوجية السعيد او التعيس لا ادري ، أرى ابتسامات ساخرة تعلو محياكن هل استحق الشفقة ؟ أبدا ، ما هذا ؟ أرى شخصا يشبهه يطل من بعيد ، له نفس الهيئة ، واثق من نفسه درجة الغرور ، وكأنه لا يقرب الخطأ ، أين هدوئي ؟ لقد تبدد ،،انه يرعبني ، ينسيني قوتي ، يسلبني اتزاني ، يقيدني ، ماذا تدعين يا سيدتي ؟أ تزعمين أنني لا أزال أحبه ، هراء . ما تقولونه هراء ، لماذا يفرض على المرأة ان تحب من نسيها ؟ ينبغي ان أتحلى بقوتي أن أجاهد ضعفي ؟ ولكن كيف ؟ لاحول لي ولا قوة ، يتظاهر بالهدوء ويسمعني كلماته المسمومة ، يلدغني ، سهامه تصيب مني مقتلا ، أجد نفسي مبتعدة عن الموضوع الرئيس ، وعلي ان أحدثكن عن تجربتي الناجحة وحياتي المترعة بالأفراح ، وعليكن أن تسمعنني ، وتقتدين بي ، ولكن انتبهن جيدا ، ربما يلوح علينا ، بابتسامته الصفراء ، ولكن ماذا جرى لي ؟ افقد اتزاني ، ويهجرني صبري ، ويحكمني جزعي ، الا أجد بينكن مهربا ؟ أحاطني الصمت بخيوطه العنكبوتية ، مكثت داخل شرنقتي ،، فأبديت موافقتي على ما يبديه وأنا أتلظى ، أبطن المعارضة ، ماذا حدث لي ؟لا أحب ارتفاع الأصوات ، ويرتبك ضغطي عند أدنى ارتفاع ، ابعدي جهاز التسجيل أيتها السيدة لا أود تسجيل حديثي ، إنني أغبطك على وضعك أيتها الآنسة ، علي ان ابدي أفكارا لا احملها وان أؤيد وجهات نظر لا اتفق معها ، انه هو ، يقترب ، ام انه الوهم ؟، أصدقنني القول ، عزيزاتي ، هل استطاعت إحداكن أن تغير من طباع احدهم ،، وان تساهم في تقدمه نحو الأمام ؟ خداع وأباطيل ما تدعونه ، هراء ما بقينا نسمعه طيلة عمرنا المهدود عن دعاوى المساواة ، تسألنني كيف أستطيع أن أحافظ على هدوئي وسكينة نفسي ،؟ لم يكن الأمر هينا منذ البداية ، حلمت مثلكن بالمساواة وبالتعاون لتذليل الصعاب وبالمناقشة الهادئة ،الهادفة إلى تقريب وجهات النظر ، ولكن رفع الصوت من جانب شريكي ومطالبته لي بان أغير وجهة نظري ، وأتخلى عن قناعاتي جعلني أتظاهر بالهدوء وكثرة التظاهر بالشيء تكسب الإنسان مهارات جديدة ، أصبح التظاهر حقيقة ؟ فلماذا أثور برأيكن ؟ وعلى من ؟ والسفينة كيف يمكنها أن تشق طريقها وسط الأمواج المتلاطمة ؟، ألا ترون ان علينا معشر النساء واجبات كثيرة ؟ وليس لدينا حقوق ، أنت أيتها المراة المتحدثة ، ارفعي صوتك ، واخبريني أي حقوق تزعمين ؟ أنها ثوب فضفاض ، إننا نتدهور ونعود الى الخلف ، هراء .. كل نضالا تكن ذهبت أدراج الرياح ، ماذا تسالين أيتها السيدة ؟ كيف يمكنني ، الاحتفاظ برباطة جأشي ؟ إليكن هذا ، استيقظ مبكرة وأجهز طعام الإفطار.... ماهو السؤال ؟ نعم كل صباح ، أوقظ الأولاد ، اخرج من المنزل بعد ان يكون كل شيء جاهزا : طعام الغداء ، ما يحتاجونه من نقود لكل النهار ، الملابس النظيفة المكوية ، الأرضية ممسوحة بعناية ،والصحون مغسولة، استمر واقفة طيلة ساعات عملي ، أعود ظهرا أتناول قليلا من اللقيمات لتحفظ ماكينتي من الاستمرار بالعمل ، أعود الى العمل مرة أخرى بعد ان اغسل الصحون مرات ومرات ، هل ابتعدت عن الموضوع ؟ قليلا كما أظن ، أعود منهكة في ساعة متأخرة ...ليس كثيرا ، الى ماذا يوجهكن الخيال ؟ فلاشيء في حياتي الا الأسرة والعمل ، هل تسألنني ومتى أقرا؟ حسنا عندما انتهي من كل أعمال النهار وما ان امسك الكتاب حتى يأخذ النعاس بتلابيبي ، ومتى اخرج للترفيه عن نفسي ؟ لقد قرأت هذا السؤال في نظراتكن ، عندما أجد الوقت مناسبا ، هل تجدنني آلة ؟ اجد نفسي هكذا ، انا الة صماء ، والآن اخبرنني بالله من منكن نحيا بصورة أفضل مني ؟ إني أتحدى ، إني أرى أشباحا قادمة من بعيد ، لقد أنهيت كلامي ، وحدثتكن حديثا صادقا ،كنت اطمح اليه وارجوه من صميم قلبي ، أرى ملامحه من النافذة انه يحاول الاستماع الى ما نقول ،انا لم أفه بما يثير الغضب ، سوف ارفع صوتي : إنها حياة حافلة بالنجاحات ، زاخرة بالأفراح ، عشتها مع توأم روحي ، أسمعتكن إياها ،وأرجو ان تستفدن من تجربتي
فنحن زوجان متعاونان في كل أمور الحياة ، ناجحان سعيدان .... وشريكي إنسان ذو قلب كبير ، عشت وإياه حياة ملأى بالسعادة ، مترعة بالنعيم ، أرجو ان تمنحكن الحياة ما منحتني وطابت ليلتكن والى اللقاء


(79)
تسأل أسماء صديقتها باسمة:
- الرجال يحبون المرأة الجريئة ، ألم نجربي ان تقومي باغرائه ، بدلا ان يقوم هو بدعوتك دائما؟
- جربت هذه وأخفقتُ...
- كيف؟
في ليلة ظلماء خلت من اي ضوء ، كنا مجموعة أصدقاء متزوجين ، دعينا الى منزل عائلة ، تحتفل بذكرى زواج ، اوى جميع المدعويين الى اسرتهم ، وبعضهم افترش الأرض .
- متى كان ذلك ؟..
- في الشهر الأول لزواجنا ، كان عنيفا لكنه احيانا يردد بعض كلمات الحب .
قمتُ لأطل على حبيبي الغائب الذي يحضر دائما الى فكري الذي كان متوقدا، وجدته وقد سيطر عليه سلطان الكرى ، وتناوشته حمى الاحلام الطوباوية ، التي ليس بمقدور الأصحاء ان يحلموا انه بقدرتهم الوصول الى تحقيقها يوما ، وجدته كعادته دائما يصرخ في نومه لرؤيته كوابيس لايعلم عنها احد شيئا ، اشتقتُ الى لمساته وقبلاته ، فاغرقته في قبلاتي ، حتى استفاق من نومه :
- باسمة ، عليك اللعنة توقظينني من اعز نومة وتسلبينني حريتي !
- اشتقتُ اليك !
- وهل اشتياقك هذا يجعلك تقترفين بحقي جرما ؟
- لم اقترف بحقك جرما ! اي جرم اقترفت يداي ؟
- ليست يداك ! بل فكرك السقيم ، كيف سولت لك نفسك الآثمة أن توقظيني من عز النوم ؟
- ولكنك زوجي !
- اريد ان اضع حدا لهذه العلاقة الكريهة ، هل هو سجن ابدي تريدين ان توثقي حياتي بحباله؟
- لكني احبك حقا !
- ولماذا تحبينني ؟ ولم ابادلك عاطفتك المشؤومة يوما !
- لكنك احببتني يوما !
- لم احبك ، انت توهمت الحب واتيت اليّ لتسجينيني!
- لم افعل لك شيئا هذه الليلة ليثار غضبك !
- هل تودين ان اوقظ النائمين كلهم لأحدثهم عن سوء اخلاقك !
- سوء اخلاقي ؟ لم أذنب ابدا!
- وهل يعترف الجاني يجريمته بسهولة ؟
- اية جريمة ؟ انت تحيرني ! كل هذه النعوت لأنني رغبت أن أبادلك الحب ؟
- لم تريدي مبادلتي بل احببت ان ترغميني!
- لم ارغمك ! فقط انني اشتقتُ اليك!
- كيف يكون الاشتياق عنوة سيدتي ؟ انت تسعين الى اغتصابي!
تستبد الحيرة بي ويسيطر التوتر على نفسي ، لا أعرف كيف أجيب عن اتهامات ظالمة توجه الي من انسان احببته أكثر من الناس كلهم ، هل أخطأت في حبه ؟ ام اقترفت ذنبا في الاعتراف بحبه ؟ طلبني زوجة ، فأردت ان يكون حبيبا ، وها هو يعلن انني غريبة عنه ، لم يحببني يوما ..



(80)

تتساءل باسمة سعيد عن السر الذي جعل الرجل الذي أحبته ينقلب كل هذا الانقلاب ، لماذا أبدى الحب والتفهم في بداية معرفتهما ، وطلب يدها ، وحين ابدت رغبتها بالحب تغيرت تصرفاته ، هل لأنه عرف انها وقعت في غرامه من اللحظة الأولى والرجال في بلادنا عادة لايريدون ان تبدي المرأة هيامها بهم ، ويفضلون ان يكونوا البادئين باعلان الحب ، هل تسرعت باسمة في بوحها ، اما كان الأجدر بها ان توافق على يده الممدودة اولا ، وتنتظر الوقت المناسب ككل بنات جنسها ، يرغبن بالرجل ويجعلنه يقد م على التصريح بالحب ، باسمة سعيد التقدمية والتي تناضل من اجل المساواة لم تشأ ان تلف وتدور وان تنتظر الحبيب حتى يعلن عن حبه ، فهذا الحبيب لم يكن يبالي بها ن وقد احب فتاة أخرى ، وحين رفضه أهلها تقدم لباسمة التي كان يدرك انها تعشقه ومنذ ان رأته عيناها، فهل الحب وهم كبير يداعب النفوس النبيلة والقلوب المرهفة الشعور ؟ ام انه حقيقة تريد اناسا أقوياء يجعلون العاطفة في حياتهم شجرة وارفة الظلال ، يستظلون بفيئها ، وهل باسمة سعيد كانت من الأقوياء ؟ ام انها تنهزم من الوهلة الأولى وتندب حظها العاثر الذي اوقعها بمثل هذه القصة الشائكة ، احمد منصور ليس قويا ليبقي ثابتا مع انسانة توهمت انها تشعر بالحب ن كما كانت تشعر بالسعادة الغامرة حين تربط صديقين من أصدقائها المخلصين وشائج اجمل علافة في الوجود ، وقد نجحت في جعل الكثيرين من اعز الأصدقاء يقدمون على الارتباط بعلاقة تصمد امام كل انواع الأشواك ؟ هل هي الارادة ام الحظ ما يكمن وراء فشلها الذريع في الوصول الى مبتغاها في بناء حياة سعيدة ، لماذا ترى نفسها وقد أعيتها حالة زوجها الذي تجده ضعيف الأعصاب ، يثور لأتفه الأسباب ، ويسب ويشتم لاعنا الساعة التي جمعتهما معا ، ماذا تفعل الان ؟ وهي ترى ان الحب في داخل نفسها المعذبة قد زال وظهرت مكان جذوره أشواك قاسية تدمي القلب والعقل معا ، هل تصمم على الطلاق ام تحاول ان تنقذ قصتها التي توهمت انها قابلة للتحقق ، اي مصير ينتظرها ، واية لعنة حلت ببابها ، فحولت كل الجمال الى طحالب ضارة تميت كل المخلوقات وتزرع بذور التعاسة والتوتر لتحول الخضرة الى بيداء قاحلة...

انتهت







































الجزء الخامس من رواية ( وأدتك قلبي)
(65)
تهييء باسمة سعيد نفسها لعودة زوجها ، تفتح آلة التسجيل على الاصوات التي يحبانها معا ، يأتي زوجها:
- امي تسلم عليك!
- كيف هي؟
- بخير ، حدثتها عن متاعب ليلتنا ، وقالت انها طبيعية ، لابد ان نشهدها في بداية الزواج ، وقالت انني احب زوجتي كثيرا ،لهذا لااريد ايلامها في ليلتنا الأولى ، وقالت ايضا ان باسمة تحبك وسوف تتحمل الألم كما تصبر النساء عادة على اوجاع ليلة الدخلة ، وانك سوف لن تصرخي في منتصف ليلتنا كما فعلت في بدايتها..
- هل تحب ان تسمع اغاني ام كلثوم ام نجاة الصغيرة؟
- اي اغنية تحبينها افضل سماعها ، قالت امي انني يجب ان اكون لطيفا معك ، وانك اذا صرخت لااجعل صراخك يتسبب في ايقاف عضوي من الانتصاب ، لاتصرخي حبيبتي ، وسوف تنتهي ليلتنا بخير كما نريدها ، هل تريدين كأسا من البيرة ام العرق؟
- كأسا من العرق.
- هاتفت امي قريبنا الدكتور منعم وحدثته عن متاعبنا ، فوصف لي حبوبا تمدني بالهدوء والطمأنينة في هذه الليلة ، وقال الدكتور منعم ، ان باسمة تحبك وسوف لن تصرخ ، وان الزوجات كلهن يصارعن الألم ولا يخبرن الزوج عنها ، حتى لايفقد القدرة على الانتصاب كما حصل لي..
- احبك احبك احبك..
- وانا احبك ياباسمة اكثر مما تتوقعين ، استرخي حبيبتي ، فالامر طبيعي ، لاتكوني متشنجة ، دعي الشراب يعمل على تهدئتك ، انسي كل شيء الا حبنا الكبير ، وليلتنا السعيدة القادمة..
يطأ احمد منصور باسمة ، تضع تحتها الفوطة البيضاء كما نصحتها صديقتها الطبيبة ،
تمسك بوجه احمد وتقبله قبلة طويلة ، وتوزع قبلاتها على الفم والعنق و العينين ، تجد ان الألم اصبح خفيفا بامكانها ان تتحمله ، يسألها احمد :
- هل انتهينا؟
- ماذا تقول انت؟
- اين الدم ؟
تقوم باسمة وتنظر الى الفوطة البيضاء ، ترى قطرات قليلة من الدم ، تضعها امام عيني احمد ، وهي تشعر ان خنجرا مسموما قد وجه الى كرامتها ، لاتقول شيئا ، وتتوجه الى الحمام لتغسل ما بين فخذيها ، وحين تعود تجد احمد نائما وسط السرير ، وهو يشخر بعنف،
ما زالت الآلام تشعرها ان سكينا حادة قطعت جسدها وجعلته أشلاء رمته بعيدا ، وان قلبها الظاميء لم يجد من يشبعه من سغب ، فهل ما كانت تشعر به من حب ظنته خالدا مجرد سراب؟
وهل يوجد حب حقيقي في هذه الدنيا ؟ ام اننا نتوهم لنجعل الحياة تبدو اكثر جمالا، قلبها ممزق ، قد وجهت اليه طعنة كبيرة ، تشعر انها فقدت شيئا ثمينا لايمكنها استرجاعه، قالت لها صديقتها نجلاء مرة :
- من الخير لاحدانا ان تتزوج رجلا متنورا عن طريق خطبة الأهل ، افضل من الاقتران برجل يدعي التقدمية ، قد ارتبطت معه بعلاقة حب قبل الزواج!
- لماذا يا نجلاء ؟
- لان الرجل المدعي لايصدق ان زوجته لم تعرف رجلا غيره ، مهما كانت براءتها أكيدة.. ويرى انه مادام يحب نساء كثيرات ، فان الفتاة تحب مثله ، ولا يصدق ان المرأة لاتهب رجلها قبلتها فقط الا ان كانت تحبه.
كيف يصدق احمد منصور ان باسمة لم تحب الا اياه ، وان جميع صداقاتها مع الرجال كانت علاقات اخوة؟ وأنى له ان يفهم وهو ليس امرأة تخشى ان ترتبط بعلاقة حب وتحافظ على رأي الحبيب بعفتها . كيف يمكن للمرأة ان تطالب بالمساواة وهي تخشى من علاقات الحب وتحاول وأدها منذ تباشير فجرها، هل يمكن لأي رجل ان يدرك كم تقاسي المرأة كي لايساء الى سمعتها من احد توهمت يوما انه يحبها ، واذا التوهم مجرد أضغاث أحلام .. انى لأحمد منصور ان يعرف ان باسمة لم يعرفها اي رجل ، وانها رغم قصص الحب التي حاولت قتلها في بداية انطلاقها لم تجرب القبلة ولا اللمسة ؟ كيف يمكن ان توجه طعنة نجلاء الى شرفها من رجل احبته كل العمر! ؟

(66)
قطرات قليلة من الدم كانت على الفوطة البيضاء ، حين تساءلت اين الدم ؟ اجابتني بأن وضعت فوطتها امامي ، اصابني الخرس ، لماذا تسيل منها قطرات قليلة ، ، بينما بعض النساء تنزف انهارا من الدماء ؟ لماذا هذا البخل ؟ ومن اين جاءت باسمة بالفوطة ؟ تساؤلي جعلها تتوتر ، رأيت ذلك على ملامحها ، وماذا أفعل انا ؟ انا الرجل الذي اهينت كرامته ؟ كيف لي هذه الثقة ما عدتُ اعرفُ شيئا ، وقد ظننتُ انني قد قطعت السمكة وذيلها ، واذا بي اصبح اليوم موضع هزء من المطالبات بالمساواة ، الا سحقا لكن ، تدعين بهتا انكن بريئات ! لم احب امرأة في حياتي ، الا نهلة التي اجدها موضع فخري واعتزازي ، هي تحبني لذاتي ، وليس لديها مطمح آخر ، لاتريد زواجا ، ولا ان تضع القيود حولي ، كما تفعل النساء حين يحببن . الا يدركن ان الزواج مقبرة الحب ، ذهبت باسمة لتغسل جسدها من تعدي صارخ وقع عليه من قبلي ، وانا كنت صريع الهواجس والشكوك ، هل الفنان المطرب الذي تعجب به باسمة ، هو من جنى محبتها ؟ لا ادري انا ، كلما كنت اسالها عن ماضيها تقسم انها بلا ماض ، من اين جاءتها هذه القوة ؟ كثيرون احبوا باسمة واعجبوا بها ، وغبطوني على محبتها المزعومة لي ، اما دروا انها وصلت لي ثيبا ملعوبا بها ، وانا الحريص على ان تأتيني الزوجة بكرا ، لماذا وقعتُ بارادتي بهذا اليم ؟ وكيف يمكن انقاذ نفسي منه ؟ انا من كنت اتوهم اتصافي بالذكاء والحنكة ، كيف وقعت بملء ارادتي بهذا المطب ؟ تعسا للنساء ولكل من يصدق بكلامهن المعسول ! وأكاذيبهن الفاحشة ، انا احمد منصور اعترف انني وقعت في الفخ المنصوب لي باصرار وترصد ، لماذا تنكر باسمة ماضيها ؟ أليس الأجدر بها ان تخبرني بالحقيقة ؟ الم تكن تدري انني سأقف الى جانبها حين اسمع قصصها العديدة عن أحبابها السابقين ، ألم اساعد شقيقاتي في قصص حبهن ، واقف معهن واقابل احبابهن وادعوهم الى منزلنا ؟ لماذا اخفت عني باسمة قصص غرامياتها ؟ وجعلني ذلك كثير الشكوك . لو ذكرت لي الحقيقة ما كنت اكذب ما تقوله ، اعتقد انه لايوجد امرأة عصرية بلا ماض ، كيف زعمت باسمة انها حرمت نفسها من احضان الحبيب ودفئه من اجل ان تذهب الى العريس بلا دنس ؟ كيف اصدق انا ؟ وهل يمكن للمرأة مهما كانت قوتها ان تئد عواطفها ورغبتها في دفء الرجل ، من اجل ماذا ؟ وتزعم انها فعلت ذلك كي تصون نفسها للزوج القادم ، وهل يمكن لأي زوج ان يكون بديلا عن الحبيب يا باسمة؟ سأحاول ان أكون رؤوفا بها ، فهي كريمة الخصال كما يدرك جميع من عرفوها ، ولن اكرر شكي بها ، وسأستمر على علاقتي بنهلة التي تمنحني السعادة والرضا من حياتي ، فانا لم احقق شيئا الا حبي لمعشوقتي نهلة الرائعة...


(67)

باسمة سعيد في اعلى درجات الفرح ، غُرست في قلبها شتلات السعادة ، واينعت في نفسها ثمار الحبور ، لم تكن تعلم ان الزواج سوف يجعلها بكل هذا السرور، وردتها الظامئة المتطلعة للوصال، تتغنى هذه الليالي بفرح غامر ، بعد ان سقاها الحبيب ، وانقذها من عطش ظنته دائميا ، تنتظر الساعات لأوبة احمد منصور ، وتقوم بكل الأعمال المنزلية ونفسها جذلى، تخرج الى العمل وهي تغني بأعذب الأصوات مترنمة ، واصفة سعادتها الجديدة التي لم تكن تخطر على البال ، قامت بكل الاعمال التي كانت تتوهم انها ستضيف اليها الفرح ، ولكن تعبها الشديد وارهاق نفسها وخذلان روحها ، بعد ان اعياها انتظار العرفان ، كان يخلق لها أسقاما للروح ، وأمراضا للفؤاد ، سمعت الكثيرات من صديقاتها يسبغن الأوصاف الجميلة على تلاقي الجسدين ، لكنها حلمت باتحاد الروحين اولا ، ليؤدي الى تلاحم الجسدين باروع الصلات ، لم تجد احمد منصور كما توقعته جميل النفس هاديء الطباع ، بل كان عنيفا سريع الغضب ، يتفوه بالكلمات النابية المعبرة عن ضيق النفس ، والتسرع في الرد قبل اتضاح القصد من الكلام ، تحملت كل الصفات الحادة ، بصبر لذيذ ، وهي تنتظر ساعة الرقاد ، تنتعش الوردة وتنتظر غيثا يهطل من حبيب جميل ، يتعانقان ، يتبادلان القبل ، يتلاحمان في عزف أخاذ ، تصاحبه الموسيقى من اجمل الألحان ،لكن الحبيب وآسفاه ضنين بالوصال ، لايريد ان تتكرر اللقاءات الثملة ويقول انها تسارع في الاتيان بالعجز قبل الأوان ، وان عليهما ان يقتصدا في أوقات الغرام ، وان تكون ساعات الحب مرتين في الشهر ، ليحافظا على صحتهما قبل الأفول ، وان الترحيب الذي تبديه معيب جدا:
- من علمك هذا؟ اجدك قد جربت الحب قبل الزواج!
- هل عدنا الى الاتهامات مرة اخرى؟
- لاارى انك بريئة كما تقولين!
- لم اجرب الحب ، انما كنت أشتهي الوصال ÷، ولقد خشيت ان اجربه ، ولو كنت اعلم انك ستتهمني لعشت قصة الحب ، كما تفعل الشجاعات من النساء!
- هل تعتبرين هذه الجرأة شجاعة؟
- حرمت نفسي من اجل ان يراني زوجي نظيفة من الخدوش ، ولكنك تتهمني!
- انك سريعة الاستجابة ، ما ان ألمسك حتى ارى الشهوة المستعرة في عينيك!
- وهل كنت تحب ان تقترن بامرأة باردة ؟
- لا أدري ، ربما الباردة افضل من شديدة الحرارة!
- وما العمل؟
- لا عمل الآن ، وقد يأتيك بالأخبار من لم تزودي!


(68)

أتساءل أحيانا هل باسمة بريئة كما تقول ؟ وهل ان بقاءها بعيدة عن الوصال جعلتها بهذه الرهافة ، ما ان اقترب منها حتى اجدها تشتعل ، كيف تعلمت ان تكون بمثل هذه الحرارة قرأت مرة ان حرمان المرأة من الحب قد يجعلها باردة لاتستجيب لمداعبات الحبيب ، وباسمة تدعي انها لم تعش قصة حب حقيقية ! كيف تأتى لها ان تكون بمثل هذه ؟ ، انها تجعلني ارى كل فنون الغرام ، وانا لااستطيع ان ابريء هذه المخلوقة التي وهبتني كل هذه العواطف ، ولم امنحها الا الشك والصدود ، اتعجب لحالة النساء ، كيف يصبرن على مثل هذه العلاقات ؟ وباسمة من اسرة نبيلة ، كانت موضع عنايتها ورعايتها منذ الطفولة ،وحتى شاء لها سوء طالعها ، ان تقترن بي ، احيانا افكر ، لماذا أسيء معاملة المرأة التي وهبتني نفسها ، هل لأنني نشأت في اسرة يحترمون فيها من يبرع في الصراخ ، ويرون ان طلباته اوامر ، يجب ان تطاع ، هذا انا ، اصرخ بلا سبب وأطالبها ان تغير نفسها وقناعاتها من اجلي ، انا الزاخر بالأخطاء ، المعدوم من الثقة ، الخالي من الجمال ! لماذا جعلت باسمة تجد التعاسة في يومها الأول معي ؟ لماذا لم احسن معاملتها ؟ وانا اجدها تشعل الشمعات العشر من اجل ارضائي ، سأدع هذه الأسئلة واعود الى سلوكي نفسه ، فهو يسعدني ، اليس من الثراء ان تجد زوجتك تهرح الى نيل رضاك عنها ؟ وانت تمعن في اذلالها وسلب راحتها النفسية ؟ لماذا انا هكذا ؟ هل انا سيء جدا ، بعضهم يقول انني طيب ، لكني لااحسن فن الكلام ، اتفوه بالكلمات القاسية ، رغبة في نشدان الهيبة ! أي هيبة أريد وأنا أصعب الحياة على رفيقتي فيها ؟ ولكن ما بالي اتهم نفسي ! وباسمة لن تحتج على سوء معاملتي لها ، ربما تجد ها دليلا على الرجولة التي لم تجربها قبلي، فلأمضي في حياتي ، غير وجل ، احب نهلة ، وتخدمني باسمة التي دللها اهلها ، وانا اسمعها قاسي الكلام ، واعيد عليها انني اشك بها ، وانها لم تكن عذراء ، لتكن مشيئتي المهيمنة ، ولتصبح باسمة امتي ، التي اصنع معها ما أشاء ، اهبها بعض اللحظات السعيدة ، واهجرها طوال العمر ، نهلة من اصبو الى رضاها عني ، فهي حبيبتي الوحيدة ، وباسمة تمهد لي طريق السعادة..

(69)

كما النهر الرقراق ينساب من بين يدي باسمة سعيد، تتبخر سويعات الهناء ، وتولي لحظات بهاء اليقين ، أكان حلما جميلا ، انتهى لحظة جفاها الكرى ، وحل بأيامها سهاد مرير ، لماذا تتراءى لها البهجة ، كسراب شمس قائظة ، يسيل فيها من القلوب تعب غزير ، لا طاقة لها باحتماله ، وتتوالى عليها كؤوس الهم والعناء ، تتجرعها حتى الثمالة ، ضاعت كل أحلامها ، وولت طيور الفرح، جارية من أرضها الجدباء ، لتحل في حقول أخرى تعرف ما معنى السرور ، لمَ يهجر المرء فيها غناء العنادل ؟، إلى عواء متواصل كئيب ، أية لعنة حلت ببابها ، فأحالت سنابل قمحها إلى عجاف ، تركتها الأيام ثكلى ، ودعت المسرات في دنيا بعيدة ، وحان لها أن ترتوي من ماء أجاج ...
لمَ تهزم الأيام وتعبس الليالي ؟ أليست الحياة مدا وجزرا ، وفرصا سانحة ، يحسن الفطن اقتناصها ، ليفوز باللذات ، وينأى عن الكآبة والضياع ؟ وأية لذات تحلم بها ، وكأس الحنظل يفتح فاه مرحبا ، شامتا بما حل بأرضها من جفاف .....يصدأ عندها الشعور ، وتهرب النعم ميممة وجهها، صوب شاطئ بعيد
بطاقة تهنئة بالعيد ، وامرأة تلوح بفخر، تتصاغر أمام فتنتها الحسناوات ، وصدر ناهد مرمري ، عاري ، وشعر ينسدل بتراخ فوق الكتفين ، وكلمات قليلة مخطوطة بقلم أنيق :
- اذكرني ، كلما لاحت لك صورتي ...
تؤخذ باسمة على حين غرة ، هل أهرق احدهم فوقها ماء ثلج ؟ لم تحسب أن هذه اللحظة آتية ، وان قناديل حياتها توشك على الانطفاء ، وهي ما زالت في شهور العرس الأولى ،ريح عاتية ، تتلاعب بها ، تكون ريشة في مهبها ، من هي المهيمنة على هذا المشهد المسرحي ؟، تصدر أوامرها ،فيسارع الملبّون بالطاعة ؟ وباسمة ؟ تتنكر القوى الفاعلة ، وكأنها نقطة في بحر عميق الغور ، تطول حيرتها لمَ كل هذا ؟ من تكون هذه ؟ وكيف مرت بحياتها المسهدة الكئيبة ؟ وكيف لا يخطر في بالها ، انه يمكن أن تقابل تضحياتها الجسام بالنكران المبين ، وتقابل أعمالها الناصعة بالهزء ؟ ولمَ تتحول أيامها إلى علقم ؟ وعلام تقابل حسناتها بالسيئات ، ولمَ لا يكون الجزاء من جنس العمل ، وماذا جنت باسمة لتتضاعف على أم رأسها اللعنات ، ويسقونها شراب الحنظل ؟وكانت المحسنة دائما..
تستبد بها التساؤلات ، أي بحر متلاطم الأمواج ، رموها فيه ، وابعدوا عنها قوارب النجاة ، لمن تتوجه طالبة الإحسان، وقد سدت السبل بوجها ؟
قد تكون الخاطئة ؟ لماذا سمحت للأفعى أن تكون قريبة منها ؟ ألم تخش من انقلابها وتلون أفعالها ؟
أتكون بطاقة يتيمة ، قد أثارت بها فيضان المخاوف هذا ، وأغرقتها في يم لا شاطئ له ، وكيف يمكن لها أن تعلم ؟ قد تكون العديد من البطاقات الواعدة ، تسيل أحلاما ، وتجعل الأرض تميد تحتها ؟ ، ألم يصاحبها أفعال تعزز لغتها المطمئنة ؟ من جعل الحسناء بهذه الثقة ، وزرع في نفسها جذور اليقين ؟
تتقلب في بحر من الجمر تتلاطم فيه الأمواج ، أفكارها تضطرب في لجة عميقة الغور، عساها تهتدي إلى قرار ، وكيف يمكن لمن لا يحسن السباحة ، أن يعرف طبيعة البحار ، وسر الأمواج المتصارعة فيها ، هل ضاع كل ما بنته ؟ وتحملت تبعات أعمالها طوال هذه الشهور، هل خطر في بالها انه مثلها ، قُدّ من وفاء ؟
لن تنهزم ، هل تمنحه هدية للراغبات، وهي ساغبة تنظر ، ومن يعيده إليها؟ ، تتفرج... لا حول لها ولا قوة ، هل ضاعت الآن الفرص ؟ أليس بإمكانها تدارك الأمر ، ما زالت الحكاية في بدايتها ، فلتناضل لاسترجاع حقها...
صديقتها السعيدة لديها ما ترنو إليه النفس ، مشاهد آسرة ،وأفلام أكيد مفعولها ، عن كيفية إعادة الهاربين من أعشاشهم الصغيرة ، تشاهد باسمة ما قدمته لها الصديقة ، وتقلد المشاهد ببراعة ، وكأنها بطلة القصة ، تبث الرغبة في نفس أرهقتها صروف الحياة ، تقبل رجلها وتناجيه وتناغيه ، ينهض الحبيب ملبيا ، وتتحقق لها رغبتها ، انتصرت على من يريد بها شرا ، ولكن الفرحة العارمة ما تلبث أن تنقلب وبالا ، لتحط على رأسها ، وهي في منتصف الطريق لتحقيق حلمها الطويل ، والانتصار على من سلب منها جمال الحياة ، واسترداد واهب النعيم ، وساقي اللذات :
- كيف تأتى لك المهارة بهذا الفن ؟ من علمك ؟ هل أكون أنا آخر من يعلم ؟ ..


( 70)
كيف وقعت البطاقة بيد باسمة؟ وكيف يمكن لها ان تقرأ البطاقات المرسلة لي؟ عليها ان تنظف مكتبي وتعتني بالأوراق المتراكمة عليه وعلى الأرض، دون ان تقرأ ما تتضمن تلك الأوراق ، كيف اتت لها الجرأة لتبحث عمن بعثت البطاقة ، وانا كنت اريدها عمياء ، في عملي توجد نساء عديدات ،أرتبط بصداقة معهن ، فهل من المعقول الا أستلم بطاقات الاعجاب منهن ؟ هل ارفض محبتهن ؟ هل يمكن هذا للرجل الناجح ، هل انا امرأة حتى اعتذر عن استلام بطاقات المحبة والاعجاب لأني مرتبطة بعقد زواج؟ لن يسمح الرجل بتقييد حريته ، وهو حر ان يفعل ما يشاء ، يحب من يريد من النساء ويرسل بطاقات الحب اليهن ، هل امنع النساء عن محبتي وانا الرجل المحبوب ذو الجاذبية كما تصفني النساء ، وباسمة محظوظة انها ارتبطت بي ، عليها ان تكون سعيدة ، فأنا زوجها بعقد شهد عليه اثنان ، والأخريات يبادلنني المحبة ، دون ان تتنتظر مني احداهن شيئا الا اللطف في المعاملة ، هل اتنكر لما يبدينه من مودة يحسدني عليها الأصدقاء ، كلهم يغبطونني على عدد النساء اللاتي يمحظنني حبا فريدا لاامل فيه ولا رجاء ، ويبعثن لي بطاقاتهن المعبرة عن شدة الاعجاب والوجد...
، وباسمة بعد ان رأت البطاقة غضبت ، كيف احب اخريات وانا زوجها ؟ وهل حجرت على حريتي بكونها زوجتي ؟ لم تكن تدري ان هناك عدد من البطاقات الأخرى اكثر جراة من تلك التي وقعت في يديها ، ونحن اتفقنا في بداية الزواج الا يفتش احدنا في أوراق الآخر :
- كيف سمحت لنفسك ان تبحثي في أوراقي ؟ انا لم اعرف ماذا تخبيء أوراقك من قصص لاتريدين افشاءها ! هل تعتبين على بطاقة استلمتها من احدى النساء ، وانا اجد الكثيرين من الرجال يعجبون بك ! هل عاتبتك يوما ، هل وجدت انني اخذت ابحث في ادراج مكتبك عما يتهمك من قصص الاعجاب التي تتلقينها من عدد من الرجال ، لك حياتك ولي حياتي ، وان كنا نعيش سوية في منزل مشترك! لا تفتشي في كتبي ودفاتري وانا ايضا لن ابحث عما يشينك في كتبك ، لسنا طفلين ، ونحن ناضجان ، يمكنك ان تحبي من تشائين ، ولا اجد في ذلك ما يخدش كرامتي..
سكتت باسمة ولم تعد الا اتهامي مرات اخر ، رغم اني ما تركت معاشرة النساء ، وبقيتُ استلم بطاقات الحب والاعجاب منهن ، وان كنت احب واحدة هي نهلة ، لكن غضب باسمة المفتعل جعلني اثور على تدخلها في شؤوني ، لتصمت هذه المرأة ولتترك عادة ان تدخل انفها فيما لايعنيها ، وانا أدرك انها لاتعرف رجلا غيري ، الا انني شئت الا تتوهم ان لها حجما اكبر من حقيقتها فانا الرجل وعليها طاعتي..
(71)

المصاعب تتراكم على باسمة سعيد ، واحمد منصور يأتي باغلب تلك الصعاب ، لاتدري باسمة اهو قصد منه ام سوء تدبير ؟ يلومه الأصحاب كيف يمكن ان يتخلى عن المرأة التي احبته كل هذا الحب؟ كانت تظن انه يخلص لها كما هي تحفظ له حقوقه في حضوره والغياب تقول لها صديقتها :
- الرجال كلهم خائنون سيئون ، لاينفع معهم الاخلاص..
- ليس كلهم ، حرام ان نتهم الجميع بصفات البعض!
- أتعرفين ان احمد يخونك مع اية امرأة يجد عندها القبول؟
- لا ارى ذلك ، يمكن انني من شدة انشغالي بعملي وانهماكي بأشغال البيت ، جعلته يشعر انه وحيد مهمل!
- انك لم تقصري ، ماذا يمكن ان تفعلي ؟ وزوجك فقد عمله لأنه كان كثير الغياب؟ اتكل عليك ووجدك مجتهدة في عملك ، حريصة على نجاحك فأكثر من اهماله ، مما اثار استغراب من كان يعرفه قبل زواجه ، بعض الرجال لايطيقون نجاح زوجاتهم ، فيسببون لها المتاعب ، ويضعون المصاعب في طريقها ، كي تفشل في عملها ، ليدعوا ان المرأة من طبيعتها الفشل ، وحين يجدون الزوجة لاتبالي بما يبذلونه من جهود لافشال مساعيها ، وجعلها تفشل في العمل الذي كانت تتقنه قبل الزواج ، فيحزنون ، ويصيبهم التوتر ، ويكثرون التغيب عن عملهم ، وحين يعاقبون على التقصير في العمل بالاعفاء منه ، يعاقبون الزوجة الناجحة بخيانتها مع كل امرأة..
- لكني رغم فقدانه العمل ، لااشك به ،انه لا يخونني!
- لأنك امرأة وفية ، ومن الخطأ جدا ان نظن ان الناس مثلنا ، فان كنت تتصفين بالاخلاص ، فلا يعني هذا ان زوجك مخلص ايضا.
- وكيف يمكنك ان تتهميه بالخيانة ؟ ألا يمكن انه بريء منها؟
- عندي الدلائل ، وقد رغبت في البداية ان اخبيء الحقيقة عنك ، لئلا اسبب لك حزنا ، فانت صديقتي وعزيزة على نفسي، كما تعلمين ، زوجك عزيزتي يصادق كل النساء الا انت زوجته ، فهو بعيد عنك ، يسير متأبطا النساء اللاتي يقول انهن صديقاته ، تاركا اياك تكدحين من اجل الحصول على طعامكما وشرابكما ولباسكما .
- هذا من واجبي ، لأنه فقد عمله!
- ولماذا فقد عمله ؟ أليس بسبب تقصيره بالمحافظة على العمل وصيانته؟
- ربما بذل جهده ولم ينجح!
- لم يبذل! انه الان مسرور ، يجعلك تشقين للقيام بواجبه وواجب المرأة بوقت واحد!
وهو يتفسح مع النساء ، اية لعنة هذه ؟ لماذا تصمتين ؟
- وماذا يمكنني ان افعل؟
- ثوري! وهدديه ان واصل صداقاته مع النساء فانك سوف تهجرينه!
- لا أظن ان تهديدي سوف ينفعني ، طالبته بالطلاق فلم يوافق!
- انت تعرفينه اذن ! صديقتي العزيزة ، لماذا تستمر معاناتك؟
- لأننا في العراق لايمكن للمرأة ان تطالب بالطلاق ، هذا الحق بيد الرجل دائما ، واحمد لن يطلقني لأنني المعيلة والخادمة والقائمة بكل المهام!
- وهل كنت تعرفين كل تصرفاته؟ ورغم هذا تصمتين ؟
- نعم وقلبي يتمزق ، لأنني احببت رجلا بائسا ، أراني النجوم في عز الظهر ، وجعلني اشرب المر واتذوق العلقم ، ليس كلهم صديقتي العزيزة ، يوجد الحنون والشجاع ولكن احمد اراه الان يخلو من كل الصفات التي احببته من اجلها..
- هل تواصلين الحياة معه؟
- انتظر ان يتحسن..
- وكيف تأملين ذلك ؟
- يمكنني ان أصبر على كل شيء ، الا حرماني ان اكون اما..
- وهل هو لايحب الأطفال ؟.


- طالبته عددا من المرات بحقي بالامومة ، لكنه طالب بتأجيل الأمر
- ولماذا يريد التأجيل ؟
- يقول ان ظروفنا الاقتصادية لاتسمح بالانجاب في الوقت الحاضر..وعلينا ان ننتظر ريثما يجد هملا بديلا..
- وهل ستواصلين الصمت على حرمانك من حقك في الطفل؟
- لن أصمت ! سأغير كل شيء....


(72)
أخذت علاقتي بباسمة تسير في طريق مسدود، لم تعد الانسانة الهادئة التي تصبر على كل شيء، وبدأت تطالب ببعض الحقوق ، التي ما كنت أظن انها ستتجرأ على المطالبة بها ، ، ارادت ان نتساوى بالانفاق على متطلبات الأسرة، وانني يجب أن اجتهد للحصول على عمل جديد ، بدلا عن العمل الذي فقدته ، لم تر انه من واجب والديها ان يساعدا في تلبية حاجاتنا المالية:
- كيف تطالبين بالمساواة وانت ترفضين ان تساعدي اسرتي؟
- وهل استمر في المساعدة وانا قد تعبت ، منذ زواجنا وانا انفق على اسرتك..
- هل تعيرينني بفقر اسرتي يا امرأة؟
- ، لا أعيرك ، ولكنك لم تبحث عن عمل بديل..
- ماذا افعل ؟ سدت الأبواب في وجهي..
- الأبواب نحن نفتحها ، لكنك لم تحاول ، وبقيت معتمدا على عملي..
- وما الضير في ذلك ؟ وانت تدعين المساواة ؟
- وهل المساواة تعطيك حقا ان تستغلني ؟

- اصبري حتى يمكننني ان اعود الى عملي السابق ، فأنا احبه كما تعلمين ..
- جد عملا مناسبا.
- انفقي على اهلي كما كنت تفعلين..
- يمكن ان اتحمل ذلك ، ان وافقت على أن ننجب طفلا..
- انت تعرفين انني لااحب الأطفال..
- لكنني احبهم ، واريد ان اصبح اما..
- لماذا نأتي بطفل في وقتنا الصعب هذا؟
- ان لم توافق سوف اطالب بالطلاق..
- لا أحد يعطيك الحق بالطلاق الا ان وافقت انا..
- القاضي يمنحني الحق..
- اصبري قليلا ، وسوف ننجب الطفل الذي تحبين..
- متى ؟
- حين تتحسن الظروف.
- نحن من يحسن ظروفه بالعمل ، ابحث عن عمل ، وستكون ظروفنا كما نشاء..

(73)
يتأخر احمد منصور في العودة الى المنزل ، فتقلق عليه باسمة سعيد ، فيطول انتظارها ، وتصبح نهبا لأفكار شتى ، تأخذها يمينا وشمالا ، هل ذهب الى احد الأصدقاء ، او احد الأقرباء؟ ولماذا لم يخبرها ؟ كان عليه ان ينبئها بامر زيارته لأحد معارفه، وهي الان لاتعلم عن زوجها شيئا ، تراه غامضا جدا ، وتظن انه يخبيء عنها امورا عديدة ، لاتعلم كنهها ، وتود لو عرفت ، تحب ان تعلم اي رجل سعت للاقتران به بعد نضال شاق ، وكانت تأمل انه سوف يدخلها الجنة ، واذا بها تتقلب على نار الشك والقلق المتواصل ، الذي يجعلها دائمة الحيرة ، ماذا يمكنها ان تفعل امام هذا الظلام الدامس الذي يحيط بحياتها ، ويتركها عاجزة عن اخذ زمام المبادرة ، هي الانسانة القوية ، التي عرفها الناس بعزمها واجتهادها ، تجد نفسها مخلوقة حائرة ضعيفة ، هل صدق الذين زعموا ان المرأة في الشرق تصبح اداة بيد زوجها ، يوجهها الى اين يريد ، مهما كانت شخصيتها قوية ، وبرع اهلها في غرس صفات الشجاعة والنبل وكرم الاخلاق داخل نفسها ، المعارف كلهم اجمعوا ان باسمة سعيدة ، انسانة مثقفة تعرف كيف تدافع عن نفسها ، وانه ليس بمقدور احد ان يضع القيود حول حياتها ، دون ان تتمكن من ازالتها ، وانها قد جربت الكثير من المصاعب ، استطاعت ان تجتازها ، وان تزيلها من حياتها ، لتتمتع بالحرية المسؤولة التي تسعى اليها ، ولكنها اليوم ترى انها قد فشلت في ايقاف نزيف الصعوبات التي تكتم على انفاسها ، وتتركها خائرة القوى ، مبددة العزيمة ، تدرك انها احبت احمد منصور بكل ما تحمل في قلبها من مشاعر وفي عقلها من افكار ، ولكن احمد هذا قد بدد آمالها في الحب والحرية ، وانه لايختلف عن الملايين من الرجال ، الذين يدعون فكرا تقدميا ، لكنهم في الحقيقة اشد رجعية من اجدادهم ، واكثر اصرارا على تكبيل المرأة ، وسلبها طاقتها وقدرتها على مقاومة ما يريدون..
يطول تأخر احمد منصور ولا تدري باسمة سعيد ما الذي يجب ان تفعله ؟ هل يمكن ان زوجها قد أصيب بمكروه ، او تعرض لحادث سيء ، هل تظل صامتة تنتظر ان يعود؟ ام يبادر بعمل ينهي متاعبها هذه الليلة ، ويقضي على تساؤلاتها ، وينهي ما تشعر به من آلام ؟ لكن ماذا تفعل؟ وهو لم يخبرها بشيء ؟ هل تتصل هاتفيا ؟ وبمن يمكنها ان تتصل ؟ اتصلت بزوجها مرارا دون ان تظفر بجواب! هل تتصل باحد أصدقائه المقربين ؟ انها واثقة انه سوف يثور غاضبا ان اتصلت بأحد ! ولكنها حيرى هذه الليلة..
تحزم باسمة سعيد امرها ، وتقرر ان تذهب الى شقة اخ زوجها العازب، الذي اعتاد زوجها ان يذهب اليه شاكيا من زواجه التعيس كما يحلو له دائما ان يصف الاقتران بها ،
-كل المشاكل تأتي من زوجتك التي تقول انها مثقفة!
- ليس كلها .. بعض متاعبي منها!
- -ألم تخبرني انها فضولية ، تبحث في اوراقك عما يؤيد شكوكك ؟
- تبحث احيانا ، كما ابحث عما يريبني دائما..
- ألم انصحك ان تقتدي بي ؟ فأنا لا أثق بالنساء !
سمعت باسمة حديث الاخوين صدفة ، ووجدت زوجها يقلد أخاه في كل الأمور ..
سوف تذهب الى شقة الأخ ، أكبر الاحتمالات ان زوجها هناك..
تصل الشقة وتدق الجرس ، تنظر من العين السحرية ، وترى ثمة اشخاص قد اغلقوا مجال الرؤية ، بعد فترة يفتح الباب ، تسلم على اخ زوجها وتدخل ، ترى المائدة منصوبة، وعليها اربعة أقداح فيها شراب نبيذ احمر ، وبجنبها صحون فيها المكسرات واللبلبي والخس ، يخرج زوجها من احد الغرف وهو يرتدي الشورت القصير ، الذي تعرفه عائدا للأخ...
يرى الزوج علامات الاستياء واضحة على محيا زوجته ، فيبادرها صارخا:
- لماذا لحقت بي الى هنا ؟ كل الوقت وانت تشكين بي؟

(74)
طالبتني ان تكون اما ، رغم عدم رغبتي بانجاب تعيس جديد ، يضاف الى جيش المأزومين الفاشلين ، وهددت انها سوف تلجأ للقضاء في حالة عدم موافقتي على طلبها ، اخبرتها انني موافق لئلا تزداد نقمتها علي ÷، فأنا رغم عدم حبي لها لا ارغب ان تغادر حياتي وتطلب الطلاق ، لكنها كالعادة أخذت تقلق علي ذلك القلق المرضي ، عرفت عنها انها لاتطيق فراقي ، ويصيبها الخوف ان تأخرت في عودتي الى المنزل ، تدرك ان حياتنا ليست آمنة / واننا مهددون ، بالتوقيف والتعقب وتأويل الكلمات البريئة التي نتفوه بها ، لم اكن اعلم انها سوف تتبعني أينما ذهبت وان داء الشك القاتل يستبد بها ، ما ان ذهبت الى منزل شقيقي العازب ، والمعروف عنه بشدة اللهو حتى اتت الى المنزل ، كانت هناك امرأتان واخي وانا ، وضع اخي كؤوس النبيذ على المائدة ، صنعت الفتاتان الجاجيك والسلطات وكان اخي قد اشترى اللبلبي والكرزات ، بعد ان لعبت الخمرة بما تبقى من العقول ، دحل اخي مع اجمل الفتاتين الى الغرفة الكبيرة في منزله ، بقيت وحدي مع الفتاة الثانية ، التي لاتتمتع بأي مسحة من الجمال وطلبت مني:
- ونحن ماذا نفعل؟
- ماتحبين...
- لنذهب الى الغرفة الثانية في المنزل!
- لنذهب..
- لم اجرب الحب معك..
- وهل جربته مع الجميع ؟
- كيف الجميع ؟
- لااعني ما تقصدين .. آسف حقا..
دخلت الغرفة معها ، وهي من قام بكل شيء ، لم تسعدني لمساتها ، ثم سمعنا دقات متكررة على الباب ، ذهب اخي لرؤية من يكون الطارق ، وعاد الي مسرعا:
- زوجتك..
ارتدى ملابسه بسرعة ، و فتح الباب ، شاهدت باسمة الكؤوس الأربعة على المائدة ، ونظرت باستنكار الى صحون المزة ، قرأ اخي ما يجول بخاطرها ، ثم خرجت انا من الغرفة مرتديا شورت اخي ، وطلبت من مرافقتي ان تظل في الغرفة والا تخرج منها ، كنت اعرف ان باسمة لن تطيل بقاءها في المنزل، وسوف تعود الى منزلنا وهي متوترة ، فقد تأكد لها بالبرهان الساطع انني مثل اخي تماما زير نساء ، حصل ما توقعت وعادت باسمة ، ولم اعد انا:
- هذه المرأة بحاجة الى تأديب!
- لماذا ؟
- كيف سمحت لها نفسها ان تتعقب خطواتك؟ هل كانت تتوقع ان يرفض رجل نداء امرأة حارة الدماء مثل حسناء ،وبخها على تصرفها الطائش ، ونفذت نصيحة اخي وعدت غاضبا الى المنزل:
- لماذا تشكين بي ؟ هل تبعتك يوما ؟ وانا لا أعرف اين تذهبين كل يوم ؟
(75)

شرحت باسمة سعيد لطالباتها حقوق المرأة ، وبينت ان النساء يجب ان يناضلن طويلا من اجل الوصول الى تلك الحقوق ، التي نجد طريقها شائكا ، تعترضه الصعوبات ، وعلينا ان نجتاز تلك المصاعب ، كي ننعم بالدنيا ونحقق السعادة..
سألت بعض الطالبات:
- كيف نحقق ما نطمح اليه ، ونحن وحيدات بلا معين؟
- لسنا وحيدات ! الرجل بجانب قضيتنا العادلة ، وقف معنا الأب والأخ والحبيب والزوج ، واستطعنا ان نحقق بعض ما نتطلع اليه..
- لا أظن اننا نجحنا!
- لابد من التفاؤل ، الذي يراه علماء الاجتماع موصلا الى نصف الطريق!
- ماذا تقصدين أستاذة باسمة ؟
- أعني ان المناضلين من أجل ما يرونه حقا لهم ، ينبغي ان يكونوا متفائلين ، لأن التشاؤم لايفضي الى حل..
- اعرف انك ناضلت طويلا استاذتي الغالية ، هل نجحت في تحقيق مراميك؟
- نجحت الكثيرات في الوصول الى احلامهن ..
- وأنت ؟
- ربما انا طموحة اكثر من الأخريات!
- اللاتي لم يعملن شيئا نراهن في سعادة كبيرة!
- ليس دائما!
- مجتمعنا هذا يفضل الخانعات ، ويستجيب لارادة الخاملات!
- أراكن اليوم يائسات ! لماذا يا حبيباتي؟
- لانريد ان نخبرك ! لئلا نتسبب في اثارة احزانك!
- ماذا جرى ؟ كلامكن اليوم غامض!
- نريد ان نسألك استاذتنا العزيزة : هل تحقق شيئا من آمالك في الحب والحرية والعدالة؟
- هذه الحقوق تحتاج الى قوانين تدافع عنها ، وتعمل على اثباتها!
- لانسألك عن الحرية والعدالة اللتين تتحققان بالقانون!
- عن أي شيء تسألنني؟
- عن الحب والمساواة في المعاملة !
- ماذا تعنين عزيزتي أحلام؟
- هل يمكن ان تشعري ان حقوقك في الحب قد تحققت ، وزوجك كل يوم يسير مع امرأة؟ نراه يتمشى مع النساء وايديهما متشابكة ، وأنت منهمكة في اشغال المنزل ، وتحسين دخل الأسرة؟ هل توصلت الى حقوقك ، لتناضلي من اجل حقوق النساء؟
- ربما حالتنا ليست عامة ، هناك الكثير من الأسر السعيدة ، ينتشر الحب بين الزوجين ، ويقومان معا بالانفاق على الأولاد ويتعاونان بالأشغال المنزلية. لاتنظرن الى حالتي فقط ، ادرسن قصص المتزوجين ، واصدرن احكامكن ..
- هل كنت تعلمين استاذتنا ؟
- طبيعي ان الزوجة تدرك بتغير عواطف زوجها نحوها .
- مع الأسف .. تشقين في الحياة ، وهو يلعب ويتسلى ، ضاربا مشاعرك بعرض الحائط
- لست وحدي التي تعاني ، هناك من يعشن مثلي ، محرومات من الحقوق ، مع زوج لايبالي بما يقمن به من تضحيات.
- وكيف تتحملين هذه المعاناة استاذتنا الحبيبة؟
- انتظر ان تتحسن تصرفاته بعد فترة!
يبتدعها زوجها ليتمتع مع النساء الكثيرات ، وكثيرا ما تسأل نفسها ، دون ان تتوصل للجواب :
- لماذا يصر احمد منصور على اساءة معاملتي وهو يراني بمثل هذا النكران للذات ؟ وهل انا ضعيفة جدا ، لاأستطيع ان أضع حدا لظلمه؟
(76)
كل الكلام الخيالي الذي نسمعه عن المساواة تكرره باسمة امام طالباتها المراهقات ، من الرجل الذي يتنكر لرجولته في غسل الصحون وتنظيف البلاط ؟ من الرجل الذي يدنس نفسه في تنظيف ا لملابس وكيها ، ومن من الرجال يسمح ان يعود الى منزله ويجد ان الطعام لم ينضج بعد ، وان كؤوس الشاي لم تغسل منذ الصباح ، وان ادوات الحلاقة التي يستعملها بقيت في مكانها ولم تنظف ؟ من الرجل الذي يرضى ان يحرم من السهر مع أصدقائه ؟ من الرجل الذي يحرص على رضا زوجته ؟ ماذا يمكن أن تفعل الزوجة ان وجدت زوجها ليس مهتما بها ؟ لتضرب رأسها بالحائط وتخرس . ماذا افعل انا ان كانت زوجتي مدرسة عليها ان تصحح اوراق طالباتها ، وان تضع الأسئلة للامتحانات الشهرية والفصلية ونصف العام ونهاية العام ، ماذا افعل ان تم فصلي من العمل ، هي لاتصدق ان الفصل تم لأسباب سياسية رغم اني ذكرت لها ذلك ، هي محظوظة انها ارتبطت برجل مثلي ، لايحاسبها كثيرا ان رفضت مشاركتي الفراش ، تقول لابد من ا لمداعبة قبل العمل ، وانا زهقت من كلامها المنمق الذي تردده من غير مناسبة ، انا مظلوم يا ناس ، لماذا لايحق للرجل ان يشكو وانا التعيس الذي تزوج مدرسة تعلم طالباتها العصيان والثورة ضد الرجال ، اي امرأة شاء سوء حظي ان ارتبط بها ؟ معها مصرف البيت وهي تشكو انها لم تستطع ان تشتري براتبها ما تحب ان تهيئه لوجباتنا الثلاثة ، نحن اثنان فقط ، احيانا يزورنا اخي مع احدى النساء ، فتكون الطامة الكبرى وترعد الدنيا وتزبد ، وكأنني انا من اتيت بالنساء الى منزلها ، أليس من حقي ان يزورنا اخي مع المرأة التي يريد :
- زوجتك متسلطة ، من حسن حظي انني لم اتزوج!
- انها متعبة فقط..
- وهل تضع تعبها على اكتافنا؟ ما شأننا نحن؟
- هي تتعب بالعمل ..
- السبب انك لست رجلا ، لتريها العين الحمراء..

(77)

تستبد الحيرة بباسمة سعيد ، ويسلب راحتها القلق، ايمكن ان يكون التباين بين حقيقة الانسان وبين ما يظهره للناس بهذه القوة ، هل يتظاهر احمد منصور بما ليس فيه ، ام انها طبيعة اي منا ، يظهر ما يراه جميلا ، دون ان يكون بمقدوره ان يتمتع به ، يثيرها العجب مما يقوم به للحصول على اعجاب النساء ، وتخلو حياتهما المشتركة من كل جميل ، تسمع عبارات الاستحسان تقولها سيدات محترمات لزوج لايعرف حقوق زوجته ، ولا يسمح لها بالتمتع بالجمال ، يحصي عليها حركاتها ، ويدعي انه مناصر لحقوق المرأة ، هل يجدها امرأة حقا ، ام ان عفله يجردها من صفات الانوثة التي يراها في كل النساء ، الا باسمة سعيد ، التي تنتظر اوبته في كل مساء ، لتسمع منه كلمة واحدة ، تحثها على مواصلة الحياة مع امريء تزوجته لأنها وثقت بحبه لها ، ثم اكتشفت ان قلبه خال من صفات الحب والاعجاب ، يطول سهرها وانتظارها لعودته ، لكنه يرجع مخمورا ، وقد أسرف في الشراب ، فيفسد عليها ليلتها ، ويجعلها تتمنى الا تكون قد عرفته ، او وقعت في حبائله ، يمدحه جميع معارفه واصدقائه من الجنسين ، ويسبغون عليه اجمل الصفات ، التي لاتراها ، وهي التي تحبه ، كيف وقعت في حبه ؟ وكيف ظنت انه يبادلها عاطفتها ؟ كان ذلك سرابا رافقها طول الوقت..
تستمع باسمة الى اقوال اصدقائه :
- احمد رجل كامل ، يتمتع بكل ما تحبه المرأة من صفات !
- انه رجل رائع لكنك لاتعرفين قدره !
- طبيعي ان يعرف الرجل نساء عديدات فهل تريدين ان يكون امرأة؟
- انت تظلمين الرجل الجميل معك ! لماذا اقدمت على الزواج منه ؟
- عشرات النساء يرغبن بالارتباط بأحمد وانت لاتعرفين شمائله!
- ان كنت لاتحبينه ، ليعد الي ، طوال عمري وانا متيمة بوسامته..
- انت تطلبين صفات ليست موجودة ! اتقي الله ولا تكثري الشكوى!
تقرر باسمة سعيد الا تشكو بعد اليوم ، وان تظهر السعادة ، ولا تجعل علامات الحزن تبدو عليها ، ترتدي ملابسها الجميلة ، وترسم ابتسامة السعادة على محياها .ز
يطول انتظارها ، ولا عودة للزوج الغائب ، وحين يقترب الفجر يرجع وقد انهكه الشراب:
-انت حجرة ثقيلة في طريق سعادتي!
تلجم المفاجأة باسمة سعيد ، ويصيبها الخرس ، وتقع على الأرض ، تسمع اشخاص يتحدثون وصوته تسمعه بوضوح:
- لم اقل لها شيئا ووقعت على الأرض..كنت اظن انها امرأة ، واذا بها مخلوقة من قش

(78)

حدثت باسمة سعيد صديقتها اسماء عن معاناتها وعن ارغامها على ان تقول ما لن تعتقد بصحته ، وان من كانت تظن انه حبيبها يجعلها تصرح امام الناس بامور ليست حقيقية ، واصلت باسمة حديثها عن الألم المكبوت: وكيف تحدثت للحاضرين في جمعية الدفاع عن حقوق النساء
يسرني سيداتي ان أقص عليكن حكايتي ، رغم انني لا أحب إلقاء المحاضرات ولا أحبذ قولها ولكني مغلوبة على أمري أنفذ مشيئة الآخرين وامتثل لأوامرهم
كلفت هذا اليوم بهذا الواجب ، ساعدنني كيف ابدأ ، حسنا امرني ان القي على مسامعكن تجربتي الطويلة والدروس التي استخلصتها طيلة سنين عمري السعيدة ، صه ، لقد ذهب ، لنتكلم بصراحة ، طلب مني ان أتحدث عن تجربتي الخاصة وعن المساواة التي نعمت بظلها ، ولقد ابتعد الان ...... وهذه الجلسة نسائية ، سأكون صريحة معكن وأتحدث بلا أكاذيب أو اختلا قات وعندما ترينه مقبلا اخبرنني كي اخذ حذري وأعود إلى حديثي المرسوم والمقرر ، بلا مساواة ولا بطيخ في مجتمعاتنا العربية لا تجعلن صوت المكر يفون عاليا ، فانا لا أطيق إسماع كلماتي لمن كان خارج هذه القاعة ، انتن فقط من أزمع محادثتهن بأمري
هل ذهب ؟ أصدقنني القول ، لم يعد في طاقتي احتمال الصراخ المستمر والزعيق ، أريد ان أحيا بسلام ، هل جربت إحداكن المساواة ؟ هل عاملها زوجها معاملة الند للند ؟ أنت يا سيدتي ؟ لعلك قد تزوجت حديثا ولم تري شيئا بعد من الدنيا ، انا كنت مثلك في مستهل زواجي ، حيث أجنحة الحب ترفرف علينا ، ورحيق الخمرة يسكرنا ، في ذلك الزمن السحيق حيث كنا عاشقين ، ارفعي صوتك ، لم اسمع ما تريدين قوله ، صمت من فضلكن ، ماذا هل تجدن في حديثي تناقضا ؟
اسمع أصوات خطوات تقترب ، لأخفض من صوتي ، لا أريد لأحد أن يسمعني ، فيساء فهمي ، والآن سأبدأ :
يسرني سيداتي آنساتي ..ان أقص عليكن حكايتي ، انا الزوجة والأم التي مضى على زواجها ثلاثة عقود كاملة ، لم يرتفع خلال هذه الفترة الطويلة صوت لي ، لم أتذمر ، لم أشك من سوء طالعي ، او أندب تعثر حظي ، قضيت هذه الأعوام وأنا شبه راضية ، وان لم أكن سعيدة ، فلماذا أشكو ؟ وماذا يصنع لي التذمر ، هل يغير إظهار الألم شيئا من واقع الحال ، أليس من المحال تحسين الأحوال ؟ هل تسألنني كيف استطعت التغلب على مصاعبي ؟ وما هي الطرق التي سلكتها ؟ لن أكون قدوة ، لكن ، آنساتي ، لكل جيل قوانينه ، كنت هادئة دوما ابتسم بوجه العاصفة واخفض لها رأسي وجسدي ،، وحتى روحي ، حتى تمر بسلام ، لم أغضب ، ولم الغضب ؟ لاشيء يغير المكتوب ، حسنا ، غضبت في البداية وكنت اشعر بضياع عمري ، وان حبي قد تبدد ، وكنت أسال نفسي أحيانا كيف استطاع برعونته أن يئد إحساسي بالحب نحوه ، لم يعد يسمعني الكلمات الحلوة التي ترغب بها روحي وكان يعاملني بغلظة أتساءل أحيانا من أين أتى بها ، وحين أحاول ان اعبر عن حبي ، يصرخ بي هازئا ، وبعد أن أحبني وبادلته عواطفه ، وتزوجنا ، ومضت فترة بسيطة على الزواج ، اخذ يحب كل النساء ويظهر لهن المودة ، يقدم لهن الأمنيات والقبلات والهدايا الجميلة في أعياد ميلادهن ، ويأخذ ثمن الهدايا من نقودي ، وأنا أحيا منسية ، لم يتذكر عيد ميلادي ثم أمسى يسمعني القول أنني قد كبرت على مثل هذه الاحتفالات مع أننا في عمر واحد وأبدو أنا اصغر منه أحيانا إذا ما اهتممت بنفسي ،لم يعد يراني امرأته ، ومن أكون ؟ صه ، سكوت من فضلكن ، المراة كالوردة ، تذبل ان لم يتم ارواؤها ، وقد ذبلت انا وانتهى أمري وأصبحت أرى العالم اسود بشع السواد مظلما جهنميا ، والحب شجرة باسقة كثيفة الأغصان ، وارفة الظلال ، تسقط أغصانها ، وتذبل أوراقها وتتساقط مصفرة ، تذروها الرياح ، ان نسي ارواؤها ، في غمرة الإخفاقات التي نعيشها ، كنت أسال نفسي وماذا جنيت حتى يعاملني هكذا ولم أذنب ؟ بقيت اطرح هذا السؤال فترة طويلة من الوقت ، حتى أدركت انه لا جدوى من الأسئلة ،، وأنني أضحيت أتنفس برئة الآخرين وارى بعيونهم ، هو القدر ، جعلني أبدو هادئة ساكنة ، وداخلي يغلي كالمرجل، أكون أحيانا صماء بكماء وحتى عمياء ،حلمت مرارا برجل يحبني ويضمني بحرارة إليه ويقبلني ككل الرجال في العالم ، ولكن هل كانت أحلامي اكبر من طاقتي ؟ ، لا ادري ، كل الذي اعلمه انه لاشيء غير الحب يبعث الأمل في النفوس ،، ويجعلنا نناضل ونجاهد ونشعر أننا أقوياء نقهر كل الشرور ونتغلب عليها ، وأعيش الآن بلا حب ، حياتي باردة كالثلج ، أئن وأتوجع ولا يشعر احد بحالي ، أصبت بكل العلل التي يمكنكن تخيلها ، ماذا افعل وأنا انسانة تعبة ، منهكة ، ووحيدة اردد أغاني فريد الأطرش ولا يصفق لي السامعون ، مالي أراكن وقد علت ابتسامة الاستفهام على محياكن ؟ من منكن استطاعت ان تغبر اتجاه دفة السفينة ؟ هراء ما تدعيه بعضكن ، هل تزعمن المساواة ، أي مساواة تجدنها في العالم العربي ؟ أي القوانين تدعو الى المساواة في بلدانكن المنكوبة ؟ سأكمل لكن قصتي : كنت عاجزة عن النظر والنطق حتى تسير سفينتي بهدوء ، ولا تفقد الملاح قدرته على إدارة الدفة ، لا تنسين إخباري إذا ما لاح لكن احد الذكور ، هل أنا ضعيفة ؟ أبدا ، اشعر دوما أنني قوية ، المراة العربية تكتسب عادات زوجها وتتخلق بها بمرور الوقت ، وانتن كلكن هكذا أصبحتن مثل أزواجكن حين جمعكما عش الزوجية السعيد او التعيس لا ادري ، أرى ابتسامات ساخرة تعلو محياكن هل استحق الشفقة ؟ أبدا ، ما هذا ؟ أرى شخصا يشبهه يطل من بعيد ، له نفس الهيئة ، واثق من نفسه درجة الغرور ، وكأنه لا يقرب الخطأ ، أين هدوئي ؟ لقد تبدد ،،انه يرعبني ، ينسيني قوتي ، يسلبني اتزاني ، يقيدني ، ماذا تدعين يا سيدتي ؟أ تزعمين أنني لا أزال أحبه ، هراء . ما تقولونه هراء ، لماذا يفرض على المرأة ان تحب من نسيها ؟ ينبغي ان أتحلى بقوتي أن أجاهد ضعفي ؟ ولكن كيف ؟ لاحول لي ولا قوة ، يتظاهر بالهدوء ويسمعني كلماته المسمومة ، يلدغني ، سهامه تصيب مني مقتلا ، أجد نفسي مبتعدة عن الموضوع الرئيس ، وعلي ان أحدثكن عن تجربتي الناجحة وحياتي المترعة بالأفراح ، وعليكن أن تسمعنني ، وتقتدين بي ، ولكن انتبهن جيدا ، ربما يلوح علينا ، بابتسامته الصفراء ، ولكن ماذا جرى لي ؟ افقد اتزاني ، ويهجرني صبري ، ويحكمني جزعي ، الا أجد بينكن مهربا ؟ أحاطني الصمت بخيوطه العنكبوتية ، مكثت داخل شرنقتي ،، فأبديت موافقتي على ما يبديه وأنا أتلظى ، أبطن المعارضة ، ماذا حدث لي ؟لا أحب ارتفاع الأصوات ، ويرتبك ضغطي عند أدنى ارتفاع ، ابعدي جهاز التسجيل أيتها السيدة لا أود تسجيل حديثي ، إنني أغبطك على وضعك أيتها الآنسة ، علي ان ابدي أفكارا لا احملها وان أؤيد وجهات نظر لا اتفق معها ، انه هو ، يقترب ، ام انه الوهم ؟، أصدقنني القول ، عزيزاتي ، هل استطاعت إحداكن أن تغير من طباع احدهم ،، وان تساهم في تقدمه نحو الأمام ؟ خداع وأباطيل ما تدعونه ، هراء ما بقينا نسمعه طيلة عمرنا المهدود عن دعاوى المساواة ، تسألنني كيف أستطيع أن أحافظ على هدوئي وسكينة نفسي ،؟ لم يكن الأمر هينا منذ البداية ، حلمت مثلكن بالمساواة وبالتعاون لتذليل الصعاب وبالمناقشة الهادئة ،الهادفة إلى تقريب وجهات النظر ، ولكن رفع الصوت من جانب شريكي ومطالبته لي بان أغير وجهة نظري ، وأتخلى عن قناعاتي جعلني أتظاهر بالهدوء وكثرة التظاهر بالشيء تكسب الإنسان مهارات جديدة ، أصبح التظاهر حقيقة ؟ فلماذا أثور برأيكن ؟ وعلى من ؟ والسفينة كيف يمكنها أن تشق طريقها وسط الأمواج المتلاطمة ؟، ألا ترون ان علينا معشر النساء واجبات كثيرة ؟ وليس لدينا حقوق ، أنت أيتها المراة المتحدثة ، ارفعي صوتك ، واخبريني أي حقوق تزعمين ؟ أنها ثوب فضفاض ، إننا نتدهور ونعود الى الخلف ، هراء .. كل نضالا تكن ذهبت أدراج الرياح ، ماذا تسالين أيتها السيدة ؟ كيف يمكنني ، الاحتفاظ برباطة جأشي ؟ إليكن هذا ، استيقظ مبكرة وأجهز طعام الإفطار.... ماهو السؤال ؟ نعم كل صباح ، أوقظ الأولاد ، اخرج من المنزل بعد ان يكون كل شيء جاهزا : طعام الغداء ، ما يحتاجونه من نقود لكل النهار ، الملابس النظيفة المكوية ، الأرضية ممسوحة بعناية ،والصحون مغسولة، استمر واقفة طيلة ساعات عملي ، أعود ظهرا أتناول قليلا من اللقيمات لتحفظ ماكينتي من الاستمرار بالعمل ، أعود الى العمل مرة أخرى بعد ان اغسل الصحون مرات ومرات ، هل ابتعدت عن الموضوع ؟ قليلا كما أظن ، أعود منهكة في ساعة متأخرة ...ليس كثيرا ، الى ماذا يوجهكن الخيال ؟ فلاشيء في حياتي الا الأسرة والعمل ، هل تسألنني ومتى أقرا؟ حسنا عندما انتهي من كل أعمال النهار وما ان امسك الكتاب حتى يأخذ النعاس بتلابيبي ، ومتى اخرج للترفيه عن نفسي ؟ لقد قرأت هذا السؤال في نظراتكن ، عندما أجد الوقت مناسبا ، هل تجدنني آلة ؟ اجد نفسي هكذا ، انا الة صماء ، والآن اخبرنني بالله من منكن نحيا بصورة أفضل مني ؟ إني أتحدى ، إني أرى أشباحا قادمة من بعيد ، لقد أنهيت كلامي ، وحدثتكن حديثا صادقا ،كنت اطمح اليه وارجوه من صميم قلبي ، أرى ملامحه من النافذة انه يحاول الاستماع الى ما نقول ،انا لم أفه بما يثير الغضب ، سوف ارفع صوتي : إنها حياة حافلة بالنجاحات ، زاخرة بالأفراح ، عشتها مع توأم روحي ، أسمعتكن إياها ،وأرجو ان تستفدن من تجربتي
فنحن زوجان متعاونان في كل أمور الحياة ، ناجحان سعيدان .... وشريكي إنسان ذو قلب كبير ، عشت وإياه حياة ملأى بالسعادة ، مترعة بالنعيم ، أرجو ان تمنحكن الحياة ما منحتني وطابت ليلتكن والى اللقاء


(79)
تسأل أسماء صديقتها باسمة:
- الرجال يحبون المرأة الجريئة ، ألم نجربي ان تقومي باغرائه ، بدلا ان يقوم هو بدعوتك دائما؟
- جربت هذه وأخفقتُ...
- كيف؟
في ليلة ظلماء خلت من اي ضوء ، كنا مجموعة أصدقاء متزوجين ، دعينا الى منزل عائلة ، تحتفل بذكرى زواج ، اوى جميع المدعويين الى اسرتهم ، وبعضهم افترش الأرض .
- متى كان ذلك ؟..
- في الشهر الأول لزواجنا ، كان عنيفا لكنه احيانا يردد بعض كلمات الحب .
قمتُ لأطل على حبيبي الغائب الذي يحضر دائما الى فكري الذي كان متوقدا، وجدته وقد سيطر عليه سلطان الكرى ، وتناوشته حمى الاحلام الطوباوية ، التي ليس بمقدور الأصحاء ان يحلموا انه بقدرتهم الوصول الى تحقيقها يوما ، وجدته كعادته دائما يصرخ في نومه لرؤيته كوابيس لايعلم عنها احد شيئا ، اشتقتُ الى لمساته وقبلاته ، فاغرقته في قبلاتي ، حتى استفاق من نومه :
- باسمة ، عليك اللعنة توقظينني من اعز نومة وتسلبينني حريتي !
- اشتقتُ اليك !
- وهل اشتياقك هذا يجعلك تقترفين بحقي جرما ؟
- لم اقترف بحقك جرما ! اي جرم اقترفت يداي ؟
- ليست يداك ! بل فكرك السقيم ، كيف سولت لك نفسك الآثمة أن توقظيني من عز النوم ؟
- ولكنك زوجي !
- اريد ان اضع حدا لهذه العلاقة الكريهة ، هل هو سجن ابدي تريدين ان توثقي حياتي بحباله؟
- لكني احبك حقا !
- ولماذا تحبينني ؟ ولم ابادلك عاطفتك المشؤومة يوما !
- لكنك احببتني يوما !
- لم احبك ، انت توهمت الحب واتيت اليّ لتسجينيني!
- لم افعل لك شيئا هذه الليلة ليثار غضبك !
- هل تودين ان اوقظ النائمين كلهم لأحدثهم عن سوء اخلاقك !
- سوء اخلاقي ؟ لم أذنب ابدا!
- وهل يعترف الجاني يجريمته بسهولة ؟
- اية جريمة ؟ انت تحيرني ! كل هذه النعوت لأنني رغبت أن أبادلك الحب ؟
- لم تريدي مبادلتي بل احببت ان ترغميني!
- لم ارغمك ! فقط انني اشتقتُ اليك!
- كيف يكون الاشتياق عنوة سيدتي ؟ انت تسعين الى اغتصابي!
تستبد الحيرة بي ويسيطر التوتر على نفسي ، لا أعرف كيف أجيب عن اتهامات ظالمة توجه الي من انسان احببته أكثر من الناس كلهم ، هل أخطأت في حبه ؟ ام اقترفت ذنبا في الاعتراف بحبه ؟ طلبني زوجة ، فأردت ان يكون حبيبا ، وها هو يعلن انني غريبة عنه ، لم يحببني يوما ..



(80)

تتساءل باسمة سعيد عن السر الذي جعل الرجل الذي أحبته ينقلب كل هذا الانقلاب ، لماذا أبدى الحب والتفهم في بداية معرفتهما ، وطلب يدها ، وحين ابدت رغبتها بالحب تغيرت تصرفاته ، هل لأنه عرف انها وقعت في غرامه من اللحظة الأولى والرجال في بلادنا عادة لايريدون ان تبدي المرأة هيامها بهم ، ويفضلون ان يكونوا البادئين باعلان الحب ، هل تسرعت باسمة في بوحها ، اما كان الأجدر بها ان توافق على يده الممدودة اولا ، وتنتظر الوقت المناسب ككل بنات جنسها ، يرغبن بالرجل ويجعلنه يقد م على التصريح بالحب ، باسمة سعيد التقدمية والتي تناضل من اجل المساواة لم تشأ ان تلف وتدور وان تنتظر الحبيب حتى يعلن عن حبه ، فهذا الحبيب لم يكن يبالي بها ن وقد احب فتاة أخرى ، وحين رفضه أهلها تقدم لباسمة التي كان يدرك انها تعشقه ومنذ ان رأته عيناها، فهل الحب وهم كبير يداعب النفوس النبيلة والقلوب المرهفة الشعور ؟ ام انه حقيقة تريد اناسا أقوياء يجعلون العاطفة في حياتهم شجرة وارفة الظلال ، يستظلون بفيئها ، وهل باسمة سعيد كانت من الأقوياء ؟ ام انها تنهزم من الوهلة الأولى وتندب حظها العاثر الذي اوقعها بمثل هذه القصة الشائكة ، احمد منصور ليس قويا ليبقي ثابتا مع انسانة توهمت انها تشعر بالحب ن كما كانت تشعر بالسعادة الغامرة حين تربط صديقين من أصدقائها المخلصين وشائج اجمل علافة في الوجود ، وقد نجحت في جعل الكثيرين من اعز الأصدقاء يقدمون على الارتباط بعلاقة تصمد امام كل انواع الأشواك ؟ هل هي الارادة ام الحظ ما يكمن وراء فشلها الذريع في الوصول الى مبتغاها في بناء حياة سعيدة ، لماذا ترى نفسها وقد أعيتها حالة زوجها الذي تجده ضعيف الأعصاب ، يثور لأتفه الأسباب ، ويسب ويشتم لاعنا الساعة التي جمعتهما معا ، ماذا تفعل الان ؟ وهي ترى ان الحب في داخل نفسها المعذبة قد زال وظهرت مكان جذوره أشواك قاسية تدمي القلب والعقل معا ، هل تصمم على الطلاق ام تحاول ان تنقذ قصتها التي توهمت انها قابلة للتحقق ، اي مصير ينتظرها ، واية لعنة حلت ببابها ، فحولت كل الجمال الى طحالب ضارة تميت كل المخلوقات وتزرع بذور التعاسة والتوتر لتحول الخضرة الى بيداء قاحلة...

انتهت







































الجزء الخامس من رواية ( وأدتك قلبي)
(65)
تهييء باسمة سعيد نفسها لعودة زوجها ، تفتح آلة التسجيل على الاصوات التي يحبانها معا ، يأتي زوجها:
- امي تسلم عليك!
- كيف هي؟
- بخير ، حدثتها عن متاعب ليلتنا ، وقالت انها طبيعية ، لابد ان نشهدها في بداية الزواج ، وقالت انني احب زوجتي كثيرا ،لهذا لااريد ايلامها في ليلتنا الأولى ، وقالت ايضا ان باسمة تحبك وسوف تتحمل الألم كما تصبر النساء عادة على اوجاع ليلة الدخلة ، وانك سوف لن تصرخي في منتصف ليلتنا كما فعلت في بدايتها..
- هل تحب ان تسمع اغاني ام كلثوم ام نجاة الصغيرة؟
- اي اغنية تحبينها افضل سماعها ، قالت امي انني يجب ان اكون لطيفا معك ، وانك اذا صرخت لااجعل صراخك يتسبب في ايقاف عضوي من الانتصاب ، لاتصرخي حبيبتي ، وسوف تنتهي ليلتنا بخير كما نريدها ، هل تريدين كأسا من البيرة ام العرق؟
- كأسا من العرق.
- هاتفت امي قريبنا الدكتور منعم وحدثته عن متاعبنا ، فوصف لي حبوبا تمدني بالهدوء والطمأنينة في هذه الليلة ، وقال الدكتور منعم ، ان باسمة تحبك وسوف لن تصرخ ، وان الزوجات كلهن يصارعن الألم ولا يخبرن الزوج عنها ، حتى لايفقد القدرة على الانتصاب كما حصل لي..
- احبك احبك احبك..
- وانا احبك ياباسمة اكثر مما تتوقعين ، استرخي حبيبتي ، فالامر طبيعي ، لاتكوني متشنجة ، دعي الشراب يعمل على تهدئتك ، انسي كل شيء الا حبنا الكبير ، وليلتنا السعيدة القادمة..
يطأ احمد منصور باسمة ، تضع تحتها الفوطة البيضاء كما نصحتها صديقتها الطبيبة ،
تمسك بوجه احمد وتقبله قبلة طويلة ، وتوزع قبلاتها على الفم والعنق و العينين ، تجد ان الألم اصبح خفيفا بامكانها ان تتحمله ، يسألها احمد :
- هل انتهينا؟
- ماذا تقول انت؟
- اين الدم ؟
تقوم باسمة وتنظر الى الفوطة البيضاء ، ترى قطرات قليلة من الدم ، تضعها امام عيني احمد ، وهي تشعر ان خنجرا مسموما قد وجه الى كرامتها ، لاتقول شيئا ، وتتوجه الى الحمام لتغسل ما بين فخذيها ، وحين تعود تجد احمد نائما وسط السرير ، وهو يشخر بعنف،
ما زالت الآلام تشعرها ان سكينا حادة قطعت جسدها وجعلته أشلاء رمته بعيدا ، وان قلبها الظاميء لم يجد من يشبعه من سغب ، فهل ما كانت تشعر به من حب ظنته خالدا مجرد سراب؟
وهل يوجد حب حقيقي في هذه الدنيا ؟ ام اننا نتوهم لنجعل الحياة تبدو اكثر جمالا، قلبها ممزق ، قد وجهت اليه طعنة كبيرة ، تشعر انها فقدت شيئا ثمينا لايمكنها استرجاعه، قالت لها صديقتها نجلاء مرة :
- من الخير لاحدانا ان تتزوج رجلا متنورا عن طريق خطبة الأهل ، افضل من الاقتران برجل يدعي التقدمية ، قد ارتبطت معه بعلاقة حب قبل الزواج!
- لماذا يا نجلاء ؟
- لان الرجل المدعي لايصدق ان زوجته لم تعرف رجلا غيره ، مهما كانت براءتها أكيدة.. ويرى انه مادام يحب نساء كثيرات ، فان الفتاة تحب مثله ، ولا يصدق ان المرأة لاتهب رجلها قبلتها فقط الا ان كانت تحبه.
كيف يصدق احمد منصور ان باسمة لم تحب الا اياه ، وان جميع صداقاتها مع الرجال كانت علاقات اخوة؟ وأنى له ان يفهم وهو ليس امرأة تخشى ان ترتبط بعلاقة حب وتحافظ على رأي الحبيب بعفتها . كيف يمكن للمرأة ان تطالب بالمساواة وهي تخشى من علاقات الحب وتحاول وأدها منذ تباشير فجرها، هل يمكن لأي رجل ان يدرك كم تقاسي المرأة كي لايساء الى سمعتها من احد توهمت يوما انه يحبها ، واذا التوهم مجرد أضغاث أحلام .. انى لأحمد منصور ان يعرف ان باسمة لم يعرفها اي رجل ، وانها رغم قصص الحب التي حاولت قتلها في بداية انطلاقها لم تجرب القبلة ولا اللمسة ؟ كيف يمكن ان توجه طعنة نجلاء الى شرفها من رجل احبته كل العمر! ؟

(66)
قطرات قليلة من الدم كانت على الفوطة البيضاء ، حين تساءلت اين الدم ؟ اجابتني بأن وضعت فوطتها امامي ، اصابني الخرس ، لماذا تسيل منها قطرات قليلة ، ، بينما بعض النساء تنزف انهارا من الدماء ؟ لماذا هذا البخل ؟ ومن اين جاءت باسمة بالفوطة ؟ تساؤلي جعلها تتوتر ، رأيت ذلك على ملامحها ، وماذا أفعل انا ؟ انا الرجل الذي اهينت كرامته ؟ كيف لي هذه الثقة ما عدتُ اعرفُ شيئا ، وقد ظننتُ انني قد قطعت السمكة وذيلها ، واذا بي اصبح اليوم موضع هزء من المطالبات بالمساواة ، الا سحقا لكن ، تدعين بهتا انكن بريئات ! لم احب امرأة في حياتي ، الا نهلة التي اجدها موضع فخري واعتزازي ، هي تحبني لذاتي ، وليس لديها مطمح آخر ، لاتريد زواجا ، ولا ان تضع القيود حولي ، كما تفعل النساء حين يحببن . الا يدركن ان الزواج مقبرة الحب ، ذهبت باسمة لتغسل جسدها من تعدي صارخ وقع عليه من قبلي ، وانا كنت صريع الهواجس والشكوك ، هل الفنان المطرب الذي تعجب به باسمة ، هو من جنى محبتها ؟ لا ادري انا ، كلما كنت اسالها عن ماضيها تقسم انها بلا ماض ، من اين جاءتها هذه القوة ؟ كثيرون احبوا باسمة واعجبوا بها ، وغبطوني على محبتها المزعومة لي ، اما دروا انها وصلت لي ثيبا ملعوبا بها ، وانا الحريص على ان تأتيني الزوجة بكرا ، لماذا وقعتُ بارادتي بهذا اليم ؟ وكيف يمكن انقاذ نفسي منه ؟ انا من كنت اتوهم اتصافي بالذكاء والحنكة ، كيف وقعت بملء ارادتي بهذا المطب ؟ تعسا للنساء ولكل من يصدق بكلامهن المعسول ! وأكاذيبهن الفاحشة ، انا احمد منصور اعترف انني وقعت في الفخ المنصوب لي باصرار وترصد ، لماذا تنكر باسمة ماضيها ؟ أليس الأجدر بها ان تخبرني بالحقيقة ؟ الم تكن تدري انني سأقف الى جانبها حين اسمع قصصها العديدة عن أحبابها السابقين ، ألم اساعد شقيقاتي في قصص حبهن ، واقف معهن واقابل احبابهن وادعوهم الى منزلنا ؟ لماذا اخفت عني باسمة قصص غرامياتها ؟ وجعلني ذلك كثير الشكوك . لو ذكرت لي الحقيقة ما كنت اكذب ما تقوله ، اعتقد انه لايوجد امرأة عصرية بلا ماض ، كيف زعمت باسمة انها حرمت نفسها من احضان الحبيب ودفئه من اجل ان تذهب الى العريس بلا دنس ؟ كيف اصدق انا ؟ وهل يمكن للمرأة مهما كانت قوتها ان تئد عواطفها ورغبتها في دفء الرجل ، من اجل ماذا ؟ وتزعم انها فعلت ذلك كي تصون نفسها للزوج القادم ، وهل يمكن لأي زوج ان يكون بديلا عن الحبيب يا باسمة؟ سأحاول ان أكون رؤوفا بها ، فهي كريمة الخصال كما يدرك جميع من عرفوها ، ولن اكرر شكي بها ، وسأستمر على علاقتي بنهلة التي تمنحني السعادة والرضا من حياتي ، فانا لم احقق شيئا الا حبي لمعشوقتي نهلة الرائعة...


(67)

باسمة سعيد في اعلى درجات الفرح ، غُرست في قلبها شتلات السعادة ، واينعت في نفسها ثمار الحبور ، لم تكن تعلم ان الزواج سوف يجعلها بكل هذا السرور، وردتها الظامئة المتطلعة للوصال، تتغنى هذه الليالي بفرح غامر ، بعد ان سقاها الحبيب ، وانقذها من عطش ظنته دائميا ، تنتظر الساعات لأوبة احمد منصور ، وتقوم بكل الأعمال المنزلية ونفسها جذلى، تخرج الى العمل وهي تغني بأعذب الأصوات مترنمة ، واصفة سعادتها الجديدة التي لم تكن تخطر على البال ، قامت بكل الاعمال التي كانت تتوهم انها ستضيف اليها الفرح ، ولكن تعبها الشديد وارهاق نفسها وخذلان روحها ، بعد ان اعياها انتظار العرفان ، كان يخلق لها أسقاما للروح ، وأمراضا للفؤاد ، سمعت الكثيرات من صديقاتها يسبغن الأوصاف الجميلة على تلاقي الجسدين ، لكنها حلمت باتحاد الروحين اولا ، ليؤدي الى تلاحم الجسدين باروع الصلات ، لم تجد احمد منصور كما توقعته جميل النفس هاديء الطباع ، بل كان عنيفا سريع الغضب ، يتفوه بالكلمات النابية المعبرة عن ضيق النفس ، والتسرع في الرد قبل اتضاح القصد من الكلام ، تحملت كل الصفات الحادة ، بصبر لذيذ ، وهي تنتظر ساعة الرقاد ، تنتعش الوردة وتنتظر غيثا يهطل من حبيب جميل ، يتعانقان ، يتبادلان القبل ، يتلاحمان في عزف أخاذ ، تصاحبه الموسيقى من اجمل الألحان ،لكن الحبيب وآسفاه ضنين بالوصال ، لايريد ان تتكرر اللقاءات الثملة ويقول انها تسارع في الاتيان بالعجز قبل الأوان ، وان عليهما ان يقتصدا في أوقات الغرام ، وان تكون ساعات الحب مرتين في الشهر ، ليحافظا على صحتهما قبل الأفول ، وان الترحيب الذي تبديه معيب جدا:
- من علمك هذا؟ اجدك قد جربت الحب قبل الزواج!
- هل عدنا الى الاتهامات مرة اخرى؟
- لاارى انك بريئة كما تقولين!
- لم اجرب الحب ، انما كنت أشتهي الوصال ÷، ولقد خشيت ان اجربه ، ولو كنت اعلم انك ستتهمني لعشت قصة الحب ، كما تفعل الشجاعات من النساء!
- هل تعتبرين هذه الجرأة شجاعة؟
- حرمت نفسي من اجل ان يراني زوجي نظيفة من الخدوش ، ولكنك تتهمني!
- انك سريعة الاستجابة ، ما ان ألمسك حتى ارى الشهوة المستعرة في عينيك!
- وهل كنت تحب ان تقترن بامرأة باردة ؟
- لا أدري ، ربما الباردة افضل من شديدة الحرارة!
- وما العمل؟
- لا عمل الآن ، وقد يأتيك بالأخبار من لم تزودي!


(68)

أتساءل أحيانا هل باسمة بريئة كما تقول ؟ وهل ان بقاءها بعيدة عن الوصال جعلتها بهذه الرهافة ، ما ان اقترب منها حتى اجدها تشتعل ، كيف تعلمت ان تكون بمثل هذه الحرارة قرأت مرة ان حرمان المرأة من الحب قد يجعلها باردة لاتستجيب لمداعبات الحبيب ، وباسمة تدعي انها لم تعش قصة حب حقيقية ! كيف تأتى لها ان تكون بمثل هذه ؟ ، انها تجعلني ارى كل فنون الغرام ، وانا لااستطيع ان ابريء هذه المخلوقة التي وهبتني كل هذه العواطف ، ولم امنحها الا الشك والصدود ، اتعجب لحالة النساء ، كيف يصبرن على مثل هذه العلاقات ؟ وباسمة من اسرة نبيلة ، كانت موضع عنايتها ورعايتها منذ الطفولة ،وحتى شاء لها سوء طالعها ، ان تقترن بي ، احيانا افكر ، لماذا أسيء معاملة المرأة التي وهبتني نفسها ، هل لأنني نشأت في اسرة يحترمون فيها من يبرع في الصراخ ، ويرون ان طلباته اوامر ، يجب ان تطاع ، هذا انا ، اصرخ بلا سبب وأطالبها ان تغير نفسها وقناعاتها من اجلي ، انا الزاخر بالأخطاء ، المعدوم من الثقة ، الخالي من الجمال ! لماذا جعلت باسمة تجد التعاسة في يومها الأول معي ؟ لماذا لم احسن معاملتها ؟ وانا اجدها تشعل الشمعات العشر من اجل ارضائي ، سأدع هذه الأسئلة واعود الى سلوكي نفسه ، فهو يسعدني ، اليس من الثراء ان تجد زوجتك تهرح الى نيل رضاك عنها ؟ وانت تمعن في اذلالها وسلب راحتها النفسية ؟ لماذا انا هكذا ؟ هل انا سيء جدا ، بعضهم يقول انني طيب ، لكني لااحسن فن الكلام ، اتفوه بالكلمات القاسية ، رغبة في نشدان الهيبة ! أي هيبة أريد وأنا أصعب الحياة على رفيقتي فيها ؟ ولكن ما بالي اتهم نفسي ! وباسمة لن تحتج على سوء معاملتي لها ، ربما تجد ها دليلا على الرجولة التي لم تجربها قبلي، فلأمضي في حياتي ، غير وجل ، احب نهلة ، وتخدمني باسمة التي دللها اهلها ، وانا اسمعها قاسي الكلام ، واعيد عليها انني اشك بها ، وانها لم تكن عذراء ، لتكن مشيئتي المهيمنة ، ولتصبح باسمة امتي ، التي اصنع معها ما أشاء ، اهبها بعض اللحظات السعيدة ، واهجرها طوال العمر ، نهلة من اصبو الى رضاها عني ، فهي حبيبتي الوحيدة ، وباسمة تمهد لي طريق السعادة..

(69)

كما النهر الرقراق ينساب من بين يدي باسمة سعيد، تتبخر سويعات الهناء ، وتولي لحظات بهاء اليقين ، أكان حلما جميلا ، انتهى لحظة جفاها الكرى ، وحل بأيامها سهاد مرير ، لماذا تتراءى لها البهجة ، كسراب شمس قائظة ، يسيل فيها من القلوب تعب غزير ، لا طاقة لها باحتماله ، وتتوالى عليها كؤوس الهم والعناء ، تتجرعها حتى الثمالة ، ضاعت كل أحلامها ، وولت طيور الفرح، جارية من أرضها الجدباء ، لتحل في حقول أخرى تعرف ما معنى السرور ، لمَ يهجر المرء فيها غناء العنادل ؟، إلى عواء متواصل كئيب ، أية لعنة حلت ببابها ، فأحالت سنابل قمحها إلى عجاف ، تركتها الأيام ثكلى ، ودعت المسرات في دنيا بعيدة ، وحان لها أن ترتوي من ماء أجاج ...
لمَ تهزم الأيام وتعبس الليالي ؟ أليست الحياة مدا وجزرا ، وفرصا سانحة ، يحسن الفطن اقتناصها ، ليفوز باللذات ، وينأى عن الكآبة والضياع ؟ وأية لذات تحلم بها ، وكأس الحنظل يفتح فاه مرحبا ، شامتا بما حل بأرضها من جفاف .....يصدأ عندها الشعور ، وتهرب النعم ميممة وجهها، صوب شاطئ بعيد
بطاقة تهنئة بالعيد ، وامرأة تلوح بفخر، تتصاغر أمام فتنتها الحسناوات ، وصدر ناهد مرمري ، عاري ، وشعر ينسدل بتراخ فوق الكتفين ، وكلمات قليلة مخطوطة بقلم أنيق :
- اذكرني ، كلما لاحت لك صورتي ...
تؤخذ باسمة على حين غرة ، هل أهرق احدهم فوقها ماء ثلج ؟ لم تحسب أن هذه اللحظة آتية ، وان قناديل حياتها توشك على الانطفاء ، وهي ما زالت في شهور العرس الأولى ،ريح عاتية ، تتلاعب بها ، تكون ريشة في مهبها ، من هي المهيمنة على هذا المشهد المسرحي ؟، تصدر أوامرها ،فيسارع الملبّون بالطاعة ؟ وباسمة ؟ تتنكر القوى الفاعلة ، وكأنها نقطة في بحر عميق الغور ، تطول حيرتها لمَ كل هذا ؟ من تكون هذه ؟ وكيف مرت بحياتها المسهدة الكئيبة ؟ وكيف لا يخطر في بالها ، انه يمكن أن تقابل تضحياتها الجسام بالنكران المبين ، وتقابل أعمالها الناصعة بالهزء ؟ ولمَ تتحول أيامها إلى علقم ؟ وعلام تقابل حسناتها بالسيئات ، ولمَ لا يكون الجزاء من جنس العمل ، وماذا جنت باسمة لتتضاعف على أم رأسها اللعنات ، ويسقونها شراب الحنظل ؟وكانت المحسنة دائما..
تستبد بها التساؤلات ، أي بحر متلاطم الأمواج ، رموها فيه ، وابعدوا عنها قوارب النجاة ، لمن تتوجه طالبة الإحسان، وقد سدت السبل بوجها ؟
قد تكون الخاطئة ؟ لماذا سمحت للأفعى أن تكون قريبة منها ؟ ألم تخش من انقلابها وتلون أفعالها ؟
أتكون بطاقة يتيمة ، قد أثارت بها فيضان المخاوف هذا ، وأغرقتها في يم لا شاطئ له ، وكيف يمكن لها أن تعلم ؟ قد تكون العديد من البطاقات الواعدة ، تسيل أحلاما ، وتجعل الأرض تميد تحتها ؟ ، ألم يصاحبها أفعال تعزز لغتها المطمئنة ؟ من جعل الحسناء بهذه الثقة ، وزرع في نفسها جذور اليقين ؟
تتقلب في بحر من الجمر تتلاطم فيه الأمواج ، أفكارها تضطرب في لجة عميقة الغور، عساها تهتدي إلى قرار ، وكيف يمكن لمن لا يحسن السباحة ، أن يعرف طبيعة البحار ، وسر الأمواج المتصارعة فيها ، هل ضاع كل ما بنته ؟ وتحملت تبعات أعمالها طوال هذه الشهور، هل خطر في بالها انه مثلها ، قُدّ من وفاء ؟
لن تنهزم ، هل تمنحه هدية للراغبات، وهي ساغبة تنظر ، ومن يعيده إليها؟ ، تتفرج... لا حول لها ولا قوة ، هل ضاعت الآن الفرص ؟ أليس بإمكانها تدارك الأمر ، ما زالت الحكاية في بدايتها ، فلتناضل لاسترجاع حقها...
صديقتها السعيدة لديها ما ترنو إليه النفس ، مشاهد آسرة ،وأفلام أكيد مفعولها ، عن كيفية إعادة الهاربين من أعشاشهم الصغيرة ، تشاهد باسمة ما قدمته لها الصديقة ، وتقلد المشاهد ببراعة ، وكأنها بطلة القصة ، تبث الرغبة في نفس أرهقتها صروف الحياة ، تقبل رجلها وتناجيه وتناغيه ، ينهض الحبيب ملبيا ، وتتحقق لها رغبتها ، انتصرت على من يريد بها شرا ، ولكن الفرحة العارمة ما تلبث أن تنقلب وبالا ، لتحط على رأسها ، وهي في منتصف الطريق لتحقيق حلمها الطويل ، والانتصار على من سلب منها جمال الحياة ، واسترداد واهب النعيم ، وساقي اللذات :
- كيف تأتى لك المهارة بهذا الفن ؟ من علمك ؟ هل أكون أنا آخر من يعلم ؟ ..


( 70)
كيف وقعت البطاقة بيد باسمة؟ وكيف يمكن لها ان تقرأ البطاقات المرسلة لي؟ عليها ان تنظف مكتبي وتعتني بالأوراق المتراكمة عليه وعلى الأرض، دون ان تقرأ ما تتضمن تلك الأوراق ، كيف اتت لها الجرأة لتبحث عمن بعثت البطاقة ، وانا كنت اريدها عمياء ، في عملي توجد نساء عديدات ،أرتبط بصداقة معهن ، فهل من المعقول الا أستلم بطاقات الاعجاب منهن ؟ هل ارفض محبتهن ؟ هل يمكن هذا للرجل الناجح ، هل انا امرأة حتى اعتذر عن استلام بطاقات المحبة والاعجاب لأني مرتبطة بعقد زواج؟ لن يسمح الرجل بتقييد حريته ، وهو حر ان يفعل ما يشاء ، يحب من يريد من النساء ويرسل بطاقات الحب اليهن ، هل امنع النساء عن محبتي وانا الرجل المحبوب ذو الجاذبية كما تصفني النساء ، وباسمة محظوظة انها ارتبطت بي ، عليها ان تكون سعيدة ، فأنا زوجها بعقد شهد عليه اثنان ، والأخريات يبادلنني المحبة ، دون ان تتنتظر مني احداهن شيئا الا اللطف في المعاملة ، هل اتنكر لما يبدينه من مودة يحسدني عليها الأصدقاء ، كلهم يغبطونني على عدد النساء اللاتي يمحظنني حبا فريدا لاامل فيه ولا رجاء ، ويبعثن لي بطاقاتهن المعبرة عن شدة الاعجاب والوجد...
، وباسمة بعد ان رأت البطاقة غضبت ، كيف احب اخريات وانا زوجها ؟ وهل حجرت على حريتي بكونها زوجتي ؟ لم تكن تدري ان هناك عدد من البطاقات الأخرى اكثر جراة من تلك التي وقعت في يديها ، ونحن اتفقنا في بداية الزواج الا يفتش احدنا في أوراق الآخر :
- كيف سمحت لنفسك ان تبحثي في أوراقي ؟ انا لم اعرف ماذا تخبيء أوراقك من قصص لاتريدين افشاءها ! هل تعتبين على بطاقة استلمتها من احدى النساء ، وانا اجد الكثيرين من الرجال يعجبون بك ! هل عاتبتك يوما ، هل وجدت انني اخذت ابحث في ادراج مكتبك عما يتهمك من قصص الاعجاب التي تتلقينها من عدد من الرجال ، لك حياتك ولي حياتي ، وان كنا نعيش سوية في منزل مشترك! لا تفتشي في كتبي ودفاتري وانا ايضا لن ابحث عما يشينك في كتبك ، لسنا طفلين ، ونحن ناضجان ، يمكنك ان تحبي من تشائين ، ولا اجد في ذلك ما يخدش كرامتي..
سكتت باسمة ولم تعد الا اتهامي مرات اخر ، رغم اني ما تركت معاشرة النساء ، وبقيتُ استلم بطاقات الحب والاعجاب منهن ، وان كنت احب واحدة هي نهلة ، لكن غضب باسمة المفتعل جعلني اثور على تدخلها في شؤوني ، لتصمت هذه المرأة ولتترك عادة ان تدخل انفها فيما لايعنيها ، وانا أدرك انها لاتعرف رجلا غيري ، الا انني شئت الا تتوهم ان لها حجما اكبر من حقيقتها فانا الرجل وعليها طاعتي..
(71)

المصاعب تتراكم على باسمة سعيد ، واحمد منصور يأتي باغلب تلك الصعاب ، لاتدري باسمة اهو قصد منه ام سوء تدبير ؟ يلومه الأصحاب كيف يمكن ان يتخلى عن المرأة التي احبته كل هذا الحب؟ كانت تظن انه يخلص لها كما هي تحفظ له حقوقه في حضوره والغياب تقول لها صديقتها :
- الرجال كلهم خائنون سيئون ، لاينفع معهم الاخلاص..
- ليس كلهم ، حرام ان نتهم الجميع بصفات البعض!
- أتعرفين ان احمد يخونك مع اية امرأة يجد عندها القبول؟
- لا ارى ذلك ، يمكن انني من شدة انشغالي بعملي وانهماكي بأشغال البيت ، جعلته يشعر انه وحيد مهمل!
- انك لم تقصري ، ماذا يمكن ان تفعلي ؟ وزوجك فقد عمله لأنه كان كثير الغياب؟ اتكل عليك ووجدك مجتهدة في عملك ، حريصة على نجاحك فأكثر من اهماله ، مما اثار استغراب من كان يعرفه قبل زواجه ، بعض الرجال لايطيقون نجاح زوجاتهم ، فيسببون لها المتاعب ، ويضعون المصاعب في طريقها ، كي تفشل في عملها ، ليدعوا ان المرأة من طبيعتها الفشل ، وحين يجدون الزوجة لاتبالي بما يبذلونه من جهود لافشال مساعيها ، وجعلها تفشل في العمل الذي كانت تتقنه قبل الزواج ، فيحزنون ، ويصيبهم التوتر ، ويكثرون التغيب عن عملهم ، وحين يعاقبون على التقصير في العمل بالاعفاء منه ، يعاقبون الزوجة الناجحة بخيانتها مع كل امرأة..
- لكني رغم فقدانه العمل ، لااشك به ،انه لا يخونني!
- لأنك امرأة وفية ، ومن الخطأ جدا ان نظن ان الناس مثلنا ، فان كنت تتصفين بالاخلاص ، فلا يعني هذا ان زوجك مخلص ايضا.
- وكيف يمكنك ان تتهميه بالخيانة ؟ ألا يمكن انه بريء منها؟
- عندي الدلائل ، وقد رغبت في البداية ان اخبيء الحقيقة عنك ، لئلا اسبب لك حزنا ، فانت صديقتي وعزيزة على نفسي، كما تعلمين ، زوجك عزيزتي يصادق كل النساء الا انت زوجته ، فهو بعيد عنك ، يسير متأبطا النساء اللاتي يقول انهن صديقاته ، تاركا اياك تكدحين من اجل الحصول على طعامكما وشرابكما ولباسكما .
- هذا من واجبي ، لأنه فقد عمله!
- ولماذا فقد عمله ؟ أليس بسبب تقصيره بالمحافظة على العمل وصيانته؟
- ربما بذل جهده ولم ينجح!
- لم يبذل! انه الان مسرور ، يجعلك تشقين للقيام بواجبه وواجب المرأة بوقت واحد!
وهو يتفسح مع النساء ، اية لعنة هذه ؟ لماذا تصمتين ؟
- وماذا يمكنني ان افعل؟
- ثوري! وهدديه ان واصل صداقاته مع النساء فانك سوف تهجرينه!
- لا أظن ان تهديدي سوف ينفعني ، طالبته بالطلاق فلم يوافق!
- انت تعرفينه اذن ! صديقتي العزيزة ، لماذا تستمر معاناتك؟
- لأننا في العراق لايمكن للمرأة ان تطالب بالطلاق ، هذا الحق بيد الرجل دائما ، واحمد لن يطلقني لأنني المعيلة والخادمة والقائمة بكل المهام!
- وهل كنت تعرفين كل تصرفاته؟ ورغم هذا تصمتين ؟
- نعم وقلبي يتمزق ، لأنني احببت رجلا بائسا ، أراني النجوم في عز الظهر ، وجعلني اشرب المر واتذوق العلقم ، ليس كلهم صديقتي العزيزة ، يوجد الحنون والشجاع ولكن احمد اراه الان يخلو من كل الصفات التي احببته من اجلها..
- هل تواصلين الحياة معه؟
- انتظر ان يتحسن..
- وكيف تأملين ذلك ؟
- يمكنني ان أصبر على كل شيء ، الا حرماني ان اكون اما..
- وهل هو لايحب الأطفال ؟.


- طالبته عددا من المرات بحقي بالامومة ، لكنه طالب بتأجيل الأمر
- ولماذا يريد التأجيل ؟
- يقول ان ظروفنا الاقتصادية لاتسمح بالانجاب في الوقت الحاضر..وعلينا ان ننتظر ريثما يجد هملا بديلا..
- وهل ستواصلين الصمت على حرمانك من حقك في الطفل؟
- لن أصمت ! سأغير كل شيء....


(72)
أخذت علاقتي بباسمة تسير في طريق مسدود، لم تعد الانسانة الهادئة التي تصبر على كل شيء، وبدأت تطالب ببعض الحقوق ، التي ما كنت أظن انها ستتجرأ على المطالبة بها ، ، ارادت ان نتساوى بالانفاق على متطلبات الأسرة، وانني يجب أن اجتهد للحصول على عمل جديد ، بدلا عن العمل الذي فقدته ، لم تر انه من واجب والديها ان يساعدا في تلبية حاجاتنا المالية:
- كيف تطالبين بالمساواة وانت ترفضين ان تساعدي اسرتي؟
- وهل استمر في المساعدة وانا قد تعبت ، منذ زواجنا وانا انفق على اسرتك..
- هل تعيرينني بفقر اسرتي يا امرأة؟
- ، لا أعيرك ، ولكنك لم تبحث عن عمل بديل..
- ماذا افعل ؟ سدت الأبواب في وجهي..
- الأبواب نحن نفتحها ، لكنك لم تحاول ، وبقيت معتمدا على عملي..
- وما الضير في ذلك ؟ وانت تدعين المساواة ؟
- وهل المساواة تعطيك حقا ان تستغلني ؟

- اصبري حتى يمكننني ان اعود الى عملي السابق ، فأنا احبه كما تعلمين ..
- جد عملا مناسبا.
- انفقي على اهلي كما كنت تفعلين..
- يمكن ان اتحمل ذلك ، ان وافقت على أن ننجب طفلا..
- انت تعرفين انني لااحب الأطفال..
- لكنني احبهم ، واريد ان اصبح اما..
- لماذا نأتي بطفل في وقتنا الصعب هذا؟
- ان لم توافق سوف اطالب بالطلاق..
- لا أحد يعطيك الحق بالطلاق الا ان وافقت انا..
- القاضي يمنحني الحق..
- اصبري قليلا ، وسوف ننجب الطفل الذي تحبين..
- متى ؟
- حين تتحسن الظروف.
- نحن من يحسن ظروفه بالعمل ، ابحث عن عمل ، وستكون ظروفنا كما نشاء..

(73)
يتأخر احمد منصور في العودة الى المنزل ، فتقلق عليه باسمة سعيد ، فيطول انتظارها ، وتصبح نهبا لأفكار شتى ، تأخذها يمينا وشمالا ، هل ذهب الى احد الأصدقاء ، او احد الأقرباء؟ ولماذا لم يخبرها ؟ كان عليه ان ينبئها بامر زيارته لأحد معارفه، وهي الان لاتعلم عن زوجها شيئا ، تراه غامضا جدا ، وتظن انه يخبيء عنها امورا عديدة ، لاتعلم كنهها ، وتود لو عرفت ، تحب ان تعلم اي رجل سعت للاقتران به بعد نضال شاق ، وكانت تأمل انه سوف يدخلها الجنة ، واذا بها تتقلب على نار الشك والقلق المتواصل ، الذي يجعلها دائمة الحيرة ، ماذا يمكنها ان تفعل امام هذا الظلام الدامس الذي يحيط بحياتها ، ويتركها عاجزة عن اخذ زمام المبادرة ، هي الانسانة القوية ، التي عرفها الناس بعزمها واجتهادها ، تجد نفسها مخلوقة حائرة ضعيفة ، هل صدق الذين زعموا ان المرأة في الشرق تصبح اداة بيد زوجها ، يوجهها الى اين يريد ، مهما كانت شخصيتها قوية ، وبرع اهلها في غرس صفات الشجاعة والنبل وكرم الاخلاق داخل نفسها ، المعارف كلهم اجمعوا ان باسمة سعيدة ، انسانة مثقفة تعرف كيف تدافع عن نفسها ، وانه ليس بمقدور احد ان يضع القيود حول حياتها ، دون ان تتمكن من ازالتها ، وانها قد جربت الكثير من المصاعب ، استطاعت ان تجتازها ، وان تزيلها من حياتها ، لتتمتع بالحرية المسؤولة التي تسعى اليها ، ولكنها اليوم ترى انها قد فشلت في ايقاف نزيف الصعوبات التي تكتم على انفاسها ، وتتركها خائرة القوى ، مبددة العزيمة ، تدرك انها احبت احمد منصور بكل ما تحمل في قلبها من مشاعر وفي عقلها من افكار ، ولكن احمد هذا قد بدد آمالها في الحب والحرية ، وانه لايختلف عن الملايين من الرجال ، الذين يدعون فكرا تقدميا ، لكنهم في الحقيقة اشد رجعية من اجدادهم ، واكثر اصرارا على تكبيل المرأة ، وسلبها طاقتها وقدرتها على مقاومة ما يريدون..
يطول تأخر احمد منصور ولا تدري باسمة سعيد ما الذي يجب ان تفعله ؟ هل يمكن ان زوجها قد أصيب بمكروه ، او تعرض لحادث سيء ، هل تظل صامتة تنتظر ان يعود؟ ام يبادر بعمل ينهي متاعبها هذه الليلة ، ويقضي على تساؤلاتها ، وينهي ما تشعر به من آلام ؟ لكن ماذا تفعل؟ وهو لم يخبرها بشيء ؟ هل تتصل هاتفيا ؟ وبمن يمكنها ان تتصل ؟ اتصلت بزوجها مرارا دون ان تظفر بجواب! هل تتصل باحد أصدقائه المقربين ؟ انها واثقة انه سوف يثور غاضبا ان اتصلت بأحد ! ولكنها حيرى هذه الليلة..
تحزم باسمة سعيد امرها ، وتقرر ان تذهب الى شقة اخ زوجها العازب، الذي اعتاد زوجها ان يذهب اليه شاكيا من زواجه التعيس كما يحلو له دائما ان يصف الاقتران بها ،
-كل المشاكل تأتي من زوجتك التي تقول انها مثقفة!
- ليس كلها .. بعض متاعبي منها!
- -ألم تخبرني انها فضولية ، تبحث في اوراقك عما يؤيد شكوكك ؟
- تبحث احيانا ، كما ابحث عما يريبني دائما..
- ألم انصحك ان تقتدي بي ؟ فأنا لا أثق بالنساء !
سمعت باسمة حديث الاخوين صدفة ، ووجدت زوجها يقلد أخاه في كل الأمور ..
سوف تذهب الى شقة الأخ ، أكبر الاحتمالات ان زوجها هناك..
تصل الشقة وتدق الجرس ، تنظر من العين السحرية ، وترى ثمة اشخاص قد اغلقوا مجال الرؤية ، بعد فترة يفتح الباب ، تسلم على اخ زوجها وتدخل ، ترى المائدة منصوبة، وعليها اربعة أقداح فيها شراب نبيذ احمر ، وبجنبها صحون فيها المكسرات واللبلبي والخس ، يخرج زوجها من احد الغرف وهو يرتدي الشورت القصير ، الذي تعرفه عائدا للأخ...
يرى الزوج علامات الاستياء واضحة على محيا زوجته ، فيبادرها صارخا:
- لماذا لحقت بي الى هنا ؟ كل الوقت وانت تشكين بي؟

(74)
طالبتني ان تكون اما ، رغم عدم رغبتي بانجاب تعيس جديد ، يضاف الى جيش المأزومين الفاشلين ، وهددت انها سوف تلجأ للقضاء في حالة عدم موافقتي على طلبها ، اخبرتها انني موافق لئلا تزداد نقمتها علي ÷، فأنا رغم عدم حبي لها لا ارغب ان تغادر حياتي وتطلب الطلاق ، لكنها كالعادة أخذت تقلق علي ذلك القلق المرضي ، عرفت عنها انها لاتطيق فراقي ، ويصيبها الخوف ان تأخرت في عودتي الى المنزل ، تدرك ان حياتنا ليست آمنة / واننا مهددون ، بالتوقيف والتعقب وتأويل الكلمات البريئة التي نتفوه بها ، لم اكن اعلم انها سوف تتبعني أينما ذهبت وان داء الشك القاتل يستبد بها ، ما ان ذهبت الى منزل شقيقي العازب ، والمعروف عنه بشدة اللهو حتى اتت الى المنزل ، كانت هناك امرأتان واخي وانا ، وضع اخي كؤوس النبيذ على المائدة ، صنعت الفتاتان الجاجيك والسلطات وكان اخي قد اشترى اللبلبي والكرزات ، بعد ان لعبت الخمرة بما تبقى من العقول ، دحل اخي مع اجمل الفتاتين الى الغرفة الكبيرة في منزله ، بقيت وحدي مع الفتاة الثانية ، التي لاتتمتع بأي مسحة من الجمال وطلبت مني:
- ونحن ماذا نفعل؟
- ماتحبين...
- لنذهب الى الغرفة الثانية في المنزل!
- لنذهب..
- لم اجرب الحب معك..
- وهل جربته مع الجميع ؟
- كيف الجميع ؟
- لااعني ما تقصدين .. آسف حقا..
دخلت الغرفة معها ، وهي من قام بكل شيء ، لم تسعدني لمساتها ، ثم سمعنا دقات متكررة على الباب ، ذهب اخي لرؤية من يكون الطارق ، وعاد الي مسرعا:
- زوجتك..
ارتدى ملابسه بسرعة ، و فتح الباب ، شاهدت باسمة الكؤوس الأربعة على المائدة ، ونظرت باستنكار الى صحون المزة ، قرأ اخي ما يجول بخاطرها ، ثم خرجت انا من الغرفة مرتديا شورت اخي ، وطلبت من مرافقتي ان تظل في الغرفة والا تخرج منها ، كنت اعرف ان باسمة لن تطيل بقاءها في المنزل، وسوف تعود الى منزلنا وهي متوترة ، فقد تأكد لها بالبرهان الساطع انني مثل اخي تماما زير نساء ، حصل ما توقعت وعادت باسمة ، ولم اعد انا:
- هذه المرأة بحاجة الى تأديب!
- لماذا ؟
- كيف سمحت لها نفسها ان تتعقب خطواتك؟ هل كانت تتوقع ان يرفض رجل نداء امرأة حارة الدماء مثل حسناء ،وبخها على تصرفها الطائش ، ونفذت نصيحة اخي وعدت غاضبا الى المنزل:
- لماذا تشكين بي ؟ هل تبعتك يوما ؟ وانا لا أعرف اين تذهبين كل يوم ؟
(75)

شرحت باسمة سعيد لطالباتها حقوق المرأة ، وبينت ان النساء يجب ان يناضلن طويلا من اجل الوصول الى تلك الحقوق ، التي نجد طريقها شائكا ، تعترضه الصعوبات ، وعلينا ان نجتاز تلك المصاعب ، كي ننعم بالدنيا ونحقق السعادة..
سألت بعض الطالبات:
- كيف نحقق ما نطمح اليه ، ونحن وحيدات بلا معين؟
- لسنا وحيدات ! الرجل بجانب قضيتنا العادلة ، وقف معنا الأب والأخ والحبيب والزوج ، واستطعنا ان نحقق بعض ما نتطلع اليه..
- لا أظن اننا نجحنا!
- لابد من التفاؤل ، الذي يراه علماء الاجتماع موصلا الى نصف الطريق!
- ماذا تقصدين أستاذة باسمة ؟
- أعني ان المناضلين من أجل ما يرونه حقا لهم ، ينبغي ان يكونوا متفائلين ، لأن التشاؤم لايفضي الى حل..
- اعرف انك ناضلت طويلا استاذتي الغالية ، هل نجحت في تحقيق مراميك؟
- نجحت الكثيرات في الوصول الى احلامهن ..
- وأنت ؟
- ربما انا طموحة اكثر من الأخريات!
- اللاتي لم يعملن شيئا نراهن في سعادة كبيرة!
- ليس دائما!
- مجتمعنا هذا يفضل الخانعات ، ويستجيب لارادة الخاملات!
- أراكن اليوم يائسات ! لماذا يا حبيباتي؟
- لانريد ان نخبرك ! لئلا نتسبب في اثارة احزانك!
- ماذا جرى ؟ كلامكن اليوم غامض!
- نريد ان نسألك استاذتنا العزيزة : هل تحقق شيئا من آمالك في الحب والحرية والعدالة؟
- هذه الحقوق تحتاج الى قوانين تدافع عنها ، وتعمل على اثباتها!
- لانسألك عن الحرية والعدالة اللتين تتحققان بالقانون!
- عن أي شيء تسألنني؟
- عن الحب والمساواة في المعاملة !
- ماذا تعنين عزيزتي أحلام؟
- هل يمكن ان تشعري ان حقوقك في الحب قد تحققت ، وزوجك كل يوم يسير مع امرأة؟ نراه يتمشى مع النساء وايديهما متشابكة ، وأنت منهمكة في اشغال المنزل ، وتحسين دخل الأسرة؟ هل توصلت الى حقوقك ، لتناضلي من اجل حقوق النساء؟
- ربما حالتنا ليست عامة ، هناك الكثير من الأسر السعيدة ، ينتشر الحب بين الزوجين ، ويقومان معا بالانفاق على الأولاد ويتعاونان بالأشغال المنزلية. لاتنظرن الى حالتي فقط ، ادرسن قصص المتزوجين ، واصدرن احكامكن ..
- هل كنت تعلمين استاذتنا ؟
- طبيعي ان الزوجة تدرك بتغير عواطف زوجها نحوها .
- مع الأسف .. تشقين في الحياة ، وهو يلعب ويتسلى ، ضاربا مشاعرك بعرض الحائط
- لست وحدي التي تعاني ، هناك من يعشن مثلي ، محرومات من الحقوق ، مع زوج لايبالي بما يقمن به من تضحيات.
- وكيف تتحملين هذه المعاناة استاذتنا الحبيبة؟
- انتظر ان تتحسن تصرفاته بعد فترة!
يبتدعها زوجها ليتمتع مع النساء الكثيرات ، وكثيرا ما تسأل نفسها ، دون ان تتوصل للجواب :
- لماذا يصر احمد منصور على اساءة معاملتي وهو يراني بمثل هذا النكران للذات ؟ وهل انا ضعيفة جدا ، لاأستطيع ان أضع حدا لظلمه؟
(76)
كل الكلام الخيالي الذي نسمعه عن المساواة تكرره باسمة امام طالباتها المراهقات ، من الرجل الذي يتنكر لرجولته في غسل الصحون وتنظيف البلاط ؟ من الرجل الذي يدنس نفسه في تنظيف ا لملابس وكيها ، ومن من الرجال يسمح ان يعود الى منزله ويجد ان الطعام لم ينضج بعد ، وان كؤوس الشاي لم تغسل منذ الصباح ، وان ادوات الحلاقة التي يستعملها بقيت في مكانها ولم تنظف ؟ من الرجل الذي يرضى ان يحرم من السهر مع أصدقائه ؟ من الرجل الذي يحرص على رضا زوجته ؟ ماذا يمكن أن تفعل الزوجة ان وجدت زوجها ليس مهتما بها ؟ لتضرب رأسها بالحائط وتخرس . ماذا افعل انا ان كانت زوجتي مدرسة عليها ان تصحح اوراق طالباتها ، وان تضع الأسئلة للامتحانات الشهرية والفصلية ونصف العام ونهاية العام ، ماذا افعل ان تم فصلي من العمل ، هي لاتصدق ان الفصل تم لأسباب سياسية رغم اني ذكرت لها ذلك ، هي محظوظة انها ارتبطت برجل مثلي ، لايحاسبها كثيرا ان رفضت مشاركتي الفراش ، تقول لابد من ا لمداعبة قبل العمل ، وانا زهقت من كلامها المنمق الذي تردده من غير مناسبة ، انا مظلوم يا ناس ، لماذا لايحق للرجل ان يشكو وانا التعيس الذي تزوج مدرسة تعلم طالباتها العصيان والثورة ضد الرجال ، اي امرأة شاء سوء حظي ان ارتبط بها ؟ معها مصرف البيت وهي تشكو انها لم تستطع ان تشتري براتبها ما تحب ان تهيئه لوجباتنا الثلاثة ، نحن اثنان فقط ، احيانا يزورنا اخي مع احدى النساء ، فتكون الطامة الكبرى وترعد الدنيا وتزبد ، وكأنني انا من اتيت بالنساء الى منزلها ، أليس من حقي ان يزورنا اخي مع المرأة التي يريد :
- زوجتك متسلطة ، من حسن حظي انني لم اتزوج!
- انها متعبة فقط..
- وهل تضع تعبها على اكتافنا؟ ما شأننا نحن؟
- هي تتعب بالعمل ..
- السبب انك لست رجلا ، لتريها العين الحمراء..

(77)

تستبد الحيرة بباسمة سعيد ، ويسلب راحتها القلق، ايمكن ان يكون التباين بين حقيقة الانسان وبين ما يظهره للناس بهذه القوة ، هل يتظاهر احمد منصور بما ليس فيه ، ام انها طبيعة اي منا ، يظهر ما يراه جميلا ، دون ان يكون بمقدوره ان يتمتع به ، يثيرها العجب مما يقوم به للحصول على اعجاب النساء ، وتخلو حياتهما المشتركة من كل جميل ، تسمع عبارات الاستحسان تقولها سيدات محترمات لزوج لايعرف حقوق زوجته ، ولا يسمح لها بالتمتع بالجمال ، يحصي عليها حركاتها ، ويدعي انه مناصر لحقوق المرأة ، هل يجدها امرأة حقا ، ام ان عفله يجردها من صفات الانوثة التي يراها في كل النساء ، الا باسمة سعيد ، التي تنتظر اوبته في كل مساء ، لتسمع منه كلمة واحدة ، تحثها على مواصلة الحياة مع امريء تزوجته لأنها وثقت بحبه لها ، ثم اكتشفت ان قلبه خال من صفات الحب والاعجاب ، يطول سهرها وانتظارها لعودته ، لكنه يرجع مخمورا ، وقد أسرف في الشراب ، فيفسد عليها ليلتها ، ويجعلها تتمنى الا تكون قد عرفته ، او وقعت في حبائله ، يمدحه جميع معارفه واصدقائه من الجنسين ، ويسبغون عليه اجمل الصفات ، التي لاتراها ، وهي التي تحبه ، كيف وقعت في حبه ؟ وكيف ظنت انه يبادلها عاطفتها ؟ كان ذلك سرابا رافقها طول الوقت..
تستمع باسمة الى اقوال اصدقائه :
- احمد رجل كامل ، يتمتع بكل ما تحبه المرأة من صفات !
- انه رجل رائع لكنك لاتعرفين قدره !
- طبيعي ان يعرف الرجل نساء عديدات فهل تريدين ان يكون امرأة؟
- انت تظلمين الرجل الجميل معك ! لماذا اقدمت على الزواج منه ؟
- عشرات النساء يرغبن بالارتباط بأحمد وانت لاتعرفين شمائله!
- ان كنت لاتحبينه ، ليعد الي ، طوال عمري وانا متيمة بوسامته..
- انت تطلبين صفات ليست موجودة ! اتقي الله ولا تكثري الشكوى!
تقرر باسمة سعيد الا تشكو بعد اليوم ، وان تظهر السعادة ، ولا تجعل علامات الحزن تبدو عليها ، ترتدي ملابسها الجميلة ، وترسم ابتسامة السعادة على محياها .ز
يطول انتظارها ، ولا عودة للزوج الغائب ، وحين يقترب الفجر يرجع وقد انهكه الشراب:
-انت حجرة ثقيلة في طريق سعادتي!
تلجم المفاجأة باسمة سعيد ، ويصيبها الخرس ، وتقع على الأرض ، تسمع اشخاص يتحدثون وصوته تسمعه بوضوح:
- لم اقل لها شيئا ووقعت على الأرض..كنت اظن انها امرأة ، واذا بها مخلوقة من قش

(78)

حدثت باسمة سعيد صديقتها اسماء عن معاناتها وعن ارغامها على ان تقول ما لن تعتقد بصحته ، وان من كانت تظن انه حبيبها يجعلها تصرح امام الناس بامور ليست حقيقية ، واصلت باسمة حديثها عن الألم المكبوت: وكيف تحدثت للحاضرين في جمعية الدفاع عن حقوق النساء
يسرني سيداتي ان أقص عليكن حكايتي ، رغم انني لا أحب إلقاء المحاضرات ولا أحبذ قولها ولكني مغلوبة على أمري أنفذ مشيئة الآخرين وامتثل لأوامرهم
كلفت هذا اليوم بهذا الواجب ، ساعدنني كيف ابدأ ، حسنا امرني ان القي على مسامعكن تجربتي الطويلة والدروس التي استخلصتها طيلة سنين عمري السعيدة ، صه ، لقد ذهب ، لنتكلم بصراحة ، طلب مني ان أتحدث عن تجربتي الخاصة وعن المساواة التي نعمت بظلها ، ولقد ابتعد الان ...... وهذه الجلسة نسائية ، سأكون صريحة معكن وأتحدث بلا أكاذيب أو اختلا قات وعندما ترينه مقبلا اخبرنني كي اخذ حذري وأعود إلى حديثي المرسوم والمقرر ، بلا مساواة ولا بطيخ في مجتمعاتنا العربية لا تجعلن صوت المكر يفون عاليا ، فانا لا أطيق إسماع كلماتي لمن كان خارج هذه القاعة ، انتن فقط من أزمع محادثتهن بأمري
هل ذهب ؟ أصدقنني القول ، لم يعد في طاقتي احتمال الصراخ المستمر والزعيق ، أريد ان أحيا بسلام ، هل جربت إحداكن المساواة ؟ هل عاملها زوجها معاملة الند للند ؟ أنت يا سيدتي ؟ لعلك قد تزوجت حديثا ولم تري شيئا بعد من الدنيا ، انا كنت مثلك في مستهل زواجي ، حيث أجنحة الحب ترفرف علينا ، ورحيق الخمرة يسكرنا ، في ذلك الزمن السحيق حيث كنا عاشقين ، ارفعي صوتك ، لم اسمع ما تريدين قوله ، صمت من فضلكن ، ماذا هل تجدن في حديثي تناقضا ؟
اسمع أصوات خطوات تقترب ، لأخفض من صوتي ، لا أريد لأحد أن يسمعني ، فيساء فهمي ، والآن سأبدأ :
يسرني سيداتي آنساتي ..ان أقص عليكن حكايتي ، انا الزوجة والأم التي مضى على زواجها ثلاثة عقود كاملة ، لم يرتفع خلال هذه الفترة الطويلة صوت لي ، لم أتذمر ، لم أشك من سوء طالعي ، او أندب تعثر حظي ، قضيت هذه الأعوام وأنا شبه راضية ، وان لم أكن سعيدة ، فلماذا أشكو ؟ وماذا يصنع لي التذمر ، هل يغير إظهار الألم شيئا من واقع الحال ، أليس من المحال تحسين الأحوال ؟ هل تسألنني كيف استطعت التغلب على مصاعبي ؟ وما هي الطرق التي سلكتها ؟ لن أكون قدوة ، لكن ، آنساتي ، لكل جيل قوانينه ، كنت هادئة دوما ابتسم بوجه العاصفة واخفض لها رأسي وجسدي ،، وحتى روحي ، حتى تمر بسلام ، لم أغضب ، ولم الغضب ؟ لاشيء يغير المكتوب ، حسنا ، غضبت في البداية وكنت اشعر بضياع عمري ، وان حبي قد تبدد ، وكنت أسال نفسي أحيانا كيف استطاع برعونته أن يئد إحساسي بالحب نحوه ، لم يعد يسمعني الكلمات الحلوة التي ترغب بها روحي وكان يعاملني بغلظة أتساءل أحيانا من أين أتى بها ، وحين أحاول ان اعبر عن حبي ، يصرخ بي هازئا ، وبعد أن أحبني وبادلته عواطفه ، وتزوجنا ، ومضت فترة بسيطة على الزواج ، اخذ يحب كل النساء ويظهر لهن المودة ، يقدم لهن الأمنيات والقبلات والهدايا الجميلة في أعياد ميلادهن ، ويأخذ ثمن الهدايا من نقودي ، وأنا أحيا منسية ، لم يتذكر عيد ميلادي ثم أمسى يسمعني القول أنني قد كبرت على مثل هذه الاحتفالات مع أننا في عمر واحد وأبدو أنا اصغر منه أحيانا إذا ما اهتممت بنفسي ،لم يعد يراني امرأته ، ومن أكون ؟ صه ، سكوت من فضلكن ، المراة كالوردة ، تذبل ان لم يتم ارواؤها ، وقد ذبلت انا وانتهى أمري وأصبحت أرى العالم اسود بشع السواد مظلما جهنميا ، والحب شجرة باسقة كثيفة الأغصان ، وارفة الظلال ، تسقط أغصانها ، وتذبل أوراقها وتتساقط مصفرة ، تذروها الرياح ، ان نسي ارواؤها ، في غمرة الإخفاقات التي نعيشها ، كنت أسال نفسي وماذا جنيت حتى يعاملني هكذا ولم أذنب ؟ بقيت اطرح هذا السؤال فترة طويلة من الوقت ، حتى أدركت انه لا جدوى من الأسئلة ،، وأنني أضحيت أتنفس برئة الآخرين وارى بعيونهم ، هو القدر ، جعلني أبدو هادئة ساكنة ، وداخلي يغلي كالمرجل، أكون أحيانا صماء بكماء وحتى عمياء ،حلمت مرارا برجل يحبني ويضمني بحرارة إليه ويقبلني ككل الرجال في العالم ، ولكن هل كانت أحلامي اكبر من طاقتي ؟ ، لا ادري ، كل الذي اعلمه انه لاشيء غير الحب يبعث الأمل في النفوس ،، ويجعلنا نناضل ونجاهد ونشعر أننا أقوياء نقهر كل الشرور ونتغلب عليها ، وأعيش الآن بلا حب ، حياتي باردة كالثلج ، أئن وأتوجع ولا يشعر احد بحالي ، أصبت بكل العلل التي يمكنكن تخيلها ، ماذا افعل وأنا انسانة تعبة ، منهكة ، ووحيدة اردد أغاني فريد الأطرش ولا يصفق لي السامعون ، مالي أراكن وقد علت ابتسامة الاستفهام على محياكن ؟ من منكن استطاعت ان تغبر اتجاه دفة السفينة ؟ هراء ما تدعيه بعضكن ، هل تزعمن المساواة ، أي مساواة تجدنها في العالم العربي ؟ أي القوانين تدعو الى المساواة في بلدانكن المنكوبة ؟ سأكمل لكن قصتي : كنت عاجزة عن النظر والنطق حتى تسير سفينتي بهدوء ، ولا تفقد الملاح قدرته على إدارة الدفة ، لا تنسين إخباري إذا ما لاح لكن احد الذكور ، هل أنا ضعيفة ؟ أبدا ، اشعر دوما أنني قوية ، المراة العربية تكتسب عادات زوجها وتتخلق بها بمرور الوقت ، وانتن كلكن هكذا أصبحتن مثل أزواجكن حين جمعكما عش الزوجية السعيد او التعيس لا ادري ، أرى ابتسامات ساخرة تعلو محياكن هل استحق الشفقة ؟ أبدا ، ما هذا ؟ أرى شخصا يشبهه يطل من بعيد ، له نفس الهيئة ، واثق من نفسه درجة الغرور ، وكأنه لا يقرب الخطأ ، أين هدوئي ؟ لقد تبدد ،،انه يرعبني ، ينسيني قوتي ، يسلبني اتزاني ، يقيدني ، ماذا تدعين يا سيدتي ؟أ تزعمين أنني لا أزال أحبه ، هراء . ما تقولونه هراء ، لماذا يفرض على المرأة ان تحب من نسيها ؟ ينبغي ان أتحلى بقوتي أن أجاهد ضعفي ؟ ولكن كيف ؟ لاحول لي ولا قوة ، يتظاهر بالهدوء ويسمعني كلماته المسمومة ، يلدغني ، سهامه تصيب مني مقتلا ، أجد نفسي مبتعدة عن الموضوع الرئيس ، وعلي ان أحدثكن عن تجربتي الناجحة وحياتي المترعة بالأفراح ، وعليكن أن تسمعنني ، وتقتدين بي ، ولكن انتبهن جيدا ، ربما يلوح علينا ، بابتسامته الصفراء ، ولكن ماذا جرى لي ؟ افقد اتزاني ، ويهجرني صبري ، ويحكمني جزعي ، الا أجد بينكن مهربا ؟ أحاطني الصمت بخيوطه العنكبوتية ، مكثت داخل شرنقتي ،، فأبديت موافقتي على ما يبديه وأنا أتلظى ، أبطن المعارضة ، ماذا حدث لي ؟لا أحب ارتفاع الأصوات ، ويرتبك ضغطي عند أدنى ارتفاع ، ابعدي جهاز التسجيل أيتها السيدة لا أود تسجيل حديثي ، إنني أغبطك على وضعك أيتها الآنسة ، علي ان ابدي أفكارا لا احملها وان أؤيد وجهات نظر لا اتفق معها ، انه هو ، يقترب ، ام انه الوهم ؟، أصدقنني القول ، عزيزاتي ، هل استطاعت إحداكن أن تغير من طباع احدهم ،، وان تساهم في تقدمه نحو الأمام ؟ خداع وأباطيل ما تدعونه ، هراء ما بقينا نسمعه طيلة عمرنا المهدود عن دعاوى المساواة ، تسألنني كيف أستطيع أن أحافظ على هدوئي وسكينة نفسي ،؟ لم يكن الأمر هينا منذ البداية ، حلمت مثلكن بالمساواة وبالتعاون لتذليل الصعاب وبالمناقشة الهادئة ،الهادفة إلى تقريب وجهات النظر ، ولكن رفع الصوت من جانب شريكي ومطالبته لي بان أغير وجهة نظري ، وأتخلى عن قناعاتي جعلني أتظاهر بالهدوء وكثرة التظاهر بالشيء تكسب الإنسان مهارات جديدة ، أصبح التظاهر حقيقة ؟ فلماذا أثور برأيكن ؟ وعلى من ؟ والسفينة كيف يمكنها أن تشق طريقها وسط الأمواج المتلاطمة ؟، ألا ترون ان علينا معشر النساء واجبات كثيرة ؟ وليس لدينا حقوق ، أنت أيتها المراة المتحدثة ، ارفعي صوتك ، واخبريني أي حقوق تزعمين ؟ أنها ثوب فضفاض ، إننا نتدهور ونعود الى الخلف ، هراء .. كل نضالا تكن ذهبت أدراج الرياح ، ماذا تسالين أيتها السيدة ؟ كيف يمكنني ، الاحتفاظ برباطة جأشي ؟ إليكن هذا ، استيقظ مبكرة وأجهز طعام الإفطار.... ماهو السؤال ؟ نعم كل صباح ، أوقظ الأولاد ، اخرج من المنزل بعد ان يكون كل شيء جاهزا : طعام الغداء ، ما يحتاجونه من نقود لكل النهار ، الملابس النظيفة المكوية ، الأرضية ممسوحة بعناية ،والصحون مغسولة، استمر واقفة طيلة ساعات عملي ، أعود ظهرا أتناول قليلا من اللقيمات لتحفظ ماكينتي من الاستمرار بالعمل ، أعود الى العمل مرة أخرى بعد ان اغسل الصحون مرات ومرات ، هل ابتعدت عن الموضوع ؟ قليلا كما أظن ، أعود منهكة في ساعة متأخرة ...ليس كثيرا ، الى ماذا يوجهكن الخيال ؟ فلاشيء في حياتي الا الأسرة والعمل ، هل تسألنني ومتى أقرا؟ حسنا عندما انتهي من كل أعمال النهار وما ان امسك الكتاب حتى يأخذ النعاس بتلابيبي ، ومتى اخرج للترفيه عن نفسي ؟ لقد قرأت هذا السؤال في نظراتكن ، عندما أجد الوقت مناسبا ، هل تجدنني آلة ؟ اجد نفسي هكذا ، انا الة صماء ، والآن اخبرنني بالله من منكن نحيا بصورة أفضل مني ؟ إني أتحدى ، إني أرى أشباحا قادمة من بعيد ، لقد أنهيت كلامي ، وحدثتكن حديثا صادقا ،كنت اطمح اليه وارجوه من صميم قلبي ، أرى ملامحه من النافذة انه يحاول الاستماع الى ما نقول ،انا لم أفه بما يثير الغضب ، سوف ارفع صوتي : إنها حياة حافلة بالنجاحات ، زاخرة بالأفراح ، عشتها مع توأم روحي ، أسمعتكن إياها ،وأرجو ان تستفدن من تجربتي
فنحن زوجان متعاونان في كل أمور الحياة ، ناجحان سعيدان .... وشريكي إنسان ذو قلب كبير ، عشت وإياه حياة ملأى بالسعادة ، مترعة بالنعيم ، أرجو ان تمنحكن الحياة ما منحتني وطابت ليلتكن والى اللقاء


(79)
تسأل أسماء صديقتها باسمة:
- الرجال يحبون المرأة الجريئة ، ألم نجربي ان تقومي باغرائه ، بدلا ان يقوم هو بدعوتك دائما؟
- جربت هذه وأخفقتُ...
- كيف؟
في ليلة ظلماء خلت من اي ضوء ، كنا مجموعة أصدقاء متزوجين ، دعينا الى منزل عائلة ، تحتفل بذكرى زواج ، اوى جميع المدعويين الى اسرتهم ، وبعضهم افترش الأرض .
- متى كان ذلك ؟..
- في الشهر الأول لزواجنا ، كان عنيفا لكنه احيانا يردد بعض كلمات الحب .
قمتُ لأطل على حبيبي الغائب الذي يحضر دائما الى فكري الذي كان متوقدا، وجدته وقد سيطر عليه سلطان الكرى ، وتناوشته حمى الاحلام الطوباوية ، التي ليس بمقدور الأصحاء ان يحلموا انه بقدرتهم الوصول الى تحقيقها يوما ، وجدته كعادته دائما يصرخ في نومه لرؤيته كوابيس لايعلم عنها احد شيئا ، اشتقتُ الى لمساته وقبلاته ، فاغرقته في قبلاتي ، حتى استفاق من نومه :
- باسمة ، عليك اللعنة توقظينني من اعز نومة وتسلبينني حريتي !
- اشتقتُ اليك !
- وهل اشتياقك هذا يجعلك تقترفين بحقي جرما ؟
- لم اقترف بحقك جرما ! اي جرم اقترفت يداي ؟
- ليست يداك ! بل فكرك السقيم ، كيف سولت لك نفسك الآثمة أن توقظيني من عز النوم ؟
- ولكنك زوجي !
- اريد ان اضع حدا لهذه العلاقة الكريهة ، هل هو سجن ابدي تريدين ان توثقي حياتي بحباله؟
- لكني احبك حقا !
- ولماذا تحبينني ؟ ولم ابادلك عاطفتك المشؤومة يوما !
- لكنك احببتني يوما !
- لم احبك ، انت توهمت الحب واتيت اليّ لتسجينيني!
- لم افعل لك شيئا هذه الليلة ليثار غضبك !
- هل تودين ان اوقظ النائمين كلهم لأحدثهم عن سوء اخلاقك !
- سوء اخلاقي ؟ لم أذنب ابدا!
- وهل يعترف الجاني يجريمته بسهولة ؟
- اية جريمة ؟ انت تحيرني ! كل هذه النعوت لأنني رغبت أن أبادلك الحب ؟
- لم تريدي مبادلتي بل احببت ان ترغميني!
- لم ارغمك ! فقط انني اشتقتُ اليك!
- كيف يكون الاشتياق عنوة سيدتي ؟ انت تسعين الى اغتصابي!
تستبد الحيرة بي ويسيطر التوتر على نفسي ، لا أعرف كيف أجيب عن اتهامات ظالمة توجه الي من انسان احببته أكثر من الناس كلهم ، هل أخطأت في حبه ؟ ام اقترفت ذنبا في الاعتراف بحبه ؟ طلبني زوجة ، فأردت ان يكون حبيبا ، وها هو يعلن انني غريبة عنه ، لم يحببني يوما ..



(80)

تتساءل باسمة سعيد عن السر الذي جعل الرجل الذي أحبته ينقلب كل هذا الانقلاب ، لماذا أبدى الحب والتفهم في بداية معرفتهما ، وطلب يدها ، وحين ابدت رغبتها بالحب تغيرت تصرفاته ، هل لأنه عرف انها وقعت في غرامه من اللحظة الأولى والرجال في بلادنا عادة لايريدون ان تبدي المرأة هيامها بهم ، ويفضلون ان يكونوا البادئين باعلان الحب ، هل تسرعت باسمة في بوحها ، اما كان الأجدر بها ان توافق على يده الممدودة اولا ، وتنتظر الوقت المناسب ككل بنات جنسها ، يرغبن بالرجل ويجعلنه يقد م على التصريح بالحب ، باسمة سعيد التقدمية والتي تناضل من اجل المساواة لم تشأ ان تلف وتدور وان تنتظر الحبيب حتى يعلن عن حبه ، فهذا الحبيب لم يكن يبالي بها ن وقد احب فتاة أخرى ، وحين رفضه أهلها تقدم لباسمة التي كان يدرك انها تعشقه ومنذ ان رأته عيناها، فهل الحب وهم كبير يداعب النفوس النبيلة والقلوب المرهفة الشعور ؟ ام انه حقيقة تريد اناسا أقوياء يجعلون العاطفة في حياتهم شجرة وارفة الظلال ، يستظلون بفيئها ، وهل باسمة سعيد كانت من الأقوياء ؟ ام انها تنهزم من الوهلة الأولى وتندب حظها العاثر الذي اوقعها بمثل هذه القصة الشائكة ، احمد منصور ليس قويا ليبقي ثابتا مع انسانة توهمت انها تشعر بالحب ن كما كانت تشعر بالسعادة الغامرة حين تربط صديقين من أصدقائها المخلصين وشائج اجمل علافة في الوجود ، وقد نجحت في جعل الكثيرين من اعز الأصدقاء يقدمون على الارتباط بعلاقة تصمد امام كل انواع الأشواك ؟ هل هي الارادة ام الحظ ما يكمن وراء فشلها الذريع في الوصول الى مبتغاها في بناء حياة سعيدة ، لماذا ترى نفسها وقد أعيتها حالة زوجها الذي تجده ضعيف الأعصاب ، يثور لأتفه الأسباب ، ويسب ويشتم لاعنا الساعة التي جمعتهما معا ، ماذا تفعل الان ؟ وهي ترى ان الحب في داخل نفسها المعذبة قد زال وظهرت مكان جذوره أشواك قاسية تدمي القلب والعقل معا ، هل تصمم على الطلاق ام تحاول ان تنقذ قصتها التي توهمت انها قابلة للتحقق ، اي مصير ينتظرها ، واية لعنة حلت ببابها ، فحولت كل الجمال الى طحالب ضارة تميت كل المخلوقات وتزرع بذور التعاسة والتوتر لتحول الخضرة الى بيداء قاحلة...

انتهت







































الجزء الخامس من رواية ( وأدتك قلبي)
(65)
تهييء باسمة سعيد نفسها لعودة زوجها ، تفتح آلة التسجيل على الاصوات التي يحبانها معا ، يأتي زوجها:
- امي تسلم عليك!
- كيف هي؟
- بخير ، حدثتها عن متاعب ليلتنا ، وقالت انها طبيعية ، لابد ان نشهدها في بداية الزواج ، وقالت انني احب زوجتي كثيرا ،لهذا لااريد ايلامها في ليلتنا الأولى ، وقالت ايضا ان باسمة تحبك وسوف تتحمل الألم كما تصبر النساء عادة على اوجاع ليلة الدخلة ، وانك سوف لن تصرخي في منتصف ليلتنا كما فعلت في بدايتها..
- هل تحب ان تسمع اغاني ام كلثوم ام نجاة الصغيرة؟
- اي اغنية تحبينها افضل سماعها ، قالت امي انني يجب ان اكون لطيفا معك ، وانك اذا صرخت لااجعل صراخك يتسبب في ايقاف عضوي من الانتصاب ، لاتصرخي حبيبتي ، وسوف تنتهي ليلتنا بخير كما نريدها ، هل تريدين كأسا من البيرة ام العرق؟
- كأسا من العرق.
- هاتفت امي قريبنا الدكتور منعم وحدثته عن متاعبنا ، فوصف لي حبوبا تمدني بالهدوء والطمأنينة في هذه الليلة ، وقال الدكتور منعم ، ان باسمة تحبك وسوف لن تصرخ ، وان الزوجات كلهن يصارعن الألم ولا يخبرن الزوج عنها ، حتى لايفقد القدرة على الانتصاب كما حصل لي..
- احبك احبك احبك..
- وانا احبك ياباسمة اكثر مما تتوقعين ، استرخي حبيبتي ، فالامر طبيعي ، لاتكوني متشنجة ، دعي الشراب يعمل على تهدئتك ، انسي كل شيء الا حبنا الكبير ، وليلتنا السعيدة القادمة..
يطأ احمد منصور باسمة ، تضع تحتها الفوطة البيضاء كما نصحتها صديقتها الطبيبة ،
تمسك بوجه احمد وتقبله قبلة طويلة ، وتوزع قبلاتها على الفم والعنق و العينين ، تجد ان الألم اصبح خفيفا بامكانها ان تتحمله ، يسألها احمد :
- هل انتهينا؟
- ماذا تقول انت؟
- اين الدم ؟
تقوم باسمة وتنظر الى الفوطة البيضاء ، ترى قطرات قليلة من الدم ، تضعها امام عيني احمد ، وهي تشعر ان خنجرا مسموما قد وجه الى كرامتها ، لاتقول شيئا ، وتتوجه الى الحمام لتغسل ما بين فخذيها ، وحين تعود تجد احمد نائما وسط السرير ، وهو يشخر بعنف،
ما زالت الآلام تشعرها ان سكينا حادة قطعت جسدها وجعلته أشلاء رمته بعيدا ، وان قلبها الظاميء لم يجد من يشبعه من سغب ، فهل ما كانت تشعر به من حب ظنته خالدا مجرد سراب؟
وهل يوجد حب حقيقي في هذه الدنيا ؟ ام اننا نتوهم لنجعل الحياة تبدو اكثر جمالا، قلبها ممزق ، قد وجهت اليه طعنة كبيرة ، تشعر انها فقدت شيئا ثمينا لايمكنها استرجاعه، قالت لها صديقتها نجلاء مرة :
- من الخير لاحدانا ان تتزوج رجلا متنورا عن طريق خطبة الأهل ، افضل من الاقتران برجل يدعي التقدمية ، قد ارتبطت معه بعلاقة حب قبل الزواج!
- لماذا يا نجلاء ؟
- لان الرجل المدعي لايصدق ان زوجته لم تعرف رجلا غيره ، مهما كانت براءتها أكيدة.. ويرى انه مادام يحب نساء كثيرات ، فان الفتاة تحب مثله ، ولا يصدق ان المرأة لاتهب رجلها قبلتها فقط الا ان كانت تحبه.
كيف يصدق احمد منصور ان باسمة لم تحب الا اياه ، وان جميع صداقاتها مع الرجال كانت علاقات اخوة؟ وأنى له ان يفهم وهو ليس امرأة تخشى ان ترتبط بعلاقة حب وتحافظ على رأي الحبيب بعفتها . كيف يمكن للمرأة ان تطالب بالمساواة وهي تخشى من علاقات الحب وتحاول وأدها منذ تباشير فجرها، هل يمكن لأي رجل ان يدرك كم تقاسي المرأة كي لايساء الى سمعتها من احد توهمت يوما انه يحبها ، واذا التوهم مجرد أضغاث أحلام .. انى لأحمد منصور ان يعرف ان باسمة لم يعرفها اي رجل ، وانها رغم قصص الحب التي حاولت قتلها في بداية انطلاقها لم تجرب القبلة ولا اللمسة ؟ كيف يمكن ان توجه طعنة نجلاء الى شرفها من رجل احبته كل العمر! ؟

(66)
قطرات قليلة من الدم كانت على الفوطة البيضاء ، حين تساءلت اين الدم ؟ اجابتني بأن وضعت فوطتها امامي ، اصابني الخرس ، لماذا تسيل منها قطرات قليلة ، ، بينما بعض النساء تنزف انهارا من الدماء ؟ لماذا هذا البخل ؟ ومن اين جاءت باسمة بالفوطة ؟ تساؤلي جعلها تتوتر ، رأيت ذلك على ملامحها ، وماذا أفعل انا ؟ انا الرجل الذي اهينت كرامته ؟ كيف لي هذه الثقة ما عدتُ اعرفُ شيئا ، وقد ظننتُ انني قد قطعت السمكة وذيلها ، واذا بي اصبح اليوم موضع هزء من المطالبات بالمساواة ، الا سحقا لكن ، تدعين بهتا انكن بريئات ! لم احب امرأة في حياتي ، الا نهلة التي اجدها موضع فخري واعتزازي ، هي تحبني لذاتي ، وليس لديها مطمح آخر ، لاتريد زواجا ، ولا ان تضع القيود حولي ، كما تفعل النساء حين يحببن . الا يدركن ان الزواج مقبرة الحب ، ذهبت باسمة لتغسل جسدها من تعدي صارخ وقع عليه من قبلي ، وانا كنت صريع الهواجس والشكوك ، هل الفنان المطرب الذي تعجب به باسمة ، هو من جنى محبتها ؟ لا ادري انا ، كلما كنت اسالها عن ماضيها تقسم انها بلا ماض ، من اين جاءتها هذه القوة ؟ كثيرون احبوا باسمة واعجبوا بها ، وغبطوني على محبتها المزعومة لي ، اما دروا انها وصلت لي ثيبا ملعوبا بها ، وانا الحريص على ان تأتيني الزوجة بكرا ، لماذا وقعتُ بارادتي بهذا اليم ؟ وكيف يمكن انقاذ نفسي منه ؟ انا من كنت اتوهم اتصافي بالذكاء والحنكة ، كيف وقعت بملء ارادتي بهذا المطب ؟ تعسا للنساء ولكل من يصدق بكلامهن المعسول ! وأكاذيبهن الفاحشة ، انا احمد منصور اعترف انني وقعت في الفخ المنصوب لي باصرار وترصد ، لماذا تنكر باسمة ماضيها ؟ أليس الأجدر بها ان تخبرني بالحقيقة ؟ الم تكن تدري انني سأقف الى جانبها حين اسمع قصصها العديدة عن أحبابها السابقين ، ألم اساعد شقيقاتي في قصص حبهن ، واقف معهن واقابل احبابهن وادعوهم الى منزلنا ؟ لماذا اخفت عني باسمة قصص غرامياتها ؟ وجعلني ذلك كثير الشكوك . لو ذكرت لي الحقيقة ما كنت اكذب ما تقوله ، اعتقد انه لايوجد امرأة عصرية بلا ماض ، كيف زعمت باسمة انها حرمت نفسها من احضان الحبيب ودفئه من اجل ان تذهب الى العريس بلا دنس ؟ كيف اصدق انا ؟ وهل يمكن للمرأة مهما كانت قوتها ان تئد عواطفها ورغبتها في دفء الرجل ، من اجل ماذا ؟ وتزعم انها فعلت ذلك كي تصون نفسها للزوج القادم ، وهل يمكن لأي زوج ان يكون بديلا عن الحبيب يا باسمة؟ سأحاول ان أكون رؤوفا بها ، فهي كريمة الخصال كما يدرك جميع من عرفوها ، ولن اكرر شكي بها ، وسأستمر على علاقتي بنهلة التي تمنحني السعادة والرضا من حياتي ، فانا لم احقق شيئا الا حبي لمعشوقتي نهلة الرائعة...


(67)

باسمة سعيد في اعلى درجات الفرح ، غُرست في قلبها شتلات السعادة ، واينعت في نفسها ثمار الحبور ، لم تكن تعلم ان الزواج سوف يجعلها بكل هذا السرور، وردتها الظامئة المتطلعة للوصال، تتغنى هذه الليالي بفرح غامر ، بعد ان سقاها الحبيب ، وانقذها من عطش ظنته دائميا ، تنتظر الساعات لأوبة احمد منصور ، وتقوم بكل الأعمال المنزلية ونفسها جذلى، تخرج الى العمل وهي تغني بأعذب الأصوات مترنمة ، واصفة سعادتها الجديدة التي لم تكن تخطر على البال ، قامت بكل الاعمال التي كانت تتوهم انها ستضيف اليها الفرح ، ولكن تعبها الشديد وارهاق نفسها وخذلان روحها ، بعد ان اعياها انتظار العرفان ، كان يخلق لها أسقاما للروح ، وأمراضا للفؤاد ، سمعت الكثيرات من صديقاتها يسبغن الأوصاف الجميلة على تلاقي الجسدين ، لكنها حلمت باتحاد الروحين اولا ، ليؤدي الى تلاحم الجسدين باروع الصلات ، لم تجد احمد منصور كما توقعته جميل النفس هاديء الطباع ، بل كان عنيفا سريع الغضب ، يتفوه بالكلمات النابية المعبرة عن ضيق النفس ، والتسرع في الرد قبل اتضاح القصد من الكلام ، تحملت كل الصفات الحادة ، بصبر لذيذ ، وهي تنتظر ساعة الرقاد ، تنتعش الوردة وتنتظر غيثا يهطل من حبيب جميل ، يتعانقان ، يتبادلان القبل ، يتلاحمان في عزف أخاذ ، تصاحبه الموسيقى من اجمل الألحان ،لكن الحبيب وآسفاه ضنين بالوصال ، لايريد ان تتكرر اللقاءات الثملة ويقول انها تسارع في الاتيان بالعجز قبل الأوان ، وان عليهما ان يقتصدا في أوقات الغرام ، وان تكون ساعات الحب مرتين في الشهر ، ليحافظا على صحتهما قبل الأفول ، وان الترحيب الذي تبديه معيب جدا:
- من علمك هذا؟ اجدك قد جربت الحب قبل الزواج!
- هل عدنا الى الاتهامات مرة اخرى؟
- لاارى انك بريئة كما تقولين!
- لم اجرب الحب ، انما كنت أشتهي الوصال ÷، ولقد خشيت ان اجربه ، ولو كنت اعلم انك ستتهمني لعشت قصة الحب ، كما تفعل الشجاعات من النساء!
- هل تعتبرين هذه الجرأة شجاعة؟
- حرمت نفسي من اجل ان يراني زوجي نظيفة من الخدوش ، ولكنك تتهمني!
- انك سريعة الاستجابة ، ما ان ألمسك حتى ارى الشهوة المستعرة في عينيك!
- وهل كنت تحب ان تقترن بامرأة باردة ؟
- لا أدري ، ربما الباردة افضل من شديدة الحرارة!
- وما العمل؟
- لا عمل الآن ، وقد يأتيك بالأخبار من لم تزودي!


(68)

أتساءل أحيانا هل باسمة بريئة كما تقول ؟ وهل ان بقاءها بعيدة عن الوصال جعلتها بهذه الرهافة ، ما ان اقترب منها حتى اجدها تشتعل ، كيف تعلمت ان تكون بمثل هذه الحرارة قرأت مرة ان حرمان المرأة من الحب قد يجعلها باردة لاتستجيب لمداعبات الحبيب ، وباسمة تدعي انها لم تعش قصة حب حقيقية ! كيف تأتى لها ان تكون بمثل هذه ؟ ، انها تجعلني ارى كل فنون الغرام ، وانا لااستطيع ان ابريء هذه المخلوقة التي وهبتني كل هذه العواطف ، ولم امنحها الا الشك والصدود ، اتعجب لحالة النساء ، كيف يصبرن على مثل هذه العلاقات ؟ وباسمة من اسرة نبيلة ، كانت موضع عنايتها ورعايتها منذ الطفولة ،وحتى شاء لها سوء طالعها ، ان تقترن بي ، احيانا افكر ، لماذا أسيء معاملة المرأة التي وهبتني نفسها ، هل لأنني نشأت في اسرة يحترمون فيها من يبرع في الصراخ ، ويرون ان طلباته اوامر ، يجب ان تطاع ، هذا انا ، اصرخ بلا سبب وأطالبها ان تغير نفسها وقناعاتها من اجلي ، انا الزاخر بالأخطاء ، المعدوم من الثقة ، الخالي من الجمال ! لماذا جعلت باسمة تجد التعاسة في يومها الأول معي ؟ لماذا لم احسن معاملتها ؟ وانا اجدها تشعل الشمعات العشر من اجل ارضائي ، سأدع هذه الأسئلة واعود الى سلوكي نفسه ، فهو يسعدني ، اليس من الثراء ان تجد زوجتك تهرح الى نيل رضاك عنها ؟ وانت تمعن في اذلالها وسلب راحتها النفسية ؟ لماذا انا هكذا ؟ هل انا سيء جدا ، بعضهم يقول انني طيب ، لكني لااحسن فن الكلام ، اتفوه بالكلمات القاسية ، رغبة في نشدان الهيبة ! أي هيبة أريد وأنا أصعب الحياة على رفيقتي فيها ؟ ولكن ما بالي اتهم نفسي ! وباسمة لن تحتج على سوء معاملتي لها ، ربما تجد ها دليلا على الرجولة التي لم تجربها قبلي، فلأمضي في حياتي ، غير وجل ، احب نهلة ، وتخدمني باسمة التي دللها اهلها ، وانا اسمعها قاسي الكلام ، واعيد عليها انني اشك بها ، وانها لم تكن عذراء ، لتكن مشيئتي المهيمنة ، ولتصبح باسمة امتي ، التي اصنع معها ما أشاء ، اهبها بعض اللحظات السعيدة ، واهجرها طوال العمر ، نهلة من اصبو الى رضاها عني ، فهي حبيبتي الوحيدة ، وباسمة تمهد لي طريق السعادة..

(69)

كما النهر الرقراق ينساب من بين يدي باسمة سعيد، تتبخر سويعات الهناء ، وتولي لحظات بهاء اليقين ، أكان حلما جميلا ، انتهى لحظة جفاها الكرى ، وحل بأيامها سهاد مرير ، لماذا تتراءى لها البهجة ، كسراب شمس قائظة ، يسيل فيها من القلوب تعب غزير ، لا طاقة لها باحتماله ، وتتوالى عليها كؤوس الهم والعناء ، تتجرعها حتى الثمالة ، ضاعت كل أحلامها ، وولت طيور الفرح، جارية من أرضها الجدباء ، لتحل في حقول أخرى تعرف ما معنى السرور ، لمَ يهجر المرء فيها غناء العنادل ؟، إلى عواء متواصل كئيب ، أية لعنة حلت ببابها ، فأحالت سنابل قمحها إلى عجاف ، تركتها الأيام ثكلى ، ودعت المسرات في دنيا بعيدة ، وحان لها أن ترتوي من ماء أجاج ...
لمَ تهزم الأيام وتعبس الليالي ؟ أليست الحياة مدا وجزرا ، وفرصا سانحة ، يحسن الفطن اقتناصها ، ليفوز باللذات ، وينأى عن الكآبة والضياع ؟ وأية لذات تحلم بها ، وكأس الحنظل يفتح فاه مرحبا ، شامتا بما حل بأرضها من جفاف .....يصدأ عندها الشعور ، وتهرب النعم ميممة وجهها، صوب شاطئ بعيد
بطاقة تهنئة بالعيد ، وامرأة تلوح بفخر، تتصاغر أمام فتنتها الحسناوات ، وصدر ناهد مرمري ، عاري ، وشعر ينسدل بتراخ فوق الكتفين ، وكلمات قليلة مخطوطة بقلم أنيق :
- اذكرني ، كلما لاحت لك صورتي ...
تؤخذ باسمة على حين غرة ، هل أهرق احدهم فوقها ماء ثلج ؟ لم تحسب أن هذه اللحظة آتية ، وان قناديل حياتها توشك على الانطفاء ، وهي ما زالت في شهور العرس الأولى ،ريح عاتية ، تتلاعب بها ، تكون ريشة في مهبها ، من هي المهيمنة على هذا المشهد المسرحي ؟، تصدر أوامرها ،فيسارع الملبّون بالطاعة ؟ وباسمة ؟ تتنكر القوى الفاعلة ، وكأنها نقطة في بحر عميق الغور ، تطول حيرتها لمَ كل هذا ؟ من تكون هذه ؟ وكيف مرت بحياتها المسهدة الكئيبة ؟ وكيف لا يخطر في بالها ، انه يمكن أن تقابل تضحياتها الجسام بالنكران المبين ، وتقابل أعمالها الناصعة بالهزء ؟ ولمَ تتحول أيامها إلى علقم ؟ وعلام تقابل حسناتها بالسيئات ، ولمَ لا يكون الجزاء من جنس العمل ، وماذا جنت باسمة لتتضاعف على أم رأسها اللعنات ، ويسقونها شراب الحنظل ؟وكانت المحسنة دائما..
تستبد بها التساؤلات ، أي بحر متلاطم الأمواج ، رموها فيه ، وابعدوا عنها قوارب النجاة ، لمن تتوجه طالبة الإحسان، وقد سدت السبل بوجها ؟
قد تكون الخاطئة ؟ لماذا سمحت للأفعى أن تكون قريبة منها ؟ ألم تخش من انقلابها وتلون أفعالها ؟
أتكون بطاقة يتيمة ، قد أثارت بها فيضان المخاوف هذا ، وأغرقتها في يم لا شاطئ له ، وكيف يمكن لها أن تعلم ؟ قد تكون العديد من البطاقات الواعدة ، تسيل أحلاما ، وتجعل الأرض تميد تحتها ؟ ، ألم يصاحبها أفعال تعزز لغتها المطمئنة ؟ من جعل الحسناء بهذه الثقة ، وزرع في نفسها جذور اليقين ؟
تتقلب في بحر من الجمر تتلاطم فيه الأمواج ، أفكارها تضطرب في لجة عميقة الغور، عساها تهتدي إلى قرار ، وكيف يمكن لمن لا يحسن السباحة ، أن يعرف طبيعة البحار ، وسر الأمواج المتصارعة فيها ، هل ضاع كل ما بنته ؟ وتحملت تبعات أعمالها طوال هذه الشهور، هل خطر في بالها انه مثلها ، قُدّ من وفاء ؟
لن تنهزم ، هل تمنحه هدية للراغبات، وهي ساغبة تنظر ، ومن يعيده إليها؟ ، تتفرج... لا حول لها ولا قوة ، هل ضاعت الآن الفرص ؟ أليس بإمكانها تدارك الأمر ، ما زالت الحكاية في بدايتها ، فلتناضل لاسترجاع حقها...
صديقتها السعيدة لديها ما ترنو إليه النفس ، مشاهد آسرة ،وأفلام أكيد مفعولها ، عن كيفية إعادة الهاربين من أعشاشهم الصغيرة ، تشاهد باسمة ما قدمته لها الصديقة ، وتقلد المشاهد ببراعة ، وكأنها بطلة القصة ، تبث الرغبة في نفس أرهقتها صروف الحياة ، تقبل رجلها وتناجيه وتناغيه ، ينهض الحبيب ملبيا ، وتتحقق لها رغبتها ، انتصرت على من يريد بها شرا ، ولكن الفرحة العارمة ما تلبث أن تنقلب وبالا ، لتحط على رأسها ، وهي في منتصف الطريق لتحقيق حلمها الطويل ، والانتصار على من سلب منها جمال الحياة ، واسترداد واهب النعيم ، وساقي اللذات :
- كيف تأتى لك المهارة بهذا الفن ؟ من علمك ؟ هل أكون أنا آخر من يعلم ؟ ..


( 70)
كيف وقعت البطاقة بيد باسمة؟ وكيف يمكن لها ان تقرأ البطاقات المرسلة لي؟ عليها ان تنظف مكتبي وتعتني بالأوراق المتراكمة عليه وعلى الأرض، دون ان تقرأ ما تتضمن تلك الأوراق ، كيف اتت لها الجرأة لتبحث عمن بعثت البطاقة ، وانا كنت اريدها عمياء ، في عملي توجد نساء عديدات ،أرتبط بصداقة معهن ، فهل من المعقول الا أستلم بطاقات الاعجاب منهن ؟ هل ارفض محبتهن ؟ هل يمكن هذا للرجل الناجح ، هل انا امرأة حتى اعتذر عن استلام بطاقات المحبة والاعجاب لأني مرتبطة بعقد زواج؟ لن يسمح الرجل بتقييد حريته ، وهو حر ان يفعل ما يشاء ، يحب من يريد من النساء ويرسل بطاقات الحب اليهن ، هل امنع النساء عن محبتي وانا الرجل المحبوب ذو الجاذبية كما تصفني النساء ، وباسمة محظوظة انها ارتبطت بي ، عليها ان تكون سعيدة ، فأنا زوجها بعقد شهد عليه اثنان ، والأخريات يبادلنني المحبة ، دون ان تتنتظر مني احداهن شيئا الا اللطف في المعاملة ، هل اتنكر لما يبدينه من مودة يحسدني عليها الأصدقاء ، كلهم يغبطونني على عدد النساء اللاتي يمحظنني حبا فريدا لاامل فيه ولا رجاء ، ويبعثن لي بطاقاتهن المعبرة عن شدة الاعجاب والوجد...
، وباسمة بعد ان رأت البطاقة غضبت ، كيف احب اخريات وانا زوجها ؟ وهل حجرت على حريتي بكونها زوجتي ؟ لم تكن تدري ان هناك عدد من البطاقات الأخرى اكثر جراة من تلك التي وقعت في يديها ، ونحن اتفقنا في بداية الزواج الا يفتش احدنا في أوراق الآخر :
- كيف سمحت لنفسك ان تبحثي في أوراقي ؟ انا لم اعرف ماذا تخبيء أوراقك من قصص لاتريدين افشاءها ! هل تعتبين على بطاقة استلمتها من احدى النساء ، وانا اجد الكثيرين من الرجال يعجبون بك ! هل عاتبتك يوما ، هل وجدت انني اخذت ابحث في ادراج مكتبك عما يتهمك من قصص الاعجاب التي تتلقينها من عدد من الرجال ، لك حياتك ولي حياتي ، وان كنا نعيش سوية في منزل مشترك! لا تفتشي في كتبي ودفاتري وانا ايضا لن ابحث عما يشينك في كتبك ، لسنا طفلين ، ونحن ناضجان ، يمكنك ان تحبي من تشائين ، ولا اجد في ذلك ما يخدش كرامتي..
سكتت باسمة ولم تعد الا اتهامي مرات اخر ، رغم اني ما تركت معاشرة النساء ، وبقيتُ استلم بطاقات الحب والاعجاب منهن ، وان كنت احب واحدة هي نهلة ، لكن غضب باسمة المفتعل جعلني اثور على تدخلها في شؤوني ، لتصمت هذه المرأة ولتترك عادة ان تدخل انفها فيما لايعنيها ، وانا أدرك انها لاتعرف رجلا غيري ، الا انني شئت الا تتوهم ان لها حجما اكبر من حقيقتها فانا الرجل وعليها طاعتي..
(71)

المصاعب تتراكم على باسمة سعيد ، واحمد منصور يأتي باغلب تلك الصعاب ، لاتدري باسمة اهو قصد منه ام سوء تدبير ؟ يلومه الأصحاب كيف يمكن ان يتخلى عن المرأة التي احبته كل هذا الحب؟ كانت تظن انه يخلص لها كما هي تحفظ له حقوقه في حضوره والغياب تقول لها صديقتها :
- الرجال كلهم خائنون سيئون ، لاينفع معهم الاخلاص..
- ليس كلهم ، حرام ان نتهم الجميع بصفات البعض!
- أتعرفين ان احمد يخونك مع اية امرأة يجد عندها القبول؟
- لا ارى ذلك ، يمكن انني من شدة انشغالي بعملي وانهماكي بأشغال البيت ، جعلته يشعر انه وحيد مهمل!
- انك لم تقصري ، ماذا يمكن ان تفعلي ؟ وزوجك فقد عمله لأنه كان كثير الغياب؟ اتكل عليك ووجدك مجتهدة في عملك ، حريصة على نجاحك فأكثر من اهماله ، مما اثار استغراب من كان يعرفه قبل زواجه ، بعض الرجال لايطيقون نجاح زوجاتهم ، فيسببون لها المتاعب ، ويضعون المصاعب في طريقها ، كي تفشل في عملها ، ليدعوا ان المرأة من طبيعتها الفشل ، وحين يجدون الزوجة لاتبالي بما يبذلونه من جهود لافشال مساعيها ، وجعلها تفشل في العمل الذي كانت تتقنه قبل الزواج ، فيحزنون ، ويصيبهم التوتر ، ويكثرون التغيب عن عملهم ، وحين يعاقبون على التقصير في العمل بالاعفاء منه ، يعاقبون الزوجة الناجحة بخيانتها مع كل امرأة..
- لكني رغم فقدانه العمل ، لااشك به ،انه لا يخونني!
- لأنك امرأة وفية ، ومن الخطأ جدا ان نظن ان الناس مثلنا ، فان كنت تتصفين بالاخلاص ، فلا يعني هذا ان زوجك مخلص ايضا.
- وكيف يمكنك ان تتهميه بالخيانة ؟ ألا يمكن انه بريء منها؟
- عندي الدلائل ، وقد رغبت في البداية ان اخبيء الحقيقة عنك ، لئلا اسبب لك حزنا ، فانت صديقتي وعزيزة على نفسي، كما تعلمين ، زوجك عزيزتي يصادق كل النساء الا انت زوجته ، فهو بعيد عنك ، يسير متأبطا النساء اللاتي يقول انهن صديقاته ، تاركا اياك تكدحين من اجل الحصول على طعامكما وشرابكما ولباسكما .
- هذا من واجبي ، لأنه فقد عمله!
- ولماذا فقد عمله ؟ أليس بسبب تقصيره بالمحافظة على العمل وصيانته؟
- ربما بذل جهده ولم ينجح!
- لم يبذل! انه الان مسرور ، يجعلك تشقين للقيام بواجبه وواجب المرأة بوقت واحد!
وهو يتفسح مع النساء ، اية لعنة هذه ؟ لماذا تصمتين ؟
- وماذا يمكنني ان افعل؟
- ثوري! وهدديه ان واصل صداقاته مع النساء فانك سوف تهجرينه!
- لا أظن ان تهديدي سوف ينفعني ، طالبته بالطلاق فلم يوافق!
- انت تعرفينه اذن ! صديقتي العزيزة ، لماذا تستمر معاناتك؟
- لأننا في العراق لايمكن للمرأة ان تطالب بالطلاق ، هذا الحق بيد الرجل دائما ، واحمد لن يطلقني لأنني المعيلة والخادمة والقائمة بكل المهام!
- وهل كنت تعرفين كل تصرفاته؟ ورغم هذا تصمتين ؟
- نعم وقلبي يتمزق ، لأنني احببت رجلا بائسا ، أراني النجوم في عز الظهر ، وجعلني اشرب المر واتذوق العلقم ، ليس كلهم صديقتي العزيزة ، يوجد الحنون والشجاع ولكن احمد اراه الان يخلو من كل الصفات التي احببته من اجلها..
- هل تواصلين الحياة معه؟
- انتظر ان يتحسن..
- وكيف تأملين ذلك ؟
- يمكنني ان أصبر على كل شيء ، الا حرماني ان اكون اما..
- وهل هو لايحب الأطفال ؟.


- طالبته عددا من المرات بحقي بالامومة ، لكنه طالب بتأجيل الأمر
- ولماذا يريد التأجيل ؟
- يقول ان ظروفنا الاقتصادية لاتسمح بالانجاب في الوقت الحاضر..وعلينا ان ننتظر ريثما يجد هملا بديلا..
- وهل ستواصلين الصمت على حرمانك من حقك في الطفل؟
- لن أصمت ! سأغير كل شيء....


(72)
أخذت علاقتي بباسمة تسير في طريق مسدود، لم تعد الانسانة الهادئة التي تصبر على كل شيء، وبدأت تطالب ببعض الحقوق ، التي ما كنت أظن انها ستتجرأ على المطالبة بها ، ، ارادت ان نتساوى بالانفاق على متطلبات الأسرة، وانني يجب أن اجتهد للحصول على عمل جديد ، بدلا عن العمل الذي فقدته ، لم تر انه من واجب والديها ان يساعدا في تلبية حاجاتنا المالية:
- كيف تطالبين بالمساواة وانت ترفضين ان تساعدي اسرتي؟
- وهل استمر في المساعدة وانا قد تعبت ، منذ زواجنا وانا انفق على اسرتك..
- هل تعيرينني بفقر اسرتي يا امرأة؟
- ، لا أعيرك ، ولكنك لم تبحث عن عمل بديل..
- ماذا افعل ؟ سدت الأبواب في وجهي..
- الأبواب نحن نفتحها ، لكنك لم تحاول ، وبقيت معتمدا على عملي..
- وما الضير في ذلك ؟ وانت تدعين المساواة ؟
- وهل المساواة تعطيك حقا ان تستغلني ؟

- اصبري حتى يمكننني ان اعود الى عملي السابق ، فأنا احبه كما تعلمين ..
- جد عملا مناسبا.
- انفقي على اهلي كما كنت تفعلين..
- يمكن ان اتحمل ذلك ، ان وافقت على أن ننجب طفلا..
- انت تعرفين انني لااحب الأطفال..
- لكنني احبهم ، واريد ان اصبح اما..
- لماذا نأتي بطفل في وقتنا الصعب هذا؟
- ان لم توافق سوف اطالب بالطلاق..
- لا أحد يعطيك الحق بالطلاق الا ان وافقت انا..
- القاضي يمنحني الحق..
- اصبري قليلا ، وسوف ننجب الطفل الذي تحبين..
- متى ؟
- حين تتحسن الظروف.
- نحن من يحسن ظروفه بالعمل ، ابحث عن عمل ، وستكون ظروفنا كما نشاء..

(73)
يتأخر احمد منصور في العودة الى المنزل ، فتقلق عليه باسمة سعيد ، فيطول انتظارها ، وتصبح نهبا لأفكار شتى ، تأخذها يمينا وشمالا ، هل ذهب الى احد الأصدقاء ، او احد الأقرباء؟ ولماذا لم يخبرها ؟ كان عليه ان ينبئها بامر زيارته لأحد معارفه، وهي الان لاتعلم عن زوجها شيئا ، تراه غامضا جدا ، وتظن انه يخبيء عنها امورا عديدة ، لاتعلم كنهها ، وتود لو عرفت ، تحب ان تعلم اي رجل سعت للاقتران به بعد نضال شاق ، وكانت تأمل انه سوف يدخلها الجنة ، واذا بها تتقلب على نار الشك والقلق المتواصل ، الذي يجعلها دائمة الحيرة ، ماذا يمكنها ان تفعل امام هذا الظلام الدامس الذي يحيط بحياتها ، ويتركها عاجزة عن اخذ زمام المبادرة ، هي الانسانة القوية ، التي عرفها الناس بعزمها واجتهادها ، تجد نفسها مخلوقة حائرة ضعيفة ، هل صدق الذين زعموا ان المرأة في الشرق تصبح اداة بيد زوجها ، يوجهها الى اين يريد ، مهما كانت شخصيتها قوية ، وبرع اهلها في غرس صفات الشجاعة والنبل وكرم الاخلاق داخل نفسها ، المعارف كلهم اجمعوا ان باسمة سعيدة ، انسانة مثقفة تعرف كيف تدافع عن نفسها ، وانه ليس بمقدور احد ان يضع القيود حول حياتها ، دون ان تتمكن من ازالتها ، وانها قد جربت الكثير من المصاعب ، استطاعت ان تجتازها ، وان تزيلها من حياتها ، لتتمتع بالحرية المسؤولة التي تسعى اليها ، ولكنها اليوم ترى انها قد فشلت في ايقاف نزيف الصعوبات التي تكتم على انفاسها ، وتتركها خائرة القوى ، مبددة العزيمة ، تدرك انها احبت احمد منصور بكل ما تحمل في قلبها من مشاعر وفي عقلها من افكار ، ولكن احمد هذا قد بدد آمالها في الحب والحرية ، وانه لايختلف عن الملايين من الرجال ، الذين يدعون فكرا تقدميا ، لكنهم في الحقيقة اشد رجعية من اجدادهم ، واكثر اصرارا على تكبيل المرأة ، وسلبها طاقتها وقدرتها على مقاومة ما يريدون..
يطول تأخر احمد منصور ولا تدري باسمة سعيد ما الذي يجب ان تفعله ؟ هل يمكن ان زوجها قد أصيب بمكروه ، او تعرض لحادث سيء ، هل تظل صامتة تنتظر ان يعود؟ ام يبادر بعمل ينهي متاعبها هذه الليلة ، ويقضي على تساؤلاتها ، وينهي ما تشعر به من آلام ؟ لكن ماذا تفعل؟ وهو لم يخبرها بشيء ؟ هل تتصل هاتفيا ؟ وبمن يمكنها ان تتصل ؟ اتصلت بزوجها مرارا دون ان تظفر بجواب! هل تتصل باحد أصدقائه المقربين ؟ انها واثقة انه سوف يثور غاضبا ان اتصلت بأحد ! ولكنها حيرى هذه الليلة..
تحزم باسمة سعيد امرها ، وتقرر ان تذهب الى شقة اخ زوجها العازب، الذي اعتاد زوجها ان يذهب اليه شاكيا من زواجه التعيس كما يحلو له دائما ان يصف الاقتران بها ،
-كل المشاكل تأتي من زوجتك التي تقول انها مثقفة!
- ليس كلها .. بعض متاعبي منها!
- -ألم تخبرني انها فضولية ، تبحث في اوراقك عما يؤيد شكوكك ؟
- تبحث احيانا ، كما ابحث عما يريبني دائما..
- ألم انصحك ان تقتدي بي ؟ فأنا لا أثق بالنساء !
سمعت باسمة حديث الاخوين صدفة ، ووجدت زوجها يقلد أخاه في كل الأمور ..
سوف تذهب الى شقة الأخ ، أكبر الاحتمالات ان زوجها هناك..
تصل الشقة وتدق الجرس ، تنظر من العين السحرية ، وترى ثمة اشخاص قد اغلقوا مجال الرؤية ، بعد فترة يفتح الباب ، تسلم على اخ زوجها وتدخل ، ترى المائدة منصوبة، وعليها اربعة أقداح فيها شراب نبيذ احمر ، وبجنبها صحون فيها المكسرات واللبلبي والخس ، يخرج زوجها من احد الغرف وهو يرتدي الشورت القصير ، الذي تعرفه عائدا للأخ...
يرى الزوج علامات الاستياء واضحة على محيا زوجته ، فيبادرها صارخا:
- لماذا لحقت بي الى هنا ؟ كل الوقت وانت تشكين بي؟

(74)
طالبتني ان تكون اما ، رغم عدم رغبتي بانجاب تعيس جديد ، يضاف الى جيش المأزومين الفاشلين ، وهددت انها سوف تلجأ للقضاء في حالة عدم موافقتي على طلبها ، اخبرتها انني موافق لئلا تزداد نقمتها علي ÷، فأنا رغم عدم حبي لها لا ارغب ان تغادر حياتي وتطلب الطلاق ، لكنها كالعادة أخذت تقلق علي ذلك القلق المرضي ، عرفت عنها انها لاتطيق فراقي ، ويصيبها الخوف ان تأخرت في عودتي الى المنزل ، تدرك ان حياتنا ليست آمنة / واننا مهددون ، بالتوقيف والتعقب وتأويل الكلمات البريئة التي نتفوه بها ، لم اكن اعلم انها سوف تتبعني أينما ذهبت وان داء الشك القاتل يستبد بها ، ما ان ذهبت الى منزل شقيقي العازب ، والمعروف عنه بشدة اللهو حتى اتت الى المنزل ، كانت هناك امرأتان واخي وانا ، وضع اخي كؤوس النبيذ على المائدة ، صنعت الفتاتان الجاجيك والسلطات وكان اخي قد اشترى اللبلبي والكرزات ، بعد ان لعبت الخمرة بما تبقى من العقول ، دحل اخي مع اجمل الفتاتين الى الغرفة الكبيرة في منزله ، بقيت وحدي مع الفتاة الثانية ، التي لاتتمتع بأي مسحة من الجمال وطلبت مني:
- ونحن ماذا نفعل؟
- ماتحبين...
- لنذهب الى الغرفة الثانية في المنزل!
- لنذهب..
- لم اجرب الحب معك..
- وهل جربته مع الجميع ؟
- كيف الجميع ؟
- لااعني ما تقصدين .. آسف حقا..
دخلت الغرفة معها ، وهي من قام بكل شيء ، لم تسعدني لمساتها ، ثم سمعنا دقات متكررة على الباب ، ذهب اخي لرؤية من يكون الطارق ، وعاد الي مسرعا:
- زوجتك..
ارتدى ملابسه بسرعة ، و فتح الباب ، شاهدت باسمة الكؤوس الأربعة على المائدة ، ونظرت باستنكار الى صحون المزة ، قرأ اخي ما يجول بخاطرها ، ثم خرجت انا من الغرفة مرتديا شورت اخي ، وطلبت من مرافقتي ان تظل في الغرفة والا تخرج منها ، كنت اعرف ان باسمة لن تطيل بقاءها في المنزل، وسوف تعود الى منزلنا وهي متوترة ، فقد تأكد لها بالبرهان الساطع انني مثل اخي تماما زير نساء ، حصل ما توقعت وعادت باسمة ، ولم اعد انا:
- هذه المرأة بحاجة الى تأديب!
- لماذا ؟
- كيف سمحت لها نفسها ان تتعقب خطواتك؟ هل كانت تتوقع ان يرفض رجل نداء امرأة حارة الدماء مثل حسناء ،وبخها على تصرفها الطائش ، ونفذت نصيحة اخي وعدت غاضبا الى المنزل:
- لماذا تشكين بي ؟ هل تبعتك يوما ؟ وانا لا أعرف اين تذهبين كل يوم ؟
(75)

شرحت باسمة سعيد لطالباتها حقوق المرأة ، وبينت ان النساء يجب ان يناضلن طويلا من اجل الوصول الى تلك الحقوق ، التي نجد طريقها شائكا ، تعترضه الصعوبات ، وعلينا ان نجتاز تلك المصاعب ، كي ننعم بالدنيا ونحقق السعادة..
سألت بعض الطالبات:
- كيف نحقق ما نطمح اليه ، ونحن وحيدات بلا معين؟
- لسنا وحيدات ! الرجل بجانب قضيتنا العادلة ، وقف معنا الأب والأخ والحبيب والزوج ، واستطعنا ان نحقق بعض ما نتطلع اليه..
- لا أظن اننا نجحنا!
- لابد من التفاؤل ، الذي يراه علماء الاجتماع موصلا الى نصف الطريق!
- ماذا تقصدين أستاذة باسمة ؟
- أعني ان المناضلين من أجل ما يرونه حقا لهم ، ينبغي ان يكونوا متفائلين ، لأن التشاؤم لايفضي الى حل..
- اعرف انك ناضلت طويلا استاذتي الغالية ، هل نجحت في تحقيق مراميك؟
- نجحت الكثيرات في الوصول الى احلامهن ..
- وأنت ؟
- ربما انا طموحة اكثر من الأخريات!
- اللاتي لم يعملن شيئا نراهن في سعادة كبيرة!
- ليس دائما!
- مجتمعنا هذا يفضل الخانعات ، ويستجيب لارادة الخاملات!
- أراكن اليوم يائسات ! لماذا يا حبيباتي؟
- لانريد ان نخبرك ! لئلا نتسبب في اثارة احزانك!
- ماذا جرى ؟ كلامكن اليوم غامض!
- نريد ان نسألك استاذتنا العزيزة : هل تحقق شيئا من آمالك في الحب والحرية والعدالة؟
- هذه الحقوق تحتاج الى قوانين تدافع عنها ، وتعمل على اثباتها!
- لانسألك عن الحرية والعدالة اللتين تتحققان بالقانون!
- عن أي شيء تسألنني؟
- عن الحب والمساواة في المعاملة !
- ماذا تعنين عزيزتي أحلام؟
- هل يمكن ان تشعري ان حقوقك في الحب قد تحققت ، وزوجك كل يوم يسير مع امرأة؟ نراه يتمشى مع النساء وايديهما متشابكة ، وأنت منهمكة في اشغال المنزل ، وتحسين دخل الأسرة؟ هل توصلت الى حقوقك ، لتناضلي من اجل حقوق النساء؟
- ربما حالتنا ليست عامة ، هناك الكثير من الأسر السعيدة ، ينتشر الحب بين الزوجين ، ويقومان معا بالانفاق على الأولاد ويتعاونان بالأشغال المنزلية. لاتنظرن الى حالتي فقط ، ادرسن قصص المتزوجين ، واصدرن احكامكن ..
- هل كنت تعلمين استاذتنا ؟
- طبيعي ان الزوجة تدرك بتغير عواطف زوجها نحوها .
- مع الأسف .. تشقين في الحياة ، وهو يلعب ويتسلى ، ضاربا مشاعرك بعرض الحائط
- لست وحدي التي تعاني ، هناك من يعشن مثلي ، محرومات من الحقوق ، مع زوج لايبالي بما يقمن به من تضحيات.
- وكيف تتحملين هذه المعاناة استاذتنا الحبيبة؟
- انتظر ان تتحسن تصرفاته بعد فترة!
يبتدعها زوجها ليتمتع مع النساء الكثيرات ، وكثيرا ما تسأل نفسها ، دون ان تتوصل للجواب :
- لماذا يصر احمد منصور على اساءة معاملتي وهو يراني بمثل هذا النكران للذات ؟ وهل انا ضعيفة جدا ، لاأستطيع ان أضع حدا لظلمه؟
(76)
كل الكلام الخيالي الذي نسمعه عن المساواة تكرره باسمة امام طالباتها المراهقات ، من الرجل الذي يتنكر لرجولته في غسل الصحون وتنظيف البلاط ؟ من الرجل الذي يدنس نفسه في تنظيف ا لملابس وكيها ، ومن من الرجال يسمح ان يعود الى منزله ويجد ان الطعام لم ينضج بعد ، وان كؤوس الشاي لم تغسل منذ الصباح ، وان ادوات الحلاقة التي يستعملها بقيت في مكانها ولم تنظف ؟ من الرجل الذي يرضى ان يحرم من السهر مع أصدقائه ؟ من الرجل الذي يحرص على رضا زوجته ؟ ماذا يمكن أن تفعل الزوجة ان وجدت زوجها ليس مهتما بها ؟ لتضرب رأسها بالحائط وتخرس . ماذا افعل انا ان كانت زوجتي مدرسة عليها ان تصحح اوراق طالباتها ، وان تضع الأسئلة للامتحانات الشهرية والفصلية ونصف العام ونهاية العام ، ماذا افعل ان تم فصلي من العمل ، هي لاتصدق ان الفصل تم لأسباب سياسية رغم اني ذكرت لها ذلك ، هي محظوظة انها ارتبطت برجل مثلي ، لايحاسبها كثيرا ان رفضت مشاركتي الفراش ، تقول لابد من ا لمداعبة قبل العمل ، وانا زهقت من كلامها المنمق الذي تردده من غير مناسبة ، انا مظلوم يا ناس ، لماذا لايحق للرجل ان يشكو وانا التعيس الذي تزوج مدرسة تعلم طالباتها العصيان والثورة ضد الرجال ، اي امرأة شاء سوء حظي ان ارتبط بها ؟ معها مصرف البيت وهي تشكو انها لم تستطع ان تشتري براتبها ما تحب ان تهيئه لوجباتنا الثلاثة ، نحن اثنان فقط ، احيانا يزورنا اخي مع احدى النساء ، فتكون الطامة الكبرى وترعد الدنيا وتزبد ، وكأنني انا من اتيت بالنساء الى منزلها ، أليس من حقي ان يزورنا اخي مع المرأة التي يريد :
- زوجتك متسلطة ، من حسن حظي انني لم اتزوج!
- انها متعبة فقط..
- وهل تضع تعبها على اكتافنا؟ ما شأننا نحن؟
- هي تتعب بالعمل ..
- السبب انك لست رجلا ، لتريها العين الحمراء..

(77)

تستبد الحيرة بباسمة سعيد ، ويسلب راحتها القلق، ايمكن ان يكون التباين بين حقيقة الانسان وبين ما يظهره للناس بهذه القوة ، هل يتظاهر احمد منصور بما ليس فيه ، ام انها طبيعة اي منا ، يظهر ما يراه جميلا ، دون ان يكون بمقدوره ان يتمتع به ، يثيرها العجب مما يقوم به للحصول على اعجاب النساء ، وتخلو حياتهما المشتركة من كل جميل ، تسمع عبارات الاستحسان تقولها سيدات محترمات لزوج لايعرف حقوق زوجته ، ولا يسمح لها بالتمتع بالجمال ، يحصي عليها حركاتها ، ويدعي انه مناصر لحقوق المرأة ، هل يجدها امرأة حقا ، ام ان عفله يجردها من صفات الانوثة التي يراها في كل النساء ، الا باسمة سعيد ، التي تنتظر اوبته في كل مساء ، لتسمع منه كلمة واحدة ، تحثها على مواصلة الحياة مع امريء تزوجته لأنها وثقت بحبه لها ، ثم اكتشفت ان قلبه خال من صفات الحب والاعجاب ، يطول سهرها وانتظارها لعودته ، لكنه يرجع مخمورا ، وقد أسرف في الشراب ، فيفسد عليها ليلتها ، ويجعلها تتمنى الا تكون قد عرفته ، او وقعت في حبائله ، يمدحه جميع معارفه واصدقائه من الجنسين ، ويسبغون عليه اجمل الصفات ، التي لاتراها ، وهي التي تحبه ، كيف وقعت في حبه ؟ وكيف ظنت انه يبادلها عاطفتها ؟ كان ذلك سرابا رافقها طول الوقت..
تستمع باسمة الى اقوال اصدقائه :
- احمد رجل كامل ، يتمتع بكل ما تحبه المرأة من صفات !
- انه رجل رائع لكنك لاتعرفين قدره !
- طبيعي ان يعرف الرجل نساء عديدات فهل تريدين ان يكون امرأة؟
- انت تظلمين الرجل الجميل معك ! لماذا اقدمت على الزواج منه ؟
- عشرات النساء يرغبن بالارتباط بأحمد وانت لاتعرفين شمائله!
- ان كنت لاتحبينه ، ليعد الي ، طوال عمري وانا متيمة بوسامته..
- انت تطلبين صفات ليست موجودة ! اتقي الله ولا تكثري الشكوى!
تقرر باسمة سعيد الا تشكو بعد اليوم ، وان تظهر السعادة ، ولا تجعل علامات الحزن تبدو عليها ، ترتدي ملابسها الجميلة ، وترسم ابتسامة السعادة على محياها .ز
يطول انتظارها ، ولا عودة للزوج الغائب ، وحين يقترب الفجر يرجع وقد انهكه الشراب:
-انت حجرة ثقيلة في طريق سعادتي!
تلجم المفاجأة باسمة سعيد ، ويصيبها الخرس ، وتقع على الأرض ، تسمع اشخاص يتحدثون وصوته تسمعه بوضوح:
- لم اقل لها شيئا ووقعت على الأرض..كنت اظن انها امرأة ، واذا بها مخلوقة من قش

(78)

حدثت باسمة سعيد صديقتها اسماء عن معاناتها وعن ارغامها على ان تقول ما لن تعتقد بصحته ، وان من كانت تظن انه حبيبها يجعلها تصرح امام الناس بامور ليست حقيقية ، واصلت باسمة حديثها عن الألم المكبوت: وكيف تحدثت للحاضرين في جمعية الدفاع عن حقوق النساء
يسرني سيداتي ان أقص عليكن حكايتي ، رغم انني لا أحب إلقاء المحاضرات ولا أحبذ قولها ولكني مغلوبة على أمري أنفذ مشيئة الآخرين وامتثل لأوامرهم
كلفت هذا اليوم بهذا الواجب ، ساعدنني كيف ابدأ ، حسنا امرني ان القي على مسامعكن تجربتي الطويلة والدروس التي استخلصتها طيلة سنين عمري السعيدة ، صه ، لقد ذهب ، لنتكلم بصراحة ، طلب مني ان أتحدث عن تجربتي الخاصة وعن المساواة التي نعمت بظلها ، ولقد ابتعد الان ...... وهذه الجلسة نسائية ، سأكون صريحة معكن وأتحدث بلا أكاذيب أو اختلا قات وعندما ترينه مقبلا اخبرنني كي اخذ حذري وأعود إلى حديثي المرسوم والمقرر ، بلا مساواة ولا بطيخ في مجتمعاتنا العربية لا تجعلن صوت المكر يفون عاليا ، فانا لا أطيق إسماع كلماتي لمن كان خارج هذه القاعة ، انتن فقط من أزمع محادثتهن بأمري
هل ذهب ؟ أصدقنني القول ، لم يعد في طاقتي احتمال الصراخ المستمر والزعيق ، أريد ان أحيا بسلام ، هل جربت إحداكن المساواة ؟ هل عاملها زوجها معاملة الند للند ؟ أنت يا سيدتي ؟ لعلك قد تزوجت حديثا ولم تري شيئا بعد من الدنيا ، انا كنت مثلك في مستهل زواجي ، حيث أجنحة الحب ترفرف علينا ، ورحيق الخمرة يسكرنا ، في ذلك الزمن السحيق حيث كنا عاشقين ، ارفعي صوتك ، لم اسمع ما تريدين قوله ، صمت من فضلكن ، ماذا هل تجدن في حديثي تناقضا ؟
اسمع أصوات خطوات تقترب ، لأخفض من صوتي ، لا أريد لأحد أن يسمعني ، فيساء فهمي ، والآن سأبدأ :
يسرني سيداتي آنساتي ..ان أقص عليكن حكايتي ، انا الزوجة والأم التي مضى على زواجها ثلاثة عقود كاملة ، لم يرتفع خلال هذه الفترة الطويلة صوت لي ، لم أتذمر ، لم أشك من سوء طالعي ، او أندب تعثر حظي ، قضيت هذه الأعوام وأنا شبه راضية ، وان لم أكن سعيدة ، فلماذا أشكو ؟ وماذا يصنع لي التذمر ، هل يغير إظهار الألم شيئا من واقع الحال ، أليس من المحال تحسين الأحوال ؟ هل تسألنني كيف استطعت التغلب على مصاعبي ؟ وما هي الطرق التي سلكتها ؟ لن أكون قدوة ، لكن ، آنساتي ، لكل جيل قوانينه ، كنت هادئة دوما ابتسم بوجه العاصفة واخفض لها رأسي وجسدي ،، وحتى روحي ، حتى تمر بسلام ، لم أغضب ، ولم الغضب ؟ لاشيء يغير المكتوب ، حسنا ، غضبت في البداية وكنت اشعر بضياع عمري ، وان حبي قد تبدد ، وكنت أسال نفسي أحيانا كيف استطاع برعونته أن يئد إحساسي بالحب نحوه ، لم يعد يسمعني الكلمات الحلوة التي ترغب بها روحي وكان يعاملني بغلظة أتساءل أحيانا من أين أتى بها ، وحين أحاول ان اعبر عن حبي ، يصرخ بي هازئا ، وبعد أن أحبني وبادلته عواطفه ، وتزوجنا ، ومضت فترة بسيطة على الزواج ، اخذ يحب كل النساء ويظهر لهن المودة ، يقدم لهن الأمنيات والقبلات والهدايا الجميلة في أعياد ميلادهن ، ويأخذ ثمن الهدايا من نقودي ، وأنا أحيا منسية ، لم يتذكر عيد ميلادي ثم أمسى يسمعني القول أنني قد كبرت على مثل هذه الاحتفالات مع أننا في عمر واحد وأبدو أنا اصغر منه أحيانا إذا ما اهتممت بنفسي ،لم يعد يراني امرأته ، ومن أكون ؟ صه ، سكوت من فضلكن ، المراة كالوردة ، تذبل ان لم يتم ارواؤها ، وقد ذبلت انا وانتهى أمري وأصبحت أرى العالم اسود بشع السواد مظلما جهنميا ، والحب شجرة باسقة كثيفة الأغصان ، وارفة الظلال ، تسقط أغصانها ، وتذبل أوراقها وتتساقط مصفرة ، تذروها الرياح ، ان نسي ارواؤها ، في غمرة الإخفاقات التي نعيشها ، كنت أسال نفسي وماذا جنيت حتى يعاملني هكذا ولم أذنب ؟ بقيت اطرح هذا السؤال فترة طويلة من الوقت ، حتى أدركت انه لا جدوى من الأسئلة ،، وأنني أضحيت أتنفس برئة الآخرين وارى بعيونهم ، هو القدر ، جعلني أبدو هادئة ساكنة ، وداخلي يغلي كالمرجل، أكون أحيانا صماء بكماء وحتى عمياء ،حلمت مرارا برجل يحبني ويضمني بحرارة إليه ويقبلني ككل الرجال في العالم ، ولكن هل كانت أحلامي اكبر من طاقتي ؟ ، لا ادري ، كل الذي اعلمه انه لاشيء غير الحب يبعث الأمل في النفوس ،، ويجعلنا نناضل ونجاهد ونشعر أننا أقوياء نقهر كل الشرور ونتغلب عليها ، وأعيش الآن بلا حب ، حياتي باردة كالثلج ، أئن وأتوجع ولا يشعر احد بحالي ، أصبت بكل العلل التي يمكنكن تخيلها ، ماذا افعل وأنا انسانة تعبة ، منهكة ، ووحيدة اردد أغاني فريد الأطرش ولا يصفق لي السامعون ، مالي أراكن وقد علت ابتسامة الاستفهام على محياكن ؟ من منكن استطاعت ان تغبر اتجاه دفة السفينة ؟ هراء ما تدعيه بعضكن ، هل تزعمن المساواة ، أي مساواة تجدنها في العالم العربي ؟ أي القوانين تدعو الى المساواة في بلدانكن المنكوبة ؟ سأكمل لكن قصتي : كنت عاجزة عن النظر والنطق حتى تسير سفينتي بهدوء ، ولا تفقد الملاح قدرته على إدارة الدفة ، لا تنسين إخباري إذا ما لاح لكن احد الذكور ، هل أنا ضعيفة ؟ أبدا ، اشعر دوما أنني قوية ، المراة العربية تكتسب عادات زوجها وتتخلق بها بمرور الوقت ، وانتن كلكن هكذا أصبحتن مثل أزواجكن حين جمعكما عش الزوجية السعيد او التعيس لا ادري ، أرى ابتسامات ساخرة تعلو محياكن هل استحق الشفقة ؟ أبدا ، ما هذا ؟ أرى شخصا يشبهه يطل من بعيد ، له نفس الهيئة ، واثق من نفسه درجة الغرور ، وكأنه لا يقرب الخطأ ، أين هدوئي ؟ لقد تبدد ،،انه يرعبني ، ينسيني قوتي ، يسلبني اتزاني ، يقيدني ، ماذا تدعين يا سيدتي ؟أ تزعمين أنني لا أزال أحبه ، هراء . ما تقولونه هراء ، لماذا يفرض على المرأة ان تحب من نسيها ؟ ينبغي ان أتحلى بقوتي أن أجاهد ضعفي ؟ ولكن كيف ؟ لاحول لي ولا قوة ، يتظاهر بالهدوء ويسمعني كلماته المسمومة ، يلدغني ، سهامه تصيب مني مقتلا ، أجد نفسي مبتعدة عن الموضوع الرئيس ، وعلي ان أحدثكن عن تجربتي الناجحة وحياتي المترعة بالأفراح ، وعليكن أن تسمعنني ، وتقتدين بي ، ولكن انتبهن جيدا ، ربما يلوح علينا ، بابتسامته الصفراء ، ولكن ماذا جرى لي ؟ افقد اتزاني ، ويهجرني صبري ، ويحكمني جزعي ، الا أجد بينكن مهربا ؟ أحاطني الصمت بخيوطه العنكبوتية ، مكثت داخل شرنقتي ،، فأبديت موافقتي على ما يبديه وأنا أتلظى ، أبطن المعارضة ، ماذا حدث لي ؟لا أحب ارتفاع الأصوات ، ويرتبك ضغطي عند أدنى ارتفاع ، ابعدي جهاز التسجيل أيتها السيدة لا أود تسجيل حديثي ، إنني أغبطك على وضعك أيتها الآنسة ، علي ان ابدي أفكارا لا احملها وان أؤيد وجهات نظر لا اتفق معها ، انه هو ، يقترب ، ام انه الوهم ؟، أصدقنني القول ، عزيزاتي ، هل استطاعت إحداكن أن تغير من طباع احدهم ،، وان تساهم في تقدمه نحو الأمام ؟ خداع وأباطيل ما تدعونه ، هراء ما بقينا نسمعه طيلة عمرنا المهدود عن دعاوى المساواة ، تسألنني كيف أستطيع أن أحافظ على هدوئي وسكينة نفسي ،؟ لم يكن الأمر هينا منذ البداية ، حلمت مثلكن بالمساواة وبالتعاون لتذليل الصعاب وبالمناقشة الهادئة ،الهادفة إلى تقريب وجهات النظر ، ولكن رفع الصوت من جانب شريكي ومطالبته لي بان أغير وجهة نظري ، وأتخلى عن قناعاتي جعلني أتظاهر بالهدوء وكثرة التظاهر بالشيء تكسب الإنسان مهارات جديدة ، أصبح التظاهر حقيقة ؟ فلماذا أثور برأيكن ؟ وعلى من ؟ والسفينة كيف يمكنها أن تشق طريقها وسط الأمواج المتلاطمة ؟، ألا ترون ان علينا معشر النساء واجبات كثيرة ؟ وليس لدينا حقوق ، أنت أيتها المراة المتحدثة ، ارفعي صوتك ، واخبريني أي حقوق تزعمين ؟ أنها ثوب فضفاض ، إننا نتدهور ونعود الى الخلف ، هراء .. كل نضالا تكن ذهبت أدراج الرياح ، ماذا تسالين أيتها السيدة ؟ كيف يمكنني ، الاحتفاظ برباطة جأشي ؟ إليكن هذا ، استيقظ مبكرة وأجهز طعام الإفطار.... ماهو السؤال ؟ نعم كل صباح ، أوقظ الأولاد ، اخرج من المنزل بعد ان يكون كل شيء جاهزا : طعام الغداء ، ما يحتاجونه من نقود لكل النهار ، الملابس النظيفة المكوية ، الأرضية ممسوحة بعناية ،والصحون مغسولة، استمر واقفة طيلة ساعات عملي ، أعود ظهرا أتناول قليلا من اللقيمات لتحفظ ماكينتي من الاستمرار بالعمل ، أعود الى العمل مرة أخرى بعد ان اغسل الصحون مرات ومرات ، هل ابتعدت عن الموضوع ؟ قليلا كما أظن ، أعود منهكة في ساعة متأخرة ...ليس كثيرا ، الى ماذا يوجهكن الخيال ؟ فلاشيء في حياتي الا الأسرة والعمل ، هل تسألنني ومتى أقرا؟ حسنا عندما انتهي من كل أعمال النهار وما ان امسك الكتاب حتى يأخذ النعاس بتلابيبي ، ومتى اخرج للترفيه عن نفسي ؟ لقد قرأت هذا السؤال في نظراتكن ، عندما أجد الوقت مناسبا ، هل تجدنني آلة ؟ اجد نفسي هكذا ، انا الة صماء ، والآن اخبرنني بالله من منكن نحيا بصورة أفضل مني ؟ إني أتحدى ، إني أرى أشباحا قادمة من بعيد ، لقد أنهيت كلامي ، وحدثتكن حديثا صادقا ،كنت اطمح اليه وارجوه من صميم قلبي ، أرى ملامحه من النافذة انه يحاول الاستماع الى ما نقول ،انا لم أفه بما يثير الغضب ، سوف ارفع صوتي : إنها حياة حافلة بالنجاحات ، زاخرة بالأفراح ، عشتها مع توأم روحي ، أسمعتكن إياها ،وأرجو ان تستفدن من تجربتي
فنحن زوجان متعاونان في كل أمور الحياة ، ناجحان سعيدان .... وشريكي إنسان ذو قلب كبير ، عشت وإياه حياة ملأى بالسعادة ، مترعة بالنعيم ، أرجو ان تمنحكن الحياة ما منحتني وطابت ليلتكن والى اللقاء


(79)
تسأل أسماء صديقتها باسمة:
- الرجال يحبون المرأة الجريئة ، ألم نجربي ان تقومي باغرائه ، بدلا ان يقوم هو بدعوتك دائما؟
- جربت هذه وأخفقتُ...
- كيف؟
في ليلة ظلماء خلت من اي ضوء ، كنا مجموعة أصدقاء متزوجين ، دعينا الى منزل عائلة ، تحتفل بذكرى زواج ، اوى جميع المدعويين الى اسرتهم ، وبعضهم افترش الأرض .
- متى كان ذلك ؟..
- في الشهر الأول لزواجنا ، كان عنيفا لكنه احيانا يردد بعض كلمات الحب .
قمتُ لأطل على حبيبي الغائب الذي يحضر دائما الى فكري الذي كان متوقدا، وجدته وقد سيطر عليه سلطان الكرى ، وتناوشته حمى الاحلام الطوباوية ، التي ليس بمقدور الأصحاء ان يحلموا انه بقدرتهم الوصول الى تحقيقها يوما ، وجدته كعادته دائما يصرخ في نومه لرؤيته كوابيس لايعلم عنها احد شيئا ، اشتقتُ الى لمساته وقبلاته ، فاغرقته في قبلاتي ، حتى استفاق من نومه :
- باسمة ، عليك اللعنة توقظينني من اعز نومة وتسلبينني حريتي !
- اشتقتُ اليك !
- وهل اشتياقك هذا يجعلك تقترفين بحقي جرما ؟
- لم اقترف بحقك جرما ! اي جرم اقترفت يداي ؟
- ليست يداك ! بل فكرك السقيم ، كيف سولت لك نفسك الآثمة أن توقظيني من عز النوم ؟
- ولكنك زوجي !
- اريد ان اضع حدا لهذه العلاقة الكريهة ، هل هو سجن ابدي تريدين ان توثقي حياتي بحباله؟
- لكني احبك حقا !
- ولماذا تحبينني ؟ ولم ابادلك عاطفتك المشؤومة يوما !
- لكنك احببتني يوما !
- لم احبك ، انت توهمت الحب واتيت اليّ لتسجينيني!
- لم افعل لك شيئا هذه الليلة ليثار غضبك !
- هل تودين ان اوقظ النائمين كلهم لأحدثهم عن سوء اخلاقك !
- سوء اخلاقي ؟ لم أذنب ابدا!
- وهل يعترف الجاني يجريمته بسهولة ؟
- اية جريمة ؟ انت تحيرني ! كل هذه النعوت لأنني رغبت أن أبادلك الحب ؟
- لم تريدي مبادلتي بل احببت ان ترغميني!
- لم ارغمك ! فقط انني اشتقتُ اليك!
- كيف يكون الاشتياق عنوة سيدتي ؟ انت تسعين الى اغتصابي!
تستبد الحيرة بي ويسيطر التوتر على نفسي ، لا أعرف كيف أجيب عن اتهامات ظالمة توجه الي من انسان احببته أكثر من الناس كلهم ، هل أخطأت في حبه ؟ ام اقترفت ذنبا في الاعتراف بحبه ؟ طلبني زوجة ، فأردت ان يكون حبيبا ، وها هو يعلن انني غريبة عنه ، لم يحببني يوما ..



(80)

تتساءل باسمة سعيد عن السر الذي جعل الرجل الذي أحبته ينقلب كل هذا الانقلاب ، لماذا أبدى الحب والتفهم في بداية معرفتهما ، وطلب يدها ، وحين ابدت رغبتها بالحب تغيرت تصرفاته ، هل لأنه عرف انها وقعت في غرامه من اللحظة الأولى والرجال في بلادنا عادة لايريدون ان تبدي المرأة هيامها بهم ، ويفضلون ان يكونوا البادئين باعلان الحب ، هل تسرعت باسمة في بوحها ، اما كان الأجدر بها ان توافق على يده الممدودة اولا ، وتنتظر الوقت المناسب ككل بنات جنسها ، يرغبن بالرجل ويجعلنه يقد م على التصريح بالحب ، باسمة سعيد التقدمية والتي تناضل من اجل المساواة لم تشأ ان تلف وتدور وان تنتظر الحبيب حتى يعلن عن حبه ، فهذا الحبيب لم يكن يبالي بها ن وقد احب فتاة أخرى ، وحين رفضه أهلها تقدم لباسمة التي كان يدرك انها تعشقه ومنذ ان رأته عيناها، فهل الحب وهم كبير يداعب النفوس النبيلة والقلوب المرهفة الشعور ؟ ام انه حقيقة تريد اناسا أقوياء يجعلون العاطفة في حياتهم شجرة وارفة الظلال ، يستظلون بفيئها ، وهل باسمة سعيد كانت من الأقوياء ؟ ام انها تنهزم من الوهلة الأولى وتندب حظها العاثر الذي اوقعها بمثل هذه القصة الشائكة ، احمد منصور ليس قويا ليبقي ثابتا مع انسانة توهمت انها تشعر بالحب ن كما كانت تشعر بالسعادة الغامرة حين تربط صديقين من أصدقائها المخلصين وشائج اجمل علافة في الوجود ، وقد نجحت في جعل الكثيرين من اعز الأصدقاء يقدمون على الارتباط بعلاقة تصمد امام كل انواع الأشواك ؟ هل هي الارادة ام الحظ ما يكمن وراء فشلها الذريع في الوصول الى مبتغاها في بناء حياة سعيدة ، لماذا ترى نفسها وقد أعيتها حالة زوجها الذي تجده ضعيف الأعصاب ، يثور لأتفه الأسباب ، ويسب ويشتم لاعنا الساعة التي جمعتهما معا ، ماذا تفعل الان ؟ وهي ترى ان الحب في داخل نفسها المعذبة قد زال وظهرت مكان جذوره أشواك قاسية تدمي القلب والعقل معا ، هل تصمم على الطلاق ام تحاول ان تنقذ قصتها التي توهمت انها قابلة للتحقق ، اي مصير ينتظرها ، واية لعنة حلت ببابها ، فحولت كل الجمال الى طحالب ضارة تميت كل المخلوقات وتزرع بذور التعاسة والتوتر لتحول الخضرة الى بيداء قاحلة...

انتهت







































الجزء الخامس من رواية ( وأدتك قلبي)
(65)
تهييء باسمة سعيد نفسها لعودة زوجها ، تفتح آلة التسجيل على الاصوات التي يحبانها معا ، يأتي زوجها:
- امي تسلم عليك!
- كيف هي؟
- بخير ، حدثتها عن متاعب ليلتنا ، وقالت انها طبيعية ، لابد ان نشهدها في بداية الزواج ، وقالت انني احب زوجتي كثيرا ،لهذا لااريد ايلامها في ليلتنا الأولى ، وقالت ايضا ان باسمة تحبك وسوف تتحمل الألم كما تصبر النساء عادة على اوجاع ليلة الدخلة ، وانك سوف لن تصرخي في منتصف ليلتنا كما فعلت في بدايتها..
- هل تحب ان تسمع اغاني ام كلثوم ام نجاة الصغيرة؟
- اي اغنية تحبينها افضل سماعها ، قالت امي انني يجب ان اكون لطيفا معك ، وانك اذا صرخت لااجعل صراخك يتسبب في ايقاف عضوي من الانتصاب ، لاتصرخي حبيبتي ، وسوف تنتهي ليلتنا بخير كما نريدها ، هل تريدين كأسا من البيرة ام العرق؟
- كأسا من العرق.
- هاتفت امي قريبنا الدكتور منعم وحدثته عن متاعبنا ، فوصف لي حبوبا تمدني بالهدوء والطمأنينة في هذه الليلة ، وقال الدكتور منعم ، ان باسمة تحبك وسوف لن تصرخ ، وان الزوجات كلهن يصارعن الألم ولا يخبرن الزوج عنها ، حتى لايفقد القدرة على الانتصاب كما حصل لي..
- احبك احبك احبك..
- وانا احبك ياباسمة اكثر مما تتوقعين ، استرخي حبيبتي ، فالامر طبيعي ، لاتكوني متشنجة ، دعي الشراب يعمل على تهدئتك ، انسي كل شيء الا حبنا الكبير ، وليلتنا السعيدة القادمة..
يطأ احمد منصور باسمة ، تضع تحتها الفوطة البيضاء كما نصحتها صديقتها الطبيبة ،
تمسك بوجه احمد وتقبله قبلة طويلة ، وتوزع قبلاتها على الفم والعنق و العينين ، تجد ان الألم اصبح خفيفا بامكانها ان تتحمله ، يسألها احمد :
- هل انتهينا؟
- ماذا تقول انت؟
- اين الدم ؟
تقوم باسمة وتنظر الى الفوطة البيضاء ، ترى قطرات قليلة من الدم ، تضعها امام عيني احمد ، وهي تشعر ان خنجرا مسموما قد وجه الى كرامتها ، لاتقول شيئا ، وتتوجه الى الحمام لتغسل ما بين فخذيها ، وحين تعود تجد احمد نائما وسط السرير ، وهو يشخر بعنف،
ما زالت الآلام تشعرها ان سكينا حادة قطعت جسدها وجعلته أشلاء رمته بعيدا ، وان قلبها الظاميء لم يجد من يشبعه من سغب ، فهل ما كانت تشعر به من حب ظنته خالدا مجرد سراب؟
وهل يوجد حب حقيقي في هذه الدنيا ؟ ام اننا نتوهم لنجعل الحياة تبدو اكثر جمالا، قلبها ممزق ، قد وجهت اليه طعنة كبيرة ، تشعر انها فقدت شيئا ثمينا لايمكنها استرجاعه، قالت لها صديقتها نجلاء مرة :
- من الخير لاحدانا ان تتزوج رجلا متنورا عن طريق خطبة الأهل ، افضل من الاقتران برجل يدعي التقدمية ، قد ارتبطت معه بعلاقة حب قبل الزواج!
- لماذا يا نجلاء ؟
- لان الرجل المدعي لايصدق ان زوجته لم تعرف رجلا غيره ، مهما كانت براءتها أكيدة.. ويرى انه مادام يحب نساء كثيرات ، فان الفتاة تحب مثله ، ولا يصدق ان المرأة لاتهب رجلها قبلتها فقط الا ان كانت تحبه.
كيف يصدق احمد منصور ان باسمة لم تحب الا اياه ، وان جميع صداقاتها مع الرجال كانت علاقات اخوة؟ وأنى له ان يفهم وهو ليس امرأة تخشى ان ترتبط بعلاقة حب وتحافظ على رأي الحبيب بعفتها . كيف يمكن للمرأة ان تطالب بالمساواة وهي تخشى من علاقات الحب وتحاول وأدها منذ تباشير فجرها، هل يمكن لأي رجل ان يدرك كم تقاسي المرأة كي لايساء الى سمعتها من احد توهمت يوما انه يحبها ، واذا التوهم مجرد أضغاث أحلام .. انى لأحمد منصور ان يعرف ان باسمة لم يعرفها اي رجل ، وانها رغم قصص الحب التي حاولت قتلها في بداية انطلاقها لم تجرب القبلة ولا اللمسة ؟ كيف يمكن ان توجه طعنة نجلاء الى شرفها من رجل احبته كل العمر! ؟

(66)
قطرات قليلة من الدم كانت على الفوطة البيضاء ، حين تساءلت اين الدم ؟ اجابتني بأن وضعت فوطتها امامي ، اصابني الخرس ، لماذا تسيل منها قطرات قليلة ، ، بينما بعض النساء تنزف انهارا من الدماء ؟ لماذا هذا البخل ؟ ومن اين جاءت باسمة بالفوطة ؟ تساؤلي جعلها تتوتر ، رأيت ذلك على ملامحها ، وماذا أفعل انا ؟ انا الرجل الذي اهينت كرامته ؟ كيف لي هذه الثقة ما عدتُ اعرفُ شيئا ، وقد ظننتُ انني قد قطعت السمكة وذيلها ، واذا بي اصبح اليوم موضع هزء من المطالبات بالمساواة ، الا سحقا لكن ، تدعين بهتا انكن بريئات ! لم احب امرأة في حياتي ، الا نهلة التي اجدها موضع فخري واعتزازي ، هي تحبني لذاتي ، وليس لديها مطمح آخر ، لاتريد زواجا ، ولا ان تضع القيود حولي ، كما تفعل النساء حين يحببن . الا يدركن ان الزواج مقبرة الحب ، ذهبت باسمة لتغسل جسدها من تعدي صارخ وقع عليه من قبلي ، وانا كنت صريع الهواجس والشكوك ، هل الفنان المطرب الذي تعجب به باسمة ، هو من جنى محبتها ؟ لا ادري انا ، كلما كنت اسالها عن ماضيها تقسم انها بلا ماض ، من اين جاءتها هذه القوة ؟ كثيرون احبوا باسمة واعجبوا بها ، وغبطوني على محبتها المزعومة لي ، اما دروا انها وصلت لي ثيبا ملعوبا بها ، وانا الحريص على ان تأتيني الزوجة بكرا ، لماذا وقعتُ بارادتي بهذا اليم ؟ وكيف يمكن انقاذ نفسي منه ؟ انا من كنت اتوهم اتصافي بالذكاء والحنكة ، كيف وقعت بملء ارادتي بهذا المطب ؟ تعسا للنساء ولكل من يصدق بكلامهن المعسول ! وأكاذيبهن الفاحشة ، انا احمد منصور اعترف انني وقعت في الفخ المنصوب لي باصرار وترصد ، لماذا تنكر باسمة ماضيها ؟ أليس الأجدر بها ان تخبرني بالحقيقة ؟ الم تكن تدري انني سأقف الى جانبها حين اسمع قصصها العديدة عن أحبابها السابقين ، ألم اساعد شقيقاتي في قصص حبهن ، واقف معهن واقابل احبابهن وادعوهم الى منزلنا ؟ لماذا اخفت عني باسمة قصص غرامياتها ؟ وجعلني ذلك كثير الشكوك . لو ذكرت لي الحقيقة ما كنت اكذب ما تقوله ، اعتقد انه لايوجد امرأة عصرية بلا ماض ، كيف زعمت باسمة انها حرمت نفسها من احضان الحبيب ودفئه من اجل ان تذهب الى العريس بلا دنس ؟ كيف اصدق انا ؟ وهل يمكن للمرأة مهما كانت قوتها ان تئد عواطفها ورغبتها في دفء الرجل ، من اجل ماذا ؟ وتزعم انها فعلت ذلك كي تصون نفسها للزوج القادم ، وهل يمكن لأي زوج ان يكون بديلا عن الحبيب يا باسمة؟ سأحاول ان أكون رؤوفا بها ، فهي كريمة الخصال كما يدرك جميع من عرفوها ، ولن اكرر شكي بها ، وسأستمر على علاقتي بنهلة التي تمنحني السعادة والرضا من حياتي ، فانا لم احقق شيئا الا حبي لمعشوقتي نهلة الرائعة...


(67)

باسمة سعيد في اعلى درجات الفرح ، غُرست في قلبها شتلات السعادة ، واينعت في نفسها ثمار الحبور ، لم تكن تعلم ان الزواج سوف يجعلها بكل هذا السرور، وردتها الظامئة المتطلعة للوصال، تتغنى هذه الليالي بفرح غامر ، بعد ان سقاها الحبيب ، وانقذها من عطش ظنته دائميا ، تنتظر الساعات لأوبة احمد منصور ، وتقوم بكل الأعمال المنزلية ونفسها جذلى، تخرج الى العمل وهي تغني بأعذب الأصوات مترنمة ، واصفة سعادتها الجديدة التي لم تكن تخطر على البال ، قامت بكل الاعمال التي كانت تتوهم انها ستضيف اليها الفرح ، ولكن تعبها الشديد وارهاق نفسها وخذلان روحها ، بعد ان اعياها انتظار العرفان ، كان يخلق لها أسقاما للروح ، وأمراضا للفؤاد ، سمعت الكثيرات من صديقاتها يسبغن الأوصاف الجميلة على تلاقي الجسدين ، لكنها حلمت باتحاد الروحين اولا ، ليؤدي الى تلاحم الجسدين باروع الصلات ، لم تجد احمد منصور كما توقعته جميل النفس هاديء الطباع ، بل كان عنيفا سريع الغضب ، يتفوه بالكلمات النابية المعبرة عن ضيق النفس ، والتسرع في الرد قبل اتضاح القصد من الكلام ، تحملت كل الصفات الحادة ، بصبر لذيذ ، وهي تنتظر ساعة الرقاد ، تنتعش الوردة وتنتظر غيثا يهطل من حبيب جميل ، يتعانقان ، يتبادلان القبل ، يتلاحمان في عزف أخاذ ، تصاحبه الموسيقى من اجمل الألحان ،لكن الحبيب وآسفاه ضنين بالوصال ، لايريد ان تتكرر اللقاءات الثملة ويقول انها تسارع في الاتيان بالعجز قبل الأوان ، وان عليهما ان يقتصدا في أوقات الغرام ، وان تكون ساعات الحب مرتين في الشهر ، ليحافظا على صحتهما قبل الأفول ، وان الترحيب الذي تبديه معيب جدا:
- من علمك هذا؟ اجدك قد جربت الحب قبل الزواج!
- هل عدنا الى الاتهامات مرة اخرى؟
- لاارى انك بريئة كما تقولين!
- لم اجرب الحب ، انما كنت أشتهي الوصال ÷، ولقد خشيت ان اجربه ، ولو كنت اعلم انك ستتهمني لعشت قصة الحب ، كما تفعل الشجاعات من النساء!
- هل تعتبرين هذه الجرأة شجاعة؟
- حرمت نفسي من اجل ان يراني زوجي نظيفة من الخدوش ، ولكنك تتهمني!
- انك سريعة الاستجابة ، ما ان ألمسك حتى ارى الشهوة المستعرة في عينيك!
- وهل كنت تحب ان تقترن بامرأة باردة ؟
- لا أدري ، ربما الباردة افضل من شديدة الحرارة!
- وما العمل؟
- لا عمل الآن ، وقد يأتيك بالأخبار من لم تزودي!


(68)

أتساءل أحيانا هل باسمة بريئة كما تقول ؟ وهل ان بقاءها بعيدة عن الوصال جعلتها بهذه الرهافة ، ما ان اقترب منها حتى اجدها تشتعل ، كيف تعلمت ان تكون بمثل هذه الحرارة قرأت مرة ان حرمان المرأة من الحب قد يجعلها باردة لاتستجيب لمداعبات الحبيب ، وباسمة تدعي انها لم تعش قصة حب حقيقية ! كيف تأتى لها ان تكون بمثل هذه ؟ ، انها تجعلني ارى كل فنون الغرام ، وانا لااستطيع ان ابريء هذه المخلوقة التي وهبتني كل هذه العواطف ، ولم امنحها الا الشك والصدود ، اتعجب لحالة النساء ، كيف يصبرن على مثل هذه العلاقات ؟ وباسمة من اسرة نبيلة ، كانت موضع عنايتها ورعايتها منذ الطفولة ،وحتى شاء لها سوء طالعها ، ان تقترن بي ، احيانا افكر ، لماذا أسيء معاملة المرأة التي وهبتني نفسها ، هل لأنني نشأت في اسرة يحترمون فيها من يبرع في الصراخ ، ويرون ان طلباته اوامر ، يجب ان تطاع ، هذا انا ، اصرخ بلا سبب وأطالبها ان تغير نفسها وقناعاتها من اجلي ، انا الزاخر بالأخطاء ، المعدوم من الثقة ، الخالي من الجمال ! لماذا جعلت باسمة تجد التعاسة في يومها الأول معي ؟ لماذا لم احسن معاملتها ؟ وانا اجدها تشعل الشمعات العشر من اجل ارضائي ، سأدع هذه الأسئلة واعود الى سلوكي نفسه ، فهو يسعدني ، اليس من الثراء ان تجد زوجتك تهرح الى نيل رضاك عنها ؟ وانت تمعن في اذلالها وسلب راحتها النفسية ؟ لماذا انا هكذا ؟ هل انا سيء جدا ، بعضهم يقول انني طيب ، لكني لااحسن فن الكلام ، اتفوه بالكلمات القاسية ، رغبة في نشدان الهيبة ! أي هيبة أريد وأنا أصعب الحياة على رفيقتي فيها ؟ ولكن ما بالي اتهم نفسي ! وباسمة لن تحتج على سوء معاملتي لها ، ربما تجد ها دليلا على الرجولة التي لم تجربها قبلي، فلأمضي في حياتي ، غير وجل ، احب نهلة ، وتخدمني باسمة التي دللها اهلها ، وانا اسمعها قاسي الكلام ، واعيد عليها انني اشك بها ، وانها لم تكن عذراء ، لتكن مشيئتي المهيمنة ، ولتصبح باسمة امتي ، التي اصنع معها ما أشاء ، اهبها بعض اللحظات السعيدة ، واهجرها طوال العمر ، نهلة من اصبو الى رضاها عني ، فهي حبيبتي الوحيدة ، وباسمة تمهد لي طريق السعادة..

(69)

كما النهر الرقراق ينساب من بين يدي باسمة سعيد، تتبخر سويعات الهناء ، وتولي لحظات بهاء اليقين ، أكان حلما جميلا ، انتهى لحظة جفاها الكرى ، وحل بأيامها سهاد مرير ، لماذا تتراءى لها البهجة ، كسراب شمس قائظة ، يسيل فيها من القلوب تعب غزير ، لا طاقة لها باحتماله ، وتتوالى عليها كؤوس الهم والعناء ، تتجرعها حتى الثمالة ، ضاعت كل أحلامها ، وولت طيور الفرح، جارية من أرضها الجدباء ، لتحل في حقول أخرى تعرف ما معنى السرور ، لمَ يهجر المرء فيها غناء العنادل ؟، إلى عواء متواصل كئيب ، أية لعنة حلت ببابها ، فأحالت سنابل قمحها إلى عجاف ، تركتها الأيام ثكلى ، ودعت المسرات في دنيا بعيدة ، وحان لها أن ترتوي من ماء أجاج ...
لمَ تهزم الأيام وتعبس الليالي ؟ أليست الحياة مدا وجزرا ، وفرصا سانحة ، يحسن الفطن اقتناصها ، ليفوز باللذات ، وينأى عن الكآبة والضياع ؟ وأية لذات تحلم بها ، وكأس الحنظل يفتح فاه مرحبا ، شامتا بما حل بأرضها من جفاف .....يصدأ عندها الشعور ، وتهرب النعم ميممة وجهها، صوب شاطئ بعيد
بطاقة تهنئة بالعيد ، وامرأة تلوح بفخر، تتصاغر أمام فتنتها الحسناوات ، وصدر ناهد مرمري ، عاري ، وشعر ينسدل بتراخ فوق الكتفين ، وكلمات قليلة مخطوطة بقلم أنيق :
- اذكرني ، كلما لاحت لك صورتي ...
تؤخذ باسمة على حين غرة ، هل أهرق احدهم فوقها ماء ثلج ؟ لم تحسب أن هذه اللحظة آتية ، وان قناديل حياتها توشك على الانطفاء ، وهي ما زالت في شهور العرس الأولى ،ريح عاتية ، تتلاعب بها ، تكون ريشة في مهبها ، من هي المهيمنة على هذا المشهد المسرحي ؟، تصدر أوامرها ،فيسارع الملبّون بالطاعة ؟ وباسمة ؟ تتنكر القوى الفاعلة ، وكأنها نقطة في بحر عميق الغور ، تطول حيرتها لمَ كل هذا ؟ من تكون هذه ؟ وكيف مرت بحياتها المسهدة الكئيبة ؟ وكيف لا يخطر في بالها ، انه يمكن أن تقابل تضحياتها الجسام بالنكران المبين ، وتقابل أعمالها الناصعة بالهزء ؟ ولمَ تتحول أيامها إلى علقم ؟ وعلام تقابل حسناتها بالسيئات ، ولمَ لا يكون الجزاء من جنس العمل ، وماذا جنت باسمة لتتضاعف على أم رأسها اللعنات ، ويسقونها شراب الحنظل ؟وكانت المحسنة دائما..
تستبد بها التساؤلات ، أي بحر متلاطم الأمواج ، رموها فيه ، وابعدوا عنها قوارب النجاة ، لمن تتوجه طالبة الإحسان، وقد سدت السبل بوجها ؟
قد تكون الخاطئة ؟ لماذا سمحت للأفعى أن تكون قريبة منها ؟ ألم تخش من انقلابها وتلون أفعالها ؟
أتكون بطاقة يتيمة ، قد أثارت بها فيضان المخاوف هذا ، وأغرقتها في يم لا شاطئ له ، وكيف يمكن لها أن تعلم ؟ قد تكون العديد من البطاقات الواعدة ، تسيل أحلاما ، وتجعل الأرض تميد تحتها ؟ ، ألم يصاحبها أفعال تعزز لغتها المطمئنة ؟ من جعل الحسناء بهذه الثقة ، وزرع في نفسها جذور اليقين ؟
تتقلب في بحر من الجمر تتلاطم فيه الأمواج ، أفكارها تضطرب في لجة عميقة الغور، عساها تهتدي إلى قرار ، وكيف يمكن لمن لا يحسن السباحة ، أن يعرف طبيعة البحار ، وسر الأمواج المتصارعة فيها ، هل ضاع كل ما بنته ؟ وتحملت تبعات أعمالها طوال هذه الشهور،





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,060,400,153
- وأدتُك قلبي: رواية : الجزء الرابع
- وأدتُك قلبي: رواية : الجزء الثالث
- وأدتُك قلبي: رواية : الجزء الثاني
- وأدتُك قلبي: رواية : الجزء الأول
- نازك الملائكة عاشقة الليل والطفولة
- لميعة عباس عمارة
- لماذا يتم التحرش بالنساء ؟
- رسالة الى امرأة عراقية في يومها الوحيد
- المساواة بين الجنسين هل هي حقيقة ؟
- التكسب بالقصيدة العربية
- قراءة في المجموعة القصصية ( غسل العار) لصبيحة شبر بقلم يوسف ...
- معاناة الطفولة العراقية
- التعليم في العراق والطريق المسدود
- نضال المرأة من اجل الحياة
- نضالات المرأة من اجل وضع حد للارهاب
- المرأة ومعاناتها الطويلة
- المرأة وعنف الحروب
- النقد يحتفي بنتاجات زهرة رميج السردية
- اتحاد الأدباء بين الواقع والتمنيات
- احتفاء بالناقد والقاص يوسف عبود


المزيد.....




- خبر كـ -الصاعقة- عن حياة روبرت دي نيرو الزوجية!
- في -مدينة الخطايا-..الكشف عن فسيفساء -ليدوس والبجعة- بعد 200 ...
- أكبر حزب معارض بتركيا يفصل قيادي بارز بعد دعوته لرفع الأذان ...
- تأجيل جديد للحسم في قانون الأمازيغية والمجلس الوطني للغات وا ...
- تركيا: بيان ترامب حول خاشقجي كوميدي وهل -CIA- لا تعلم من أمر ...
- الأدب الروسي يدخل المنهاج الدراسي في سوريا
- الأزمات تحاصر مهرجان القاهرة السينمائي في احتفاله الـ40.. وأ ...
- الإعلان الرسمي للفيلم المنتظر -Aquaman- يخرج إلى النور!
- منتدى الشعر المصري وندوة جديدة : - جماعة الفن والحرية ومجلت ...
- عاجل.. لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الأوروبي تصادق على الا ...


المزيد.....

- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبيحة شبر - وأدتُك قلبي: رواية : الجزء الخامس والأخير