أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد حسن خليل - الثورة الصينية بين الآمال والمآل















المزيد.....



الثورة الصينية بين الآمال والمآل


محمد حسن خليل
الحوار المتمدن-العدد: 5930 - 2018 / 7 / 11 - 02:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


فهرس المحتويات
مقدمة 2
بناء دولة صناعية 2
الثورة الثقافية 4
الخلاف الصينى السوفيتى 5
اشتراكية السوق ودنج هسياو بنج 6
مواجهة الصين للأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 14
السياسة الاقتصادية المستقبلية للصين 15
السياسة الخارجية للصين 19
السياسة الاقتصادية الخارجية، أفريقيا نموذجا 21
العقيدة العسكرية وتطورها 23
خلاصة واستنتاجات 25



مقدمة
عبرت الثورة الصينية العظيمة عن حركة شعبية أصيلة بقيادة الحزب الشيوعى الصينى، عبرت عن آمال الشعب الصينى فى التحرر الوطنى والحرية والعدالة الاجتماعية عن طريق السعى إلى بناء مجتمع اشتراكى يتجاوز التخلف الناتج عن القهر الاستعمارى الانجليزى ثم اليابانى ثم المحاولات الأمريكية بعد انتصارها فى الحرب العالمية الثانية، ومساعدتها للكومنتانج حزب البرجوازية الصينية.
ونجحت حركة ونضال الحزب الشيوعى الصينى منذ تأسيسه عام 1921، وعبر الكثير من الانتصارات والمنعطفات والهزائم، فى تجاوز المحن الصعبة وتجميع الشعب حولها والانتصار فى حرب التحرر الوطنى، وإنجاز نظام ديمقراطية شعبية يتجه إلى إقامة نظام اشتراكى عبر تنمية قوى الإنتاج وتطوير علاقات الإنتاج لصالح أغلبية أبناء الشعب الصينى.
وتهدف هذه الدراسة إلى تتبع مسار الثورة الصينية وانعطافاتها الرئيسية منذ نجاح الثورة فى 1949 عبر مراحلها المختلفة، فى المحل الأول من أجل فهم منطق ما حدث واختيار القيادات الصينية لطريقها وسط ظروف داخلية وعالمية معقدة (1)، وصولا إلى مآلاتها الراهنة عام 2018.
بناء دولة صناعية
ولعل المعضلة الاقتصادية الأولى التى تواجه أى شعب متخلف توجد به حركة شعبية اشتراكية متقدمة تسعى إلى بناء الاشتراكية هى فى بناء دولة صناعية متقدمة عبر إنجاز تراكم رأسمالى. والمصدر بالطبع هو غالبا تطوير وتجميع الفائض الزراعى من أجل اقتحام بناء الصناعة الخفيفة أو صناعات الفرع الثانى (صناعة سلع الاستهلاك)، والصناعات الثقيلة أو صناعات الفرع الأول (صناعة وسائل الإنتاج)، مع التطور التكنولوجى الضرورى والمتطور مع تطور العصر، من أجل بناء هيكل إنتاج صناعى حديث ومتكامل.
إن تجميع الفائض الزراعى من الريف واستخدامه فى بناء الصناعة هو ما يعرف بسياسة المقص بين الريف والمدينة، وهو مرحلة ضرورية فى معظم محاولات الانتقال تاريخيا إلى الإنتاج الرأسمالى فى عصر نشأة الرأسماليات، وكذلك فى نشأة النظم الاشتراكية فى رحم مجتمعات رأسمالية متخلفة أو تابعة. (2)
هذا بالطبع هو ما حدث فى الصين كما حدث فى روسيا من قبل، ولكن كان هناك فارق ضخم فى نتائج التجربتين السوفيتية والصينية. فالناتج الاجتماعى الإجمالى ينقسم بين الادخار المستخدم فى التراكم والتوسع الصناعى، وبين الاستهلاك الشعبى سواء المباشر فى صورة الأجور أو غير المباشر فى صورة الخدمات المقدمة للشعب فى الصحة والتعليم وغيرها من بعض المرافق (غير خدمات المرافق المرتبطة بالعملية الإنتاجية والتى تعد جزءا متمما للعملية الإنتاجية)، ونغض النظر مؤقتا عن ميزان الصادرات والواردات.
فى التجربة الصينية تمت القفزة الصناعية الكبرى وتحول المجتمع إلى مجتمع صناعى عن طريق معدلٍ عالٍ للادخار على حساب مستوى الاستهلاك الشعبى، وليس أدل على المستوى المتخلف للوضع الشعبى أكثر من أن الصين كانت حتى العام 1978 ثالث دولة فى العالم من أسفل بين الدول من ناحية متوسط الدخل الفردى الذى لم يزد عن 155 دولارا (3)، وتمكن الشعب الصينى من تحقيق تلك القفزة الصناعية الكبرى خلال خمسة وعشرين عاما منذ بداية الخطة الخمسية الأولى عام 1953.
ويقدر أن ما تم نزحه من الفائض الزراعى من الريف واستخدم فى التنمية الصناعية فى المدن خلال فترة القفزة التصنيعية (25 عاما منذ 1953) بما يتراوح بين 600 و800 مليار يوان . (4)
فى التجربة السوفيتية برزت مناقشة هذا الموضوع فى اجتماعات اللجنة المركزية فى منتصف العشرينات، حيث برزت ثلاثة اتجاهات: اتجاه تروتسكى وبوخارين الذين انحازا بشكل واضح إلى تحقيق التراكم على حساب الفلاحين من خلال التجميع الزراعى الإجبارى، واتجاه مارتوف الذى انحاز إلى تحقيق معدلات تدريجية بطيئة للتصنيع وتعبئة الفائض الزراعى من أجل التراكم، لصالح إعطاء الفرصة للإقناع الديمقراطى للفلاحين وتنفيذ التجميع الزراعى الديمقراطى الطوعى، واتجاه ستالين فى المنتصف الذى حذر من أن تكتيك تروتسكى قد ينتهى بالاعتراض الجماهيرى الواسع للفلاحين والتأثير السلبى لهذا على التحالف بين العمال والفلاحين.
وكما هو معروف فقد انحاز ستالين فى النهاية إلى سياسة التصنيع السريع وإنجاز التراكم الضرورى لبناء الصناعة خلال عشرة أعوام إلى خمسة عشر عاما، خوفا من عدوان إمبريالى جديد لا يجد فيه الاتحاد السوفيتى السلاح والصناعة التى تصنع استقلال الإرادة، وقام ستالين بتطبيق تكتيك تروتسكى بالتجميع الزراعى الإجبارى فى سياق خطتين خمسيتين من 1928-1937 لتحقيق القفزة الصناعية، حيث تم تطبيق التجميع الزراعى الإجبارى فى أوائل الثلاثينات. رغم نجاح تلك الخطة حيث أصبح الاتحاد السوفيتى عام 1938 عند انتهاء خطة التنمية الثانية، أصبح القوة الصناعية الأولى فى أوروبا والثانية فى العالم بعد أمريكا، إلا أن هذا تم رغم الانتفاضات الفلاحية الواسعة ضد سياسة تطبيق التجميع الإجبارى أوائل الثلاثينات، وعلى حساب قمع ستالين لتلك الانتفاضات باستخدام الجيش، وآثار كل ذلك السلبية على سيادة وضع استبدادى وتحطيم التحالف الديمقراطى بين العمال والفلاحين، وتأسيس العلاقة الاستبدادية بين الحزب الشيوعى والطبقة العاملة (إلى درجة إلغاء النقابات العمالية) وبين اللجنة المركزية وبقية الحزب، وفى النهاية تأسيس ديكتاتورية ستالين.
طبق ماو بنجاح تجميع الفائض الزراعى وتحقيق القفزة الصناعية الكبرى واتباع سياسة المقص فى بناء قاعدة صناعية متقدمة، ولكن هذا لم يصحبه تمردات شعبية واسعة. ربما يرجع هذا فى رأينا إلى خصوصية وضع الصين، من حيث مستوى الفقر البالغ للجمهور، ومن حيث مستوى العزلة الكبيرة عن شعوب العالم الأخرى نتيجة لعزلة الصين، التى تبلغ وحدها مساحة قارة، ووجود سواحل واسعة شرقها وجنوبها، وجبال الهيمالايا غربها وصحراء منغوليا وسيبيريا شمالها، غير العزلة الثقافية نتيجة تفرد الصين بلغة أخرى لا يتكلمها غيرها سوى تايوان، وغياب وسائل الاتصال والتفاعل الحضارى المؤثرة.
ومن بين الأسباب المحتملة الجديرة بالذكر أن مستوى التحدى الإمبريالى الذى واجه الصين يقل كثيرا عما واجهه الاتحاد السوفيتى، فقد تحالفت ضد الأخير، كما هو معروف، أربع عشرة دولة فى حرب التدخل الأجنبى (1920- 1924)، واستمر التربص الإمبريالى من قِبَل الغرب مع تغاضى أمريكا وانجلترا وفرنسا عن نمو قوة وعسكرية هتلر بأمل توجيهها ضد الاتحاد السوفيتى. وفى النهاية حدث الألمانى بالفعل بعد نجاح هتلر فى احتلال بلدان عديدة فى عملية برباروسا الشهيرة عام 1941. أما الصين فقد نشأت فى العصر التالى للحرب العالمية الثانية، عصر النظام ثنائى القطبية، وفى حماية نسبية من القوى الإمبريالية بسبب توازن القوى الدولى، وبسبب وجود الاتحاد السوفيتى ودعمه للصين على الأقل خلال الفترة الأولى.
دخلت الصين فى أزمة فى أعقاب نجاح خطة بناء الصناعة كما دخلتها دول اشتراكية عديدة. دخلت الصين كما دخلت روسيا فى ركود اقتصادى نتيجة سيادة البيروقراطية وضعف الحافز الفردى للإنتاج، حيث كان أحد الحلول المطروحة هو حوافز المصلحة الفردية والاستعانة بقوانين السوق لتحفيز صغار، وأحيانا كبار المنتجين على الإنتاج. (5)
الثورة الثقافية
ولكن واضح من الثورة الثقافية الصينية (1966- 1976) أن النزاع الذى حدث فى هذا الموضوع داخل القيادة الصينية، والذى اتخذ فيه دنج هسياو بنج جانب حوافز السوق، قد انتهى بتنحية واستبعاد دنج هسياو بنج وتغلب خط ماو تسى تونج حول أولوية الصراع الطبقى لمقاومة الميول الرأسمالية، وإغلاق الجامعات، وتشكيل الجيش الأحمر، وإفساح المجال لهجوم الشباب على كوادر الحزب، وإرسال المثقفين لكى يتم إصلاحهم إلى العمل فى الريف، بل ومختلف أشكال التعدى الجسدى وصولا للسجن والتعذيب وأحيانا القتل، لقيادات فى الحزب وجهاز الدولة باعتبارها مقاومة لخط ماو ودفاعه عن الاشتراكية. تولى لين بياو منصب وزير الحربية وبرز فى القيادة الحزبية وقيادة الدولة (1969- 1971) وتقدم إلى مركز الصدارة فى القيادة الصينية، حيث تم التعامل معه على إنه خليفة ماو تسى تونج .(6)
ركز الصين اقتصاديا على العودة للريف بنموذج الكوميونة الريفية كأساس للاشتراكية، ودخولها إلى مجال صناعة الحديد فى القرى من خلال أفران بدائية، مما أدى إلى تدهور اقتصادى فى مجال السلع الغذائية بينما لم يؤدِ إلى تطوير الصناعة بإنتاج نوعيات رديئة من الحديد.
ثم بعد تنحية دنج لين بياو وربما قتله فيما أشيع أنه انتحار، بتهمة التحضير لاغتيال ماو ومحاولة الهروب لروسيا، بدأت عودة ليو تشاوشى الذى كان قد تم تنحيته مع دنج هسياو بنج، حيث بدأ بعد عودته فى استعادة النظام وفتح الجامعات واستئناف التعليم بالمدارس وأعاد دنج هسياوبنج للعمل الحزبى.
من الواضح أن العنصر المؤرق لماو تسى تونج منذ طرح مبادرة القفزة الكبرى للأمام عام 1958، وهى جنين ما سيتوسع فيه فيما بعد فى الثورة الثقافية، وهو خطر استعادة الرأسمالية، وخطر التهادن، وخطر الردة. وبالطبع كان لابد وأن ينعكس هذا على علاقة الصين بالاتحاد السوفيتى.
الخلاف الصينى السوفيتى
انتقد الحزب الشيوعى السوفيتى فترة ستالين فى أول مؤتمر للحزب بعد وفاة ستالين (1953)، وذلك فى المؤتمر العشرين الشهير للحزب عام 1956. ومنذ ذلك الوقت بدأ انتقاد ماو للسياسة السوفيتية، مستترا فى البداية، ثم علنا وبشكل بارز منذ 1960.
انتقد الحزب الشيوعى الصينى خط خروشوف للتعايش السلمى بين الأنظمة المختلفة. بالطبع ليس مضمون النقد هو الدعوة لإشعال الحرب مع الإمبريالية فورا، ولكن الانتقاد هو لتحويل التعايش السلمى بين الأنظمة المختلفة من تكتيك للاشتراكيين إلى استراتيجية. ورأى السوفييت أن التناقض الرئيسى للعالم المعاصر وقتها هو التناقض بين المعسكرين الاشتراكى والرأسمالى، حيث تجد التعبير الرئيسى عنها فى المباراة الاقتصادية بين المعسكرين، بينما رأى الصينيون أن هناك أربع تناقضات تحكم العالم المعاصر وقتها كلها رئيسية: التناقض بين المعسكرين، والتناقض بين حركة التحرر الوطنى والإمبريالية، والتناقض داخل البلدان الإمبريالية بين الطبقة العاملة وبين البورجوازية الحاكمة، والتناقض بين الإمبرياليات المختلفة.(7) واشتهر فى هذا السياق المقولة الصينية بأن الإمبريالية هى نمر من ورق، ورد عليها خروشوف بأنه يملك أسنانا ذرية!
كما اعتبر الصينيون أن العودة للحوافز الفردية للمنتجين فى روسيا من أجل التغلب على الركود الاقتصادى، اعتبروه بداية ردة للرأسمالية.
كما اختلف الصينيون حول موقف السوفييت الذى اعتبروه يمينيا من دول حركة التحرر الوطنى حديثة الاستقلال، حيث بالغ السوفييت، فى رأيهم، فى طبيعتها ودورها واعتبروها نظما لارأسمالية تسير فى طريق الاشتراكية، بينما رأى الصينيون فى تلك الأنظمة تنوعا شديدا بين بعضها يتراوح بين أكثرها تقدما فى العداء للأمبريالية وأقلها فى العداء، مع ما بينهما من ألوان الطيف.
كما هو معروف فقد واجه السوفييت تلك الخلافات الصينية بأكثر الأشكال عدوانية مع تقليص المساعدات، مما دفع الصينيين للاعتماد على أنفسهم. فضلا عن نجاح الصين فى تحقيق القفزة الكبرى فى التحول إلى مجتمع صناعى فقد تطور امتلاكهم للتكنولوجيا بالذات فى مجال الذرة (حيث فجروا قنبلتهم الهيدروجينية الأولى فى يونيو 1967) وفى مجال تصنيع السلاح والصواريخ والطائرات. وربما كانت الطريقة العدوانية لتعامل السوفييت مع الصين هى الدافع لتعميق النقد الصينى السوفيتى بطرح رأيهم بأن روسيا قد تحولت إلى إمبريالية اشتراكية، حيث طرح هذا الطرح منذ عام 1969.
تم التراجع كليا عن سياسات الثورة الثقافية وإدانة تلك المرحلة داخل الحزب بعد وفاة ماو فى 1976، ثم اعتقال ما عرف بعصابة الأربعة بمشاركة كيانج كينج زوجة ماوتسى تونج، وإغلاق ملف الثورة الثقافية والانتصار النهائى لسياسة دنج هسياو بنج.
اشتراكية السوق ودنج هسياو بنج
بدأت سياسة دنج هسياو بنج المعروفة باسم سياسة الإصلاح والانفتاح منذ عام 1978، وقام الصينيون بتقسيمها لعدة مراحل:
المرحلة الأولى من عام 1978 إلى عام 1992، وفيها كان جانب زيادة الحوافز للمنتجين المباشرين فى الريف، الفلاحين، حيث أدى تغيير النظام الزراعى من نظام الكوميونة الريفية إلى نظام تعهد الأسر الريفية بالإنتاج (بمعنى ترك هامش واسع نسبيا من الحرية للمنتجين المباشرين)، أدى إلى زيادة الإنتاج، بدءا من عام 1983.(8) ولكن المكون الأساسى فى السياسة الاقتصادية فى تلك الفترة كان فتح باب الاستثمار للشركات الأجنبية، بالذات من أجل الحصول على التكنولوجيا.(9) اتسمت هذه الفترة بتنمية القطاع الخاص وفتح الباب للاستثمار الأجنبى، جزئيا بغرض الحصول على التكنولوجيا.
المرحلة الثانية من عام 1992 إلى عام 2002 وركزت على إصلاح الشركات المملوكة للدولة مع التعزيز الواضح لإصلاحات التسويق والإنشاء المبدئى للإطار الأساسى لنظام السوق الاشتراكى.
المرحلة الثالثة توافقت مع دخول الصين منظمة التجارة العالمية فى عام 2001، وبدأت بعد عام 2002، وهذه المرحلة تُرَكِّز على تعزيز الإصلاحات الإدارية الحكومية وتحسين نظام السوق الاشتراكى والمقررة فى بنود الخطة الخمسية الثانية عشر المستقبلية. الاهتمام هنا للفهم الواقعى والجيد للطبيعة الاشتراكية وخيارات نظام اقتصاد السوق، إلى جانب تحسين النظام الاقتصادى الأساسى، وتطوير اقتصاد الملكيات المختلطة، وإطلاق العنان لآليات السوق لتلعب دورا أساسيا، وتحسين نظام السيطرة الشاملة، وبالتالى يتم توفير الضمانات القوية من أجل زيادة التنمية العلمية. (10)
ارتبطت تلك السياسة طبعا فى كل مراحلها بتبنى سياسة الإنتاج من أجل التصدير، سواء من الصادرات الصناعية أو من صادرات منتجات الاستثمارات الأجنبية الجديدة، ولكننا سنتناول تلك النقطة تفصيلا بعد قليل. وبالطبع فالقيادة الصينية تبرهن على صحة تلك السياسات المتبعة تحت اسم اشتراكية السوق بنتيجتها المتمثلة فى النجاحات الهائلة التى حققها الاقتصاد الصينى، وهى نتائج واضحة ويعترف بها الجميع فيما عرف بالمعجزة الاقتصادية الصينية.
حافظت الصين على معدل نمو اقتصادى خلال 30 عاما من سياسة الإصلاح والانفتاح (1978-2008) يبلغ 9.8% سنويا، وهو أعلى معدل فى العالم من ناحية الارتفاع مع طول الفترة الزمنية التى تواصل فيها. ارتفع الناتج المحلى الإجمالى (ن م ا) فى الصين من حوالى ثلث ترليون يوان عام 1978 إلى ترليون يوان عام 1986، ثم 2 ترليون يوان عام 1991، ثم إلى أكثر من 10 ترليون يوان عام 2001، ووصل إلى 47 ترليون يوان عام 2011. (11)
وبهذا الدخل تمكنت الصين من تجاوز أيطاليا، سادس دولة وقتها فى العالم من ناحية ن م ا، فى عام 2000. ثم تجاوزت الدول الأكبر، انجلترا وفرنسا عام 2005، ثم تجاوزت المانيا عام 2008 لتصبح الثالثة عالميا. ثم قفز ن م ا الصينى عام 2010 متجاوزا اليابان لتصبح الصين الدولة الثانية فى العالم من ناحية ن م ا بعد الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2010. (12)
بل وأكثر من ذلك، فحتى المؤسسات التمويلية الدولية وغيرها مثل المخابرات المركزية الأمريكية، تعترف بأنه عندما يتم تقييم ن م ا وفق نظام تعادل القوة الشرائية (PPP) فإنها تصبح الأولى عالميا قبل الولايات المتحدة، وذلك وفق تقديرات البنك الدولى، وصندوق النقد الدولى، والمخابرات الأمريكية فى عام 2017، إذ يبلغ ن م ا الأمريكى 19.4 ترليون دولار فى حين يبلغ ن م ا للصين 11.8 ترليون دولار وفقا للقيمة الرسمية للعملة. ولكن ن م ا للصين حين يُقوَّم بمقياس تعادل الدول الشرائية فإنه يبلغ 23.2 ترليون دولار متجاوزا الولايات المتحدة. (13)
بالطبع عند قسمة ن م ا على عدد المواطنين للحصول على متوسط دخل الفرد فإن الصين تبدو أكثر تخلفا بكثير من الكثير من دول العالم: تتبنى الصين معيار البنك الدولى الذى يجعل الدول منخفضة الدخل هى التى يقل دخل الفرد فيها عن 1000 دولار سنويا، والدول ذات الدخل المتوسط بين 1000 و10000 دولار سنويا، والدول مرتفعة الدخل يبلغ دخل للمواطن فيها أكثر من 10000 دولار سنويا (ويعود البنك الدولى ليقسم الدول متوسطة الدخل إلى دول متوسطة الدخل المنخفضة بما يتراوح دخل الفرد فيها بين 1000 و3000 دولار، ودول متوسطة الدخل المرتفعة ويتراوح دخل الفرد فيها بين 3000 و10000 دولار. يتبنى المفكرون الصينيون هذا المعيار، ويقولون أن الصين تحولت من الدول ذات الدخل المنخفض قبل عام 2001 إلى دولة ذات الدخل المتوسط المنخفض بين أعوام 2001 و2009 ثم أصبحت بعد ذلك من دول الدخل المتوسط المرتفع بعد عام 2009، حيث بلغ الدخل 4430 دولارا عام 2011 ليرتفع حتى يصل إلى 8800 دولار عام 2018. (15)
الصين هى الدولة رقم 1 فى حجم التجارة العالمية، مسئولة عن 30% من حجم التجارة العالمية فى العالم. وهى الدولة الثانية كما ذكرنا من ناحية الناتج المحلى الإجمالى بعد الولايات المتحدة الأمريكية. وهى الدولة الثالثة فى العالم من حيث المساحة، وأيضا الدولة الثالثة فى العالم من ناحية ميزان القوى الاستراتيجية بعد الولايات المتحدة وجمهورية روسيا الاتحادية. ويشتمل ميزان القوى الاستراتيجية على مقياس مركب يستند أساسا إلى الاقتصاد من ناحية والقوة العسكرية من ناحية أخرى، ويستند كذلك إلى العديد من المؤشرات الأخرى مثل المساحة والخصائص الجغرافية والبنية الديمجرافية (عدد السكان ونوعيتهم من ناحية مستوى التنمية البشرية) وغيرها. (16)
رغم أن الحقائق الأخيرة تخص الصين الآن عام 2018، إلا أن هذا القسم مخصص، وفقا لعنوانه، لبحث وضع الصين خلال ثلاثين عاما من سياسة الإصلاح والانفتاح بين 1978 و2008، حيث إننا سنتناول فى قسم آخر من هذه الدراسة الوضع بعد هذه الفترة لأننا نراها فترة متمايزة كيفيا عن فترة الثلاثين عاما، وهذا التقسيم من طرفنا.
وإذا كان ما سبق توضيحه من ناحية تطور الصين الذى لا شك فيه، وهو الناحية التى تبرزها القيادة الصينية ويتحمس لها كل المناصرين والمعجبين بالمعجزة الصينية، فإننا نوضح فيما سيلى ما نراه أسباب تلك المعجزة والضريبة السياسية والاجتماعية التى تم دفعها فيها.
نبدأ باختيار استراتيجية النمو المعتمد على الصناعات التصديرية من أجل تحقيق فائض فى ميزان المدفوعات واستخدامه فى الوصول للقوة الاقتصادية فى السوق العالمية و/أو فى التنمية أو فى أى استخدام آخر.
ولعل من أهم التقييمات لوضع الصين الاقتصادى فى علاقته بالسوق الاقتصادية العالمية هو ما ورد فى كتاب "التوجه الصينى نحو الهيمنة العالمية- الإمبريالية الاقتصادية" (17). ونبدأ بالتعريف بالكتاب من أجل تقويم الآراء الواردة به بدقة: فالكتاب لا يتحدث عن الإمبريالية كما يتحدث عنها الاشتراكيون، فالكاتبان ينتميان إلى فكر اليمين الفرنسى المتبنى لفكر النظام الرسمى الحاكم، بل على يمينه فى قضية هامة سنشير إليها بعد قليل. إنهم لا يرون فى معنى كلمة إمبريالية سوى السعى للهيمنة والسيطرة، وهما لا يدينان هذا التوجه للهيمنة العالمية عموما، بل يعتبرونه فيما يبدو من طبائع الأشياء. ويتحدثون عن أن الهيمنة التجارية العالمية انتقلت تاريخيا من هولندا أول دولة تجارية تهيمن عالميا، فى بداية فترة الرأسمالية الميركانتيلية أو التجارية، ثم إلى إنجلترا، ثم إلى الولايات المتحدة فى أعقاب الحرب العالمية الثانية. وهو يرون أن الصين تسعى خلال القرن الحادى والعشرين لكى تصبح هى القوة الاقتصادية المهيمنة على العالم بسبقها للولايات المتحدة الأمريكية.
إنهم لا يدينون السعى للهيمنة العالمية ويرونها فيما يبدو من طبائع الأمور، ولكنهم ضد الهيمنة الصينية تحديدا لأنهم يرون أنها هيمنة رأسمالية شمولية (؟!) فى مواجهة رأسماليات ديمقراطية فى أمريكا وأوروبا الغربية واليابان! وبالطبع فهم يتحدثون من وجهة نظر الانحياز إلى ما يسمونه الرأسماليات الديمقراطية. وهم يسعون من خلال الكتاب إلى فهم الآليات التى جعلت الصين تصل إلى هذا الوضع، وكيف خدعت الغرب لمدة عن طبيعتها (؟) وكيف يمكن مواجهتها. إنهم يغطون بهذا على حقيقة وجهة نظرهم فى أنهم رأسماليات متنافسة، ويبررون رفض المنافس الخطير الجديد بحجة الشمولية فى مواجهة الديمقراطية. ولكنهم فى هذا السياق يقدمون لنا كثيرا من الأفكار المفيدة، ليس فقط من وجهة فهم و ضع الإمبريالية العالمية، وإنما أيضا من تحليل الآليات الصينية للتطور.
من أجل تحليل دور التجارة العالمية كأداة ضرورية لتطور الرأسمالية يعود مؤلفا الكتاب إلى أسس الاقتصاد السياسى الكلاسيكى بدءا من آدم سميث ودافيد ريكاردو وآباء الاقتصاد السياسى .(28)
والكاتبان يعرضان بعمق أسس تطور الرأسمالية منذ المرحلة الميركانتيلية التى نظَّر لها آباء الاقتصاد الكبار. لا تهدف أى دولة لاقتحام السوق التجارية العالمية من أجل تحقيق عجز فى ميزانها التجارى مع الخارج، ولا حتى إلى تحقيق توازن تجارى خارجى، ولكنها تهدف إلى تحقيق فائض فى ميزانها التجارى تستخدمه كأرباح فى تحقيق النمو الداخلى وفى غيره، كما رأى بعمق ووضوح دافيد ريكاردو. بالطبع وجود دول ذات فائض فى الميزان التجارى فى السوق الدولى يعنى وجود دول أخرى ذات عجز فى ميزانها التجارى، فالمحصلة العامة للتجارة الخارجية لدول العالم تعنى وجود رابحين ذوى فائض تجارى، كما تعنى وجود خاسرين ذوى عجز تجارى. السوق التجارية العالمية هى كأى سوق، البقاء فيها للأقوى، سوق الضوارى الرأسمالية. لهذا ارتبط تطور حرية التجارة عادة إما بالاختيار بين متساوين من الدول الرأسمالية المتقدمة (كما حدث بين انجلترا وفرنسا منتصف القرن التاسع عشر)، أو بإجراءات عنيفة، تشمل قهرا اقتصاديا، بل وعسكريا كما حدث فى مصر عندما فرضت القوى الاستعمارية العالمية على محمد على باشا حرية التجارة وفتح الأسواق، وكما فعلت إنجلترا مع الصين نفسها فى حرب الأفيون لكى تفرض عليها حرية التجارة بما فيها تجارة الأفيون فى القرن التاسع عشر. لهذا يقر مؤلفا الكتاب بالطابع العدوانى للسوق التجارية (والاستثمارية) العالمية فى صراحة يحسدون عليها. (29)
كانت دعوة آدم سميث الشهيرة لحرية التجارة ومبدأ laisser fair laisser passer أو دعه يعمل دعه يمر، كانت تعبر عن قوة انجلترا كأقوى اقتصاد انتاجى فى العالم والأكثر تقدما، ولكن لابد أيضا من أن نفهم أنه حتى آدم سميث لم يكن مؤيدا لحرية التجارة بشكل مطلق، فقد اعترض على تحرير تجارة الحبوب مع أوروبا من أجل تخفيض سعر السلع الغذائية المُكَوِّنة لقوة العمل، أى المُشَكِّلة للحد الأدنى للأجور أو الأجر الحديدى التى سعى إليها الصناعيون، لأنها تأتى على حساب المزارعين الإنجليز، وقد كان آدم سميث يرفض أن تخضع الدولة لسيطرة احتكار التجار أو الصناعيين. (20)
يرى كاتبا كتاب "التوجه الصينى نحو الهيمنة الإمبريالية" السبب الأساسى فى تفوق الصين هو اتِّباع سياسات نقدية أساسا، هى نفس الأسباب التى اتبعتها اليابان بعد هزيمتها فى الحرب العالمية الثانية، وهى سياسات نقدية ومالية تتمثل فى اتباع سياسات حمائية فى الداخل، وتخفيض الأجور بالحفاظ على سعر منخفض لسلع الغذاء الأساسية (رغم هذا حافظت على إنتاج ورفاهية فلاحيها بمنحهم دعما لسلعهم كى لا تدمرهم الأسعار الرخيصة للحبوب المستوردة)، وتخفيض قيمة العملة، وتخفيض سعر الفائدة، واتباع سياسات توسعية فى الداخل.(21)
بالطبع يعطى الكاتبان، شأنهما فى ذلك شأن كل الكتاب الاقتصاديين الرأسماليين، الأهمية الحاسمة للسياسات النقدية والمالية دون إعطاء الوزن الكافى للسياسات الإنتاجية ودرجة التقدم التكنولوجى، ولا لسياسات الأجور ووضع العمالة، وإن كان الكاتبان يشيران عرضا إلى ضعف أجر العامل الصينى. ومن المهم التعرف على الفرق بين نقد التفوق التجارى الصينى من وجهة نظر قوى ومفكرين رأسماليين يمثلون منافسين اقتصاديين للصين على الهيمنة العالمية، وبين النقد الاشتراكى لتجربة سياسة الإصلاح والانفتاح لدنج هسياو بنج خلال ثلاثين عاما، أى ما يعادل جيل كامل من السكان. إننا نرى أن السياسات النقدية أساسا التى يوضحها الكاتبان هى سياسات تدعم نمط النمو المعتمد على الصادرات بالطبع، إلا أن الطابع الحاسم لتلك السياسات لا يمكن تطبيقه إلا فى وضع إنتاجى واجتماعى معين.
لم يكن يمكن للصين أن تتخذ قرار اتباع سياسة النمو المعتمد على التصدير من غير درجة معينة من تطور القوى المنتجة مكنتها أولا من تحقيق الاكتفاء الذاتى الغذائى لربع سكان العالم وقتها، مما يتيح لها السيطرة على تجديد إنتاج قوة العمل بشكل متواصل ورخيص التكلفة، بضمان رخص الغذاء، المكون الأساسى لسلع الأجور، وكذلك مختلف السلع والخدمات الأساسية المكونة لسلة الأجور. كما لم يكن يمكنها اتباع تلك السياسة مالم تكن قد بلغت درجة من تطوير الإنتاج الصناعى (فى السهل الساحلى الشرقى أساسا كما سنوضح) يجعل لديها سلعا قابلة للتصدير، فهذا الاختيار هو نتاج فترة التنمية والقفزة الصناعية الكبرى التى تحققت فى 25 عاما بين 1953 (تاريخ بداية الخطة الخمسية الصينية الأولى) و1978، رغم الآثار السلبية لفترة الثورة الثقافية.
ولكن يهمنا هنا أن نقف على الحالة المعيشية للشعب، سواء فى فترة اتخاذ قرار اتباع سياسات الإصلاح والانفتاح أو الناتجة عن ثلاثة عقود من اتباع تلك السياسات. وأول ما نقف عنده هو الانخفاض الشديد فى مستوى أجور العمال بالصين حتى إن دخل العامل فى سنغافورة كان أكثر من عشرين ضعفا لدخل العامل فى الصين .(22) والصين تعتمد فى اجتذابها لرؤوس الأموال الأجنبية على رخص اليد العاملة الصينية، ورغم ذلك فإن استثمار رأس المال الأجنبى فى الصين لا يصاحبه عجز فى ميزان المدفوعات نظرا لأن معظم الاستثمارات الأجنبية تعتمد على تصدير إنتاجها من السلع الكاملة أو مكونات السلع التى يتم تصنيعها فى الصين إلى أسواق المستثمرين بالذات أمريكا واليابان.
ولا يوجد حد أدنى للأجور فى الصين، وإن كان هناك حد أدنى للأجور فى بعض المقاطعات، ومازالت الصين حتى اليوم (2018) تضع فى خطط مستهدفاتها المستقبلية تعزيز تشريعات الحد الأدنى للأجور مع التطبيق الصارم لها (؟!) وتوحيدها فى الصين كلها، وتحديد حد أقصى موحد لساعات العمل (؟!) وكذلك تحسين نظام الحد الأدنى لضمان مستوى المعيشة، وتعزيز بناء المنظمات النقابية على جميع المستويات مع التطبيق الكامل لنظام عقود العمل ونظام التفاوض الجماعى على الأجور وزيادة تحسين مستوى المعاش الأساسى للعمال المتقاعدين على مستوى الشركات(23) كما أن العامل فى الصين لا يتمتع بالأمان الوظيفى، فهو يمكن أن يفقد وظيفته فى أى وقت. يحدث هذا فى أحدى حالتين: إما عندما تعيد شركات الدولة الهيكلة، أو عندما توفره شركات القطاع الخاص.(24) ويتمتع 97% من سكان المدينة بالتأمينات الاجتماعية، والوظيفة تكفل لهم تعليم أبنائهم تعليما جيدا وتكفل تأمينا صحيا معقولا للأسرة. أى أن نهضة الصين الكبرى تحققت على حساب مستوى معيشة بالغ الانخفاض للعمال فى المدينة ولكن تتراوح نسبة البطالة فى المدينة بين 8-10% (25). بالطبع هناك تناقض بين البيانين السابقين، فوجود 8-10% من سكان المدن عاطلين لا يمكن أن يجعل من المتمتعين بالتأمينات الاجتماعية 97% من السكان، ولكنى أوردت الرقمين بإسنادهما إلى مصادرهما، وللقارئ أن يرى هل البطالة فى المدينة 2% فقط كما يشير رقم المؤمن عليهم ب97% أم أنهم أقل كما تشير نسبة البطالة، وهو ما أرجحه شخصيا.
رغم كل هذا فإن وضع العامل فى الصين أعلى بما لا يقاس بوضع الفلاح وسكان الريف، علما بأننا لابد وأن نلاحظ أن الصين بدأت كمجتمع زراعى أساسا، مع التدنى فى مستوى التحضر الذى كان يبلغ عام 1978، سنة بدء سياسة الإصلاح والانفتاح، 17.8% فقط من السكان يسكنون المدن. وآخر الأرقام المتاحة عن التحضر فى الصين أنه يبلغ 58.8% من السكان عام 2018 .(26)
تبلغ النسبة بين متوسط دخل المواطن فى المدينة إلى متوسط الدخل فى الريف 3.2: 1. وفى حين يتمتع حوالى 97% بالتأمين الاجتماعى، لا يزيد من يتمتعون بتلك الخدمة فى الريف عن حوالى 3%. يتمتع سكان الريف فقط بضمان اجتماعى محدود يغطى خمس احتياجات أساسية: الغذاء والكساء والعلاج فى حدود الرعاية الصحية الأساسية فقط، أى خدمة العيادة الخارجية دون خدمات المستشفيات ودون خدمات المستشارين، والتعليم الأساسى فقط، والمصروف الشخصى (27). ولكن وضع التأمين الصحى على سكان القرى قد تغير حديثا جدا فى الفترة بين عامى 2013 و2018 (28)
كما أن هناك تمايزا هاما بين الريف والمدينة فى مستوى التعليم، فضمان حق سكان الريف فى التعليم يغطى التعليم الأساسى فقط وهو حتى الصف التاسع أو ما يعادل الإعدادية عندنا. والتعليم فى المدينة تموله الحكومة المركزية بميزانية جيدة، أما التعليم فى الريف فيٌمَوَّل من ميزانية المقاطعات المحدودة وينخفض مستواه كثيرا عن التعليم بالمدينة. بل إن الحكومة المركزية كانت تدعم تعليم كل طالب فى الريف فى التعليم الابتدائى بحوالى 22.5 يوان وكل طالب ثانوى بحوالى 31.5 يوان، إلا أنها فى عام 1985 قامت بإلغاء هذا الاعتماد المالى(29) . وعلى هذا النحو تبرز الفوارق بين دخول المقاطعات حيث يحتل الشرق الساحلى القمة فى الدخل بالنسبة للمقاطعات الوسطى، والتى ترتفع بشكل محسوس أيضا عن الغرب المتخلف. تلك هى الأوضاع بعد أربعين عاما من سياسة الإصلاح والانفتاح .(30)
وأدت سياسة الإصلاح والانفتاح إلى بروز الاستقطاب فى الصين وزيادة فجوة الدخل. وتشير إحصاءات توزيع الدخل بين الخمس الأعلى وكل الأخماس التى تليه وصولا للخمس الأفقر إلى أن كل خمس يحوز على تلك النسب من إجمالى الدخل على التوالى: 50.13%، 21.13%، 14.35%، 9.12%، و4.27%. أى أن الخمس الأغنى يحوز دخلا يساوى 10.7 ضعفا للخمس الأدنى(31) ، بينما تبلغ تلك النسبة فى الولايات المتحدة 8.4 ضعفا، وفى الهند تبلغ 4.9 ضعفا .(32)
ويستخدم معامل جينى لقياس مدى تكافؤ توزيع الدخل الاجتماعى الشامل، ويتراوح بين صفر وواحد. وكلما كان المعامل صغيرا كان يشير إلى الاقتراب من تحقيق تكافؤ فى توزيع الدخل، والعكس كلما زاد المعامل واقترب من الواحد الصحيح. فالمعامل أقل من 0.2 يشير إلى التوازن المطلق فى الدخل، وبين 0.2 و0.3 يدل على التوازن النسبى للدخل. أما عندما يستقر بين 0.3 و0.4 فهذا يشير إلى أن الدخل معقول نسبيا، بينما يشير معامل جينى إلى الخطر إزا زاد عن 0.4، ولكن إذا تجاوز المعامل جينى نسبة 0.5 فهذا إشارة إلى الهوة الساحقة فى الدخل. ووفقا لتقديرات الدخل فى الصين فإن المعامل جينى للصين قبل تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح كان يبلغ 0.16، ولكنه أخذ فى الارتفاع نتيجة لسياسة الإصلاح والانفتاح فبلغ 0.389 عام 1988، و0.437 عام 2001. ثم حدثت قفزة فوق الخط الأحمر بعد ذلك التاريخ (هل هذا نتيجة لدخول الصين إلى اتفاقية منظمة التجارة العالمية عام 2001؟) ليصل إلى 0.448 عام 2002 و 0.462 عام 2005. وبحلول عام 2010 تجاوز المعدل 0.5 .(33)
سبق وتحدثنا عن سياسة نزح الموارد من الريف الفقير إلى المدينة الغنية فى فترة التراكم الرأسمالى وعن ضرورتها بمعنى معين فى فترة تحقيق القفزة الصناعية، فيما عرف بسياسة المقص. ولكن أن تعود سياسة المقص لكى تتسع الفتحة ثانيا بعد سياسة الإصلاح والانفتاح فهذا يدل على تبنى موقف سلبى يودى إلى المزيد من إفقار الريف الفقير أصلا لحساب المدينة. هذا هو ما حدث فى الصين، فقد قامت الحكومة فى الفترة من عام 1979 وحتى عام 1994 ومن خلال فتحة مقص الأسعار للمنتجات الصناعية والزراعية بالاستفادة بحوالى 1.5 ترليون يوان من الفلاحين، بحيث يمكن القول بأن التواجد الطويل لفتحة مقص الأسعار هو أكثر الأسباب المباشرة فى استمرار اتساع الفجوة بين الحضر والريف .(34)
السبب فى توسيع فتحة مقص الأسعار هو التحكم القسرى فى تحديد سعر مدخلات الإنتاج الزراعى وكذلك سعر تسويقه، حيث يؤدى رفع الأخيرة بالنسبة إلى الأولى إلى الحصول على فائض من الريف للمدينة، ولقد تم بالفعل نزح الفرق لتمويل النهوض الصناعى الواسع فى فترة الإصلاح والانفتاح. ساهمت الفجوة بين المدينة والريف فى كل الدول الرأسمالية فى توسيع ظاهرة الهجرة من الريف للمدينة، فخلق ظاهرة المشردين فى إنجلترا عند تحقيق التراكم الأولى كما هو معروف. ولكن فى الصين لم تحدث تلك الظاهرة نتيجة لسبب فريد: وهو منع حق انتقال المواطن من الريف للمدينة، حيث تم إنشاء السجل المدنى لحصر المواطنين بدءا من عام 1955، واستُخدِم للمنع القانونى لانتقال الفلاحين إلى المدن بدون الحصول على تصريح، وذلك فى العام 1958. استمر ذلك فى فترة الإصلاح والانفتاح، بل وحتى الآن فى عام 2018. حقا تم التخفيف من ذلك القيد عام 1978 بإعطاء المواطنين الريفيين حق الدخول للمدينة للتجارة أو العمل، ولكنهم لا يملكون حق التحول إلى غير فلاحين أو إلى مواطنين مقيمين فى المدينة(35) .
نأتى إلى سبب أخير شديد الأهمية فى مسئوليته عن إفقار الشعب الصينى عموما ويؤثر على كل من الريف والمدينة يتعلق بآليات الاقتصاد الكلى: فأبواب تقسيم ن م أ الكبرى هى الاستهلاك والاستثمار وصافى الصادرات. تخصص الصين نصيب الأسد من ن م ا لصالح إعادة الاستثمار على حساب الاستهلاك، وقد بلغت تلك النسبة فى حدود نصف ن م ا، وبلغت 51.4% عام 2009، أى أن أكثر من نصف الدخل القومى يعاد استثماره، وهذا بالطبع ينتج ضعف الاستهلاك الجماهيرى الشديد وبؤس مستوى حياتها . انخفضت نسبة الاستثمار بعد الأزمة المالية العالمية فى 2008 إلى 43% كما سنوضح لاحقا ونبين أسبابه، وهى نسبة مازالت مرتفعة جدا. وبعد خصم صافى الصادرات والواردات لا يتبقى بالنسبة لدخل المواطنين فى الصين بعد الأزمة الاقتصادية العالمية سوى 37% من ن م أ مقارنة ب55% فى الهند وبنسبة و71% فى أمريكا(37) .
كيف توضح الصين ما تعنيه باشتراكية السوق؟ تتحدث الصين عن ستة نماذج من اقتصاد السوق، تصف ثلاثة منها بالنجاح، وثلاثة بالفشل. والنماذج الناجحة هى النموذج الأمريكى الذى يكون المستهلك فيه هو الدليل، واقتصاد السوق الفرنسى واليابانى الذى تكون فيه الإدارة هى الدليل، واقتصاد السوق الاشتراكى لألمانيا والدول الاسكندينافية (وهى الدول التى تجسد أفضل أشكال دولة الرفاه الاجتماعى فى أوروبا الغربية). ويقول القادة الصينيون أن النموذج الأمريكى، رغم أن الأزمة المالية العالمية منذ 2008 قد كشفت عن العديد من السلبيات إلا أن أنماط السوق الأمريكى لا يزال لديها مزايا فريدة من نوعها (؟!). أما اقتصاد السوق الاشتراكى فى ألمانيا والدول الاسكندينافية فقد حققت نجاحات طويلة المدى بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن نظرا لعدم وجود حرية اقتصادية كافية أو أن أعباء التأمينات الاجتماعية والضمان الاجتماعى ثقيلة (؟!) فقد أثرت بشكل خطير على تحسن كفاءة الاقتصاد(38) . أما النماذج الثلاث الفاشلة فهى نموذج السوق الارستقراطى أو اقتصاد السوق الكومبرادورية الموجود فى الهند وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، وكذلك فى روسيا وشرق أوروبا والتى تمر بمرحلة انتقالية. وبسبب الأزمة المالية الخطيرة والأزمة الاجتماعية الاقتصادية عام 2008 فقد تعرضت تلك الدول (شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية...الخ) للاستجواب من قبل المجتمع الدولى (39).
ومن المعروف أن الاستهلاك الجماهيرى يستند إلى أجور العاملين (مخصوما منه نسبة الادخار الجماهيرى)، والمزايا والخدمات التى تقدمها الدولة. ولقد رأينا سابقا محدودية الخدمات التى تقدمها الدولة بالذات فى الريف الذى كان يكون أكثر من أربعة أخماس السكان عند بداية الانفتاح عام 1978 ومازال يقترب من نصف السكان (41.2%) عام 2018 كما سبق ذكره.
والصين تتحدث عما تسميه فخ الدخل المتوسط، وهو وجود دول كثيرة وصل النمو فيها إلى عتبة الدخل المتوسط بدخل يزيد عن 3000 دولار للفرد سنويا، ولكن استطال لبوثها فيه ولم تستطع تجاوزه عكس الصين التى تمكنت من الخروج منه عام 2009 كما سبق القول، وتحقيق الزيادة التى أوضحناها حيث أصبحت من ذوى الدخل المتوسط المرتفع، بل وعلى أعتاب الدخول فى الدول ذات الدخل المرتفع بأكثر من عشرة آلاف دولار للفرد سنويا عندما وصل متوسط دخل المواطن إلى 8800 دولار سنويا عام 2018.
ترى القيادة الصينية أن من بين الأسباب التى دفعت الدول الأخرى إلى الوقوع فى فخ الدخل المتوسط هو أعباء تكاليف الضمان الاجتماعى، أو بماستخدم مصطلحاتهم "تخطى نظام الضمان الاجتماعى لمستوى التنمية الاقتصادية وبالتالى تصبح عبئا ماليا وضريبيا" (؟!) كما ترى أيضا ما يسمى فخ الديمقراطية، وتعنى به تسليط الضوء على التطلعات الديمقراطية غير اللائقة مثل الالتحاق بركب الديمقراطية على النمط الغربى (؟!).(40)
مواجهة الصين للأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008
نحن نرى أن الفترة التالية للأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 تشكل مرحلة مختلفة بشكل أساسى عما قبلها، رغم أن الخبراء الصينيين لا يرون ذلك كما رأينا فى تقسيمتهم التى سبق إيرادها. إن الصين منذ اتخاذها طريق محاولة النمو وفق استراتيجية الصناعات التصديرية عام 1978 أصبحت أكثر اندماجا فى السوق الرأسمالية العالمية، ويتزايد هذا الاندماج تدريجيا، وبالتالى لا تستطيع الصين الفكاك من تأثير أزماتها الكبيرة عليها.
بالنسبة للصين تمثلت آثار الأزمة الاقتصادية العالمية فى اضطرارها لتقليص صادراتها للسوق العالمية بحكم ضيق السوق الغربية نتيجة للأزمة، وزاد على ذلك اتخاذ الكثير من الدول لإجراءات حمائية ضد الصادرات الصينية. بتعبير الخبراء الصينيين "أن نمط المنافسة الجديدة للدول الكبرى بعد الأزمة المالية العالمية سيؤدى إلى تردى البيئة الدولية للتنمية الصينية"(41) .
فى رأينا أن الصين حين واجهت تلك الأزمة قررت مواجهتها بسياسة كينزية تشمل جميع خطوات السياسات الكينزية الأساسية التى واجهت بها الدول الغربية الأزمة الاقتصادية العالمية بين 1929 و1933، فقد كان لابد من التوجه للسوق الداخلى لتصريف الفائض السلعى المتوقع بعد تقليل الصادرات، وإلا واجهت أزمة تضخم المخزون السلعى وبطء الإنتاج وتكررت لديها الأزمة.
قامت الصين بطباعة 4 ترليون يوان (حوالى 600 بليون دولار)، لتدعيم الاستهلاك الداخلى سواء عن طريق التوسع الشديد فى مشاريع البنية التحتية والطرق والأنفاق عبر الجبال والكبارى فوق الأودية، أو عن طريق زيادة الأجور والمعاشات لتدعيم الاستهلاك فى الداخل(42) .
كما عملت الصين على تدعيم الخدمات الأساسية العمومية مثل المرافق العامة والصيانة وحماية البيئة(43) .
كما عملت الصين على زيادة الطلب من خلال الاستكمال التدريجى لنظام التأمينات الاجتماعية، وتوسيع تغطية المعاشات لتشمل المناطق الريفية، وزيادة الاستثمار فى الخدمات العامة، الأمر الذى سيجعل السكان يستخدمون مدخراتهم لإعالة كبار السن والإنفاق على الرعاية الصحية وتعليم الأبناء، وبكل تأكيد سيكون له مردود على انخفاض معدلات الادخار فى الصين (حيث كانت تلك المدخرات وسيلة أساسية للمواطنين للتغلب على الضعف الشديد للمعاش بعد سن الإحالة إلى التقاعد)(44) .
وبالطبع الوسيلة المباشرة لزيادة الطلب الداخلى هو زيادة الأجور المباشرة، فارتفع الحد الأدنى للأجور من أقل من 1196 يوان شهريا (حوالى 175 دولارا) عام 2009(45) إلى ما يتراوح بين 1800 و2000 يوان شهريا عام 2018، أى يدور حول 300 دولار شهريا(46)
فى هذا السياق تم استهداف تقليص الفقر المطلق فى الصين، حيث تقلصت نسبة الفقراء من 10% سنة 2010 إلى أقل من 4% سنة 2017 (47) . وتستهدف الصين استئصال الفقر المطلق بحلول عام 2020 عند ذكرى حلول مائة عام على تأسيس الحزب الشيوعى الصينى عام 1921، فضلا عن أن خطة التطوير الصينية تستهدف تحقيق التحديثات الأساسية للاشتراكية فى الصين بحلول عام 2035، وتحقيق مكانة عالمية بارزة للدولة الصينية (يعنون تقدم الصين إلى الدولة الأكبر اقتصاديا والأقوى عسكريا فى العالم) بحلول عام 2050 مع الذكرى المئوية لتأسيس الدولة الصينية بعد ثورة 1949(48) .
مما لا شك فيه أن كل تلك التطورات منذ الأزمة العالمية تصب فى مصلحة تطوير ملموس، بل وضخم فى حياة الشعب الصينى للأمام، ولعل هذا وراء حماسة الكثير من الكتاب المصريين والعرب للنموذج الصينى فى التنمية، باعتبارها كانت تقصد من مقدمة السياسة الاقتصادية فى الأعوام الثلاثين السابقة على الأزمة هو توفير الدخل الكافى لخطط رفع مستوى المعيشة الذى يحدث الآن.
إلا أننا استهدفنا من استعراض التطور التاريخى للصين توضيح حدود ومشاكل الاختيار فى السياسة التنموية الصينية فى فترة الإصلاح والانفتاح عبر ثلاثين عاما كاملة حينما توجه الاقتصاد نحو الخارج، نحو مزيد من الاندماج مع الاقتصاد الرأسمالى العالمى من خلال النمو المعتمد على التصدير على حساب مستوى حياة الجماهير. ثم أتت "الصدفة السعيدة" بالأزمة الاقتصادية العالمية لكى تواجهها الصين بالاعتماد على رفع مستوى الاستهلاك والخدمات الداخلية كوسيلة للتغلب على ضعف التصدير بسبب الكساد العالمى، أى بسياسات كينزية، فيرتفع مستوى الشعب نتيجة لذلك.
السياسة الاقتصادية المستقبلية للصين
السمات الرئيسية فى الاقتصاد الرأسمالى هى تقديسه لحافز الربح وإعمال حرية قوانين السوق، بينما السمات الرئيسية للاقتصاد الاشتراكى هى الانطلاق من حافز مصلحة المنتجين المباشرين واتخاذ أسلوب التخطيط الاشتراكى. فما هى سمات اشتراكية السوق؟ ترى القيادة الصينية أن مزايا الاشتراكية تكمن فى قدرتها على العمل فى جميع أنحاء البلاد كقطع الشطرنج (لاحظ أن هذا التعبير بحد ذاته لا يعطى للبشر الواعين الذين يمثلون الجماهير دورا فى التفاعل من أجل التخطيط المركزى إنجازا وتطويرا وتصحيحا)، مع تركيز الجهود وضمان تحقيق النقاط المحورية. ولكن تكمن عيوبها فى التشغيل غير الجيد للسوق وقلة النشاط الاقتصادى على حد تعبير القيادات الصينية المسئولة. وحل تلك المشكلة يتناسب مع التنمية الاقتصادية. كما ترى تلك القيادة أنه لا يوجد تناقض جوهرى بين الاشتراكية واقتصاد السوق، وإنما تكمن المشكلة فى ماهية الوسائل التى يتعين استخدامها من أجل تنمية القوى الإنتاجية، فالتخطيط والسوق ما هما إلا وسائل اقتصادية، والحل الجوهرى هو الدمج العضوى بين الجينات الجوهرية للنظام الاشتراكى والجينات الجوهرية لاقتصاد السوق ، أى أن يتمكن من تحرير القوى الإنتاجية وتنمية القوى المنتجة وتحقيق الرخاء المشترك(49) .
منذ انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية فى عام 2001 حظيت التجارة الخارجية الصينية بالتنمية السريعة حيث زادت حجم الواردات والصادرات الصينية إلى حوالى خمسة أضعاف، فزاد نمو الصادرات حوالى 4.9 ضعفا بينما زاد نمو الواردات إلى حوالى 4.7 ضعفا. وبذلك أصبحت الصين أكبر مُصدِّر وثانى أكبر مستَورِد فى العالم، وفى الوقت ذاته أصبحت الصين واحدة من الدول التى جذبت العديد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة فى شتى أنحاء العالم، فضلا عن كونها أصبحت أحد الدول الكبرى فى تصدير رأس المال . وفى عام 2009 بلغت الصادرات السلعية الصينية 90 مليار يوان بينما بلغ تصدير رأس المال 20 مليار يوان(51) .
نقف هنا أمام مصطلح الاقتصاد السوقى ومعاييره كما تحدده الدول الغربية، فالولايات المتحدة لها تعريفها له، والاتحاد الأوروبى له تعريف آخر وإن كان كلاهما فى نفس الاتجاه. حددت أمريكا معاييرها فى الفقرة رقم 18 فى الجزء رقم 771 بمسودة "قوانين التعريفة الجمركية لعام 1930 إلى ستة متطلبات للدول الاقتصادية السوقية: (1) عملة قابلة للتحويل بكل حرية. (2) إمكانية إجراء مفاوضات الأجور بين أرباب العمل والأيدى العاملة. (3) حرية إنشاء مشروعات مشتركة أو مشروعات أجنبية. (4) مدى سيطرة وملكية الحكومة لوسائل الإنتاج. (5) مدى سيطرة الحكومة على توزيع الموارد وإنتاج الشركات وسياسة الأسعار. (6) عوامل التقييم الأخرى التى تمكن وزارة التجارة من تحديد ما هو مناسب.(52)
وقد نص الاتحاد الأوروبى فى المرسوم رقم 905/98 الذى أصدره عام 1998 على ستة معايير لتقييم الدول الاقتصادية السوقية، وهى كما يلى: (1) الأسعار والتكاليف والمدخلات وغيرها التى تحددها لأسواق. (2) امتلاك الشركات لدفاتر محاسبة أساسية تتناسب مع المعايير المحاسبية الدولية. (3) عدم تعرض الأوضاع المالية وتكاليف الإنتاج للشركات لحملة تشويه للأنظمة الاقتصادية غير السوقية. (4) تمتع الشركات بقدر كبير من الحرية فى نقل الأرباح أو رأس المال إلى الخارج وتحديد أسعار وكميات منتحات التصدير. (5) أن تتناسب قوانين الإفلاس والأصول مع أصول عمل الشركات. (6) تغيير أسعار الصرف يتم تحديده وفق عرض وطلب السوق.(53)
وللبنك الأوروبى للإنشاء والتعمير معاييره الخمسة الخاصة: (1) نسبة إنتاج شركات القطاع الخاص من الناتج المحلى الإجمالى. (2) الخصخصة وإعادة هيكلة الشركات. (3) النزعة التحررية للسوق والتجارة. (4) إصلاح النظام المالى، وتسويق أسعار الفائدة وبناء أسواق رأس المال. (5) بناء المؤسسات القانونية للسوق.(54)
وما يجمع تلك المعايير الثلاثة هو تحقيق السيادة لقيم السوق الحرة المناسبة لسياسات الليبرالية الجديدة، وفتح جميع الأسواق أمام حرية التجارة وانتقال رؤوس الأموال، وتحرير العملة وترك تحديدها لقوى السوق والعرض والطلب، وتقليص دور الدولة سواء فى مجال الإنتاج أم فى مجال الخدمات، وبالتالى خصخصة المشاريع العامة الاستثمارية والخدمية بما فيها الكهرباء والمياه والمرافق والتعليم والصحة لكى تتحول جميع احتياجات البشر إلى سلع يتنافس لإشباعها كل المستثمرين فى العالم، لتصبح خاضعة للسوق الحرة ويتاح تقديمها، محملة بالربح بالطبع شأن كل نشاط سوقى، لجميع المستثمرين المحليين والأجانب.
تنعكس تلك المعايير فى حال التزام الدول المتزايد بها مع تزايد فتح أسواق الدول الرأسمالية أمامها لتصدير السلع والخدمات ورؤوس الأموال القادمة من تلك الدول. وهكذا تُستَخدَم تلك المعايير فى التحويل التدرجى للاقتصاد فى تلك الدول إلى اقتصاد الليبرالية الجديدة المنفتح.
وتتبنى الصين تلك المعايير وتستعرض ما تسميه مسيرة نضال الصين من أجل الوضع الاقتصادى السوقى، فتقول أن الاتحاد الأوروبى قد تبنى القرار رقم 905/98، والذى قام فيه بتعديل أسليب مكافحة الإغراق، وعلى إثره تم شطب الصين وروسيا من قائمة الدول الاقتصادية غير السوقية عام 1998، إلا أنه لم يدرجها مباشرة فى قائمة الدول السوقية وإنما تم إدراجها فى قائمة الدول الاقتصادية السوقية الخاصة الناشئة، وهى قائمة وسط بين القائمتين(55).
ويواصل الكتاب الصينيون استعراض نجاحاتهم فى التحول إلى اقتصاد سوقى بالقول بأنه فى العام 2004 اعترفت 36 دولة بالوضع الاقتصادى السوقى فى الصين، وزاد عليهم 15 دولة عام 2005، ثم 15 دولة أخرى عام 2006(56). ولا تخفى الصين سعيها لتحقيق المزيد من معايير اقتصاد السوق فتتحدث عن تسريع تحسين نظام الاقتصاد السوقى للصين فتتحدث عن مواصلة دعم وتوجيه الاقتصاد غير العام، والسماح لرؤوس الأموال غير العامة بالدخول فى الصناعات الاحتكارية والمرافق العامة والبنية التحتية والمرافق الاجتماعية والخدمات المالية وغيرها. وكذلك تشجيع الاقتصاد غير العام على المشاركة فى إعادة هيكلة الاقتصاد الوطنى وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة(57).
وبالنسبة لموضوع تدويل اليونان يتحدث القادة الصينيون عن الأهمية الشديدة لتدويل اليوان بالنسبة للسوق النقدية العالمية وبالنسبة للاقتصاد الصينى، بالذات منذ أعقاب انفجار أزمة عام 2008، والتى تعود فى أصولها بالطبع إلى انهيار نظام بريتون وودز منذ العام 1971. من الناحية الدولية يتحدثون عن المشاكل الضخمة لمخاطر أسعار صرف العملات، والتى يسهم تدويل اليوان فى حلها. أما بالنسبة للصين نفسها فهم يتحدثون عن أن تدويل اليوان يلعب دورا هاما فى تعزيز التنمية الاقتصادية الصينية ويساعد الشركات الصينية على التوجه بكل سهولة نحو العالمية وتنفيذ استراتيجية العولمة والمشاركة فى المنافسات العالمية(58).
الصين تستعد بقوة لدخول السوق العالمية من موقع الاقتصاد القيادى عالميا. من الواضح أنها تطرح نفسها كحل لإصلاح نظام المدفوعات الخارجية الدولية. ومن المعروف أن تسوية نظام المدفوعات التجارية الدولية كان يتم قبل الحرب العالمية الثانية فى التبادل بين المجموعات النقدية الأربع القائمة، كتلة الاسترلينى وكتلة الدولار وكتلة الفرنك الفرنسى والاتحاد السوفيتى، كان يتم تسوية المدفوعات بينها بواسطة الذهب. تغير هذا النظام منذ بريتون وودز عام 1944 إلى تسوية المدفوعات الخارجية بواسطة الدولار، حيث أصبح الدولار القابل للتحويل إلى ذهب بسعر ثابت هو القاعدة. استمرت هذه القاعدة حتى انهيارها فى غمار الأزمة الاقتصادية العالمية للتضخم الركودى ومنذ صدور قرارات نيكسون فى أغسطس عام 1971. ويشير الصينيون إلى هذه المشكلة ويطرحون قدرتهم على المساهمة فى حلها عن طريق تدويل اليوان. يعبر هذا عن طموحهم لإزاحة الدولار عن عرش عملة الاحتياطى الدولية وتسوية المدفوعات الخارجية، وتحويل اليوان إلى عملة تداول دولية جديدة. ولنتتبع سويا الأدلة على ذلك.
هناك نقطة تطور مفصلية فى مسار تدويل اليوان وهى إدخال اليوان كغطاء نقدى ضمن عملات حقوق السحب الخاصة. وحقوق السحب الخاصة هى أصل احتياطى دولى استحدثه صندوق النقد الدولى عام 1969، ويتكون غطاؤه من سلة من العملات، تحتسب قوتها النسبية بناء على حجم صادرات الدولة ذات العملة المعنية، وعلى أساس قابلية العملة للاستخدام الحر. إن قيام صندوق النقد الدولى بإدخال أصل جديد للاحتياطيات الدولية بدءا من العام 1969 كان اعترافا بتدهور وضع الدولار وقوة العملات الأخرى بما يسمح بدخولها أداة دفع فى قسم من المدفوعات الدولية. ويأتى إدخال اليوان فى غطاء حقوق السحب الخاصة بنسبة حوالى 11% مقابل الدولار بنسبة 43% تقريبا، وبجانب الجنيه الاسترلينى والين اليابانى واليورو الأوروبى اعترافا بميزان القوى الجديد فى التجارة الدولية، كما يأتى شهادة على الإجراءات الصينية التى اتخذت للزيادة الهائلة فى اتجاه السوق الصينية للتحرير واللبرلة لاقتصادها، وأيضا يفرض اشتراطات قوية على أسواق الصين ومؤسساتها. وتوضح التجربة فى رأى القادة الصينيين أن هذا التدويل لليوان يدعم إنشاء أسواق مالية عميقة وسائلة، وتحقيق درجة معينة من الانفتاح في الحساب الرأسمالي، وتحقيق نتائج اقتصادية كلية يمكن التنبؤ بها، وإيجاد مؤسسات قوية وموثوقة، وتأمين نزاهة الأسواق – بإرساء حكم القانون على نحو يعتد به(59).
تأتى خطوة كبيرة تالية فى اتجاه تدويل اليوان كعملة تداول دولية فى صيف 2017 بقيام الصين بطرح مناقصة لعقود شرائها الآجلة للبترول باليوان الصينى، (حيث الصين أكبر مستورد عالمى للبترول، 8.8 مليون برميل يوميا) والحكومة الصينية تضمن تحويل اليوان إلى ذهب! واستعدت الصين لهذا بزيادة احتياطيها من الذهب ليتجاوز 4000 طن (والصين لديها مناجم ذهب كثيرة، كما أنها تشترى الذهب من روسيا أيضا)(60).
ونحن نعرف أن أمريكا، تجنى أرباحا كثيرة من حقيقة أن عملتها المحلية التى تقوم هى بطباعتها هى فى نفس الوقت العملة الدولية التى تحتفظ بها الدول كغطاء لعملتها وتستخدمها باعتبارها وسيلتها الرئيسية فى تجارتها الدولية، وبهذا تتمكن أمريكا من طبع دولارات دون أن يتسبب هذا فى تضخم بالداخل إلى حد كبير اعتمادا على ما يحتجز من الدولارات بعيدا عن التداول الداخلى، وتتمكن بهذا الورق المطبوع من استيراد احتياجاتها أو تصدير رساميلها وشراء أصول بالخارج!
ولكن الصين بتلك الخطوة تزيح تدريجيا الدولار عن عرشه الدولى، وتدخل بقوة فى إغراء العالم بالقبول المتزايد لعملتها كوسيلة لتسوية المدفوعات الدولية باعتبارها العملة الوحيدة حاليا المضمونة بالذهب! وهكذا تتقدم الصين بقوة لسيادة عرش الاقتصاد العالمى من ناحية حجم الناتج المحلى، وحجم الصادرات، وقوة العملة، والتوسع التدريجى فى استخدامها كوسيلة لتسوية المدفوعات الدولية.
وينصح الكاتب الاقتصادى الشهير الدكتور سمير أمين الصين بعدم قبول مطالب الغرب بتحويل اليوان إلى عملة حرة يتم تداولها فى سوق العملات لكى تتحدد قيمتها وفق العرض والطلب. يوضح سمير أمين أن الدول النامية فُرِض عليها حرية تحويل العملة، وأدى هذا إلى تدهور متزايد لقيمة العملة أمام العملات الدولية مما أدى إلى خسارة تلك الدول لأصول هائلة قام الأجانب بشرائها بالبخس نتيجة لانخفاض سعر تحويل العملة إلى دولار وإلى عملات دولي(61).
ولكنه يدرك بالطبع أن هذا لا ينطبق على الصين، فهو يقول أن المحدد لقيمة العملة أساسا هو درجة التنافسية المقارنة بين الاقتصادات المختلفة. بمعنى أبسط فإن قوة أى عملة ما هو إلا قدرتها على شراء سلع وخدمات، وبالتالى فقوتها تتحدد بقوة الهيكل الإنتاجى للدولة التى تُصدِر تلك العملة، ومدى اكتفائها الذاتى من إنتاجها، وحجم الفائض المتاح للتصدير من هذا الإنتاج. وبالتالى فالدول النامية عندما تجعل عملتها قابلة للتداول تتدهور قيمتها بقدر ضعف اقتصادها الإنتاجى وقدرتها التصديرية، ويستطيع الأجانب نهب البلاد وشراء أصولها الإنتاجية والخدمية على النحو الذى ذكرناه.
ولكن سمير أمين يوضح خطرا يخص الصين من التحويل الكامل لعملتها إلى عملة تداول دولية، ألا وهو إمكانية التغير فى قيمة العملة بالنسبة للعملات الأخرى، ليس كنتيجة لتنافسية العملة مقارنة بالعملات الأخرى، ولكن كنتيجة لقيام بنوك وشركات صرافة بالمضاربة على قيمة العملة وتحقيق مكاسب ضخمة نتيجة لذلك. وهو ينصح الصين بأن من الأفضل لها أن تخفف تدريجيا من الأهمية التى أعطتها للصادرات لمصلحة مزيد من التركيز على إنماء السوق الداخلية، وبالتالى رفع مستوى الرفاه لمصلحة الطبقات الشعبية(62). ولكن بعد أن قطعت الصين كل هذا الشوط فى تحقيق السيادة التدريجية الحاسمة لشروط اقتصاد السوق فى سوقها الداخلى وفى الاندماج فى السوق الرأسمالية العالمية، هل مازال هناك من أمل فى الاستماع إلى مثل تلك النصيحة؟
السياسة الخارجية للصين
"الصين تقترب من مركز المسرح العالمى يوما بعد يوم، وتواصل تقديم إسهامات أكبر للبشرية"(63) هكذا تُعَبِّر الصين عن سعيها لتصبح القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية الأولى فى العالم بحلول عام 2050. ولكنها تقول أنها لا تسعى لتكون محور المعسكر العالمى ولا تمارس الأحادية القطبية وتنبذ سياسة القوة وتعارض الهيمنة(64).
وتطرح الصين "بناء رابطة المصير المشترك للبشرية" من خلال طرحها لمبادرة الحزام والطريق منذ عام 2015 (مبادرة إعادة إنشاء طريق الحرير القديم بين الصين وأوروبا والشرق الأوسط) وإقامة حزام للتنمية حوله، وإنشاء طريق الحرير البحرى ليتكامل معه ويربط الصين بجنوب شرق آسيا ثم عبر مضيق ملقا إلى أفريقيا من ناحية، وإلى المنطقة العربية، ثم عبر قناة السويس إلى أوروبا من الناحية الأخرى(65) .
يعد دفع الإصلاح والانفتاح للتنمية، وتعزيز المنفعة المتبادلة والفوز المشترك والسعى إلى التعاون سياسة أساسية للصين على أساس مبادئ التعايش السلمى. كما تواصل الصين دفع تنمية عولمة الاقتصاد إلى اتجاه أكثر انفتاحا وشمولا وأفضلية عامة وتوازنا وفوزا مشتركا. وتؤيد الصين الدول العربية فى البحث عن الطريق الذى يتفق مع ظروف كل دولة، ولا تتدخل فى السياسات الداخلية للدول الأخرى(66) .
وبالطبع الأفكار الواردة للكاتبين السابقين هى انعكاس للأفكار الرئيسية الواردة فى تقرير شى جين بينج فى التقرير المقدم للمؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعى الصينى مع بعض التوضيح والتفصيل والاستزادة.
الصورة التى تطرحها القيادة الصينية للعالم هى صورة وردية تخلو من التناقضات: فلا توجد فيها إمبريالية تسعى للهيمنة، ولا دول مقهورة، ولا توجد مصالح متناقضة على الساحة الدولية، ولا يوجد انحياز ضد أى طرف! كما أن تعميم اقتصاديات السوق والانفتاح والعولمة هى المثل الأعلى للصين، وكانت هناك مفارقة ضخمة فى اجتماع قمة العشرين التى عقدت فى هامبورج فى شهر يوليو عام 2017، وهى أن يطالب شى جين بينج رئيس الصين بحرية التجارة والامتثال لقواعد منظمة التجارة العالمية، بينما يدافع ترامب رئيس الولايات المتحدة عن حق بلاده فى فرض السياسات الحمائية!
ونحن فى مصر والعالم العربى كدول نامية أو متخلفة أو تابعة كيفما أردت، ندرك جيدا عبث تلك الصورة الوردية الخادعة للعالم المسالم، فنحن قد خضعنا لسَلمِها المسلح خلال العقدين الأخيرين وحدهم فى صورة حروب على العراق ولبنان وغزة وتدخل لتدمير الدولة فى سوريا وليبيا وغيرها. كما أننا ندرك أن فترة النمو التى عرفتها مصر تمت تحت مظلة السياسات الحمائية فى الأربعينات والخمسينات والستينات، تماما كما صنعت الصين قفزتها التنموية فى عهد ماو وحتى وقت دنج هسياو بنج فى ظل السياسات الحمائية.
كما ندرك جيدا عبث صورة "عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول" ومضمونه براجماتية تأييد الدول والأنظمة الحاكمة حتى لو كانت فى إسرائيل، وحتى لو كانت البرازيل لولا دا سيلفا أو ديلما روسيف أو ميشيل تامر الذى حضر القمة! كما ندرك من تجربتنا العملية أن قليلا من المعاملات الدولية ينطبق عليها مبدأ المكسب المشترك win –win policy بينما ينطوى معظمها على طرف كاسب وآخر خاسر!
السياسة الاقتصادية الخارجية، أفريقيا نموذجا
تمثل السياسة الصينية فى أفريقيا نافذة هامة لرؤية السياسة الخارجية الصينية: دوافعها، ومضمونها، ونتائجها على القارة وعلى العالم. وفى دراسة هامة لمعهد بروكنجز(67) يوضح المنافسة بين ثلاث كتل تجارية واستثمارية عالمية، هى الصين والاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة، حول أفريقيا.
أفريقيا بالنسبة للصين بلاد واعدة حيث تحتوى على الكثير من المواد الأولية التى تحتاجها الصين، كما أنها سوق للتجارة الصينية، ومجال للاستثمار. وبالطبع فإن النظرة الكلاسيكية للغرب للصين هى على إنها قوة رأسمالية منافسة لها، مع بعض الاختلافات فى الشروط التى تتطلبها عن كل من الشروط الأوروبية والشروط الأمريكية. وتقدم الدراسة تعدادا للأنشطة الصينية فى أفريقيا كما يلى:
مولت الصين ثلاثة آلاف مشروع حيوى فى أفريقيا للبنية التحتية، كما قامت الصين بتقديم قروض للحكومات وجهات الحكومية بما مجموعه 86 بليون دولار خلال الفترة من عام 2000- 2014.
فى المؤتمر السادس للتعاون الاقتصادى بين الصين وأفريقيا المنعقد عام 2015 تعهد الرئيس الصينى بتقديم قروض بقيمة 60 بليون دولار جديدة لأفريقيا، وفى حالة تقديمها تكون الصين مقرضة لأفريقيا بحوالى 20 بليون دولار سنويا. وكنتيجة لهذا تكون الصين أكبر مقرض لأفريقيا بنسبة 14% من قروضها الخارجية. ففى كينيا مثلا بلغت القروض الصينية ستة أضعاف القروض الفرنسية، حيث فرنسا أكبر مقرض لكينيا بعد الصين. وبينما لا تمثل الاستثمارات الصينية المباشرة أكثر من 5% من إجمالى الاستثمارات، فإن التجارة الخارجية لأفريقيا مع الصين تضاعفت 20 مرة حتى بلغت 200 بليون دولار سنة 2015، ولكن الاستثمارات الصينية بدأت هى الأخرى فى التزايد. ويوجد فى أفريقيا عام 2017 حوالى عشرة آلاف شركة مملوكة للصينيين، ثلثها شركات صناعية. ولكن عددا كبيرا من هذه الشركات تنتمى إلى الشركات الصغيرة. وتقوم تلك الشركات بخلق الوظائف، وتطوير المهارات ونقل التكنولوجيا.
ويعد مشروع الحزام والطريق الصينى أكبر مشروع تم التفكير فيه على الإطلاق، وتعكس دراسة معهد بروكنز طموح الرأسمال الغربى فى قيام الصين بطرح مشاريعه للتعاون مع الدول الأفريقية فى مناقصات شفافة مفتوحة للمستثمرين الغربيين للمشاركة مع رأس المال الصينى فى غزو أفريقيا، مع إتاحة القروض لهؤلاء المستثمرين الأجانب من البنوك الصينية للاشتراك فى الكعكة المربحة!
وفى الواقع ففى رأينا أن الفوارق بين شروط الاستثمار بين الكتل الثلاث فى أفريقيا مفهومة: يهدف القائمون على الدراسة من معهد بروكنجز لوم أمريكا على طرحها شروطا قاسية على أفريقيا مثل فرضها على الدول الأفريقية تحرير تجارتها مع أمريكا فى اتجاه واحد، أى فتح أسواقها بحرية أمام تصدير السلع الأمريكية ولكن مع استمرار حظر أمريكا للاستيراد منها. كما قل اهتمام أمريكا بأفريقيا وقل حجم التعاملات بعد اكتشافات البترول الصخرى فى أمريكا ما أوصل أمريكا للاكتفاء الذاتى والاستغناء عن استيراد بترول نيجيريا وأنجولا.
وتتميز عن الولايات المتحدة أوروبا الغربية التى تطرح شروطا أفضل من زاوية طرحها لفتح الأسواق بشكل متبادل، وتسعى لتسويق سلعها فى أفريقيا كما تسمح أيضا بفتح أسواقها على الأقل لبعض السلع الأفريقية، كما تهتم بأنشطة غير تجارية أو استثمارية مباشرة مثل التعاون الثقافى على غرار تعاون فرنسا مع مجموعة دول الفرانكوفون، كما وتقدم بعض المساعدات التنموية.
أما الصين فتطرح شروطا أفضل بالذات من ناحية القروض المخفضة الفائدة حتى تبلغ الفائدة أحيانا صفر أو نصف أو ثلاثة أرباع الواحد فى المائة، وهى تتصدر الدول التى تتعامل مع أفريقيا كما رأينا. وتحث دراسة بروكنجز أمريكا على الاستفادة من تلك الدروس لتعميق تعاونها الاقتصادى مع أفريقيا، كما تتلمظ على أن تفتح الصين أبواب المشاركة مع رؤوس الأموال الغربية فى استثمار أفريقيا، بل وأبواب البنوك الصينية فى تمويل المشاريع المشتركة مع رأس المال الغربى كما رأينا.
وفى رأينا أنه رغم الشروط الأفضل التى تطرحها الصين والمساعدات التنموية التى تقدمها لأفريقيا من زاوية مشاريع البنية الأساسية وإقامة السدود والمشاريع الخدمية مثل الطرق والسكك الحديدية، فإن جوهر العلاقات الاقتصادية الصينية الأفريقية لا يخرج عن المزيد من إدماج الاقتصاديات الأفريقية فى السوق الرأسمالية العالمية مع استفادة الصين من أرباحها من ذلك. أما القروض المخفضة فيجب أن نلاحظ أنه فى الوقت الذى تقرض فيه الصين أيضا تلك الدول فعلا بهذه الفائدة المنخفضة فإنها هى الرابحة من تلك العلاقة: فهى تحصل على مصادر الطاقة التى تحتاج إليها، وتستثمر فى استغلال مناجم أفريقيا بالذات فى المعادن النادرة التى تحتاجها، وتقدم القروض لإنشاء الطرق وخطوط السكك الحديدية التى توصل بين تلك المناجم ومناطق الاستثمار وبين موانئ التصدير، كما أنها تستثمر فائض دولاراتها من التبادل مع الولايات المتحدة الأمريكية فى تأمين الحصول على المواد الخام التى تحتاجها، وأرباح استثماراتها بالذات المنجمية فى أفريقيا، وفوائد قروضها. أى أن العلاقة بين الصين وأفريقيا لا تخرج عن إطار العلاقة الإمبريالية العادية التى تمارسها الدول الإمبريالية مع الدول التابعة فى صورة الحصول على احتياجاتها من المواد الأولية بأنواعها، واستغلالها كأسواق لتصريف منتجاتها، وتصدير رأس المال فى شكليه: القروض والاستثمارات.
وسنرى فى القسم التالى من الدراسة علاقة منطق تحرير التجارة والاستثمار الذى تدافع عنه الصين وتتمسك بشروط منظمة التجارة العالمية فيه بتطور النزعة العسكرية المصاحبة لمثل تلك الأنشطة.
العقيدة العسكرية وتطورها
فى عام 2009 غيرت الصين من عقيدتها العسكرية من عقيدة دفاعية إلى عقيدة هجومية. يمكن من زاوية التوقيت ربط هذا التغير بالتطورات التى حدثت فى القوة الاقتصادية للصين، ونمو مصالحها التجارية التى ترتبط فى تاريخ الدول الحديثة بالحاجة لمد النفوذ العسكرى لتأمينها وحراستها، واستعراض القوة فى المنافسات على المصالح والنفوذ.
انطلاقا من هذا امتلكت الصين أول حاملة طائرات بشراء واحدة قديمة تم تحديثها من روسيا (حاملات الطائرات سلاح يتناسب مع الاستراتيجية الهجومية ولا يستخدم أساسا فى الدفاع عن الوطن ولكنه قاعدة عسكرية متحركة إلى أى بقعة فى العالم). ثم أخذت الصين فى إنشاء حاملة طائرات ثانية، وقبل استكمالها بدأت فى تصنيع ثالث حاملة طائرات لها، علما بأن أقوى دولة فى العالم فى هذا المجال، الولايات المتحدة الأمريكية، لا تمتلك سوى أحدى عشرة حاملة طائرات.
سبق هذا فى عام 2008 أن أرسلت الصين قوة بحرية، أصبحت مستديمة فيما بعد، إلى المحيط الهندى قبالة الساحل الصومالى ضمن قوة دولية أُرسلت لمواجهة القرصنة من قبل الميليشيات الصومالية بالقرب من باب المندب.
ثم بعد هذا اتفقت الصين على إنشاء أول قاعدة بحرية فى دولة أخرى مع جيبوتى عام 2015، بالتفاهم وبضوء أخضر من أمريكا وفرنسا التى تمتلك كل منها قاعدة عسكرية لها فى جيبوتى. شاركت الصين فى مناورات بحرية بتلك المنطقة وامتدت إلى البحر المتوسط. ويعطينا كل هذا صورة كلية عن سعى الصين نحو النفوذ العالمى الاقتصادى والسياسى والعسكرى المتكامل، واستعدادها الذى أوضحناه لتبوء مركز الصدارة فى العالم، مما دفع البعض لوصف القرن الواحد والعشرين بقرن الصين(68).
ومن المعروف والمتداول قيام الصين بنشر نفوذها البحرى العسكرى فى بحر الصين الجنوبى والمحيط الهندى، وسعيها لاستغلال قاع البحر فى المياه الدولية منجميا وإقامة مناطق نفوذ عسكرى، أيضا قيامها بزرع الجزر فى بحر الصين الجنوبى واحتلالها لجزر غير مأهولة فى المياه الدولية، ومعروف نزاعها مع فيتنام نتيجة لعمل هذا فى المجال البحرى لفيتنام. ومنطقة بحر الصين الجنوبى منطقة تنافس على النفوذ بين الولايات المتحدة الأمريكية التى تمتلك قواعد فى الفلبين وغيرها، وبين الصين التى تنشر نفوذها هناك بشكل متزايد.
يرتبط تطوير البحث العلمى ارتباطا وثيقا بالعسكرية. بل إن القفزات الكبرى فى العلم والتكنولوجيا فى العصر الحديث ارتبطت ارتباطا وثيقا بالحروب: إطلاق طاقات الذرة عام خلال الحرب العالمية الثانية، واكتشاف الصواريخ الباليستية (ذات المدى الذى يمكنه ليس فقط الوصول إلى مسافات ضخمة، ولكن الذى يمكنه بالتالى من الإفلات من الجاذبية الأرضية والوصول إلى الفضاء الخارجى بما فيها وضع أقمار صناعية ومختلف استخدامات الفضاء) وبداية استخدامها جاء عام 1957 بإطلاق أول قمر صناعى سوفيتى فى غمار الحرب الباردة....الخ.
والصين ليست استثناءً من ذلك، وهى تدرك أن تطوير تفوقها الكونى يتطلب، ليس فقط امتلاك ناصية التكنولوجيا الحديثة، ولكن تطويرها بشكل مستقل وسبق الغرب والعالم فى هذا المجال. وفى عام 2016 أنجزت الصين إنجازات تكنولوجية كبرى: تصنيع أول طائرة نقل ركاب عملاقة لها تعادل الجامبو الأمريكى والإيرباص الأوروبى والتوبيلوف الحديثة الروسية. والثانى إطلاق مسبار فضائى لدراسة موضوع المادة المعتمة فى الكون.
وفى عام 2017 حاولت الصين إطلاق أول محطة فضاء مدارية من تصنيعها المستقل، ليتواقت مع المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعى الصينى فى نوفمبر. ولفهم أهمية ذلك الحدث يجب أن نعلم أنه فى تاريخ البشرية لم تكن توجد سوى دولة واحدة تصنع المحطات المدارية هى روسيا، التى صنعت مير أول محطة فضائية سوفيتية، ثم صنعت قلب المحطة المدارية الثانية المعروفة بالمحطة الدولية. وبقيام الصين بتصنيع محطة مدارية تسبق أمريكا فى هذا المجال. إلا أنه للأسف انفجرت المحطة بعد إطلاقها بقليل.
وتدرك الصين أن تطوير إنجازات تكنولوجيا المعلومات هو مفتاح الهيمنة الصناعية العسكرية، وقد صرح بوتين بأن من يمتلك السيطرة على الذكاء الصناعى سيسطر فى القرن الواحد والعشرين. ومن المعروف أن هذا يتم عن طريق تصنيع ميكروشيبس متقدمة تمثل قلب الكومبوترات الحديثة وتدخل فى كل الصناعات العسكرية والمدنية. ووضع الصين فى هذا المجال مازال متخلفا، فنصيبها من تصنيع الميكروشيبس فى السوق العالمية لا يتجاوز 4% بينما يصل نصيب أمريكا إلى 50%. ولا تصنع الصين سوى 20% من تلك السلع التى تستخدمها فى سوقها الداخلى، ولكنها تستورد من أمريكا سنويا ميكروشيبس بقيمة 200 مليار دولار!
ولكنها بدأت خطة طموحة لتطوير الميكروشيبس والذكاء الصناعى من خلال شركات التكنولوجيا المتقدمة التى تملكها: بايدو (التى تصنع وتقدم محرك البحث الوحيد المسموح به فى الإنترنت الصينى والمسمى على اسم الشركة) وتاونسند وعلى بابا، وقسمت بينها أبحاث الذكاء الصناعى بحيث تتخصص أحدها فى مجال السيارات الكهربية والثانية فى تصنيع الروبوتات وهكذا.
وهكذا تستعد الصين لتحقيق المرتبة الأولى عالميا فى الاقتصاد والعسكرة والبحث العلمى معا.
خلاصة واستنتاجات
حاولنا فى هذه الدراسة استعراض تطور الصين، بدءا من الحلم ببناء مجتمع اشتراكى بعد ثورة شعبية عظيمة وحزب قيادى كفء. هدفنا من تلك الدراسة لم يكن الإشادة بالصين ولا اتخاذ موقف ضدها، بل كان فى المحل الأول فهم منطق ما حدث فيها. ركزنا فيما سبق على موضوع هام يتعلق باستراتيجية التنمية المفترضة فى الدول الاشتراكية فى خطوطها العامة بالطبع والتى يخضع تنفيذها للشروط الملموسة، وتبدأ بالتحول إلى مجتمع صناعى لتطوير كل من الزراعة والصناعة، والسعى لتحقيق الاكتفاء الذاتى، ثم الانتقال إلى التركيز على إشباع الاحتياجات الأساسية لجمهور السكان، بمعنى توجيه الإنتاج أساسا لأشباع احتياجات أغلبية السكان، دون أن يعنى هذا عدم أخذ البيئة الدولية بعين الاعتبار جيدا.
كما رأينا توجه الصين منذ عام 1978 إلى سياسة النمو المعتمد على الصادرات أو الذى تقوده الصادرات، وهو ما يؤدى إلى قيام السياسة الإنتاجية بتلبية احتياجات الأسواق الخارجية للصادرات بدلا من زيادة مستوى إشباع الاحتياجات الأساسية غير المشبعة للجماهير.
ونحاول هنا تجميع نقطة محورية تتعلق بالآثار المتراكمة لهذا التوجه نحو السوق العالمية بدلا من التوجه نحو السوق الداخلية، والبعد عن هدف تحقيق الرفاهية المتزايدة للجماهير:
1. دعم هذا التوجه من التبنى التدريجى للتحول إلى اقتصاد السوق فى الداخل.
2. اعتمدت الصين بعد 1978 على ما يعتبر "تصديرا" لقوة عملها الرخيصة كعنصر جذب رئيسى للاستثمار الأجنبى فى الصين، وقد بلغت أجور العمال فى سنغافوة مثلا، أحد منافسى الصين فى جذب رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار، بلغت أكثر من عشرين ضعفا لأجر العامل الصينى.
3. كما رأينا كان هناك مصدر لا ينفذ لهذه العمالة شديدة الرخص وهو الريف الذى رأينا شروطه الحياتية القاسية، مع "حصار" هؤلاء السكان الفقراء فى القرى بمنع تغيير إقامتهم إلى المدينة إلا بموافقة السجل المدنى، الأمر الذى كان يسمح للدولة بدخول اليد العاملة الإضافية وفقا لاحتياجات التصنيع سواء المحلية أو بواسطة رؤوس الأموال الأجنبية القادمة. وساهم هذا فى زيادة نسبة التحضر (بمعنى انتقال السكان من الريف للمدينة) فزاد سكان المدن من 17.8% من السكان عام 1978 إلى 58.8% عام 2018 كما ذكرنا ووثقنا سابقا. وهذه التركيبة السكانية الحالية مازالت تعد وفقا للمعايير العالمية مستوى غير مرتفع للتحضر، ومازال هذا المخزون الذى لا ينفذ للعمالة متوفرا لفترة طويلة قادمة.
4. ساهم هذا العامل بالإضافة إلى استخدام الصين للهندسة العكسية فى معرفة تركيب السلع الغربية، ساهم فى تحول الصين فى الثمانينات والتسعينات إلى ما عرف بورشة العالم لإغراق العالم بمنتجات شديدة الرخص، وإن ليست بالضرورة بالكفاءة المطلوبة.
5. اعتمادا على الفائض الضخم فى الميزان التجارى للصين تطور دخول السوق الرأسمالى العالمى بالدخول فى مجال تصدير رؤوس الأموال والاستثمار فى الخارج وتطوير التكنولوجيا.
6. كان للسوق العالمى إغراؤه الشديد. وكما رأينا فإن معايير الاقتصاد السوقى التى يفرضها الغرب كشرط الاندماج الاقتصادى متزايد الاتساع مع السوق الرأسمالية العالمية يفرض شروطه وإغراءاته من أجل المزيد من الولوج لمجال السوق، وتوسيع السوق التجارية والاستثمارية المحلية والعالمية ذات حافز الربح الواضح.
7. سارت الصين بعد ذلك فى سياسة خارجية براجماتية لا تعرف أعداءً طبقيين فى دول إمبريالية أو نامية، وتقيم علاقاتها مع كل الدول، وتروج لأساطير توافق المصالح بدون تناقضات وتقدم الصورة الوردية لتوافق مصالح الجميع والفوز المشترك، وكأنه لا يوجد ضحايا فى العالم نتيجة للسياسات الوحشية للإمبريالية.
8. انضمت الصين إلى المؤسسات الدولية الإمبريالية مثل منظمة التجارة العالمية، ونادت مع تلك المؤسسات بنشر منطق الحرية (الليبرالية) الاقتصادية، وتحرير نفاذ السلع ورؤوس الأموال إلى الأسواق مع إدانة السياسات الحمائية، لأن تلك السياسة تخدم مصالحها الاقتصادية والتربح من العالم سواء بتصدير السلع أم بتصدير رؤوس الأموال.
9. تشجع الصين الدول النامية على هذه السياسة التى خبرنا جيدا فى بلادنا آثارها المدمرة على اقتصادنا وعلى تخلفنا نتيجة لإدماجنا فى السوق الرأسمالية العالمية من موقع التابع وفقدان القدرة على تطوير الإنتاج وعلى إشباع الحاجات الأساسية للجماهير، مع تزايد الاستقطاب الداخلى وزيادة الأغنياء غنى وزيادة الفقراء فقرا.
10. صحب هذا تطور النزعة العسكرية الصينية، وبالتالى أصبحت الصين تسير فى خط واضح لمحاولة احتلال موقع الدولة العظمى الوحيدة ذات القوة القاهرة السياسية والاقتصادية والعسكرية، على أساس من تبنى القيم الرأسمالية فى الداخل والخارج.
11. تبدو المفارقة القاسية هنا بين تطور النفوذ الدولى وضعف المستوى المعيشى للجماهير بالداخل، فبينما تتجه الصين للهيمنة الإمبريالية الاقتصادية والعسكرية العالمية، يدور الحد الأدنى للأجور حول 350 دولار، والأغلبية الشعبية الساحقة محرومة أساسا من المستوى المهارى الثالث للعلاج (الرعاية الصحية الثالثية التى تشمل علاج الفشل الكلوى وعلاج الأورام وجراحات القلب والمخ) ماعدا قلة تستطيع الاشتراك فى تأمين خاص باشتراك خاص بها، والأغلبية الريفية محرومة من مستوى متقدم من التعليم، ويعانى الريف بين ما يعانى من أزمة إسكان طاحنة، ولا يوجد حد أدنى قومى للأجور ولا قانون تأمينات اجتماعية موحد ولا يزال يوجد المنع القصرى لانتقال المواطنين بين الريف والمدينة والمحافظات.
12. ولكن هذا لا يستغرق الموقف العملى من الصين، فلا شك أن بروز الصين كقطب، مع روسيا، يفرض وجود عالم متعدد الأقطاب يحمى من هيمنة التوحش للقطب الوحيد فى العقدين الأخير من القرن السابق والأول من القرن الحالى، ويعد مفيدا جدا للدول المتخلفة مثلنا.
13. وبالنسبة لعلاقاتها الخارجية رغم مضمونها الذى أوضحناه، فإن الأسلوب الناعم البعيد عن العسكرة الفجة، والشروط الأفضل التى تطرحها بالطبع على الدول المتخلفة تفيدنا كثيرا، ومثال ذلك قيام مشروعات مشتركة متقدمة تكنولوجيا بين الصين ومصر لا يتيحها الغرب لها مثل مشروع إنتاج كابلات الألياف الضوئية fiberoptic ومشروع تصنيع الرمال السوداء.
14. إن فهم ظاهرة الصين بشكل علمى مبنى على الدراسة وبعيد عن تحيز الهوى مع الصين أو ضدها هو الوسيلة الضرورية لتحديد موقف علمى منها يخدم تحديد استراتيجية وتكتيك ثوريين فى بلادنا والعالم.
دكتور محمد حسن خليل
10 يوليو 2018
المراجع
1- هذا هو نفس المنهج الذى حاولت تتبعه فى دراسة التجربة السوفيتية فى دراسة بعنوان: ثورة أكتوبر بين الأمل والفشل المنشورة عام 2017 فى موقع الحوار المتمدن على الرابط: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=579736
2- بالطبع هناك استثناءات مثل بناء صناعة متقدمة فى إيران بعد ثورة 1979 من خلال استخدام فائض ريع البترول فى بناء قاعدة صناعية متقدمة تتيح تطوير الزراعة والصناعة، ولكن وضع الصين هو الوضع النموذجى فى معظم التجارب سواء لبناء دولة رأسمالية متقدمة أثناء نشأة الرأسماليات أو بناء أسس دولة اشتراكية فى القرن العشرين.
3- وو سى كه: أربعون عاما من الإصلاح والانفتاح فى الصين: نظرة على الماضى والمستقبل. مقال منشور فى مجلة الصين اليوم بتاريخ يونيو 2018.
4- تشاو كه يوان "كيف تتغلب الصين على المشاكل الزراعية الثلاث" وهو الباب السادس فى كتاب: الاقتصاد الصينى العقبات والحلول للكاتب الصينى هان باو جيانج (محرر ومؤلف مشارك). ولأهمية هذا الكتاب فسوف نعود إليه كثيرا فى سياق الدراسة، فالمحرر ومؤلف عدد من أبواب الكتاب السبعة عشر يشغل منصب مدير مدرسة الحزب المركزية فى الحزب الشيوعى الصينى، وهو واضع خطة الكتاب، وشارك معه فى التأليف سبعة مؤلفين آخرين من أساتذة المعهد. والكتاب صادر، فيما توضحه الإحصائيات الاقتصادية التى يعود بعضها إلى أعوام 2010 و2011 و2012، صادر عام 2013. اعتمدنا هنا على الترجمة العربية التى قام بها الأستاذ مليجى جلال، والصادرة عام 2015 عن المكتب المصرى للمطبوعات، وهو الناشر بالتعاون مع دار الشعب بسيتشوان ودار انتركونتينتال الصينية. يمكننا بناءً على كل هذا اعتبار الكتاب معبرا عن القيادة السياسية الحزبية الصينية.
5- أنظر فى ذلك كتاب سمير أمين فى هذا الموضوع: "الاشتراكية واقتصاد السوق، تجارب الصين وفيتنام وكوبا".

6- بشأن الثورة الثقافية، أنظر الموسوعة البريطانية، مادة الثورة الثقافية cultural revolution للكاتب كينيث ليبرتال، أنظر أيضا موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية مادة الثورة الثقافية cultural revolution بقلم كتاب متعددين على الرابط: https://en.wikipedia.org/wiki/Cultural_Revolution
7- أنظر فى ذلك المناظرة بين الحزب الشيوعى الصينى والحزب الشيوعى السوفيتى
8- تشاو كه يوان: "كيف تتغلب الصين على المشاكل الزراعية الثلاث؟" مصدر سبق ذكره
9- ليو فينج "كيف يتم تديل اليوان الصينى؟" الباب السابع عشر من كتاب الاقتصاد الصينى...مصدر سبق ذكره
10- ليو فينج "كيف يتم تدويل اليوان.....مصدر سبق ذكره
11- تشاو كه يوان: "ما مدى إمكانيات تواصل نمو الاقتصاد الصينى؟" الباب الثانى من كتاب الاقتصاد الصينى.....كتاب سبق ذكره
12- تشاو كه يوان، المصدر السابق
13- أنظر تلك الإحصائيات على موقع البنك الدولى وعلى موقع البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة
14- تشاو كه يوان، مصدر سبق ذكره
15- المصدر السابق
16- أنظر military strength indicator فى موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية على الرابط https://en.wikipedia.org/wiki/List_of_countries_by_Military_Strength_Index
17- أنطوان برونيه وجون بول جيشار: "كتاب التوجه الصينى نحو الهيمنة العالمية- الإمبريالية الاقتصادية" 2011، الترجمة العربية للكتاب بواسطة عادل عبد العزيز أحمد. المركز القومى للترجمة، 2016.
18- أنظر الفصل الثانى من الكتاب الوارد فى المصدر السابق، عنوان الفصل هو: "العوامل التى أدت إلى الهيمنة العالمية لكل من إنجلترا والولايات المتحدة"
19- لمعرفة من تفيده حرية التجارة ومن تضره، سواء تاريخيا أو الآن يمكن مراجعة كتابتنا فى هذا الصدد بعنوان: "خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى بين العبث والدوافع الحقيقية" المنشور فى موقع الحوار المتمدن على الرابط التالى: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=523984
20- أنظر مادة آدم سميث Smith, Adm فى الموسوعة البريطانية Encyclopedia Britanica
21- أنظر كتاب التوجه الصينى نحو الهيمنة.... مصدر سبق ذكره، الفصل الخامس: السياسة التجارية للصين
22- ليو فينج: "كيف تقوى الصين إصلاح النظام الضريبى؟" الباب الخامس عشر فى كتاب الاقتصاد الصينى العقبات....مصدر سابق
23- لى شيا: "كيف تتعامل الصين مع الإفقار المزدوج فى الحضر والريف؟" الباب الثامن فى كتاب الاقتصاد الصينى العقبات....مصدر سابق
24- المصدر السابق
25- تشاو كه يوان: ما مدى إمكانيات تواصل نمو الاقتصاد الصينى؟ مصدر سبق ذكره.
26- وو سى كه: أربعون عاما من الإصلاح والانفتاح، مصدر سابق
27- تشاو كه يوان: "كيف تتغلب الصين على المشاكل الزراعية الثلاث" مصدر سبق ذكره.
28- تنتهى معلومات الكتاب الذى ذكرناه، الاقتصاد الصينى العقبات والحلول، عند عام 2013 كما أوضحنا سابقا. ولكن قدم الحزب الشيوعى الصينى دعوة لمفكرى الأحزاب اليسارية، خمسة عشر فردا ذهب منهم ثلاثة عشر فقط، يمثلون ثلاثة عشر حزبا من أربعة دول عربية منهم خمسة أحزاب مصرية هى الحزب الاشتراكى المصرى الذى أتشرف بالانتماء إليه وقمت بتمثيله، وحزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى، والحزب الشيوعى المصرى، والحزب الناصرى، والحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى. قدم الحزب الشيوعى الصينى دعوة للحضور إلى مؤتمر أقيم بجامعة بكين بمناسبة الاحتفال بمرور 200 سنة على ميلاد كارل ماركس ولمناقشة مستقبل الاشتراكية فى العالم والطريق الصينى إلى الاشتراكية، وتقديم ورقة فى نطاق هذا الموضوع العريض. يعقب المؤتمر حوار مع إدارة العلاقات الخارجية بالحزب الشيوعى الصينى، وزيارات مرتبة فى بكين وثلاث مقاطعات أخرى فى الصين للاطلاع على وضع الريف الاشتراكى فى الصين، ونماذج من التنمية الاقتصادية مثل زيارة مناطق التنمية الاقتصادية التى سنذكرها لاحقا. علمنا أثناء الزيارة أن هناك تطورات حدثت فى مجال التأمين الصحى خلال السنوات 2013- 2018 تمثل فى تعميم خدمات التأمين الصحى تشمل الرعاية الصحية الأولية (خدمات العيادة الخارجية) والرعاية الصحية الثانوية (خدمة المستشفيات العادية) مقابل اشتراك يتحدد وفقا للمقاطعة يدور بين 80 و120 يوان، وتدفع له الدولة أو المقاطعة مبلغا يدور حول 200 يوان. يستثنى من تلك الخدمات الصحية خدمات الرعاية الصحية الثالثية المهارية المتقدمة مثل علاج الأورام وقسطرة وجراحات القلب وغيرها، إذ تؤدى فى المدينة وفقا لاشتراك خاص.
29- تشاو كه يوان: "كيف تتغلب الصين على المشاكل الزراعية الثلاث؟" مصدر سبق ذكره
30- لى شيا: "كيف تتغلب الصين على فجوة توزيع الدخل...مصدر سبق ذكره
31- هاو باو جيانج: "أين يكمن مخرج الاقتصاد الصينى بعد الأزمة العالمية؟" الباب الأول من كتاب الاقتصاد الصينى... مصدر سبق ذكره
32- تشاو كه يوان: "ما مدى إمكانية تواصل نمو الاقتصاد الصينى؟" مصدر سبق ذكره
33- لى شيا: "كيف تضيق فجوة توزيع الجخل الآخذة فى التزايد؟" مرجع سبق ذكره
34- لى شيا: "كيف تصيق الصين فجوة توزيع الدخل الآخذة فى التزايد؟" المصدر السابق
35- لى شيا: "كيف تتعامل الصين مع الإفقار المزدوج فى الحضر والريف؟" مصدر سبق ذكره
36- تشاو كه يوان: "ما مدى إمكانات تواصل نمو الاقتصاد الصينى؟"...مصدر سبق ذكره
37- هاو باو جيانج: "أين يكمن مخرج الاقتصاد الصينى بعد الأزمة العالمية؟" الباب الأول من كتاب الاقتصاد الصينى... مصدر سبق ذكره
38- ليو فينج: "كيف يتم تدويل اليوان الصينى؟" مصدر سبق ذكره
39- المصدر السابق
40- تشاو كه يوان: "ما مدى إمكانات تواصل نمو الاقتصاد الصينى؟" مصدر سبق ذكره
41- هاو باو جيانج: "أين يكمن مخرج الاقتصاد الصينى بعد الأزمة المالية العالمية؟" مصدر سبق ذكره
42- المصدر السابق
43- لى شيا: "كيف تتعامل الصين مع الإفقار المزدوج فى الحضر والريف؟" مصدر سبق ذكره
44- تشاو كه يوان: "كيف تتجنب الصين السقوط فى فخ الدخل المتوسط؟" مصدر سبق ذكره
45- لى شيا: "كيف تتعامل الصين مع الإفقار المزدوج فى الحضر والريف؟" مصدر سبق ذكره
46- معلومات مباشرة أثناء الزيارة المشار إليها من قبل الكاتب للصين عام 2018
47- شى جين بينج: "التقرير المقدم إلى المؤتمر الوطنى التاسع عشر للحزب الشيوعى الصينى فى نوفمبر 2017"
48- المصدر السابق
49- ليو فينج: "كيف يتم تدويل اليوان الصينى؟" مصدر سبق ذكره
50- ليو فينج: كيف تقوى الصين إصلاح النظام الضريبى؟ مصدر سبق ذكره
51- ليو فينج: "كيف يتم تدويل اليوان الصينى؟" مصدر سبق ذكره
52- ليو فينج: "كيف تقوى الصين إصلاح النظام الضريبى؟" مصدر سبق ذكره
53- المصدر السابق
54- المصدر السابق
55- المصدر السابق
56- المصدر السابق
57- المصدر السابق
58- ليو فينج: "كيف يتم تدويل اليوان الصينى؟" مصدر سبق ذكره
59- موقع صندوق النقد الدولى على الإنترنت: " الصندوق يضيف اليوان الصيني إلى سلة عملات حقوق السحب الخاصة" على الرابط https://www.imf.org/ar/News/Articles/2016/09/29/AM16-NA093016IMF-Adds-Chinese-Renminbi-to-Special-Drawing-Rights-Basket
60- عدنان يوسف (رئيس اتحاد المصارف العربية سابقا): "الصين تسعر نفطها، هل يحصد منتجو الذهب الأسود ثروات بالذهب الأصفر؟" على موقع CNN الإخبارى على الرابط التالى: https://arabic.cnn.com/business/2017/09/10/trading-oil-gold-opinion
61- سمير أمين: "اليوان الصينى فى مواجهة سيادة الدولار" مقال منشور فى جريدة الأهرام القاهرية بتاريخ 7 يوليو 2018.
62- المصدر السابق
63- وانج لى: "الفكر الدبلوماسى لشى جين بينج" مقال منشور فى جريدة الأهرام القاهرية بتاريخ 16 مايو 2018
64- المصدر السابق
65- وو سى كه: "دبلوماسية القوى الكبرى ذات الخصائص الصينية" مقال منشور فى جريدة الأهرام القاهرية بتاريخ 16 مايو 2018
66- المصدر السابق
67- Schneidman and Wiegert: “Competing in Africa: China, the European --union--, and the United States” April 16, 2018. On the link: https://www.brookings.edu/blog/africa-in-focus/2018/04/16/competing-in-africa-china-the-european---union---and-the-united-states/
68- يخلو هذا القسم من الدراسة من التوثيق، فمصادره كلها كانت من الأخبار المتداولة فى الجرائد اليومية عبر تلك المدة ومنها جريدة الأهرام القاهرية التى استقينا منها كل تلك المعلومات، ولم نهتم وقتها بتوثيق تاريخ نشر كل معلومة منها
69- ليو فينج: "كيف تقوى الصين إصلاح النظام الضريبى؟" مصدر سبق ذكره





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,843,147,755
- موقف الحزب الاشتراكى المصرى من الانتخابات الرئاسية عام 2018
- محمد حسن خليل - عضو السكرتارية المركزية للحزب الاشتراكي المص ...
- ثورة أكتوبر بين الأمل والفشل
- الخلاف الأمريكى العربى - الإيرانى القطرى التوقيت والدوافع
- الشرق الأوسط: زمن الواقعية الجديدة تقرير صادر عن مجلس اللورد ...
- خصخصة القصر العينى
- عبئ المراضة فى مصر
- القطاع الصحى المصرى ومشاكل التطوير
- مشروع قانون التأمين الصحى الجديد يسلب الشعب مستشفياته
- انتخاب ترامب والتوازن العالمى للقوى
- قلب العالم العربى والثورات ومواجهة الإمبريالية
- بديل الصندوق
- نرفض قرض صندوق النقد الدولى، نرفض وضع مصر على طريق اليونان
- ثورة إنصاف الأغنياء!
- بريطانيا والاتحاد الأوروبى بين العبث والدوافع الحقيقية
- البنك الدولى والعدالة الاجتماعية
- العالم العربى بين أمس والغد
- عشر سنوات من مشروعات قانون التأمين الصحى
- اللحظة السياسية الراهنة وتكتيكات اليسار المصرى
- المطر يفضح الفساد


المزيد.....




- الخارجية الروسية تستدعي سفير اليونان
- -حزب الله- يحتفي بتحرير 6 من مقاتليه شمالي سوريا
- بعد تابوت الإسكندرية.. الإعلان عن كشف أثري نادر في مصر
- لحظة غرق زورق يقل 11 سائحا في أمريكا
- مقاتلات إماراتية ترافق طائرة الرئيس الصيني (فيديو)
- فتاة تنتقم من زوجها الخائن في الشارع العام! (فيديو)
- واشنطن تحذر الأمريكيين من خطر التدخلات الإلكترونية الخارجية ...
- لماذا انتظروا في إيران النتائج إلى هذه الدرجة
- الأكراد السوريون سينتقمون للأسد من تركيا والولايات المتحدة
- شبكة مراكز آلية لإدارة الرحلات الجوية في روسيا


المزيد.....

- الولايات المتحدة، نظام شمولي لصالح الشركات / كريس هيدجز
- الثورة الصينية بين الآمال والمآل / محمد حسن خليل
- المسكوت عنه في التاريخ الإسلامي / أحمد فتحي سليمان
- العبد والرعية لمحمد الناجي : من الترضيات إلى التفكير المؤلم / لحسن وزين
- الفرعون والإسكندر والمسيح : مقامتان أدبيتان / ماجد هاشم كيلاني
- الشرق أوسطية إذْ تعود مجددا: المسارات البديلة للعلاقات الاقت ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دلالات ما وراء النص في عوالم الكاتب محمود الوهب / ريبر هبون
- في الدولة -الزومبي-: المهمة المستحيلة / أحمد جرادات
- نقد مسألة التحالفات من منظور حزب العمال الشيوعى المصرى / سعيد العليمى
- العوامل المؤثرة في الرأي العام / جاسم محمد دايش


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد حسن خليل - الثورة الصينية بين الآمال والمآل