أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الشرقي لبريز - طيف!














المزيد.....

طيف!


الشرقي لبريز
(Echcherki Lebriz )


الحوار المتمدن-العدد: 5925 - 2018 / 7 / 6 - 22:37
المحور: الادب والفن
    


اعتدت زيارتها دون سابق موعد كلما دجا الليل، اذ صارت تسكن أحلامي، لم تتخلف يوما عن المجيء، حتى أضحيت أعرف كل تفاصيلَها، نقضي الليل كله دون أن تغادرني لحظة الى ان أستيقظ إلى يومي وعالمهم، المحكومين بالتكرار، حيث تكون قد منحت روحي بحر امل يمنحني قدرة على مواجهة عالما قاحلا.
كانت طيفا لا أكثر، حلم ملازم عن المرأةِ المثال، لكنها طيف الجمال والشقاء والممانعة، لكني كنت انتظر الليل بشغف طفل يحن الى حضن امه.
ترافقني في الطريق إلى تلك الأماكن المكررة، يحدّق في الآخرين اعتقادا منهم أنني أبله أو فقدت عقلي، قبل أن ينصرف كل منهم، إلى عالمه الآخر الذي أجهله، أصبحت هناك، في كل مكانٍ أحل به، في كل مدينة، في الكتب، في حقول الطريق الطويل واشجار الشوارع، في الوجوه العابسة والمرحة، في كل العيون، وفي الزحام، تنافس الشمس على الظهور، تجاور القمر وتبزغ من بين الغيوم، إذ تطل بسمةً وتختفي، فأبتسم.
حين يشحب الوجود في روحي، وأصير كمن يسير إلى نهايته من دون أن يستطيع أن يغير شيء، رغم انه يعرف كل شيء، تلوح لي من خلف غيمة أو خيط شمسٍ، بيد ناصعة البياض، إذ كانت تجيء الي مبتسمةً، وهي تسير ببطء، بظل يتراقص على موسيقى عذبةً، فيمتلئ المكان نورا وكأن المكان احتلته شموسا، فاحس حينها انني خارج الزمان، وان هذا الأخير يمر بجانبي، وأنا واقف في أبهاء اللحظة غير آبه به، بل اكثر ساعاتُه وفصولُه لا تعنيني.
في حضورها الغير مرتب له لا أتعب ولا أشعر بالخوف، بل تغشني طمأنينة تَدفق في القلب مباشرة من ابتسامتها، ويدها التي تنثر النجوم، ويجتحني شلال سلام يجري في روحي، غاسلا كل ما عشته من وجع.
في الحياة التي يسيرها الجميع، أسير بينهم، كائنا مكررا... قبل أن أسخر من ذلك كلّه، ومن قدر التكرار الذي يحكم العالم فانزوي بذلك الركن بتلك المقهي، وعلى كرسيها الأخرس وفي ضجيج البشر الذي لا يقول شيء وفيما أنا أنظر إلى الوجوه المعتادة، كنتُ أتبع طيفَها وهي تنثر نجوما تضيء العالم من حولي، واسترق النظر الى بعض الرواد وهم يتغامزون عن شرودي، وأشفق عنهم في قرارة نفسي لانهم لم يدركوا ان شرودي في إلهة، تنبئني باقتراب نهايتي في عالم البشر، وببداية وجودي في عالم آخر، علّها عالم الخلود...
حين كانت تلوح يجيش كل ما في الأرض بالغناء، وأغادر أسايَ إلى يديْها المبسوطتيْن نحوي وهي تقف في منتصف النبع
ذات لحظة قررت ان أغادر زحام عالم الأموات وتكراره، وليس في حقيبة الروح سوى صورتِها، سرت سعيدا غير أبه، حيث صرت أرى عبر الروح عالما حيا يملأه الحب والنور، فادركت حينها، أنها أصل الكون، وأول كل الأشياء وما عداها آخره، وانا لست إلا ظلا عابرا على خصلة شعرها، وكل سعادة ولذّة وعذوبة وجمالٍ تنتهي إليها، انها سدرة المنتهى.
تعبت من المسير فقصدت أول مقهى قابلني في الحي، وقد عدت أنتبه إلى تفاصيل العالم وثقله، صرت أتأمل الوجوه المعتادة، انهم الساهرون، الساخرون من هذا الكون الجاثم على الأرواح بتفاصيله المتكررة.
عبر أبخرة فنجان القهوة، رحت أطالع المدينة التي تتلألأ أنوارها الباهتة وسكانها المهرولين وسياراتِها المسرعة ونسائها المتأنّقات، فأحسست دعرا ينتابني، نظرت إلى حيث أفَلَت في تجلّيها الأخير...!
فامتلأ العالم حوالي بالأمان كأنه في أوله، حين لمحتها جالسةً على مقعد بعيد هرولت، تاركا كل شيء إلى أن وصلت إليها، وسألتها عن الكون الذي تجره في أطرافها وتنثره من أصابعها.
قالت لي بنبرة ساخرة، وهي تنظر إلى الأفق:
إنّه هناك.
قلتُ:
خذيني معك إليه.
صمتت طويلا وهي تتأملني بعينين عميقتين ثم قالت:
هل تستطيع ترك نفسك وتصاحبني؟
أجبتها دون تفكير:
اجل يمكنني فعل ذلك.
فجأة أخذتني من يدي، فأومض الليل متلألئا واستدارت كواكب وتناثرت نجوم، وجاشت الأرض بغناء عذب، وانمحت ظلال وامتزج عالمان في كون يخلَّق، فصرنا في عالم آخر غير مشابه، كنا فيه وحدنا، وحولنا ما لا يوصف من عذوبة ولذّة وارتواء وأمان.
قلت لها:
لولا أنّني أحدثك الآن، لخلتك حوريةً عبرت بي إلى الجنّة.
قالت مبتسمةً:
إنّنا فعلا هناك!
لم أدرك كم قضينا من الوقت في ذلك العالم، قبل ان أستيقظ على رحيلها دون سابق إنذار وانا لم أدرك بعد حقيقة من تكون؟
أهي موسيقى على هيئة امرأة؟ أم أنني مجذوب يرى ما لا يراه الآخرون؟





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,564,597,897
- ذكرى رحيل الثوري الروسي الماركسي وقائد الثورة البلشفية
- حتي لا ننسي يناير المجيدة ونصالح الجلد!
- مجتمع الكهف:
- لماذا عشقتها؟؟؟
- هذا انا...
- تبا لي يوم اهنت انسانية.
- هذيان الحب
- حين وجدت القلم !!
- سجن الاحزان
- رسالة صديقي
- بداية التيه
- اكره النوم ( استحضارا لروح والدي...)
- العودة الى الحي ( استحضارا لذكرى صديقي -المجنون- )
- الموت
- عالم الموت
- انا قادم...
- المجنون
- من هنا الرحلة ابتدأت
- وهم اسمه الحياة
- رسالة اعتذار/ رسالة لأمي


المزيد.....




- بالصور.. نجمة مصرية في ضيافة -الهضبة- والشربيني
- موسيقى الصحراء في موسكو
- أخنوش: لا حل لمعضلة تشغيل الشباب إلا بالرقي بمستوى المقاولة ...
- أغنيتين جديدتين لعملاق الاغنية اليمنية عبدالباسط عبسي
- بعد وفاته بساعات... والد الفنان أحمد مكي يظهر لأول مرة
- استثمارها ماديا أو فكريا.. هكذا تحدث الفائزون بجائزة كتارا ل ...
- ظهير تعيين أعضاء الحكومة ومراسيم اختصاصات ست وزارات بالجريدة ...
- أحمل القدس كما ساعة يدي.. وفاة شاعر -الأمهات والقدس- التركي ...
- شاهد.. زفاف نجل هاني شاكر يجمع نجوم مصر
- الفنانة قمر خلف القضبان


المزيد.....

- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الشرقي لبريز - طيف!