أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صالح جبار خلفاوي - رواية سامضي مع دراسة نقدية اكاديمية عنها















المزيد.....



رواية سامضي مع دراسة نقدية اكاديمية عنها


صالح جبار خلفاوي

الحوار المتمدن-العدد: 5925 - 2018 / 7 / 6 - 16:41
المحور: الادب والفن
    


ودراسة الدكتورة نجاة الهمالي عنها- الراوي في رواية سأمضي

تطلعت في أرجاء الغرفة,ليس سوى الصمت يحط بثقله00
اوحى لها الاثاث برائحة الالفة ,تاتي من دهليز روحها, ليتسرب مع لون المساء الزاحف من الشباك00
ظلت لوقت طويل تفكر 00 والكثير من تساؤلاتها بقيت حائرة تطفو على وحل الندم ,كان التارجح المستمر في افكارها يعيدها مرة اخرى اليه 00
لقد مضى شهران لم تره فيهما , اتصل في البداية 00 اسمعها خبرا احسته مزعجا 00 واغلق التليفون 0
ظلت تتخبط محاولةابعاد طيف الصور المنثالة و هي تضي عتمة ذاكرتها00 بلا جدوى ,لم يكن من السهل تناسيه ,وفي بحيرة الروح تدافعت الذكريات منسكبة من مكانها ,فترتعد داخلها اعشاب سحيقة , ويعوم على الجسد عرق غزير , ينهمر ليفضح نزيز المسامات 00 لم تتركه وحيدامع اطفاله ابدا ,واحرقت نفسها عودا
من البخور يطرد كل شيء فاسد فيه 00 ولكن في لحظة فاسدة :-
- اخرجي من بيتي 00
- ولكن 00
- قلت اخرجي , وسابعث لك بورقة الطلاق
لكي تتاثر لكرامتها قالت :-
-وعد رجل ؟
- نعم 00 ولكن اعلمي , لا شيء لك سوى هذا الثوب 0
- لماذا تفتعل الحجج لطردي من البيت
- لقد كبرت ابنتي ,ولم اعد بحاجة اليك
- كنت خامة اذن ؟
- نعم 00
في الفترة الاخيرة ,كان يفتعل أي مشكلة 00 ليطردها من البيت ولانها لم تسق شجرة اللبلاب ضربها بعنف 00 لكنا تشبثت في البقاء , حتى لاتخسر بيتها الذي ناظلت من اجله الكثير 0
ايقن انها لن تخرج الا بالضرب المستمر 00 فلم تكن ثمة مشاهد اكثر ايلاما من هذه التي تسبب لها حزنا وكدمات مستديمة 0
احست بخيبة امل تهبط على كيانها و تجعلها شبه يائسة ,وقد اتعستها زحمة الافكار التي تجري في خاطرها ,وتهيج مواظيع الالم 00 فتنزف تجاعيد حزينة تحت عينيها التي برعم فيها خيط مخيف يترسب في اللاوعي 00 ويتراكم ليصبح عادة 0
كانت ورقة الطلاق هي البداية في هذا المشار الطويل 00
انه المكتوب 00 كما قالت امها 00 راته على الجبين بوضوح ورقة بيضاء ناصعة 00
كفاك حزنا يابنيتي 00
تفيق على صوت امها التي طالما احزنها منظر ابنتها ساهمة 00
- لماذا لم توقدي المصباح 00لقد حل المساء
- لازال هناك ضوء في الحجرة 0
انارت المصباح , وسحبت الستارة على الشباك ,وعادت الى ابنتها التي بدت انها توشك ان تصاب بانهيار عصبي ,وقد احنت راسها
متدليا بين كتيفيها 00
- لاشيء يستحق ان تحزني من اجله 00
- كيف ؟
- انتبهي لاطفالك
- انهم يسالوني عن دائما 00
- قولي لهم سافر ولم يعود 00
- واذا جاء لياخذهم 00
- لاتفكري بمثل هذه المرارة 00لقد انتهى الامر 00
في الخضم الهائل من وجع المشاكل ,نسيت طيورها التي ترفرف حولها لتعطيها الشعور بالامان 00 نظت اليهم وهم يتقافزون فرحين ,بمرح طفولي وضحكات غضة تكسوهم جمالا عذبا ,
يملا جوانحها وينسيها الهموم 00
وهبت حياتها لهم , انهم الهدف الذي تحرص ان تحوطه بسور من الامومة الطيبة , فكل امراةترضى ان يسلب منها أي شيء الا امومتها التي ترضعها مع الحليب وهي طفلة ,وتحملها لعبة صغيرة

تخشى عليها وهي تحبو 00
فتكبر معها وتصير كل كيانها 00فمن غير الممكن فصل العظم عن اللحم 00 هكذا كانت تفكر باستمرار 00عندما لم يعد يشغلها سوى اطفالها ,وقد ظنت انها انتهت من الماضي ,لكن صوت اخيها اعادها اليه زاعقا:-
- يجب ان تذهبي اليه 00
- لا يحق لك ان تطردني من بيت اهلي 00
- بيت اهلك! تذكرتيه الان 00كفى مهزلة , انسيت كيف خالفت راينا جميعا حتى ظننا , انك لن تتورعي في ارتكاب العارمعه ,فخفنا على سمعتنا ,وسمحنا لحقير مثله ان يدنس بيتنا ؟!
بقيت زوجتة بعد ان اثارت المشكلة ,واقفة عند اسفل الدرج وهي تتابعة يصرخ بوجه اخته 0
- اسمع انت الذي يجب ان يخرج لاهي ,انه بيتها 00
قالت الام ذلك وهي تنهض من الارض ,ممسكة بسبحتها السوداء الطويلة ,ثم استدارت لتواجه زوجته التي انسحبت الى الاعلى مسرعة 0
- هي السبب 00هذه خبيثة 00
لونت الكلمات التي قالها (محمد) مسحة راس (ناهد)00متوهجة لاهثة في مخيلتها مثل حمى ثنتابها ,صحيح ماقالته 00لم يكن مخطئا ابدا ,بل انه لايدري كم قضت الليالي ساهرة تفكر به 0
مسحت كل شوائبهمن مراة ذاكرتها فبدا ناصعا مؤتلقا00
لم تفكر لحظة في فارق العمر بينهما 00كانها الان ادركت انها عشرون عاما واربعة اطفال من امراة راحلة 00 لم تكن تدرك هذا
الهذيان 00لا بالتاكيد شيء اخر تحسه الان 0000جريمه لاتغتفر 00عبث 00جنون 00انتحار 00لم تكن تهمها المسميات بقدر ما كان زواجها امام الناس يصون سمعة اهلها الحذزين 0
قبلت الزواج باثاث زوجته الاولى , فخلقت هيجانا في عائلتها لم
يهدا لوقت طويل ,فقاطعوها بسببه00 تجرعت الكثير ,حينما ادركت فشل زواجها 00
- ((لان زواج من هذا النوع يحمل بذور فاشلة 00))كما يردد اخوها 00كان يجب ان تصبر على سلوكه الشائن ,وهو يحاول تحطيم كبرياؤها ويذلها امام اطفاله ,لم تكن تفعل شيئا حينما يقطع التيار الكهربائي من الميزانية ويتركها وحيدة مع طفليها تتضور جوعا 00
لم يزرها احد من اهلها ,ولم يحضروا لرؤيتها بعد ولادة الطفل الاول 00ارادت ان تتصل بهم فخافت شماتتهم ,وخذلتها افكارها حين تصورت انهم قد يطردوها من الباب 00
باتت تعيش في دوامة ,بعد مجيء مولمدها الثاني ,كانت اخلاقه تزداد شراسة , ويهددها بالطلاق 00
ويهددها بالطلاق فكرت مرات كثيرة بالانتحار , لكن الخوف والغزيرة والتشبث بالحياة , منعاها من ذلك , كانت تحس بأنها غريقة تمتصها الأمواج ,وترميها إلى القراره,ثم تعيدها إلى السطح فتصرخ , لا أحد يسمع نداءها 00فقد امتلأت حنجرتها بالماء المر
ظلت تبحث عن السبب الذي يجعله يهرب منها لينام في حجرة أخرى فهي لازالت صغيرة و جميلة ,وتحرص عليها ,حرصها على شيء غال حيث كان يخلع قميصه المتسخ لاحظت في ظهره
نقط حمراء جوار عموده الفقري,كانت تراها أول مره حينما سألته
ارتبك وهو يبعد قفاه في توتر , ولم يعد ينزع ملابسه أمامها 00
ظلت الخيبة تطاردها ,وقد تآلفت مع انطواء زوجها الذي يستحيل في فترات إلى وحش ,فقد بدا غريبا عنها 00ليس هو الذي أحبته
انه شخص آخر لا علاقة له بهذا الذي تراه 00وتدفعها تيارات
الإحباط إلى النفور منه 00فتلوم نفسها يجب إن لا تفكر بهذه الطريقة فمهما يكن هو زوجها الذي أحببته 0
- هل تعاني من مشكلة ؟ كانت تبادره بالسؤال
- مشكلة؟ من أي نوع ؟ آية مشكلة ؟
- مهما تكن 00
- وهل يهمك شأني ؟
- الست زوجتك ؟!
- وان كنت أعاني من مشكلة لا اعتقد انك جديرة بحلها 00
- ربما 00ولكنك ترتاح إذا بحت بهمك 0
تركها و مضى مبتعدا عنها إلى نهاية الممر ,ودخل الحمام مغلقا الباب وراءه 00
ذهبت لزيارة جارتها التي تتذكر من خلالها أمها بفوطتها البيضاء ,وثوبها الأزرق ,عندما تجلسان في الصالة على الحديقة المزروعة بورد الرازقي , وثمة شجرة زيتون , شتلت حديثا قرب الممر 00
ونباتات متسلقة تستدير صاعدة إلى الأعلى 0
تدلت المروحة من السقف تدور بهدوء , وقد وضعت (آم سعد) صينية الشاي وصحن الكعك على الأرض وجلست إلى جوارها 00
- آنت شاحبة هذا اليوم 00
- أظن أنى ساجن 000
- يأرب سترك لماذا ؟00 لازلت صغيرة وجميلة ؟
- هل هذا يكفي ,لان يكون الإنسان خاليا من المشاكل 00
- زوجك أيضا 00هل تشاجرتما ؟
- انه يهرب مني وينام في حجرة أخرى .
- شيء لا يصدق 00
- مثلما أتقول لك 00
- انه لا يحبك 00او تراه مريض
- ماذا افعل 00؟أنها أهانه لا يمكن السكوت عليها 0
- اتركي له البيت ,واذهبي إلى اهلك
- ولكن 00
- اذهبي ما يجبرك على العيش مع عجوز مثله 00
نهضت أم سعد وأحضرت لها الهاتف 00 لم تتردد أدارت قرص الهاتف سمعت صوت أمها 00من زمن بعيد لم تسمعه 00
- من..ناهد .. نعم انه صوتك, لماذا تبكين يا ابنتي ؟..
- ضربك السافل , لآيهم .. لآيهم, تعالي إلى البيت , جلبي أطفالك كفي عن البكاء..استقلي سيارة تاكسي 00دعيك من هذا 00
سأجعله يندم ,لا تكوني يائسة ,من أين تتصلين بنا ؟00
جارتكم 00حسنا 00جيد 00لا محمد ليس هنا 00
- ماذا تريد ؟
قالت آلام ذلك ,وقد اتكأت على الخزانة الجاثمة في طرف الصالة محاذية الشباك المشرف الواسع على الباحة 00
- لا يجب آن تخرج وحدها 00
- لماذا ؟
- أتدرين ما يقول الناس لو رأوها تخرج بمفردها ؟
- ليقولوا ما يقولوا 00
- آنت لا تخسرين شيئا 00
- لم تفعل ما يسيء إلى سمعتنا 00وهي ليست أول ولا آخر من تتطلق 00
- صحيح ولكن من الحظا تجاهل أقاويل الناس 00
- لو بقينا نستمع لكلامهم لخرب بيتنا 00
- آمي 00يجب آن تدركي بأننا نعيش وسط هولاء الناس وحكمهم قاس 00
كانت نسمات الخريف تهب إلى الداخل , تلامس فوطة آلام ,الواقفة بمواجهة ابنها الرابض عند الطرف الآخر ,وقد كست سخنه كابة مقرفة أطفأت ناهد التيار عن مبردة الهواء ,بينما لازال خرير الماء يسمع وهو يتساقط منها 00
- شغلي المروحة 00
تحدث مع زوجته ,التي لم تكن تريدان تخسر ما بنته لفترة طويلة 0
كان هذا دافعا أساسيا بان تخلق جو التوتر 00 لان إحساسها بابتعاد عمتها عنها جعلها على هامش الآسرة 00
وفقدانها ميزات الكنه الوحيدة والغيرة الشديدة من الأطفال 00
تحثها باستمرار على إن تبقي العلاقات مشحونة 00
فبرغم مرور ثلاث سنوات على زواجها لم تنجب 00
كانت أشعة الشمس تغمر المكان ,حتى أقصى اللوحة الكبيرة المعلقة على الحائط المقابل للشباك 00
أدارت المفتاح ,فتحرك الهواء ,لازال ساخنا في مثل هذا الوقت 0
- اسمع يا محمد 00لانستطيع قتل أختك لأنها مطلقة 00
- آنا لم اقل ذلك00
- مرة واحدة لا تسمع كلام زوجتك00نحن بخير 0
- أماه لست طفلا حتى اسمع كلامها , ويجب إن تفهمي ,آنا رجل البيت وكفي عن وسو أسك 00لم أحدثك إلى كلام آلا وجرحتني بهذا الكلام 00
- لماذا ترفع صوتك 00هل تظن أنى أخاف صياحك 00
لا علاقة لك بموضوعها 00تروح وتجيء 00لاصلة لك بها ,هي آم لطفلين ,وتعي جيدا ما تفعله ..
-هكذا آذن .. عصابة في البيت .. اسمعي قسم الله لو رايتها تخرج وحيدة..لسوف يكون يوما اسود على رأسك ورأسها ..
قال هذا ومضى خارجا تتبعه زوجته..
كان هناك اضطراب خفي يبر عم في أحشاء ناهد , يمتص من وجنتيها شكلها البراق فيظهر وجهها بلون اصفر يسكنه القلق ,وبان تحت فكها الأسفل ارتعاش عصب ينبض بقوة ..
جلست آلام على سجادتها ,متكومة مع حزن العجائز المزمن.ثم سمع صوتها وهي تجهش بالبكاء ..
كان يحب آن تبكي ,فقد أحست بهذا النوع الأليف من الهم يهبط بداخلها
فعندما تجد نفسها أمام مشكله آو مصيبة ,فلا تجد منفذ آلا هذه الدموع وانه حزينة ترجعها عند كل شهيق ..ناعية كل الراحلين من أسلافها ..كأنهم للتو غادروا الحياة ..
كفى يا أماه …كفى ما نفع البكاء ..
-أنها تحشوا رأسه بالأوهام .. فيأتي غاضبا علينا ..
لا عليك يا آمي ,محمد ابيض القلب
-وقلب زوجته اسود ..ما الفائدة..
مسحت دموعها بطرف فوطتها .. ورفعت قامتها إلى الصلاة
كان الهواء البارد ,عندما تمضي الشمس نحو الأفول ,ويمتلى ممر البيت الخارجي وكذلك الحديقة بأوراق السدره المتيبسة في هذا الفصل ..
ويظهر التغير على لون الشجر الكالبتوس الباسقة في الطرف القصي ,فتبدو داكنة بلون يميل إلى السواد ,فتركت الفتاة تأثيرا
حزينا عليها 00
آما السماء فاصطبغت بلون قرمزي ,ونجمة صغيرة ترفل بضوء
شاحب واستحمت البيوت بوقت الأصيل 00
انهارت آلام ذاوية مثل شمعة منهارة تحت وطئ حسرتها وحزنها الذي أيقنت به سرمديا , فلم تستطيع النهوض بعد سجدتها 00
وشعرت بدوار شديد وقصباتها تختنق ,وقلبها يدق بعنف ,وآم
سرى بقوة من صدرها نحو يدها اليسرى 00وسط هذا الفزع الذي
ساد أرجاء البيت ,والقنوط الذي رافق ناهد ,وهي تضع يد أمها على كتفها وتحيط بها من خصرها ,لتمنعها من السقوط ,فقد كان لديها استعداد إن تقتل نفسها , ولا تصدق في لحظة خاطفة أنها ستفقد أمها إلى الأبد ,وان هذا عارض بسيط,حتما يزول 00
- حسنا فعلت ,جئت بها بسرعة , لو تأخرت قليلا كان من الممكن
حدوث ما هو أسوء تحدث الطبيب وهو يفك من يديها اليسرى
حزام قياس الضغط ,ويسحب السماعة من آذنيه ,ويتركها متدلية على صدره 00كان من الصعوبة على ناهد إن تدرك ما يعنيه
((ما هو أسوء 00)) وقبل إن يعطيها الورقة التي دون فيها الدواء
استمر بنفس صوته 00
- يجب إن تعتني بها جيدا 00لاملح مع الطعام ولا دهون ويلزمها راحة تامة وابعادها عن كل ما يثيرها من المشاكل 00
- هل ستتحسن صحتها ؟
- إن شاء الله 00لكن المهم ألان آن تطبقي ما ذ كرت 00
أحست آن شيئا داخلها يترنح ,وفزعا خفيا يستيقظ ,وأدركت أن أمرا خطيرا وشيك الوقوع ,فيسابها الدعة و الطما نينة 0
استمعت ألام إلى حديث الطبيب 0بوهن بارد , فقد شعرت بوطأة الموت يتدفق داخلها ,فتثلج أطرافها من هذه الفكرة ,تشبثت بيد ابنتها لتوحي لنفسها أنها لازالت على قيد الحياة 00
سارتا بهدوء صامتتين 00 ولبرهة نظرت ناهد لامها بود ,وتاملها كأنها تراها لأول مرة ,بدا وجهها قد هرم تحت مصباح الطريق
وشحوب باهت يعصر تقاطيعها ,وهي تمشي بانحناءة واضحة 00
ومثل قطرات ماء تنزلق من كوز بارد رشحت ناهد في الوجع الذي داهم أمها 00
- لابد أن اشتغل 00
- فكرة جميلة 00
- فكرة !!لا أنها قرار 0
- و أخوك 00
تحسست مرفق أمها ,لازالت حرارتها مرتفعة 0هبطت من صدغها قطرات من العرق ,اخترقت جانب وجهها ومضت نحو رقبتها 00
وعندما وصلتنا إلى البيت تهالكت العجوز على الفراش واضفى
الجو المعتم عليها تعبيرا منهكا00
- أعطيني ماء 00
أمسكت آلام صدرها ,وانهارت على الوسادة ,وغطتها ناهد بالدثار
- أظن أن اجلي قرب 00
- لا تقولي هذا يا أماه 00
- كم كنت سأموت مرتاحة ,لو انك لازلت في بيتك 00
جلست ناهد على حافة السرير ,ومسحت جبين أمها 00
- عمرك طويل ,و أن شاء الله ,تعيشين حتى ترين أولاد أولادك
- ليس في العمر بقية 00
- ما هذا التشاؤم ,وأنت المرآة المؤمنة 0
- سأحدث محمد بشان اشتغالك 00
لم تعرف ناهد السر المفاجئ ,لقبول أمها, هل هو ضعف المرض أم العاطفة 00
اندفع الأطفال نحو الحجرة ابتسمت الجدة , أمسكت الطفل وقبلته من جبينه ,وتمددت الطفلة ألي جوار تلثغ 0
- احبك يا جدتي 00
في الحال بدأت سعيدة ,وقد جرفتها موجة المشاعر الحميمة ,وهي ترى ابنتها وطفليها 00يملؤن البيت بالحبور 00رن الجرس ,فهرع الأطفال مهرولين نحو الباب 00
كان صوت محمد يسمع آتيا 00وابناء أخته يطلقون ضحكاتهم ,وبدت الهفه في عينيه ,حينما اطل على باب الحجرة 00
- اماه00
واقبل لاهثا ,وقبلها من جبهتها المتقدمة 00
- الحمد لله على سلامتك 00
- الحمد لله 00
سحبت ناهد ,جسدها من الفراش لتفسح له 00 أحس بالقشعريرة ورغبة بالبكاء ,لكنه قاومها بعناد 00
- ماذا قال الطبيب ؟
- يلزمها راحة تامة 00لاملح و لا دهون 00
- أعطاها دواء 00دعيني أرى
تناول الدواء ,تطلع ألي العلب الداكنة اللون 00حاول آن يختبر انكيليزيته عاف الدواء ,حين أحس بفشله عن معرفة المكتوب عليها
- ما مكتوب بها ؟
- لاشيء !!
واستدار ليتدارك الحرج ,نزلت زوجته من حجرتها ,فأحس أنها أنقذته من المأزق المحاصر فيه
- هل اعد لك طعام العشاء 00
- أحس بجوع شديد 00
مضت زوجته نحو المطبخ ,سعلت أمه كأنها تريد آن تصفي حنجرتها 0
- أختك تريد العمل بإحدى الدوائر
- تشتغل !! لماذا ؟
- ما المانع؟
- أريد آن اعرف السبب 0
التفت جهة أخته ,وهي تظع طفلتها فيحجرها 00
- هل ينقصك شيء ؟
- المسالة ليست ما ينقصني 00
- أذن 00
- أريد أن أكون مستقله اقتصاديا ,بدلا من آن أكون عالة 00
- عالة 000من قال ذلك 0
- لم يقله أحد 00لكنه إحساس 00
- دعك من هذا ,وابقي في البيت ,فأطفالك بحاجة إلى رعايتك بدلا من قرف العمل 00
- ما هذه النظرة الجاحدة للعمل00
- هل أنت مصرة؟
- بلى 00
- لكن يجب أن اختار العمل بنفسي 00
- لك ما تريد00
أحس براحة عظيمة ,لانه في قراراته اقتنع هو المسيطر 00وان مخالب قوته لازالت سليمة 00
وتباهت داخله تلك السطوة الرجولية 00
فوجئت آلام بموافقته ,ونظرت لابنتها بذهول من لا يصدق فظهرت الفرحة طافية على وجهها الحنون 00
انطلقت تخترق الزقاق بفرحة جذلة 00في هذا الغبش الرائق
وقد اعتنت بزينتها 00وبين حين وأخر تتطلع إلى ملابسها
وتمديدها إلى رأسها لتتأكد من تسريحتها 00وبعين رطبة
من برد الصباح تطلعت إلى أخيها بوجه الصارم 00
لقد اخبرها البارحة ,بأنه عثر لها على مكتب للمحاسبة ابوامين 0
بعد عبور جسر الأحرار من الكرخ ,تظهر عند جهة اليسار نهاية شارع النهر المطل على نفق يغور تحت هبوط الجسر الذي ينشق عند التقاءه بشارع الرشيد إلى ممرات عديدة 000
وتبدو منطقة حافظ القاضي بأبنيتها القديمة ,مستديرة بمواجهة زحمة المرور 00
استسلمت ناهد لهذا المنظر وهي تترجل من واسطة النقل 00ودخلت يسبقها أخوها آلي أحد العمارات 00
شعرت بصداع خفيف يترجرج في رأسها ,وشمت رائحة إبطيها المعروفين أحست بالوجل يداهمها 00 نظرت آلي الفراغ الحلو زني
الصاعد بين السلالم الغافية في هذه الإضاءة المعتمة ,مختلطا برائحة عفنة 00
كان الضوء منتشرا في أرجاء المكتب ,وأشعة الشمس تكتسح المناضد والرفوف وتلقي آخر ضوء عند الباب الموارب 00فبانت السجلات وأكداس الأوراق بدون ترتيب واضح 00
جلس خلف إحدى المناضد الموضوعة قرب الشباك ,محاسب عجوز ,نهض بوقار ,ومد يده يصافح أخاها 0

- اهلا00 آهلا و سهلا 00
- آهلا بك يا أبا عمار 00
- استريحوا 00
- لا شكرا 00 لا أستطيع الجلوس ,فقد تأخرت عن الدوام 00
أختي (ناهد)يمكنك تسليمها العمل من ألان 00هــــــه0
تنهد محمد كانة انتهى من هم ثقيل 00 وأردف
- يجب آن اذهب ,لا وقت عندي ,00مع السلامة 00
ومضى خارجا بسرعة 00
- استريحي 00
اشر بيده آلي الكرسي الموضوع أمام منضدته 00
جلست وهي تسحب ذيل تنورتها ,فتبدوا اكثر احتشاما 00 راودها شعور بالخجل ,فصفحت على وجنتيها حمرة مشرقة 00
لم يدعها أسيرة الاضطراب ,حين تهدج بنبرات شعرت بها أليفة توحي بثقة أبوية 00تسيل مدهشة في مرفأ سكينتها 00
- ارجوا آن لا تكوني مرتبكة 00
- 00 ا 0 لا00
- عملنا ليس صعبا بقدر ما هو مربك أحيانا 00ها هل نبدأ العمل ألان آم انك لا تشعرين برغبة في ذلك 00
- بالعكس 00
- نعمل آذن 00
بدأت يومها الأول بالعمل ,لم تشعر بالتعب ولا بالضجر من اتساخ ملابسها بسبب الغبار المتكوم على العقود والسجلات المتراكمة مثل أعمدة من ورق ,بجوار الحائط 00
غمرها إحساس فسيح بالمتعة 00نسيت ماسي الماضي وبزغ شعاع ائتلق في سرها 00انه شيء منسي من تاريخها يعود 00مثل سماء
يحلق عاليا يفرد جناحيه ببهجة عذراء 00تتراقص آلا ضواء تعيد لها روعة الحياة المتدفقة 00
- ناهد 00 ناهد 00
هدأت الضجة في نفسها ,وتطلعت صامتة00
- لقد صحت عليك مرات عديدة 00هل هناك شيء ؟
- لا 00 أبدا 00ابدا
- عموما 00عندما ينتهي الدوام الأول هل تبقين في المكتب ,آم تذهبين وتعودين ثانية عند الساعة السادسة 00
-ومتى ينتهي الدوام الأول؟
-في الثانية ظهرا 00
-أربع ساعات الفارق بين الدوامين..علي آن اذهب لرؤية أطفالي
-على راحتك..
وانكب مرة أخرى يضرب على الآلة الحاسبة,وغرق في عمله..يبدو في صلعته الكبيرة,والمرسومة بدقة,ونظارته الطبية,رجلا في الستين من عمره..نفذ من الشباك صوت منبه سيارة..رجعت إلى عملها وراحت تطوف محلقة بأطيافها تتأرجح في اللحظات الهنية..بعيدا عن كل ما يثقل القلب من الهموم ,وتجهد نفسها بالعمل 00
وسرعان ما أزفت الساعة الثانية ظهرا 00
- يمكنك الذهاب 00
مضت وهي تشعر بالجوع يسحق معدتها 00
كانت تشعر بسعادة تجعلها مزهوة ,رغم التعب الذي تحسه 00
من زحمة المواصلات والمسافة الطويلة التي قطعتها ماشية ,لبعد المنزل عن الشارع العام00تبددت كل الأحاسيس المثقلة بالوهم وهي تخط نحو البيت منهكة القوى 00فقد اكتشفت رغبتها الحقيقية في الحياة 00شعت في خاطرها أمنية 00في آن تلقي وجه أمها 0
كان صمتا حزينا يغلف البيت ,وبرودة تسري في الممر المطل على الصالة وفراغ يسبح على الأثاث 00لازالت سجادة الصلاة تقبع منزوية فوق خزانة آواني الفرفوري 00
لم تشاهد أمها 0 بجلستها المعهودة ,وهي تسبح بسبحتها 00
ووعت خطرا يهاجم أحاسيسها 00تناهى لسمعها صوتا خفيفا آتيا من فوق 00مضت آتيه مسرعة 00وجدت طفليها يلعبان في حجرة أخيها 00بينما غطت سباتها زوجته 00هرع الطفلان باتاه أمهما ,واحدثا جلبة 00نهضت المرآة الراقدة تتثاءب 00
- لا ادري غفوت ,وآنا أراقب الطفلين 00هل مضى وقت كثير على حضورك 00
- أبدا 00ولكن أين آمي ؟
- دهتها نفس النوبة 00فاخذها محمد آلي المستشفى 00
ظل الطفل متشبثا بثيب أمه 00
لفها دوار شديد , ورغبة في القيء ,محتضنة رأسها بين يديها 00
وتداعت حائرة 00طفحت جمرة الرواء ,وهي تتطلع آلي مكان أمها الخالي ,وتقطرة الصور 00والكلمات 00والخيالات الرهيبة تهمي 00وبصوت اخترق أضلعها قبل حنجرتها 00
- أماه 00 اماه00
وبكت 00
انحسرت مياه الفرح 00
ذبلت الضوء المتوردة ,صار لونها معتما 00
فشحبت الألوان في عينيها وانطفأ البريق 00
رجع محمد وحيدا 00والكاءبة تغزوه 00امطرته بأسئلتها 00
ظل يتحاشى نظراتها 00
- هل صحتها سيئة ؟
- آمر الطبيب ,بان ترقد في المستشفى 00
- يعني حالتها خطرة 00
- قولي بسم الله 00
- لم تركتها 00كان يجب آن تنام معها 00
- حاولت لكنهم منعوني 00
- يجب آن اذهب اليها00
- ومن يدعك تدخلين ,بمثل هذا الوقت 00
- لقد تركتها عند الصباح ,وصحتها جيدة 00
- لقد اتصلت بي سمية ,عند الساعة الحادية عشرة ,وأخبرتني آن صحتها سيئة 00
ألقى نظرة على الساعة الجداريه00كانت العاشرة ليلا 00
- لحد ألان ,لم أذق الطعام 00
- عندما تركتها ,هل لازلت في غيبوبة 00
- نعم 00
- هل ستطول غيبوبتها 00
- لا ادري 00
- لابد انهم ادخلوها غرفة الإنعاش 00
- أول ما وصلت 00
ظل نداء معدته ,يطرق رأسه ,نظر آلي الساعة مرة أخرى وصاح
- سمية 00هاتي الآكل 00
وبدت الفرحة التي ظنتها اكتملت 00وخبا في عيونها البريق الذي تراقص عند أول يوم اشتغالها 00
وخلال الضجر المناسب معها في رحلتها اليومية 00فارقدها ذلك
الشعور الفريد ,وسرى في حماستها رماد اخترق روحها 00
كان في صوتها سخرية مع رنة حزينة تمس القلب 00ولان دورة الفرح عندها ارتبط مع أمها ,التي فرطت بها لحظة طيش 00
لم تعود تزورها خلجات المسرة 00
ويبست أحلام زرعتها في ساعة هنيئة ,لما لامس الوجع الخفي ورودها المدخرة 00
-متى أفقت من الغيبوبة ؟
-لا ادري 00صحوت اليوم وجدت نفسي هنا 00
- لازلت تشعرين بألم في صدرك ؟
- احيانا00
- آن صحتك افضل ألان 00
- صحة 00لقد رحلت 00
كانت أحلى اللحظات تقضيها في زيارة أمها 00تالمت حين رأتها
على سرير المرض 00زال هذا الإحساس تدريجيا أمام افترار شفتيها ,وعينيها الوادعتين مثل حمامة بيضاء ترفرف في سماء
صافية 00
- انظري 00
- لم أتعبت نفسك 00
- أنها هدية متواضعة 00
- املك فوط بيضاء 00 أريد رؤية الأطفال
- يسألني عنك دائما 00
- أجلببهم في المرة القادمة 00
- طيب 00
سحبت كرسيا صغيرا وجلست قرب رأسها 00
- اصنع لك عصيرا ؟
- لا00 ما أخبار عملك ؟
- جيدة 00هل زارتك خالتي ؟
- جاءت البارحة ,ومنعوها من الدخول 00فلم يكن وقت الزيارة
أرسلت علبة بسكويت بيد عاملة التنظيف 00
-سأذهب لزيارتهم اليوم 00لكن كيف ساءت حالتك فجأة ؟
- أعطيني الفوطة للبسها 00
مدت يدها نحو الدرج 00انتزعت الفوطة من الكيس 00خلعت القديمة ,وأحاطت رأسها بالفوطة البيضاء 00
تاملتها 00ابتسمت بوجهها الشاحب 00خيل أليها أنها تتهرب من سؤالها 00
- كيف ساءت حالت فجأة يا أماه ؟
- كيف أبدو بالفوطة ؟
- جميلة 00
- هل معك مرآة صغيرة ؟
لم تكن تريد آن تبوح بالسر00هذا شانها دائما 00منذ كان أولادها
صغارا 00
- أتتذكرين عندما كنا صغارا ؟
- نعم000 كنت شقية 00
- لا 00حينما تشاجرت مع آبى 00
- متى 00؟
- حين ضربك بنطاقه السميك 00
- ما هذا 00؟!
- لا توحين لي بأنك لا تذكرين شيئا ,فقد كنا ننظر آنا ومحمد من الشباك 00كان عنادك من النوع المستحيل ,أتني كنت أراك تعاندين الالم00
قادتها الأفكار آلي مناخ الماضي 00تقضي بها آلي شباك الحزن
- هل تذكرين كل هذا يا ملعونة 00
- بقيت بعدها ,تجلسين عند الطرف القصي من البيت 00تقضين نهازات كاملة تحت الشمس ,تبكين بصمت 00
- آيه , لقد مضت تلك الأيام 00احس أنها حدثت البارحة 00
- آلم يكن يحبك ؟!
- أبوك !!هه 00 لا ادري لم أفكر في مثل هذا 00
- لقد كنت اشعر به أحيانا حنونا بشكل لا يصدق 00
- رحمه الله 00 طيب القلب ,لكن عصبيته زائدة 00
- شان جميع الرجال 00
انتهت الزيارة 00كانت تتلك وهي في طريقها إلى الخروج ,لم تشأ الذهاب 00وغالبا ما تبقى آخر من في الردهة ,كانت تريد آن تظل آن تتحدث معها 00ازدات المشاكل بين أخيها وزوجته ولمرات عديدة رايتهم يتشاجرون ولما رجعت مبكرة من العمل إلى البيت ,سمعت أخاها وزوجته يتشاجران 00اشياء ترمى على الأرض وتتكسر 00
تشبث طفلها بدرا زين السلم ,والطفلة تصرخ بخوف 00حملت الطفلة المرعوبة 00
- أماه خالي غاضب جدا00
- لا عليك يا ولدي 00
هدأت الطفلة على كتف أمها ,الصاعدة إلى الأعلى 00
توقفا عن الصراخ حيث دخلت00تسالت وهي تبعد ابنتها إلى كتفها الأخر 00
- ما هذا 00؟!أي عاقل يرضى ما فعلتماه بأثاث غرفتكما؟!
بكت سمية وهي جالسة على الأرض 00
استراح أخوها على حافة السرير ,وصوت تنفسه يسمع في أرجاء الغرفة المبعثرة بالأثاث 00ومحتويات الخزانة رميت بفوضى في كل مكان 00وضعت طفلتها على الحشية المقلوبة ,جوار خالها ,واتت بحاوية ,لتلم آواني الفرفوري المهشمة 00
سمعوا صوت الجرس يدق 00
- خيرا آن شاء الله 00
هتف محمد بصوت مختنق وقد هدا تنفسه 00
تركت ناهد الغرفة ,ونزلت ناهد لتفتح الباب 00وكان رجلا غريبا لم تره من قبل 00
- تفضل آخى 00
- عفوا أختي 00منزل السيد محمد عبد الرحيم 000
وتطلع بورقة صغيرة بيده 00نفذت رهبة مخيفة إلى أعماقها 00
- أي عيني تفضل 00
- أمه حالتها خطرة ,ويطلبون حظوره إلى المستشفى 00
مرق ألف خيال ,وأفكار شتى تمور داخلها تنازعها رغبات في العدم ,وإحساس بسهام طائشة تخترق عينيها , وبصوت مرعوب -- محمد 00محمد آمي حالتها خطرة 00
- ماذا ؟!
هرع يغير ملابسه 00عاد صوت تنفسه يسمع من جديد00اظلمت الدنيا في عينيها,فلم تعد ترى ما حولها غمامة سوداء حطت وسط نفسها المضطربة ,فتكاثفت الجهات وانهمرت دموعها بغزارة 0
عند باب المستشفى أوقفهم الحارس 00
- ليس ألان وقت الزيارة 00
بعد فترة احساها دهرا ,اقتنع الرجل ,وسمح لهما الرجل بالدخول
أمام القاعة التي كانت راقدة فيها ,لقيا ممرضة واقفة ,تجاوزاها مسرعين ,وبصوت سمعه كل الراقدين قرب الباب تساءلت الممرضة وقد تتطلعت العيون 00
- انتم آهل المريض , نجية عبد الصاحب ؟
توقفا 00و استدرا جهة الصوت 00شفتاهما يابستان مثل حجارة 00
أومأ محمد برأسه دلالة الإيجاب 00
- لماذا تأخرتم لحد ألان 00تجدونها في نهاية الممر 00انطمست المعالم ,وشعرت ناهد برغبة في البكاء 00وعادت الدموع من جديد تبلل عينيها الحزينتين 00
أجفل شيء محاصر داخلها ,تمسك بضلوعها 00فتشنجت قصباتها بحدة كان الباب الموارب في نهاية الممر يطل على فسحة ,واسعة ,زرعت بشجرة الكالبتوس ,وثمة غرفة صغيرة طليت بلون ابيض قبعت وحيدة بين الأشجار 00
نهض رجلان كانا يجلسان إزاءها 00نظرت ناهد إلى لوحة صغيرة خط عليها ((غرفة الموتى )) 00
- البقية في حياتكم 00
تهاوى كل شيء فيها ,وتساقط تثارا 00عاصفة قوية اقتلعت الخضرة 00رمت بالضحكات والضجيج 00بالنفاق والكذب والصدق بالحقيقة والوهم 00لم تعد سوى صحراء قاحلة تذر الرمل
وتدفع بريح سموم 00مضت إلى آخر تحرق المسرة ,وتنشر الكابة في دروبها 00وتلاشت الأضواء 00
هذرت ناهد مثل ماكنه تطحن ,وأفاقت 00السواد يغطي الحجرات
عيون دامعة ,وعيون كئيبة 00صغيرة وكبيرة تلتف حولها لا اثر للكحل فيها ولا ظل زينة 00والسواد يغطي الأيادي ,والصدور يمتد ليصبغ جسدها ,ويغور عميقا في مساماتها يجري في الدماء 0
فتمتصه الكريات 00وتسقط في غابة الفجيعة 00
يتردد بحيرة ساكنة في العتمة التي فرضت على المنزل هدوء حزين مفعم بالمرارة 00فقد مر الأسبوع الأول وغادر جميع المعزين 00لم يكن ثمة صوت يسمع سوى دقات الساعة ونشيج
مكتوم لناهد الجالسة في مكان أمها 00بجانب خزانة آواني الفرفوري 00
جلس محمد إلى جوارها ,مص شفته وسحقها تحت أسنانها ,كان يحاول يبعد عنها التوتر 00
- لم لا تذهبين إلى عملك ؟
- لا أستطيع 00
- آنت بحاجة أليه 00
- في السابق كنت 00
- ألان اكثر ليحررك من الحزن 00لايجوز إن تبقي بهذا الحال 0
- أنى مرتاحة 00
- حالتك لا تسر احدا00 انظري في المرآة 00
بدت بربطها السوداء كائنا خرافيا صنع من القش ,ذاكرتها تالفة 00
فارقت خذاها النظارة ,وعينيها حزينتان ,ونما زغب اسود فوق شفتها 00
-اخرجي للناس 00
-لا اقدر فالناس يريدون من يحكون معه ويضحكون 00
-افعلي مثلهم 0
-هه00يكفيني ما أنا به 00
قاوم محمد رغبة عنيفة في البكاء 00
-والى متى ؟!
-إلى إن يشاء الله 00
-الحزن والبكاء 00لايعيدها 00
-لكنه يجعلني اشعر بالراحة 00
صحت محمد ,واطرق رأسه إلى الاسفل بقنوط 00تبخرت قلاعه وحاصرته غلالة سميكة من ضباب يسد المنافذ ويعمي المدى 00
يمتد برد إلى اطرافه فتسكنه وحشة رهيبة 00فينشج 00
-أرجوك كف عن البكاء 00لاتزيد همي
-أريد إن اشعر بالراحة 00
مسح دموعه بباطن كفه واطرق صامتا 00
لا أحد يؤنسها ,غير شمعة توقدها عند الغروب ,فقد اخذت خالتها الاطفال حتى لا يصدموا بمناظر الحزن والبكاء 00
-حلمت البارحة بأمي 00
-عساه خيرا 00
-رايتها بثياب بيضاء ,يفوح منها عطر زكي 00بدت اصغر سنا وهي تنشد ترنيمة عذبة 00على مهد صغير أمامها ,نظرت إلى المهد كانت هناك فترة صغيرة ,أحسستها أنا لما كنت طفلة ,قلت :
-هذه أنا يا أمي 00
تطلعت لي ,ولم تتكلم 00ثم اختفت فجأة 00فصحوت من نومي مذعورة فرأيت أشعة شمس الصباح مشرقة في غرفتي 00
-يقولون أن الأحلام ما نفكر به في النهار 00
-لكني رايتها بصورة مدهشة 00
خلال الفترة الاخيرة ,كانت تعتقد انها غير قادرة على الحياة 00
ولابد انهم سيجدونها في إحدى الصباحات وقد تيبست على فراشها
تعلقها الشديد بامها زاد عندها الاحساس بان امها لازالت على قيد الحياة وانها تفكر فيها 00وهي قريبة منها لا تفارقها ابدا 00
كانت تدرك حقائق معينه باضطراب يتلاطم ويدور بكل الاتجاهات فلا شئ يفصل بينها ، تداخلت لتصير كتلة هلامية ، بلا شكل واضح غريب عنها أحيانا، لكنها .. أنه خوف يركبها، ونزاع سرمدي مع الأيمان المتزمت الذي مد جذوره إلى قيعانها..
- يا كغرابه..
تهتف ،حين يدهشها سر تحملها الآلام..
-اعتادت أن تفكر ..
سيتوقف قلبي الآن .. أنني أموت.. أنه شعور مرير ..فلن أكون سعيدة مرة أخرى ..
كانت تستمر في الجلوس لساعات طويلة ،تحدق في الحديقة الصغيرة 00
التي تحبها أمها ، فقد كانت تعتني بها كثيرا،وتزيل العشب الذي مـا فتئ يظهر كل مرة.. وفي لحظة إحساسها بالواقع اشتاقت لرؤية أطفالها
- ألا تذهب إلى بيت خالتي ..
- لماذا؟!
- اشتقت إلى أطفالي 00
- دعيهم ألان فلا زلت حزينة 00
- أرجوك 00
- حسنا ولكن ليس ألان 00
في المساء حين عاد 00جلب معه الأطفال ,كان منظرا مؤثرا وهي ترى أطفالها يركضون باتجاهها ويلقون بأنفسهم في أحضانها بلهفة أحست بفرح سري ,يزحف لاهثا ليخدش جدار الحزن وينبت إحساسا رقيقا 00
- في الطريق رأيت آبو عمار 00سالني عنك 00
- كيف حاله ؟
- انه يحتاجك في العمل 00لمح لي إن من الممكن أيجاد من يحل محلك 00
كان العمل بالنسبة لها في وقت ما إعادة للثقة المهزوزة 00
آما ألان انه حاجة مهمة 00
فكرت طويلا 00يجب آن لا أتغاضى أو اجتبى وراء الحزن 00
فلو تركت الوظيفة ,ماذا سيحدث ؟أقعدني في البيت اعتني بأطفالها لكن من يلبي طلباتهم 00لابدمن مورد ثابت 00
وطوال الأيام الماضية ,وجب عليها الاهتمام بأطفالها .كانت تنسى حزنها عندما تعتني بهم 00وبمرور الوقت شعرت إن وطأة الحزن اقل مما تصورت 00وفكرت انه يجب العودة إلى العمل 00
-ألم ترى أبو عمار ؟
-قبل يومين رأيته..
-أين ؟
-في الشارع ..
-ألم يقل لك شيئا؟
-لا لم يقل ..لم تسالين عنه؟
-أريد العودة إلى العمل …
-آه ..أنها تطورات مذهلة..
-ألم يشغل أحدا؟
-أظن ..لكن ما سر هذا ؟
-ليس هناك سر ..أنها الحاجة..
-أمرك غريب يا ناهد ..لا تهتمي بالعيشة وكوني مطمئنة فآنا موجود
-أريدك سالما ..ليس الآمر كما تتصور ..ربما لا أجيد التعبير عما في خلدي ,ولكن الأسباب التي جعلتني أشتغل لا زالت قائمة ..
-لا أفهم ..
-ليس مهما إن يفهم الأخ كل ما تفكر به أخته..
شعرت بقساوة ردها ,فأخفضه اهدابها ,حتى لا تشعر بخجلها ..
-هل اخبره غدا ..أم نذهب سوية..
-أرجو إن تخبره أولا..
-كما تريدين ..
أمضت معظم اليوم التالي ,بتنظيف البيت .أزالت الستائر وفتحت الشبابيك على مصر عيها .. غمر ضياء الشمس الصالة وبقيت الغرف في الطابق السفلي ,بينما ظلت سمية راقدة بغرفتها ..
مضت مبهورة بالضوء والنسمات الباردة التي تنبأ بقدوم الشتاء مبكرا هذه السنة ..مسحت جبهتها بكم ثوبها وهي تشعر بقوة خفية تنهض داخلها ,وطلبت من أطفالها اللعب في الحديقة ..
كانت الأرضية متسخة ,وطلاء بعض الأبواب تقشر بفعل الأطفال والمعزين الذين لم يحرصوا كثيرا على الأثاث البيت ..فعلى امتداد خزانة المطبخ كانت تعثر على آواني المحطمة ,ولقيت بإهمال متعمد ..
أما الأرائك فقد تحطمت إحداها .. وقد ظهر إسفنج حشيتها ,وبانت نوابها المقطعة متدلية برثاية موجعة ..
وجدت ناهد صعوبة تصديق ما ترى ..وغمغمت بغضب متفجر ..
-فوق مصابنا.. مصيبة أخرى ؟
نزلت سمية من السلم ,تأملت بعينيها المنفوضتين من النوم ناهد المنهمكة بالتنظيف ..
-لماذا لم توقظيني كي أساعدك ؟
-لآيهم ..
-انتظري سأغسل وجهي وأساعدك
-هل ما زلتما متخاصمين ..
-نعم.
حملت ناهد قطعة القماش التي كانت تمسح بها الأرضية واغمستها بسطل الماء ..وعادت بها إلى مكانها السابق..
-هل هناك مشكلة ؟
-لا ادري ..
-لا تدرين !!!
عبرت سمية الممر إلى المطبخ ,غسلت وجهها جيدا بالماء والصابون ,وبدا وجهها اكثر بياضا ..
هناك زبد وجبن ابيض بالثلاجة ..
-لا سأكتفي بيضه مسلوقة وقدح شاي ..
-سخني الشاي وإذا شاتي حضري غيره
-أين علبة الكبريت؟
-في المجر الأيسر للخزانة ..ها عثر عليها ..
سحب السطل الذي بدا لون الماء فيه طينيا ,وقد طفت على سطحه أعواد الكبريت وأعقاب السجائر ..إلى المطبخ ..
أوقدت سمية الطباخ ووضعت أناء الشاي عليه..
دخل ابنها الكبير لاهثا تتبعه أخته الصغيرة..
-لماذا خلعت حذاءك ؟
-أريد بسكويت ..
-البس حذاءك أولا..
-لا أعطيني البسكويت ..
-سمية أعطيهم البسكويت ,تجديه في باب الثلاجة ..
رائحة الشاي ملئت المطبخ .. أطفأت سمية العين المتقدة وسكبت في قدحها شايا ساخنا ..
انتهت ناهد من مسح أرضية الممر ..وبدأت بتنظيف المطبخ..
ارتشفت سمية قدحها بتوده..
-آلم تسألين عن السبب ..؟
-لا .. انه يفتل الخلاف لآي سبب صغير ..
-أنك ترهقيه بطلباتك..
-أرهقه ..أليس من حقي ارتداء ملابس جديدة.
-أحيانا الواحدة منا تصاب المرآة بهوس استهلاكي بدافع الغيرة..
دون آن تدرك ذلك ..
-وممن أغار ؟
-لم اقصد أحدا معينا ..لكن الإنسان غير معبد ..
خطت سمية نحو صندوق الخبز ,وبدا واضحا من لهجتها أنها غضبت من ناهد ..أجعت بقايا الخبز الذي بيدها ..
-لماذا لا تشتغلين ؟
أشتغل ..لمن ؟أنت تعلمين من اجل أطفالك ..آتاك أطفال لدي ..
-من اجل نفسك ..
-المرآة بدون أطفال ,إنسان بلا طموح ..
-شعرت سمية بغصة ,تمنت معها لو أنها لم تقل ذلك..
-هذه هي النهاية الطبيعية لنا جميعا ..يجب آن نتيقن أنها الو سليه الوحيدة للخلاص من ألا وجاع .. لابد أنها كانت تشعر بألم لا يطاق ((_رحمها الله )) المهم آن تنسي هذا تبد أي من جديد …فالحياة لا زالت مستمرة.. عانيت من نفس الحالة ,حين توفى والدي,كنت لا أطيق البقاء في البيت ,فأهيم على وجهي ضائعا وحدث مرة أني نمت مرة في الشارع فبحث اخوتي طوال الليل 00
وأخيرا عثروا علي متمددا بجار عمود كهرباء 00ايه أنها أيام صعبة ,لقد انقضت والحمد لله 00
قال أبو عمار ذلك ,كأنما يقرا كتابا بصوت عال 00
وهو يطيب خاطرها تطلعت ناهد إلى وجهه 00بدا شاحبا بصورة مفجعة ,أحست بعدم الارتياح لما تفوه به 00وقد جلس على الكرسي الصغير ذي الجلد الأسود 00
أطلق صفيرا وهو ينظر إلى ساعته 00
- آه أنها التاسعة والنصف لدي عمل كثير 00اسمحي لي بالذاب استدار حاملا معه الكرسي 00
وعندما سار نحو مكتبه ,لمحت بطرف عينها طوله 00 انه قصير القامة أذهلها ذلك .كانت تظن أنها طويل إلى درجة احناء رأسه عند دخوله من الباب 00تصورته طويلا بإفراط 00فابتسمت 00
غادر ذلك الانبهار الذي رافقها في السابق 00ورجعت إلى صمتها لم تكن راغبة في عمل أي شيء..
دخل أبو كامل ,حاملا صينية الشاي بيده اليمنى ,وامسك بالأخرى ترمس صقيل ,وضعه على منضدة ناهد ..
-تريدين شايا؟
هزت رأسها بالإيجاب ..دخوله أعادها من صفناتها..
وضع القدح أمامها ,واخرج السكر من أناء متوسط ,وضعه ملقه واحدة وصب شايا ساخنا من الترمس ..
لك وحشة كبيرة ..بدونك كان المكتب يبدو فارغا ..كل يوم أجيء لا أجد إلا هذا ألا صلع الكئيب..
أشار برأسه ,اتجاه آبو عمار المنهمك ..
انتبه أنها لا تجامله ..سكت ..حمل الصينية ,وزعق..
-آبو عمار أتريد شايا ؟
-لا..
رد عليها بصوت جاف ..
نظر إلى المرآة التي تنتظر خروجه..
-سأصعد إلى فوق ..أولا ثم أتناول الشاي بعدها ..
مضى أبو كامل خارجا ..تتبعه رائحة الشاي ..
-رجل مقرن
-تقصد آبا كامل؟
-وهل غيرة أحد ..
لكنه لطيف ..
أثارته هذه العبارة ..وبدا مهتاجا .لأول مره تره بمثل هذه القسوة ارتجفت شفتاه وهو يتحدث :
-رجل مثله آخر ما تطلق عليه هذه الصفة ..لو تدرين يكيف يقف نهاية كل شهر لأخذ(( البقشيش))..إضافة إلى راتبه من صاحب العمارة ..يبيع الشاي ..وبعد قليل يهب ليشتغل حمال في الشورجة .
نفث ما في صدره ..وسكت ..
انهمك يعمل على الآلة الحاسبة من جديد ..
لم تكن تعلم انه يحمل ضعفينة على أحد ..لكنه فآجالها ..أرادت إن تقول له :
-هذا حسد عيشه ..
خافت إن تطور الآمر معها ..فأثرت إن لا تتحدث معه بهذا الموضوع ..
لم يعد البخار يتصاعد من قدح الشاي ..امسك رأسها بكلتي يديها وقد تحسست صداعا ..
إن شرب الشاي بنسبة لها إدمان ..عادة بأوقات معينة ,إذا فات موعدها ,لازمها هذا الوجع اللعين ..لم تشأ شربه باردا ,لانه يزيد حموضة معدتها ..فحملته إلى المغسلة ورمته هناك ..
تطلعت بضجر إلى الساعة في يدها ..لا زالت في الحادية عشرة..
-بقي ثلاث ساعات أخرى ..
غمغمت ..وهي تعد بيدها ..قرأت في الأوراق التي أمامها ..مس أستر أسالها حديثة:
-شركة المقاولات سترسل مندوبا عنها ..
هل وجدوا خطا ؟
لا..ولم-كن آبا عابد ,يرسل ابنه بصفة مندوب للتأكد من بسجلاتهم
رتبت الأوراق ..ووضعتها جانبا
-لقد حضر ابنه عابد البارحة ..
هل سيأتي اليوم ؟
-لا اعلم ..خذي سجلاتهم عندك..
-أين هي ؟
-هذه على مكتبي ..
وضعت السجلات على مكتبها ..ظنت أنها ستبقى فترة أطول في انتظار المندوب ..فأحست الوحشة من المكان..
-أين تركت الأطفال ؟
-في البيت ..
-لماذا لا تسجليهم في الحضانة ؟
-انهم سعداء مع زوجة خالهم
شيء جميل آن تجدي من يعتني بأطفالك ,هناك موظفات يعانين من هذه المشكلة ..
-آمر مولم إيقاظ الطفل من نومه باكرا ..تراه يبكي ويتحجج ..
والجو بارد في الصباح هذه الأيام ..
-أنها بداية الشتاء ..
-أتتوقع أمطار ا غزيرة هذه السنة ..بسب البرد
-قد لا يهطل المطر ..ربما هي موجه وتنتهي ..
لاحظت ناهد انه يريد آن يستمر في الحديث ..زاد صداعها خلال
دخول آبي كامل لاخذ القدح فارغ .
تفتحت شهيتا لآرتشاق الشاي لكنه خرج مسرعا دون إن يتفوه..
احسن بلدة عارمة في ارتشاف الشاي في الأيام الباردة
أغمضت عينيها وبدت مرة أخرى كما لو إنها سالت نفسها ماذا كان أبو عمار
قد عرف إنها كانت تعاني من الصداع
هل لي إن اذهب ألان إلى البيت؟
-البيت
كان مدهشا لآبي عمار هذا الطلب المفاجأ …
اشرق وجهها بحمرة الخجل ,وهو يتطلع أليها.. وقد توقف عن العمل …
-هل هناك ما يدعو لذلك….
-شعور بالدوار
-دوار .. لآيهم اذهبي ..غدا يوم إجازة لك ..فقط لا ترهقي نفسك بالبكاء انه لأبجدي نفعا…
رفع نظارته ليفرك عينه..
انقلبت مثل الطفل سمح له أبوه باللعب خارجا..حملت حقيبتها ,كانت مأخوذة
بإحساس اقرب ما يكون إلى الاحترام أو الامتنان له..وما كان أمامها شي
سوى إن تستسلم لمتعة اندفاعها ….
-أشكرك … أشكرك جدا
-مع السلامة يا ابنتي …ابتسمت لكلمة" ابنتي" فقد أحست
في صوته بمسحه أبوية..
انهمرت نسمه باردة من نسمات تشرين ليس شهرا باردا بما فيه الكفاية لكي تغلق نوافذ السيارات أليس كذلك ؟
بل هو شهر خريفي على ما اعتقد ..
لكي تلامس وجهها …
كانت السيارات تمر بهدوء,وقد اغلق أصحابها زجاج النوافذ بأحكام يتطلعون إلى الشارع …مأخوذين بتساقط المطر من مزنه سريعة..
شعرت بقشعريرة باردة ,تسري في أوصالها .. وأشعرتها واجهات المحلات بفراغ هائل يغور داخلها …
كانت منجرفة إلى الوجوه تحاول قراءتها ..
معتمدة على حسها الفطري وعلى ما تعلمته سابقا …
انحدرت ناهد نحو شارع الرشيد باتجاه منطقة السنك …أوصت لها جمهرة الناس أمام شركة المخازن …بشي مريع…وقد سمعت آن اكثر السلع لا يمكن الحصول عليها بسهولة بسبب الدلالات …والى اعهد قريب لم تكن لهذه الظاهرة وجود …
-أن ذلك يبدو شبيها بمجاعة مخيفة..
تحدثت مع نفسها ..
هوت في صمت كئيب ,وغادرت المكان ..أغواها الهواء المنعش ,وهي تملأ رئتيها منه ,إن تستمر في السير .. لم تكن راغبة في العودة إلى البيت ,فما زال لديها متسع من الوقت .. وعندما أصابها الإعياء ,
توقفت عند محطة انتظار الحافلة..
كان الباص آتيا من بعيد يتهادى في سيره ..فكرت
- كم يبدو المنظر أليفا ..
داخل الحافلة واصلت التطلع إلى السماء ,من خلف الزجاج المتسخ ..
كانت الغيوم هاربة أمام الرياح التي هبت فجاه حامله معها الأمطار ..
استرخت ناهد ,وغمرها إحساس بالاضطراب ,خلقه تفكيرها بالأمطار التي ستنهمر الليلة..
عاودها الصداع مره أخرى ,وتلوت من الألم وأدارت رأسها بحركات عنيفة ..وضغطت على صدغيها بأصابع يدها اليمنى ..ودت لو أنها تغفو سنده رأسها على الشباك ..لكنها خشيت من إن سلوكها الصريح سيثير انتباه الركاب..
لم يكن يوجد ما يدل على




لم يكن يوجد ما يدل على سقوط المطر ,وفي السماء لم تكن ثمة غيوم ,فقد كانت الشمس ساطعة بضوء قوي , يمتد من الحديقة إلى نافذتها نازل من الأعلى ..
غمغمت مزيلة الدثار .. بدت وهي تزيح الستائر,منشغلة البال في هاجس ليلي .. استضاء ت الغرفة ,فأحست بالبرد ينفذ من بين إطارات الشباك إلى رئتيها الدافئتين ..
كان أطفالها يرقدون تحت الدثار السميك ,لا يظهر منهم شيئا..انه يوم أجازتها ,فكرت في زيارة قبر أمها ..
بانت المقبرة بشواهدها .. رؤؤسا طالعة من رحم الأرض ,كانت بعض القبور بنيت بشكل غريب ,وأخرى تهدمت بفعل قدمها ..
اكتسى وجهها بحزن لا يعرف آلا معنى الدموع ,وهي جاثية أمام قبر أمها ..
المبني حديثا بشاهدته المرمرية ..
أوقدت أعواد البخور ..وظنت لفترة أنها لن تستطيع المضي من هنا ..
أمطرت السماء طوال يومين ,وعند عودتها من العمال لاحظت ابنتها تسعل وقد ارتفعت حرارتها ..بحثت في الثلاجة عن دواء وضعته فيها ..تذكرت أنها رمته مع ألا زبال لانتهاء مدته..
مضت تبحث عن صيدلية .. بمثل هذا الوقت تبدو الشوارع مهجورة ..
في منتصف الشارع الرئيس ,عثرة على صيدلية إغلاق صاحبها الباب الزجاجي طرقته ..نهض متدثر بعباءة صوف ثقيلة
تحدث وهو يفتح الباب ..
ادخلي بسرعة ,البرد شديد ,وهذه الأمطار اللعينة لا تكف عن النزول إن مثل هذا لم يحدث من وقت طويل ,تقول مصادر الأنواء أنها موجة برد آتيه من تركيا وقد تستمر حتى نهاية الأسبوع..
عاد ووقف جوار المدفأة النفطية, التي وضعها بين ساقيه ..
هل تريدين شيئا؟!
ابنتي حرارتها مرتفعة وتسعل بشدة ..
مضى نحو أحد الرفوف العلية ,وقبل إن يأخذ الدواء استدار.
كم عمرها ؟!
سنتان ..
سنتان..
ردد بما يشبه الهمس ..
آتى بعلبتين وكتب عليهما بخط رديء ..
اعتني بها جيدا , لا تدعيها تلعب في الخارج ,إن هذا البرد ينفذ إلي العظام ,قد تصاب بنزلة صدرية –لا سامح الله -
وضع الدواء في كيس ورقي اسمر ..
يمكنك البقاء حتى يخف المطر قليلا ..
لا شكرا
فتحت الباب ,رشقتها الريح الباردة فأحست بخياشيمها مبتلة ..استولى عليها تفكير حالم وهي تمضي تحت وابل المطر ..
عندما اكوزن في البيت احلم دائما بالمطر يسيح على زجاج النافذة
يبلل حشائش الحديقة ,ويغسل طابوق الجدار ,فيبدو نظيفا بصفرته
الباهتة ..آما ألان أود لو انه يتوقف ..فاني اشعر بثيابي مبلولة حتى جلدي المقشعر تحتها .. نسيت إن أجيء بالمظلة ,لابد أنى الأخرى سأمرض ..بسبب النسيان الذي يسميه البعض نعمة ..
إن مشهد السماء مد لهمة بالغيوم كئيب وكالح يجعلني منقبضة ,في عتمة لا حدود لها من الخوف المبهم الذي يغزو أحشائي ,فاء حس بضعف شديد وإني لا أقوى على الوقوف ..فاء دس جسدي في الفراش وأحاول الهروب إلى عالم النوم ..آه لو تمطر السماء بلا غيوم!!
اجفلها منبه سيارة تكسي ظل سائقه يبيثها شوقه بالمنبه ..
انحرفت نحو أحد الفروع تخلصا منه ..
الشمس كتلة معتمة ..لكن العناية الإلهية ..أمرت حشدا من الملائكة بتلميعها ..فاستحالت بعد عمل مضني إلى صيف حار متوهج ..ولما يتعب الملائكة من التلميع ..يأتينا الشتاء ..
كانت تفكر بخيال صبياني يثب في فجوة الليل السوداء ,مستمعة إلى صوت المز أريب وتراشق المطر..
تطلعت إلى وجه ابنتها ,المطلي بشحوب مريض ..وهي تتنفس بسرعة مخيفة ..مسحت وجهها راءت فيه مسحة من جمال أخاذ ..أتتها بدثار آخر وتمددت إلى جانبها ..منجرفة بعاطفتها ,لم يكن أمامها شي ء تفعله سوى إن تسهر عليها ..
لازالت الريح تعوي ,عند الشباك ..
تصاعدت داخلها رعشة خفية ,ظلت تسري فيها ..حتى أدركتها وحدة مفزعة ,افتقدت زوجها..تمنت لو إن الأمور سارت بهدوء ..
غمرها توق إلى الحنان .لحياة يتدفق منها الحب شلالا ,يطفئ جمرات الضغينة ويشيع البهجة ..
لازلت راقدة ..كيف حال الطفلة ؟
_ يبدو أنها افضل ..
بقيت قلقا عليها طوال البارحة ..هل ستبقين ,آم تذهبين إلى العمل ؟
_لا يجب إن اذهب ..هل الجو صحو ؟
_نعم سأنتظرك في المطبع لنذهب سوية
خرج محمد الذي نهض مبكرا كعادته في كل صباح..
وقفت سمية مخذولة إلى جانب الطباخ ,تقلي البيض ..
كان واضحا انهما لا يزالان متخاصمين ,فلم يتحدثا طيلة الوقت ..
وراءت ناهد أنها أعطته الصحن بحركة متوترة..
سارت مع أخيها ,من البيت إلى الشارع العام .. كان محمد يبدو متأثرا إلى حد ما , فقد طفحت في عينيه سورة من الغضب..
-إلى متى؟
-لا افهم..
-إلى متى تبقى حالتكم متجهمة..
-أني أفكر في طلاقها …
-وقفت متطالعه إلى جسده المتين ,وجدت فيه خبل مضحك
-هذا أنت العاقل ..
-لم يبق عندي اعقل ..
-لا تكن عنيد فالأمر ليس بصورة التي تتصورها ..
-أعطيها المقدم والمؤخر ..وكل شيء تطلبه..
-لماذا نفكر دائما بالأشياء ,وننسى أنفسنا ,لماذا نلغي أحاسيسنا
نسيت انك تزوجتها على حب دام خمس سنوات ..
-هه ..حب ..انتهى كل شيء فقد أهلنا التراب عليه ..
قالت ناهد لنفسها :تراه حزينا ,لأنها لم تجنب أطفالا ,آم انه ضجر من طلباتها التي ربما تكون تعويضا عن كثير منما ينقصها ..
بقيا صامتين بعض الوقت
-أرجوك عندما ترجع اليوم صالحها..
-قد لا ارجع ..
نظرات إليه فزعة ..واردف
-لقد سئمت الحياة معها ..
-لا تقول هذا..من الخطا تصور الحياة في البيت قاسية ,لأننا لو فعلنا ذلك ,يكون معناه هدم البيوتنا ..من اجلي ارجع وصالحها ..

كانت مشاكلهما تزداد اتساعا يوما بعد أخر ..ولم تغد محاولات ناهد في أحد منها ..
يبدو إن سمية كانت تفكر في الذهاب إلى بيت أهلها .. كحل لما كانت تحس معاناة حقيقية ..
-أوصلني لأهلي ..لا أطيق البقاء معك ساعة أخرى ..
-ستندمين..
-هه اندم ..
-أني أتساءل كيف مرت كل هذه السنين مع أنسأنه تافهة مثلك ..
-صحيح إن تافهة لآني قبلت العيش معك ..
-ماذا تقولين ..يا أبته…
وبلحظة مهولة ,رمى عليها المطفئة النفطية ,تفادتها مبتعدة عنها ,فسقطت على الأرض ,واشتعلت السجادة ..وبصعوبة استطاعوا سحبها إلى الخارج ..
-يجب إن أطلقك لأني لا أستطيع العيش معك بعد الآن ..
أوصلني لاهلي ..

صعدت إلى غرفتها ,ورجعت معها حقيبة ملابسها
-لم تجدني في الشارع ,عندي آهل واخوة ..محسورة على عيشة الذل هذى
حاولت ناهد منعها من الخروج لكنها كانت مصرة بعناد لآيلين..
جلست عند الباب ,وأجهشت في البكاء ..اعتبرت رمي المدفأة طريقة للخلاص منها .. فصرح محمد فيها غاضبا ..
-هيا..لا تبكي ,سأصحبك إلى اهلك واقسم أنى لا أرجعك ..
لم تفد معها توسلات ناهد ..
أعطته السترة وخرجا ..عادت فقاعة الحزن عائمة مع الظلام والليل الذي ينبض في الجوار ..
يد زوجها تصفعها مثل الحجر ..وكلماته التي غرزها في قلبها ..
تعبت وهي تتقلب على جمر ذاكراتها ..حاولت إن تبعد عن عقلها صورا لا تحتمل ..وتتحدد طليقة ,بسكون يحملها مع الضجر اللانهائي ..تتجاوز فيه ألا مواقفها المهزومة ..وتستعيد بهجتها الضائعة ..وتبدا من جديد..
لم تكن قد فتحت عينيها بعد .حينما شعرت بأنفاسها ابنتها تغسل وجنتيها ,وهي تدنو بوجهها ..ارتاحت لدقيق طويلة تحت يديها العضتين تطوقها ..تذكرت لا يمكن إن تذهب إلى العمل ..
أطل محمد ,بلا تعابير واضحة ..
-ماذا حدث ؟
لا أستطيع الذهاب إلى العمل .. سأبقى مع أطفالي
-آه .. حقا نسيت ..
-لماذا تركتها تذهب ؟
-كان يحب إن افعل ذلك ..لقد قررت طلاقها ..
أحست ناهد بوخزه في صدرها ..
هل أنت على ما يرام ؟
-صحتي جيدة ..لكني أرثي لك
-لم تجعلين منها كارثة ,فلست أول من يطلاق امرأته..
- الكل يقول ذلك .والنتيجة هذا الخراب ..
- -لا تنسي نحن بلا أطفال ..
- تأملاته لحظة ,ثم انفجرت لتقول له بحدة..
- ما كان إن تقول ذلك ..
- كان يقول لنفسه :انه لا يسعدها إن تراني معذبا ,وبسبب من معاناتها..
- سحبت الطفلة من يدها خارجة من الغرفة ..
- سأعد فطورك ..
- تحت رداء البرد ,شمخت النخلة منعزلة قرب الباب بسعفاتها التي استحال لون نهاياتها تبنيا .. بينما ظلت الزرقة ساطعة في السماء ..
- تكاثفت أنفاسها على الزجاج ,وهي تتطلع عبر باب المطبخ إلى المشهد الصباحي الرائق..
- لم لا تتزوج من امرأة أخرى ,بدلا من الطلاق ..
- آه ..فكرة رائعة في هذا الصباح الجميل ..دعك من هذا ..المهم ألان ..ماذا بشان أطفالك ..
- استدارت نحو الثلاجة,أخرجت منها البيض
- لا ادري ما أفعل !!
- ضعيهم في الحضانة ..
- ينتهي دوامها في الساعة الثالثة..
- حقا أنها مشكلة ..
- لكني سمعت من أم حسين ,أن هناك امرأة فتحت في منزلها حضانة
- جيد ..
- وضعت أمامه طبق البيض..
- لكنها تطلب مقابل الطفل ثلاثين دينارا.ز
- لماذا؟!
- هل تريد الشاي الآن أو بعد آن تنتهي ؟
- بعد أن تنتهي …
- صبت الماء فوق إبريق الشاي ووضعه على نار هادئة..
- طفلان يعني ستين دينار ,أرسليهم..
- والمبلغ؟
- سوف أتساعدك ..
- لماذا لا ترجع سميه ؟
- هذا الموضوع انتهيت منه ..
- نظرت الزقاق من باب الرئيسي , وكانت الشمس تطلع بقوة , رغم الهواء البارد , ورأت من بعيد تلميذات بصد أريهن الزرق عائدات من المدرسة ..
- قررت أن تذهب عند الظهيرة إلى أم حسين ,لتدلها على المربية .
- هل بيتها بعيد ؟
- لا أنها في الفرع الثاني مقابل دكان أبى جعفر
- ألا ترين أنها تطلب مبلغ كبير؟
- ماذا تفعلين أذن؟
- أليست لك معرفة بها ؟
- أنها لا ترضى بأي تخفيض ..
كانت الأمور تسير هادئة .وبعد أن تدع أل أطفالها عند مربيتهم ..
تذهب عجلي ألي عملها ..متدثر في بلوز صوفي أو اكثر .وعيناها تبدوان رطبتان من تيارات الهواء المثلجة..
في مثل هذه الأشهر من ألسنه ,يزداد العمل في المكتبات لقرب انتهاء ألسنه المالية ,فتكون مشغولة في عملها طوال الوقت , حتى في فترات الراحة بين الدوامين ..
لان الكثير من العملاء يترددون عليهم باستمرار ..بمرور الوقت تعرفت عليهم جميعا ,معظمهم تجاوز سن الشباب بقليل ,لكن ليس معنى هذا لم يكن بينهم شبابا ,فمندوب شركة المقاولات ويبدو في مقتبل العمر ..
كانت تشعر بارتياح لقسمات وجهه المؤنسة ..لكنها أبدا لم تسمح لهذا الارتياح أن يتطور إلى مرونة في العلاقة معه..
كان دابة أن يسمع كلمات حلوة .. وهي تبقى بعبوسها المعبر عن صدودها
-لماذا لا نكون أصدقاء ؟
استثارتها كلمة أصدقاء ,أحست بها إهانة , فحاول أن يعتذر لكنها رفضت اعتذاره بصراخها الغاضب الذي جعله يتقلص في مقعدة وهو يتصبب عرقا مرت لحظات طويلة ,وقبل أن تفتح عينيها ..
كانت تتهيب النظر إلى الأشياء المحيطة بها ,جهدت لتتنفس بقوة ,وبحسرة مجنونة فتحت عينيها ..
كان المكتب فارغ ,يشع منة الهدوء مثقل بالسكون مفاجئ ,يغمر هزيمتها المفعمة بالتفاهة ,كل ذلك بدا جنونا .. قاومت رغبة حادة في السقوط أو التمرغ في الماضي القبيح ..وتوقفت الظلال ..
خيل إليها في الوقت ذاته أن لا داعي ,لكل هذه الحساسية المفرطة من الكلمة بسبب توريتها التي شعرت بها مخجلة ..
ظلت لفترة طويلة تعاني من هذه الحادثة ..ووسط جهودها المتكرر وصراعها الصارم مع الانفسها ,لم تستطيع نسيان ما حدث ,وبدت نادمة من فعلتها ,التي ظلت تصخب في أذنيها بدوي مستمر ..
لم يعد المندوب يراجع المكتب ..ودت لو تراه ثانية وتعتذر منه ..مرت أيام أخرى وهي في انتظاره ..
كانت عيناها تنظران ألي الأرض ,وهي تتكلم بوجل مع آبي عمار ,الذي توقف عن عمله ..رافعا بصره متأملا..
هل تعتقد آني أخطأت ؟
-انتهى كل شيء ..
من خلال الشباك ,بان سقف حافلة ,تمرق مسرعة نحو الشارع الخلفاء ..وظل برهة يستمع لصوت محركها ..الذي ابتعد
-لقد ارتكبت خطا ..كان يجب أن خبرك
ومن خلال الهدوء ,تناهى من اسفل الشارع منبهات تزعق بضجيج مفزع نهض أبو عمار ,شاهد زحمت السيارات ,تسد الطريق بفوضى مربكة ..
حدقت نحو الجسر المنحدر ..تخيلت النهر المتدفق تحته يمضي بصمت ..شعرت بخيبة ترتدي خوأها ..
-انظري انه اصطدام ..
رجعت إلى مكتبها ,لم تكن راغبة في رؤية المشاهد المؤلمة ..
لم يعد ثمة أحد يسمعها ..أي حديث لا صلة له بعملها ..
بدا العملاء الذين هم ذوو فتوة حاضرين منها ..
كانت تجلس وحيدة في هدوء لا تنتظر أحد ..فقد كانت متيقنة
أن المندوب لن يأتي بعد ألان ,وأذ هي تنصت إلى ضجة العملاء على مكتب آبي عمار ,تتثاءب وهي تشعر بالنعاس ..
خبا ذلك الإحساس من الشفقة ,وذوى ,فلم تعد تذكر التفاصيل ..
ضنت في لحظة أن دعوى النسيان تطرق بابها ..
-انسي كل شيء يا ابنتي ,لا تدعي مثل هذا القلق يسيطر عليك ..
-لا أنها نزوة طفل مراهق !!
تفرست فيه ,واتى صوتها رقيقا ..
-هذا رائيك ؟!
-كان يجب أن تفعلي ذلك أمام وقاحته ..هل لأنهم أغنياء تكون بنات الناس مشاعا لهم ؟
تبدو حزمت الضوء الآتية من الشباك ,عمودا من النور ,ملقى على المنضد والأوراق ,وتظهر فيها ذرات الغبار الدقيقة تترقص بلا انقطاع ..
دخل أبو كامل بصينيته ,أشاع دخوله حركة في الجمود المسيطر على وجهيهما..
هل تريدين شايا؟
-نعم ,وآخر لأبو عمار ..
-لا ..لا أريد
وقد انقبضت أساريره ..
من يدي أنا ,فلا تخجليني ..
لم يستطيع أن يقول شيئا ,استسلم لطلبها ..
أحست أنها تستمتع بحرية واسعة ,لم تألفها من قبل ,تتمطى مثل قطة متوثبة .لونت تأملاتها بلون فرحة طاغية ..شعرت أنها لم تنضج بعد الآن الدهشة تعيش في عيونها من حين إلى لآخر ..
تتحول الأشياء داخلها إلى وهج مستبد فترضخ له وتتناثر شظايا ..
اختفى من عالمها الخوف الذي كان يربكها ..ولم يبق غير صدى باهت
وضعيف من القلق يسبح في جدولها ..
كانت تفضل أن تقضي يوم الجمعة في زيارة بيت خالها .. لكن المطر عاد يهطل من جديد..
تيقنت في داخلها أن أخاها سيأتي اليوم ..فقد قضى ليلة البارحة
خارج البيت ..
-لقد تحققت ظنوني ,ها قد عاد ..
هتفت مع نفسها ,حين رأته يدخل واضعا معطفه المطري على رأسه ..
-أين كنت البارحة؟
-مع بعض الأصدقاء ..
مضيا مسرعين ,نحو الباب المفتوح
-قلقت عليك كثيرا ..
-كان يجب أن لا تقلقي ..
نفض حبات المطر العالقة بملابسة ,وارجع شعر باصابع يديه ..
-انه شتاء كثير المطر ..
أخرج بنطا له من الجو أريب ,حيث كانت محشورة..
-أعطيني ملابسك المبلولة ..
-وأين تنشر في مثل هذا الجو ؟
عند فترة الغذاء ,جلس ببجامتة مداعبا طفلها الكبير ,نظر أليها رافعا الطفل إلى الأعلى ..
-ناهد .. أريد الحديث معك في موضوع ..
-خير( أن شاء الله )
-كل خير ..لكنه حساس بعض الشيء ..
وضع الطفل على الأرض ,ظل ابنها متشبثا به ,طالب من خاله إن يستمرا في اللعب ..
-حساس ..موضوع ..من الخبر
-تعالي مجلسي هنا ..
نظرت ناهد نحوا الممر الآتي إلى الصالة حيث كانت قطع الكاشي تبدو رطبه ,تحت ثقل البرد والمطر الذي لم يكف عن النزول ..
-يجب إن نشتري سجادة للممر ..
-ألان ..
-لا الشهر القادم ..
-الله كريم ..
-تطلع نحوها بهدوء وهي تجلس على طرف الائريكه ..
-لم لا تتزوجي ؟!
وستطرد ناظرا إلى طفلها ..
-لا زلتي صغيرة ولا يمكنك البقاء بدون زواج ؟
-لم تكن هذه الفكرة قد طرقت ذهن ناهد بشكل مباشر بعد..فنظرت أليه مذهولة من وقع الكلمات ..تمازجت عطور زكيه تضغط على كوى ذاكرتها ,فتفتحها ..لتشي بما اختزنتها هذه الكتلة المظلمة من رأسها ..
-هل وجدت عريسا ؟–
-نعم..
-الزواج رنين مذهل في إذن كل امرأة ..
-افهم انك موافقة على الزواج
-هناك قاعدة صارمة للقسمة والنصيب ,لا دخل إلى فيها ..
-تتحدثين ولكنني عجوز ..
-آنا جربت قسمتي ..
-لمرة واحدة ..
-يكفيني …هذان الطفلان
-كوني اكثر أدركا للمسالة
-لم تستطيع ناهد التي جرفتها موجة المشاعر إن تحدد بالضبط هل هي موافقة آم لا ..وفكرت ينبغي لها فرز الكثير مما علق في داخلها ..كانت زيجتها الأولى ,عاطفية محضة ..فانتهت بها مخذولة ..
-لم يبق لديها خيار غير العقل ..
-لا يجوز إن تبقي هكذا نحن ,لا نعيش في غابة معزولة بل وسط أناس ,ينظرون لغيرهم قبل إن ينظروا إلى أنفسهم ..
-اعترف انك فاجئنني ..
-هذه حقيقة يجب إن لا ننساها ..
-كان لهب المدفأة يشع دفا ,بزرقة لاهثة ..
-يجب إن نفكر ..
قالت ذلك بصوت خفيف كأنها تحدث نفسها ..
وقفت ناهد وراء النافذة المغلقة في الصالة ولاحت من وراء أشبه بصورة بهتت لو إنها ,من المطر الذي يرشق الزجاج ..
-هل هناك من تحدث بشان خطبتي ..
-نعم ..
-ومن يكون ؟
-أستاذ عبد الرزاق
-عبد الرزاق ..
-استسلمت ناهد لوهم ..إن المطر سيغرق الصالة ,ويشق طريقة إلى الغرف ,فتعوم قطع الأثاث ,مثل قوارب ضالة ..
-آبو وسن
-أي وسن ؟
-هذه التي كانت معك في المدرسة ..
-الرجل العجوز ..ليس لهذا الحد ..
-أليس الذي يقع بيتهم في نهاية الزقاق
-بلى..
سرى فيها فزع كئيب ..
هبط لون المساء ,فوق المدينة التي سرعان ما أتخمته في الظلال ..وفيما وراء البيوت من الجانب البعيد ,تهدلت الغيوم مثل وشاح سيدة حزينة ..بخط مستدير مثل الشفق المنهار.. غدا واضحا لناهد انه كان يريد إن ينتهي من هم لا تشعر به ..وانه اتخذ سبيله المباشر لينجيها ..
-فبقى المرآة بلا زواج مشكلة لا بد لها من حل .. وآلا فيها وبال لا يعيه أحد غير الأهل من الذكور ..ومضت الكلمات في جبهتها مستعره , وحالما رأى تقطيبتها , أدرك أنها تبذل جهدها لتبح جماح نفسها …
-كيف استطعت إن تهضم هذه الخطبة ..أمن المعقول يا محمد إن أتزوج هذا الرجل ؟
-لما لا يكون معقول ,صحيح فارق السن , لكن ..
-لكن ماذا ..؟أنسيت ما قلته لي .
-ماذا قلت ؟
-انه والد صديقك ..أنا بعمر ابنته ..أتفهم هذا
تعلمت إن الأشياء تؤخذ ولا تعطى ..وهي تشعر بعذب أخيها الذي يقلقه بقاء أخته المطلقة بلا زواج ..
نهضت وتأملاته ..كأنها تعلن له استعدادها للبدء بمواجهته ,رغم حرجها ..كان صوتها يصاب بالإجهاد فيبدو مختنقا ,وقد يثنت حنجرتها مثل حطب التنور ..
-أتدرى انه متزوج من زوجتين قبلي وابنته وسن اصغر ما في عائلته ..-لا تنسي ,انك لست فتات ,بل امرأة وأم لطفلين فلا تحسبي إن فارس الأحلام سيأتيك يوما ما !
كان رده طعنه في ميمها ,اهتاجت دماؤها وأحست بها تغلي على موقد اقل ..فتكاثفت أبخرته على زجاج عينيها ..
حاولت إن تجمع صخب العالم تصرخ به ..
لكنها فاجئه افتقدت أمها ..فانهمرت دموعها بلوعة مهضومة ..
دنى منها وهو فزع من بكاؤها وقد أدرك قسوته
-آسف ..آني آسف جدا ,لم اقصد إن أجرحك ..صدقيني ما قلته كان بنية صافية ,ولم أدرك إن حديثي سيولمك ..
يحزنني إن أراك بهذا الحال ..
-هل اشتكيت لك حالي ؟
-أطفالك يحتاجون إلى رعاية أب ..
-وهل عبد الرزاق هو الأب الذي تريده ؟
-عندما يبلغون السابعة سيأخذهم أبوهم بقرار المحكمة ..
-لا تقل ذلك ,لان المسألة ليست بهذا الشكل ..
-ستبقين وحيدة ..
-بل قل انك سامتني ,وكرهت إن تراني هنا
-أنا ..
-آنت ..
تراه شرط من شروط سمية ..وبدء أنها تعرف كل ما يحب إن تعرفه نظرت ناهد إلى الليل كالهاربة واقتحمت رأسها تسأولات
شتى
-هل رفعت قضية طلاق على سمية ؟
-لا ..
-آلم تكن عندهم البارحة ؟
راقبته ملين ورأت احمرار وجهه ألذ أهل
-من ..قال لكي ذلك ؟
-لما لا تعود سمية إلى البيت ؟
-أنها لا تريد ذلك ..
-أرجوك أعطيني تفسير يريح القلب
نهضت ناهد نحوا طفليها ,الذين جلسا يلعبا في الممر العاري كانت تخشاء عليهما من أمراض الشقاء سحبتهما جوار المد فاه
-سوف لن تطلق سمية ..
-كيف تعرفين كل ذلك ..شعرت بوهج المدفأة ,على وجنتيها المكتظتين ..
-يعني صحيح ؟
-نعم ..
وأخيرا رجعت إلي رشدك
ضحك بصوت عالي ..
-هل ستبقى دائما عند أهلها .؟
-هذه الفترة على الأقل ..
-لكني لم أسيء لها لما لا ترجع إلي بيتها
-انه طموح امرأة ..
-كنت أظن آن سمية آخر يفكر بالطموح ..
-لماذا؟
-لأنها قالت ذلك ..في أحد المرات ..
-ماذا تعنين ؟
-اعني إنها الغيرة وليس الطموح
اطرق محمد صامتا ..
ظنت ناهد انه فهم ما معنى الغيرة عند النساء , هذه الخصلة التي تشب في الجسد مثل أي عضو آخر ..
انطوت ناهد على عذابها ..ولم يعد محمد الذي كان نادرا ما يزورهم يأتي إلي البيت ,كان يقضي معظم أيام الأسبوع خارج المنزل افتقدت ناهد أخاها كثيرا حتى المرات القليلة التي كان يزورهم فيها يبدو مسرعا ,وفي الزيارة الأخيرة بدا هزيلا
في يوم الخميس ,حين رجعت من عملها مبكرة ,كانت أم حسين تقف مع مربية أطفالها في الفناء الخارجي فبادرتها ..
-عملك متعب ..
-ماذا افعل يجب أن أكافح من اجل الأطفال ..
-أقول ..صحيح محمد مرض ؟
-مرض ..
قالت ذاك بجزع ..
-ما هذا ,ألا تدرين أليس هو معك في البيت .. ؟!
كانت تحب هذا النوع من الاسئلة لانه يرضي تطفلها ..
فكرت ناهد وهي لا تزال تحت وطأة الخبر ..من أخبرك بذلك
-أم هيام الممرضة ..
-أم هيال؟
أي هذى التي يقع ..
-اعرف ..اعرف ,لكن
-لكن ما أخبرتك ؟
-كان محمد راقد في المستشفى الذي تعمل به ..شعرت بساقيها تخوناها ,وقلبها يدق بعنف ,ولكنها استطاعت تحمل هذا الخور وتذهب ..
أوقدت مصابيح الطريق ,بوهجها الزئبقي ,فبان الدرب تحتها بسفلتة الأسود شبة ببشرة داكنة ونسمات باردة جمدت أصابع قدميها, وهي تمضي في المساء البارد ,ملتفة بعباءتها ,وحاملة طفلتها على ساعدها ..بينما ظل ابنها ممسك بيدها الأخرى ,يحاول أن يسرع بخطاه ليلحق بأمه..
كانت الممرضة ,بدينة ,بشعرها الرمادي المسترسل حتى كتفيها وقد امتلاء وجهها بغضون امرأة في الخمسين ..
نظرت نحوها بطرف عينها ,وقد كانت تسحب الدواء بواسطة الحقنة ..
تجرد الشيخ رافعا ثوبه إلى الأعلى ,وظهر سرواله الداخلي الطويل وكذلك ظهره النحيف ..لمحت ناهد نقاط حمراء قرب عموده الفقري
شبيهة لما كانت تراه في ظهر زوجها … فسحبت الممرضة السكارة بسرعة…
تطلعت إلى الغرفة الصغيرة والمكتظة بالنساء والأطفال لم تع,ما الذي جعل صورة زوجها تشب أمامها … ولكن بسرعة أريحت الستارة ,فرأت الكهل بثوبه البني وهو يشكر الممرضة ..
-أنا آخت محمد..
حركت رأسها كنها لم تسمع ما تفوهت به ..
-آخت محمد عبد الرحيم ..
-أأ.. زوج سمية ..
-نعم ..
-انك جميلة ..
ابتسمت ..واضعة طفلتها على الأرض
-شكرا..
استمرت أم هيام بعملها ,آخذت علبة دواء من إحدى النسوة,
أخرجت أجزاء الحقنة من الماء المغلي..كانت رائحة سبيرتو
تشم من الباب الريئسي.. حيث ذهب ابن ناهد واقفا مع بعض الأطفال
-انهم يتعارفون بسرعة
قالت المرآة الجالسة قرب الباب ..
وسمع صوت امرأة ,تجلس بجوار الستارة , واضعة ابنها في حجرها ..
-أم هيام .. أ ليس هذا المسن آبي كاظم ؟
-نعم ..
رفعت الممرضة الحقنة إلى الأعلى , ضاغطة عليها من الأسفل ,
لتخرج الهواء ,وتدفق بعض الدواء من فتحة الإبرة اللامعة تحت
ضوء المصباح المتدلي من السقف .. أمسكت آلام التي
أعطتها الدواء بابنها بقوة ,وهي تخرج آيتيه..مسحت أم هيام
مكان زرق الإبرة بالقطنة المبلولة ..ودستها بسرعة ..
وسط صراخ الطفل ومقاومة ..
حين انتهت من عملها .. رفعت رأسها فاصطدم نظرها بغيني ناهد
-هل صحيح آن محمد راقد في المستشفى ؟
توقفت أم هيام متسالى بدهشة
-معقول انك لا تعرفين ؟!
ضج وجهها بحمرة خجلة..
-لأني في الحقيقة ,لا أراه كثيرا..
-لقد خرج اليوم من المستشفى ..
تحدثت المرأة الجالسة جوار الستارة مع أم هيام
-ماذا يفعل أبو كاظم بهذه الإبر؟
-لما يكبر الرجل ببدء بالخرف ..يريد أن يستعيد قوته..
بقيت ناهد واقفة ,وكانت تريد أن تعرف أخبار محمد ..
-قد اثقل عليك ,بأي مرض كان مصابا ؟.
-أظن تشمع الكبد ,نعم تشمع الكبد ..انصحيه بعدم الإفراط بشرب الخمر..
-الخمر..!!
-ولا تعرفين يشرب الخمر أم لا..
قهقهت بعض النسوة…
أحست بالعيون تأكلها ,والحرج يتمارى في أصابعها ..سحبت أطفالها ومضت بارتباك واضح ..كانت النسمات تتراقص ,وقد اشتد برد أول الليل ..لكنها شعرت بصدغيها معر وقين…..
ازداد قلقها الشديد على أخيها ..ظلت تطمئن نفسها ,محاولة زرع السكينة في داخلها ,ليهدا روعها بعض الشيء..
-لابد انه رجع ألي البيت ..لقد قالت انه خرج من المستشفى ..
ترى هل ذهب إلي أهل زوجته ؟هل إن سميه على علم بما حصل له؟
أم هي الأخرى لا تعلم شيئا..
كان ألف خاطر وفكرة تدور في رأسها ..وفي لحظة أحست بالضعف ودت لو تبكي ..ثم رفعت رأسها إلى السماء تدعو ..
-لماذا تبكين يا أماه؟
قال ابنها ذلك وهو يرى دموع أمه تنهمر بصمت ..
-أني لا ابكي يا ولدي ..عيوني تدمع من البرد ..
أتلفت في روحها ,طبقات سميكة من الروعة ..فلا زال الليل على أوله ,والبرد يعطي للأشياء أشكال مرتجفة ويابسة في إن واحد .
كان يكبرها بعامين ..مرحه وشقاوته,لما كانا طفلين تثير غضب أمها
فكان يجري إمامها من المطبخ إلى الصالة,تختبى خلف الأرائك
وحين تعثر عليه يهرب إلى غرفة النوم ,فيفلقها عليه ..بينما تظل
آلام واقفة تصرخ عليه ..
- لن ادعها تمر دون عقارب ..
- سامحيني أرجوك
- أبدا كل مرة تقول سامحيني
- هذه المرة فقط ..
- توقفت تداعياتها ,حينما راحت تصغي برهافة إلى صفير قطار
- يسمع من بعيد .. تخيلت القطار يمرق مسرعا في هذه الظلمة
- كسوط ضوئي, يلسع الأشواك الغافية تحت سدة السكة الحديدية
تتفاجا به الديدان والحشرات .. وتفزع الكلاب من زلزلته
فتركض إلى جواره نابحة ..
تذكرت القرى ببيوتها الطينية , حينما سافرت مع أبويها ومحمد
إنها ذكرى بعيدة مثل سديم بعيد ,يشع خلف النجوم البراقة في سماء الليل البهيم ..
باستمرار تدور ألا فلاك لا تمل الحركة ..
صوت الريح تدموم تحت الباب ,وعلى وجنات الشباك الملتذ بالقبلات الباردة ,أعاد خيالات جبهتها إلى وعاء الهمس في فضاءت المحبة ,فتطلق عنانها لجذر الهوى المترجرج فيها .
واحات تنحن إلى الاحتواء
يلفها البرد ,فتشعر بكتفها باردين .. تذهب إلى فراشها متمددة ,تحت الدثار السميك .. لم تشأ إن تطفي النور .. وتظل عيناها تنظران إلى طفليها النائمين .. وقد تسربت إلى قلبها برودة موحشة ,تكاد تقضي عليها ..
لما انتهيت من تدقيق الصفحة الأخيرة من السجل ,دخل أبو كامل حامل صينيته في الموعد اليومي المعتاد
-ابن جلال ..
-شكرا..الجميع يقولون ذلك ,إلا أبو عمار ..
أغلقت السجل , ووضعته بجوار كومة المستندات ..
-لا ادري ,لماذا لا يطيقني هذه الأيام ,مع أنى والله احبه ..
- انه طيب القلب ..
- أعرف ذلك ..
- لم الزعل إذن ؟.
- لأنها عشرة طويلة بيننا ..
وضع القدح أمامها ,وصب الشاي ..
صوت انسكابه ورحته فتحت تجاويف مغلقة في خياشيمها ..
أدارت الملعقة بهدوء وسط السائل الغامق وحملته إلى شفتيها ..
أحست بسخونة تسيح في فمها إلى البلعوم ,كانت تحارب البرد والأرق .. بالشاي تطلعت إلى أبى عمار , المنهمك بعملة على الآلة الحاسبة ..داخلها شعور كاليقين ,بأنه يعمل في ضيق مفعم بتوتر والألم من الحارس ..
حملت قدحها ,ووضعته على المنضدة التي يعمل علية ..
-لا ..لا شكرا ..
-خذه أرجوك ..
-لكن هذا شايك؟
-أبو كامل لا زال واقف ,سيصب سيصب لي غيره ..
وبكل رحابه ,للا أبو كامل قدحا ثانيا , ووضعه على منضدة ناهد
-اشربه على حسابي
قال ذلك مبتسم ببلدة طيبة لا تعرف معنى الضغينة..
-عظيم انتهى كل خصام
تناول أبو عمار قدح الشاي ,ليؤكد انه كذلك ..
زعق أبو كامل ,حامل عدته وهو يمضي خارجا ..
-إذا ارتم المزيد , سأرجع ثانية..
استدارت ناهد راجعه إلى مكتبها ,جلست لا تفكر في شيء محدد
سوء النوم ..
-كيف حال أطفالك ؟
كل مرة حين يريد الحديث معها يسألها هذا السؤال ..فكرت في
ذلك وقالت مبتسمة ..
-بخير الحمد لله ..
-لكنك شاحبة الوجه هذه الأيام ..
-لا واخفي عليك ,أنى قلقه بشان محمد ..
-ما به ..
انطوى صوتها على نغمة حزينة الصحة ,مما حدا به إلى الحساس بالشفقة عليها ..وهي تسرد له التفاصيل ..
نهضت واقفه تتطلع عبر النافذة ,وبدت له كنها تحييا في مشاعر تصهرها سيلان في زحمة طوفان جمريه ..
-أهلا ..أهلا وسهلا ..
سمعت صوت أبى عمار ,يرحب بمقدم شخص ..
استدارت ناحية الباب , وبصدمة لا تصدق رأت مندوب شركة المقاولات ..كانت مفاجأة مذهلة جعلتها تطيل انظر آلية بدهشة ..
ثم انتبهت لنفسها ..
لمحت تبدل طرأ على سحنته,فبدا حزينا وهو يرد على التحية ..
-آسف لآني جئت بلا موعد ..
-ما هذا يا رجل ..
- لكن للضرورة أحكام كما يقولون ..
- ما هذا التعامل بالرسميات ..أهلا بك في كل الأوقات ..
- قال أبو عمار ذلك ,وهو يشير له بيده ,للجلوس ..
- انتبه لحركة يده ,تهتف شاكرا ,وجلس واضع حقيبته السوداء على ركبتيه وظل مستمر بحديثة ..
- لم اقصد التعامل بالرسميات ,لكنها الخشية من الوقوع في الخطأ كان يؤشر بسبابته اليمنى باتجاه ناهد التي شعرت بارتباك شديد ..
فتحه حقيبته واخرج منها وراقا .. اغلق الغطاء بحكام ,ثم وضع حقيبته على الأرض ونحرف بنصف جسده العلوي باتجاه أبو عمار ..
-هل أكملتم هذه الحسابات؟
-نعم ..ومضى أسبوع عليها ..
واستطرد أبو عمار يطلب من ناهد ..
-عفوا سيدة ناهد .. أعطيه حسابات شركتهم التي انتهينا منها في الأسبوع الماضي ..
مضت إلى مكتبها ,وتابعها الزبون بنظراته ..ونهض من مكانه متحركا باتجاهها ..
-حضرة سيدة ؟
فتطلعت إليه بريبه ,وهي تقلب السجلات
-نعم ..هل هناك شيء غريب ؟
-لا.. أبدا فقط أني آسف عما برد مني .. لم اكن اعرف انكي سيدة,قد يكون السبب انك لا تضعين خاتم الزوج ..
-هذا شرط ؟
- قد لا يكون شرطا ,لكنه عادة مستفحلة عند النساء ..
- لأنها مستفحلة عند النساء ,قررت عدم وضعه في إصبعي ..
- لكنك ستتعرضين إلى مضايقات كثيرة
- أنى اعرف جيدا كيف أرد عليها ..
- مر على سحنته ارتباك واضح ,حاول إن يستمر وهو يتصنع الظرف
- انه درس لن آنساه أبدا ..
- أعطته السجل حساباتهم دون ما أراده في دفتر صغير أخرجه من جيب سترته ..دس قلمه ,.وإعادة كل شيء إلى مكانه بإتقان حرفي ..
- من ألان وصاعدا أني سأراجع المكتب بصورة دورية..بدل من الشخص الذي كان يراجعكم
-أهلا ومرحبا بأي واحد منكم ..
لم ترق له أجبتها.. فسحب حقيبته وتقدم إلى أبو عمار الذي نهض ليصافحه .. وخرج دون إن ينظر لناهد ..
ما أن تأنى عنهم ..ضغطة على أسنانها وتمتمت بغضب
-مغرور ..
-ماذا تقولين ؟
-لا شيء ..أفكر اليوم في الذهاب إلى بيت أهل سميه ..
وأغمضت عينيها وبدت تسال نفسها ,ما إذا كانت قد أحست بآي شعور يحابي , اتجاه مندوب شركة المقاولات ..
هزت رأسها بالنفي لترد على تسولها
-اذهبي ألان إذا شئت ..
-والعمل ؟؟
-لا عليك منه ,انه لاينتهي أبدا ..
كانت تعتقد أنها ستجد محمد عند أهل سميه,وهي تضغط على جرس بيتهم بانت النوافذ معتمة بالستائر القد يفه السميكة الموضوعة عليها , وثمة شجرة البرتقال تجثو بالقرب من الباب ,وقد نمت أعشاب قصيرة إلى جوار الحائط المطلي بلون ابيض ..
فتحت باب أم سمية ,لا زال في وجهها مسحت جمال ..لكنها بدت بحالة نفسيه سيئة بتقطيبها وبنظرة غير الود وده التي تتمري في عينيها ..
-نحن نر أخاك
-لكنه لم يحضر إلى البيت
-لا اعرف عنه شيئا ..
-هل جرى له شيء ؟
-لا اعرف اسأليه ..
واستطردت لا أستطيع الوقوف اكثر فالبرد شديد ..
كانت تطردها ..بلعت ناهد الاهانه ومضت تحمل همها الثقيل ..
شعرت الأرض تميد بها ,وغثيان حاد يستبيح أحشائها ,وظلت تسير بلا هدا على الرصيف المبلول ,ازدحمت الأفكار تتراء لكنها لم تميز شيئا وسط هذا الهدير الهلامي..
وفي السماء ,ليس سواء إصبعين من الاشعه ,تفلقان من قبضة غيمه سوداء سدت عين الشمس المضيئة ,فغمر الفضاء لون كئيب
توقفت ,سحبت نفسا عميقا وهي تنظر إلى الشارع الذي يموج بحركة السيارات التي تمرق مسرعة ..
استقلت الباص ,شعرت داخله بدفء الأنفاس والأجساد المتراصة ,وبقيت تتطلع إلى الوجوه واجمة ..
في البيت وجدت أطفالها يتصايحون وهم يلعبون ..سمعت نشيجا يأتي من الصالة ..
كانت سمية تجلس في الزاوية وقد تورمت عينها من البكاء ..
-سمية ..
قالت ذلك باضطراب لمترد عليها بل زادت من سخيبها ..
انكمشه الطفل الكبير على الائريكه ,وظلت الطفلة تمضغ قطعت الحلوى وهي تحدق بعينيها الصافيتين ..
-ماذا حدث ..تحدثي بالله عليك ..
-لقد سجنوا محمد ..
-ماذا ؟!
أحست كأن شيئا ثقيل سقط على رأسها ,وكان الفزع يستطبن داخلها ليصبح كفا قويا تخنقها ,حاولت إن تستعيد شجاعتها المفقودة
-سجن ..لماذا أختلس ..محمد ..لا انكي تكذبين ,لا قولي مثل هذه الاتهامات على آخي ..وبكت سمية ,كأنها لم تجد غير الدموع تتشبث بها ..
-انه ألان في السجن ..لكن كيف حصل هذا ,يا ألهي ؟
اليوم عندما جردوا الخزينة فيها نقصا كبيرا ..
-لا بد آن تمتد يده آلي الخزنة ,لان طلباتك لا تنتهي تريدين بيت وسيارة ..وملابس غالية الثمن ,والله اعلم ما كنت تطلبين ؟!
أهذا جزائه لانه احبكي .. انظري كيف هدمت بيتك ,وحطمت أخي
صبت كل غضبها المتفجر في لحظه عنيفة ..وصعد أمامها البكاء فالدموع هذه الرئة المريحة ,عندما تتخل غضبها ينداح نفسا عميقا وباردا في عضلاتها المتصلبة .. وتستريح ..













السارد في رواية سأمضي للروائي صالح جبار خلفاوي | د نجاة عمار الهمالي – ليبيا
0
د نجاة عمار الهمالي
المقدمة: توجهت الدراسات النقدية الحديثة للاهتمام بالخطاب الروائي ومكوناته ،وفصّلت فيه بحيث لم نعد نتبين الرواية إلا من منظور تقنيات فنية ،تقدم من خلالها المادة الحكائية .
تخيّرنا من تلك التقنيات تقنية السارد(الراوي) ، ليكون مدار بحثنا في رواية (سأمضي) لصالح جبار محمد خلفاوي ،حيث انصرفت الدراسة لاستنطاقها والبحث فيها عن آلية توظيف السارد،وحركته داخلها وأشكال حضوره.
وما حفّزنا على اختيار هذه الرواية ،أن السارد فيها ظاهرة فنية مهيمنة على النص ،وقد وضعنا معطيات للدراسة تسهل التوصل لإجابات عن استفهاماتنا حول السرد ،والسارد وعلاقته بالروائي، والشخصية الساردة والفضاء الزماني والمكاني ؛ لذلك آثرنا تأصيل تلك المصطلحات التي ستقابلنا أثناء التطبيق ،بمهاد نظري عن مكونات الخطاب الروائي للرواية.
المهاد النظري:
سنركز البحث عن السارد وتمظهراته في النص السردي ،ولكن قبل أن نعبر إليه لابد أن نعبّد الطريق بالتذكير بالمفاهيم المكونة للخطاب الروائي :
السارد(الراوي )+ المسرود(النص السردي / المروي )+ المسرود له (المروي له ).
مفهوم السرد :
يُقصد بهذا المصطلح “الحديث أو الإخبار”لحمداني(2000) ص45أو الكيفية التي تُروى بها القصة،والمؤثرات التي تخضع لها ، بعضها متعلق بالسارد والمسرود له ،وبعضها الآخر متعلق بالقصة ذاتها .
المسرود :
يُراد به النص السردي (المروي) : ويمثل مجموعة من المواقف والأحداث المروية أو المسرودة في القصة .جيرالد برنس ( 2002 ) Gerald princeص142.
3) المسرود له ( المروي له ):
ونعني به الشخص الذي يُحكى له ،أوالطرف الثاني في عملية الحكي،والمقابل المباشر للسارد،وغالبا لا تظهر صورته إلا بشكل غيرمباشر. جاب لينتفلت (1992)Jap Lintvelt ص87
فالسارد هو من يسرد الحكاية ،و السرد طريقة تقديم الحكاية أو القصة التي يسردها السارد ، مونيكا فلودرنك (2012) monika fludernik ص18 أما المسرود له فهو متلقي السرد، والتفريط في أي من تلك العناصر يخل بالعملية التواصلية .
على ذلك يكون رهان التواصل في العمل السردي بمكوناته الثلاثة :
السارد ( الراوي) – السرد(المروي) – المسرود له (المروي له)
تلك تعاريف موجزة لعناصر الحكي ، وسنفرد براحًا أوسع للسارد (الراوي) كونه مدار هذه الدراسة .
لفتنا تنوع المراجع المتوجهة للبحث في السارد،بتنوع طريقة التناول ،وأسلوب الدراسة ، فكان اعتمادنا على ما أتيح لنا منها ، وعلى رأسها الدراسة الموسومة (الراوي في السرد العربي المعاصر ) لمحمد نجيب العمامي ، وفيها بحث مستفيض ودراسة لرواية الثمانينيات في تونس،بحث فيها عن السارد و علاقته بالشخصية والمسرود له ،وأشكال حضوره ، والشخصية الساردة والسارد ،ثم مستوى السرد الذي حوى مستوى علاقة السارد بالشخصية و مستوى المسرود له.
ودراسة عبد الرحيم الكردي الموسومة (الراوي والنص القصصي ) وفيها تعرّض لدراسة مفهوم السارد ،وتطور دراسته منذ عصر أفلاطون حتى العصر الحديث ،كما رصد فيها وظائفه وعلاماته ،ثم عدّد أنواعه ليصل في نهاية الدراسة إلى علاقته بالنص القصصي .
وقد أفدنا من دراسة محي الدين حمدي المعنونة (الإغراب في الرواية العربية الحديثة )،إذ فصّل القول عن السارد في الباب الثاني من الكتاب ،وكذلك من كتاب يمنى العيد ( الراوي الموقع والشكل )وهو دراسة عن موقع السارد في السرد .ومن ثم علاقته بما يسرد وبمن يسرد، والتقنيات التي يعالج بها موضوعه ، فضلا عن دراسات وأبحاث أخرى سنثبتها في الهوامش و مسرد المصادر والمراجع .
الدراسة والتحليل النقدي
أولاً علاقة النص الموازي بالمتن الروائي :
للعنوان دلالته ،فهو السمة الدالة على ما يحويه المتن ، وفي كثير من الأحيان يفسره ، وعادة ما تقوم العناوين في القصص والروايات على المراوغة والإيحاء بازي (2012)ص15 وقد وسم الروائي الرواية بالفعل (سأمضي )وهو جملة واحدة ،مما يدرجه تحت بند العنوان البسيط ،ونلاحظ أن العنوان جملة فعلية ،وعادة تكون “الاسمية هي الغالبة على العنونات البسيطة والمركبة “عويس1988 ص42،لأول وهلة نعتقد أن هناك خللا فيما خلص إليه الدكتور محمد عويس في كتابه العنوان في الأدب العربي، ولكن لو بحثنا في العنوان من الداخل لوجدنا أن جملة سأمضي هي خبر لمبتدأ محذوف تقديره (رواية )فتكون جملة العنوان (رواية سأمضي )أي أن الاسمية مسيطرة ،والاسم له دلالة الثبات ،والأفعال لها دلالة التجدد ،خاصة في حالة الفعل المضارع عويس(1988)ص20 فنمني أنفسنا على ذلك أن تكون الرواية متجددة الأحداث .
وإذا بحثنا عن دلالة الفعل (سأمضي)في أذهاننا كمتلقين فنجدها كما يأتي :
←التصميم
←التحدي
←الإرادة
سأمضي ← ← ←الذهاب
←التقدم
← الحاضر
←المستقبل
أما الدلالة اللغوية فنجدها تعني أنْفَذتُ الأمر،ومضى وتمَضَّى ،تقدم ، ابن منظور (1990)ص وهو فعل مضارع ،ومع السين تكون الدلالة على الحال والاستقبال ،أي أن الرواية تحمل معنى التحدي ، والإصرار على المضي ، والتقدم إلى الأمام ،ونفي كل ما يشد إلى الوراء.
ومما يزيدنا يقينا تكرار الكلمة منذ الاستهلال( لتمضي – سأمضي )وينهيه بجواب (ولن أعود ) وفيه دلالة العنوان:
سأمضي ← ولن أعود
وللوصول إلى دلالة العنوان داخل المتن نعرض ملخصا للرواية :
يسرد لنا الروائي معاناة المرأة والرجل ، ومشاكلهما في الحياة معا ، من خلال قصة امرأة مطلقة تواجه الحياة مع طفليها ، تساندها أمها في بداية الأمر ، ولكن الموت أبى إلا أن يختارها في زمن كانت في أشد الحاجة لها ، لتلجأ إلى أخيها الذي وقف إلى جانبها رغم أعبائه ، ومشاكله مع زوجته التي مافتئت تنغص عليه الحياة حتى دفعته لأن يمد يده للمال العام ويختلس مبلغا منه ، فتكون نهايته السجن ، لتمضي البطلة في طريقها وحدها بدون سند . خلفاوي (2004)
مما تقدم نلمح صدى العنوان في المتن الروائي ، وكأن البطلة تتحدى الظروف القاهرة ، والمتربصين بها ،وقد وجهت نظرها نحو المستقبل ،تسير صوبه بثبات لا تلوي على شيء إلا تربية أبنائها والعيش بكرامة ،فالعنوان دال على المتن ، وهو سمته الذي يشي بما تتضمنه الحكاية .
بما أن السارد هو من يجعلنا نرى الأحداث ،نجد الروائي يستهل روايته من النهاية ،حيث ينقل لنا شعور البطلة : ” شعور مفعم بالمرارة ، تنجح بعده في تأسيس تاريخ شخصي ، يكون ركيزة لها لتمضي بدون تلكؤ نحو الأفق ” ثم يردفه بمناجاة البطلة لذاتها “سأمضي وأشعل الآفاق ،يا سورة النار ،وأخط بماء العينين ،على نتوء ألمي ، حتى أحمي كل العذابات المتوقدة في أتون الرغبة الموجعة ، ولا أعود ” خلفاوي (2004 ) ص1
فمنذ البدء يحدد الروائي دلالة العنوان ،من خلال القول السابق للبطلة ” ناهد ” فهناك عزم ، وتصميم ، وإصرار شديد على المضي ، وعدم العودة ،وقد نقله إلينا من خلال السارد الذي يرينا الأحداث تارة بعينيه ، وأخرى بعيون الشخصيات .
في هذا التقديم شدٌ للمسرود له ،وجذب لمواصلة القراءة ،فالعتبة التي يدخل بها تمثل فاصلا بين الواقعي والمتخيل ،لذلك لابد أن “تجذب القارئ إلى داخلها”لودج (2002)david lodge ص9.
ثانياً السارد والمؤلف ( الكاتب ):
كثيرا ما يحدث الخلط بين السارد ومؤلف الرواية،فقد ساد الاعتقاد أن المؤلف هو ذاته السارد ، حتى ظهرت الدراسات الحديثة التي وجهت عناية خاصة للسرديات ، فميز النقاد بينهما ، كما ميزوا بين الخطاب والقصة ،التي تكوّنها الأحداث والشخصيات في تفاعلهم مع ما حولهم ،أما الخطاب فمتعلق بالكيفية التي تم التعبير بها عن القصة ،ومن ثم إيصالها للمسرود له، يقطين (1997) ص169، وخطاب القصة يقوم على الرواية والسارد والمسرود له ،لذلك لابد لنا من التمييز بين المؤلف والسارد ،حتى يتسنى لنا الانطلاق في البحث .
فالمؤلف كاتب الرواية هو واهب السرد كما يقول (رولان بارت ) بمعنى أنه من ينجز الرواية وتنسب إليه ،ولكي يميز بينه وبين السارد يرى أن الذي ” يتكلم (في السرد) ليس هو من يكتب (في الحياة )ومن يكتب ليس من هو كائن “بارت (1988) barthes ص132، وهو الذي يضع العناوين ،ويقسم النص إلى أبواب وفصول وما يشبه ذلك يقطين (2001)ص59 كما إنه “ينسق تراكيب رسالته وعباراتها ، ويؤصل أخباره بالشواهد، وإشاعة المعلومات والمعارف لإكساب رسالته تناسقا ولينال ثقة القارئ” حمدي (2009)ص261 فهو ينتمي إلى العالم الخارجي للمحكي، على عكس السارد الذي ينتسب للعالم الداخلي ، لذلك فمن غير المنطقي مطابقة المؤلف معه ،فالأول يخلق ويبدع والثاني يرسل ويبلّغ العمامي (2001) ص11على ذلك تكون وظيفته إبراز ما خفي عن الناس من جوانب الحياة المختلفة ،فورستر(1994)ص38 وسيلته إلى ذلك السارد.
ويذهب بعض النقاد إلى تحجيم دور السارد في النص ،فيرون أن لا سلطة له على أحداثه ، وأقوال وأفعال الشخصيات فيه ، وأنه فقط صوت يبلغ ما يُملى عليه ، لكننا نراه ، مع كل الآراء المتباينة حوله ، ذا يد طولى داخل النص ،يسانده في ذلك الروائي ويدعمه ، فهما يبتعدان ولا ينفصلان : الروائي يضع الخطوط الأولى للحكاية ، والسارد يقوم بإيصالها للمتلقي .
لا نريد أن نستطرد هنا في الحديث عن الروائي أو المؤلف ، فهو ليس مجال بحثنا ولنلتفت إلى السارد نستكشفه ونتعرف إليه،لئلا نبتعد عن التحليل المحايث للنص السردي ، حتى يتسنى لنا استنطاق الرواية ومساءلتها ،وتبيان تمظهراته فيها ، وليس معنى ذلك إنّا قادرون على الفصل بين الروائي والسارد ، ذلك أنّ الارتباط بينهما وطيد ،فأفكار الروائي تتسرب إلى السارد “وهو يباشر التخيل والكتابة” حمدي (2009) ص262 ولكننا معنيون ببحث السارد في رواية ” سأمضي “.
ثالثًا السارد وعلاقته بالشخصيات :
لا تعطينا الرواية فضاء واسعا للمساءلة ، فهي كما عنونها مؤلفها رواية قصيرة لذلك سنبحث في تجليات السارد و تمظهراته داخل الرواية ،أو وقوفه محايدا تجاه بعض المواقف .
السارد في رواية ” سأمضي ” غريبا عن الحكاية ،أي أنه ليس أحد الشخصيات داخلها ، وهو من صنفه جيرار جينيت بوصفه “خارج القصة “جينيت (1997 )genet ص45،نجده واحدا غير متعدد ، ويظهر لنا من خلال ضمير الغائب منذ بداية الرواية مراقبا للبطلة والشخصيات الأخرى “تطلعت في أرجاء الغرفة ليس سوى الصمت يحط بثقله أوحى لها الأثاث برائحة الألفة تأتي من دهليز روحها ، ليتسرب مع لون المساء الزاحف خلفاوي،( 2004) ص1، فيكون حلقة الوصل بيننا وبين أحداث الرواية .
لا يتولى هذا السارد الغريب عن الرواية توضيح بعض اللقطات، والأحداث الدائرة، بل يتذكر مع البطلة ويسترجع الماضي أيضا :”لم تفكر لحظة ،فارق العمر بينهما، إنها عشرون عاما وأربعة أطفال من امرأة راحلة ، لم تكن تدرك هذا ، كأنها الآن أدركت…”خلفاوي (2004 ) ص2 فهو عليم بكل الأحداث في الماضي ،وفيم تفكر البطلة الآن :”كان هناك اضطراب خفي يبرعم في أحشاء ناهد ،يمتص من وجنتيها ،شكلها البراق فيظهر وجهها بلون أصفر يسكنه القلق …”خلفاوي (2004)ص4.
كما أنه مدرك لأفكار كل الشخصيات وتحركاتها عبر النص الروائي ” صمت محمد وأطرق برأسه إلى الأسفل بقنوط ،تبخرت قلاعه وحاصرته غلالة سميكة من الضباب ويعمى المدى ،يمتد برد إلى أطرافه ،فتسكنه وحدة رهيبة ،فينشج .”خلفاوي (2004)ص10 وهكذا يصحبنا السارد إلى نهاية الرواية وهو يحلل ويفسر وينقل إلينا ما غاب عنا ، ليبتعد أحيانا ويترك الحوار يدور بين الشخصيات ،نستشف عبره الأحداث ،فيبسط هيمنته على النص وشخصياته وأحداثه ،منطلقا من كونه المؤلف الواقعي والحقيقي للنص ، وهو يقف في مسافة واحدة مع كل الشخصيات المنوط به إخبار القارئ بما يُلم بها من أحداث.
فهو يتأمل وينقل سردا ما يلحظه : الأثاث يُضفي جوا من الألفة على المكان ، وينعكس ذلك على البطلة ، فينقله لنا السارد العليم ،إذ إنه يستخدم تقنية السرد لوصف المحيط من خلال زاوية الرؤية أو الموقع ،وأحيانا لاستبطان ذوات الشخصيات ،فهو يعلم ما ظهر منها وما بطن ” كان التأرجح المستمر في أفكارها، والكثير من تساؤلاتها بقيت حائرة تطفو على وحل الندم يعيدها مرة أخرى إليه..”خلفاوي (2004)ص1 وكما يُظهر السرد قلق البطلة وحيرتها ،ينقل ما يتوارد في ذهن الأم وأحاسيسها من خلال السارد العليم بنفسية كل الشخصيات ” أحست أن شيئا داخلها يترنح ،وفزعا خفيا يستيقظ ،وأدركت أن أمرا خطيرا وشيك الوقوع ، فيسلبها الدعة والطمأنينة ، فتثلج أطرافها من هذه الفكرة ، تشبثت بيد ابنتها لتوحي لنفسها أنها لازالت على قيد الحياة .استمعت الأم إلى حديث الطبيب بوهن بارد ، فقد شعرت بوطأة الموت يتدفق داخلها “خلفاوي( 2004)ص4 ، نلحظ هنا مدى علم السارد وإحاطته بكل ما يخص شخصياته ، حتى تلك التي تترجم الأعماق ودهاليز النفس التى لا يدركها أحيانا الإنسان عن نفسه .
ويظل السارد قريبا من البطلة التي يعلم تفاصيل حياتها ،ويحكيها لنا فتتضح صورة معاناتها ،وينتقل بنا من السرد إلى الحوار ،لتظهر صورة الشخصيات ،ويطل بين الفينة والأخرى ،يفصّل حدثًا ،أو مشهدًا ،ثم يعود إلى الحوار ،فهو بذلك يبتعد عنها ويخفت صوته ، لتعلو أصواتها ” فكلما ازداد الراوي اقترابا من الشخصيات وصغرت المسافة التي تفصل بينه وبينها خفت صوت الراوي وانكمشت صورته حتى يصير في النهاية واحدا منها،وحينئذ يبرز أسلوب العرض المعتمد على الحوار” الكردي (1996 )ص83 كما في هذا الحوار :
“ماذا حدث ؟
لا أستطيع الذهاب إلى العمل ،سأبقى مع أطفالي .
آه حقا نسيت .
لماذا تركتها تذهب ؟
كان يجب أن أفعل ذلك ،لقد قررت طلاقها “.خلفاوي (2004)ص17
وإذا ما ابتعد السارد عن الشخصيات واقترب من المؤلف ” تضخمت صورته وارتفع صوته،وظهر الأسلوب السردي البسيط المعتمد على أسلوب التقارير أو الأسلوب غير المباشر ” الكردي()ص83 ، وهو ما نلمحه في فضاء الرواية :
” أمضت معظم اليوم التالي بتنظيف البيت .أزالت الستائر وفتحت الشبابيك على مصراعيها ،غمر ضياء الشمس الصالة وبقية الغرف في الطابق السفلي ،مضت مبهورة بالضوء والنسمات الباردة التي تنبئ بقدوم الشتاء مبكرا هذه السنة، بينما ظلت سمية راقدة بغرفتها … “خلفاوي (2004)ص11 ، ويمضي السارد في سرده حوالى تسعة أسطر ثم يعود للمراوحة بين السرد والحوار في أسلوب حر مباشر ، محافظا على ذات المسافة بين السرد والحوار، يظهر مدى قربه من الشخصيات : “وجدت ناهد صعوبة تصديق ما ترى ،وغمغمت بغضب متفجر:
“- فوق مصابنا مصيبة أخرى ؟
نزلت سمية من السلم ،تأملت بعينيها المنفوضتين من النوم ناهد المنهمكة بالتنظيف.
– لماذا لم توقظيني كي أساعدك “خلفاوي (2004) ص12
نجد مما سبق أن السارد يسرد لنا أفعال الشخصيات ،وينقل تحركاتها ، وسلوكياتها وهي قليلة الفعل بسبب فقر الأحداث ،إذا استثنينا ما هو متعلق بالبطلة ناهد التي يقع عليها عبء الرواية .
رابعًا تقنيات السرد :
1) زاوية الرؤية :
يستخدم السارد ضمير الغائب المؤنث ،وهي الطريقة السردية المسماة الأسلوب الحر غير المباشر ،حيث يعرض إحساس ناهد وما يدور في خلدها ،من رسم لخطة مستقبلها ، إذاً فهو منذ البدء على دراية بكل شيء ،حتى مكامن النفس ، فقد جاءنا بالنهاية لينتقل إلى البداية : “تطلعت في أرجاء الغرفة ، ليس سوى الصمت يحط بثقله…” خلفاوي(2004 )ص1،وشيئا فشيئا تتضح معالم المعاناة سردا من خلاله ، فكلما زادت التفاصيل وكثرت المعارف ازدادت المشاهد مأساوية ، فالحيرة تأكل ناهد وهنا يتدخل السارد ليوضح سببها بقوله ” لقد مضى شهران لم تره فيهما …” خلفاوي(2004)ص1.
فهو قادر على التنقل بين الأزمنة والأمكنة ،ومعرفة ما بالداخل و الخارج ، كما أنه عليم بمكامن النفوس ،أحزانها وأفراحها إلى أعمق نقطة فيها العزي (2010)ص158-159 فهو المسيطر الدائم و الوحيد على الأحداث ،فلا منافس له بين شخصيات الرواية .
2) أشكال حضور السارد :
يتمظهر السارد في عدة أشكال في رواية ” سأمضي ” فنجده في علامات السرد وفي نقل الحوار ، وفي التعليق بين الجمل الحوارية ،وأحيانا أخر يتماهى والشخصيات ؛على ذلك سنفاتش الرواية عن توظيف تلك التقنيات فيها .
علامات السرد :
يتكرر في الرواية وضع النقطتين (..) بين الجمل في تعليق السارد أو الحوار ، لأخذ مكان الفاصلة ،حيث ينتهي تنفس جملة ،لتبدأ جملة أخرى “أما الآن أود لو أنه يتوقف .. فإني أشعر بثيابي مبلولة حتى جلدي المقشعر تحتها .. نسيت أن أجيء بالمظلة .. “خلفاوي (2004)ص15 ، كذلك يستخدمها للتمييز بين الحوار وكلام السارد ” أنارت المصباح ،وسحبت الستارة عن الشباك،وعادت إلى ابنتها التي بدت أنها توشك أن تصاب بانهيار عصبي ، وقد أحنت رأسها متدليا بين كتفيها ..
– لا شيء يستحق أن تحزني من أجله ..
– كيف ؟
– انتبهي لأطفالك .”خلفاوي (2004 )ص1
في الحوار السابق يظهر الراوي جليا ،يَمْثل أمامنا في توضيحه حالة البطلة ثم يختفي في الحوار لنراه في إشارة الاستفهام في أكثر من مكان ” لازلت تشعرين بألم في صدرك ؟”خلفاوي (2004)ص8 و تكون مصحوبة بعلامة التعجب أحيانا ” ألم يكن يحبك ؟! ” خلفاوي (2004) ص9 “هذا رأيك ؟!” خلفاوي( 2004) ، وأحيانا أخر يتعجب دون علامة استفهام ” – فكرة جميلة .
– فكرة !! لا إنها قرار .” خلفاوي (2004 )ص4
كما نجده في وضع القوسين عندما يتدخل في الحوار موضحا ومفسرا “… – ما هو أسوأ ((وقبل أن يعطيها الورقة التي دون فيها الدواء )) استمر بنفس صوته .
– يجب أن تعتني بها جيدا ..) خلفاوي (2004 ) ص4
فنجد أن الحدود الشكلية قد ضعفت ، باستغناء السارد عن فعل القول ، فيتم المرور من خطاب السارد إلى الشخصية مباشرة بلا وسائط ، وما يميز الخطابين : المزدوجان أو الضمير النحوي.
“أزيحت الستارة ، فرأت الكهل بثوبه البني وهو يشكر الممرضة
– أنا أخت محمد
حركت رأسها كأنها لم تسمع ما تفوهت به
– أخت محمد عبد الرحيم .. زوج سمية
– نعم
– إنك جميلة
ابتسمت واضعة طفلتها على الأرض
– شكراً ” خلفاوي (2004)ص22 نلحظ انتقال السارد من سرده إلى الحوار بدون استخدام أي من الوسائط ، في بدايته ونهايته وهو على هذا النمط تقريبا في أغلب الرواية .
إذاً يبرز السارد بالأسلوب المباشر، وهو يسرد لنا أحوال الشخصيات ،أو بأسلوب غير مباشر، متمثلا في علامات الترقيم ،التي وجدت لتزويد القارئ بمعرفة أكثر بالأحداث وهي من وظائفه ،وجميعها وسائط لنقل الكلام المقول إلى الكلام المكتوب .
ب- الضمير :
يحيلنا الضمير لوجود السارد ، وضمير الغائب الذي ساد الرواية يوجهنا إلى راوٍ متخفٍ ” وكل نص مروي بضمير الغائب يبدأ بجملة مضمرة يمكن تقديرها أنا الراوي أقص عليكم حكاية …” العمامي(2001 )ص26 وفي هذه الرواية يستند المنظور السردي إلى الرؤية من الخلف ،أو المنظور السردي من درجة الصفر، والرؤية المطلقة في المعرفة ، وهي تعني معرفة السارد لكل ما هو خارجي وما هو داخلي نفسي: ” لم تكن تعلم أنه يحمل ضغينة على أحد.. لكنه فاجأها .. أرادت أن تقول له: هذا حسد عيشة ..خافت أن تطور الأمر معه .. فآثرت أن لا تتحدث معه بهذا الموضوع .. لم يعد البخار يتصاعد من قدح الشاي ..أمسكت رأسها بكلتي يديها وقد تحسست صداعا ،إنّ شرب الشاي بالنسبة لها إدمان .. عادة بأوقات معينة إذا فات موعدها لازمها الوجع اللعين .. لم تشأ شربه باردا لأنه يزيد من حموضة معدتها ..فحملته إلى المغسلة ورمته هناك …” خلفاوي (2004) ص13 لو تأملنا في حجم المعلومات التي زودنا بها السارد لعلمنا مدى قربه من شخصيات الرواية ، فهو العليم بدواخلها وكذلك محيطها وما تحمله من حزن وفرح ،فيكون بذلك راويا ذا رؤية مهيمنة لسبر أغوار المكنون ، وإدراك المجهول ، ونجد ذلك جليا في أكثر من موضع بالرواية ” كانت الأمور تسير هادئة ،بعد أن تدع أطفالها عند مربيتهم ،تذهب عجلى إلى عملها متدثرة في بلوز صوفي أو أكثر ، وعيناها تبدوان رطبتين من تيارات الهواء المثلجة ، في مثل هذه الأشهر من السنة ،يزداد العمل في المكتبات لقرب انتهاء السنة المالية ، فتكون مشغولة في عملها طوال الوقت حتى في فترات الراحة ،بين الدوامين لأن الكثير من العملاء يترددون عليهم باستمرار …” خلفاوي (2004)ص18 ، فهو على دراية تامة بكل ما يجري حول البطلة ناهد وليس هذا فحسب ،بل هو عليم بما تنطوي عليه نفسها وما يجول في أعماقها “…كانت تشعر بارتياح لقسمات وجهه المؤنسة ، لكنها أبدا لم تسمح لهذا الارتياح أن يتطور إلى مرونة في العلاقة معه،كان دأبه أن يُسمعها كلمات حلوة ، وهي تبقى بعبوسها المعبر عن صدودها ” خلفاوي(2004 )ص18 فهو يستبطن دواخلها ويكشف عما بنفسها تجاه ذلك الشاب .
فهذا النوع من الرواة “هو مجرد ناقل للأحداث ،ومحلل لها، يشبه العالم الموضوعي المتجرد من العواطف والميول ” الكردي (1996)ص115 دائما ذو رؤية محايدة يرصد ويصف الظواهر ، فما هو إلا وسيط ينقل الأحداث وحركة الشخوص ،وحواراتهم وأفكارهم ، دون تدخل منه فيها، إلا أنه في كثير من الأحيان يؤطر الحوار ، فينهض به ولا يتركه للشخصية وحدها، فلو تأملنا أحد الحوارات الدائرة في الرواية،لوجدنا تدخلات عدة ظاهرة للسارد: “انحرف بنصف جسده العلوي باتجاه أبي عمار :
– هل أكملتم هذه الحسابات ؟
– نعم ، ومضى عليها أسبوع .
واستطرد أبو عماريطلب من ناهد :
– عفوا سيدة ناهد ..اعطه حسابات شركتهم التي انتهينا منها الأسبوع الماضي .
مضت إلى مكتبها ،وتابعها الزبون بنظراته ،ونهض من مكانه متحركا باتجاهها :
– حضرتك سيدة ؟
– نعم .. هل هناك شيء غريب ؟ خلفاوي (2004) ص24
نلحظ في الحوار السابق تدخل السارد لتأطيره وتوضيحه ، وإذا ما صمتَ فإنه ليتيح للشخصيات فضاء للتعريف عن نفسها وما تريد إيصاله للمتلقي .
يقوم أيضا السارد بالنهوض بأعباء كل الشخصيات ، من أقوال وأفعال بل وأفكار أيضا :
فعندما يقول(جلستْ )فهو إنما يشير إلى فعل الجلوس ،ويفسر سبب سحب البطلة لتنورتها ” فتبدو أكثر احتشاما ” خلفاوي(2004) ص6 وأيضا يقرأ أعماقها “راودها شعور بالخجل ، فطفت على وجنتيها حمرة مشرقة ” خلفاوي (2004) ص6 ولا يكتفي بسبر أعماق البطلة بل يصف شعور المحاور المتداخل مع وصف شعور البطلة ” لم يدعها أسيرة الاضطراب حين تهدج بنبرات… ” خلفاوي (2004)ص6 فيعود لوصف مشاعر البطلة تجاه كلمات رب العمل “شعرت بها أليفة توحي بثقة أبوية ، تسيل مدهشة في مرفأ سكينتها ” خلفاوي(2004)ص 6، فالتناوب في نقل ما يدور في أعماق جميع الشخصيات ، يُظهر لنا موقع السارد ، الذي لا تخفى عليه خافية في الرواية ؛ ومن اللافت أن يتماهى السارد مع الشخصيات أحيانا بحسب الأحداث ، فلا نستطيع التمييز بينهما ،حتى إنّا نعتقد أن الشخصية التي أمامنا هي ذاتها السارد ، فيتحول الخطاب من ضمير الغائب إلى المتكلم “فتحتْ الباب ،رشقتها الريح الباردة ،فأحست بخياشيمها مبتلة ..استولى عليها تفكير حالم وهي تمضي تحت وابل المطر ،عندما أكون في البيت أحلم دائما بالمطر يسيح على زجاج النافذة ،يبلل حشائش الحديقة ، ويغسل طابوق الجدار …” خلفاوي (2004)ص15 وهكذا يستمر الحديث المستبطن من البطلة حوالى خمسة أسطر ، فيتوه القارئ بينهما.
4) لغة السار د :
جاءت لغة السارد متأنقة فصيحة ، كثيرا ما يلجأ إلى الأساليب البلاغية في إيصال ما يريده حول الشخصيات ، والأحداث ،والزمن ، والمكان ،فنجد التشبيه والاستعارة والمجاز ، مما يكسب العمل الأدبي رونقا خاصا ، فلو تأملنا وصفه لحزن البطلة لوجدنا كلمات غاية في الشعرية “أوحى لها الأثاث برائحة الألفة تأتي من دهليز روحها ، ليتسرب مع لون المساء الزاحف من الشباك …” خلفاوي (2004)ص1 فرائحة الأثاث تُشعر البطلة بالألفة الكامنة في عمق الذاكرة ، وهنا يستخدم الكاتب الاستعارة والمجاز ، فيجعل الروح مكانا يحوي دهاليز، ويجسّم لون السماء ، الذي يزحف من الشباك ؛ وتنثال الصور المجازية في تسارع عجيب مع عمق الأسى والحزن لدى البطلة “تهاوى كل شيء فيها ،وتساقط نثارا ، عاصفة قوية اقتلعت الخضرة ، رمت بالضحكات والضجيج ،بالنفاق والكذب ،والصدق بالحقيقة والوهم ، لم تعد سوى صحراء قاحلة تذر الرمل ، وتدفع بريح سموم ،مضت إلى آخر تحرق المسرة ،وتنشر الكآبة في دروبها ، وتلاشت الأضواء ،هدرت ناهد مثل ماكنة تطحن ، وأفاقت ، السواد يغطي الحجرات ، عيون دامعة ، وعيون كئيبة ” خلفاوي (2004)ص10 ، بإمكاننا نلحظ توظيف الكلمات السالبة أفعالًا وأسماء ، إمعانا في خلق جو موبوء بالحزن ، يعكس تلك الحالة التي تعيشها البطلة ، فلو حصرناها في الفقرة السابقة المقتبسة من الرواية لوجدنا التالي :
الأسماء الأفعال
الضجيج تهاوى
النفاق تساقط
الكذب اقتلعت
الوهم رمتْ
صحراء قاحلة تحرق
ريح سموم تلاشت
الكآبة – كئيبة هدرت
السواد
دامعة
اجتمعت سبعة أفعال في ستة أسطر لها دلالة سلبية ،وتسعة أسماء تحمل دلالة فوضى المشاعر، وتوهان الذات ،مما ينبئ عن الأجواء المشحونة بالحزن ،كأن روحها بناء يتهاوى ، والحزن عاصفة ،والحياة صحراء قاحلة، ثم شبهها في بكائها بماكنة تطحن ، وأسقط حالتها النفسية على الألوان ، فكان السواد يغطي حجرتها .
نلمس هذه اللغة الشاعرية في كل الرواية،إذ يوظفها في وصف الأحداث فنلحظ هيمنة المجاز على الأحداث العاطفية الحزينة “صوت الريح تدمدم تحت الباب ، وعلى وجنات الشباك ،الملتذ بالقبلات الباردة ،أعاد خيالات جبهتها إلى وعاء الهمس في فضاءات المحبة ، فتطلق عنانها لجذر الهوى المترجرج فيها واحات تنحني إلى الاحتواء ” خلفاوي(2004)ص23 فهو يصف مشاعر البطلة من خلا ل جماليات المجاز التي يسقطها على ما حوله، فيتحول الشباك إلى جسد يلتذ بالقبلات ، والبيوت تستحم ، والنجمة ترفل بالضوء ” أما السماء فاصطبغت بلون قرمزي، ونجمة صغيرة ترفل بضوء شاحب ، واستحمت البيوت بوقت الأصيل ” خلفاوي (2004)ص4، فالتجسيد والتجسيم من تقنيات التعبير عند الروائي.
ومن الأساليب البلاغية التي يوظفها السارد للتمثيل والتصوير( التشبيه ) فنجد التشبيهات متناثرة على صفحات الرواية ،بحسب المعنى المراد إيصاله للمتلقي “أحست بخيبة أمل تهبط على كيانها وتجعلها شبه يائسة…”خلفاوي(2004)ص8، فيشبهها باليائسة بسبب الإحباط الذي يلفها ،ويمثل طريقة التفكير المشبع ألمًا بالمرارة ” لا تفكري بمثل هذه المرارة …”خلفاوي (2004)ص10 وكان يوظفه لتبيان تغير الحال فالمرأة المريضة صارت بأحسن حال ،حتى أن وداعة عينيها تشبه وداعة حمامة بيضاء”…زال هذا الإحساس تدريجيا أمام افترار شفتيها وعينيها الوادعتين مثل حمامة بيضاء ترفرف في سماء صافية” خلفاوي( 2004)ص8 يقابله تشبيه لصخب الموقف “هدرت ناهد مثل ماكنة تطحن ” خلفاوي (2004)ص10 وهي صورة أراد بها السارد إبراز حالة ناهد في حزنها ، ويوظفه للتقبيح أحيانا “بدت برباطها الأسود كائنا خرافيا” خلفاوي (2004)ص6 ونلاحظ أن تلك التشبيهات مستقاة مما يدور على الألسن في البيئة العربية ،وكثيرا ما يلجأ للوصف كي يعطي روايته صبغة الواقعية “كان الهواء البارد ،عندما تمضي الشمس نحو الأفول،ويمتلئ ممر البيت الخارجي وكذلك الحديقة بأوراق السدرة المتيبسة .. في هذا الفصل. ويظهر التغير على لون شجرة الكالبتوس الباسقة في الطرف القصي ،فتبدو داكنة بلون يميل إلى السواد فتركت على الفتاة تأثيرا حزينا عليها ” خلفاوي(2004)ص4 ، وليمعن في الواقعية يصف الأماكن “بعد عبور جسر الأحرار من الكرخ ، تظهر عند جهة اليسار نهاية شارع النهر المطل على نفق يغور تحت هبوط الجسر الذي ينشق عند التقائه بشارع الرشيد إلى ممرات عديدة ،وتبدو منطقة حافظ القاضي بأبنيتها القديمة ، مستديرة بمواجهة زحمة المرور ” خلفاوي (2004)ص6 ويصف الوجوه “لبرهة نظرت ناهد لأمها بود،وتأملتها كأنها تراها لأول مرة بدا وجهها قد هرم تحت مصباح الطريق ، وشحوب باهت يعصر تقاطيعها ، وهي تمشي بانحناءة واضحة ” خلفاوي (2004) ص4 ،ونلحظ أنه في كل الرواية لا يصف الملامح بدقة إنما يقتصر على وصف هيئة الوجه ،أو حالته .
5) البنية الزمنية :
يُعد الزمن العنصر الأساس الذي تُبنى عليه عناصر التشويق في السرد ، ويمنحه شكله الفني ، إذ يُظهر لنا ظروف البيئة ،وتنوع الشخصيات والأحداث.
وزمن الحكاية هو ماض دائما ، إذ لا تُحكى القصة إلا بعد انتهاء أحداثها ، أما زمن السرد فهو الحاضر وقت اطلاعنا عليها العزي (2010 )ص46 ويتناوب الزمن بين الحاضر والماضي والمستقبل في جل الروايات وهو منحى جمالي ،فالقصة الأصل يظهر الزمن فيها مرتبا ، بينما في السرد “يحاول القارئ إعادة ترتيبها وفق النظام الزماني الصحيح “مارتن (1998)martinص141 ، الذي حدثت فيه تقاطعات في السرد الزمني عند استحضار الماضي بقطع الحاضر أو ذكر المستقبل من خلال الحاضر ، وهذا التداخل في الترتيب الزمني يعد من جماليات بنية السرد الروائي .
ولدراسة الزمن تتوافر تقنيات متعددة ،منها الأزمنة الثلاثة : الماضي والحاضر والمستقبل، ثم تقنية الاسترجاع ، والاستباق الذين سنعتمدهما في دراستنا للزمن في هذه الرواية.
الزمن الماضي : “يحدث السرد فقط حين تنتهي الأحداث المروية مسبقا . ولذلك فإن الاختيار التقليدي للزمن هو الزمن الماضي ” فلودرنك (2012)fludernik ص106-107 ، فبانتهاء الحكاية في الواقع يبدأ السرد ،وهنا يبدأ بالفعل الماضي، متمثلا في الفعل (تطلعت) وينطلق منه ليسرد الأحداث من منتصفها ، ممهدا لها باستهلال يتضح فيما بعد أنه يروي نهاية القصة .
يحمل الفعل صيغة الماضي ،ولكنه حاضر في فعل البطلة ،فهي في حالة تطلع عندما بدأ السرد ،وفي استخدامه للفعل الماضي إحاطة بالحاضر والحال الذي هو عليه “تطلعت في أرجاء الغرفة ،ليس سوى الصمت يحط بثقله ..” خلفاوي (2004) ص1 ، ويعبر عن الزمن الماضي من خلال الأفعال الماضية ، أو الأفعال الناقصة الماضية ،والمقاربة وأحيانا أخر يلجأ لتقنية الاسترجاع التي سنعرض لها فيما بعد .
الزمن الحاضر (المضارع ): يلجأ السارد إلى توظيف الزمن المضارع ربما رغبة منه لتأكيد فورية السرد ،و يشير إلى هذا الزمن من خلال الأفعال المضارعة ،والظرف الآن ،وهو “الزمن الوحيد الذي يمكن أن يسمى حاضرا… ” ريكور ()ص28 ففي الحوار التالي يتضح قيمة هذا الظرف في تحديد الزمن الآني “سيتوقف قلبي الآن …لا أستطيع العيش معك بعد الآن …” خلفاوي (2004)ص11-61 كذلك يشير إلى الحاضر باستعماله لاسم الإشارة الذي يحمل الإيحاء بواقعية الأحداث “…آه..فكرة رائعة في هذا الصباح الجميل …” خلفاوي (2004)ص17
ج- المستقبل : لا نستطيع تبين زمن وفصله عن آخر ، فالأزمنة متداخلة في الرواية إلا من إشارات مختلفة ؛ يبرز هذا الزمن من خلال حرف السين الذي يوحي بالدلالة المستقبلية ” سأصعد إلى فوق ،أولا ثم أتناول الشاي بعدها” خلفاوي (2004 ) ص13فالفعل أصعد يحمل زمن الحال ومع اتصاله بالسين تلبسته دلالة المستقبل أيضا،وربما استخدم الظرف بعد قليل “…وبعد قليل يهب ليشتغل حمالا في الشورجة ” خلفاوي (2004)ص13 فالظرف( بعد) مضاف إلى قليل، أوحى بزمنية المستقبل للحدث، والغد أيضا من سِيَم المستقبل .
يضع السارد الماضي والمستقبل في داخل الحاضر عن طريق استحضارهما في الذاكرة والتوقع ريكور()Ricoeurص28 وهما تقنيتان وظفتا في رواية سأمضي وسنستنطقهما، فيها تحت مسمى الاسترجاع والاستباق :
أولا الاسترجاع (الاستذكار ):
يستعيد السارد في اللحظة الراهنة ،أحداثا وقعت في زمن ماض قبل اللحظة الآنية،فتكون المفارقة الزمنية استرجاعا أو استذكارا لحمداني(2000)ص74-75 فالاسترجاع “كل ذكر لاحق لحدث سابق للنقطة التي نحن فيها من القصة ” جينيت (1997 )genet.ص45
جاء الاسترجاع لزمن بسيط ،فالأحداث المسترجعة كانت قليلة ،كأن الشخصيات لا تسْعَد بتذكر الماضي ،فتعيش حاضرها دون أن تعكره بماض لا يجلب إلا الألم والتعاسة ،وربما اكتفاؤهم بتعاسة الحاضر هو ما يلهيهم عن الماضي ،ونلتقط ذلك من خلال محاولة ناهد ابعاد طيف من صور الماضي يلح عليها ” ظلت تتخبط محاولة ابعاد الصور المنثالة وهي تضئ عتمة ذاكرتها”خلفاوي (2004)ص1 وهي تسترجع مشاكلها مع زوجها حتى تتضح معالم معاناتها للقارئ ، فيستخدم السارد ما يدلل على ذلك الماضي ” في الفترة الأخيرة كان يفتعل أي مشكلة ليطردها من البيت ،ولأنها لم تسق شجرة اللبلاب ضربها بعنف …”خلفاوي(2004)ص1 فنجد من خلال الاسترجاع تلخيصا سريعا للأحداث التي ترسم القصة ،ويتركز عادة الاسترجاع بالفعل الماضي ، ويتخذ وسيلة لتفسير بعض الأحداث المستجدة التي هي نتاج لتفاقم تراكمات زمن ماض ، تتفاعل مع استفزاز مشاكل ومعاناة الحاضر “عادت فقاعة الحزن عائمة مع الظلام والليل ينبض في الجوار ..يد زوجها تصفعها مثل الحجر…تعبت وهي تتقلب على جمر ذاكرتها ..” خلفاوي (2004)ص17 فالفعل (عادت )يرجعنا إلى زمن ماضٍ ، حيث زوجها الذي أساء إليها ، ويؤكد على الاسترجاع المؤلم قول السارد (تتقلب على جمر ذاكرتها ) .
ينقسم الاسترجاع في هذه الرواية إلى نوعين : استرجاع قريب المدى واسترجاع بعيد المدى وهو الأقل حضورا فيها .
استرجاع بعيد المدى:
يسرد السارد القصة من منتصفها ،لتسترجع البطلة أحداثا ماضوية، تغوص في الطفولة ، تتصل بالأحداث الراهنة ، وقد جاءت على شكل حوار :
“أتتذكرين عندما كنا صغارا؟
نعم كنتِ شقية.
لا .. حينما تشاجرتِ مع أبي .
متى؟
حين ضربك بنطاقه السميك .
متى هذا ؟!
لا توحين لي بأنك لا تذكرين شيئا،فقد كنا ننظر أنا ومحمد من الشباك ،كنت تعاندين الألم ، عنادك من النوع المستحيل .”خلفاوي (2004)ص8
الخطاب من الابنة لوالدتها في محاولة منها لاسترجاع أحداث مضت واستذكارها فقط لأجل الاسترسال في الحديث ، وإبعاد الأم المريضة عن أجواء التوتر والمرض؛ ولكن من خلاله نستطيع أن نتبين حياة البطلة السابقة والأجواء التي كانت تعيشها ،ونشأتها والتربية التي تلقتها ، فهي صورة لطفولتها مع أخيها ووالدتها ووالدها .
2 ) استرجاع قريب المدى :
يتمثل في استرجاعات البطلة لأحداث لاحقة لزمن الرواية كحدث طلاقها وعلاقتها بزوجها ، حيث نجد السارد يسوقه بطريقة غير متطابقة زمنيا مع ترتيب أحداث الرواية ، ففي ص 1 تسترجع أحداثا من زمن طلاقها : ” أسمعها خبرا أحسته مزعجا ،وأغلق التليفون …”خلفاوي (2004)ص1 ثم تعود في الصفحات التالية لتتحدث عن خصامها مع زوجها قبل طلاقها:
” – اخرجي من بيتي .
– ولكن ..
– قلت اخرجي وسأبعث لك بورقة الطلاق “خلفاوي (2004) ص1
ثم تسترجع في الصفحة التالية ص2 أحداثا من بداية زواجها ، أي مدة زمنية تقارب الخمس سنوات ،نستنتجها من عمر ابنها الأكبر ، وقد جاء الاستذكار نتيجة لكلام أخيها لها :
” بيت أهلك !! تذكرتيه الآن ، كفى مهزلة …” خلفاوي (2004)ص2
الحوار مع أخيها أعاد إلى ذاكرتها أحداث زواجها ،وعدم رضا أهلها بالزوج وموافقتهم لها خوفا من تهورها . خلفاوي (2004)ص2 ويورده السارد لتوضيح بعض الأحداث اللاحقة فيما بعد .
نلحظ من ذلك أن الاسترجاع قريب المدى يكون في أحداث تتعلق بزوجها ومعاملته لها ، ومعاناتها معه التي انتهت بالطلاق .
ثانيا الاستباق (التوقع ):
هو الشكل الثاني من المفارقة الزمنية التي تخرج بالسرد عن خط سيره الطبيعي ،ليخبرنا عن أحداث ستنهض في الرواية لاحقا لحمداني(2004)ص74 وقد يكون الاستباق داخليا وقد يكون خارجيا،وهذه الاستباقات هي إشارات مستقبلية ؛ واللافت في الرواية أنها لم تحتوِ على استباقات كثيرة ، فنقف عند هذا الاستباق مثلا :”كان يجب أن أفعل لقد قررتُ طلاقها .”خلفاوي (2004)ص17 الاستباق في هذه الجملة الحوارية ظاهر ، فمحمد أخو ناهد قد استشعر الفشل في حياته الزوجية ، لذلك قرر شيئا ينهي به سبب الفشل مستقبلا ،وهو هنا استباق داخلي لأنه يتعلق بشخصيات أساسية في الرواية ومتصلة بأحداثها ،وهو في ذات الوقت استباق خادع، ذلك أن محمدا لم يطلق زوجته ،ونفهم ذلك من حوار الأخوين :
“- سوف لن تطلق سمية ؟
– كيف تعرفين كل ذلك ؟
شعرتْ بوهج المدفأة على وجنتيها المكتظتين
– يعني صحيح ؟
نعم ” خلفاوي (2004) ص21
إنه استباق ساكن أيضا ،إذ أن الأخ أبلغ أخته عن قراره طلاق زوجته ، ولكن هذا القرار لم ينفذ ،فهو خادع ؛ وفي ذات الوقت توقعت الأخت أن يطلق أخوها زوجته ،لكنه لم يفعل ، بل استبقاها في بيت أهلها ،حتى يغري أخته بالزواج من كهل تقدم لها ؛هنا يكون الاستباق ساكنا لأنه لم يتحقق .
ونجد استباقا متحركا في هذا المقطع :
“أحست أن شيئا داخلها يترنح ،وفزعا خفيا يستيقظ ، وأدركت أن أمرا خطيرا وشيك الوقوع ،فيسلبها الدعة والطمأنينة ،فتثلج أطرافها من هذه الفكرة ، تشبثت بيد ابنتها لتوحي لنفسها أنها لازالت على قيد الحياة ،استمعت إلى حديث الطبيب بوهن بارد ،فقد شعرت بوطأة الموت يتدفق داخلها ” خلفاوي) 2004) ص4 فقد شعرت الأم بدنو أجلها، فاستبقت بهذا الشعور الأحداث التي تحققت بالفعل (بعد خمس صفحات ص 9) حيث توفيت الأم ، وهذا الاستباق يسمى بالاستباق التقريري ، “الذي يعلن بشكل صريح عما سيقع من الأحداث في وقت لاحق من زمن القصة ” العزي (2010) ص73 فالسارد يعلن على لسان المرأة عما سيقع لاحقا ، وقد تحقق ، فالمرأة أحست من خلال وطأة المرض عليها بدنو أجلها ،وتحقق ما استشعرته .
الفضاء الروائي :
يُعد مصطلح الفضاء أكثر شمولا من مصطلح المكان ،فالفضاء الروائي يطلق على كل الأمكنة المذكورة في الرواية، بينما المكان الروائي ينحصر في دلالته على المكان داخلها سواء أكان مكانا واحدا أم أمكنة عدة الفيصل ()ص71 والواضح أن المكان في الرواية قيد الدراسة محدود ، إذ أن الأماكن المغلقة قليلة مع ضيقها ، وكذلك الأماكن المفتوحة ، فالسارد لم يوسع من دائرة المكان بالوصف والتقديم ،أو بتنوع أماكن الأحداث ، ونستطيع من خلال ذلك أن نقسم هذا الفضاء إلى نوعين : الأماكن المنغلقة ثم الأماكن المفتوحة
أولا الأماكن المنغلقة :
إن الأماكن المنغلقة لها النصيب الأوفر في الرواية ،حيث بدأت بذكر للمكان المنغلق “تطلعت في أرجاء الغرفة …”خلفاوي (2004)ص1 فالغرفة هي المسرح الأول للأحداث ، يصفها السارد بأن السكون يحيط بها ،وهو لا يصف الغرفة بل يصف الحالة الشعورية للبطلة، تنعكس على المكان ثم يتجه لوصف الأثاث كي يعطي انطباعا مأساويا عليها ، ومن الغرفة يدور الحوار حول البيت وأهمية الحفاظ على سمعته ،وهذا البيت وما فيه من حمّام وسلم وحديقة وممر ومطبخ كلها أماكن مغلقة في حياة البطلة ، لتنتقل إلى مكان منفتح وهو الشارع الذي يؤدي إلى مكان منغلق آخر وهو مقر عملها .
ورد ذكر البيت مسرح الأحداث عدة مرات في أحداث مختلفة ،فهو بؤرة أحداث القصة المكانية ،ودائما يكون الانطلاق منه والعودة إليه ، وهو مألوف للشخصيات الرئيسة في الرواية ،ويمثل الملجأ والملاذ ومكان الاستقرار والأمان ،فهو المكان الأصل ، منه انطلقت البطلة في الحياة ، إلى المكان الخارجي الآخر ،المتمثل في بيت الزوجية ، الذي لم يمنحها الأمان والاستقرار المطلوبين فعادت إلى مكان الأصل ، مسقط رأسها .
نلاحظ أن البيوت المذكورة في الرواية قليلة ، فمن بيت الزوجية للبطلة إلى بيت الجارة ، ولم يقف عندهما السارد ، ثم إلى بيت أبيها الذي كان مدار أحداث الرواية فيه ،ويذكر عرضا بيت والدة سمية زوجة أخيها .
ويلفتنا أنه في بيت والد ناهد كان يكثر من الوقوف في الحديقة و المطبخ، ونادرا ما يتطرق إلى بقية حجرات البيت ، فهو يذكر غرفة نوم محمد في سياق الأحداث ، وحجرة نوم ناهد عندما مرضت ابنتها ، دون تفاصيل .
يظهر لنا ضيق البيت ،وضعف الحالة المادية من خلال وصف السارد له وللأثاث به،وإن كان لا ينقصه البعد الجمالي المتمثل في الحديقة ، والخزانة وما فيها من أوانٍ .
ذلك بخصوص أمكنة الإقامة الاختيارية ، أما الإقامة الإجبارية فتتمثل في السجن ، وهو نقطة انتقال من الخارج إلى الداخل ، ولم يفصّل السارد في السجن بل جاء في سياق الأخبار عن محمد الذي أودع فيه ، ويحمل هذا المكان دلائلية الاضطهاد ، حيث يكون السجين عاجزا يائسا.
لم يهتم السارد بوصف محتويات الأمكنة ، بل كان يكتفي بالإشارة إلى بعض الأشياء فيها ، فحينما يتجه لحدث في البيت يشير إلى بعض قطع الأثاث “اتكأت على الخزانة الجاثمة في طرف الصالة محاذية الشباك الواسع المشرف على الباحة “خلفاوي (2004)ص3 يحفز القارئ وقدراته التخييلية على استكمال التأثيث ،وقد تُنبئنا قلة الأثاث الموصوف في البيت على الحالة المادية لهذه العائلة “كان صمتا حزينا يغلف البيت وبرودة تسري في الممر المطل على الصالة وفراغ يسبح على الأثاث،لازالت سجادة الصلاة تقبع منزوية فوق خزانة أواني الفرفوري .” خلفاوي (2004)ص7 ويبدو أن لهذه الخزانة مكانة لدى السارد ، حتى صارت مَعْلَما للبيت ،ورمزا لأصالة المكان ،إذ يتكرر ذكرها أكثر من مرة ، فالأم تتكئ عليها حين يداهمها الحزن، والسجادة توضع عليها ،وناهد تبكي أمها بجانبها “لم يكن ثمة صوت يسمع سوى دقات الساعة ونشيج مكتوم لناهد الجالسة في مكان أمها ، بجانب خزانة أواني الفرفوري “خلفاوي (2004)ص10 كما نجد وصفا لفوضى المكان يشي بحالة مَنْ به، فكثيرا ما يسهم المكان “في خلق المعنى داخل الرواية ولا يكون دائما تابعا أو سلبيا بل إنه أحيانا يمكن للروائي أن يحول عنصر المكان إلى أداة للتعبير …”لحمداني (2000)ص70 ففوضى المكان تعبر عن معاناة أصحابه “بكت سمية وهي جالسة على الأرض،ومحتويات الخزانة رميت بفوضى في كل مكان ،استراح أخوها على حافة السرير،وصوت تنفسه يسمع في أرجاء الغرفة المبعثرة بالأثاث ،وضعت طفلتها على الحشية المقلوبة ،جوار خالها ،وأتت بحاوية لتلم أواني الفرفوري المهشمة .”خلفاوي (2004)ص9 المكان هنا منغلق أيضا وهو غرفة النوم وقد دبت فيه الفوضى ببعثرة أثاثه المكون من الخزانة ومحتوياتها من أواني الفرفوري وسرير وحَشِيَّتِه ،وقطع أثاث أخرى لم يُفصح عنها السارد ، ربما تركها لخيال القارئ ؛ واللافت أن السارد ألح على وجود الخزانة وقد ذكرها في كل مرة يذكر بها البيت في كل أحواله، وليست خزانة غرف البيت فقط ،بل المطبخ أيضا ، لتتحول الخزانة إلى خزينة في نهاية الرواية فتنقلب من قطعة تزيينية ذات فائدة ،إلى قطعة مترفة تحمل الخطورة ،فقد كانت سببا في سجن محمد : ” – إنه الآن في السجن ..لكن كيف حصل هذا يا إلهي؟
ـ اليوم عندما جردوا الخزينة وجدوا فيها نقصا كبيرا …”خلفاوي (2004)ص23 انتقل محمد من البيت ،المكان المنغلق الآمن ،والعمل الباعث على الراحة ،إلى مكان أشد انغلاقا ويحمل البؤس والشقاء وهو السجن .
وإذا بحثنا عن مكان منغلق آخر بعيدا عن البيت ،فسنجد أمامنا مكان عمل ناهد الذي نقل إلينا السارد شكله العام مع تعتيم الصورة الدقيقة له “نظرت إلى الفراغ الحلزوني الصاعد بين السلالم الغافية في هذه الإضاءة المعتمة،مختلطة برائحة عفنة ،كان الضوء منتشرا في أرجاء المكتب وأشعة الشمس تكتسح المناضد والرفوف وتُلقي ضوءا آخر عند الباب الموارب ، فبانت السجلات وأكداس الأوراق بدون ترتيب واضح ،جلس خلف إحدى المناضد الموضوعة قرب الشباك محاسب عجوز ..”خلفاوي (2004)ص6 إنه مكان ضيق يسهل فيه رصد العلاقات بين من يحويه ،وقد أغفل العديد من القطع التي تؤثث المكاتب عادة واكتفى بذكر ما سيكون له علاقة مباشرة بشخصية البطلة ناهد .
ذكر السارد أمكنة منغلقة أخرى، ولكن ليس لها قيمة من حيث إدارة الأحداث فهي هامشية ،وقد ذكرت لتوسيع دائرة الحدث ،كالمستشفى والصيدلية وبيت أم سمية وحضانة الأطفال ،وربما تكون أهمية هذه الأمكنة الهامشية في تكوين صورة الفضاء الروائي الذي يسع كل الرواية منذ الحدث الأول حتى النهاية.
ثانيا الأماكن المفتوحة :
ينطلق السارد من الأماكن المنغلقة إلى المفتوحة ،حيث الشارع والحدائق والمنتزهات ، ولا نلحظ كبير اهتمام منه للأمكنة المفتوحة كما المنغلقة ، فهو يقدم المكان المفتوح بعد خروجه إليه من المكان المنغلق ويكون أول وصف له عندما خرجت ناهد مع أخيها في اليوم الأول لعملها “بعد عبور جسر الأحرار من الكرخ تظهر عند جهة اليسار نهاية شارع النهر المطل على نفق يغور تحت هبوط الجسر الذي يشق عند التقائه بشارع الرشيد إلى ممرات عديدة ، وتبدو منطقة حافظ القاضي بأبنيتها القديمة مستديرة بمواجهة زحمة المرور، استسلمت ناهد لهذا المنظر وهي تترجل من واسطة النقل …”خلفاوي (2004)ص6 ينقل السارد شكل المكان المفتوح من مكان مغلق ” واسطة النقل ” وهو في وصفه له يخلق الامتداد المكاني في ذهن القارئ ، ويربط بين مكانين منغلقين بعيدين عن بعضهما ( البيت والعمل )فناهد تخرج من مكان منغلق ( البيت ) إلى آخر منغلق ( العمل ) بواسطة منغلقة (سيارة نقل ) عبر مكان مفتوح ( الشارع ) وما فيه من سيارات وأناس مختلفين وربما منتزهات وحدائق ومبان كثيرة .
تلك الصورة التي قدمها لنا السارد عن المكان لاشك أنها بصرية ،المراد منها وعي القارئ بالمحيط العام للمكان .
رافق وصف الشارع ناهد مرات أخر، فهو يمثل وسيلة مهمة لربط الإنسان بالحياة ، وكأن خروجها من البيت أو العمل، هو خروج لمصافحة الحياة والانطلاق نحو أفق أرحب .
وتعد الحديقة مكانا مفتوحا آخر ، وهي في هذه الرواية حديقة البيت على صغر حجمها ، ترمز إلى انفلات الإنسان من سطوة ما حوله ، فالسارد أحيانا يربط بين المكان المنغلق ( البيت ) و(حديقته ) “عندما تجلسان في الصالة على الحديقة المزروعة بورد الرازقي ،وثمة شجرة زيتون ونباتات متسلقة تستدير صاعدة إلى الأعلى شتلت حديثا ،قرب الممر تدلت المروحة من السقف تدور بهدوء …”خلفاوي (2004)ص3 فالبيت والحديقة متداخلان حسب السارد فهي المتنفس بنباتاتها وهوائها المفتوح على السماء ، واللافت أنه يذكر الحديقة كلما كانت نفسية الشخوص حزينة، أو في طريقها للحزن ، وكأنها مثوى الأحزان ، خاصة وهو يصف شجرة الكالبتوس وانعكاس حالتها على الشخصيات “عندما تمضي الشمس نحو الأفول ، ويمتلئ ممر البيت الخارجي وكذلك الحديقة ، بأوراق السدرة المتيبسة ويظهر التغير على شجرة الكالبتوس الباسقة في الطرف القصي ، فتبدو داكنة بلون يميل إلى السواد ،فتركت تأثيرا حزينا على الفتاة ..”خلفاوي (2004)ص4 وبعض الأماكن المفتوحة تؤدي إلى الموت”كان الباب الموارب في نهاية الممر يطل على فسحة واسعة ،زرعت بشجرة الكالبتوس ، وثمة غرفة صغيرة طليت بلون أبيض ، قبعت وحيدة بين الأشجار ،نظرت ناهد إلى لوحة صغيرة خط عليها ( غرفة الموتى ) “خلفاوي (2004 )ص9 هذه الغرفة أيضا مكان منغلق ، كئيب يستدعي لدينا أفكارا حزينة مؤلمة، ربما ممزوجة بشئ من الخوف .
ويربط السارد بين المكان المفتوح وذكريات الماضي “كانت تستمر في الجلوس لساعات طويلة ، تحدق في الحديقة الصغيرة التي تحبها أمها،فقد كانت تعتني بها كثيرا ، وتزيل العشب الذي مافتئ يظهر كل مرة …”خلفاوي (2004)ص11 فالحديقة مبعث للحزن ،لأنها منفتحة على الماضي المشبع بالألم، ونجد هنا الربط بين الزمن والمكان ، فالأم صاحبة الحديقة بموتها صارت ترمز للزمن الماضي ،والحديقة مكانا ينبعث من الحاضر .
لم يوغل السارد في وصف الأمكنة ،بل أوجز ، واكتفى باختراق الشخوص لها ،وأمدها بالحيوية لإبعادها عن نمطية الجمود ببث الحركة فيها، فكانت من عوامل فهم الشخصيات والأحداث بها ، فضلا عن جعله المكان (البيت) لتجمع العائلة ،ومن ثم الانطلاق منه إلى بقية الأمكنة المفتوحة والمنغلقة .
ولنا أن نلخص الأماكن التي ذكرها السارد ودورها في الرواية :
المكان المنغلق المكان المفتوح
1- البيت : وفيه ذكر لثلاثة بيوت / بيت والد ناهد/بيت ناهد / بيت والدة سمية الحديقة : حديقة بيت والد ناهد / حديقة بيت جارة ناهد /
2- مكان عمل ناهد الشارع
3- السيارة / الحافلة المقبرة
4- المستشفى
5- الصيدلية
6- السجن
7- الحضانة
من ذلك نخلص إلى أن المكان المنغلق أكثر حضورًا في الرواية ، مما يدلل على أن الحياة تدور في فلك الانغلاق ، والانفتاح عابر،وأماكنه أقل من عدد أصابع اليد الواحدة ، كما نرى أن علاقة وثقى تربط بين المكان والزمن فبيت أهل ناهد يربط بين الماضي حيث ذكريات الطفولة ، والحاضر حيث حياتها بعد طلاقها ، ويمثل بيت الزوجية الماضي بما يحمله من فرح ومعاناة أما مكان العمل فهو الحاضر والمستقبل ، ويمثل السجن حاضر أخيها الأليم ومستقبله المغيم ،وتأتي بقية الأمكنة هامشية الوقع ، يتمحوردورها في ربط الأحداث والأمكنة ببعضها.






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,753,424
- سيد منيهل
- لقاء عبده حقي لموقع الكتاب المغاربة مع الكاتب صالح جبار خلفا ...
- عبد الرحمن
- صلح الامام الحسن ومعاوية قراءة معاصرة
- شذرات
- القاضي حسين الموسوي ومذابح الارمن
- الامام الحسين ويزيد بن معاوية قراءة معاصرة
- خديجة بوغودوم
- نصوص
- امكنة
- الموشور
- درس خصوصي
- استمارة الروائي
- أي زاوية
- قراءة في رواية توما هوك
- مستوعب المراسي
- رواية توما هوك
- السيرة الذاتية للروائي صالح جبار خلفاوي
- البحث عن ملاذ
- نصف فم


المزيد.....




- أقدم لؤلؤة في العالم تُكتشف في أبو ظبي
- #كلن_يعني_كلن: لبنان ينتفض على وقع الموسيقى والرقص
- ضحايا وثوار ومضطربون.. لماذا نحب أشرار السينما؟
- -القراءة الحرام-.. غضب الكتّاب بسبب تجارة الكتب المزورة
- السينما المصرية والعدو الأول
- وفاة الفنان السعودي طلال الحربي بعد تعرضه لحادث أليم
- برلماني يجمد عضويته في حزب الميزان.. لهذا السبب
- اختفاء ممثل فائز بجائزة سينمائية فرنسية
- حياة صاخبة ومركز للقضاء.. غزة قبل الاحتلال في سجل وثائق نادر ...
- قيادات من الشبيبة الاستقلالية غاضبة بسبب -الاقصاء-


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صالح جبار خلفاوي - رواية سامضي مع دراسة نقدية اكاديمية عنها