أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين المصري - هل (دحية الكلبي) هو (جبريل محمد)؟!















المزيد.....


هل (دحية الكلبي) هو (جبريل محمد)؟!


ياسين المصري

الحوار المتمدن-العدد: 5924 - 2018 / 7 / 5 - 18:55
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


من الواضح والثابت في التاريخ الإسلاموي منذ بدايته أن ضرورة التلفيق والتزوير والكذب اقتضت التعتيم المتعمد مع سبق الإصرار على جميع الشخصيات الفاعلة والتي لعبت دورًا مؤثرًا في نشأة الديانة حتى لا تنكشف هذه الديانة على حقيقتها الصادمة لمن يؤمنوا بها، مما جعل العاملين على شؤونها والمرتزقين من ورائها يلجأون إلى الاستمرار في الكذب والتدليس والمراوغة والخداع واختلاق أحاديث العنعنة المملة عن النبي المزعوم، ومن تلك الشخصيات الغامضة والمحيِّرة، شخصية تدعى (دحية بن خليفة الكلبي)، لا أحد يعرف من هو؟، وما سبب اختلائه بالنبي المدعو (محمد) لفترات طويلة، وماذا كان يفعل معه، ولماذا كان يدخل عليه دون استئذان على العكس من جميع الصحابة المقربين؟ وهل كان له دور مؤثر في الإسلاموية المبكرة؟
وهل كان جبريل يأتي بالوحي على شكل دحية للموسوم بـ(الصادق الأمين) وهو مع عائشة في لحاف واحد؟
شخصية كهذه من الشخصيات الشديدة الغموض والغرابة، تقتضي المزيد من القراءات التاريخية المتعمقة.
الرواية الرسمية تسهب في الحديث عنه؛ دون أن تقدم أي إفادة عن حياته أو عن دوره الحقيقي في نشأة الإسلاموية، فتقول: إنه كان أخًا لمحمد بالرضاعة (؟!)، وقد اشتهر إلى جانب العقل الراجح بجمال الصورة وحسن الخلق، وكان تاجرًا مرموقًا في عصره، يتقن الارامية والسريانية والرومية، وكان صاحب النفوذ الكبير في علاقته مع النبي (دون ذكر لطبيعة هذا النفوذ)، وأنه كان صحابيًا (جليلًا)، وكان الوحيد الذي يدخل الى النبي بلا استئذان ويطيل الجلوس معه، حتى ان عائشة (زوجة النبي الأثيرة) استغربت من السماح له بالدخول بحرية، وتساءلت أن والدها ابا بكر (الملقب بالصديق) لا يدخل إلَّا باستئذان بينما دحية يدخل بحرية ويطيل المكوث؟. وتقول: كلما دخلت عند الرسول وجدت عنده دحية (ممَّا يشير إلى التقائهما مرات عديدة)، فاذا سألته من هذا؟ قال جبريل ينزل على صورته، فتقول يا رسول الله ما ارى إلَّا دحية الكلبي!.
وتقدم الرواية سببًا ساذجًا عن نزول جِبريل على النبي بصورة دحية، وهو لما كان يتمتع به من جمال وخلق، وتستدل بما رواه الطبراني من حديث عفير بن معدان عن قتادة عن أنس، أن صلعم قال: كان جبريل يأتيني على صورة دحية الكلبي، وكان دحية رجلاً جميلاً. وقال ابن حجر العسقلاني المتوفي في القاهرة بعد ما يزيد على 800 عام من موت النبي: "وكان يضرب به المثل في حسن الصورة، لذا كان جبرائيل ينزل على صورته. وعن قتادة عن أنس أن النبي قال:" كان جبرائيل يأتيني على صورة دحية الكلبي وكان دحية رجلا جميلا". وعن كبير الدجاجلة ابن عباس:" كان دحية إذا قدم المدينة لم تبق مِعْصِر إلا خرجت تنظر إليه" (المعصر هي المرأة البالغة). وذلك بحسب الرواية، فحين دخل دحية المدينة تجمعت كل النساء لرؤيته لشدة جماله!. وهناك إضافات أيضا يقدمها النص الإسلامي عن دحية في سياق القصة نفسها، حيث يذكر أن دحية كان أحسن الناس وجهاً، " وكان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق (فتاة بين البلوغ والعنوسة) إلا أتته " وهنا ينبري سؤال مهم : هل يمكن اعتبار الحديث عن فتنة وجه دحية، وإحاطتها بهذا النوع من التهويل - بعض الروايات تذكر أنه كان يغطي وجهه كي لا تفتتن به النساء - أن شخصية دحية تمت صياغتها عمداً على هذه الشاكلة لتبرير ظهوره المتكرر في مناسبات مختلفة بصفتة جبريل؟
الرواية الرسمية تستطرد قائلة: وكان النبي (المزواج) يخطط للزواج (سياسيا) من ابنة اخت دحية، لكن وفاتها حالت دون ذلك. وكان يتنقل بحرية بين الشام ويثرب، وهو مَن بَعثه صلعم إلى قيصر الروم رسولا عقب صلح الحديبية فآمن به قيصر وأبت بطارقته أن تؤمن (!)، وكانت له معرفة جغرافية واسعة بالشام. وتقول بعض الروايات إنه كان جاسوسا لدى النبي في الشام والجزيرة.. وأنه أُرسِلَ الى الشام واختفى هناك، فكانت وفاته غامضة، ولا يعرف هل مات بالجذام الذي انتشر هناك في ذلك الوقت، أم قتل. وتذهب روايات أخرى إلى أنه مات في مصر، دون ذكر لطريقة “مقتله” او “وفاته؛ تمامًا كما هو الحال مع كافة الشخصيات المؤثرة في نشأة هذه الديانة.
وفي أحد المرات التي نزل فيها جبريل على صورة دحية كانت بعد نهاية معركة الأحزاب، ففي المستدرك - الحاكم النيسابوري - ج 3 - ص 34 تقول عائشة إن النبي دخل ليغتسل فجاءه جبريل يسأله “أوضعتم السلاح”؟ ويقصد هل انتهت الحرب؟ اجابه النبي : لن نضع اسلحتنا قبل ان نقضي على بني قريظة، عائشة استرقت النظر من الباب (تجسست)، ورأت جبريل عاصب الرأس من الغبار، هذا ما يرويه احمد في مسنده. والحديث برواية أخرى ان جبريل (بصورة دحية) كان عليه غبار من المعركة. وفي مرة أخرى، رأت عائشة رجل على فرس بمخدعها والنبي يناجيه، (ماذا كان يفعل دحية مع النبي في مخدع عائشة؟ وبماذا كان يناجيه؟ ولماذا؟ وبأي صفة؟)، فسألت النبي من هذا الذي تناجي؟ فقال جبريل، قالت لكنه دحية يا رسول الله، فاجابها انه ينزل على صورة دحية. وتذكر الرواية أن النبي مر على أصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة، فسألهم: هل مر بكم أحد ؟ فقالوا: نعم يا رسول الله، مر بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء على سرجها قطيفة من ديباج، فقال صلعم: ذلك جبريل، بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم.
والعجيب أنه مع اختلائه بنبي الأسلمة ومكوثه معه وقتًا طولًا، لم يرو عنه سوى حديثين إثنين فقط، وقيل: ستة أحاديث، والقول الأخير رجَّحهُ ابن حجر. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (2/284-286).
ولما أصابت يثرب مجاعة قبل هجرة صلعمهم، وذات يوم كان النبي قائما على المنبر، فأقبلت عير من الشام قدم بها دحية بن خليفة الكلبي وكان الطبل والصياح يقدم العير فانفتل الناس إليها حتى لم يبق في المسجد إلا أثنا عشر رجلا - كانوا من المهاجرين - فأنزل الله تعالى : { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } (الجمعة 11) ، أنظر:
http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura62-aya11.html

والأية عتاب للأنصار الذين كانوا حديثي عهد بالأسلاموية، كما تقول الرواية، ولكنها تشير صراحة وبوضوح إلى مدى انحلال المتأسلمين وسوء خلقهم في وقت مبكّر!. ومن الجدير بعدم النسيان أنه لم تتوفر لدينا ولو خطبة واحدة من خطب هذا النبي المزعوم من على المنبر!
تقول الرواية إنه أسلم قبل أحد أي في العام الثالث من الهجرة أو قبل الخندق فلما هزم الله الأحزاب رجع صلعم واصحابة إلى المدينة فجاءه جبريل وطلب منه أن ينهض إلى بنى قريضة فدخل داره فقالت عائشة : من ذلك الرجل الذي كنت تكلمه فتساءل الرسول : ورأيته؟
قالت عائشة : نعم
قال صلعم : بمن تشبهينه؟
قالت بنت أبي بكر : بدحية الكلبي
قال الرسول : ذاك جبريل أمرني أن أمضى إلى بني قريظة
قال صلعم: كان جبريل يأتيني على صورة دحية الكلبي
وقال : دحية الكلبي يشبه جبريل وعروة بن مسعود الثقفي يشبه عيسى أبن مريم وعبدالعزى يشبه الدجال!،
لا تعليق فالهذيان واضح!
وفي يوم ذهب العباس إلى النبي ومعه عبد الله ابنه (7 سنوات) وكان الباب مفتوحا والنبي جالس فطرق الباب واستأذن ثلاثا، فلم يأذن له النبي ولم يلتفت إليه، وكان في بني هاشم غضب وعصبية، فغضب العباس غضبًا شديدًا وأخذ بيد ابنه عبد الله وعاد غاضبا، فعبد الله قال له: يا أبتي ما أغضبك؟ فقال: وكيف لا أغضب وعم رسول الله (نسب نفسه لرسول الله) يستأذن عليه فلا يلتفت إلي، فقال عبد الله: لعله مشغول بالرجل الذي كان يجالسه ويحادثه؟ فقال العباس: رجل يجالسه؟ كيف؟ ما يجالسه أحد؟ قال: لا يا أبتي كان يجالسه دحية ابن خليفة الكلبي، قال: ما رأيته؟ قال: أنا رأيته يا أبي، فقال العباس: لأرجعن، فرجعا وطرق العباس الباب فقام إليه النبي هاشا باشا فرحان بعمه، فقال العباس: عجبا يا ابن أخي جئتك منذ قليل واستأذنت عليك ثلاثا ولم تلتفت ويزعم الغلام أنك كنت تجالس دحية الكلبي وما رأيت معك أحد فما الأمر؟ فتبسم النبي وجثى على ركبتيه حتى صار في طول عبد الله وقال له: أو رأيت الذي كان يجالسني يا عبد الله، قال: نعم يا رسول الله كان يجالسك دحية الكلبي يعتجر بعمامة خضراء، فعنقه النبي وقبله بين عينيه وقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، يا عماه ذاك جبريل كان يجالسني في صورة دحية الكلبي، أنعم الله على الغلام فرآه (لكن لماذا لم يره العباس)، فقال النبي: وحجب الغضب بصرك فلم تره يا عماه « أراد أن يفهمه أن يقلل من غضبه »، فقال العباس، بعدما فهم قصد النبي: « والذي بعثك بالحق لا أغضب بعد ذلك أبدا».
إذن الجميع بمن فيهم عائشة، زوجة النبي الأثيرة، أجمعوا على أنهم لم يروا سوى دحية الكلبي، بينما نبيهم يصر على أنه جِبْرِيل وقد جاءه في صورة دحية لجماله وحسن خلقه، وكأن مجتمع العربان قد خلا حيئذ من الجمال وحسن الخلق الذي لا يجد المرء له أثر يذكر في تاريخ العربان على الإطلاق.
فهل هذا الادعاء جزء من الاستهانة الشاملة والكاملة لنبيهم الكريم بعقول البشر؟
وكيف لنا أن نصدقه ونؤمن به؟ خاصة إذا كان نزول جبريل المزعوم على صورة دحية مقترن بمرحلة التشريع الاسلامي ونزول القرآن.
ما هي طبيعة الأحاديث التي كانت تدور بينهما في هذه اللقاءات المطولة؟
لا أريد التطرق إلى الغيبيَّات والتساؤل عمَّا إذا كانت الملائكة بما فيها الشياطين في حاجة إلى أن تأتي إلى عالمنا في صورة بشر، لا لسبب سوى أنهم يتمتعون بالجمال والخلق الحسن؟ ولماذا شخصية معينة من البشر دون غيرها؟
ومن الملاحظ أن هذه الأقوال الساذجة والسخيفة لا تهم أحد ممن يستعملون عقولهم، ولكن من المفروض علينا أن نقرأها ونصدقها ونؤمن بها. لأن نبي الأسلمة قال إن جِبْرِيل يأتيه على صورة دحية لجماله وخلقه، بينما الآخرون يؤكدون له أنهم لم يروا سوى دحية شخصيًا!
وإذا كان جِبْرِيل يأتيه دائمًا بنفس الصورة، فماذا كان يفعل عندما يكون دحية على سفر، وغير موجود في نفس المكان؟
من هو إذن هذا الشخص الذي يأتي كبير الملائكة على صورته لمجرد أنه جميل (وعلى خلق)؟
وإمعانًا في التلفيق والكذب تسهب الرواية في نسبه فتقول إنه هو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج بن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف الكلبي القضاعي، صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق، وقيل أُحد، ولم يشهد بدرا.
يتضح من إسمه أنه كلبي وقضاعي، أي أنه ليس من سكان بلاد الحجاز، بل من عربان الشام تحديداً، حيث ذكر ابن خلدون (في تاريخه ج 2: 245)، نقلاً عن ابن الكلبي أن قضاعة هي أول قبيلة عربية يمنية نزلت الشام ما بين القرنين الرابع والخامس للميلاد، وتنصرت، أي اعتنقت المسيحية النصرانية، فسوريا قد شهدت انتشاراً واسعًا للمسيحية بعد صدور إعلان مجمع ميلانو 312م، والذي اتبع انشقاق الكنيسة السورية عن الكنيسة البيزنطية، وقضى باعتبار المسيحية ديانة شرعية يجوز التعبد بها ضمن الأراضي الرومانية، وكان الحضور المسيحي العروبي في ذلك المجمع لافتًا وأساسيًّا، إذ حضر مداولاته 15 أسقفاً عروبياً من جنوب سوريا يمثِّلون أبرشيات وقرى وقبائل العربان، وبحسب ما وصلنا عن ابن الكلبي وغيره، فإن المناطق التي انتشر بها (الكلبِيُّون) هي ما بين شمال الحجاز اعتباراً من دومة الجندل، وصولاً لبادية الشام فتدمر وبادية السماوة، وهي منطقة شاسعة كان يشاركهم في بعض أماكنها قبائل قضاعية أخرى كسليح والضجاعمة وهؤلاء كانوا حكام ممالك العربان السراسن في جنوب سوريا قبل وصول الغساسنة إليها، ولم يكن لأي من تلك القبائل وجود في مدن الحجاز. وعلى هذا الأساس فإن دحية قبل الإسلام كان من الشام ولم يكن وثنيًا بالطبع لتنصر قبيلته منذ مدة طويلة، على عقيدة المسيحية اليعقوبية أي أتباع يعقوب البرادعي مطران السريان ومؤسس الكنيسة السورية الأرثوذوكسية، والقائلين بأن للمسيح طبيعتين متحدتين بطبيعة واحدة من غير اختلاط أو افتراق، أو تصيًّر.
في الرواية الإسلاموية توجد إشارات مختلفة، لدور غامض اضطلع به بعض الكلبيين في مرحلة نشوء الإسلاموية الأولي، فقائد جيش محمد وابنه بالتبني زيد بن حارثة كان كلبيًا، ودحية هذا كان يقود جيش محمد بصفتة الملاك "جبريل"! وسلمان الفارسي الذي يحتل مكانة مماثلة، تجمع الروايات على أنه كان عبداً لبني كلب قبل قدومه إلى مكة، حيث التقى محمد وآمن به في ظروف غامضة، وقد اعتبر بعض المستشرقين [مثل المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون (1883 - 1962)]، أن سلمان هذا هو الحلقة الخفية أو الرجل (س؟) الغامض الذي (ربما) يقف وراء الدعوة المحمدية والتأسيس لها عقائدياً.
وبتتبُّع ما يفصح عنه النص التأريخي الإسلاموي نجد أن تحركات دحية الكلبي وسفرياته تبدأ بيثرب - فلا ذكر لها في أخبار مكة ولا في بدر - وتنتهي ببصرى الشام ، حيث زُعم أنه كان مبعوث محمد إلى الروم، فخبر إرسال محمد رسالة إلى قيصر ما هو إلَّا خرافة من خيال المؤرخين. وتشير المصادر الرسمية إلى أن دحية باعتباره تاجراً كان يتنقل ما بين يثرِب وبصرى الشام، ولا يطيل مكوثه في يثرِب إلا أياما ثم يغادرها قاصداً الشام، وبعد وفاة محمد انقطع بشكل نهائي ومريب عن القدوم إلى يثرِب ولزم الشام حتى مات، وقد عزى بعض الشيعة سبب ذلك إلى اقتناص أبي بكر للخلافة، فيما كان يفضل هو علياً، ويزعمون أنه في زيارته الأخيرة وجه كلاماً لاذعًا لأبي بكر ثم انصرف عن يثرِب إلى الشام بلا عودة. قد يكون في كلامهم شيء من الواقعية، فأخبار دحية الكلبي تنقطع فعلاً بعد وفاة محمد، ولكنه يظهر مرة أخرى وأخيرة في دمشق في متن خبر سطحي جداً يتحدث عن اضطراره للفطور في رمضان بداعي السفر. ربما تكون هذه القصة برمتها قد ابتكرها أحد الفقهاء لتمرير فتوى معينة، حيث أنه من غير المعلوم تاريخ هذه الحادثة ولاشيء موثوق حولها، كل ما نعرفه إذاً أنه بعد موت محمد، اعتزل الشأن العام، كـتاجر ودبلوماسي منهك.
الرواية الإسلاموية الرسمية تقول إن الرهب بحيرا كان يعيش في بشرى الواقعة جنوب سوريا تنبأ بنبوة محمد أثناء زيارته له ضمن قافلة تجارية مع عمه أبو طالب وهو في التاسعة أو في الثانية عشرة من عمره، ولكن الراهب يوحنا الدمشقي، (ولد عام 676 في دمشق خلال حكم الدولة الأموية) يقول إن الراهب النسطوري "بحيرى"، ساعد محمدًا على كتابة القرآن كحال ورقة بن نوفل من قبله، فهل كان دخية يقابله؟ وهل نقل عنه تعاليم الإسلاموية خاصة بعد موت القس ورقة بن نوفل، وانقطاع الوحي؟ أسئلة هامة كثيرة لا تتطرق إليها الرواية الرسمية من قريب أو بعيد؟
وهل تم مسح تاريخ دحية من التأريخ الإسلاموي لإحضار جبريل بدلاً عنه؟
الحقيقة أننا لسنا أمام شخصية تاريخية رتيبة سواء تعلق الأمر بحياته وتناسق مراحل نموها وفق سياق الحدث الإسلاموي الكلاسيكي في النص التاريخي، أو بمكانته الشخصية قياساً لصاحب الدعوة، بل نحن نتعامل مع شبح يظهر ويختفي بحسب السياق أو الفجوة التي يراد له ملْأها، فلا ندري متى يظهر ومتى يختفي، فلا نعرف أين كان طيلة انقطاع الوحي عن محمد التي اختلف العلماء في مدته، فقيل ثلاث سنوات، وقيل قريبًا من سنتين، أو سنتين ونصف، وقيل اثنا عشر يوما، وقيل خمسة عشر يوما، وقيل أربعون يوما، وقيل غير ذلك، وقد تسبب هذا الانقطاع في محاولة محمد الانتحار.
من الملاحظ أن هناك علاقة مشبوهة بين جبريل محمد (دحية) من ناحية وبين جبريل الذي يعرفه اليهود في كتبهم من ناحية أخرى؛ ففي سورة البقرة نجد أن اليهود يعادون جبريل: { قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (97)، مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ (98)}
هاتان الآيتان جاءتا في سياق نقاش مفترض جرى بين اليهود ومحمد، لتوضح مشكلة اليهود مع جِبْرِيل (الملاك) الذي يخضع لإرادة الله ويأتمر بأوامره في الميثولوجيا التوراتية حاله حال جِبْرِيل الإسلاموي!، وَلَكِن من سياق النص يظهر أن مشكلة العداء ترتبط بالوحي المحمدي حصرًا بدليل في صلب الآية، هو: { فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ }، فاليهود بالطبع لم يقتنعوا أصلا بتلقي محمد وحياً من السماء، لذلك لا بد وأنهم يعنون بجبريل المحمدي (شخصًا) آخر غير جبريل (الملاك) الذي يعرفونه من كتبهم.
كذلك نجد في الرواية التاريخية الإسلاموية إشارات مريبة عن أن جبريل (دحية) نفسه الذي يناصب العداء لليهود، مما يفسر مدى حماسة للقضاء المبرم على بني قريظة، هذه الحماسة لا يخفيها النص التأريخي، ففي المستدرك - الحاكم النيسابوري - ج 3 - ص 34 أورد حديثاً عن عائشة، أنه « ولما أتى جبريل - دحية، يوم قريظة يحث محمد على الخروج بقوله " وضعتم السلاح ونحن - أي الملائكة - لم نضع السلاح بعد .." هرع محمد يحث أصحابه على الخروج للقتال وأن يؤجلوا فرض الصلاة إلى حين بلوغ مضارب قريظة، مما أثار بلبلة بين المسلمين أنفسهم بسبب هذا الاستثناء الغريب والقاضي بتاجيل الفريضة الواجبة واعتبار الأولوية للقتال " .. وخرج النبي (صلعم) وسلم فمر بمجالس بينه وبين قريظة فقال هل مر بكم من أحد قالوا مر علينا دحية الكلبي على بغلة شهباء تحته قطيفة ديباج قال ليس ذلك بدحية ولكنه جبرائيل أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم ويقذف في قلوبهم الرعب..». ولكي نفهم الأمر بدقة لابد من العودة إلى الرواية الإسلاموية الرسمية لنسأل: هل كانت هناك ثمة علاقة أو اتصال بين دحية وقريظة؟ ابن الأثير في الكامل ج:5: يروي قصة ملخصها أن دحية كان عائداً من عند قيصر، فأغار عليه بطن من جذام وسلبوه متاعه وكل ما يحمل، طبعاً القصة فيها مشكلة أساسية لم ينتبه لها مؤلفها، وهو أن طريق الشام مؤمن تماماً ويسيطر على قسمه الأعظم الكلبيون قبيلة دحية، وتؤمنه القبيلة حتى وصوله مأمنه في المدينة، لكن ثمة رواية أخرى لنفس القصة ربما تحل هذه المعضلة وهي مرفوعة لابن اسحق ( انظر مجمع الزوائد - الهيثمي - ج 5 -310 ) : ثم لم يلبث أن قدم دحية الكلبي من عند قريظة، حين بعثه رسول الله (..) حتى إذا كانوا بواد من أوديتهم يقال له شنار ومعه تجارة أغار عليهم الهنيد بن العريض وأبوه العريض الضبعي بطن من جذام فأصابوا كل شئ معه.
إذن، نرى عودة دحية من عند قريظة لا من عند قيصر، وقد أغار عليه بطن من جذام ( وهي قبيلة متهودة ذكرها وأشار إليها ابن صاعد الأندلسي ) في وادي لقريظة، ويبدو أن محمداً أنفذه إلى قريظة لأمر ما وأن هذه دبرت أو أوعزت، لقبيلة موالية لها من متهودي العربان، بالإغارة على دحية وسلبه، وهنا أرسل النبي سرية مع زيد بن حارثة (الكلبي) فقتل المغير وابنه بناء على طلب دحية الخاص من محمد حيث طالبه بدمهم. من هنا تم تحريف النص لبتر العلاقة بين عداء دحية الكلبي لليهود ولقريظة تحديداً وتحمسه وتعطشه لدمائهم وبين تحمس جبريل للاشتباك معهم.
وهكذا نفهم من سياق هذه البنية القصصية من هو "جبريل" الذي يعاديه اليهود والذي يظهر بصورة عدوهم دحية الكلبي، جبريل محمد.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,273,855,518
- مجرد رأي بخصوص الوثيقة الفرنسية
- معركة صفين
- الخلاصة
- الزنادقة أو الهراطقة
- الحجر الأسود كان سيِّد الموقف!
- الإسلام والتأسلم القهري!
- مقدمة (كتاب الإسلام جاء من بلاد الفرس)
- هل مكة الحجازية أم القرى؟
- الإسلاموية وتدمير النفس البشرية
- المؤمرة ونظرية المؤامرة
- المتأسلمون بين نظرية المؤامرة والشوفينية
- وجة نظر في البحث عن ثقافة التنوير والحداثة
- ياسين المصري - كاتب وباحث علماني من مصر، يهتم بشؤون الإنسان ...
- عن الذين يقتاتون من تسويق الأوهام!
- العبث بالديانة الإسلاموية!
- إمرأة واحدة تلتهم أمة بكاملها!
- التنوير والحداثة واضطراب الثقافة الإسلاموية 1/2
- محاولة لفهم علاقة المتأسلمين بالأقباط
- التأسلم وتشكيل العقل الأرهابي
- ثقافة القطيع الإسلاموية


المزيد.....




- جاسيندا.. قائدة واجهت مجزرة المسجدين
- اجتماع طارئ لمنظمة التعاون الإسلامي باسطنبول لبحث -مجزرة الم ...
- هل ساهم صعود أحزاب اليمين الشعبوي في الغرب في تغذية -الاسلام ...
- شهد برمدا: قريبا أغني أولى قصائدي الصوفية... التناهش يعصف بك ...
- أردوغان: سنحاسب منفذ مذبحة المسجدين إذا لم تحاسبه نيوزيلندا ...
- نيوزيلندا.. تحضيرات لدفن ضحايا مجزرة المسجدين وحملة التضامن ...
- الإرهابيون المسلمون والإرهابيون غير المسلمين
- السعودية تدين الهجوم الإرهابي على المسجدين في نيوزيلندا
- بحث صلة بين هجوم المسجدين ويمين بريطانيا
- صراع داخل إيران: المرشد الأعلى يعد خليفة


المزيد.....

- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين المصري - هل (دحية الكلبي) هو (جبريل محمد)؟!