أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميثم الجنابي - مقدمات المعترك السياسي والأيديولوجي للحركة الصدرية















المزيد.....

مقدمات المعترك السياسي والأيديولوجي للحركة الصدرية


ميثم الجنابي
الحوار المتمدن-العدد: 5922 - 2018 / 7 / 3 - 00:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



إن "لغز" الحركة الصدرية هو جزء من "لغز" العراق الحالي، أي من كمية ونوعية التناقضات الهائلة والمتحركة فيه، التي تجعل من الصعب حدّ وتحديد ما يجري فيه بطريقة "منطقية" خالصة، بما في ذلك رصف أحكام التقييم الجازمة والدائمة والثابتة. وسوف تبقى هذه الظاهرة والحالة لفترة زمنية طويلة نسبيا. لكن مسارها العام يتوقف على طبيعة التحولات اللاحقة في بنية الدولة والسلطة والمجتمع والاقتصاد والثقافة، وكذلك على طبيعة التحول المحتمل في الحركة الصدرية نفسها. فهي المعادلة المعلقة على آفاق المستقبل. بمعنى أن إمكانية تعليقها على كعبة البدائل يتوقف على كيفية كتابة وغناء أبياتها. وحالما تكتمل قصيدة الحركة الصدرية، حينذاك يمكن معرفة ما إذا كانت معلقة حقيقية أو مجرد كلام منظوم من قاموس اللغة، بلا وجدان ولا عرفان! أي بلا إبداع ذاتي!
وليست الصيغة البيانية السابقة سوى "المفتاح" الحسي لتصوير واقع وآفاق الحركة الصدرية. فمن بديهيات الأمور القول، بان الحركة الصدرية من حيث مقدماتها هي نتاج الانحطاط الشامل للعراق والتمرد عليه. وبهذا المعنى فأنها تتمثل مشاعر الأغلبية المطلقة في العراق دون أن يعني ذلك تمثلها لمنظومة الحلول العقلانية. ولا غرابة في الأمر في ظروف العراق الحالية. فكل ما في العراق مشكلة، وبمجموعها تشكل إحدى أتعس وأرذل الأزمات البنيوية الشاملة للدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة والروح والقيم. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار اختمارها وانفجارها تحت سيطرة الاحتلال الأجنبي، من هنا يمكن توقع طابعها العشوائي، مع ما يترتب عليه من صعود مختلف أشكال اللاعقلانية.
فقد أثار الاحتلال الأجنبي وسقوط بغداد يوم 8 نيسان 2003 كمون الانتقام الداخلي المكبوت ضد السلطة ومؤسساتها وأتباعها ومصادرها. وكان هذا الانتقام يحمل في أعماقه نفسية وذهنية "عراق الداخل". ومن ثم فان هويته السياسية الوحيدة آنذاك كانت هوية "عراق الداخل"، أي عراق الانحطاط الشامل والوجدان الصادق.
وأنتجت هذه المعادلة المتناقضة والواقعية أيضا، الأبعاد الخاصة بالحركة الصدرية وتحديد معالمها بوصفها تيار الداخل، وتيار المواجهة للمحتل، وتيار التضحية الوجدانية والاجتماعية، وتيار الانتقام التاريخي. وهي تيارات أو عناصر متصارعة في أتون الحركة الصدرية، سوف تحدد الغلبة لأي منها مضمونها الفعلي ومسارها التاريخي وآفاقها المستقبلية. وهنا يكمن دون شك مضمون "اللغز الصدري" ضمن سياق الحركة التاريخية السياسية للعراق المعاصر. وبالتالي، لا يمكن فهم حقيقتها وآفاقها دون تحليل صيرورتها التاريخية والسياسية والأيديولوجية، بوصفها نموذجا للتيار الراديكالي. لكنها راديكالية خالية من أيديولوجية سياسية واضحة المعالم. الأمر الذي جعل منها ميدانا للتجريب، وبالتالي كيانا قابلا للتهذيب والتشذيب أو التخريب والانحلال. ومن ثم، فإنها على خلاف الأحزاب السياسية الشيعية المستتبة، تقف أمام مفترق الإصلاح المنظومي التدريجي والشامل أو الانهيار والتلاشي.
بعبارة أخرى، إن الحركة الصدرية هي نموذج وميدان التجربة التاريخية التلقائية الجديدة للعراق في كيفية مواجهته لإشكالية الصعود الراديكالي. كما أنها الحركة الوحيدة الكبرى التي تمثلت بعد سقوط التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية مقومات ومكونات وشروط وآفاق التيار الاجتماعي الراديكالي بعد انقطاع أربعة عقود من الزمن (1963-2003). وهنا يكمن سرّ لغزها الحالي والمستقبلي، بوصفها الخميرة التاريخية الكبرى المتراكمة في زمن التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. فقد ظهر التيار الصدري بصورة مفاجئة. بمعنى أن ظهوره «الاجتماعي» و«الوطني» و«المعادي للاحتلال» و«المدافع عن المقدسات» وما شابه ذلك، كان الوجه الآخر لتقاليد الماضي في منافستها للقوى الدينية والدنيوية التي جاءت مع قوى الاحتلال وبمؤازرته في تسلم زمام السلطة، والمشاركة الوهمية والواقعية فيها. بمعنى أن الظهور المفاجئ والعنيف للتيار الصدري يحمل في أعماقه بقايا وثقل التوتاليتارية والدكتاتورية.
فقد كان «التيار الصدري» الراديكالي الجديد نتاج الماضي التوتاليتاري والدكتاتوري، من حيث «تاريخه» السياسي في شخصية الصدر وهيبتها الروحية التي لم تكن بدورها معزولة عن محاولات السلطة الصدامية صنع بدائل «عربية» للمرجعية الشيعية التقليدية، أي المجردة عن «القومية». ومن ثم كانت مهمتها السياسية إضعاف المرجعية المذهبية «الخالصة»، أي المناوئة أو التي تحمل في أعمق أعماقها نفسية المعارضة وروح الاغتراب الشامل عن السلطة. وقد كانت تلك خطة عادية بمعايير الدكتاتورية الصدامية لكنها غير عادية بإمكانياتها الداخلية على خلفية التهميش الاجتماعي الهائل الذي تعرض له العراق بشكل عام ومناطق الشيعة بشكل خاص.
فقد كان العراق قبيل وبعد سقوط الصدامية كتلة هائلة مهمشة، أي كيان من الحثالة الاجتماعية الرثة في حياتها ومظهرها ونفسيتها وذهنيتها وعلاقاتها الخاصة والعامة وفكرتها عن الحرية، باختصار في كل شيء! وفي ظل حالة من هذا القبيل كان المزاج الاجتماعي مستعدا لقبول أي شكل جديد للراديكالية المناهضة. لاسيما وان المزاج الاجتماعي كان محكوما بتراث يتلذذ للنزعة التوتاليتارية (الأصولية). لهذا حالما انهارت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، فان الرصيد المكبوت للثأر الراديكالي بين هذه الأحزاب والحركات، الذي لم يبدده ارتباطها بقوى الاحتلال، سرعان ما اخذ يتراكم في حركة شعبية عريضة ومباشرة تلقفها واستحوذ عليها «التيار الصدري». لكنه استحواذ لم يخطر على قلب عراقي في حال عدم «ارتقاء» الحركات الدينية والدنيوية صوب التعامل المباشر مع «أعداء الأمس» التقليديين.
ذلك يعني أن الظهور المفاجئ للتيار الصدري وقدرته الملفتة للنظر على استقطاب «الشارع العراقي» بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية، لم يكن في الواقع سوى الوجه الآخر لتراكم الشحنة الراديكالية المقلوبة في المزاج الاجتماعي. فقد تراكمت هذه الشحنة بصورة لا مثيل لها في تاريخ العراق المعاصر، وبالأخص في مجرى الحروب الهمجية التي انتهت صورتها المباشرة بسقوط الدكتاتورية عام 2003.
لقد كان الصعود المفاجئ والسريع والعنيف للراديكالية الصدرية الوجه الآخر للسقوط المفاجئ والسريع والعنيف للدكتاتورية الصدامية، بوصفها الصيغة الكلاسيكية للراديكالية العراقية. مما يعطي لنا إمكانية القول بأنهما كلاهما ينتميان من حيث المقدمات إلى ظاهرة واحدة. ويمكن العثور عليها عند جميع الحركات الراديكالية السياسية في العراق المعاصر. وإذا كان التيار البعثي الصدامي قد جسّدها بصورة «نموذجية» على مستوى الدولة في غضون عقود، فإن التيار الصدري قد جسّدها في غضون أشهر في المناطق التي استطاع «الاستيلاء» عليها أو مصادرتها. وقد كانت الأساليب والنتائج هي هي ذاتها! إذ نرى نفس العبارة تجاه «العدو الخارجي» و«المحتل»، كما نرى نفس العبارة «الوطنية» الممزوجة بالدفاع عن «المقدسات» و«الإسلام». والشيء نفسه يمكن قوله عن السلطة والدولة. إذ لا تعني السلطة سوى سلطة الفرد الجاهل أو نصف المتعلم. أما الدولة فهي «أنا» المتلبسة مرة بصدام وأخرى بالصدر! أما المجتمع فهو كتلة لا تتمتع بغير حق الانصياع وتنفيذ كل ما تريده القيادة والإمامة بأساليب القوة والعنف. إذ لا مجال ولا معنى للثقافة والعقل!
لكنها كانت في الوقت نفسه حالة طبيعية بالنسبة للحركة الناشئة من أحشاء الانحطاط الشامل والدكتاتورية. فقد تمثل «التيار الصدري» في ظروف العراق ما بعد الصدامية مضمون الراديكالية بأكثر أشكالها تخريبا وتدميرا. وسبب ذلك يقوم في كونها لم تستفد من تجارب الاضطهاد التاريخي الهائل الذي تعرض له الشيعة. كما أن ممارستها التي ترافقت مع ظهورها السريع على خلفية زوال البعثية الصدامية تشابهت بصورة شبه تامة مع ممارسات التوتاليتارية والدكتاتورية. ومن ثم وضعت نفسها بالضد من المجرى العام للتيار الشيعي والوطني والاجتماعي العراقي. أما الحصيلة فهو الانحدار الدائم صوب الانصهار مع الغلاة الجدد من مختلف التيارات الأصولية. وهي النتيجة التي كانت تسري شأن سريان المياه الآسنة صوب بحر هائج. وهو السبب الذي يفسر سبب نظرتها الضيقة في بادئ الأمر.
فقد كان التيار الصدري في أول أمره مقيدا بنفسية ومزاح وأهواء الحثالة الاجتماعية. مما كان يحّد من إمكانية نموه العقلاني، كما جعله بالضرورة أسير الحدود الضيقة في رؤيته لآفاق تطوير الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة. إذ أننا لم نر ولم نسمع ولم نعثر آنذاك على برنامج «صدري» له علاقة بمكونات الدولة المعاصرة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة البديلة للتوتاليتارية والدكتاتورية. ويشير هذا الواقع إلى افتقاد الرؤية السياسية الإستراتيجية وفقدان المشروع السياسي وانعدام الرؤية الواقعية والعقلانية عن طبيعة التغيرات التي جرت في العراق. وليست العبارات العامة عن «الدولة الإسلامية» و«المجتمع المسلم» و«الثقافة الإسلامية» وما شابه ذلك سوى كلمات عامة في حال انعدام تحديدها الدقيق بمعايير الرؤية السياسية والاجتماعية والثقافية، أي في حال عدم وجود برنامج نظري وعملي يحدد بصورة دقيقة الغايات الكبرى ووسائل تنفيذها. أما العبارات التي نسمعها بين الحين والآخر فهي ليست أكثر من صياغة «إسلامية» لأغلب مضامين التوتاليتارية والدكتاتورية.
ذلك يعني أن إدراك «التيار الصدري» لطبيعة التحولات الجارية في العراق وآفاقها كان ضعيفا في بادئ الأمر. ووجد ذلك انعكاسه المباشر في ظاهرة التناقض الحاد بين الاشتراك الجماهيري الفعال والعنيف في السياسة، ورفض الاشتراك «الرسمي» فيها. ولم يعن ذلك في الواقع، سوى محاربة الانخراط الفعال في الحياة السياسية الاجتماعية. من هنا بقاءه وبقاء خطابه السياسي ضمن عبارات لا تتعدى في أفضل الأحوال لغة الشعار السياسي المهيج لنفسية الفئات الرثة. وهو توجه كان لابد له من أن يقلص مع مرور الزمن قاعدته الاجتماعية ويجعلها قوة مناهضة لأبسط مفاهيم الحرية والتقدم الاجتماعي. وبدأت الملامح الأولية لهذه الظاهرة تزداد وتتسع ومن ثم تعمق الشرخ السياسي والفكري والمعنوي بينه وبين المجتمع. وكان من الممكن ملاحظة هذا الشرخ الهائل بين المؤيدين والمعارضين له في المدينة والريف، بحيث تحولت الظاهرة الصدرية إلى جزر متناثرة لا يربطها سوى الاستعداد للعنف. وهي عملية مستنفذة بالضرورة لأنها غير قادرة على مواجهة العنف الفعلي القائم في ظاهرة التهميش التي تعرضت لها فئات هائلة من المجتمع العراقي بشكل عام والشيعة بشكل خاص. وكان يمكن رؤية ذلك في الهوة السياسية القائمة بين «التيار الصدري» والحركات السياسية العراقية عموما، بما في ذلك الشيعية. بل أن ما كان يميز «التيار الصدري» قبل تعرضه للضربة القاضية في جولته الأولى ضد القوات الأمريكية والعراقية الرسمية، هو استعداءه للحركات والتيارات والأحزاب الشيعية وخذل زعماؤها التقليديين. وقد عكست هذه الظاهرة الطابع الراديكالي للتيار الصدري، بغض النظر عن نفسية المؤامرة والمغامرة التي كانت القوى المتزاحمة في «مجلس الحكم» والشيعية منها بالأخص تستدرجه لخوض «معركة الشرف» الخاسرة. وفي هذه العملية كانت تتبين مستوى وحدود وديناميكية الاغتراب السريع بين الظاهرة الصدرية وبين المجتمع.
فقد استطاع «التيار الصدري» أن يستقطب من حيث قواه الاجتماعية كمية الحثالة الاجتماعية الهائلة في العراق المعاصر، مما جعل منه التيار الأكثر نموذجية لتمركز وفعالية هذه القوى. لكنها قوى اجتماعية عراقية معبرة عن حالة عراقية فعلية. أما في وسائله، فقد كان التجسيد الأكثر ضعفا تجاه كيفية إدارة الصراع الاجتماعي والسياسي، وذلك لان «منطقه» الوحيد هو منطق السلاح لا سلاح المنطق. وهي أيضا وسيلة معبرة عن حالة عراقية فعلية. أما في نيته فقد كان يسعى للهيمنة، وهي أيضا نية معبرة عن حالة عراقية فعلية. بينما لم تكن غايته المعلنة عن طرد الاحتلال وغايته الباطنة عن إحلال النظام الإسلامي، سوى وجهان مكملان للرؤية الراديكالية التي لا ترى ولا تسمع ولا تتذوق حقيقة ما يجري في العراق وحوله والعالم.
وفي الإطار العام يمكن القول، بان «التيار الصدري» بوصفه ظاهرة راديكالية يبرهن من جديد على أنها ليست مستعدة على بلورة رؤية سياسية أخلاقية قادرة على تجاوز مفاهيم الفئات المهمشة وتصوراتها وأحكامها لما جرى ويجري. ومن ثم فان ممارساتها ككل لا تفعل إلا على إعادة إنتاج مختلف مظاهر الإفساد والانحطاط والتخلف والاستبداد. مما يشير بدوره إلى طبيعة الضعف التاريخي والثقافي للظاهرة الراديكالية في العراق. ومن الممكن رسم الملامح العملية لهذا الضعف وأثره اللاحق على مجرى العملية السياسية في الموقف من قضيتين شكلتا بعد سقوط السلطة الصدامية عام 2003 «مفاصلا» يمكن من خلالهما إدراك حدود الظاهرة الصدرية، والمقصود بذلك «معركة النجف» و«مفتاح الصحن العلوي»، اللتين لعبتا دورا كبيرا في تاريخ التيار الصدري من حيث كونه ظاهرة راديكالية.
فقد كانت «معركة النجف» الميدان الذي جرى فيه للمرة الأولى اختبار القوى السياسية العراقية بشكل عام والراديكالية منها بشكل خاص. إذ كشفت من حيث مقدماتها ونتائجها عن طبيعة وحجم القوى السياسية المشتركة فيها، وكذلك بنية وغاية كل منها. كما أنها أظهرت حجم ودور الراديكالية السياسية في ظروف العراق الحالية والمستقبلية. وقد كشف الزمن اللاحق عن أثر ومحتوى هذه المعادلة، وخصوصا قبل وبعد الاستفتاء على مشروع الدستور الدائم (نهاية 2005).
فمن المعلوم، أن قيمة الأحداث التاريخية تتحدد بمستوى وكيفية حسمها للإشكاليات الكبرى التي تواجهها الدولة والأمة. وبغض النظر عن المجرى السريع لحسم «معركة النجف» التي دارت رحاها في أيام معدودة بين رجال مهلهلي الثياب بأسلحتهم الخفيفة وقوة تكنولوجية عسكرية هائلة مدعومة بقوات حكومية وتأييد سياسي رسمي ومجافاة شعبية لا تخلو من استياء وشماتة من «السوقية»، أي حثالة المدن والأرياف العراقية. لكنه حسم كان يحتوي في أعماقه على أبعاد لا علاقة لها بالصراع الدامي بين قوات «عقلانية» وأخرى محكومة بتقاليد الاستعداد المتحمس «للمهدي». وحالما التقت الجيوش الأمريكية وجيش المهدي في الأزقة الخربة، فان عجاجها وضجيجها أنتج تلك «الصحوة» المفاجئة بالخروج من مدينة لم تحاصر إلا بقوة التوتر وثقل المرجعيات الواقعية والوهمية لرجال الدين والدنيا. وعندما نترك هذه المقارنة للزمن لكي يكشف عن أبعادها التاريخية الفعلية، فان مما لا شك فيه هو أثرها الكبير والمهم بالنسبة لآفاق وإمكانية الراديكالية السياسية العراقية الجديدة كما مثلها التيار الصدري. وذلك لما في مقدماتها ونتائجها التي جرت عام 2004 من أهمية بالنسبة لجميع القوى التي كانت وما تزال تمثل الطيف العام للصراع السياسي في العراق.
فقد كانت «معركة النجف» من حيث مقدماتها مرتبطة ارتباطا وثيقا بصراع القوى الاجتماعية والسياسية العراقية من اجل «حسم» موقعها في السلطة الجديدة. كما أنها كانت المعركة التاريخية الأولية الكبرى للراديكالية العراقية التي نشأت من تراكم الأحداث الداخلية. فقد كانت القوة الصدرية القوة السياسية الكبرى، وقد تكون الوحيدة، التي نشأت من تلقائية التراكم الذاتي السياسي والاجتماعي والاقتصادي العراقي. مما أعطى لها زخما راديكاليا كبيرا أيضا من حيث تمثلها وتمثيلها لآمال وأماني وأحاسيس الشرائح الاجتماعية العريضة والمهمشة، أي الأغلبية العراقية التي أخذت تعي نفسها بنفسها بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية، وتطالب بحقوقها وشرعية تمثيلها للمصالح الوطنية.
فالوطن العراقي الفعلي كان كمية من الشرائح الاجتماعية المنهكة في حروب الصدامية واضطهادها الرهيب للفرد والجماعة والمجتمع، وانتهاكها المريع لكينونة العراق والعراقيين. ووراء هذا الواقع كانت تختفي مغامرات القوى السياسية العراقية «الخارجية»، التي كان دخولها للعراق اقرب ما يكون إلى هجوم من اجل الاستيلاء عليه. وشأن كل قوى سياسية مغتربة ومتغربة لفترة طويلة لم تكن راغبة تماما به، حالما تبين لها بان الوطن الذي تواجهه ليس الذي تصبو إليه، وان الوطن هو ليس عراق الماضي والأحلام، بل عراق السخام والأسقام، أي كل هذا الكم الهائل من الشرائح الرثة. مما جعلها تتراوح بين الامتعاض والانزواء. وفي كلتا الحالتين كانت السلطة (مجلس الحكم الانتقالي) فقط ميدان سباقها المحموم بما في ذلك في تمرير السياسية المغامرة من اجل حسم المعارك الجديدة. وبهذا المعنى كانت "معركة النجف" من حيث مقدماتها وغاياتها الفعلية معركة بين القوى السياسية «الخارجية» و«الداخلية»، أكثر مما هي معركة بين القوى الوطنية العراقية والأمريكية الغازية. فقد استدرجت قوات «الخارج» (المعارضة السابقة) قوات الداخل (التيار الصدري) إلى معركة خاسرة. وجرت من جانب «القوى الخارجية» بحكم موقعها المناوئ للسلطة الصدامية وضعف قدرتها الذاتية على إدارة الصراع السياسي والاجتماعي، بينما جرت من جانب «القوى الداخلية» بفعل سكرتها الشديدة من نبيذ الراديكالية الرخيص. أما النتيجة فهي «كسر انف» التيار الصدري. إلا أن مفارقة هذه الظاهرة تقوم في كونها المعركة التي جعلت من التيار الصدري ملاكما جيدا بعد أن فقد شموخ الأنف العظمي ليكسب مرونة المعارك اللاحقة. تماما بالقدر الذي أدت إلى جعله قادرا على تمثل بعض مكونات وعناصر الضمير الوطني العراقي المنافي والمتعالي عن نزوع الطائفية السياسية والعرقية القومية التي أصبحت البضاعة الأكثر رواجا لقوات الخارج «الديمقراطية»!!
***





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,109,411,857
- الحركة الصدرية- غنيمة الزمن العابر وتضحية الانتقام التاريخي
- مقتدى الصدر: ميتافيزيقيا -الثورة- الصدرية
- تقييم تجربة بناء الدولة العراقية (2003-2018)
- غاندي وعقدة -القادة العرب-
- إبراهيم بن ادهم - شخصية ومصير
- آفاق الصراع الديني في المشرق العربي المعاصر
- تصوف ومتصوفة
- إيران وسوريا في ميدان الصراع الروسي - الأمريكي (2-2)
- إيران وسوريا في ميدان الصراع الروسي - الأمريكي(2-1)
- الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي(3-3)
- الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي (2)
- الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي(1-3)
- فلسفة البديل العقلاني العراقي
- الطريق المسدود للطائفية السياسية
- الطائفية السياسية: عقيدة الأفق المسدود
- الطائفية السياسية أداة الخيانة الوطنية
- الدولة العراقية وإشكالية المؤقت والثابت فيها
- محمد عبده وتأسيس الفكرة السياسية والحقوقية للإصلاح
- محمد عبده - تأسيس الروح الثقافي
- محمد عبده ومهمة تأسيس العقل الثقافي


المزيد.....




- لحظة جنوح سفينة شحن روسية عملاقة على سواحل إنجلترا
- سنة 2019: هل سيتخلص اليمن من المحن؟
- الكرملين يرفض تقريرين أمريكيين حول تدخل روسيا لدعم حملة ترام ...
- الحرب في سوريا: تشكيل لجنة دستورية جديدة -يحتاج إلى مزيد من ...
- لاعب ألماني رفض اللعب لليفربول.. صلاح لم يكن خيار كلوب الأول ...
- بينهم مواليد جدد.. عشرات الأطفال التونسيين محتجزون في مناطق ...
- بعد 4 سنوات من محاولات حل الأزمة السورية... دي ميستورا يستقي ...
- الخارجية الروسية: واشنطن أكدت أن قرار خروجها من معاهدة الصوا ...
- علبة كولا تحل لغز جريمة قتل عمرها 28 عاما
- هايلي: العرب لا يهتمون بمصالح الفلسطينيين


المزيد.....

- مراجعة ل حقوق النساء في الإسلام: من العدالة النسبية إلى الإن ... / توفيق السيف
- هل يمكن إصلاح الرأسمالية؟ / محمود يوسف بكير
- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد
- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميثم الجنابي - مقدمات المعترك السياسي والأيديولوجي للحركة الصدرية