أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - إلِكْترا: بقية الفصل العاشر















المزيد.....


إلِكْترا: بقية الفصل العاشر


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5918 - 2018 / 6 / 29 - 19:34
المحور: الادب والفن
    


2
حقاً إنها كانت تستعيدُ سيرةَ المرافقة السابقة، بناءً على الفصل المجهول من مخطوطة المذكرات، ولكن ذلك كان يُضيء لها ماضي حياتها هيَ. كانت تتجول في مماشي الجنينة، الغارقة في صمتِ ظهيرةٍ خانقة، تنضحُ بحرّ أواخر الخريف. تتابعُ ثمة شريط ذكريات طفولتها وصباها، المتحرك كما رياح البوادي القريبة، المُجْهزة على أنفاس ذلك الفصل، المحتضر. الريحُ، تدفع ستائر الصالة إلى مدخل الشرفة، لتبدو مثل راية عارية. هنالك وقفَ سكرتيرها ينظر إليها، فيما يداه النحيلتان ممتدتان إلى أمام على حافة الشرفة مع حركة الجسد المتقوّس ـ كعود برعمٍ رقيق، أماله النسيمُ المعبّق بأريج أزهارٍ سبقَ أن لقحها بحبات الطلع المُخصبة.
الأطفال كلهم يتمتعون بالجمال؛ هذه حقيقة معروفة. ولكن من الممكن سؤال أهاليهم، لو كان ثمة شك. بخصوص " سوسن "، يكفي تأمل صوَرها في ألبوم الذكريات الحق كي يتأكّد المرء من حلاوتها البالغة في صغرها. في إحدى تلك الصوَر، تبدو طفلةً سعيدة تتأمل بشغف قطة غضة جلبها البستاني خصيصاً لها. هذا الرجل، وكان حينذاك في حدود الثلاثين، انتمى لسلالة من الخدم استظلت في فيء شجرة أنساب أسرتها. ها هوَ في صورة أخرى، تجمعه بأمها التي كانت مماثلة تقريباً لسنّه. سحنتها الحَسَنة، شوّهتها حالة من السوداوية كانت تنتابها بين حينٍ وآخر، فتسلّمها إلى الكآبة والخمول والكسل. مع العلم، أنها لم يكن يُطلب منها عملاً ما في مزرعة زوجها الملّاك، صاحب الأطيان الواسعة. لقد أقترن بها وكانت في عُمر بضّ، ودخل الآن ( زمن الصورة ) في غيبوبة الشيخوخة فيما هيَ ما تزال بريعان الصبا. ثم دهمته فيما بعد، بدَوره، حالة سوداوية ملغزة كان من نتائجها قبوعه في كرسي على عجلات بقية حياته. على فراش الموت، كان يحدّق بحقد في امرأته وهوَ يهذي مردداً جُمَلٍ مبعثرة من هذا القبيل: " هناك في إسطبل الخيول على القش.. الصرخات، صرخات الخطيئة.. دم الثأر تخثر، أصبحَ على شكل البول..! ".
في تلك الآونة من الطفولة، صارَ البستانيّ يلتصق بالأم مثل ظلها. في واقع الحال، أنّ عمله شملَ أشياءً كثيرة غير البستنة. ولأن البحرَ يبعد عدة أميال عن المزرعة، كان يُعهد للرجل بمرافقة الزوجة الشابة وولديها إلى كوخٍ صغير تمتلكه الأسرة تمّ إعداده كشاليه. شقيق " سوسن "، وكان يكبرها بخمس سنين، أعتاد أن يتصرف بعدوانية مع ذلك البستانيّ وبالأخص في حضور الأم. لقد رفض ذات مرة مساعدة الخادم في تغيير ملابسه، تمهيداً للنزول إلى البحر، مما سبّبَ غيظ والدته. فلما عادَ بعد دقيقة، لأنه نسيَ منظاره في الكوخ، صُدم بمشهدها عن بعد وهيَ تشرعُ بحضور خادمها في ارتداء الفيزون المخصص للسباحة. منذئذٍ، لم ينفكّ الابنُ يراهما كلاهما من خلال ثقب ذلك المشهد.

*
" آلان "، قررَ الإفضاء لمخدومته بما يعتمل في نفسه من ضيق بسبب قضية كان قد أخفاها عنها زمناً. هذا السكرتير، كان يضايقها أحياناً ما في شخصيته من تناقض. إنه ناجحٌ في عمله، كإداريّ ذي خبرة ومعرفة. وفي الآن نفسه، تجده غير متمرس في حياته الاجتماعية لدرجة الاستهتار وعدم الاكتراث. عندئذٍ، يمنحُ عن نفسه صورة للآخرين بكونه ولداً ما ينفكّ يحن لحضن أمه. لعل تيتمه المبكر، فقدانه لأبويه الواحد بأثر الآخر في فترة قريبة، قد أثّر على تربيته وتنشئته. شقيقه الأكبر، " لاوند "، كان فارق العُمر بينهما جسيماً. لقد ضمه مع شقيقتهما إلى أسرته، وكان يحدب عليهما بطيبة وكرَم. ثم ما لبث شقيقهما أن اشترى لهما شقة في غيليز، ليستقل عنهما في منزل الأسرة بالقصبة القديمة. على الرغم من اعتياد " آلان " على منزل الأسرة الفاره، مقارنةً بشقة صغيرة معلّقة في الهواء، إلا أنه عرفَ لاحقاً كيفَ يستفيد من حريته بعيداً عن أيّ رقابة فعالة. " زين "، ومع كونها تكبره، ما كان في وسعها ضبط " تصرفاته الصبيانية "ـ على حدّ تعبيرها. فجأة، وعلى حين غرّة، أصبحَ الحالُ مؤخراً على منقلبٍ آخر: الشقيق الصغير، إذا به يرتادُ أثناء فترات العطلة مكتبةَ المعهد الفرنسيّ، بغيَة قراءة مراجع تاريخية وسياسية. كذلك أنهى تقريباً سهراته مع الأصدقاء خارجَ المنزل، وكان يعود منها عادةً برأسٍ أثقله السُكر.
وهوَ ذا الشابُ الأشقر الأنيق، يجلسُ مقابل معلّمته بوجهٍ مهموم وشاحب. كانت قد مضت به إلى مطعم فندق " السعدي "، كي تستمع إلى شكواه بينما يتناولان الغداء. حجزت المكانَ سلفاً بوساطة الهاتف ( إنهم يعرفونها جيداً كزبونة سابقة عالية المقام )، وكان معزولاً تقريباً في زاوية من الترّاس خالٍ إلا من منضدة واحدة يشغلها مقيمٌ أوروبيّ شائخ مع صديقة مغربية شابّة. نحنحَ سكرتيرها أنفه، فيما كان يستنشق في شيء من الانزعاج الرائحة القوية لعطر الجارة الشابة. خاطبته الخانم في سرّها، فيما كانت ترمق الفتاة بنظرة سريعة: " لعلها ذكّرتك بشقيقتك؛ وأنت لا ترغب برؤيتها في هكذا منظرٍ مزرٍ! ". صدقَ حَدَسُها، مع أنّ الأمرَ لم يُفاجئها بحال من الأحوال. فمجرد أن نطقَ صفةَ " العرص "، هناك في مقر إقامتها وأعمالها، فإنها أدركت حالاً كنه اضطرابه وهمّه.

3
مثلما فعل الأبُ في أواخر حياته، بإخلاده إلى ذكريات المجد والسطوة، كذلك كانت الابنة قد يممت وجهها شطرَ طفولتها في أحضان جدّيها الحنونين. بعد وفاتهما، الواحد بأثر الآخر، دخل الأبُ في الطور الأخير من حياته المثقلة بالوحدة والإحباط. قبيل دخوله في مرحلة الخرف، كان جلّ ما يخشاه هوَ الحجر الصحيّ كما يحصل أحياناً لأمثاله من الأغنياء، الذين يلجأ أقاربهم لهذه الخطوة تحرزاً من تصرفات طائشة قد تضر بحصصهم في الميراث. حينذاك، تحصّن بكرسيه ذي العجلات فيما مسدسه الكبير لا يفارق وسطه: " ما زال للرجل العجوز دورٌ، يا سلالة الخنوع والخيانة! "، كان يردد بصوت عالٍ موجهاً ماسورة غدارته إلى أشباح الأشجار المترائية من شرفة المنزل.
خارجاً تحت ظلال تلك الأشجار، المشكَّلة من انعكاس ضوء القمر المتهتك، كان العشيقان يلتهمان ثمرة الخطيئة وقد طغت أصوات رقرقة الساقية على شهقاتهما النابعة من أعماقٍ جسورة غير هيّابة بأيّ خطر أو عاقبة. أثناء النهار، دأبَ بعضُ قرويي المنطقة على المرور عامدين من تحت الشرفة، شاعرين بالراحة النفسية عند معرفتهم ما يعانيه السيّد الملّاك من ألوان عذاب الكرامة والغيرة. إنهم يتخيلون السيّد على حالةٍ مزرية من الامتهان والحطة، سبقَ وفصّلها أحدُ خدمه: " يدور حول نفسه في الكرسي المتحرك، مسكوناً بالرعب والهلع، مدمدماً بشتائم وتهديدات موجهة لأشخاص يسكنون قاع المرآة الكبيرة ". هكذا كان حالُ الأب؛ يضمحل يوماً بعد يوم، مطحوناً في رحى العته والهذيان. كما أنّ رفضه للدواء، بسبب الوسوسة، تبعه لاحقاً الامتناع عن تناول الطعام. حينَ توفيَ، لم يكن حوله سوى الابنة الحبيبة. ولأن الابنُ الكبير كان يعمل آنذاك في دولة خليجية، لم يجد أولئك القرويون بداً من توجيه كلمات العزاء إلى بستانيّ المنزل فيما مشاعرهم اختلط فيها الشماتة والتقزز والحسد.
" سوسن "، الصبية المراهقة وحبيبة والدها الراحل، بالكاد ألقى أحدهم نظرةً عليها وهيَ محمرة الجفنين من البكاء والسهاد. لم تنم طوال الليل، ساهرة على الجثمان المغطى حتى قمة رأسه بغطاء السرير، ناصع البياض، شاردة الذهن وذاهلة عن كل ما حولها. فكرة واحدة، راحت إذاك تراود رأسها المجلل بالشعر الأشقر الغزير: الانتقام للعزيز الراحل، لمَن سيبقى ذكرى حَسْب. كذلك فاجأها صوتُ مؤذن مسجد القرية القريب، وكانت ما تنفك جالسة عند قاعدة السرير. مع ملحق الابتهال، السابق لأذان الفجر، كانت تمضي آخرُ كلمات الصبيّة المراهقة، المشحونة بتعبيرات ساذجة من قبيل اللعنات والوعيد بالثأر.

*
نزلا من السيارة عند طرف ساحة جامع الفنا من جهة الشارع الملكيّ، واتجها بخطى حثيثة إلى الطرف الآخر؛ أين تنفتح مداخلُ الأسواق وأزقة المدينة القديمة. مساءً، كانت الساحة تعطي شكلَ قربة عازف اسكتلنديّ؛ تنتفخُ ثم تترهل مع تدفق موجات من الخلق ورحيل موجات أخرى. حينَ صارت " سوسن خانم " وسكرتيرها في الدرجة الأخيرة من السلّم المفضي إلى سطح مقهى " الهمبرا "، رشقهما القمرُ بابتسامة متهكّمة بالسر المفضوح تواً. هنالك في صدر المكان، كان يُمكن ملاحظة هرجٍ يموج في ضباب الأضواء الكهربائية، مترافقاً مع مجادلة تتخللها شتائمُ وتهديدات.
" يلوحُ أنّ قرينة العراقيّ جاءت أبكر مما توقعناه، مدفوعةً ولا مِراء برغبة قوية في العراك "، قالت الخانم لسكرتيرها وهيَ تُغالب رغبةً بالضحك. في غمرة الفضيحة، كان بصرها مشدوداً إلى مرافقتها وقد عجبت لثبات جنانها. المرافقة، ظهرت ساكنة مستسلمة وكأنها تقرّ بذنبها سلفاً. أو لعل كلام الزوجة الغاضبة قد فتحَ عيني الفتاة على حقيقة مخزية، لم تدركها سوى الآنَ، متأخرة بالطبع. في موازاة ذلك، بدا " آلان " أكثر تحفظاً فيما كان يهرع نحوَ ميدان الخصومة كي ينتشل منه شقيقته بسلام. طائر النحس، كان عندئذٍ يحوم في أجواء المكان زاعقاً مهتاجاً.
" حسناً تفعل بسحبها من بين براثن هذا الذئب، الذي افترسَ صبايَ وشبابي! " هكذا خاطبت " نجيمة " الشقيقَ، فيما يداها تصكان كتفيّ رجلها. هذا الأخير، وكان مرعوباً معقودَ اللسان، راحت نظراته تتعلق برواد المقهى مؤملاً بدَوره عونهم للتخلص من البراثن الحديدية. وإنه كذلك، إذا نظره يقع على السيّدة السورية وكانت ما ترين في موقفها عند مدخل الترّاس تراقبُ المشهدَ الهزليّ. كأنما وجود غريمته على مرأى من الفضيحة، عدا عن احتمال تورطها في ملابساتها، قد أشعل جنون الرجل. أنقض على الأثر على زوجته، فانتزع تلابيبه منها ثم دفعها بقوة حتى تقهقرت إلى حافة السور الواطئ. طائر النحس، كأنما أبى إلا أن يُنهي المهزلة بصرخة مريعة سبقت بثوانٍ صوتَ ارتطام الجسد بأرضية الدور الثاني، المنذور لتقديم المأكولات والمرطبات.

4
شعور الحاجة للكتابة، تعبيراً عما يجيش في النفس من ألم وحزن وحقد، انتابَ في تلك الآونة فتاة السبعة عشر عاماً. للمرة الأولى في حياتها، تخلدُ إلى أفكارٍ مسجّلةٍ على الورق قصائدَ وقطعاً نثرية من قبيل الخواطر واليوميات. شعلة الانتقام، اضطرمَ أوارها بأوراقٍ مصنوعة من أشجار الغابة نفسها، التي تمدّ الإنسان بالحطب. وإنها غابة النفس، مَن كان عليها الاشتعال بذلك الغذاء اليوميّ.
" مائة مرة قلتُ لكَ، أنني لا أريدُ رؤيةَ هذا الكرسيّ المشئوم هنا "، صرخت الأمّ وهيَ تدفعُ بعصبية المقعدَ المتحرك في اتجاه العشيق. كانت " سوسن " عندئذٍ جالسة على كرسيّ هزاز، مجدولٍ من القصب، يمتّ لذكرى أخرى تضيق بها أيضاً المرأةُ الغاضبة كل الضيق. إنه كرسيّ الجدّ، المغروس على الشرفة كأحد شجيرات أزهاره الأثيرة من الدفلى أو البوكسيا. من مكانها الحميم، دأبت الابنةُ الإطلالَ على مشهد الريف الخريفيّ، المصبوغ بألوان الرحيل، متسلّحةً بقلمها وأوراقها في مواجهة اللؤم والجحود. قبلاً، وتحديداً مذ سماعها ابتهال مؤذن المسجد في ليلة رحيل والدها، راحت " سوسن " تناكفُ الأمَ وعشيقها من خلال تأدية الصلاة في أوقاتها المعلومة. خصماها، قابلا ذلك بردّ فعل لا مبال. إلا أنّ الأم، من ناحية أخرى، أبدت قلقها على صحة ابنتها فيما كانت تراها تذوي كزهرةٍ تحت ضربات الخريف. قالت لها ذات مرة: " أخشى عليكِ من هذه السوداوية، وأنتِ معتكفة طوال اليوم في هذا القصر ". المفردة الأخيرة، يستعملها السوريون بمعنى الترّاس أو الدور الثاني من المنزل. حينَ لا تسمع الأمُ جواباً كالعادة، لا يكون منها سوى النفخ ساخطةً: " أفكّرُ كيفَ ستتمكنين من الحصول على البكالوريا العلمية، وقد استبدلتِ مناهجَها بهذه الأوراق؟ ".
تحت وطأة حصار الخصوم والأفكار سواءً بسواء، كانت الابنة تترك المنزل كي تهيم في البرية الخضراء. ثمة عند كرم الصبّار، كان الجدّ قد مد المياه إلى بركة مصنّعة من الاسمنت، لها شكلٌ مستطيل، مظللة بدقران كرمةٍ وثيرة الظلال. أحياناً كانت تلقى هنالك " علي "، ابن البستانيّ، وهوَ يقرأ في أحد كتب منهاج البكالوريا الأدبية. كان الفتى يحتاج لهذه الشهادة من أجل التطوع في إحدى الكليات العسكرية، شأن الكثير من أقرانه أبناء ريف اللاذقية. وإذاً كان يُماثلها في العُمر، عدا عن قرابةٍ وشيكة باتت حديثاً مفضلاً لدى أهل المنطقة.. قرابة كريهة، جعلت " سوسن " تقصي رفيقَ الطفولة والصبا أكثر فأكثر حتى بالكاد يتلقى منها التحية. فيما مضى، كانت تجدُ في الفتى ما يُشبه سميّه في الفيلم المصريّ الرومانسيّ، " رُدَّ قلبي "، الذي يقص حكاية عشق ابن البستانيّ لابنة سيّد القصر والملّاك الكبير.

*
الصرخة، الشبيهة بعواء ذئب لحظة تلقيه طعنة حربة، كانت ما تفتأ تصدى في سمعها بينما تغذ الخطى مخترقةً جموع الخلق، المحتشدين في ساحة الغرائب والعجائب. تذكّرت " آلان "، وهوَ يطلب منها الخروجَ من المقهى قبل أن تحضر الشرطة مع ورطة تحقيقاتها. تلقت أيضاً ايماءة مؤيدة من شقيقته، التي كانت في وضع لا تُحسد عليه بعدما أحاط بها عمال المقهى بوصفها أحد أركان المشادة، المنتهية بالمأساة المَوْصوفة. لما وصلت إلى موقف " الرانج روفر "، بقيَ مقبض الباب بيدها لحظاتٍ لحين مبادرتها إلى الابتعاد باتجاه الشارع الملكيّ علّها تحظى بسيارة أجرة. لم تجرؤ على قيادة سيارتها في خضم الزحام. فآثرت العودة إلى مقر إقامتها بالتاكسي ومن ثمّ الإيعاز للخادمة، " للّا عيّوش "، بجلب سيارتها من ذلك المكان المشئوم.
" لا يد لكِ فيما حصلَ هنالك، بل إنها كانت مشيئة الله.. "، كذلك قالت الخادمة على أثر سماعها ملخصاً سريعاً للحادثة. أما بقية كلام المرأة الملولة، فإنّ سيّدتها لم تصغِ إليه بسبب انشغال فكرها. ما لم تعلمه الخادمة، ربما يُفضي به الشقيقان خلال التحقيق لو تمّ التضييق عليهما من لدُن المحقق. بلى، إنها الملومة في كل ما جرى لحين لحظة سقوط " نجيمة " والذي كان عرضياً؛ أو قضاءً وقدراً، بحَسَب مفهوم الخادمة. لقد خططت الخانم للحبكة، عقبَ علمها من " آلان " بمكان وموعد اللقاء الغراميّ بين شقيقته وذلك الرجل المأفون. امرأة هذا الأخير، في المقابل، حصلت على المعلومة من خلال مكالمة مجهولة المصدر.
في ظهيرة اليوم التالي، أفاقت " سوسن خانم " على هدير الرعد، المقتحم حلمها ليحوله إلى كابوسٍ لم يكن في وسعها استعادة تفاصيله نتيجة حالتها النفسية السيئة. إلا أنها الخادمة، مَن تعهّدت باسمةً نقلَ خبرٍ مريح للسيّدة المعكرة المزاج: " جلبت لك صحيفة الصباح، وقد كتبوا فيها أنّ امرأة العراقيّ لم تمت في الحادث. العناية الإلهية، شاءت أن تنزلق المرأة رويداً فوق الخيمة الجلدية، المظللة واجهة الدور الثاني من الترّاس، لتسقط فوق إحدى المناضد. إنها مصابة بكسور في العمود الفقريّ، وربما تقضي بقية حياتها فوق كرسي متحرك ". على الرغم من الخبر، المطمئن نوعاً، فإنّ وجهَ الخانم ما لبث أن تجهّم ثانيةً. ذلك كان نتيجة إيحاء الجملة الأخيرة لخادمتها بماضٍ أليم ومخزٍ، يمتّ لحياتها السابقة، ولا ينفكّ يلحّ على ذاكرتها.

5
خلفَ مصنع المياه، هنالك على طرف كرم الصبّار، يقع كوخ البستانيّ؛ والد الفتى " علي ". لم يكن ليختلف عن بيوت بقية المرابعين، الرثة والمكونة غالباً من حجرة للأسرة مع حجرة لحيواناتها. في الفصول الدافئة، ويوماً بعد يوم، كان مصنع المياه مكاناً لتبادل الأدوار بين البستانيّ وسيّدة القصر الجديدة. لقد كانت ذات يوم في مثل وضعه الاجتماعيّ؛ مجرد فلاحة فتية، تسير في طابورٍ واحد مع نساء المرابعين وبناتهم للخدمة في مزرعة المالك وأراضيه الخضراء، المترامية على مدّ البصر. وكما يحصل غالباً في مزارع أصحاب الأطيان، رأى أحدهم الفتاة وأعجبه ما فيها من فتنة في الملامح والقوام. ولكن الزواج غير المتكافئ، بين فلاحة علوية وابن ملّاك سنّي، واجه مشاكل كبيرة بطبيعة الحال. حبلُ الفتاة، غيّر الأمور في آخر المطاف ووجهها إلى نهايتها السعيدة. كانت سعادة مزيّفة، في المقابل، مع كونها أثمرت لاحقاً عن وليد آخر، أنثى، شاءَ الجدّ أن يختار له اسم زهرته الأثيرة؛ " سوسن ".
في تلك الأثناء، رزق البستانيّ بوليده البكر، " علي "، والذي سيُصبح وحيده بسبب حادث إجهاض تسبب في عقم امرأته. بقيت حياة الرجل على وضعها المألوف، لحين حصول تغييرات في السلطة بدمشق أدت إلى استلام عسكريين من طائفته لأهم مراكز القرار في الحزب والدولة. منذئذٍ، أضحى البستانيّ الأشبه بفزاعة الطيور، بطوله الفارع ونحافته، يحدّق في وقاحة بأسياده من عينين بلون البحر. والد " سوسن "، دمدمَ أكثر من مرة تعقيباً على شبهة علاقة امرأته مع ذلك المرابع السابق: " في زمن أسلافي، كان يتم اخصاءُ خدم الدار منذ نعومة أظفارهم، حيطةً وحذراً من أيّ مسلكٍ شائن مستقبلاً ". الحديث في هكذا أمور، صار أسطوانة الأب المفضلة بسبب عجزه الجنسيّ، الناتج عن تقدمه في السنّ ومن ثمّ إصابته بشلل نصفيّ راحَ يلتهم صحته النفسية، رويداً وباضطراد، إلى أن سلّمه للعته والخرف في أواخر حياته.
فاضت روحُ سيّد القصر، في تلك الليلة الخريفية الباردة، التي لم يُسمع فيها سوى عويل كلاب البرية القريبة ونواح أمواج البحر البعيد. ثلاثة أشهر على الأثر، وكان البستانيّ الخادمُ قد تسيّد على كل شيء في المزرعة والقصر بعدما عقد قرانه على الأرملة الشابة. اعتباراً من ذلك التاريخ وحتى سفر " سوسن " إلى موسكو للدراسة، أثبتَ هذا العولقُ جدارته في جمع المال بطرقٍ مختلفة. لم يكتفِ بتأجير كلّ من منزل الأسرة الشتويّ في المدينة والشاليه الصيفيّ على شطّها، وإنما عمد أيضاً إلى تحويل سيارة سيّده الراحل إلى تاكسي يعمل عليها بنفسه خلال الفصول الباردة. اهتمامه المحصور في المال، جعله متبلّد الفكر جاف الطبع، مما أنعكس على علاقته بامرأته وابنتها. فتفتق ذهنه عن فكرة إبعاد " سوسن " إلى خارج البلاد، كي يريح رأسه من المشاكل ويتفرغ لأعماله التجارية. شقيق الفتاة الكبير، كان قد قطع كل علاقة له مع والدته مباشرةً بعيد زواجها، فلم يجد رجلها سوى مخرجاً وحيداً: التوسط مع أحد أقاربه النافذين لإرسال الفتاة في بعثة حكومية إلى الاتحاد السوفييتي لدراسة الطب.
نفس القريب، كان قد دبّر مسألة انتساب الابن، " علي "، للكلية العسكرية الجوية. كون أوراق قبولها الدراسيّ تأخرت جرّاء الروتين والبيروقراطية، فقد أجّل سفرها للعام التالي. فتسنّى لها رؤية صديق الصبا وهوَ في سترة طلاب الضباط، الأنيقة. قالت له بجدية، مغلفة بلهجة مداعبة: " مستقبلاً، ربما أحتاج لطيار خاص على مألوف عادة أصحاب المليارات! ". قاسها بعينين زرقاوين، بنظرة فيها أيضاً بريقُ عجرفة الريفيّ المتسيّد، ثم هز رأسه ومضى في طريقه. بلى، كانت " سوسن " مصممة على تحقيق انتقامها بوساطة الثروة والجاه.

*
" الذاكرة، هيَ المكان الوحيد في العالم، الذي يستطيع تنمية بذرة الحب أو الحقد "
فكرّت السيّدة السورية فيما كانت تستعيدُ ماضي حياتها الآفل، المدفون ثمة في مسقط رأسها كلقية أثرية. لم تستطع تحقيق انتقامها إلا على الورق، حيث صفّت حساباتها مع الأم وعشيقها. أما بخصوص أختها غير الشقيقة، وكانت قد ولدت قبل سفرها لموسكو بعام واحد، فلا بدّ أنها ما تني طفلة بعدُ. شقيقها الكبيرُ، من جانبه، سبقَ له إعادة علاقته بالأم ورجلها. اضطرَ لفعلَ ذلك بغيَة ضمان حقه في الإرث، علاوةً على رغبته في التواصل بالوطن. بينما شاءت هيَ أن تسلوَ تماماً موطناً ظالماً، يعيش فيه أسيادٌ عوالقُ على شاكلة زوج والدتها. فلم يعُد رباطها بتلك الأرض أكثر من مجرد ذكرياتٍ، محفوظةٍ كمادة خام طيّ أوراق يومياتها ومذكراتها: " طائفة يقوم أفرادها، السفلة المنحطون، باطلاق النار على النورس لمجرد التسلية؛ كيف سيكون تصرفُ عناصرِ أمنها، الوحوش، مع الطيور المهاجرة من أمثالي، المتخمة ملفاتهم السرية بمعلوماتٍ تفيد بمعارضتهم للنظام الحاكم؟ "، نطقت الكلماتِ كأنها تُطلقُ زفرةً حرّى.
في ذات الوقت، كانت " سوسن خانم " تغالب مخاوفها على خلفية الحادث المفجع، المتسببة هيَ به بشكلٍ أو بآخر. على الرغم من مرور نحو الشهر على الحادث، لم يزعجها أحدٌ خلاله بسؤال أو حتى يؤتى ذكرُ اسمها، ولكنها قررت أن الأوانَ قد حان لقطع كل علاقة مع أطرافه. فباشرت في تحقيق ذلك، فعلاً وسريعاً: أنهت خدمةَ الشقيقين، مساعدَيْها، مع منحهما تعويضاً مجزٍ. كذلك الأمر بشأن الأسرة المُحسنة، المحتضنة حبيبتها الصغيرة " خَجيْ "، حيث نسيت وجودَ أعضائها تماماً. أما الأخبار الضرورية، سواءً المتعلقة بذيول الحادث أو بأولئك المذكورين آنفاً، فإنّ " للّا عيّوش " تعهّدت بتأمينها في سرور ورضا بعد قرار الخانم إعادتها لوضعها السابق كمرافقة. الأخبار، كانت تترى من تلك الناحية الموثقة لدرجة إضجار متلقيتها. هذا، وبصرف النظر عن خبرٍ كان ليُسعد الخانم لو أنها سمعته في وقتٍ سابق: إحالة " رفيق " إلى المحكمة الجهوية، بتهمة التسبب بعاهة دائمة لمَن كانت قرينته. المحامي الفرنسيّ، تمكّن قبلئذٍ من إسقاط تهمة محاولة الشروع بالقتل عن موكله، مما يمنحه فرصة الحصول على حكم مخفف قد لا يتجاوز العامين مع دفع تعويض معيّن للضحية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,917,142,967
- إلِكْترا: الفصل العاشر 1
- إلِكْترا: بقية الفصل التاسع
- إلِكْترا: الفصل التاسع 3
- إلِكْترا: الفصل التاسع 2
- إلِكْترا: الفصل التاسع 1
- إلِكْترا: الفصل الثامن 5
- إلِكْترا: الفصل الثامن 4
- إلِكْترا: الفصل الثامن 3
- إلِكْترا: الفصل الثامن 2
- إلِكْترا: الفصل الثامن 1
- سيرَة أُخرى 70
- إلِكْترا: الفصل السابع 5
- إلِكْترا: الفصل السابع 4
- إلِكْترا: الفصل السابع 3
- إلِكْترا: الفصل السابع 2
- إلِكْترا: الفصل السابع 1
- إلِكْترا: الفصل السادس 5
- إلِكْترا: الفصل السادس 4
- إلِكْترا: الفصل السادس 3
- الدهليز والكنز


المزيد.....




- بالفيديو... ماذا فعل زوج فنانة مصرية معها على الهواء خلال مق ...
- ريتسوس الوطن حين يُكتب بالشعر
- رونالدو يبكي، وفنان سوداني وراء حسابات نسائية وهمية
- أغاني سعد لمجرد تحت مطرقة المقاطعة بالمغرب
- بنشماس يضع خاطة طريق لعمل الجرار بجهة مراكش أسفي
- رئيس الحكومة: حريصون على أن تشمل ثمار الجهود الاجتماعية الطب ...
- محطات في حياة الممثل الراحل جميل راتب
- فيلم كارتون روسي في البرنامج الرئيس لمهرجان -Shlingel- السين ...
- العثماني: هذه سنة اجتماعية بامتياز وحريصون أن يصل الأثر الإي ...
- بالصور..الصين الحديثة تواجه تدخل السلطات بأعمال الفنانين


المزيد.....

- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - إلِكْترا: بقية الفصل العاشر