أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميثم الجنابي - مقتدى الصدر: ميتافيزيقيا -الثورة- الصدرية















المزيد.....

مقتدى الصدر: ميتافيزيقيا -الثورة- الصدرية


ميثم الجنابي
الحوار المتمدن-العدد: 5918 - 2018 / 6 / 29 - 12:25
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن العاطفة الهوجاء في حنين الصبايا قد لا تكون اشد غلوا من عاطفة الأحزاب الخشنة في امتلاك ما تريد، غير أن لكل منهما وجدانه الخاص وتاريخه الشخصي. وبقدر ما ينطبق ذلك على الهيام والغرام، فأنه ينطبق أيضا على الثار والانتقام. وتتكشف معالم هذه الحالة في مجرى تبلور الشخصية السياسية وبروز قيمها الدفينة، والتي لا يمكن الحكم عليها بصورة نهائية إلا بعد انتهاء الطاقة السياسية الكامنة فيها. إذ سيكشف هذا "الانتهاء" عن طبيعة وحجم أثرها الفعلي بالنسبة لكينونة التاريخ الواقعي للدولة والأمة.
فالشخصية السياسية ليست كينونة أخلاقية، ومن ثم لا معنى للنظر إليها بمعايير الواجب و"المقدس". إن الشخصية السياسية هي صيرورة المواقف العملية. ومن ثم فأن البحث العلمي سوف يقف دوما أمام إشكالية الثابت والعابر، والحقيقي والوهمي، والتاريخ واليوطوبيا فيها. أما قيمتها الذاتية فقد تكشف بالارتباط مع حقيقة دورها الفعلي بالنسبة لمصير الدولة والأمة والثقافة.
إن الشخصية السياسية وثيقة الارتباط بالماضي. بل في الأغلب هي نتاج له. لكن قيمتها الفعلية تبقى على الدوام جزء من "مشاريع الغيب"، أي المستقبل. من هنا تفاهة ولحد ما سخافة الاتهامات التي تكيلها مختلف القوى السياسية لشخصية مقتدى الصدر. فعوضا عن أن يجري تناولها باعتبارها جزء من صيرورة العراق السياسية المعاصرة، وكينونته الفردية ضمن إطار العائلة الصدرية وتراثها العقائدي والفكري والسياسي والروحي، فانه جرى ويجري الحكم عليه بمعايير الرؤية الأيديولوجية والسياسية الضيقة. وليس مصادفة أن تلتقي مختلف التيارات المتناقضة في موقفها منه وتتشابه في تقييمها إياه!! فعندما نتأمل ونتفحص ما كتبته وتكتبه الصحافة "اليسارية" و"اليمينية" والقومية (العربية والكردية) والطائفية (السنية ولحد ما الشيعية) والأمريكية والصهيونية، فإننا نقف أمام تشابه والتقاء غريب! أما في الواقع فانه لا غرابة في الأمر، وذلك لان كل هذا التشابه يعكس أولا وقبل كل شيء طبيعة "اللغز" الكامن في شخصية الحركة الصدرية.
وغرابة اللغز الصدري لا تقوم في شخصية الصدر لحاله، ولا حتى في الحركة الصدرية ككل، بقدر ما تقوم في طبيعة اللغز العراقي وحجم الخراب المادي والمعنوي، الذي وجد سبيله إلى هذا الكم الهائل من التشويش والتشويه المادي والمعنوي في العقل والضمير والواقع.
فعندما نضع شخصية مقتدى الصدر على طاولة تشريح حياته الشخصية، فإنها تبدو بسيطة ومباشرة ولا تعقيد فيها. بل يمكن رؤية ملامحها في حركاته وجلوسه ونطقه. تماما بالقدر الذي كان يمكن رؤيته في نموه السريع وخروجه من بين الركام الهائل للمأساة العراقية بدعوته الأولى والصريحة لجمع كل طاقة الرثة الاجتماعية وقواها المتناثرة والمجزأة والمهمشة في "جيش" يستنير بعقيدة "الغيب" القادم. وهي الصورة التي كان يمكن رؤية ملامحها المثيرة للشفقة والاعتزاز في خطوات أولئك الشباب الموشحين بالسواد وهم يترنمون فيها و"يتبخترون" على تطاير الأتربة من وقع أقدامهم المليئة بالثقة، كما لو أنهم يريدون أن يقولوا للعالم الذي رماهم على أطراف العاصمة وهم صانعوها: إن العالم وما فيه غبار تحت أقدامنا!
وبرز هذا التحدي العريق في العراق للمرة الأولى بصورة استفز فيها القوات الأجنبية الغازية، وقوات المرافقين لها من أحزاب وأشخاص، وبقايا حوزة علمية مختبئة في تقاليدها وتقليدها، وفلول السلطة المنهارة. فقد وجد كل منهم في شخصية الصدر وتصدر الحركة الصدرية لصدارة التحدي العنيد "شبحا" مثيرا للهجاء والسخرية. ويكشف هذا الواقع عن كمية ونوعية الاغتراب العميق في العراق. لكنها حالة "طبيعية" بالنسبة للانحطاط. فالانحطاط لا يفقه معنى التحدي، لكنه يتحسسه بمقاييس السخرية والاستهزاء. وليس مصادفة اشتراك جميع هذه القوى في استغرابها لمقتدى الصدر وإطلاق مختلف النعوت عليه من اجل تحجيم صعوده "المفاجئ" وقوته القاهرة في منافسته إياهم. ولم تكن هذه النعوت والأوصاف معزولة عن نفسية وذهنية المؤامرة والمغامرة المميزة للقوى السياسية التي رافقت قوى الاحتلال دون أن تتمتع بقدر ضروري من الاستقلال والحكمة العملية. كما لم تكن هذه الحالة بدورها معزولة عن التجزئة الفعلية والعميقة بين "عراق الداخل" و"عراق الخارج". فالأول كان من حيث هواجسه ورغباته جزء من قوى الاحتلال، بمعنى انه كان محكوما برغبة الارتماء في أحظان السلطة والتمسك بأقدامها. بينما كان "عراق الداخل" هو سديم الحركة الكامنة في تاريخ الاحتجاج والمعاناة القاسية لعراق المدن الخربة والأرياف المنهكة. من هنا استغراب القوى الخارجية بفعل اغترابها عن العراق، وكذلك الحال بالنسبة لاستغراب "الحوزة العلمية" بسبب ارستقراطيتها المتلفعة بعباءة "السادة العلوية" .
غير أن الصدر يتفوق عليهم جميعا بمآثر العائلة وتراثها الفكري والروحي والسياسي والأخلاقي. ووجد هذا التفوق تعبيره أيضا حتى في أرذل الصيغ تهكما وابتذالا في الإساءة إليه، التي حاولت أن تستغفل الوعي العادي بأنه لم يكن مشهورا قبل الاحتلال الأمريكي للعراق، وأن أحدا لم يسمع عنه شيئا، وأنه لم "يتعلم" ولم يبلغ درجة "الاجتهاد"، وأن أقصى درجة بلغها في "العلم" هي "طالب بحث خارجي". ومن ثم لا يمكن فهم سرّ هذه الشعبية الكبيرة التي حصل عليها بين ليلة وضحاها سوى ما تفتحت به قريحة "النيوزويك" التي اعتقدت أن من الضروري، بل ينبغي فهم هذا السر ّ بمعايير "العصابة". وكتبت بهذا الصدد تقول، بأنه "ينبغي النظر إلى مقتدى الصدر، باعتباره رئيس مافيا شاب. ولأنه يسعى لكسب الاحترام فهو مستعد للقتل من أجل تحقيق غايته". وهي صيغة تعكس مستوى التخلف العقلي والذهني في تناول إشكالية صعود الشخصيات السياسية، ومستوى التسطيح الفج في التحليل. لكنها مع ذلك الصيغة الأكثر انتشارا وقربا إلى أفئدة الصحافة العربية والعراقية الغاطسة في وحل الطائفية السياسية والعرقية و"اليسارية" و"الليبرالية".
ومن الممكن رؤية هذه الصورة على صفحات الانترنيت أيضا من خلال عرض "الأفلام الوثائقية" والكاريكاتير ومختلف "الصورة البيانية"، إضافة إلى مختلف الصور الشخصية المشوهة لملامحه الخارجية، أي كل ما يهدف إلى تسطيح الوعي وتخزين اللاوعي بترهات "العقل الماكر" ورذيلة الكراهية والحقد.
وحالما نضع هذه الصيغ ضمن السياق التاريخي الفعلي لمقتدي الصدر والحركة الصدرية، فإننا نستطيع من خلالها رؤية ضحالة "الفكر النقدي" وطبيعة الكراهية المعمرة للقلوب الخربة! وذلك لأن كل الصور السلبية والتشهير الفض ما هي في الواقع سوى الوجه المقلوب لفضيلة الصدر وشخصيته القوية ونموذجه الشعبي الأصيل.
إننا نقف أمام شخصية ظهرت من بين ركام الانحطاط والتخلف والفئات المقهورة. انه وليد نفسه، وإرادته الفردية، وقوة التقاليد الحيوية للمواجهة والتحدي، والخروج على المألوف، وعدم الانحناء أمام عاصفة الغزو وشهوة الارتماء تحت أزيزها من اجل التلذذ بنشوة المنتصر! ومن ثم لم تكن "قسوة" و"خشونة" مظاهره سوى الصورة الواقعية عن حقيقة الصدر الفعلية، بوصفه ابن المدن المهمشة والخربة. انه ليس سليل "النعومة" المخنثة "لرجال الدين"، كما انه ليس "نجم" السرقة المتمرسة بتقاليد الرياء الديني. ومن ثم لا تعني "عدم تعلمه" اجترار المعلومات الميتة، سوى فضيلته الحية. فهو يعمل ويفكر وينطق ويجتهد بحدسه الشعبي والعراقي، بوصفه الطريق الواقعي لصنع الواقعية، والعقلي لصنع العقلانية، والاجتماعي لصنع المدنية، والشعبي لصنع العراقية. كما أنها كانت المكونات التي وضعته أمام مهمة الإفتاء الفعلي تجاه قضايا الحياة السياسية بشكل خاص.
بعبارة أخرى، إن مختلف المحاولات المستميتة لإماتة صفاته المعنوية المغرية لا تفعل في الواقع إلا على إبراز صورته الفعلية. وتحتوي هذه الصورة الواقعية على قدر هائل من المصداقية. فشخصية مقتدى الصدر بلا لمعان مصطنع. إنها ارض العراق الخربة ومهلهلي مدينة الثورة. وعندما تلصق الجماهير لقب "الصدر" بمدينتهم، واعتزاز احدهما بالآخر، فإن ذلك دليل على طبيعة التماهي بينهما. إن مرجعية الصدر هي مدينة "الثورة" وليست "آيات الله" القابعة في سراديب الفقه الميتة، ودهاليز الخديعة والمكر "الإلهي" للمؤسسات التقليدية المغلقة. وفي هذا كانت تكمن المرجعية التي تحتوي في أعماقها على ميتافيزيقيا "الثورة" الصدرية ، التي جعلت من بؤسها التاريخي تاريخ البأس "المتسامي". وليس مصادفة أن يظهر فيها وليس في الكوفة أو النجف شعار "جيش المهدي".
فالتقاليد الكبرى لا يمكن حصرها في المكان. وهي فكرة سبق وأن تبلورت منذ زمن سحيق في تقاليد الوجدان الشيعي القائل، بان كل مكان للقتال والتضحية من اجل الحق، وكل مكان تتجسد فيه معالم المأساة هو "كربلاء". وكربلاء ليست حصرا على من فيها أو يعيش على ما في تراثها من تضحية ومأساة. ومن ثم كان بإمكان مدينة الثورة أن تنسخ بكربلاء الثورة.
فقد جسّدت مدينة الثورة بوصفها حزام البؤس التاريخي للعاصمة هذه الحالة النادرة! إذ لم يكن بإمكان بغداد أن تعصم "ثورة" تموز لعام 1958، مما جعل من المدينة محلا للتلاعب اللاحق. وليس مصادفة أن يسعى صدام لإطلاق اسمه عليها. لقد أراد مصادرة الشعلة القائمة في أعماقها من خلال تكبيل تاريخها بقيود الزمن الدكتاتوري. بحيث أدى هذا الوهم بدوره إلى إنتاج أوهام المعارضة المقدسة. كما أنها الحالة التي لم يكن بالإمكان توقع صيرورتها في شيء آخر غير "انتظار" الخلاص الأبدي من الظلم والحيف والمهانة. من هنا ولع "المهدي المنتظر" في أعماق النفس المسحوقة.
لكن تاريخ المدينة كان يحمل في أعماقه، بفعل السحق الدائم لمكوناتها، على قدرة إنتاج مساحيق "الثورة". من هنا احمرار الأعلام في خمسينيات القرن العشرين واسودادها في بداية القرن الحادي والعشرين. وتعكس هذه المصادفة تاريخ الكفاح من اجل الحق بما في ذلك في رمزيتها، أي رمزية السيل الدائم للدماء القانية في ارض السواد! خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنه السبيل الذي جعلت منه التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية أخدودا عميقا في الذاكرة والذكرى العراقية. من هنا جبرية "المهدي" بوصف قدر الانتظار الأبدي للخلاص من معاناة الروح والجسد.
فقد كان "المهدي" وما يزال وسوف يبقى في انتظار أعدائه وأحبائه. كل منهما يرتقبه ويترقبه بطريقته الخاصة. من هنا سرعة المبادرة التي أعلنها مقتدى الصدر في الإعلان عن "جيش المهدي" وتشكيل "فرقه وأفواجه". وهو إعلان له دلالته السياسية عندما نضعه ضمن سياق "ميتافيزيقيا الثورة" القابعة في نفسية الانتظار وذهنية الخلاص وتاريخ البؤس الاجتماعي والقمع الدكتاتوري. فقد اجتذبت هذه الميتافيزيقا بمغناطيسها المغري جزيئات الثورة المتناثرة والمجزأة في أزقة المدينة وخرائب العراق الهائلة. وفيها ومن خلالها يمكن رؤية الاستعادة المفاجئة للتاريخ المهدور، والخروج العنيف للقوة المكبوتة وطاقة الاحتجاج، والصعود الوجداني للأمل. وليس مصادفة أن يتحول مقتدى الصدر من "شخصية مغمورة" إلى قائد وقور بسرعة خاطفة. وفي هذا يكمن سرّ البحث عن "الجهل" وعدم "التعلم" وما شابه ذلك عند التيارات الشيعية المنافسة. والسبب بسيط للغاية وهو انه ابن "الثورة" وسليل العائلة القابعة في الضمير العراقي والمعارضة العنيفة للدكتاتورية. بينما اتهمه الغزاة وأعوانهم وبقايا الصدامية والطائفية السياسية السنيّة الهائجة آنذاك بمختلف أصناف التهم، بحيث وجدوا فيه تجسيدا حيا "لفرق الموت" والقتل الطائفي، أي كل ما كان يتشكل ويتراكم في سياسة الاحتلال وحشرجة الطائفية السياسية للصدامية وبقايا صداها وصدأها.
لقد جعلته هذه الحالة غريبا بين الغرباء! إذ لم يكن بإمكان قوى "الخارج" المغتربة، وقوى الصدامية الغاربة، وقوى الاحتلال الغربية، إدراك الحقيقة البسيطة القائلة، بأن "صعود نجم" الصدر لم يكن مفاجأة أو صدفة عابرة أو لمحة طارئة بقدر ما كان جزء من مصيره الشخصي المجهول، وحلقة في مصير عائلته المعلوم.
فقد ولد مقتدى الصدر وترعرع في أوج السيطرة الدكتاتورية وانحلالها المعنوي (1973 - 1999). أنها المرحلة الممتدة بين ولادته ومقتل أبيه. ذلك يعني انه ترعرع في أوج القوة المتنامية للدكتاتورية والعائلة الصدرية. وحمل هذا الصعود في أعماقه حتمية الصراع والمواجهة، أي الحتمية الكامنة فيما يمكن دعوته بالفترة التكوينية لشخصيته الباطنية والظاهرية. فقد كانت حياته وشخصيته الأولى محكومة من جهة بإرث العائلة، كما وجدت صداها في تربيته وتعلمه أول الأمر على يد أبيه محمد صادق الصدر، ولاحقا على يد آية الله الحائري (وهو بدوره احد تلاميذ محمد باقر الصدر). ذلك يعني أن مرجعيته التكوينية (الباطنية) كانت في أبيه وخاله. وهي مرجعية شيعية عراقية عربية. بينما كانت حياته المحكومة بقبضة الدكتاتورية ومراقبتها التامة بعد مقتل أبيه هي الوجه الظاهري. وهو وجه لا مرجعية فيه لأنه جزء من حياة الأفراد ولعبة المصير!
غير أن اللعبة الكبرى والحقيقية لمقتدى الصدر تقوم في المصير الذي كان يختمر في جبرية الحياة السياسية للعراق المعاصر، وأثر العائلة وتقاليد الروح الشيعي. ومنهما وفي مجراهما تبلورت شخصيته ومقوماتها النفسية والأخلاقية والعقائدية والسياسية. فمما لا شك فيه أثر مقتل والده وأخوته الاثنين على مجرى حياته العامة والخاصة. بينما لعبت حياته اللاحقة (بعد السادسة عشرة) دورا مهما في بلوره نفسيته السياسية، وبالأخص حالة الإقامة الجبرية مع والدته وشقيقه. وهي مكونات يصعب حصر أثرها بسبب كثرتها وفظاعتها، لكنها "مألوفة" معروفة لكل مكونات العراق وأجياله في مجرى أقسى وأرذل عقدين في تاريخه الحديث، أي ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. وهما عقدان جعلا من كل ما في العراق مستعدا للتحلل والاندثار. بحيث أوصلت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية العراق والمجتمع والثقافة إلى حالة مغلقة ومزرية بصورة تامة. لكنها كانت في الوقت نفسه العقود التي تراكمت فيها طاقة الاحتجاج والكراهية المطلقة للسلطة، بحيث أصبح اليأس من إصلاحها حالة المرء الباطنية والظاهرية. من هنا انفجار تيارها اللاعقلاني مع أول بادرة لهروب قواتها المنخورة. الأمر الذي جعل العراق يثور بطريقة اقرب ما تكون إلى الجنون كما لو انه شعر للمرة الأولى في تاريخه الحديث بإمكانية الرجوع إلى ذاته وكنس كل تلك القذارة النتنة للصدامية وإرثها الدموي.
وأثارت هذه الحالة "جنون" الانهماك في النشاط السياسي واندفاعه صوب كل ما يمكن لليد أن تصل إليه. أما الأفئدة والقلوب فإنها "تسامت" صوب المطلق. ولا مطلق في العراق بعد سقوط الصدامية سوى الثار منها. وتتمتع هذه النفسية في تاريخ العراق بتقاليدها الثقافية والعقائدية الخاصة، التي يمكن تحسس ملامحها في إحدى خطبه التي قال فيها:"قد قررت أن أتخذ طريق أجدادي وفق عقيدة الإسلام الأبيّ الحرّ الذي لا يقبل بالضيم والظلم والاستكبار والاستعمار، وطّنت نفسي ومعي العديد من العراقيين أننا علينا أن نفكر بديننا وشعبنا أولا، ومن ثم نفكر بمصرنا". وكرر هذا الموقف لاحقا في مجرى المواجهات العنيفة بينه وبين سلطة الاحتلال "العراقية"، عندما قال بتاريخ 21 نيسان 2004: "لا تستخدموا موتي أو اعتقالي ذريعة لكي لا تكملوا ما بدأتم"!
ومن الممكن مقارنة هذه الصورة بشخصية المختار الثقفي عندما كان يواجه في آخر حياته بقواه الشخصية وأتباعه القلائل جيوش مصعب بن الزبير في الكوفة. حيث اعتبر الخروج من معاقلهم المحاصرة والموت في ميدان المعركة الصيغة المثلى للمواجهة والتحدي والدفاع حتى النهاية عما كان يدعو إليه. وهي الحالة التي واجهها مقتدى الصدر و"جيش المهدي" في معارك النجف. غير أن التاريخ لم يستنسخ ما جرى بحذافيره، بل نسخه بمواقف التحدي الواقعية، بوصفها الدراما التي مازالت تفعل فعلها في واقع العراق السياسي، وتشكل بخطوطها العامة استمرار لصراع ما يمكن دعوته بتيار غنيمة الزمن العابر وتيار التضحية والانتقام التاريخي.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,095,967,425
- تقييم تجربة بناء الدولة العراقية (2003-2018)
- غاندي وعقدة -القادة العرب-
- إبراهيم بن ادهم - شخصية ومصير
- آفاق الصراع الديني في المشرق العربي المعاصر
- تصوف ومتصوفة
- إيران وسوريا في ميدان الصراع الروسي - الأمريكي (2-2)
- إيران وسوريا في ميدان الصراع الروسي - الأمريكي(2-1)
- الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي(3-3)
- الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي (2)
- الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي(1-3)
- فلسفة البديل العقلاني العراقي
- الطريق المسدود للطائفية السياسية
- الطائفية السياسية: عقيدة الأفق المسدود
- الطائفية السياسية أداة الخيانة الوطنية
- الدولة العراقية وإشكالية المؤقت والثابت فيها
- محمد عبده وتأسيس الفكرة السياسية والحقوقية للإصلاح
- محمد عبده - تأسيس الروح الثقافي
- محمد عبده ومهمة تأسيس العقل الثقافي
- محمد عبده: إصلاح التربية طريق الإصلاح الحق
- محمد عبده وفكرة التدرج في الإصلاح


المزيد.....




- تركيا إلى شرق الفرات: أردوغان يعلن عملية جديدة ضد الأكراد بش ...
- في ربوع بلاد الرافدين، وعنها.. ذكريات واحداث (1-4) / رواء ال ...
- القضاء الأميركي يصدر اليوم حكمه على محامي ترامب السابق
- خامنئي: حرب اليمن لن تكون في صالح السعودية
- كيف تحول بائع متجول إلى مسؤول بنادي المريخ؟
- -ماكدونالدز- تتبنى سياسة جديدة بشأن المضادات الحيوية
- تشجيعا للحوار.. غوتيريش ينضم لمحادثات اليمن
- السترات الصفراء.. مظاهرات في باريس ورعب في القاهرة
- بومبيو يؤكد: التحقيقات بمقتل خاشقجي مازالت مستمرة
- خط الغاز بين عمان وتل أبيب في الخدمة قريبا


المزيد.....

- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد
- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب
- اللامركزية المالية / أحمد إبريهي علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميثم الجنابي - مقتدى الصدر: ميتافيزيقيا -الثورة- الصدرية