أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - هيثم الحلي الحسيني - هل يكون العبادي النموذج الأمثل لرجل الدولة والخيار المتاح للمرحلة, قراءة في الأزمة السياسية















المزيد.....

هل يكون العبادي النموذج الأمثل لرجل الدولة والخيار المتاح للمرحلة, قراءة في الأزمة السياسية


هيثم الحلي الحسيني

الحوار المتمدن-العدد: 5917 - 2018 / 6 / 28 - 03:30
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
    


هل يكون العبادي النموذج الأمثل لرجل الدولة والخيار المتاح للمرحلة, قراءة في الأزمة السياسية
دهيثم الحلي الحسيني.. باحث في الدراسات الإستراتيجية.
لم ترتق توقعات أكثر المتفائلين الراصدين لمستقل العمل السياسي والحكومي, عشية تكليف السيد العبادي بتوليه منصب رئاسة الحكومة, أن يحققق الرجل شيئا من المهام الكبيرة والتأريخية والمصيرية, التي كانت في رسم الحكومة, والإرث الثقيل الذي ألقاه في عاتقه, رئيس الوزراء الأسبق, وطاقمة الوزاري, الذي غادر مسؤولياته ومهامه, مغرما وفاشلا, في خضم تحديات جسام, قد أخفق في مواجهتها, أو وضع الحلول الناجعة لها, بعد أن كان اللاعب الأساس في تأزيمها.
لقد وضعت تلك التداعيات الكبيرة, الوطن في مفترق طرق غير منظورة النتائج, ولمستقبل غامض الآفاق, ليس أقلها أن قرابة نصف جغرافية الوطن, باتت خارج سيطرة الدولة, وتحت إحتلال أكثر خطورة من إحتلال دولة اجنبية لها, فضلا عن إنقسام سياسي وإجتماعي حاد, أفقيا وعموديا, كانت مادته, التراشق في كيل التهم, وتخوين الآخر وتحميله مسؤوليات الإخفاق, دون أن يتجرأ طرف بتحمل المسؤولية على عاتقه, أو عاتق المسبب أو الفاشل أو المذنب المدان الحقيقي, برغم أن الأمور قد بدت واضحة للعيان.
وقد زاد الطين بلة, الأزمة الخانقة المالية, التي تمر بها الدولة ومؤسساتها, وذلك بسبب الفساد الذي تفشى في الدولة وأجهزتها أولا, حتى بات مطلب الإصلاح الحكومي عموما, لسان حال جل ابناء الشعب, الناطق منهم والصامت سابقا, ويضاف الى هذه المعضلة ثانيا, الإنهيار الكبير في الواردات النفطية, نتيجة إنحدار أسعار هذه السلعة, التي يعتمدها البلد ريعا, ودون أية بدائل غيرها, مما وضع البلد ومصير الشعب, في فوهة نفق مظلم, لا يعرف له مخرج, أو بصيص ضوء.
إن هذه المقدمات الخطيرة, ومدخلات تداعياتها, لم تكن مجرد سرد فلسفي عقيم, بل هي نتيجة تحليل كان يبدو منطقيا, لأكثر المحللين والمراقبين تفاؤلا, من خلال مجموعة من العوامل, بعضها ذاتية وأخرى موضوعية, ليس من بينها أية رؤى مسبقة, تحمل تصورات طائفية أو عرقية ضيّقة, وإنما مرجعيتها, المواصفات الني كانت معروفة عن الرجل الذي كلف بتولي المهمة, أو حتى قبلها, أو ربما وضعتها الأقدار في طريقه.
وليس من بينها على الأحوط, أن من سعى لتكليفه, كان يرى فيه النموذج أو الخيار الأمثل للحل بعيد المنال, بل ربما التفسير الأكثر مقبولية, أنه كان الخيار الوحيد المتاح, أو أحد الخيارات القليلية التي كانت متاحة, أو هو من باب سد الذرائع, والدفع بالتي هي أحسن.
وقبل التعرض بإيجابية, لما تحقق في نتائج هذا التكليف, والمخرجات الغير متوقعة للمنجز المسجل لها, دون أية رؤى عاطفية, أو تفاؤلات نرجسية, لابد من تبيان الأسباب التي شكلت مدخلاتها, معالم مبررة للتشاؤم, أو تدني مستوى التوقعات, حتى أن البعض غير القليل, قد توقع فشل الرجل في مهمته, ضمن فترة لا تتجاوز الحول, لدى أكثر المتفائلين المراقبين, أو حتى أبناء الشعب, أصحاب المصلحة الأولى, في نتائج التولية, نجاحا أو فشلا.
خلاصة الأمر, أن الرجل لم يعرف عنه مواصفات متميزة, تحعل منه خيارا ناجحا لهذه المهمة التأريخية, فالمهام التي تولاها سابقا في مؤسسات الدولة, لم ترتق الى نجاحات واضحة للعيان, كمثل مخرجات عمله وزيرا للإتصالات, إذ لم تحقق الوزارة في عهده, شيئا من مهامها وخططها الإستثمارية, أو مستويات التطور الذي كان مطلوب إنجازها.
أولها مسائل تطوير قطاع الإتصالات الهاتفية الأرضية, التي وصلت مستوياتها المتدنية, الى مستو قريب من الصفر, حتى نسيها المواطن, بينما هي لا زالت في سائر بلدان الدنيا, تحضى بالإهتمام الأول من من بين وسائل الإتصال المختلفة, في عالم تكنلوجيا الإتصال والمعلوماتية, الذي أصبح علامة لرقي البلدان وتحضرها.
ومن ثم فلم تحقق الوزارة تطورا ملموسا في مجال إستخدام الهواتف النقالة, وفي مستوى تقديم الخدمة الهاتفية, من قبل الشركات التي حصلت على ترخيصات العمل, بل لم يتحقق المورد المالي الذي جرى تضمينه في عقود الخدمة مع تلك الشركات, مما يبين جنبة فساد أو فشل في أدائها.
وكذا فالوزارة لم تتمكن من إستخدام مواردها وقاعدتها المادية, من معدات ومحطات وخطوط ناقلة وقابلوات أرضية وضوئية, قد أورثتها لها الدولة السابقة على طبق من ذهب, كانت تتمكن من إستخدامها بشكل أمثل, لتكون شريكا أو منافسا قويا للشركات العاملة, التي لم تكن تملك شيئا من تلك الموارد, بل إستطاعت أن تستخدم موارد الدولة بأثمان متدنية, ثم تبيعها الى الدولة والشعب, كخدمة منتجة من قبلها.
وفي الحقيقة إن هذه هي حال جميع قطاعات الدولة ومنشآتها دون إستثناء, إذ لم يجر إستخدام ما هو كان قائما فعلا, وفي حالة فنية مقبولة, بل جرى تعمد إتلافها, فضلا عن الإمتناع عن اي تطوير أو بناء تكميلي لها, وهذا يشمل قطاعات الصناعة, التي أوقفت مصانعها, وحولتها الى هياكل ينخرها الصدأ, والتجارة التي حولت أسواقها الى أبنية مهجورة, بينما يفتح القطاع الخاص أسواقا موازية, وكذا التربية التي بات التلميذ فيها, حالما بمدرسة من "كرفانات" على أفضل تقدير, والصحة التي تحولت مستشفياتها الى أبنية تسكنها الحيوانات الضالة, تفتقد الى أبسط المستلزمات الطبية والدوائية, ويطول الحديث.
وعودة الى خلفية الرجل وتجربته, إذ يضاف لها ما عرف عنه كرئيس للجنة النيابية, والتي هي الأخرى لم تكن مميزة, ليشار اليها بالبيان, وأخيرا فالرجل كان قياديا في حزبه الدعوة, من الصف الثاني أو دونه, وهو من الحزبيين الذين عملوا ونشطوا في تنظيمات الخارج الأوروبي, وهو موقع لا يمنح الحزبي في هذا الحزب, موقعا منافسا على أقرانه, بأقل تقدير.
وهذا من بين أسباب عدم تحصل الرجل, على دعم حزبه عند تكليفه في المهمة, بل كان شركاؤه في قيادة الحزب, كما أعلنت مواقفهم حينها على وسائل الإعلام, وكأنه قد فرض عليهم في صفقة إعتبروها مؤامرة على القيادة التقليدية في الحزب, بجناحيها المتشدد بقيادة رئيس الوزراء الأسبق, إذ سعى الحرس القديم في الحزب, لتوليته ولاية أخرى, حتى وإن تطلب الأمر "نسخه", إن لم يعد له وجود في الأرض.
أما الجناح الحزبي الأكثر تشددا, والذي يتبع القيادي الصارم, التربوي والوزير السابق للتعليم العالي, وهو صاحب المقولة الشهيرة, أن حزبه يؤمن بآليات الديمقراطية, لكنه لا يؤمن بفلسفتها, وقد كان صادقا بمقولته دون شك, فتنظيمات الإسلام السياسي, كانت دائما ما تعتبر الديمقراطية وسيلة للوصول الى سدة السلطة لا غير, ثم يجري الحكم لاحقا بأمر الله, فكان أتباعه ومريدوه في كوادر الحزب, ربما فرحين بإزاحة منافسه المالكي عن منصب رئاسة الحكومة, لكن البديل المطلوب عنه, ليس في شخص المكلف العبادي حتما.
وهكذا تكونت الصورة أو وضحت معالمها, فالرجل المكلف من الناحية النظرية أو المنطقية الإفتراضية, هو شخصية ضعيفة, لا تسندها جماعة حزبية كبيرة, وفقط أيده بعض أعضاء الحزب المتضررين, أو الذين يحملون إنتقادات كبيرة لقيادة الحزب, بعضها لا يخلو من الشخصنة, كمثال القيادي في الحزب الدكتور الحلي ومن بطبقته, الذين كانوا على مرمى حجر من الخروج والإنشقاق عن الحزب, لكن التكليف لشخص العبادي, قد جعلهم ينتظروا التغيرات, أو ما سيسفر عنه تطور الوقائع.
وعليه فالصورة التي كانت عالقة في ذهن المواطن عن الرجل, أنه ليس بالمسؤول الناجح أو الضليع في إدارته, ليتمكن من خلق النجاح بوسائل وأدوات محدودة, وفي ظل ظروف غاية في الصعوبة والدقة.
وكذا فليس للرجل المكلف هالة "كاريزما" في أذهان الشعب, أو شخصية جاذبة متميزة, إذ لم لم يسبق له منجزا مميزا, كما تبين من سيرته الوظيفية أو النيابية أو حتى الحزبية, وعليه فهو لم يكن مدعما بقطاع شعبي كبير, كما أن إعتداله الطائفي, قد جعل منه قياديا غير رمزيا للطائفة, أو المنطقة, أو للمكون السياسي والإجتماعي, وهي لا شك إحدى أمراض المجتمع العراقي , التي سادت ما بعد الإحتلال.
فضلا أنه ليس له مجموعة نيابية داعمة له مسبقا, أو محسوبة له كما يعبر عنه في الصحافة, كون نواب حزبه لم يكونوا متمنين نجاحه, أو ربما كانوا غير متحمسين لذلك بأقل تقدير.
والقضية الأخيرة التي هي ربما من إرهاصات وتداعيات الحالة المجتمعية العراقية المعاصرة, أنه لم يعرف للرجل أية ميليشيات أو مجموعات مسلحة, تتبعه أو تأتمر بأوامره, ربما لكونه لم يتول مسؤولية أمنية في جهاز الدولة, أو في أجهزة حزبه, فضلا أنه لم يكن منتميا إجتماعيا أو عشائريا, أو متصدرا في هذا المجال, ليكون متزعما لجماعة مسلحة أو غير ذلك, فاسرته قد نشات في المدينة, وفي إحدى أحياء العاصمة الأكثر تطورا وتحضرا, التي لم يعرف عنها أنشطة من هذا القبيل.
وعليه فالتقييم الأولي أو السطحي غير المعمق, في شؤون الدولة والحكم, والمواصفات الشخصية الحقيقية المطلوبة في إدارتها, قد راى فيه شخصية ضعيفة لجهة عوامل القوة والضعف التقليدية, في حالة غير طبيعية أو غير سوية, كما هي الحالة العراقية, سياسيا وإجتماعيا.
غير أن تجربة الرجل, وإمتحانه في سنوات مسؤليته الأربع, قد اثبتت العكس من ذلك مطلقا, فكان رجل دولة من الطراز الأول, يستمد قوته من مسؤولياته وصلاحياته الدستورية, وليس غيرها.
بمعنى أن العراق لم يكن بحاجة لشخصية قوية, وقائد ضرورة, من خلال مرجعيتها الحزبية, او جمهورها المنتنمي لطائفة دون سواها, أو بمجاميع مسلحة, مستعدة للنزول الى الشارع كي "لا تعطيها", وإنما لرجل دولة, يستقوي بالدستور والصلاحيات, التي منحت له تفويضا من الشعب وممثليه دون تفريق, وبمعنى يستقوي بسلطة القانون, من خلال آليات صناعة القرار الملائم, وإتخاذه في الوقت المناسب.
قد يشكل البعض على الرجل, عدم إنسحابه المعلن من حزبه, ليكون في أحضان شعبه الأوسع, وكاتب السطور من بينهم, وهذا من الناحية العاطفية, تعبير جميل ومنطقي, غير أن "البراغماتية" السياسية, قد تفضي لغير ذلك, فالرجل لا زال يحضى ببعض مناصريه داخل الحزب, وهم ربما يشكلون خط صد مانع, لإنقضاض الصقور في حزبه عليه, من خصومه ومنافسيه وحاسديه, الذين قد لا يقلون خطورة عن أعدائه خارج الحزب, خاصة المستقوين بالطائفية البغيضة, ومشغليهم الخارجيين.
وعليه فليس من المناسب لهذا الإجراء, الذي سيكون الرجل ضحيته بسهولة, في حالة فقدانه مريديه وأنصاره داخل الحزب, فقد كان رجل دولة قوي, وليس قيادي حزبي قوي, وإن هذه الخطوة غير المخطط لها, زمانا وتوقيتا ومناسبة, قد لا تكون في مصلحة الشعب قبل غيره.
وللتفصيل في أدائه لمسؤولياته, وإبتداء في إدارته لحرب تحرير المدن العراقية, فقد كان قويا وحاسما في إستخدام القوات المسلحة, بصفته قائدا عاما لها, وضمن صلاحياته القانونية الدستورية, وليس من خلال ولاءات ضيقة في بعض تشكيلاتها, التي كانت ترى في سلفه مثلا, ملاذا تخبئ فيه إخفاقاتها وفشلها, وقصورها وضعف أدائها.
وبالنتيجة فقد كان إستخدام هذه القوات, بشكل مهني وناجح, سواء في حرب تحرير المدن, أو في بسط سيادة الدولة على الجغرافية العراقية بالكامل, من خلال مشورة أصحاب الخبرة والدراية, في الإستخدام الأمثل للقطعات, ضمن مبادئ الحرب الصحيحة, وضمن المهام المقررة في صناعة القرار الملائم وإتخاذه, من خلال مقارنة التكليف بالواجبات, مع القدرات المتاحة, وهو مفتاح النجاح في سائر العمليات القتالية, كما يفهمها أصحاب الإختصاص.
وكان قويا كرجل دولة في الكابينة الحكومية, مستمدا قوته من التخويل الدستوري والقانوني, ما جعل المجلس النيابي, بسلطاته التشريعية والرقابية, مرغما أو قابلا, داعما لسائر قرارات الحكومة, برغم أنه لا يملك في صفوف المجلس, كتلة نيابية داعمة له, على السراء والضراء, كما كان يحصل في الحكومات التي سبقته.
وكان قويا كرجل دولة في الشارع الشعبي أو المجتمعي, مما جعله يحصل تفويضا لم يقدم الناشطون في الحراك على إلغائه, إذ جرى إستثناؤه من بين سائر رجالات السلطة, بل كان الشارع على الدوام, يثق بإجراءاته في الإصلاح, التي لا شك كانت بطيئة, نتيجة الظروف غير الطبيعية, التي مر بها البلد في فترة مسؤولياته.
وكانت من بين مؤشرات قوته كرجل دولة, وحضوره المقبول في المجتمع, أن مقبوليته لم تكن مرتبطة بطائفة أو فئة مجتمعية, أو منطقة عرقية أو جغرافية, فكان خطابه وطنيا جمعيا, لم يسمع عنه أية تعبيرات طائفية, ولا حتى مفردات دينية, قد فقدت بريقها لدى المجتمع, وذلك برغم مرجعيته كمنتم للإسلام السياسي.
ولكن يبدو أنه قد وعى, أن الخطاب الطائفي وحتى الديني, في خارج بيئته ومكانه ومؤسساته, يؤجج المشاكل ولا يقدم حلولا لها, بينما كان آسلافه أو سلفه تحديدا, يستخدم هذا الخطاب بمفردات جارحة لشرائح واسعة من الشعب, مما أفقده حضوره ومقبوليته, ولم تشفع له نقاط قوته المفترضة, التي باتت واضحة أنها لا تصلح لرجل دولة, كما هي ربما لناشط في المعارضة سابقا.
وقد بينت نتائج الإنتخابات, التي أرعبت دولا إقليمية, خاصة إيران, التي تراهن على المسألة الطائفية, التي إعتادت أن تخترق المجتمع من خلالها, وتقوده ممزقا ومنقسما, وتستثمر موارده, في إسعاف أزمتها الإقتصادية, فكان من بين تلك المخرجات, أن تنجح قائمة هذا الرجل, في أكبر المحافظات ذات اللون الآخر, وفق مفردات الطروحات الحالية, وهي محافطة نينوى العريقة, ولم نسمع اية إعتراضات عن تلك النتائج, بل قبلها أبرز معارضوها, وفي المقابل تتقدم في العاصمة بغداد, قائمة عابرة للطائفية.
فهي مؤشرات قد لا تغير كثيرا في واقع الحكومة القادمة لمحدوديتها, لكنها تبشر بتغييرات جوهرية, في الجولات القادمة, إن لم ينتصر دعاة الطائفية, والسياسيون الفاشلون المنهزمون, الذين من ورائهم دول إقليمية داعمة للفرقة الطائفية, والتي بات واضحا, أنها أعدت لإنقلاب خطير على الشرعية, وعلى خيار المواطن الحر.
لقد كانت مقدمات المعركة, قد بدأت عند التهيئة للإنتخابات, فقد أشاع الإعلام الطائفي, ومعه بعض الجهلاء في السياسة والقانون الدولي, دعوة لمقاطعة الإنتخابات, لتكون نسبتها دون العشرين بالمائة, بدواعي أن هذه النسبة تجعل الأمم المتحدة تتدخل لإلغائها ومن ثم تعديل المسار السياسي, وهي كذبة كبرى, أريد بها تكبيل همة التيار المدني, ليمنتنع عن الممارسة, وليخلو الجو للتيار السياسي الإسلامي, ودعاة الطائفية السياسية, إذ ليس في متبنيات الأمم المتحدة وقوانينها ما يشير الى ذلك, غير أن الأمور سارت عكس ما تشتهي سفن دعاة الطائفية, بل في صالح التيار المدني والعابر للطائفية.
فتحركت قوى الطائفية السياسية, ومارست إيران من خلال موفدها الى الكتل السياسية, ضغوطا كبيرة على رئيس الوزراء المنتهية ولايته, كونها تعلم أنه لا يزال الخيار الأمثل, بصفته رجل دولة قوي, وليس زعيما حزبيا أو طائفيا أو عرقيا قويا, وتعول عليه الفئات الشعبية, لتحقيق منجزا في التنمية والإصلاح, موازيا لما تحقق في النصر على الإرهاب, ومعركة وحدة الجغرافية العراقية, ففرضت على الرجل ومجلسه الوزاري, تقريرا عقيما, وصف عظيما, وربما أملته عليه إكراها, برغم ما شابه من هفوات لغوية وقانونية.
كما هددت بإشعال الفتنة في المجتمع, من خلال إستهداف شريحة واسعة, مسحوقة ومهمشة, فقيرة وكادحة, وغير متحملة أية ذنوب مما جرى ويجري, ومعهم الفئات المجتمعية الواعية والمثقفة, التي تنخرط في توجهات يسارية أو مدنية أو علمانية, والتي حققت هي الأخرى, خرقا إنتخابيا, لا يقبله دعاة الطائفية, ليصرح علنا مسؤول إيراني أنه لن يسمح لليسار أو التيار الشيوعي والمدني, بأن يحكم العراق, برغم أن هذا التيار قد حقق مقاعد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة, لكنها أرعبتهم.
ثم عبروا عن ذلك جهرا, في إستخدام أدواتهم السياسية والإعلامية, في إشعال حرب أهلية, وهو إحتمال لا زال غاية في الخطورة, وخاصة في مرحلة ما بعد إنتهاء الحرب على الإرهاب, وإنتشار السلاح خارج سلطة الدولة.
وقد يكون مفهوما, أن العقلاء في الجهات التي ذكرت, ومن بينهم رئيس الوزراء ذاته, وقادة فاعلون في تلك التيارات, ربما قد إستوعبوا المخاطر بحكمة, فقرروا إمتصاص الأزمة أولا, ثم معالجتها تدريجيا, ودون الإنخراط في صراع يجرهم اليه الآخر, لكونه يرى فيه نصرا بمجرد إشعاله.
وعليه فإن وأد الفتنة وإمتصاص بذورها, قد تحقق في رفع الغطاء عن الداعين لها, والذين باتوا يستخدمون سائر الأسلحة المتاحة لهم, لينقضوا على المنجز العابر للطائفية, والعابر للمناطقية, والعابر لتقسيم جغرافية الوطن, والمانع لدعاوي تقطيع أوصاله.
فالمنطق وواقع الأمور, يقول أن الصفحة الأولى قد حسمها التيار العابر للطائفية, والعابر للفساد والإفساد, والعابر للعنف المجتمعي, والعابر للتجزئة وتقطيع أوصال الوطن, وقد جرى وأد الفتنة بفضل العقلاء, الذين ربما قد تحملوا آلام النقد الجارح, لكن الوطن أغلى من أية آلام.
والحال أن التيارات الطائفية والمنبطحة للتدخلات الإقليمية, بل التي تعتاش على تداعياتها, قد إنهزمت لا محال, وحتى إن تمكنت من تشكيل حكومة صدفة, فسيكون مصيرها السقوط السريع دون شك, وعندها "سيفرح المؤمنون", وسوف لا يصح إلا الصحيح, وقد يكون الخلاص لهذا الشعب الصابر المكافح, فهي سنة الكون, وقوانين فلسفة التأريخ, دون مواربة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,979,595
- اليمين الأوروبي الصهيوني المتطرف, مبرراته وتداعياته والرؤى ف ...
- مقاربة في واقع اليمين الأوروبي “الشعبوي” المتطرف وإمتداداته ...
- صعود القطب الروسي ونهاية النظام أحادي القطبية, وأثره في السل ...
- مشروع إنفصال كردستان العراق, بين مخاطر الأمن الوطني ورؤى الإ ...
- مؤسسة -ستراتفور- الأمريكية والتنبؤات غير الرصينة فيها, القدر ...
- صعود اليمين الأوروبي المتطرف, أسبابه وأهدافه, وأثر تداعياته ...
- عرض وتقديم لموسوعة أعلام الفكر والأدب في الكاظمية المقدسة
- بزوغ اليمين الأوروبي المتطرف, والنافذة الإسرائيلية, ما عليه ...
- مع بناة الدولة العراقية, اللواء العقيلي والأستاذ هاشم الحلي ...
- حضارات العراق القديم, بين الإستحقاق والتجاهل التأريخي
- الإستبداد الديني والخرق الدستوري في قانون الخمور وأثرها في ا ...
- حضارة العراقيين السومريين وإنصاف القبطان الوزير
- الدور الخالد للجيش العراقي في حرب تشرين والمعارك القومية, بي ...
- مداخلة فكرية في قراءة النص وتوثيقه, فوق النخل نموذجا
- مقاربة تأريخية بين واقعة شهداء دمشق وبيروت وإنتفاضة الحلة وش ...
- أهمية الدراسات العليا في تخصصات -التراث العلمي- والدور العلم ...
- أهمية الدراسات العليا في تخصصات - التراث العلمي-. والدور الع ...
- استحقاق البحث التاريخي في التراث العلمي, مدرسة الحلة الفقهية ...
- البعد الإجتماعي والإنساني في شخصية الإمام الكاظم, في ذكرى إس ...
- في حضرة ميزان الحق وسيد العدالة الإنسانية, الإمام علي بن أبي ...


المزيد.....




- الجيش اللبناني يعمل على فتح الطرق الرئيسية دون الاصطدام مع ا ...
- البطريرك الماروني في لبنان يعلن تضامنه مع المتظاهرين ويدعو ا ...
- فيديو.. الجيش اللبناني يفتح طرقا بالقوة ويشتبك مع متظاهرين
- احتكاكات بين الجيش اللبناني ومتظاهرين بعد محاولات فتح الطرقا ...
- -بيبي شارك-.. من أغنية لطفل إلى هتاف للمتظاهرين بلبنان
- الفيضانات: الكارثة الحقيقية هي الرأسمالية
- بيان قطاع المهندسين في الحزب الشيوعي اللبناني
- مسيرة شعبية اليوم في بيروت
- جرحى في اشتباك بين الجيش اللبناني ومتظاهرين في صيدا
- بوليفيا: صدامات بين الشرطة والمتظاهرين المحتجين على نتائج ال ...


المزيد.....

- جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني ... / محمد الخويلدي
- اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956 / خميس بن محمد عرفاوي
- من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963.......... / كريم الزكي
- مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة- / حسان خالد شاتيلا
- التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية / فلاح علي
- الانعطافة المفاجئة من “تحالف القوى الديمقراطية المدنية” الى ... / حسان عاكف
- ما هي مساهمات كوريا الشمالية في قضية الاستقلالية ضد الإمبريا ... / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية الشعب الفيتنامي في حربه الثورية؟ / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية الثورة الكوبية؟ / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية البلدان العربية في فترة حرب اكتوبر ... / الصوت الشيوعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - هيثم الحلي الحسيني - هل يكون العبادي النموذج الأمثل لرجل الدولة والخيار المتاح للمرحلة, قراءة في الأزمة السياسية