أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هيثم بن محمد شطورو - المعلم - البلوزة -















المزيد.....

المعلم - البلوزة -


هيثم بن محمد شطورو
الحوار المتمدن-العدد: 5907 - 2018 / 6 / 18 - 02:03
المحور: الادب والفن
    


إنه مُعلم الإبتدائية ذو "البلوزة " رمادية اللون التي تصل الى حدود ركبتيه و التي يرتديها صيف شتاء. "بلوزة" لونها باهت لا تمت الى عالم الاناقة بأي صلة، و انما هي معلم من معالم الزهد لذاك المُعلم، و تعبـير مادي عن تـقـشـفه و ابتعاده عن أبسط دواعي التجمل في اللباس.
من خلال طيـبته الظاهرة و مشاركته التلاميذ الأطفال في مسيره الى بيته من المدرسة و عدم استعماله للعصا و الضرب في دروسه، يبدو صوفيا مسالما الى أبعد الحدود، و لكن حين تُـفكر فيه و قد تجاوزت مرحلة الطفولية في التـفكير، فإن طيبته تلك تُخفي خوفا كبيرا من العالم.
ساعتها تبدو تلك "البلوزة " الرمادية عبارة عن صندوق السلحفاة التي يحاول من خلاله إخـفاء نفسه عن العالم. و حين تبحث عن بعض أسرار بيته و حياته الشخصية يتأكد لك أن المُعلم "البلوزة " هو مَثَـل بارز للخور الكبير الذي يصيب الشخصية نـتيجة امتلاء ذهنها بالمخاوف. إنه علامة بارزة لما تحدث عنه البعض بعنوان "المسلم الحزين".. المسلم الخائف...
يبدو ان بيته كبير في نهاية مساحة أرض شاسعة بابها خشبي كبير الحجم مقوس بُني اللون يُطل على الشارع.. و سمعنا ان بيته يخلو من الاتصال بالشبكة الكهربائية، فلا نور الكهرباء و لا ثلاجة او تلفزيون او راديو، و طبعا دون هاتف. بيت المُعلم "البلوزة " هو ما قبل عصر " آديسون" و عصر الصناعة..
و إنك تـقـف مشدوها أما النظام الصارم الذي يعيشه و يفرضه على أسرته. له أربع او خمس بنات و ولد درس معي في السنة الخامسة ابتدائي. الولد أبيض اللون ذو جمال أنثوي و من خلاله يمكنك ان تـتـنبأ بجمال أخواته البنات اللاتي تـنـقطع علاقـتهن بالعالم منـذ إحرازهن على شهادة ختم الدروس الابتدائية. لا حجاب و لا نـقاب بما أنهن ممنوعات حتى من عتبة الباب الخشبي الكبير المقوس بني اللون الذي يبدو كأنه باب سجن أهلي خاص.
هذا المُعلم يشتغل مدرسا للتلاميذ اللذين ينتمون لعصر الصناعة و ان كان من باب الاستهلاك في الأغلب، و لا نعرف كيف مكنـته الوزارة من هذه الوظيفة في خطة تـنشئة جيل حديث قادر على الحياة في العصر الحديث. كأن المُعلم هو مجرد آلة ناطقة بالمعلومات المطلوب منه تبليغها. انها دولة المعايـير الجافة التي تـتعامل مع الأرقام و ليس مع الذوات.
إنه شخص حر في تـفكيره و لكنه ليس حرا في وئد بناته في قبور العصور الغابرة. إنه كذلك حر في تـفكيره و لكن ليس أن توظفه الدولة في خطة مدرس للتلاميذ.. و أكيد أن الوزارة لم تسأل عن تـفكيره و لم تمتلك أي تصور عما يمكن أن يقـترفه في حق الاطفال اللذين يدرسهم، فالبيروقراطية هي آلة خالية من الذكاء و الخيال و المبادرة، و مصيـبة أي بلد أن تـتحكم فيه هذه الآلة الغبية التي تؤدي بالضرورة الى الفوضى الساكنة تحت جبروت النظام القمعي الى حين لحظة الانـفجار التي تخرج فيها الثعابـين و الافاعي من مخابئها..
أسرة المُعلم "البلوزة" عالم من الضلال، لم ترها و لم تسمع لها صوتا و جل ما في أمر وجودها الواقعي هو الحكايا عنها.
البنات الاربع او الخمس مع أمهن تـقضين يومهن في اعداد الطعام. طعام الفطور في الصباح الذي يُروى انه "عصيدة" يتـناولونها جلوسا حول مائدة مستديرة بعد صلاة الفجر التي يؤمهم فيها المُعلم "البلوزة " و في مرضه إبنه.
بعدها تُطعمن الدجاج و القطط و الكلب، ثم تكنسن فناء الدار كما تعتـنين بالغراسات في تلك الارض الشاسعة من فلفل و بطاطا و طماطم و فول حتى أن الفائض يقوم المُعلم ببـيعه لبعض البيوت خلسة..
تـقضين يومهن في التطريز كذلك و يُحكى أن البنت الكبرى إقـترحت ان يشتري لها ماكينة خياطة لخياطة "الجبة" و ان سعادتها كانت عارمة حين وافـقها بلا تردد لسببين، أولهما انها ستجني اموالا و ثانيهما ان ماكينة الخياطة التـقليدية تـشتغل بواسطة تحريك دواستها بالأرجل ( نحن هنا في اواسط الثمانينات من القرن العشرين). الماكينة اصبحت اثـنتين ثم ثلاث ثم اربع و انتـقـلت مع انتـقال كل بنت من البنات الى بيت زوجها. كانت المرأة الوحيدة الغريـبة عن عالمهم و التي تدخل و بالتالي مصدر ادخالهم في التأريخ..
تلك الاسرة شبه منـقطعة عن العالم. تـزورهم احيانا أسرة تـقضي معهم أسبوعا او اسبوعين و هي على نفس الشاكلة من العالم المنـقرض، و تـقوم أسرة المعلم بزيارتين او ثلاث في السنة ضمن نفس الدائرة المُغلقة من عالم الأموات. واسطة النقل عندهم هي العربة بحصان حيث النساء كأنهن مجموع أكياس عليها. المهم في المسألة ان الاسرة التي يزورهم بالضرورة لمرة كل سنة رأسها اشتغل في السعودية ممرضا، و هو زعيم تلك الشبكة من الأسر التي أقـنعها بذاك ما يسميه "الاسلام الصافي" الذي هو الفرقة الناجية من النار التي يقابلها عالم بأسره مصيره نار جهنم و بؤس المصير.
يُحكى أن ذاك الزعيم تدفع له تلك الأسر الزكاة، و اضافة الى ذلك فربما هو يقضي ايام عامه صحبة اسرته بأكملها ضيفا من أسرة الى اخرى يأكلون و يشربون ببلاش و عند المغادرة يأخذ مقدار الزكاة الذي يُحدده الشيخ الزعيم.
الشيخ الزعيم ذاك بيده مفاتيح الجنة و مفاتيح الدنيا حيث يتلقون منه فقط أخبار العالم بمثل ما يرويها هو فقط كخطيب الجمعة او صلاة العيد، اي دون نـقاش و انما بالاستماع و التـلقي بخـشوع. رواية واحدة للعالم. رواية مقدسة..
و حين كان المُعلم "البلوزة " يقرع رؤوسنا بآيات إرهابه، مثلما وصف أبي ما يقوم به حين تـشاجر معه،في تلك القاعة الكئيبة في المساءات الشتوية الكئيبة، بترديده حكايات الزبانية و طرق تعذيبهم الوحشي للكفرة، و كيف ان أبي قال له ان تعذيب الزبانية أهون كثيرا من تعذيب البوليس و أن الزبانية لا تغتصب الرجال و النساء و لا تـقـتلع الاضافر و لا تُجبرك على أكل برازك و لا تُعلـقـك كدجاجة مصلية، إستـشاط غضبا و هو يستغـفر ربه، إلا ان أبي كان يـبتسم و قد قال لي فيما بعد:
ـ كل ما يقوم به ذاك الدجال هو التغطية على خوفه الشديد من البوليس، و هو يُقنع نفسه بما انه يعتـقد في نـفـسه مؤمنا أنه يمتلك قوة أكبر و هي قوة الزبانية. لذلك حدثـته عن البوليس و أنا أعرف أنه قد أدرك مغزى كلامي، و هو ان هروبه الى معشر الزبانية هو هروب من واقع الارهاب البوليسي كشكل من أشكال التعويض الزائف لأنه يتخيل لنفسه قوة وهمية يُعزي بها هوانه و جبنه و ضعفه أمام العالم..
فقد كنت حينها أستمع الى أبي كثيرا في أحاديثه و نـقاشاته، و لا أعرف بالضبط كيف ربطت الأمور بذاك الشكل، حيث أني فاجأت المُعلم "البلوزة " بعد الشجار مع أبي و انقطاعه عن اعـطائنا دروس ارهاب الزبانية و ثعابين القبور. قلت له أن "الخُميني" دجال.
ربما أردت ان أقول له انه هو دجال و لكني قلت له ان "الخُميني" دجال. نظرني برهبة ثم ابتسم و قال:
ـ سلم على أبيك.
ربما لأجل ذلك بقيت أكن له الحب في أعماقي. و حين ورود حكاية الشيخ الزعيم الى مسامعي بعدها بسنوات استـنـتجت صدق تلك الرواية، برغم عدم منطقيتها، من خلال تـذكر وجه المعلم "البلوزة " المرتهب حين قلت له ان "الخُميني" دجال.
للمعلم رواية واحدة هي التي تـلـقاها من الشيخ الزعيم. رواية مقـدسة لا تحتمل أي زحزحة، فأي رأي آخر و ان كان جانبـيا و ليس مقابلا يُعتبر كفرا.
فأي عقل خاوي من كل تـفكير؟ أي عقل متلقي تحت سياط الزبانية لكلمات الشيخ ( الإلاه) دون أي نقاش أو تـفكير، فهل ذاك معقول بغض النظر عما قبل او ما بعد عصر الصناعة؟ أي صنف من البشر هذا؟ هل يمكن اعتباره انسانا و الانسان كائن مُفكر؟





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,845,602,575
- في تعقل المتاهة السياسية
- الواقعون في الفخ
- بين الله و ال
- مشهد عراقي زمن الحصار
- فيما يمكن أن يفيدنا الاستقلال؟
- بورقيبة بين التأليه و الشيطنة
- في درب الديمقراطية
- الإحتباس الحراري الإنساني
- المؤمن و الثوري
- يوم غضب الصحفيين التونسيين
- التاريخ ينتقم
- التموقعات الجديدة الممكنة في تونس
- مهزلة السياسي في تونس
- نبذة عن آية الله الخميني في العراق
- الثورة على الثورة في ايران
- الحرية بما هي العود الى الجوهر القرآني
- قائمة -الحق الطبيعي-
- الثالث المرفوع الماركسي
- سوريا و الثورة
- النبي الجديد


المزيد.....




- دعوة لحضور الأمسية الثقافية لمناقشة رواية “الجرمق”
- -يو تو- الأعلى دخلا لعام 2018
- إيكوالايزر 2 يحدث المفاجأة بتصدر إيرادات السينما
- الموسيقار بارنبويم: أشعر بالعار لكوني إسرائيليا
- مهرجان ميزوبوتاميا العالمي للشعر 2018 – بلغراد ، صربيا
- -بعلبك تتذكر أم كلثوم-..كوكب الشرق -نجمة- ليل لبنان
- بلمداحي يكتب: ضحالة سياسية!
- هجوم على منيب لأنها -تجرأت- وانتقدت -العدل والإحسان- !!!
- -بعلبك تتذكر أم كلثوم-..كوكب الشرق -نجمة- ليل لبنان
- رسائل ستيفان زفايغ الى مترجمه الفرنسيّ


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هيثم بن محمد شطورو - المعلم - البلوزة -