أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميثم الجنابي - تقييم تجربة بناء الدولة العراقية (2003-2018)















المزيد.....



تقييم تجربة بناء الدولة العراقية (2003-2018)


ميثم الجنابي
الحوار المتمدن-العدد: 5907 - 2018 / 6 / 18 - 01:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


اللحظة التأسيسية للتاريخ العراقي الجديد

إن العبارة المندهشة عما يسمى ب"لحظة العمر" تعكس بقدر واحد جلاء الحقيقة وغموضها، أي كل ما يجعل من الواقع والرغبة والحقيقة شيئا واحدا. وبالتالي يعطي للعقل إمكانية التفسير والتأويل باعتبارهما شيئا واحدا. وإذا كانت هذه الحالة نادرة في حياة المرء، فإنها أكثر ندرة في تاريخ الأمم والدول. لكنها حالما تحصل، فإنها تتحول إلى حصاد منعش ومرهق بقدر واحد، شأن كل ما في الحياة الفعلية من تناقضات هي عين الوجود ومصدر المعنى ودليل العارفين! من هنا إثارتها لهياج الجدل وإلهام اليقين، وشكوك العارفين والجاهلين في أسئلة وتساؤلات تتراوح ما بين التفاؤل المغري واليأس القاتل، والتأييد العارم والمعارضة الشامتة. باختصار كل ما يميز حالات الوجود الفردي والاجتماعي زمن الانقلابات الكبرى، والتحولات العاصفة، والوقوف أما "مفترق الطرق" المجهولة. وذلك لأنها حالات تندرج أما ضمن سياق الزمن ومروره العابر، او تتغلغل في طبقات الوجود الفعلي لتاريخ الأفراد والجماعات والأمم.
وقد كان انهيار الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية في العراق عام 2003 الحالة النموذجية لهذا النوع من "لحظة العمر" المغرية والقاتلة! من هنا إثارتها واستثارتها لجدل سوف لن ينتهي ما لم تنتهي إشكالية التعارض المستعصي بين نفسية الزمن وفكرة التاريخ في الوعي والوجود العراقي. فالزمن لا يعرف العقود والقرون. إنها لحظات في تاريخ الوجود. من هنا قيمتها بالنسبة للتأمل والاعتبار العقليين، أي للحاضر والمستقبل. ولهذا عادة ما تمر عشر سنوات في تاريخ الأفراد الجماعات والأمم والدول بوصفها زمنا عابرا، بينما تتحول لحظات او أيام إلى "محطات" كبرى في تاريخها الذاتي. من هنا إمكانية أن تهز بضعة أيام العالم، بينما ينام العالم غافلا ذليلا قرونا من الزمن في سبات هو عين اللذة المخدوعة!
وليس مصادفة أن تثير "عشر سنوات" بعد انهيار الدكتاتورية في العراق جدلا في العراق والعالم العربي والعالم أيضا بمستويات مختلفة. ولكل منه مقدماته وغاياته، أسبابه ونتائجه. أما بالنسبة لنا، فان ما جرى هو "لحظة التاريخ الكبرى". وذلك لأنه وضع للمرة الأولى إشكالية الزمن والتاريخ في الوجود العراقي بوصفها قضية وجودية ومعنوية بقدر واحد. إذ لا تعني ولا تعادل عشر سنوات بمعايير العد العادي سوى 10 سنوات من الزمن. أما بمعايير التاريخ، فأنها تعني تذليل تركة 700 سنة ما بعد سقوط بغداد عام 1258 حتى انقلاب تموز 1958، وحطام 400 سنة من الاحتلال العثماني، وخراب 40 سنة من دكتاتورية فجة، وتركة 10 سنوات من الاحتلال والاحتراب والتشرذم والاقتتال الدموي والسرقة والنهب والاحتيال وغيرها من الرذائل. ذلك يعني أن عشر سنوات (2003-2013) هي العقد الأول من التاريخ الفعلي للولادة الجديدة للعراق الحديث. وذلك لأنها تضع للمرة الأولى بعد قرون وعقود وسنوات من الزمن مهمة التأسيس الفعلي للتاريخ الذاتي.
إن التأسيس الذاتي للدولة والأمة هو على الدوام المهمة الأكثر تعقيدا، ومن ثم الأكثر عذابا وعذوبة في الوقت نفسه. وذلك لأنها اللحظة الأكثر اضطرابا وإثارة للمواجهة والتحدي والصراع والاقتتال بمختلف أشكاله ومستوياته. الأمر الذي جعل ويجعل منها على الدوام اللحظات الخاطفة في تاريخ الأمم. وذلك لأنها اللحظات التي ترتقي فيها الأحداث والإرادة إلى مستوى الإدراك الواعي للمستقبل. بمعنى العمل والفعل بمعايير التطور التلقائي وليس بردود الفعل المباشر على ما هو خارجي. بعبارة أخرى، إن الأحداث التاريخية الكبرى هي التي توجه قواها النقدية والفعلية أولا وقبل كل شيء تجاه النفس من اجل إرساء أسس تطورها الذاتي. وهي الحالة التي تحسسها العراق وتلمسها وتذوقها وآخذ بإدراكها بمعايير الجسد والروح للمرة الأولى بعد قرون من الزمن. فإذا كان اغلب النصف الأول للقرن العشرين، بوصفه بداية الدولة الحديثة، يدور في فلك رد الفعل على السيطرة الأجنبية (من انتداب وهيمنة وسطوة بريطانية)، فان النصف الثاني منه تراكم بمعايير الزمن القاتل للراديكاليات السياسية والبنية التقليدية للنظم السياسية. ومن خلال هذه العملية المتناقضة كان تراكم وعي الذات الاجتماعي والوطني والقومي يشق لنفسه الطريق، شأن مياه الحياة المضغوطة تحت أحجار صماء. وإذا كان مخرجها الهائل قد بدأ مع بدايات القرن الحادي والعشرين، فان ذلك يعني بالنسبة لنا بداية القرن الجديد. وهو ما يشكل مضمون اللحظة التأسيسية الجديدة بالنسبة للعراق.
إن اللحظة الكبرى في تاريخ الأمم هي التي تشق لنفسها الطريق إلى الكلمة والعبارة والمعنى. ومن ثم تجبر الجميع، كل على مقدار ما فيه من طاقة واستعداد، لتأمل ما فيها والانهماك بأشكال ومستويات مختلفة للمساهمة أما برصف الكلمات وأما بسبك العبارات وأما بتحقيق المعاني. ووراء كل منها قدر من المعاناة هو الصدى العلني أو المستتر لما في هذه اللحظة من اثر واقعي مباشر على الحياة والوعي، أو احتمال كامن فيما أطلقت عليه تقاليد الثقافة العربية عبارة "سر الغيب"، أي الاحتمال غير المتناهي لكمون المستقبل.
من هنا عادة ما تبدو اللحظة التاريخية التأسيسية مفاجأة كبرى، وذلك لأنها تعيد إنتاج حقيقة المفاهيم وإعادة دمجها وتنشيطها في نسيج الوعي الاجتماعي والقومي. وليس هذا في الواقع سوى المقدمة الروحية (العقلية والوجدانية) لنقد الذات الفعلي، أي نقد التاريخ الواقعي من اجل تصحيح مساره المستقبلي. وبالتالي، ليست اللحظة التأسيسية سوى مقدمة صنع التاريخ الطبيعي. والتاريخ الطبيعي هو تاريخ المستقبل. وليس المقصود بتاريخ المستقبل سوى التطور التلقائي عبر تكامل الدولة والنظام السياسي بالقضاء على زمن السلطة. أما مضمون التكامل هنا فهو التطور والتقدم والارتقاء بمعايير المعاصرة والحداثة، أي المؤسسة على جوهرية العلم وديناميكية التطور الاقتصادي ووحدة الحرية والنظام وقيم العدل والمساواة.
فقد كان القرن العشرين رقما لا علاقة له بالعراق. أو أنه عاش قرنا من الزمن لا علاقة له بالتاريخ العالمي. انه قرن الانغلاق والتقوقع والتخلف والرجوع إلى الوراء. انه قرن التضحيات الكبرى والهزائم الكبرى. وذلك لأنه لم يرس أسس المنظومة الضرورية للتقدم الفعلي. كما أن معاناته لم ترتق إلى مصاف الإدراك العقلي والعقلاني لقيمة وأهمية وكيفية تحقيق اللحظة التأسيسية بالنسبة للتاريخ القومي، أي إرساء أسس التاريخ الطبيعي والعقلي للدولة والمجتمع والثقافة. ولا يمكن بلوغ ذلك وتحقيقه دون إرساء أسس النظام السياسي الاجتماعي والعقلاني واستكمال مقوماته الحية وتجاربه الدائمة.
وشأن كل عملية تاريخية كبرى عادة ما يتداخل فيها الوهم والخيال مع الرزانة والحصافة والتعقل الرزين. ولا غرابة في الأمر. فالحياة خليط هائل لا ينتظم إلا بمتناقضاته! وينطبق ذلك بالقدر نفسه على حياة الأمم. إذ لا تنتظم متناقضاتها إلا عبر إرجاعها إلى حقائقها الأولية، أي أولوية الحياة العاقلة، أي المحكومة بما كان أسلافنا يدعوه بالعقل الفعال. فهي المقدمة الضرورية لجعل فكرة الاحتمال الواقعي والعقلاني أسلوب الحياة نفسها. وبالتالي، فان حقيقة اللحظة التأسيسية الحالية بالنسبة للعراق تعادل من حيث الأسلوب والمعنى مضمون العقل الفعال، أي العقل التاريخي للأمة من اجل تذليل مختلف أوهام زمن الخراب والضياع والتخلف!
ذلك يعني أن اللحظة التأسيسية او "لحظة العمر" هي بداية كل وجود فيه. وبما أن الوجود غير متناه، من هنا سوف اكتفي بالقضية الأكثر جوهرية للوجود التاريخي للأمة، أي قضية الدولة والنظام السياسي. فهي القاطرة التي يمكنها أن تسحب عربات الوجود صوب الغاية (المستقبل) او تسقطها في هاوية الضياع أو الموت.
فالإشكالية العصية لوحدة وديناميكية الزمن والتاريخ في العراق هي أولا وقبل كل شيء إشكالية النظام السياسي والدولة. وسوف لن ينتهي عصيانها "المنطقي" والواقعي ما لم يجر تذليل زمن الاغتراب عن حقيقة التاريخ العراقي. وفيما لو جرى تكثيف مسار الدولة العراقية الحديثة ونظمها السياسية من ملكية وجمهورية، ديمقراطية نسبية ودكتاتورية تامة، فإننا نقف أمام حقيقة مرة المذاق والطعم ألا وهي فشل الدولة العراقية الحديثة وتحلل نظامها السياسي. إذ لم يكن الاحتلال الأمريكي للعراق وطبيعة ونوعية المهانة الوطنية والقومية للعراق سوى النتيجة "المنطقية" لواقعية الفشل الفعلي للدولة والنظام السياسي فيه. وبما أن النظام السياسي هو قلب وروح الدولة، من هنا دوره الحاسم بالنسبة للأمة وكينونتها الذاتية، والتاريخ ووعيه الذاتي، والمستقبل وآفاقه، وديناميكية الاقتصاد والعلم والثقافة، ونوعية العلاقات الاجتماعية والقيم.
فقد كان الاحتلال الأمريكي للعراق خاتمة الانحلال الذاتي للدولة العراقية الحديثة ونظامها السياسي. ومفارقة الاحتلال تقوم في انه أنهى الاحتلال أيضا. بمعنى أن ما جرى بعده هو نفي لما كان يسعى إليه، وما يجري الآن هو نفي لزمن الاحتلال والانحلال بقدر واحد. بمعنى أنها بداية التحرر الذاتي الفعلي للعراق الحديث. وهو تحرر معارض وناف "للتحرير الأمريكي" من حيث قواه وآفاقه وغاياته، وذلك لأنه يرسي للمرة الأولى منظومة مرجعياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقيميية والوطنية الخاصة. وليس الاحتراب الدموي ومختلف أشكال ومستويات اللاعقلانية فيه سوى الوجه الظاهري لهذا التحول الكبير. وذلك لان ما يجري ليس إعادة بناء او ترميم للدولة والنظام السياسي والقيم، بل تأسيس جديد ونوعي لهما.من هنا تعقيده الشديد ومرارته الفائقة بسبب ضعف القوى الاجتماعية وتمزقها الداخلي وتراكم أمراضها الهائلة وخرابها المعنوي وتحلل القيم وشبه غياب للنخب الاجتماعية العقلانية بشكل عام والسياسية بشكل خاص. بمعنى أن العراق مازال ركيكا وهشا. وقد يكون عدم نضوج قواه السياسية بشكل خاص احد المؤشرات الجلية بهذا الصدد. بمعنى أن اغلبها ما زال يعيش بمعايير الزمن والغريزة. من هنا هموم السلطة وليس الدولة، والطائفة وليس المجتمع، والجهة وليس الوطن، والأنا وليس نحن. وقد تكون هذه الحالة هي إحدى أقسى العقوبات التي يمكن أن تتعرض لها الأمم عندما تبقى قواها السياسية محكومة بالغريزة والزمن. بمعنى عدم ارتقاءها إلى مصاف التاريخ والرؤية التاريخية. فقد عاش العراق قرنا من الزمن هو "تاريخ" ضائع! وقد تكون هي أحدى أقسى العقوبات التي يمكن أن تتعرض لها الأمة والدولة والثقافة. لأننا نعثر فيها على جهل وتجهيل بقيمة التجارب التاريخية. وهي صفة أقرب ما تكون إلى ذاكرة الحيوان منها إلى عقلية الإنسان. وذلك لما فيها من استعداد على النسيان وتكرار نفس الأخطاء والخطيئة.

الخروج من مأزق الفشل التاريخي

إن الحالة المثيرة للتقزز والغثيان الحالية هي حالة العراق الفعلية، كما أنها حالة اغلب قواه الاجتماعية والسياسية. أنها اقرب إلى حالة الحثالة والهامشية والأطراف. من هنا ضحالة قواه الذاتية الحالية أيضا. الأمر الذي جعل من كل ما فيه مشكلة وإشكالية. بل أن العراق هو إشكالية أيضا. إذ نقف أمام إشكالية الهوية والمجتمع والوطنية والنخبة، أي أمام الإشكاليات التي لا يمكن حل أزمة الفشل التاريخي للدولة والأمة ما لم يجر استنادها جميعا إلى مرجعيات متوحدة كبرى.
فعندما نقارن حالة العراق الحالية بحالة دولا أخرى كألمانيا واليابان بعد هزائم الحرب الشنيعة واحتلالها من قبل قوى خارجية، فإننا نقف أمام ظاهرة استعادتهما السريعة لقوتهما الذاتية وبصورة لا تقل عما كان بل وتفوقت عليها أيضا. وعندما نتأمل حيثيات وأسباب هذا النجاح، فإننا نتوصل إلى أهمية وفاعلية خمس منها وهي وجود مجتمع ونخب، وتاريخ ثقافي، ووعي قومي له مرجعياته الراسخة والمتكاملة نسبيا، وارث علمي وتكنولوجي، وطاقة ذاتية. فقد اثبت نجاح التجربة الألمانية (الغربية) واليابانية، بان التأسيس الناجح للدولة يجري من خلال ربط هذه المكونات بالنظام السياسي. لهذا نرى نجاحه في ألمانيا الغربية وفشله في ألمانيا الشرقية، مع إنهما كلاهما ألمانيتان، والشرقية كانت مركزها الموحد.
أما عراق ما بعد الاحتلال، فانه لا يحتوي من حيث الجوهر إلا على "تاريخ ثقافي" لكنه كامن، وطاقة ذاتية لكنها ليست مؤهلة بعد. أما البقية الباقية فهي إما بدائية وإما مبعثرة. وبالتالي، فان هذه المكونات "موجودة" ولكنها هشة او مفككة او ضعيفة او بدائية. ومن ثم لا يمكنها العمل بآلية منظومة نشطة. ذلك يعني، انه لم يكن في عراق ما بعد الاحتلال قوة او مقدمة قادرة على سحب البقية الباقية، أي انه يفتقد إلى قاطرة قادرة على سحب المكونات الأخرى. وفي هذا تكمن خصوصية مرحلته الانتقالية، كما نراها جلية في شراسة الزمن وشراكة السلطة وشركة الأحزاب والعائلات. لكنها شأن كل شراسة عابرة وشراكة سلطة عرضة للتحلل السريع في ظل ديناميكية تحول خفية ولكنها قوية. والمقصود بذلك ديناميكية التأسيس الجديد للدولة بشكل عام ومركزيتها السياسية وكينونتها الاجتماعية الثقافية. الأمر الذي يجعل من كل رذائلها الحالية فضائل المرحلة الدكتاتورية!
فقد كشف التحول العاصف الذي لف العراق بأثر سقوط التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية وآثاره المستمرة لحد الآن عن حقيقة تاريخية يقوم فحواها في تعقيد ودموية الانتقال من منظومة سياسية إلى أخرى. وهي ظاهرة "طبيعية"، بمعنى أنها تجري بفعل تصارع مكوناتها. إذ إننا لا نعثر في تاريخ الأمم والتاريخ العالمي ككل على تحول جذري في بنية الدولة دون أن يرافقه بالضرورة استثارة للعنف. فالقديم لا يتنازل بسهولة والجديد بحاجة للنمو والقوة. ومن معترك هذين التيارين تتطاير شرارة الاقتتال. وعادة ما ينتهي بفوز من يتحلى بقدر اكبر من الصبر والعقل. بمعنى الصبر على مواجهة قوى القديم، والعقل في صنع البدائل. وهي فرضية لم تتضح ملامحها للأغلبية بعد، لكنها تبقى من حيث المنطق والواقع اقرب إلى البديهة! إذ أننا نرى ملامحها العامة في تذليل تقاليد الراديكالية السياسية، ونمو الرؤية الواقعية والعقلانية تجاه الإشكاليات الكبرى التي يواجهها في ميدان بناء الدولة والمجتمع والثقافة، وتراكم فكرة ونماذج وأساليب الحداثة، والعمل من اجل استمداد مقوماتها من واقع العراق الحديث وبمعايير المستقبل، وأخيرا التحرر المتزايد من ثقل الأيديولوجيات العقائدية. وهي عملية معقدة وشائكة لكنها جلية فيما يتعلق بمسار الانتقال النوعي في الموقف من فكرة الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة والقيم. وبالتالي، فإننا نقف للمرة الأولى في تاريخ العراق الحديث أمام "منظومة" أولية في تذليل نفسية وذهنية الزمن (الفارغ) والانتقال صوب التاريخ الفعلي. وهذه بدورها مازالت تجري ضمن حالة "المرحلة الانتقالية". وهي مرحلة او حالة تتسم بقدر كبير من التعقيد، بسبب تداخل وتشابك مقدماتها ونتائجها، إضافة إلى كونها حالة لم تتحدد معالمها بصورة واضحة بعد، بسبب ضعف تراكم المقومات الجوهرية للتطور التلقائي والديناميكي. مما جعل ويجعل من الواقع العراقي كيانا مازال مراوحا ضمن تقاليد وقيم الزمن الضائع، أي الزمن الذي لم يتحول بعد إلى تاريخ إرساء أسس الدولة الشرعية والنظام السياسي الديمقراطي والعلاقات المدنية والدخول والمساهمة الفعالة في تطوير العلم والتكنولوجيا والثقافة. وفيما لو حاولنا اختصار وتكثيف هذه الحالة بصورة اقرب إلى تصورات الحياة العادية، فإنها أشبه ما تكون بحالة المقامرة والمغامرة.
إن حالة العراق اليوم مازالت أسيرة زمن المقامرة والمغامرة، التي سادت وانتشرت وتغلغلت في كل مرافق وجوده الاجتماعي والسياسي الحديث والمعاصر. وهي الظاهرة التي شكلت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية نموذجها التام! ومن دون الخوض في مقدمات هذه الظاهرة وأسبابها، أصولها وجذورها المتشابكة في التاريخ العراقي الحديث، وبالأخص بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958، فان نتائجها المباشرة كانت جلية في استفحال وهيمنة النفسية الراديكالية للحثالة الاجتماعية والأطراف. الأمر الذي جعل من فكرة الدولة لعبة أطفال أو في أفضل الأحوال جرى مطابقتها مع فكرة السلطة التقليدية. من هنا تراكم نفسية وذهنية التعامل الخشن والبليد مع مؤسساتها التي لم تعد في نهاية المرحلة الصدامية أكثر من "مؤسسة" عصابة عائلية جهوية فئوية طائفية مغلفة بغلاف أيديولوجي لا علاقة له بالواقع والمستقبل. وليس مصادفة أن تنتهي هذه الحالة بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية وانهيار البعث كحزب وأيديولوجية إلى صعود مختلف نماذج الانحطاط المادي والمعنوي، أي كل ذلك المخزون المتهرئ والمتآكل والمضغوط بغطاء القهر والإرهاب المنظم! أما الدولة، بوصفها الحاضنة الضرورية للعلاقات الاجتماعية والسياسية فإنها تحولت إلى مجرد حدود وهمية وارض جغرافية مملوكة لرغبات أفراد وعائلات. وقد ترتب على ذلك صنع احد أتعس وأرذل نماذج "الزمن السياسي" الفارغ، أي الضائع بالنسبة لتاريخ العراق الحديث والمعاصر.
لقد أدى هذا الزمن السياسي الضائع إلى تضييع إمكانية التراكم الطبيعي بالنسبة لإنتاج النخب الاجتماعية بشكل عام والسياسية بشكل خاص. كما كان وما يزال احد المصادر "الطبيعية" لتعقيد مرحلة الانتقال صوب النظام الديمقراطي الفعلي والدولة الشرعية، أي كل ما وجد ويجد طريقه إلى استفحال الطائفية السياسية والعرقية والجهوية والتقليدية للأحزاب و"توافقها" والاستماتة من اجل "حصتها" (المحاصصة) في السلطة وسلوكها العلني والمستتر تجاه القضايا العامة والخاصة. غير أن هذه العملية التاريخية المرة والمريرة تبقى في نهاية المطاف الصيرورة الضرورية لتراكم القوى الاجتماعية السياسية العراقية، أي صعود القوى العراقية الفعلية من رحم المعاناة القاسية للولادة الطبيعية. ومن الممكن أن نطلق على هذه الحالة عبارة الوقوف المرتقب الأول والأكبر أمام النفس. انه وقوف الارتقاب أمام مفترق تكرار الزمن الضائع، أي زمن السلطة ومغامرات ومقامرات الأحزاب والنخب المؤقتة، أو الانتقال إلى تاريخ الدولة، أي دولة القانون والشرعية.
إن هذا الوقوف المترقب هو التعبير المرهف عما يمكن دعوته بدراما المستقبل، أي حالة الافتراق المعقدة والمثيرة بين إمكانية التطور الذاتي المستقل للعراق وبين إمكانية انغلاقه وانكفائه وتعميق "منظومة" التفكك الوطني والاجتماعي. وهو بالقدر ذاته مفترق الانغلاق والانحطاط أو الانفتاح والتطور الذي وقف ويقف أمامه العراق في تجربته الديمقراطية والحقوقية الأولية، أي تعلم انتخاب واختيار القوى السياسية والأفراد من اجل إدارة شئونه بنفسه. لكنه اختيار ما زال يعاني من ثغرات كبرى بسبب المواجهة الخفية بين اتجاه تقوية مركزية الدولة ومنظومة الحقوق وحكم القانون وبين قوى و"مؤسسات" وتقاليد "المحاصصة" في السلطة، و"التوافق" في "الديمقراطية" و"الشراكة" في المال المسروق!

نهاية الزمن الفارغ وبداية التاريخ الفعلي

من بين البديهيات السياسية الكبرى التي يتوقف عليها مسار العملية السياسية المستقبلية في العراق هي استحالة تمثيل الفكرة العامة والبقاء ضمن حدود المكونات الجزئية. وهو سر الخلل الفعال في بقاء "العملية السياسية" العراقية تتراوح في محلها. فعندما نطبق ذلك، على سبيل المثال على فكرة الوطنية العراقية العامة والديمقراطية الشرعية، فإننا نقف أمام إشكالاتها النظرية والعملية. بمعنى كيفية ومستوى فهم المضمون الحالي والمستقبلي للفكرة العامة، ومن هي القوة الاجتماعية والسياسية القادرة على تمثلها وتطبيقها بمعايير الرؤية الوطنية والديمقراطية والشرعية.
فالفكرة الكبرى حالما تصبح جزء من برنامج القوى الجزئية، فإنها تؤدي بالضرورة إلى طريق مسدود. وهو أمر جلي في مجرى الصراع العنيف، الظاهر والمستتر حول "الوطنية العراقية" من جانب مختلف القوى السياسية. وظهر ذلك بوضوح أيضا من خلال مطابقة فكرة "الوطنية العراقية" و"الإجماع الوطني" مع فكرة استبدال "الاستحقاق الانتخابي" "بالاستحقاق الوطني". ويكشف هذا الاستبدال عن طبيعة القوى الجزئية وليس الفكرة. أما القوى التي جعلت من "المقاومة ضد المحتل" من اجل "تحرير العراق وعروبته"، فقد كشفت عن استحالة تحقيقها بفعل طابعها الجزئي، أي طائفيتها السياسية (السنية). ومن ثم لم تكن فكرة التحرير تعادل فكرة الحرية، كما أن شعار عروبة العراق لم يكن أكثر من عرابة السلطة! والشيء نفسه يمكن قوله عن القوى القومية الكردية بهذا الصدد. إذ لم يكن دفاعها عن "الديمقراطية" و"محاربة الطائفية" و"الاستحقاق الوطني" سوى الصيغة الظاهرية للعرقية المتآكلة في مجرى التغيرات الاجتماعية السياسية التي أعقبت فوزها الأول في ظل غياب "العرب السنة" في اقتسام السلطة. وذلك لأن القوى القومية الكردية قوى عرقية بالنسبة للعراق. إذ لا تمثل الوطنية العراقية بالنسبة لها أكثر من 9% والبقية الباقية "كردستانية". وحتى حالما تزيد هذا الرقم إلى 17% أو عشرين أو أكثر، فإنه ليس من اجل تأكيد العراقية بل للحصول على امتيازات عرقية. أما القوى التي تمثل الطيف الشيعي، فإنها القوة الوحيدة التي تحتوي في أعماقها على إرهاصات توسيع المدى الاجتماعي للفكرة الوطنية العراقية. وهي إرهاصات قائمة في صلب وتاريخ التشيع العراقي باعتباره تشيعا للعراق. أما "التكتل السياسي الشيعي" المعاصر فانه مجرد صيغة مؤقتة لاستعادة الفكرة الوطنية العراقية والقومية العربية الثقافية (وليست العرقية أو العنصرية). والسبب والمقدمة الواقعية لذلك يقومان في انه إذا كان منطق الديمقراطية الملازم لفوز الأغلبية يقضي في مجراه على شعور الغلبة، فإن القضاء على شعور الغلبة يفضي إلى سيادة فكرة المسئولية المشتركة والحقوق العامة. وهي عملية معقدة وطويلة نسبيا سوف تسحب الجميع إلى الاشتراك الفعال في تنظيمها بوصفه أسلوب تذليل فاعلية "النسبة" العرضية (من عرقية وطائفية وجهوية وأمثالها) بالنسبة لفكرة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي. وفي هذا تكمن ضمانة التطور التدريجي للنظام الديمقراطي والدولة الشرعية والمجتمع المدني بوصفها منظومة مترابطة. لاسيما وأنها العملية الوحيدة القادرة على تحرير المجتمع والفكر من مختلف الأوهام. وقد تكون أوهام الزمن الطائفي والعرقي من بين أكثرها أهمية بالنسبة لتأسيس الدولة الجديدة وآفاقها المستقبلية.
فالطائفية بشكل عام والسياسية بشكل خاص الواسعة الانتشار في ظروف العراق الحالية ليست إلا الوجه الآخر للانحطاط الثقافي العام وبؤس الحاضر. مما جعل منها على امتداد الصراع المتنامي ما بعد الصدامية الوتر الوحيد لعزف القوى "السياسية" الحزبية الضيقة. ويعكس هذا العزف أولا وقبل كل شيء بؤس الحياة والفكر والثقافة والمستقبل. لكنه بؤس له مقدماته الفعلية في مجرى تراكم التقاليد الراديكالية والإرهاب الشامل الذي ميز النظام الجمهوري في مراحله المختلفة.
فقد فاجئ سقوط التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية المفاجئ الجميع بإمكانية احترابهم الهمجي. بمعنى أنه أفرز للمرة الأولى إمكانية إعادة ترتيب الأمور بطريقة تكسر هيمنة الرتابة الطائفية السياسية السابقة. ولا يمكن لهذا الكسر أن يكون شيئا آخرا غير توسيع وتعميق وتشديد الرؤية الطائفية السياسية ودفعها إلى النهاية، من اجل اكتشاف حدودها، بوصفها بنية تقليدية متخلفة ومن ثم غير قادرة على العيش والانتعاش طويلا في ظروف المعاصرة.
وهي ظاهرة برزت ملامحها الجلية في اشتداد الاختلاف على مستوى "التمثيل الطائفي"، والمتشابه على مستوى "المنهجية" والرؤية والقيم. وهي نتيجة طبيعية. وذلك لان الطائفية من حيث مقدماتها وآلية فعلها واحدة، بوصفها بنية تقليدية مغلقة، أسلوبها الأمثل للسيادة هو الإبقاء على ثنائية السادة والعبيد، أو القادة والطائفة عبر مصادرة العقل وحرية الفكر. وقد أدى الغزو والاحتلال إلى تفجير وتعميق وتوسيع حالة التشوه الكامنة فيه، ومن ثم تخلخل القيم والمفاهيم والمبادئ والشخصية الوطنية. وحاصر هذا التحول التاريخي والانعطاف الراديكالي الجميع في بدايته كما هو جلي في ظهور تكتلات وأحزاب و"شخصيات" طائفية خاطفة! ثم إلى تشرذم طائفي سياسي. مع ما لازمه بالضرورة من احتراب داخلي وتنافس دموي، أي كل ما يعكس خلله الذاتي وانحساره الطبيعي.
والشيء نفسه يمكن قوله عن نهاية أوهام الزمن العرقي (الكردي). ومن الممكن تتبع هذه الحالة من خلال تحليل السلوك العملي والخطاب السياسي للنخب الكردية "القومية" السياسية والمثقفة، أي القيادات التقليدية والمتعلمين، وبالأخص في مجرى "الاندماج" التعيس بمخطط الاحتلال الأمريكي للعراق والتماهي معه، بحيث لم يبق في العراق قوة تتحدث عن "التحرير" غيرها! ولم يكن هذا "التوافق" مع الاحتلال معزولا عن تراكم النزعة العرقية التي لا تصنع في مجرى "كفاحها" غير مختلف عناصر اللاعقلانية والانحطاط. وتراكمت هذه العناصر في مجرى "النضال القومي" للحركات والأحزاب الكردية في العراق من خلال انعزالها التدريجي عنه وانفصامها عن مستقبل الاندماج التاريخي والطبيعي به من جهة، والتكامل مع مختلف القوى التي ناصبته العداء من جهة أخرى.
ولم تكن هذه الظاهرة معزولة عن طبيعة الصراع العالمي الإقليمي الذي لف المنطقة، وبالأخص بعد انهيار الحكم الملكي وحلف بغداد وصعود الراديكالية السياسية. لكنها ظاهرة تعكس من حيث مقدماتها الذاتية طبيعة الضعف الذاتي للحركات القومية الكردية و"القومية" الكردية ككل. ومن الممكن رؤية ملامح هذه الظاهرة في "الرجوع" إلى العراق بعد انهيار الصدامية، أي في تناقض "التخلي عن الاستقلال" السابق للغزو الأمريكي والنضال من اجل "الفيدرالية". وتتعارض هذه الخطوة مع فكرة "التحرر القومي" وتشكل رجوعا إلى الوراء مقارنة بما كان من "استقلال"، لكنها نموذجية فيما يتعلق بكشفها لطبيعة النفسية والذهنية الملازمة للحركات القومية الكردية التي بلغت في مجرى "استقلالها" المحكوم بالغطاء الجوي الأمريكي البريطاني الفرنسي، درجة التقوقع العرقي. ويتمثل هذا التقوقع من حيث آليته وغاياته النموذج الصهيوني، أي "الاحتلال البشري للأرض!"، مع انه لا ارض كردية في العراق بل أكراد فقط.
لقد كان "سر" الرجوع الطوعي إلى بغداد جزء من إستراتيجية السرقة والتأثير "على المركز". ولم يكن المركز في الواقع سوى قوات الاحتلال. بمعنى العمل معها عن قرب من اجل التحضير والتأسيس لفكرة الانفصال. فقد كانت تتوازى هذه الفكرة مع كل الأفعال الظاهرة والمستترة "لقوى التحالف الكردستاني". بحيث نعثر عليها في نمط السرقة والابتزاز العنيف الذي ميز هجوم الميليشيات الكردية بعد سقوط السلطة الصدامية، وفي سلوكها تجاه فكرة ونمط "الفيدرالية"، التي لم تكن في الواقع أكثر من تنظيم يحدد نمط السرقة والابتزاز للمركز، وفي عملها تجاه ترسيخ مبدأ المحاصصة في كل شيء، وفي محاولات ابتزاز الثقافة والمثقفين من خلال "بيوت الثقافة" المأجورة ومهرجاناتها الركيكة، و"علاج" المثقفين المرضى، أي مختلف نماذج الرشوة المبطنة، والقيام بكل "المآثر" الممكنة من اجل تقويض فكرة مركزية الدولة والفكرة الوطنية العراقية.
غير أن النتيجة الجلية الآن هي بداية انهيار المشروع العرقي الكردي في العراق. وهي نتيجة حتمية! إذ يعكس هذا الصعود والهبوط بصورة نموذجية خلل الوعي "الوطني" و"القومي" الكردي، بدأ من الصراع من اجل "الحكم الذاتي" وانتهاء بمغامرة "الفيدرالية العرقية". فقد كان في مجرى تاريخه الكلي والجزئي مجرد عنصر من عناصر الصراعات الإقليمية والأجنبية في المنطقة بشكل عام وفي العراق بشكل خاص. أما "التحالف الكردستاني" فقد كان الصيغة السياسية العملية التي فرضتها الولايات المتحدة في أول الأمر من اجل توظيفه في إستراتيجية "إعادة ترتيب" أوضاع العراق، ومن خلاله "الشرق الأوسط". بينما الآن هو استمرار عادي لصراعات تقليدية وبينية. لكن النتيجة واحدة وهي انه جزء من لعبة عقيمة بالأصل لأنها جزء من مشروع أجنبي وغريب. وفي هذا تكمن حتمية ما أدعوه بنهاية الزمن العرقي.

العابرون الجدد – "جوكر" الخداع الاستراتيجي

للأحداث التاريخية الجسام اثرها في صيرورة الوجود والعدم، او الحياة والموت، والتحدي والاستجابة لإشكاليات الوجود على مستوى الفرد والجماعة والشعب والامة والدولة والثقافة. وبالتالي، فإن مصير الشعوب والأمم هو من حيث الجوهر انعكاس لما فيها من استعداد للفعل والعمل. وينطبق هذا على الجميع، الأمم الكبيرة، والاقوام الصغيرة، والحركات الاجتماعية السياسية والاحزاب ايضا.
وعندما نتأمل حالة العراق ما قبل الغزو الامريكي وبعده منذ عام 2003، فان حصيلته الجلية تقوم في كونها حالة زمنية وليست تاريخية، بمعنى ان العراق عاش ويعيش بمعايير الزمن العابر وليس بمعايير المرجعيات التاريخية الثابتة. والمقصود بالثابتة هنا هو انبثاقها وتراكمها بمعايير التجربة الذاتية الحرة. بينما لم يعش العراق لحد الان بمعايير تجاربه الذاتية، من هنا كثرة ما ادعوه بالعابرين الجدد ما بعد عام 2003، وما قبلها عابرون هامشيون، والتي جسدت الصدامية احد نماذجها الرقيعة وليست الرفيعة. بعبارة اخرى، يكشف المسار العراقي على كامل امتداد القرن العشرين وبدايته القرن الحادي والعشرين عن انه لا وجود تاريخي فيه بل زمن عابر. من هنا سرعة تهشم ما فيه مع كل انقلاب فيه، ومع كل مواجهة جديدة لإشكاليات وجوده السياسي والاجتماعي. ومن هنا هشاشته الداخلية كما نراه بصورة دقيقة سواء على مستوى العامة (الجماهير) او الخاصة (النخب). فكلاهما اقرب الى الحثالة الاجتماعية والسياسية. ولعل الانتخابات الاخيرة (لعام 2018) احد المؤشرات الحية بهذا الصدد. فقد حصلت "سائرون" على اعلى النسب، رغم ان المرء لا يعرف الى اين هم سائرون، وكيفية سيرهم والغاية من السير. فالعراقيون الان يتمتعون بالمشي على الاقدام مئات الكيلومترات الى "الاماكن المقدسة" ولا يمشي أي منهم نصف متر من اجل تنظيف شارعه وجوار مسكنه. من هنا فيما يبدو الاثر الباطني لشعار "سائرون". المهم ان يمشي استنادا الى شعار "الحركة بركة". ولكنها في الواقع ليست بَركة الابداع والحق والرؤية العقلية بل بُركة المستنقع الآسن! وفيها وامثالها نعثر على العينات النموذجية لما ادعوه بهيمنة فكرة الزمن العابر. فالسائر عابر! او كما نراها في شعارات "موصل هويتنا" و"ديالى هويتنا" و"الرمادي هويتنا" وما شابه ذلك. بمعنى تمثل الفكرة الجزئية الضيقة وليس الوطنية العراقية. مع ان المنطق يقول بانه لا موصل ولا ديالى ولا البصرة ولا حتى بغداد شيئا بدون العراق. والشعارات الكردية اسخف واتم في سخافتها بهذا الصدد، بوصفها التعبير الضيق والساذج والعرقي، رغم ان حقيقة العراق هو ليس تجمع اعراق بل هوية وطنية خالصة. وكل من ينفيها او يقتطعها فهو عابر ايضا لا علاقة له بالعراق، ومن ثم لا حقوق له فيه. كما انها غربة الاغبياء. كل ذلك يشير الى ان هيمنة الزمن وانعدام التاريخ عادة ما يؤدي الى الهاوية او الهباء.
كل هذا بدوره لم يكن معزولا من ناحية التقويم الزمني عن طبيعة التحول الراديكالي العاصف الذي حدث بعد انقلاب الرابع عشر من تموز 1958. فما قبل ذلك كان العراق يخطو بمعايير التراكم التاريخي والمؤسسات رغم كثرة المآخذ عليها. وذلك لأنها كانت مرحلة تأسيسية في ظروف الصيرورة الاولية للدولة والمجتمع والثقافة والاقتصاد، أي مرحلة الخروج من تحت رماد العثمانية الى رحاب الاراضي السخية لوادي الرافدين.
لقد ادى هذا الانقلاب الى صعود وهيمنة الراديكالية السياسية، والتحزب المغلق، والصراع الاجتماعي السياسي والمناطقي والقومي في العراق، أي كل ما ادى في مرحلة التوتاليتارية البعثية (بعد عام 1963) حتى عام الاحتلال الامريكي للعراق (عام 2003) مرورا بالدكتاتورية الصدامية الى تخريب الجميع. ولعل اهم نتائج هذه المرحلة (الجمهورية الثانية والثالثة) هو فقدان الهوية الاجتماعية والوطنية للفرد والجماعة والشعب العراقي ككل؛ وظاهرة التحلل الوطني؛ وظاهرة الاجتماع بالإكراه والعنف. وبعد الغزو الامريكي انهارت آلة القمع والاكراه ومن ثم هيكل "الوطنية" و"العراقية" كما لو انها لم تكن. وتحول احتراب الجميع فيما بينهم الى الصيغة الواقعية "للوجود العراقي". وتلاشت كل قيم الوحدة والاخوة والتكافل والثقة المتبادلة، باختصار كل القيم الضرورية بالنسبة لوجود الدولة والمجتمع والشعب. وعوضا عنها اندفعت القوى السياسية المتحزبة، باثر الفراغ الناتج عن الاحتلال كما لو انها قشة لا وزن لها ولا قيمة. واصبح انعدام الوزن والقيمة السمات الملازمة للجميع. وبالمقابل اصبحت السلطة بوصفها اداة الجاه والمال والثروة الغبية، الى العروة الوحيدة والمعصومة من الغرق في هذه المنافسة القذرة.
فقد وقفت القوى الشيعية امام حالة استثنائية نوعية باثر تغييبها من السلطة لقرون رغم كونها القوة الحاملة للعراق بكافة المعاني. فتاريخ العراق منذ المرحلة السومرية ولحد الان هي عالم الشيعة الحالي.
بينما اصيب "اهل السنة والجماعة" بانهيار معنوي شديد. وذلك لا "قوتهم التاريخية" كانت على الدوام مرتبطة بالسلطة على اساس القاعدة القائلة بضرورة الصلاة وراء الامام برا كان ام فاجرا. وبما ان السلطة كانت على الدوام اقرب الى الفجور، من هنا تراكم هذ الشخصية بمعايير الانغماس فيها والتلذذ بنتائجها. بعبارة اخرى، لقد كان سنّة العراق (وما زال اغلبهم) محكومة بهوس السلطة. واغلب تاريخها هو زمن السرقة والعنف الهمجي. من هنا ولعها بالانقلابات التي هو الوجه الاخر لنفسية الغنيمة. فقد كانت وما تزال هويتها الذاتية وطبيعتها المتراكمة باثر الجغرافية الطائفية والمذهبية اقرب الى القوة الهامشية والاطرافية.
اما الاكراد، فانهم يقتربون من "السنّة" بوصفهم قوة هامشية واطرافية مع ضعف ذاتي جوهري. الامر الذي جعل من هذه القوى باثر طبيعتها وتطبعها، على خلاف فيما بينها. وهو خلاف متحدد بالاقتراب من السلطة والثروة والجاه، أي اسخف واتفه انواع الخلاف. اذ لم يكن هذا الخلاف على برامج ومشاريع انتشال العراق من الورطة التاريخية وانسداد افق تطوره الذاتي باثر التخريب الهائل والشامل للدكتاتورية الصدامية، بل على العكس، انه كان يهدف الى تخريب بؤرة التوحيد الضروري لاستمرارية وتراكم فكرة الدولة والمجتمع المدني. الامر الذي اثار حمية التنافس والصراع والمؤامرة والمغامرة. بحيث اصبح الصراع حول كل شيء. وكل طرف يريد سحب البساط من تحت اقدام الاخرين، أي ان المؤامرة والمغامرة اصبحتا القوة الوحيدة الفاعلة في الذهنية "السياسية"، والتي وجد تعبيرها "المؤسساتي" في افكار وقواعد "التوافق" و"المحاصصة" و"الشراكة"، كما لو ان العراق اقطاعيات وعوائل وشركات.
الامر الذي ادى الى نتائج اقل ما يقال فيها غربتها عن العراق والنزعة الطردية عن المركز، والانهماك بكل الرذائل الممكنة والمحتملة، أي كل ما يتعارض مع حقيقة العراق التاريخية وهويته الذاتية. بحيث اصبح العراق اشبه ما يكون بقطع خردوات في مزاد شعبي! بحيث اتخذ التمدد الكردي طابعا مفرطا، واصبح العراق بالنسبة للأكراد غنيمة ينبغي افتراسها، وتحولوا من قوة هامشية الى قوة مركزية. بينما تحول السنّة من قوة مركزية الى قوة هامشية. الاولى تخرّب بمعايير السرقة الشاملة بفعل جوعها التاريخي، والثانية مخربة بمعايير نفسية السلطة المفقودة. من هنا التقاءهما في الوسائل والغايات، أي التقاء المصالح. الاكراد كانوا يسعون لتخريب الدولة وتدمير مركزيتها، والسنّة يفعلون بنفسية الانتقام. من هنا تلاقيهما بوصفهما قوى تخريبية لا وطنية عراقية فيها ولا اجتماعية.
اما بالنسبة للشيعة فقد تاهوا بين مصادر القوة واستراتيجية الخطأ والخطيئة. فقد ساهموا في توسيع مدى الطائفية السياسية عوضا عن سحقها بقوة القانون والقوة. ورفعوا شعار "الطائفة المغبونة" و"المقهورة" و"المظلومة" عوضا عن نفيها بمعايير الفكرة الوطنية ومركزية الدولة. فالطائفة الكبرى حالما تنزل الى مستنقع الطائفية فأنها تتصّغر وتتصاغر بمعايير الفكرة الاجتماعية وفكرة الدولة. ورافق ذلك احترابها الحزبي الداخلي، الذي ضاعت بأثره كل مآثر الشيعة التاريخية والروحية. وتحول الامام علي والحسين وغيرهما الى اداة للاغتراب والسرقة والغش ومختلف اشكال الرذيلة الاخرى. بحيث تحولت العبارة الشهيرة "يا ليتنا كنا معكم لنفوز فوزا عظيما" الى قاعدة الفوز العظيم بالسرقة والنهب، وليس البناء والحرية الفعلية. ومع ذلك كانت القوى الشيعية السياسية، رغم كل خرابها النسبي، هي حاملة فكرة الدولة ومركزتها ووحدة المجتمع المدني بمقاييس التجربة الواقعية للعراق. وقد تجلى ذلك بأتم اشكاله في مجرى الصراع ضد داعش عبر تشكيل قوى الحشد الشعبي، بوصفه القوة الوطنية الهجومية وليس الدفاعية، العراقية وليس العرقية والطائفية. وبهذا يكون قد ارسى بشكل واضح وجلي ما كان يتراكم بعد سقوط الدكتاتورية البعثية الصدامية للانتقال الذاتي من نفسية "الشهادة والتضحية" الخاملة الى نفسية وذهنية التحدي والهموم الوطنية وبناء مركزية الدولة وحدودها الموحدة. الامر الذي تجلى في الاستعادة السريعة والخاطفة للشمال العراقي، ومن ثم رمي قوى الارتزاق الكردية الى حدود "الخط الازرق". وقد كانت تلك هي الخطوة التي لم تكتمل بعد، بمعنى ازالة الخطوط بجميع الوانها ومن ثم اعادة دمج الشمال العراقي بوسطه وجنوبه، وتصفية اية قوة تعارض او تعترض على ذلك. وبغير ذلك سيبقى العراق مليئا بالثغرات، خصوصا اذا اخذنا بنظر الاعتبار فقدان الاغلبية الكردية للمشاعر الوطنية العراقية، واغترابهم عن تاريخه. الامر الذي يشير الى غربتهم عنه واغترابهم عن مصيره. من هنا نفسية التخريب والسرقة والاستعداد الدام للخيانة الوطنية، وبالأخص في التيار البارزاني. ويقترب منه بهذا الصدد اغلب التيارات السنيّة. اذ تحولت دول الخليج والسعودية، بوصفها القوة المعادية للعراق بالغريزة والتاريخ والثقافة والمذهب والدين والمصالح والتوجه، الى "مكة" الموائد والرشوة.
كل ذلك جعل من العراق لحد الان قوة رخوية بمعايير الجسد، وهشة بمعايير الروح. وكشفت الانتخابات الاخير لعام 2018 عن هذه الحالة. بمعنى امتلاء الصراع من جديد بالقبح الاخلاقي والمعنوي والسياسي كما هو جلي في تزوير الانتخابات ونتائجها، والسرقة والتهديد، بمعنى ان نفسية العصابة والسرقة ما زالت تتحكم في نفسية وذهنية الاغلبية الساحقة من القوى السياسية. ومن جديد اخذت بالنتوء المؤامرات وراء الكواليس من اجل مناصب السرقة والابتزاز.
غير ان هذه الحالة المزرية التي تكشف عن دناءة اغلب القوى السياسية وشبه الانعدام الفعلي للروح الوطنية والدولة، اظهرت ايضا القدر الضئيل من مساعي التجديد واخراج الرعيل القديم من البرلمان، ولاحقا السلطة ومؤسساتها. الا ان كل هذه التحولات مازالت زهيدة وغير ثابتة لأنها تفتقد الى المؤسسات، وقواعد الكفاءة، والاحتراف، والمسئولية، والرقابة القانونية والاجتماعية، وتطبيق القانون كما هو، وكثير غيرها. الامر الذي يشير الى امكانية المراوحة في مستنقع الخراب والتخريب.
ان تجربة خمسة عشر عاما تكشف عن ان الدولة والعراقية وافاق تطورها مازال هشا. اذ لا ثبات فيها لحد الان لغير السرقة والنهب. وهذه من المفارقات التي يصعب حلها احيانا بالعقل والمنطق. ولا يبقى من حيث الجوهر الا الاسلوب المجرب الا وهو استعمال القوة للتوحيد القسري على الطريقة البيسماركية، بوصفها طريق التوحيد ومن ثم بلورة استراتيجية البدائل عبر الرجوع الى النفس وارساء الاسس السليمة "للجمهورية الرابعة". واستكمال ذلك او بالترافق معه الاشتراك الفعال في بناء التحالف الاقليمي العراقي الايراني السوري اللبناني، بوصفه محور المقاومة من جهة، واعادة ترتيب المثلث العربي(العراقي السوري اللبناني) - الايراني – التركي من جهة اخرى. وبالتزامن مع ذلك العمل من اجل الاخراج النهائي والتام للقوى الاجنبية وبالأخص الامريكية من العراق والمشرق العربي. انها مهمة المستقبل الضروري للعراق من اجل انتشاله من المأزق التاريخي الفعلي الذي ادت اليه الدكتاتورية الصدامية والاحتلال الامريكي. وبالتالي اعادة الهيبة الفعلية للدولة العراقية والعراق، ومن ثم تفعيل دوره الذاتي والاقليمي.


الجمهورية الرابعة – "جمهورية الاحتمالات" و مرجعية الرجوع إلى النفس.

أدى سقوط التوتاليتارية البعثية في العراق في نيسان عام 2003 إلى انتهاء فترة طويلة من تاريخ الجمهوريات الدموية الخارجة على القانون. وللمرة الأولى بعد أربعة عقود من الزمن ظهرت إمكانيات متنوعة للاحتمالات في التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي. فقد شكل سقوطها في عام 2003 مرور أربعين عاما بالضبط بعد استيلاء حزب البعث على السلطة في الانقلاب الغادر عام 1963. ويرتقي هذا الزمن من حيث رمزيته وفاعليته في تكون الأفراد والشخصيات إلى مستوى النضج الكامل و"سن الحكمة" و"النبوة". وفيه يتولى الناس أيضا شئون موتاهم بطريقة توحي بان أمرا ما قد انجز وبلغ التمام. ويواجه العراق هذه الحالة الفعلية في وقوفه أمام احتمالات هائلة في مختلف الميادين للبرهنة على نضوجه المادي والمعنوي. تماما بالقدر الذي تشكل معيارا على نضجه السياسي والاجتماعي في مواجهة الإشكاليات الكبرى لإعادة بناء الدولة والمجتمع.
إن انتهاء الديكتاتورية البعثية الصدامية يعني في الوقت نفسه انتهاء واحدية "الاحتمال". مع أن الاحتمال يفترض بحد ذاته التنوع. غير أن التوتاليتارية ضيقت على كل شيء بما في ذلك مفهوم الاحتمال، الذي يشكل من حيث الجوهر نقيضها المادي والمعنوي. إذ قضت على كل الاحتمالات، وأبقت على يقين واحد يقول، بان المستقبل هو الموت فقط. ومنه صنعت فكرة ونموذج الوحدة التي يشترك في اصفرارها وخمولها وفسادها الموتى جميعا! من هنا فإن التحول العاصف الذي لف العراق بعد عام الغزو الامريكي لا يقوم في انتهاء مرحلة "الجمهورية الثالثة" فحسب، بل وفي تنوع الاحتمالات العديدة لتطوره اللاحق. الأمر الذي يجعلنا نضع فكرة الاحتمال بوصفها العنصر الأكثر جوهرية في تحديد ماهية "الجمهورية الرابعة".
ليست "الجمهورية الرابعة" التي ما زالت إمكانية أكثر منها واقعا سوى المشروع السياسي والثقافي المحتمل للدولة العراقية المقبلة. وفي الإطار العام ليست "الجمهورية الرابعة" في الواقع سوى الفرضية الكبرى التي يمكنها (وينبغي أيضا) تمثل تجارب العراق في مختلف الميادين منذ نشوئه وحتى الآن عبر اختزالها التام في مشروع اشمل وأتم لبناء الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافية الإنسانية المتفتحة. وبالتالي ليست هناك من مهمة كبرى ينبغي البرهنة عليها أكثر من تحقيقها بأساليب ديمقراطية. ولا يمكن تنفيذ هذه المهمة دون تقييم التجارب السابقة بشكل عام وتجربة العقود الأربعة بشكل خاص لما لها من آثار مازالت سارية المفعول في استمرار الخلل البنيوي الشامل في الدولة والمجتمع والاقتصاد والثقافة والقيم. ولعل المرجعية الكبرى الآخذة بالنمو بهذا الصدد، رغم تناقضاتها الفجة أحيانا، تقوم فيما يمكن دعوته بادراك أهمية وجوهرية الرجوع إلى النفس، باعتبارها مهمة تأسيس الدولة الحديثة.
فإذا كان ضلال الأفراد، أيا كان نوعه ومستواه، هو جزء من حياتهم الشخصية، فإن ضلال الأمم هو عين السقوط في هاوية الأوهام والرذيلة. فالأول جزء من دراما الحياة ومن ثم يحتوي على إمكانيات متنوعة النتائج، بينما لا يحتوي الثاني إلا على قدر محتوم هو ضياع الأمل وانحطاط الوجود. فالابن الضال يعود وفي انتظاره عيون حنونة، بينما ضلال الأمم هو ضياع الروح وتيه الجسد! وهي حالة مأساوية نادرة الحدوث، لكنها تحتوي مع ذلك على إمكانية واحتمال صنع مأثرة تستحق الغناء والتمجيد أو مسخرة لا قيمة لها. وفي كلتا الحالتين ليس أمام العراق مهمة المفاضلة بينهما مازال يقف أمامهما بوصفهما جزء من مصيره الفردي والوجودي. بمعنى وقوفه أمام حالة فريدة ونادرة في تاريخه العريق، كما لو انه يريد البرهنة من جديد على بديهة قد يكون هو أول من عانى من اجلها وأسس لها بمعايير الحس والعقل والحدس، ألا وهي أن رؤية الظلال في الضلال هي بداية الصعود الفعلي لأشعة الوعي الذاتي. ولا يمكن لهذا الوعي أن يتكامل إلا بعد تأسيسه لفكرة "الرجوع إلى النفس" بوصفها مرجعية متسامية.
وليست هذه "الاظلة" سوى الصيغة الأولية لحركة الوعي الاجتماعي والسياسي باتجاه إدراك قيمة الرجوع إلى النفس. وسوف تستغرق هذه العملية فترة طويلة نسبيا، بسبب كمية ونوعية الانحطاط المادي والمعنوي الذي تعرضت له بنية الدولة والمجتمع والثقافة بشكل عام والسياسية منها بالأخص. وما لم ترتقي النخب الاجتماعية والسياسية إلى مستوى تمثل إشكاليات العراق باعتبارها إشكالاتهم الخاصة، وتمثلها في الأقوال والأعمال والرؤية الإستراتيجية للبدائل، فإن الضياع يبقى ملازما لحالة العراق.
فالإسقاطات التاريخية مثل التعميم السريع هي الصيغة الخربة للاجتزاء والتطويع الأيديولوجي. وعادة ما تلازم هذه الصفة الوعي السياسي المبتذل، كما أنها عادة ما ترافق نشوة المنتصر ومرارة الحسرة القابعة في أعمق أعماق النفس الغضبية حالما تتعرض للهزيمة والانكسار. ومن الممكن رؤية ملامح هذه الحالة في الخطاب السياسي للقوى "المنتصرة" و"الخاسرة" في ظروف العراق الحالية. مع ما يرافقها من بروز لمختلف نماذج الخطاب الطائفي. وهو خطاب لا عقلانية فيه ولا واقعية. ومساهمته الوحيدة تقوم في إذكاء نفسية العداء والانغلاق، وتجميد العقل والبصيرة، وإجبار الضمير على قبول الرذيلة والانهماك في تبريرها وتجميلها و"تقدسيها". وفي نهاية المطاف تحويل طبيعة الإنسان الاجتماعية إلى تطبع على احتقار قواعد العيش المشترك. ولا يتفنن في تصنيع وتهذيب هذه الهمجية وقدرتها على القتل والفتك شيء أكثر من النزعة الطائفية والعرقية، بوصفها الحلقة التي تقفل على المرء والجماعة إمكانية التحرر من ثقل الماضي. بمعنى العيش والبقاء بما فيه من قيم ومفاهيم. وبالتالي إخضاع الحياة إلى أصنام ميتة.
ومفارقة الظاهرة تقوم في أن الأصنام الميتة اشد فاعلية من غيرها على تمويت العقل والروح والضمير. ويمكن رؤية ملامح هذه الحالة في طبيعة وحجم التمويت السياسي للعقل النقدي والروح الاجتماعي والضمير الوطني. وتشير هذه الظاهرة بحد ذاتها إلى نوعية العقوبة العقلية والأخلاقية والروحية التي يتعرض لها العراق حاليا. لكنها "عقوبة" تاريخية سياسية ثقافية هي الثمرة الخربة لزمن الراديكالية السياسية ونموذجها "الأرقى" في التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية.
إن صعود مختلف مظاهر اللاعقلانية في العراق كان نتيجة مترتبة على تراث هائل من تقاليد الاستبداد والقهر والاغتراب عن حقيقة العراق ومكوناته التاريخية الجوهرية، ومرجعيات ثقافته الذاتية. ونعثر على هذه الصورة ونموذجها التاريخي في كيفية صعود الأموية وممارستها الخاصة تجاه العراق. فقد كان التاريخ الأموي فيما يتعلق بالعراق هو حلقات متراكمة من الإرهاب والقتل العنيف لسلسلة ولاة قساة، بدأ من عبيد الله بن زياد ومرورا بالحجاج الثقفي وخالد القسري وانتهاء بيوسف الثقفي. فقد صنع هذا التاريخ بدوره حلقات لا تنتهي من الاحتجاج والانتفاض والتمرد أدت في نهاية المطاف إلى انهيار الأموية واندثارها التاريخي، بوصفها قوة لا علاقة جوهرية لها بالعراق، ولا رابط يربطها به غير استخراج الخراج وسرقة ثرواته وانتهاك حرماته.
ومثلت الصدامية في الواقع الصيغة "الحديثة" للأموية القديمة. بمعنى أنها جسّدت بصورة نموذجية تقاليد الاستبداد والقهر والاغتراب عن حقيقة العراق. فتاريخها هو زمن القتل والتهجير والحرب والإبادة، ووجودها هو اغتراب دائم عن كل مرجعياته الثقافية الذاتية. فقد جعل من دار السلام دار الحرب والقبيلة والعائلة، وتلاشت قيمة العلماء والأدباء والفنانين والمفكرين، وأصبحت مرتعا لمرتزقة العسكر والإعلام المؤدلج والأذواق الرخيصة. واندثرت فيه كل معالم التطور والتقدم والرقي، بحيث تحول العراق إلى كابوس يجثم بثقله على كاهل الأحياء. ولم يعد العراق غير كمية من الثروات المصدرة والآثار المهربة للبيع في مزاد الانحطاط الذي أشرك في ولائمه كل من هب ودب! وقد أدت هذه العملية بعد عقود مريرة إلى تفريغ كامل للعراق من مكوناته التاريخية الجوهرية. وليس مصادفة أن يستعيض العراقيون البسطاء في نطقهم لاسم صدام بكلمة هدام! وهو "السجع" الوحيد الذي يمكن أن يصنعه زمن الاستبداد والانحطاط. لكنه سجع يحتوي في أعماقه على الصدى التاريخي لأرث عريق من طلب الثأر والانتقام من كل ما هو مغترب ويسعى لتغريب العراق عن مرجعياته الثقافية الذاتية.
ذلك يعني، أن التجربة التاريخية المتكررة لانتقام السلطة المضاد تكشف عن نمو يفوق كل التصورات المحتملة في نوعية وكمية انتقامها. فإذا كانت المعارضة العراقية تعادي السلطة بقيم الحق والشرعية والعدالة، فإن السلطة كانت تنتقم من المجتمع وقواه الحية. وهي العبرة التي استطاع العباسيون فيما مضى تمثلها والاستفادة منها من خلال إلغاء فكرة الأموية ونموذجها ومكوناتها وقواها الذاتية. كما كانت المقدمة التي أدت في الواقع إلى نشوء وتطور الحضارة العربية الإسلامية بوصفها ثقافة كونية. ومن ثم فهي "النموذج" القابل للإحياء بالنسبة للدولة العراقية الحديثة. من هنا فان السؤال الجوهري والعملي الأكبر يقوم في كيفية الانتقال من أموية مغتربة عن العراق إلى "عباسية" عراقية. إن ملامحها تتراكم أمام العيان، رغم تباين المرحلة واختلاف القوى المشتركة في الانتصار عليها. ففي الماضي أدت الأموية بفعل تشريدها للقوى العراقية والانتقام من كل عراقي، إلى أن جعلت "الداخل" و"الخارج" يحتمي فقط برغبة الانتقام والتشفي منها. وفي الماضي ظهر أبو مسلم الخراساني، والآن من تدعوهم بقايا الأموية "بالصفويين". أما في الواقع، فإن كل "السلطة" الحالية هي من "الخارج". أنها قوى مهجرة ومغرّبة من جانب الأموية الصدامية وليست مغتربة بذاتها. إن كل القوى المعارضة هي من "الخارج" (المجلس الأعلى، والدعوة، والأحزاب الكردية، والليبراليون، والشيوعيون، والمستقلون وغيرهم). إنها القوى التي تكتلت من خلال تفاعل إشكاليات صراعها مع الصدامية، لكنها كانت جميعا محكومة بقوة المواجهة العنيفة ضد القهر والاستبداد والتهجير. والاستثناء الكبير الوحيد هو للحركة الصدرية، بوصفها حركة "الداخل" المهمش والمهان والمبعد والمحتقر! ومن تلاقي وتواجه وتصارع قوى "الخارج" و"الداخل" العراقي ظهرت إشكاليات سوء الفهم، المحكومة في اغلبها بسبب الاحتلال الأمريكي. ومهما يكن من أمر القوة التي أسقطت الصدامية، فإن الواقع يشير إلى أن سقوط الأموية الصدامية هو بداية الاحتمالات المتنوعة للبدائل. وإذا كان من الصعب تحديد آفاقها بصورة دقيقة، فإن مما لا شك فيه هو حتمية اشتداد الصراع لكي تتم عملية ما يمكن دعوته بالتطهير الذاتي. وهي عملية أشبه ما تكون بالطوفان، لا يقف إلا حيث تقف قوة اندفاعه الذاتي. وكما حدث بعد سقوط الأموية الأولى من تصفية وتطهير لها واستكمالها بظهور الخليفة "السفاح"، فإننا نقف أمام ظهور سفاحين صغار وكبار. وهي عملية لا يمكنها الهدوء ما لم تبلغ نهايتها. كما أنها العملية المؤلمة التي تتصف بقدر كبير من الدموية والعنف. وبالتالي ليست الطائفية السياسية والعرقية والجهوية وغيرها سوى بعض مظاهرها. وسوف تجبر هذه المظاهرة الجميع على إدراك حدودهم الذاتية، ومن ثم البحث عن "مساومة" تاريخية جديدة تعيد للعراق إمكانية بناءه الذاتي. بمعنى التوصل إلى أن إعادة بناء العراق تفترض الانطلاق من مشروع عراقي خالص، بوصفه مشروع المستقبل. ولا يمكن تحقيق هذه المشروع دون صنع وحدة ديناميكية بين فكرة وآلية عمل النظام السياسي والدولة. ولعل أفضل صيغة واقعية لها في ظروف العراق الحالية هي فكرة مركزية الدولة ودولة القانون من خلال تنشيط وتوسيع مدى فكرة الأغلبية السياسية والقضاء على كل نماذج التجزئة التي شكل "نظام المحاصصة والشراكة والتوافق" نموذجها العملي.
والمقصود بمركزية الدولة هنا هو شرعية سلوكها المحكوم بالقانون، بوصفه أساس ومصدر الإرادة الوطنية القادرة على الفوز في معركة المستقبل. وهو الرهان التاريخي الذي ينتظره العراق كدولة ونظام سياسي ومنظومة اجتماعية واقتصادية وعلمية وثقافية تلامس كل هموم الأفراد والجماعات والمجتمع.
مما يضع أمام جميع الحركات السياسية والاجتماعية العراقية المعاصرة بغض النظر عن عقائدها مهمة إدراك العبرة التاريخية والسياسية والأخلاقية من تجربة التخريب الشامل التي لازمت زمن التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية ومرحلة "الحكم المؤقت" و"نظام المحاصصة". أما فكرة دولة القانون، فان المقصود بها هو الصيغة المثلى لتمثل حقائق التاريخ العراقي الحديث. وهي المهمة الأعقد بسبب انعدام تقاليد الدولة ومؤسساتها. من هنا شراسة المواجهة العلنية والمستترة من قبل البنية التقليدية للأحزاب بشكل خاص. وفي الوقت نفسه هي مهمة وطنية كبرى، لأنها تضع احد اخطر الشعارات الدقيقة أمام اختبار فعلي وتاريخي كبير، يرتبط نجاحه بنجاح بناء الدولة الحقيقية. وهذا أمر مستحيل دون الربط الفعال بين مركزية الدولة وبناءها على أسس الاحتراف المهني والعلم الحديث، وليس على أساس الانتماء الحزبي والعقائدي. فالأخير عاجز عن تمثل حقائق التاريخ والعلم. بينما دولة القانون هي تاريخ فعلي وعلم دقيق مفتوح على كل الاحتمالات العقلانية والإنسانية.
***





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,092,073,071
- غاندي وعقدة -القادة العرب-
- إبراهيم بن ادهم - شخصية ومصير
- آفاق الصراع الديني في المشرق العربي المعاصر
- تصوف ومتصوفة
- إيران وسوريا في ميدان الصراع الروسي - الأمريكي (2-2)
- إيران وسوريا في ميدان الصراع الروسي - الأمريكي(2-1)
- الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي(3-3)
- الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي (2)
- الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي(1-3)
- فلسفة البديل العقلاني العراقي
- الطريق المسدود للطائفية السياسية
- الطائفية السياسية: عقيدة الأفق المسدود
- الطائفية السياسية أداة الخيانة الوطنية
- الدولة العراقية وإشكالية المؤقت والثابت فيها
- محمد عبده وتأسيس الفكرة السياسية والحقوقية للإصلاح
- محمد عبده - تأسيس الروح الثقافي
- محمد عبده ومهمة تأسيس العقل الثقافي
- محمد عبده: إصلاح التربية طريق الإصلاح الحق
- محمد عبده وفكرة التدرج في الإصلاح
- الفكرة الإصلاحية عند الشيخ محمد عبده


المزيد.....




- إصابة مستوطنين في إطلاق نار وسط الضفة
- عمان تسمح بالجمع بين الجنسيتين العمانية واليمنية
- موسم العودة إلى سوريا.. أقاصيص من آخر أيام الشتات
- ريفر بليت يختطف الفوز من بوكا جونيورز بثلاثة أهداف لهدف ويتو ...
- مقتل جمال خاشقجي: السعودية ترفض تسليم المشتبه بهم لتركيا
- المعلم في العراق.. إهمال رسمي ثم تهديد بالضرب
- سي أن أن: شخصيات عليا بالرياض اطلعت هاتفيا على قتل خاشقجي
- بسبب احتجاز المدير المالي لهواوي... الصين تلغي اجتماعا مع وف ...
- عاصفة ثلجية تضرب عدة ولايات أميركية
- حصري.. آخر كلمات جمال خاشقجي وتفاصيل التسجيل الصوتي لمقتله


المزيد.....

- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد
- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب
- اللامركزية المالية / أحمد إبريهي علي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميثم الجنابي - تقييم تجربة بناء الدولة العراقية (2003-2018)