أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السيد إبراهيم أحمد - رمضان بين -التواحيش- ورجاء القبول..














المزيد.....

رمضان بين -التواحيش- ورجاء القبول..


السيد إبراهيم أحمد
الحوار المتمدن-العدد: 5903 - 2018 / 6 / 14 - 20:44
المحور: الادب والفن
    



سأل أحد المسلمين الشيخ: هل عُرِفَ التوحيش في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأجابه الشيخ: لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة ما يسمى بالتوحيش، وإذا لم يكن الأمر تعبديًا، ولم يعتقد من يمارسون التواحيش إنه ليس عبادة بل هو على سبيل الإنشاد وكانت النية فيه على ذلك فهذا جائز، من باب وإنما الأعمال بالنيات. ويتشدد البعض فيرى أن النشيد على المآذن وَغَيرهَا بتوديع رَمَضَان والمقصود به التوحيش بِدعَة قبيحة يجب أَن تُتْرك.

وتبدأ أيام التواحيش مع بدايات العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، والتواحيش غير التواشيح ويصوب البعض نطقها فيردها إلى أصلها "تواشيح" بالخطأ، أما التواحيش فهي تلك الأناشيد والأغنيات والقصائد التي تتسم كلماتها بوداع شهر رمضان وخاصة في الجمعة الأخيرة من رمضان تلك التي تسمى بالجمعة اليتيمة، وغالبًا ما يحرص من يؤديها على إظهار مدى الحزن والتفجع على اقتراب رحيل أيام هذا الشهر الذي تفر أيامه سراعًا، سواء أكان من يؤديها من المغنين، أو المنشدين، أو حتى المسحراتي: (لا أوحش الله منك يا شهر رمضان.. يا شهر القرآن.. يا شهر المصابيح.. يا شهر التراويح.. يا شهر المفاتيح لا أوحش الله منك يا شهر الصيام، لا أوحش الله منك يا شهر القيام، لا أوحش الله منك يا شهر العزايم، لا أوحش الله منك يا شهر الولائم).

و"لا أوحش الله منك"، أي لا أذهبك الله، فتوحش أحباءك من جانبك بالفراق، كما قال الخوارزمي في معناها، ومبناها عند كل مسلم وإن لم يملك بلاغة الشعراء الذين ملأت أبياتهم الغارقة النائحة على حرقة فراق الشهر الحبيب عشرات الدواوين، أو من الأدباء الذين يملكون ناصية الكلم المنثور في بث لواعج الأسى فيما كتبوه وحفظت الدنيا مقولاتهم.

وهذا ما يعني أن التواحيش وإن كانت بدعة من ارتباطها بعبادة لو ظن صاحبها ذلك مرفوض أو بدعة تدور بين السيئة والحسنة كما يذهب في ذلك من ينتصر لها أو يهاجمها، إلا أن التواحيش والشوق إلى لقاء رمضان، وحر البكاء بالدموع الثخينات من المآقي، كلها تأتي من انفعال إنساني لا يستطيع أن يمنعه أحد بفتوى هنا وهناك، وإذا قيل أنها ـ أي التواحيش ـ معروفة منذ القرن السادس الهجري، إلا أن هذا لا يمنع أن وداع رمضان كان له مذاق آخر عند من سبق من الصحابة رضوان الله عليهم.

رُوي عن علي رضي الله عنه أنَّه كان يُنادي في آخِر ليلة من شهر رمضان: "يا ليتَ شِعري! مَن هذا المقبول فنهنيَه، ومَن هذا المحروم فنعزيَه".

وكان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول عندَ رحيل الشهر: "مَن هذا المقبولُ منَّا فنهنيَه، ومَن هذا المحروم منا فنعزيَه، أيُّها المقبول هنيئًا لك، أيها المردود جبَر الله مصيبتَك".

كانوا يعلمون أن الرحيلَ سنة من سنن الله الكونية، ولهذا كانوا يجتهدون في إتْمام العمل وإكماله وإتْقانه، ثم يهتمُّون بعدَ ذلك بقَبوله، ويخافون مِن ردِّه، وهؤلاء الذين قال الله عنهم: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60]"، كما يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي.

مدار الأمر على الاستيحاش من رمضان ومرور أيامه سراعًا لم يكن التعويل فيها على وداعه فحسب، وعلى العمل الذي عمله المسلم الصائم القائم فحسب، بل كان مدارُ الوحشة بين الرجاء من الله أن يقبل العمل، والخوف كل الخوف أن يرد على العاملين عملهم، حال الوداع نابع من فهم عميق لقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60]، فكانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر حتى يبلغهم رمضان، فإذا بلغوه اجتهدوا في العبادة فيه، ودعوا الله سبحانه ستة أشهر أخرى أن يتقبَّل منهم رمضان؛ خوفًا من ردِّه.

ولقد كان الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوصي من حوله بقوله: "كونوا لقَبول العمل أشدَّ اهتمامًا منكم بالعمَل"، ألم تسمعوا الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27].

تقول أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: سألتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60]، قالت عائشةُ: أَهُمُ الذين يَشربون الخمر ويسرِقون؟ قال: "لا يا بنتَ الصِّدِّيقِ، ولكنَّهم الذين يصومون ويصلُّون ويتصدَّقون وهم يخافون ألاَّ يُقبَل منهم، أولئك الذين يُسارعون في الخيراتِ وهُم لها سابقون".

وكانوا يحرصون على الاستغفار حرصهم على قبول العمل مع رحيل رمضان، ذلك أن الإستغفار ختام الأعمال الصالحة كلها فيختم به الصلاة والحج وقيام الليل ويختم به المجالس فإن كانت ذكرا كان كالطابع عليها وإن كانت لغوا كان كفارة لها فكذلك ينبغي أن تختم صيام رمضان بالاستغفار، كما يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف.

ولما تقدم علمه كان الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز يكتب آمرًا الأمصار أن يختموا شهر رمضان بالاستغفار وصدقة الفطر فإن الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث؛ فالاستغفار يرقع ما تخرق من الصيام باللغو والرفث.

واستيحاش رمضان وانتظاره أمر جبلي إنساني، نرجو بلوغه في العام القادم، ونرجو من الله أن يتقبل أعمالنا في العام الذي نحن فيه، وأقول كما قال ابن الجوزي في "التبصرة": (عباد الله إن شهر رمضان قد عزم على الرحيل، ولم يبق منه إلا القليل، فمن منكم أحسن فيه فعليه التمام، ومنْ فَرط فليختمه بالحسنى والعمل بالختام، فاستغنموا منه ما بقى من الليالي اليسيرة والأيام، واستودعوه عملًا صالحًا يشهد لكم به عند الملك العلاّم، وودعوه عند فراقه بأزكى تحية وسلام).





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,931,915,097
- رمضان: مدرسة لا تغلق أبوابها..
- التاريخ وشهر رمضان تعانقا
- باكورة انتصارات الإسلام في رمضان
- السويس: مدينة النضال والجمال..
- أعلام العرب في تقديم الثقافة -موجزة-..
- مسرحية: -المنعطف الأخير-..
- مسرحية: -العائد الذي ما عاد-..
- استرشاد المرأة العصرية بحياة أمهات المؤمنين.
- أيَّامٌ في دَنْدَرَة..
- لقاء في -ساحة النور- بدندرة..
- صور الحب في فكر الدكتور محمد حسن كامل
- الشهيد عبد المنعم رياض: دلالات النشأة والوطنية..
- مفهوم -الشعر- في فكر الدكتور محمد حسن كامل..
- قراءة في بناء ومعوقات رأس المال الاجتماعي عبر المجتمع الافتر ...
- تقدمتي لقصة ” شاء قدري”.. للكاتبة هزيل حورية..
- الهجرة النبوية: المقدمات والنتائج..
- -حول المجتمع الافتراضي-.. حوار مع عالم الاجتماع الدكتور وليد ...
- حوار حول الأمازيغية مع الشاعر الباحث عادل سلطاني
- التصوف وعلاقته بالتشيع.. الافتراق والالتقاء
- -مالك بن نبي- .. رؤية جزائرية


المزيد.....




- عمر روبير هاملتون يفوز بجائزة الأدب العربي لعام 2018، عن روا ...
- صدر حديثا ديوان «بعض الورد يخنقني عبيره» للشاعر إياد المريسي ...
- كتاب «مفهوم الشر في مصر القديمة» للدكتور علي عبد الحليم
- عودة يوسف شاهين
- العثماني يلزم أعضاء حزبه بعدم الرد على تصريحات الطالبي العلم ...
- إطلاق وتوقيع كتاب -حياة في عنق الزجاجة- للكاتب الفلسطيني هما ...
- مؤسسة عبدالحميد شومان تعلن أسماء الفائزين بجائزة أدب الأطفال ...
- الشارقة تهدي أبناء الإمارات 138 فيلماً عالمياً في مهرجان سين ...
- مصطَبة الآلهة السومرية: هل سترحل من لندن إلى أبو ظبي؟
- الشارقة تهدي أبناء الإمارات 138 فيلماً عالمياً في مهرجان سين ...


المزيد.....

- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السيد إبراهيم أحمد - رمضان بين -التواحيش- ورجاء القبول..