أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعود سالم - رماد الأراضي المحروقة















المزيد.....

رماد الأراضي المحروقة


سعود سالم
الحوار المتمدن-العدد: 5899 - 2018 / 6 / 10 - 14:38
المحور: الادب والفن
    


١ ـ قطعة ارض محترقة مثبتة باربعة مساميرعلى جدار ابيض. الصورة الأولى، يتبعها سؤال.
٢ ـ متكئا على جذع شجرة وسط قطعة أرض محترقة مثبتة باربعة مساميرعلى جدار ابيض. الصورة الثانية، يتبعها إنتظار.
٣ ـ الرجل المتكئ على جذع الشجرة وسط قطعة أرض محروقة مثبتة باربعة مساميرعلى جدار ابيض، ينهض من مكانه بتثاقل، يلتقط فأسه ويبدأ يحفر. صورة أخرى، يتبعها ترقّب.
٤ ـ الرجل المتكئ على جذع الشجرة وسط قطعة أرض محروقة مثبتة باربعة مساميرعلى جدار ابيض، ينهض من مكانه بتثاقل، يلتقط فأسه ويبدأ يحفر، ويحفر ويواصل الحفر حتى يكاد يختفي جسده وسط الحفرة العميقة مع هبوط الظلام. صورة أخرى، يتبعها حتما ليلة طويلة.
٥ ـ كف عن الحفر، وقفز خارجا من الحفرة العميقة مع بروز أول خيوط الفجر، قذف بفأسه على كومة التراب التي تحيط بحواف الحفرة وعاد وأتكأ على جذع الشجرة وسط قطعة ألأرض المحروقة والمثبتة باربعة مساميرعلى جدار ابيض. صورة خامسة، يتبعها إحساس بالفشل.
٦ ـ ينهض من مكانه بتثاقل، يلتقط فأسه ويبدأ يحفر من جديد، يحفر ويحفر حتى لمست الفأس جسما صلبا في القاع، وقفز خارجا من الحفرة العميقة مع بروز أول خيوط الفجر، قذف بفأسه على كومة التراب التي تحيط بحواف الحفرة وعاد وأتكأ على جذع الشجرة وسط قطعة ألأرض المحروقة والمثبتة باربعة مساميرعلى جدار ابيض، ووضع الصندوق الحديدي الملطخ بالطين والتراب على ركبتيه، وبقي هكذا زمنا يسترجع أنفاسه. صورة أخرى، يتبعها إحساس بالراحة.
٧ ـ وضع الصندوق الحديدي الملطخ بالطين والتراب على ركبتيه، وبقي هكذا زمنا يسترجع أنفاسه. ثم أخرج من جيبه مفتاحا وأراد أن يفتح الصندوق دون جدوى، وبعد عدة محاولات فاشلة، نهض من تحت الشجرة ووضع الصندوق على كتفه وأجتاز قطعة الأرض المحترقة المثبتة باربعة مساميرعلى جدار ابيض، وخرج من الصورة. صورة جديدة يتبعها الإختفاء.
٨ ـ نهض من تحت الشجرة ووضع الصندوق على كتفه وأجتاز قطعة الأرض المحترقة المثبتة باربعة مساميرعلى جدار ابيض، وخرج من الصورة، ليجد نفسه في الشارع الطويل المعتم، حيث توقف للحظات في بدايتة، ووضع صندوقه على كتفه الأخرى وواصل السير حتى المبنى العتيق في نهاية الشارع المعتم، دفع الباب بمرفقه ودخل الممر الضيق، وصعد السلم ببطء متحاشيا أن يرتطم الصندوق بالحائط حتى الطابق الثاني. صورة جديدة. يتبعها الإكتشاف.
٩ ـ توقف أمام باب الغرفة ٢٢، وأخرج بيده الأخرى التي لا تسند الصندوق الثقيل على كتفه، مفتاحا فتح به الباب، ودخل وأغلق الباب وراءه بقدمه. صورة أخرى. يتبعها إستفهام
١٠ ـ دخل وأغلق الباب وراءه بقدمه. وبقى للحظات واقفا، ينظر في أنحاء الحجرة، ثم وضع الصندوق الثقيل الذي يحمله على كتفه على السرير وجلس بجانبه. صورة جديدة يتبعهاإنفتاح.
١١ ـ وبقى للحظات واقفا، ينظر في أنحاء الحجرة، ثم وضع الصندوق الثقيل الذي يحمله على كتفه على السرير وجلس بجانبه ثم اتكأ على الحائط وأغمض عينيه. بقي للحظات طويلة في هذا الوضع، وقبل أن يغلبه النعاس هب واقفا واتجه إلى النافذة المطلة على الشارع. الصورة ذاتها. يتبعهاإعادة
١٢ ـ اتكأ على الحائط وأغمض عينيه، وبقي لحظات طويلة في هذا الوضع، وقبل أن يغلبه النعاس هب واقفا واتجه إلى النافذة المطلة على الشارع الذي يبدو صامتا ومعتما. فتح مصراعي النافذة ليدخل هواء المساء البارد، وأخرج رأسه مطلا ناحية اليمين حيث يمتد الشارع بعيدا حتى ساحة المدينة الرئيسية حيث تتناهى أصوات بعض السيارات القليلة، ثم إلى اليسار حيث المبنى الرمادي الكبير المضاء بنور مصفر وحيث لافتة كبيرة تلعب بها الريح مكتوب عليها "مركز شرطة المدينة". صورة أخرى. يتبعها قضية خاسرة
١٣ ـ اتكأ على الحائط وأغمض عينيه، وبقي لحظات طويلة في هذا الوضع، وقبل أن يغلبه النعاس هب واقفا واتجه إلى النافذة المطلة على الشارع الذي يبدو صامتا ومعتما. فتح مصراعي النافذة ليدخل هواء المساء البارد، وأخرج رأسه مطلا ناحية اليمين حيث يمتد الشارع بعيدا حتى ساحة المدينة الرئيسية حيث تتناهى أصوات بعض السيارات القليلة، ثم إلى اليسار حيث المبنى الرمادي الكبير المضاء بنور مصفر وحيث لافتة كبيرة تلعب بها الريح مكتوب عليها "مركز شرطة المدينة". أقفل مصراعا واحدا من النافذة وترك الآخر مفتوحا وعاد واستلقى على السرير واضعا قدميه على الصندوق. نفس الصورة. يتبعها تكرار.
١٤ ـ في الغرفة رقم 22 في أحدى ضواحي المدينة، يقضي أمسياته وحيدا، يحدق في الجدران العارية .. يحلم .. يقضي الساعات الطويلة مستلقيا على السرير، يتأمل السقف، ويتخيل النجوم والشموس والاقمار في رحلتها الأبدية عبر السقف الواطئ، من زاوية لزاوية، وفي بعض اللحظات يقف أمام النافذة يراقب الشارع الطويل الممتد تحت بصره. صورة غائبة. يتبعها العودة.
١٥ - وتتساقط قشر الضوء خفيفة بطيئة تلعب بها الريح تتساقط قشرة قشرة متموجة في حركة لولبية غير منتظمة تتجمع على الأرض في مكعبات شفافة ذات أحجام مختلفة وما أن تتكون حتى تبدأ في الذوبان مثل قطع السكر المبتلة برذاذ المطر الصباحي حتى تختفي في ثقوب الأرض وتتدحرج قطرات المطر على الاسفلت مثل كريات زجاجية ملونة تنساب في حركة بطيئة متعرجة مرتطمة بعضها بالبعض صادرة أصواتا خفيفة ترن مترددة في الهواء المعبق برائحة الضجر والانتظار. الطفل جالس على الأرض بيده الصغيرة يحلب السماء، قطرات الضوء تتجمع عند قدميه الحافيتين بحيرة من السائل الأسود تفوح مللا وتعاسة تعكس أنوار المباني المرهقة عبر أمواجها يبحر الطفل بقاربه الورقي يتأرجح بين الموت والحياة يصارع الريح والأمواج والأشرعة المتمردة والحبال ويشرب دموع العاصفة وفقدان الذاكرة وفي نهاية الشارع ينتظر وينتظر، ويواصل الإنتظار
١٦ - هناك، على الرصيف المقابل جالس في هدوء وصمت، يشرب القهوة ويفكر. غاب الذين أحبهم، ماتوا، بعضهم تحت التراب، بعضهم فوق التراب، بعضهم تحت الأنقاض، بعضهم فوق الأنقاض، بعضهم فقد الذاكرة وبعضهم فقد السراب. هناك، على الرصيف المقابل جالس في هدوء وصمت، يشرب القهوة ويفكر، لماذا لم أمت؟ أم إنني ميت؟ فقدت طعم القهوة ورائحة البحر، فقدت صور أحبائي ورائحة المطر، فقدت حتى ملمس التراب والصخر، فقدت فقداني وتلعثم اللسان، وربما سقط في الفنجان. وفكر ثانية، وتسائل أي فنجان ؟ وأخذ الملعقة وحرك بها السائل الداكن، لعل لسانه يذوب في القهوة الساخنة كقطعة سكر، ويشرب الكلمات. ويلتقط جريدة قديمة منسية على الطاولة المجاورة.
١٧ - ظل للحظات طويلة واقفا ينظر إلى الطاولات والكراسي العديدة الفارغة، عملية إختيار المكان الذي سيجلس فيه ليشرب قهوته تبدو له في كل مرة معقدة وشديدة الإزعاج، رغم أنه غالبا ما ينتهي به الأمر إلى إختيار نفس المكان إذا ما وجده خاليا. يبدو أنه لا يعرف أحدا ولا أحد يعرفه، وربما لا يريد أن يعرف أحدا ولا يريد أحدا يعرفه. رغم أن الجميع يحييه بأبتسامة أو بتلويحة من اليد أو بهزة رأس خفيفة، ويرد على التحية كلما كان ذلك في إمكانه. يجلس في كل يوم إلى نفس الطاولة الخضراء في ركن المقهى وينتظر الساقي أن يحظر له القهوة وكأسا من الماء، ثم يخرج من جيب معطفه كراسة كبيرة الحجم نسبيا، ويبدأ في الكتابة للحظات قد تطول أو تقصر لعوامل متعددة لا نعرف تفاصيلها، حاليا على الأقل. يرشف قهوته بين فترات زمنية متقاربة وأحيانا ينظر يمينا ثم يسارا وكأنه ينتظر شيئا ما، ويعاود رشف قهوته من جديد. في بعض الأحيان كان يأتي كل يوم ليشرب قهوته في الصباح ثم يعود في نهاية النهار، وأحيانا كان يأتي في الصباح ليشرب قهوته ولكن لا أحد يراه في المساء، وأحيانا لا أحد يراه في الصباح ثم يظهر في نهاية النهار ليشرب قهوته وكأسا من الماء رغم أنه لم يشرب قهوته الصباحية في المكان المعتاد، ذلك أن هناك من رآه في أماكن أخرى يشرب قهوته ويكتب في كراسته الكبيرة الحجم نسبيا. نسبيا لأن الكراسة تبدو صغيرة الحجم بين يديه ومقارنة بحجمه الذي يبدو كبيرا بالنسبة لحجم إنسان متوسط الحجم. وفي بعض الأحيان يختفي لأيام عديدة، لا يشرب قهوته لا في الصباح ولا في نهاية النهار، وأحيانا يختفي لأسابيع طويلة ولعدة أشهر حتى ينساه الجميع ويصبح مجرد صورة غامضة يتذكرها بعض زبائن المقهى الذين تعودوا على رؤيته. ثم ذات صباح يعاود الظهور ويظل للحظات طويلة مترددا في إختيار الطاولة المناسبة، ذلك أن عملية إختيار المكان الذي سيجلس فيه ليشرب قهوته تبدو له في كل مرة معقدة وشديدة الإزعاج وتحتاج إلى رؤية المكان من جميع الزوايا ودراسة جميع الإحتمالات، رغم أنه غالبا ما ينتهي به الأمر إلى إختيار نفس المكان إذا ما وجده خاليا. وفي هذه المرة كان مكانه المعتاد ليس خاليا. المقهى بأكمله يكاد يخلو من الزبائن ما عدا هذا المكان الذي تعود أن يجلس فيه منذ سنوات، وعدة طاولات أخرى في الجانب الآخرمن المقهى كانت مشغولة بدورها ببعض الزبائن. بعد عدة لحظات من التردد جذب كرسيا وجلس إلى طاولة قريبة من التي اعتاد الجلوس إليها وأومأ برأسه للساقي إيماءة خفيفة. لا شك أن الساقي يعرف السيد نون، لأنه ما أن رآه واقفا يدير رأسه يمينا ويسارا بحثا عن طاولة شاغرة بين الطاولات الشاغرة حتى بدأ بإعداد القهوة، وعنما أومأ له إيماءة خفيفة، كان الساقي في منتصف الطريق بسفرته مبتسما، وحياه قائلا: صباح الخير، قال ذلك وهو يمسح الطاولة بمنشفته البيضاء ويضع أمامه القهوة ثم كأس الماء، مفترضا ولا شك بأن السيد نون قد رد علي تحيته : صباح الخير، كما هي العادة، غير أن السيد نون لم يرد، أو على الأقل لم يتفوه بالرد بصوت يمكن سماعه من مكان الساقي الذي واصل حركته البطيئة في مسح الطاولة بمنشفته المبللة قائلا : بكري اليوم .. ويبدو أن السيد نون رد قائلا بصوت مسموع هذه المرة : اليوم غير بقية الأيام، قال ذلك وهو يقرب فنجان القهوة من شفتيه ويأخذ رشفة من القهوة. آه .. قال الساقي ، الأيام تتابع ولا تتشابه، فرد السيد نون بعد أن أخذ رشفة أخرى من قهوته : يمكن .. يمكن .. ولكن الأيام تتشابه ولا تتابع .. مجرد وجهة نظر. فقال الساقي وهو يبتعد : وجهة نظر .. وجهة نظر مقلوبة، ولكن العالم كله مقلوب .. وجهة نظرك لابد أنها صحيحة إذا .. وواصل شرب قهوته دون أن يفكر في مقلوبية فكرته عن تشابه الأيام ودون أن يحاول تصحيح وضع العالم، ذلك أن السيد نون لم يستيقظ تماما من نومه، ولم يخرج بعد من حجرته في الطابق الثاني.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,868,936,573
- إعتراف
- آلهة الأحجار والغبار
- ألهاكم التكاثر
- مسامير في عيون الحروف المنهكة
- الصورة عند سارتر
- القذافي وترامب والسيد داوود
- ما هي الصورة ؟
- غزة .. أين تقع غزة؟
- هذا ليس غليونا
- الفن أفيون الشعوب
- الفنان والقرد
- أول مايو وثورة الفقراء
- إيروس والحب الإفلاطوني
- سرير الله وسرير النجار
- الله والفنان
- أسرار العمل الفني
- أسطورة الرمز في القرآن
- القرآن بين الإيمان والإسلام
- كزينوفان والله الواحد
- بداية اللوغوس


المزيد.....




- الموت يغيب -شيخ الرواية السورية- الأديب حنا مينة عن عمر 94 ع ...
- نجم مانشستر يونايتد يصف صلاح بالممثل المسرحي!
- وفاة الأديب والروائي السوري حنا مينة
- نجمة عالمية تدفع 380 ألف دولار لإخفاء فضيحة جنسية (صورة)
- -Eagles- تتفوق على مايكل جاكسون!
- نصوص من العراق
- مصر.أدب الرسائل:رسالة الرفيقه عبير الصفتى الى ابنتها وروحها ...
- يُصدر قريبًا «صوت الغزالي وقِرطاس ابن رشد» للباحث والناقد ...
- مفتي تترستان يتحدث إلى الصحفيين عن حجاج روسيا
- وفاة الفنان المصري ناجي شاكر مصمم عرائس -الليلة الكبيرة-


المزيد.....

- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعود سالم - رماد الأراضي المحروقة