أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ذياب فهد الطائي - الريح والبوصلة رواية -الفصل الاول















المزيد.....



الريح والبوصلة رواية -الفصل الاول


ذياب فهد الطائي

الحوار المتمدن-العدد: 5898 - 2018 / 6 / 9 - 22:44
المحور: الادب والفن
    


الريح والبوصلة
رواية
ذياب فهدا لطائي
الفصل الأول

الصمت الغامض يطبق على دجلة وهي تنساب تحت غلالة رقيقة من ضباب الفجر الربيعي، فيما يملأ الماء الضفتين ويبدو لونه الرصاصي الداكن وكأنه يتنفس بعمق فتصطدم موجات وقورة ببعضها ثم تنسحب الى وسط النهر وكأنها تقدم اعتذارا هامسا، صفحة الماء لا يمكن ان يتبين ما تحتها فيما تتقدم ريح جنوبية شرقية رطبة تزيد من كثافة الضباب الذي بدا له مرحا وهو يلامس الوجه الصقيل للنهر بشيء من المودة والحميمية.

ملأت الرطوبة المشوبة بدرجة حرارة منخفضة رئتيه فأحس برجفة خفيفة دفعته لأن يزرر سترته العسكرية السميكة ، كان يريد ان يستوعب المنظر كله ليحتفظ بالتفاصيل الأثيرة لديه والتي رافقته منذ أيام الطفولة ألأولى فعلى مقربة من هذا الجرف المرتفع وفي الدار نفسها ولد وهنا كّون صداقاته الأولى وتعلم السباحة في أشهر الصيف الطويلة وتعرض لشكوى أبيه المستمرة من إنه لا يفكر بمساعدته ويقضي وقته في النهر، لقد تعرف بدقة متناهية على كل متر من النهر وخبر تقلباته ...... فصول قناعته الهادئة وأيام غضبه العنيف الصاخب وساعات فورانه المدمر، كانت المياه التي تندفع عبر الضفة الغبيه تكتسح مساحات واسعة من البساتين وتدمر جهود المزارعين طوال فصل الخريف ،أما الضفة الشرقية فكانت مياهها تتطاول بحرقة لتصل الأرض ولكنها تصطدم بالحاجز الترابي المرتفع فتتراجع مندفعة الى الضفة الأخرى و في النهر ضيّع المدرسة و ترك الصخب وتشدد المعلمين والانتظام في الدراسة الى الحرية المطلقة ، يدفن رأسه في المياه ويتقدم مغمض العينين الى الضفة الغربية وهو يشعر انه مسترخ على نحو ساحر تداعب مشاعره نشوة تتملكه فينسى كل ما حوله ويغرق في عزلة مطلقة وكأنه طائر وحيد يسمع اندفاع
الماء فوق رأسه متجاوزا كتفيه ليغطي الظهر العاري ،هنا بيته الحقيقي حيث لا يشعر بالخوف من نظرات أبيه القاسية ولا بالإحباط من ملاحظات معلميه السلبية دائما ، يشعر بانه السيد حين يتخلف الأولاد ورائه .

أغمض عينيه باستسلام كأنه يؤدي طقسا دينيا وتنفس بعمق فملأت رئتيه شحنة من الرطوبة ، كانت عتمة الليل لاتزال تلف الشاطئ الأخر حيث تتكاثف أشجار النخيل المزروعة حديثا وعشرات من أشجار الليمون والبرتقال التي كانت مصفوفة بتنسيق وعناية كبيرتين و حين فتح عينيه ثانية كانت العتمة في الجانب الآخر شديدة بحيث بدت الأشجار كتلة واحدة سوداء وبدت دجلة مغيظة وتكاثفت دفقات الضباب ولاحت صفحة الماء كأنها صفيح صدئ .

كان صغيرا حينما حاول أن يتشبث بالطين في قاع النهر والنسوة اللواتي كنّ يغسلن الصحون والفتيات اللواتي كنّ يمزحن برشق الماء والصبية الآخرون الذين يتقافزون مكركرين ، جاءته أصواتهم كتلة صماء كأنها طنين ثقيل ، كان يريد ان يعرف كيف ستستقبل أمه (حالة ) فقدانه فيما لو انه حاول أن يجرب هل بإمكانه ان يعيش تحت الماء كسمكة تسبح بحرية وتنتقل الى أبعاد سحيقة ومظلمة ، ربما ستعشقه حورية هناك وقد تكون ابنة الملك، لن يذهب الى المدرسة ولن يعمل في المزرعة ، ربما يلعب الكرة أو يركض تحت المطر عاريا ..... لا فهناك لن يكون المطر ، فجأة جاءه صوت أمه ، كان واضحا تدق نبرات حروف نداءاتها أذنيه، حروف مفجوعة جعلته يترك القاع الطيني ويطفو الى السطح ليتلقى ضربة موجعة على وجهه ، ترنح في الماء ثم استقام ليعبر الى الضفة الأخرى .

جلس القرفصاءعلى العشب الندي ووضع رأسه بين ركبتيه ، طنت حشرة فقدت معالم طريقها عند أذنه ولكنه لم يطردها فقد كان صوت طنينها الأجوف جزءا من إحساسه العميق بالمكان الذي ينتمي اليه .

سيذهب غدا الى معسكر ( الغزلاني) لن تستمر فترة الإعداد أكثر من بضعة أيام ومن ثم يلتحق بإحدى الوحدات على الجبهة، لم يحدثه أبوه وهو يحزم متاعه واكتفى بالنظر اليه بعينيه الكابيتين وعلى ملامحه كانت تتشكل تعابير حزن عميق ، كان يتحرك ببطء فيما ينسكب ضوء المصباح النفطي ألأصفر على تقاطيعه المتغضنة بأ جواء كئيبة ربما بسبب الوحدة الاختيارية التي فرضها على نفسه منذ أكثر من ست سنوات بعد إن توفيت زوجته وتركتهما وحيدين في البيت الطيني على دجلة.

كانت أمه تتمتع بصحة جيدة ولم تشكو يوما من مرض ما وفي حياتها اليومية كانت تتولى أمور البيت والعناية بحضيرة الدجاج وبالعنزات اللواتي كانت تقوم بحلبهن ، وبغسل الخضار التي يقوم زوجها بقطعها وتوزيعها على شكل حزم صغيرة كل نوع على حده ليأخذها في الصباح الباكر الى السوق بالعربة الخشبية الي يجرها حمار عجوز , ولكنها في مساء صيفي ، وكانوا يتناولون الشاي قالت انها تشعر بتوعك وبارتفاع درجة الحرارة ، في الليل اشتد عليها ألم غامض وفي ظهيرة اليوم التالي توفيت في مستشفى مدينة الموصل وتم دفنها في مقبرة النبي يونس .

بد أ مطر ناعم يندفع برشقات متقطعة ولكنها متلاحقة مرسلا حفيفا مكتوما فيما بدأت تتحرك موجات صغيرة على سطح الماء يحجبها ظل الرشقات أحيانا وتنعدم رؤية الغابات المعتمة في الضفة الغربية .

تناهى اليه صوت أبيه المتعب من أثر الدخان الرديء يناديه، نهض بتثاقل .

رسمت مجموعة من ألأوز العراقي لوحة جميلة فوق مجرى النهر متجهة الى الجنوب ، في المقدمة أ حد الطيور يقود المجموعة وكأنه على دراية بالطريق ، كان الطيران بطيئا بعض الشيء وبدا ان المجموعة تستمتع بمنظر الماء الرصاصي المنساب تحتها عبر بساتين وأراض زراعية وسكون عميق اصبح مشبعا بحفيف المطر الربيعي العابث .

: الشاي جاهز

قال أبوه بإيجاز وهو يهيئ سيكاره الصباح الأولى

فتح صندوقا صغيرا مركونا عند الحائط واخرج لفافة من ورق الجرائد , سحب رغيفين وقطعة جبن محلي كانت امه تصنعه في البيت ولكنهما اعتادا على شرائه من السوق بعد وفاتها.
كان ابوه يتجنب الحديث على الرغم من ان لديه الكثير ولكن ألأمر كله متعلق بمساحة الهموم التي سيعيش في خضمها بعد رحيله ولهذا انطوى على نفسه ليجنبه قساوة المشاركة هو الذاهب الى المجهول.

بدا كل شيء وقد أصابه بلل من رشقات المطر واختبأت العصافير الثرثارة تترقب بصبر ان تعود ثانية الى اللعب العابث فيما فتح برق خاطف وجه السماء الذي أطل بشيء من الإستغراب الخجول ، واختفى تلفه سحب ضبابية داكنة .

: كيف ستتدبر أمرك ؟

نظر اليه أبوه بتعاطف

: لاتشغل نفسك سأذهب يوميا الى السوق وفي المساء سأهيئ طعامي .

منذ ان توفيت أمه اعتادا على نمط ثابت من الحياة اليومية , يوقظه أبوه فجرا ليقوم بإعداد الشاي فيما يتوجه هو للصلاة ويقرأ بعضا من القرآن ، يقضم أبوه قطعة الخبز بتؤدة ويرتشف الشاي دون ان يتحدث ، يقومان سوية الى الحقل لتحضير حزم الخضروات وبعد غسلها يصفانها على العربة الخشبية ويربطاها الى الحمار الذي رافقهما حياة العزلة والصمت، يذهب هو الى السوق فيما يقوم أبوه بمتابعة أعمال الحقل وحضيرة الدجاج وحلب العنزات والتدخين .

كان الحقل الذي يشمل دارا مبنية من ألآجر ومن الطين للإضافات لاحقا، على كتف دجلة المرتفع عن النهر ، المنطقة منعزلة تقريبا فهي على مبعدة ثلاثة كيلومترات من المدينة والوصول اليها يمر بأراض خالية وطريق ترابي غير مطروق عادة ، فالكتف لا تشكّل المزارع على امتداده قرية بالمعنى الإداري، فعدا مزرعتهم المخصصة فعلا للزراعة والتي يعتمدون عليها في معيشتهم فإن المزارع الأخرى مخصصة للراحة ومالكيها من الموسرين الجدد الذين استطاعوا عبر وسائل شتى جمع الكثير من المال، وعادة ما تدب الحياة فيها بعد العاشرة ليلا حين يرتفع غناء غجري وموسيقى ذات رنين بدائي يطغي عليه صدى (الطبلة ) لضبط إيقاع الراقصة ، وحتى الفلاحون المكلفون بهذه المزارع لا يحضرون للعناية بها إلا ما ندر ، ويتركز اهتمامهم عادة بتنظيف البيوت وتهيئة التنور للشواء .
قبل عشر سنوات لم يكن على الذراع غير مزرعتهم وفي الليل يصعب الخروج الى ما وراء السياج الطيني للمزرعة بسبب قطعان بنات آوى التي تبحث عن طعام او بعض الذئاب التي لا يعرف احد من أين تأتي
قال أبوه : ارجو ان لا تنسى شيئا من لوازمك !
تحسس الحقيبة البلاستيكية الصغيرة

: لا ... لقد أخذت كل ما أحتاجه

يشرف الكتف على مجرى دجلة ولكنه يرتفع عنه بحوالي الستة أمتار، وفي فصل الصيف يتوافد الصبية من مدينة الموصل والقرى المجاورة للقفز الى النهر محدثين جلبة بهيجة ويغدو العالم بالنسبة لهم محصورا بين الكتف والنهر مستغلين الأوضاع الممكنة كلها في القفز الى النهر ، والتي عادة ما يشاهدوها على التلفاز عند عرض برامج السباحة ، بعضهم يهبط ضاما يديه الى جسده وقدماه متلاصقتين ، فيما البعض يفرد يديه مطلقا صرخات مهللة وهو يهبط الى النهر فرحا برشاش الماء المتناثر بصخب بكل الاتجاهات .

كان الصباح ينشر ضياء شاحبا بسبب الضباب ورشقات المطر ، أحس بقلق ممض يتسلل الى مشاعره وهو يهم بالمغادرة الى المعسكر تاركا الجو المفعم بالحميمية ، بدأ ندم عكر يعصره ببطء ولكن بإصرار لأنه سيترك أباه وحيدا .
صافح وجهه رشا ش المطر فحاول ان يتدارى بكفه العارية ولكن الهواء الشمالي البارد جمد أصابعه فسارع الى دسها في جيب بنطاله المبلل وشعر ان السكون المتماهي في شحوب الصباح الضبابي يشعره بكآبة جعلته يتباطآ في سيره .
كان الباص المترنح قد توقف عنده ، تمسك بالحديد البارد ليصعد ثم ارتمى على كرسي تمزق غطاؤه الجلدي، الركاب يغالبون النعاس فيما يرتفع صوت أجش بأغنية عاطفية جنوبية ، على الجوانب كانت صور لنساء بدا واضحا إنهن ممثلات او
عارضات لأصناف المودة ، صعد رجل يرتدي قفطانا وهو يبسمل بصوت مسموع وقبل ان يجلس صرخ باستنكار،
: العياذ بالله , بدلا من الاستفتاح بكلام الله تسمعون المسلمين هذا الفحش المحاط بصور تخدش الحياء وكأنكم في ملهى ليلي متنقل !!
: ولكن ياشيخ محمود كيف عرفت ان هذا الباص يشبه ملهى ليلي متنقل ؟!!

إنتبه الركاب وقال السائق،

: بلا مواعظ ستصل الى الجامع قريبا !

تحسس الكتاب الذي أعطوه اياه في دائرة التجنيد وارسل نظرة غائمة الى واجهات المباني، توقف المطر وبدأت سحب الضباب تتمدد فبانت اوراق الأشجار لامعة ، وكان لخرير المياه عند امتداد الرصيف جلبة مكتومة.

عند بوابة المعسكر كان يتجمع بضعة مجندين يقفون قلقين بانتظار ان يسمح لهم بالدخول لاستكمال إجراءات التحاقهم بوحدات التدريب .

وقف في غرفة الحراسة عسكري بشوارب كثة وعينين حادتين ، فتح الشباك المطل على الباحة الخارجية وبعد ان شمل الجميع بنظرة متوعدة اثارت الانفعال القلق في كل الوجوه التي تطلعت اليه بشيء من الترقب ، ولكن من الواضح انه لم يكن يهتم بالعيون التي ترقبه من كل جانب ، بسط ورقة كانت مطوية بين يديه وقال،

: من يسمع اسمه يدخل من بوابة الحراسة .

بدأ يتلو الأسماء بصوت فيه رنة سخرية

: سمير قاسم حسن

تقدم مرتبكا وبادر الجندي المكلف بالحراسة بدفعه الى الداخل.

: بهؤلاء سنحارب الجيش ألأمريكي!!

حرك العريف شواربه معبرا عن ضيقه وتوقف عن القراءة كمن يتأكد من المكتوب امامه .

: فوزي فائق الحمداني

: نعم

كان الصوت خافتا ولكنه أجوف بلا رنين

: انت مهندس ؟

: نعم ... من انكلترا

: مهندس ماذا؟

: ميكانيك
: بأي فرع ؟ !

: السيارات

: وهل اشتغلت في لندن ؟

: لا , ولكني تدربت لمدة سنة في شركة( ليلاند)

: ولكن العراق لايمتلك مثل هذه السيارات!

: في بغداد مئات منها ، سيارات (المصلحة ) الحمراء بطابقين

: ولكن بأي طابق تدربت ؟

كان يحاول ان يكون مرحا، فكر فوزي

: لا عليك ، اعرف إن الميكانيك ابو عبد الله يمارس شطارته على كل السيارات القادمة من روسيا حتى أمريكا !

: وانا كذلك !!

: عظيم سوف يفرح النقيب حكمت فسيارته عاطلة منذ اسبوع

لم يرد ولكزه شاب دقيق التقاطيع يقف الى جانبه وأسرّ اليه

: انت الآن على اول الطريق ، البداية بالاتجاه ألأقرب !

لم يعلق

: اشرف حميد

: نعم

: وانت خريج ماذا؟

: آداب من بغداد

: ولماذا ليس من الموصل ، نحن ايضا معروفون بألأدب؟ !

: قسمه ونصيب !

: حسنا أرجو ان تكون مؤدبا في المعسكر


قاعة النوم كانت مستطيلا، على الجانبين أسرة حديدية وفي الوسط ممر بعرض متر والأرضية مكسوة بطبقة من السمنت وعلى الجوانب شبابيك زجاجية عليها بقايا أصباغ مما تنثرة فرشاة صباغ مبتدئ لم يهتم أحد بإزالتها ، في نهاية القاعة مرافق ومغا سل معظمها قد تهشم أجزاء منه والمتبقي مكسو بطبقة لزجة تميل الى الاصفرار.
في الخارج كانت ضوضاء خطى العائدين من التدريب الصباحي تحدث جلبة مرتبكة ولدت لديه شعورا بالقلق .

بدأوا بقياس التجهيزات ، عاد العسكري ذا الشوارب الكثة يسد الباب بجسمه الضخم المشدود كحزمة خيزران يابس .

: امامكم عشر دقائق لتكونوا جاهزين لمحاضرة التوجيه السياسي وبعدها تتلقوا التعليمات بشأن التدريبات ، عشر دقائق تنتهي بسماع الصافرة ،
مفهوم ؟!

قالها بلهجة حادة وحا سمة واستدار خارجا

00000000000000000000000


كانت الأيام تمر مسرعة وصعوبة التدريبات في السا حة الترابية التي تحولت بفضل الأمطار المستمرة الى مستنقع طيني لزج ،لم تترك لنا مجالا للتفكير وربما هذا بالضبط ما خفف من وطأة المعاناة ، في الحقيقة لم تكن التدريبات تتسم بطابع قتالي حديث ، هذا ماقاله فوزي الذي كان يركن الى القراءة بكتاب باللغة الأنكليزية قبل النوم ويتجنب الأختلاط بالآخرين عدا اشرف .

: في الحرب الأيرانية قتل اخي في( في نهر جاسم ) وكان قد حصل على الدكتوراه بالفلسفة ، لم يكن جنديا ، كان في الجيش الشعبي وقد اخذوه عنوة ، تصور انه مات بأرض لم يسمع بها !

كان يحدث فوزي بصوت هامس وهو يجلس على حافة سريره الحد يدي ، التفت نحوي

: اعتقد اني رايتك ؟!

: ربما !

كنت أغالب النعاس

: هل انت طالب؟

: كلا ... أنا أعمل ببيع الخضروات في السوق.

: نعم تذكرتك !

ثم غمز بعينه بتواطئ واردف

: حولك وباستمرار سرب من القطى!

: من الطبيعي ان يكون معظم من في السوق، لاسيما في الصباح ، من الفتيات

كانت التمارين حركات حمقاء ربما تصلح لحرب بدائية كما شرحها لنا فوزي، كان شابا في الخامسة والعشرين في عينيه همّا يشرق احيانا بحزن يرسل إيحاءات بوجود ما يريد البوح به ولكنه يتردد بتحفظ الخائف ، كان يؤدي التمارين بآلية ولكن باتقان متجنبا نظرات العريف المدرب لتحاشي شتائمه البذيئة والتي عادة لامبرر لها،
تظل عيناه تغيمان حينما نتجمّع مساء للاستماع الى محاضرة التوجيه السياسي ويبدو متضايقا حينما يردد المسؤول الحزبي أهمية الأنتصار بالحرب التي تنوي امريكا شنها على العراق بدعم من ألإمبريالية العالمية وجهاز الموساد ، سالت فوزي ولكن ماهو جهاز الموساد؟!
حدق مباشرة في عيني وقال

: بالتأكيد انه ليس جهاز العروس!!

تضايقت بعض الشيء فقد ادركت انه يسخر مني

: لا تزعل انا مهموم يا عزيزي ، هو المخابرات ألإسرائيلية

اندفع الدم حارا الى وجهي وسرت في كياني موجة خوف ، ولكن يقينا خامرني ان فوزي الحمداني ( موضع ثقة ).

أما اشرف خريج الآداب فعلى العكس ، كان يميل الى الهذر والمداعبة ولا يترك مناسبة دون ان يعلق عليها بشكل مرح كما لم يكن يخفي كراهيته للمدرب ويختلق النكات حول تصرفاته.
يأخذ وجهه أحيانا طابع الكياسة التي لا تخلو من لؤم فتتصلب عضلات وجهه وتبدو عليه ملامح قاسية.

بخلاف اليومين الأولين لوجودنا في المعسكر حيث كانت لقاءات الاستراحة في المطعم تتسم ببهجة مرحة ،كان وجوما مشوبا بالضيق يرين على الحاضرين جراء الإرهاق ولهذا اختفت التعليقات التي تعكس روح الشباب وأصبحت حركتهم ملولة وفي نظراتهم تأملات عميقة وكأنهم يستشرفون مستقبلا مجهولا تثقل هواجسه على أرواحهم بقوة وحينما تعبر فوقهم بعض أسراب الطائرات الأمريكية يعلق فوزي بهمس : لن تكون الجبهة بعيدة !!!

ويرد اشرف وهو يغمز متلائما : لا .... ستكون هناك جبهة عريضة !

واتساءل : اين ؟

فيقول بجدية وبفخامة : في منطقة شّله واعبر!!

مجموعتنا تنقسم الى ثلاث فئات الأولى ممن لا يملكون ثمن الإمتيازات وهؤلاء هم ألأغلبية ولهذا ظلوا في المعسكر طوال مدة التدريب الأساس ولم يسمح لهم بالنزول في أية اجازة لزيارة ذويهم وهم على العموم ألأكثر صمتا وفي عيونهم دائما نظرة شك ورغبة في العزلة ... وبالطبع أنا منهم.

اما الفئة الثانية فهم الذين يملكون القدرة على شراء الإمتيازات ومنها الخروج من المعسكر مساء والعودة في الصباح الباكر لحضور عملية التعداد وهذه المجموعة اكثر ثقة بالنفس ويتصرفون بشيء من التعالي ، وبحكم خروجهم اليومي فهم لايملكون علاقات وطيدة مع الآخرين
والفئة الثالثة وهي عموما ألأصغر عددا , من الذين يتعمدون الهروب ليلا كلما سنحت لهم الفرصة وهم يتمتعون بروح غير منضبطة وألاميل للدعابة والأكثر حضورا اذ يقدمون بين آونة واخرى الحلوى وبعض المكسرات في الليالي التي يمتنع عليهم سبل الهرب ويستعيضون عنه بخلق جو من المرح والغناء نضطر معه على الرغم من الإرهاق الى الأنصات، كنت اشعر بالراحة وانا مندس في الفراش حين يغني جرجيس ( كم يردلي ) بصوت ثابت ورخيم ولكن على نحو لايخرج من باب( الثكنة ) ، وحين يردد (سمرة قتلتيني ) كنت أحس اني أعود الى السوق والى النظرات الحييّة للصبايا وهن يقلبن الخضرة وانا اقلب الف فكرة برأسي المضطرب، أفكار تخلقها أحلام المراهقة وغموضها بفطرية عفوية ، فيما ينساب صوت الغناء بشجى تعمقه رنة حزن خفية ليخدر مشاعري فأغفو على التعب وكأني أغوص في مغارات مجهولة تسلب مني كل ماتبقى في الذاكرة .

تم توزيعنا على الوحدات ونقل فوزي الى ورشة اصلاح العجلات في ذات المعسكر، وبالطبع فان مثل هذا الموقع يتمناه الجميع أما انا واشرف فقد تم تنسيبنا الى إحدى وحدات المشاة قاطع العمليات الشمالية وتم منحنا اجازة قصيرة لمدة ثمان واربعين ساعة .

كان الربيع قد كسى التلال والوديان في (الموصل) خضرة بهيجة فتبدو وكأنها تبتسم بشئ من المرح العابث فيما تتمايل ازهار شقا ئق النعمان الحمراء الرقيقة بغنج وهي تلامس ورود البابونك البيضاء المبتسمة كعيون الأطفال وهم يتأرجحون في اراجيح العيد فيما تلتمع الحشائش المبتلة من زخات المطر من سحب عابرة أو بسبب الندى الذي يترك ايضا قطرات لؤلؤية تتشبث بالأوراق المتدلية حتى ترتفع الشمس فتتدحرج الهوينا الى الأسفل، وعلى الشجيرات المتباعدة تختبئ عصافير فرحة بالربيع الجديد .
00000000

شعر وهو يجتاز شوارع المدينة بسكون غريب يملأ جوانحه بعد الأيام المجهدة في المعسكر والتي دفعته الى الإحساس بأن هذا العالم الصغير يتحرك مستقلا بذاته والمجندون يتصرفون بآلية وكأنهم مجموعة منفصلة عن المجمتمع الذي جاؤوا منه فقد بدا وكأنهم قد نسوا انهم لا زالوا يتمتعون بقدر محدود من الحرية ، يسارعون منذ الفجر الى المطعم الصغير ليتناولوا كوبا من الشاي وقليلا من الخبز الجاف ومن ثم يتوجهون بآلية الى ساحة التدريب .

في الطريق النازل من الشارع العام الى كتف دجلة كانت المنطقة ورشة عمل فهنا وهناك تتكدس مواد البناء وتتصاعد ضجة العمال الذين يتحركون بعصبية وهم يقيمون جدارا او يحفرون أسس بناء جديد ،فيما تتحرك سيارات النقل مثيرة ضوضاء تملأ المكان و تترك آثارا على الطريق الطيني الذي بدت واضحة عليه التحولات الجديدة ،أحس إن الناس يهربون من المدينة على عجل الى منطقة جديدة ربما لم تؤشر بعد على خرائط الحرب القادمة بالتأكيد لن تكون قرية مستقلة لأن القرى يسكنها اناس يرتبطون بعلاقات عائلية وقد يكونوا من (عشيرة ) واحدة اما هذه المنطقة الجديدة فستكون حيا آخرا، إمتدادا للمدينة وسكانها من منحدرات مختلفة ففيهم الضابط الذي منح مكافآت متلاحقة ورجل ألأمن الذي جمع ثروة من التوسط لإطلاق سراح بعض المعتقلين الذين ربما هو من وشى بهم ، وكذلك بعض الجنود من سائقي السيارات الذين دخلوا الكويت لنقل (الموجودات ) الكويتية مع اللجان المختلفة التي كلفت في حينة بالمهمة لصالح الدولة والتي أشرف عليها الحاكم العام العراقي للكويت ، عرف منهم عبد المجيد الذي كان يعمل في السوق عاملا في مقهى الحاج أبو نزار ثم اختفى لأكثر من سنتين وعاد ليشتري مطعما قديما ويعيد ترميمه ولكن أحدا لايعرف من أين جاء بالثروة !! كان كثير الحركة تدور عيناه بخبث وكأنه يحاول ان يخفي عن محدثه مايدور في ذهنه من افكار.
لحظ ان الذين يوجهون العمال ويتخذون هيئة أ صحاب الملك من الشباب وربما لم يتجاوز اكبرهم سن ألأربعين وهذا مغاير لما كان يراه وهو يدفع بعربته الى السوق فقد كان المالك عادة رجل كبير في السن يوجه العمال بتؤدة ويتكلم في الغالب مع المقاول او مع ( أسطى ) البناء بهدوء.
على العموم لم تكن حركة البناء تدلل على ان هناك اية موافقات رسمية اذ كانت تجري بشكل عشوائي فلم تكن المسافات محكومة باية ضوابط ولهذا بدت الأبنية على خط متعرج كما انها مختلفة بشكل صارخ فبعضها اقرب الى الفلل العصرية في حين بدت الأخرى كأكواخ بسيطة مما في المزارع لقضاء العطلات .

شاهد بضعة أرانب خائفة تهرب بكل الاتجاهات تبحث عن ملجأ آمن بعد ان كشفت مكائن حفر الأسس مخابئها ، على الطريق كان أرنبا رماديا يتطلع بلا مبالاة كأنه يئس من الحياة وقررأن يستسلم بهدوء ، مد يده اليه بحذر ولكنه لم يبدي أية ردة فعل خائفة كما هي الأرانب المذعورة دائما ، كان الأرنب يتطلع اليه بعينين بدا انهما مغرورقتان بالدمع .

: سنكون أصدقاء

مسح على ظهره وحمله الى البيت

بحث عن أبيه في الدار ولكنه لم يكن في غرفته يدخن ، انتقل الى الملحق الطيني الذي بناه بامتداد الدار الأصلية ، غرفة واسعة في نهايتها ، عند الشباك ألأزرق ، سرير حديدي وفوقه كانت مرتبة من الصوف مطوية بعناية ولكنه فوجئ بحمامة تنفلت بسرعة وعلى افريز الشباك كانت بيضة وحيده موضوعة فوق حزمة من القش اجتهدت الحمامة بحياكتها عشا لصغيرها ،

في نهاية المزرعة كان أبوه يجلس مجهدا عيناه ساكنتان لا تعبران عن أي شيء وهو يرنو نحو النهر فيما عبرت طيور مهاجرة نحو الجنوب ، بدا انه لم ينتبه اليه .

: السلام عليكم

التفت ابوه ، كان التغضن في وجهه ألأبيض الشاحب قد حفر أخاديد عميقة وبدت لحيته أقرب الى اللون االرصاصي المعتم ،

: اهلا .... هل انتهى التدريب ؟!

: نعم وعندي إجازة ليومين
: وبعدها !

: سألتحق بوحدة مشاة

لم يسأله اين فالجيش سيحارب في كل مكان لأن ألأمريكان سيدخلون من ثلاث جبهات كما قال احد العسكريين المصريين في اذاعة (مونت كارلو )

: هل أساعدك ؟

: لا لقد انتهيت، هل ترغب ببعض الشاي!

: شكرا ، لقد شربت في المعسكر مايكفي حتى الشهر القادم ! الشاي هو الوحيد المتوفر دائما.

كان صوت مضخة الماء يصدر أزيزا مستمرا على نحو أشعره بالضيق وبالتوتر لأنهم مضطرون الى تشغيلها طوال النهار بسبب انخفاض طاقتها , لم يستطيعا شراء مضخة أكبر فألأسعار ارتفعت ومردود مبيعات الخضرة والبيض ولبن الماعز لاتكفي ولهذا كان دائما بدون متطلبات محاولا ان يخفف عن ابيه .
حين بدأ المساء، هطل مطر غزير على الأرض الندية المشبعة بالماء ، وسرعان ما تكونت برك صغيرة ، في الغرفة الحجرية الكبيرة اشعل ابوه حطبا جافا في (المنقلة ) الحديدية انبعث عنه دخان كثيف واصبح الهواء ثقيلا منهكا ولكن البرد الذي شمل الجزء الغربي من( الموصل)الممتد على دجلة والمفتوح على الجزيرة لم يترك لهما خيار فتح الباب واكتفيا بفتح الكوة الصغيرة في أعلى الجدار، اند فع الدخان الى الخارج كأنه يخرج من قمقم مسحور .

: أين ستكون خدمتك ؟!

: في الفرقة 16لواء المشاة الثالث .

: اعني هل في الموصل؟

:اعتقد انها في موقع قريب لأنها في قاطع الموصل كما اخبروني

أجاب وهو يستشعر الراحة فقد انتهت التدريبات الشاقة والزحف في برك الوحل ، انه ألان جنديا يمكنه ان يلبس الزي العسكري نظيفا وان يصبغ الحذاء ويحاذر من تلوثه بالطين في الطريق الى المعسكر ، بدأ الهواء يصفو قليلا، كان يحلم , ع د ثانية الى أبيه.

: أعرف ان الوضع سيكون قاسيا عليك ولكن ادعو الله ان تنتهي الحرب بسرعة واعود لمساعدتك


: ستنتهي بسرعة !

قال ذلك وهو يتطلع الى سحابة من الدخان كانت تتلوى وهي تخرج لتتبدد، كان عرّافا يستشرف رؤيا تشخص امامه .

تابع : ان الله لاينسى عباده! ، نصف المنتوج ابيعه الآن في المزرعة لعمال البناء والساكنين الجدد والنصف ألاخر أبيعه بالجملة لمتعهد يعمل مع الجيش ، العمل يشغلني عن التفكير ويوم الجمعة يمدني بالقوة بعد الصلاة في الجامع.

صمت وهو يتطلع نحوه , كانت اجفانه تتثاقل , اسند ظهره الى الحائط ومدد رجليه فأسرع لوضع الوسادة وراء ظهره

قال : وانت هل بدأت بالصلاة ؟!

: لا ..... ربما في المعسكر ٍسأفعل ذلك

: يهديك الله!!

كان صوته متعبا

قال سمير : سأتركك لتنام وسأذهب الى غرفتي وغدا لدينا حديث طويل وستستمع الي وانا اعمل فقد اشتقت للأرض والى رائحة الخضار واصوات الدجاج ، لقد حصلت على ارنب , كان واقفا على الطريق وكأنه بانتظاري ،هل تدري انه اعطاني فكرة تجارية , لماذا لا نربي الأرانب ،ان تكاثرها سريع ولها سوق في المدينة ؟!!

: لننم الآن وغدا سنتحدث طويلا





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,273,866,071
- تغير هيكل التجارة الخارجية العالمية
- لايموت الصبار عطشا -رواية (من حكايات انتفاضة 1991 ) الفصل ال ...
- لا يموت الصبار عطشا /رواية /من حكايات انتفاضة اذار 1991 الفص ...
- لايموت الصبار عطشا /رواية (من حكايات انتفاضة اذار 1991 )الفص ...
- لايموت الصبار عطشا /رواية (من حكايات انتفاضة آذار 1991 )الفص ...
- لا يموت الصبار عطشا /رواية -من حكايات انتفاضة اذار 1991 /الف ...
- لايموت الصبار عطشا /رواية / من حكايات انتفاضة 1991 -الفصل ال ...
- لا يموت الصبار عطشا (من حكايا انتفاضة آذار 1991 )الفصل الثال ...
- لايموت الصبار عطشا - رواية - الفصل الثاني
- رواية/ لا يموت الصبار عطشا /حكايات من انتفاضة 1991 /الفصل ال ...
- رواية -ثلاثة اصوات من البصرة /الصوت الثالث -ألأب
- رواية - ثلاثة اصوات من البصرة /الصوت الثاني
- ثلاثة اصوات من البصرة /الصوت الاول -الإبن
- من حي الزنجيلي في الموصل الى حي النصر في بغداد /الفصل الثالث ...
- من حي الزنجيلي في الموصل الى حي النصر في بغداد-الفصل الثاني ...
- من حي الزنجيلي في الموصل الى حي النصر في بغداد /الفصل الحادي ...
- من حي الزنجيلي في الموصل الى حي النصر في بغداد/الفصل العاشر
- من حي الزنجيلي في الموصل الى حي النصر في بغداد -الفصل التاسع
- من حي الزنجيلي في الموصل الى حي النصر ببغداد-الفصل الثامن
- من رواد الصحافة اليسارية في العراق


المزيد.....




- الثقافة: زيارة العوائل للمدائن مجاناً في نوروز
- المؤتمر الإنتخابي لإتحاد الأدباء تطلعات وآمال – احمد جبار غر ...
- وصفها هيروديت قبل ألفي عام.. أخيرا انكشف سر -باريس- الفرعوني ...
- زقورة أور.. أقدم أهرام بلاد الرافدين المليئة بالأسرار
- هل تحضر -الخوذ البيضاء- لمسرحية جديدة في سوريا
- بين برلمانييه المتمردين وضغط أخنوش.. ساجد في ورطة
- بوريطة يدعو إلى تجاوز النقاشات -العقيمة والمنفصلة عن الواقع- ...
- رئيس مهرجان الأقصر: السينما الأفريقية عالمية لكنها بحاجة للد ...
- المفكّر السيد ياسين
- مهرجان -بابل للثقافات العالمية- بشعار -كلنا بابليّون- في دور ...


المزيد.....

- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر
- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ذياب فهد الطائي - الريح والبوصلة رواية -الفصل الاول