أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - إلِكْترا: الفصل الخامس 5















المزيد.....

إلِكْترا: الفصل الخامس 5


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5878 - 2018 / 5 / 20 - 10:43
المحور: الادب والفن
    


إنها في خلال أسبوعين تقريباً من اعتزال الكتابة، سلّمت نفسها لمشاعر مختلفة، متضاربة؛ بدءاً من الحزن والإحباط وانتهاءً بالاسترخاء واللامبالاة. كانت تلك حالة مثالية، لناحية العودة إلى الواقع بعيداً عن إعمال الفكر واستعادة الذكريات. حقاً إنها ساعات ثلاثٌ، أو أربعة، كانت تنشغل بها في تسويد الصفحات البيض بالخطوط الزرقاء أو ترقيعها بالملاحظات والحواشي. إلا أنها كانت تجعل يومها على شيءٍ من الاتزان، مثلما الأمرُ مع العصا في يد لاعبة سيرك تسير على حبلٍ. فيما مضى، اعتادت السيّدة السورية على ملء هذا الفراغ الروحيّ بقراءة مذكرات " مسيو غوستاف ". حتى أنها كانت تصحب الأوراق إلى الشرفة، في الأوقات المنذورة للاستراحة من العمل؛ أي ساعة الغداء وعطلة نهاية الأسبوع. كانت تُدرك، ولا شك، جليّة أمر اعتزالها الكتابة مؤقتاً وأنها لا تتعلق، حَسْب، بالأسباب المعروضة آنفاً. لقد أخترقَ حياتها حضورٌ آخر، غير ذاك الدخيل، المعقّب زيارتها الأخيرة للأميرة الراحلة.. حضور، بات يهيمنُ على كيانها كما تفعلُ المنارة العظمى، المخترقة سماءَ المدينة الحمراء، والباسطة على أرضها ظلالاً داكنة ـ كالخطوط السود لمخطوطة مذكرات المسيو، المنضدّة بالأصابع المرهفة، الوردية، لسكرتيرته الحسناء.. لمن ارتفعت إلى سماء مدينة هواها، لتتأملها بشغف يمامة، قبل أن تهوي إلى أرضها مثل وردة مهشّمة البتلات.
" للّا عيّوش "، شاءت أن تقطعَ سلسلة أفكار مخدومتها حينَ انتصبت على مدخل الشرفة تمثالاً قاتماً من اللحم والشحم، من العواطف العاصفة. لقد عاودتها في الآونة الأخيرة أعراضُ الضغط، المتفاقم الارتفاع بسبب توترها الناجم عن نقمةٍ عارمة على الطبيب: " ثلاثة أعوام، تناولتُ فيها السمّ بسبب تشخيصه الاعتباطيّ لمرضي. ولما سألته، كيفَ يمكن أن يخطئ فيصف لي دواءَ السكّري؛ فبمَ أجاب؟ قال لي: أسكتي يا امرأة، ولا تتكلمي في شأنٍ ليسَ بمقدورك فهمه. السكّري، داءٌ متأصّلٌ في دم كلّ مغربيّ سواءَ كان عليلاً أو متنعّماً بالصحة! "، هكذا أخبرت مخدومتها مذ بضعة أيام.
" هه، ما بك تحدقين فيّ كالممسوسة؟ الأفضل ألا تتكلمي، إذا كنتِ ستعيدين عليّ حكاية مرضك "، خاطبتها السيّدة بنبرةٍ تعبّر عن نفاد الصبر أو انشغال الفكر. بقيت الخادمة ترمقها من فوق رأسها، واجمة عابسةً. بدَورها، تزحزحت " سوسن خانم " من على كرسيها متململة مُحرجة. وكي تستدرك ما فاتَ من كلامها القاسي، أشارت للمرأة الملولة بالجلوس على الكرسيّ الآخر. وهذا ما فعلته الخادمة، ولو أنها جلست منتحية وعلى سحنتها علامات التجهم. فجأة، هبّت من مكانها لتسأل الخانم: " أتريدين أن أحضّر لكِ شاياً مع خلطة مناسبة؟ لأنني أراكِ متكدّرة المزاج.. "
" يلوحُ لي، أنك أحوجَ مني لخلطتك! "، قاطعتها ضاحكة في شيءٍ من الإشفاق. عادت الخادمة لتنهدّ على الكرسي، نافخة في قنوط جملة مبهمة لم تميّز منها سيّدتها سوى لفظ الجلالة. التزمتا الصمتَ كلتاهما، على الأثر. الوقتُ، كان ساعة عصرٍ من يوم حار، مالت فيه الشمسُ إلى منحنى الغروب، مانحةً للمكان نعمةَ الظلال العذبة. صخبُ العصافير، يتصاعدُ من الحديقة مع عبق أزاهيرها، لينسجما معاً في هارمونية لا تكادُ تُدرك إلا في الطبيعة. أكملت الخانم رشفَ ما بقيَ من قهوتها، ثم أنزلت الفنجان بقوة على سطح الطاولة، المستدق والمكتسي بالفورميكا اللامعة. أجفلت " للّا عيّوش "، وكانت على ما يبدو غارقة في أفكارها. فما لبثت أن همّت بوضع الفنجان على الصينية، كي تتوجه إلى المطبخ. فأمسكت الخانم يدها، لتسألها بصوتٍ رقيق: " أعتقدُ أنّ لديك ما تقولينه، غير سيرة المرض؟ ها أنا ذا مصغية لك بكل اهتمام ". الخادمة، أجازت لنفسها عندئذٍ إطلاق ضحكة مجلجلة، مستمدةً الجرأة من معرفتها لطبع مخدومتها، المتّسم بقلة الاكتراث بالرسميات. قالت تجيبها منكفئة إلى العبوس، طافحة كلماتها بالمرارة: " قبل قليل، كنتُ تكلمينني بنفس طريقة الطبيب. لا بأس، سامحك الله! لا يذهبنّ بك الظنّ أنني أبيّتُ شيئاً سيئاً، إذا أعلمتك الآن بنيّتي ترك الخدمة لديك.. أسمحي لي بمواصلة كلامي، أرجوكِ، ولا تقاطعينني. والآن، أصغي لما سأقول ولو من باب حبّ الاستطلاع! وأتمنى أيضاً، وهذا الشيء الأهم لديّ، ألا يسوءنك كلامي أو تفهمينه بشكل خاطئ. فلو أنك أرتبتِ حتى بكلمة واحدة مما أقول، فلتوقفيني على الفور كي أشرحها لكِ! بلى، أردت أن أقول.. آه، كيفَ سأبدأ القول دونَ أن تخنقني عبراتي.. ". قالتها، وأنشأت تنشجُ باكية. ثم أخرجت منديلاً من جيب قفطانها، فراحت تمسح دموعها وتمخط فيه. أثّر ذلك في " سوسن خانم "، ولا غرو. كانت في خلال حديث خادمتها لا تزيد عن الإصغاء، كابحةً ضحكة مخنوقة في صدرها. ناولتها قدح الماء، الموضوع على الصينية، ثم انتظرت حتى تهدأ. رجعت المرأة المسكينة تتحدث بصوت متقطع، مختلج: " أما وقد رأيتُ منك هذا العطف والحنان، فلست بقادرة على البوح بكلام قد يجرح إحساسك ولو دون قصد. المهم، أنني مطمئنة على وضعك سواء في المنزل أو المكتب. آلان، شاب طيب وإن يكن طائشاً بعض الشيء! أما شقيقته، فلا يمكن القول سوى أنها ملاك. مع أنني لم أرتح لها بادئ الأمر، بل وارتبتُ حتى بأخلاقها.. ليسامحني الربّ، ولتسامحينني أنت أيضاً.. "
" الربّ، سيسامح عباده أجمعين. ولكن، لِمَ عليّ أنا أن أسامحك؟ "، استفهمت منها الخانم وقد اكتست نبرتها ببعض الاستياء. لاحَ الحرجُ على ملامح الخادمة. هتفت من ثمّ، مرتبكة متلعثمة " أعني، أنني أطلب غفرانك ما لو ظننتُ فيما مضى.. ما لو أخذتُ عليك تفضيلك للفتاة، كمرافقة ". وواصلت القول، مزدردة ريقها: " لا ريبَ أن قرارك كان صائباً، بما أنك بحاجة لفتاة متعلمة تجيد عدة لغات، وهيَ فوق ذلك جميلة أنيقة ورشيقة..! ". ثم أمسكت عن الكلام، وما عتمت دموعها أن فاضت من جديد: " ولكنني كنتُ أود بالحقيقة أن تغفري لي شيئاً آخر.. شيئاً، أخفيته عنك في الآونة الأخيرة: لقد حمتُ مرات حول الفيللا، آملة أن أحظى برؤية حبيبتنا الصغيرة ولو عن بعد. إلى الأخير، ضعفت إرادتي فأقحمت نفسي على تلك الأسرة الكريمة. رباه، كم انا خجلة منك لدرجة أتمنى فيها لو أنّ الطبيبَ وصفَ لي دواءً يفتك بي تماماً! ".
بينما كانت تنهي الخادمة جملتها، سُمع صوتُ رنين الهاتف من المكتب. سكتت هنيهة، لحين أن رفع أحدهم سماعة الهاتف. وكانت في سبيلها لمواصلة كلامها، آنَ تناهت الخطى المألوفة للمرافقة على أرضية المكتب، الرخامية. ما لبثت " زين " أن أطلت من باب الشرفة، لتخاطب معلّمتها: " إنه ذاك الرسام الفرنسيّ العجوز، مسيو جاك.. ". وفيما عبرتها الخانم، متوجهةً إلى المكتب، طفقت هيَ واقفة في مكانها تلقي نظراتها نحوَ الجانب الظاهر من الجادّة، المجلود بسوط الشمس. بعد عدة دقائق، آبت الخانم إلى مكانها على الشرفة وعلى قسماتها أثرُ انزعاج أو قلق. توجهت أولاً للخادمة، قائلة بنبرة آمرة قاطعة: " لننسَ كل ما قلناه قبل قليل، ولا أريدك أن تذكرينني به ثانيةً ". ثم ألتفتت نحو مرافقتها: " يظهر أننا مجبرون مجدداً على زيارة أسرة صديقتك، خدّوج. ولكن في هذه المرة، فإنّ للّا عيّوش هيَ من ستقودنا بالسيارة! "، نطقت جملتها الأخيرة ضاحكة وهيَ تتطلع نحوَ المعنية. فيما شاركت كلتاهما " سوسن خانم " بالضحك، فإنّ هذه سرعان ما آلت سحنتها للعبوس وقد بانَ فيها الهمّ والتوجّس جلياً.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,862,215,043
- إلِكْترا: الفصل الخامس 4
- إلِكْترا: الفصل الخامس 3
- إلِكْترا: الفصل الخامس 2
- إلِكْترا: الفصل الخامس 1
- إلِكْترا: الفصل الرابع 5
- إلِكْترا: الفصل الرابع 4
- سيرَة أُخرى 68
- إلِكْترا: الفصل الرابع 3
- إلِكْترا: الفصل الرابع 2
- إلِكْترا: الفصل الرابع 1
- إلِكْترا: الفصل الثالث 5
- إلِكْترا: الفصل الثالث 4
- إلِكْترا: الفصل الثالث 3
- سماءٌ منشقّة
- إلِكْترا: الفصل الثالث 2
- إلِكْترا: الفصل الثالث 1
- هيتشكوك المصريّ؛ مقاربة لأحد أفلامه
- إلِكْترا: الفصل الثاني 5
- إلِكْترا: الفصل الثاني 4
- إلِكْترا: الفصل الثاني 3


المزيد.....




- دراسة: مايكل جاكسون استخدم مقطوعات لبيتهوفن في صياغة أغانيه ...
- صدور كتاب -الفن الإسلامي في الصين- عن -برنامج دراسات الحضارة ...
- المغنية الأمريكية أريثا فرانكلين -في حالة صحية حرجة-
- ويني الدبدوب السوفيتي يتفوق على الأمريكي!
- شاهد: جدارية عملاقة لأسطورة الموسيقى التصويرية موريكوني في ا ...
- الفنان عصمت داوستاشي ومدينته
- شاهد: جدارية عملاقة لأسطورة الموسيقى التصويرية موريكوني في ا ...
- البصرة: دراسة وتحليل لأفلام تشارلي شابلن الناطقة
- وفاة المفكر الاقتصادي المصري سمير أمين عن 87 عاما في باريس
- الكشف عن مشهد -سري- لمارلين مونرو -أخفي لعقود-!


المزيد.....

- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - إلِكْترا: الفصل الخامس 5