أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - إلِكْترا: الفصل الخامس 4















المزيد.....

إلِكْترا: الفصل الخامس 4


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5877 - 2018 / 5 / 19 - 07:05
المحور: الادب والفن
    


إذا كانت " زين " قد سمحت لنفسها بتقبيل يد " سوسن خانم "، وفي مكانٍ عام، بغض الطرف عن دافعها ـ إذا كانت قد فعلت ذلك، فلأنهما أصبحتا مذ بعض الوقت صديقتين حميمتين. أضحت علاقتهما تمتد إلى خارج ساعات دوام المكتب، لتضفي صحبتهما الإلفة والبهجة على المكان شبه المهجور ليلاً. وإنها المرافقة، بطبيعة الحال، من تعيّن عليها برقتها وطيبتها أن تخترق هذه الجدران العازلة، المسجونة فيها معلّمتها مع أفكارها وذكرياتها. دأبتا على قضاء المساء في الصالة، مما جعله غير ضروريّ وجودُ الخادمة. فإنّ " زين " كانت تباشر عندئذٍ الخدمة في كثير من التلقائية والرضا. تفعل ذلك بحركات راقصة أحياناً، تجلبُ ضحكَ السيّدة السورية وتنسيها همومها. كانتا تنتقلان من ثمّ إلى الترّاس، لتمكثان هنالك تحت خيمة السماء المُنجمة.. أو في حجرة المحترف، الأشبه بالخيمة البربرية، بين اللوحات المتوحّدة الحزينة، التي رسمها فنانٌ على الشيمة نفسها من المسلك والخلق.
فيما مضى، أي في فترةٍ تمتد بين مبتدأ حلولها في مراكش وانقطاعها عن مجتمع المدينة على أثر جريمة قتل المسيو الفرنسيّ ـ حينذاك، كانت الخانم تحيط نفسها بمجموعة مختارة من الأصدقاء شكلوا جزءاً من حلقة رواق الفنون. لما يزيد عن العام إذاً، كان مقرّ إقامتها الفندقية أشبه بصالونٍ أدبيّ، يضمّ إلى جانب تلك النخبة أفراداً من المجتمع الراقي؛ من متطفلين وأدعياء ومخنثين ومحدثي نعمة. في الأثناء، خاضت الخانم عدة صراعاتٍ انطلاقاً من موقعها المميّز أو دفاعاً عنه. الآن، تستعيد مع مرافقتها بعضَ أحداث الفترة المنقضية وهيَ جالسة بمقابلها على حافّة ترّاس مقهى السطح الكبير، المشرف على مشهد ساحة جامع الفنا، الملحميّ العامّيْ. ولكنها في قرارة نفسها، تشعر أنّ ضميرها ليسَ مرتاحاً تماماً: كانت تتحمّلُ، إلى هذا الحدّ أو ذاك، وزرَ مآسٍ هزّت مجتمع المدينة الحمراء على أثر الجريمة تلك، المَوْسومة.
بالكاد كانت الخانم ترممُ هيكلَ روحها مع الصحبة الجديدة، الفتيّة، حينَ أخترقه أشخاصٌ يمتّون إلى حلقة أخرى، غريبة عن الثقافة غربة الإنسان المعاصر عن سلفه البدائيّ غير المؤهل. ولو أنها شاءت أن تلومَ أحداً في أمر هذا الاختراق، الدخيل، لامتلأت نفسها غماً وربما غضباً. كونها هيَ الملامة، ولا مِراء، طالما اندفعت دون تروّ خلفَ مصلحتها الشخصية مغلفة ذلك بحالة إنسانية عاطفية. بلى، إنها وضعت نفسها في مأزقٍ كالفخ، بعدما انتابتها فكرة التقرّب من الأميرة في أواخر أيامها في الحياة. وإذا ببلاط النوايا الحسنة، الذي سارت عليه بكل طمأنينة، يبدأ في الالتهاب تحت قدميها. وبقية القصة لا داعٍ لتكرارها، لأنكم تعرفونها حتماً!

*
هكذا أفكار مُبلبلة، كان خالياً منها ذهنُ الخانم آنَ هروعها لنجدة الفتاة المريضة بالصَرع. كان اتفاقاً بالتأكيد، أن تغدو السيّدة السورية بمثابة " المنقذ " هنا أيضاً. ومثلما علمت من " خولة " لاحقاً، فإنّ الابنة هيَ من حَمَلتها على الذهاب إلى المسجد للمشاركة في واجب تشييع الأميرة: " طاشَ عقلي، وبلغ بي الغضبُ مبلغاً كبيراً حتى كدّت أضربها. إذ كيفَ تعدّه، واجباً، الاشتراك في جنازة امرأة قاسية القلب فاسقة، وفوق ذلك، ساحرة مصاصة دماء؟ ولتزيد ابنتي من نكدي، تدعوها بالسيّدة الوالدة! كذلك علموها، طوال أعوام حبسها الثلاثة. إلا أنني كظمتُ غيظي، فيما كنتُ أقرأ علامات نوبة مرضية باتت تلوح على ملامحها. ولقد دهمتها النوبة على أيّ حال، هناك في خلال التشييع، وكدتُ أفقدها لا سمحَ الله ". قالتها ثم لم تلبث أن أطلقت ضحكة مخنوقة، تبعتها بنهنهة نشيجٍ قطعته بترديد جمل غير مترابطة تقريباً " أفقدها، نعم.. كأخيها.. الأحمق المغرور.. حماقة موروثة.. يا لها من سلالة ملعونة.. "
" هوّني عليكِ، يا صديقتي. لعلّ الشيء الوحيد المعزّي في الجنازة، أنّ علينا تذكّر محاسن موتانا! أما ابنتك، فها هيَ بين يديكِ. إنها تأتلقُ بالسعادة، بعدما قامت بواجبها كما أرادت "، قالت لها الخانم بصوتٍ منخفض وهيَ تربتُ على يدها في شفقة ولطف. عندئذٍ، رفعت الأمّ وجهها إليها بنظرة امتنان وعرفان.. وجه، انفتح فيه عينان شهلاوان مخضلتان، يطلان على أنفٍ بارز شبيه بما لدى الثعلب. تشاغلت الضيفة رفيعة المقام بتأمل الابنة المسكينة، وكانت راقدة على الجزء الأخير من الأريكة، المشكّلة قوساً يحتلّ جلّ مساحة الصالة الأرضية. بدا أنّ الفتاة استعادت فعلاً عافيتها، إلى حدّ ما، ترنو إلى السقف بنظرة ثابتة. وعليها كان أن تُدهش ضيفة الدار، بمخاطبتها الأم بنبرة هادئة وديعة: " أمّي..! أنتِ مخطئة بنعتك شقيقي بالحمق والغرور. أنظري إلى نقوشه، التي زيّن بها السقفَ والجدران.. أليست رائعة هيَ؟ ليسَ خطأه لو أجبره والدي على البقاء بعيداً عنا، هناك في كازابلانكا! ". هزّت لها " خولة " رأسها بحركة تأييد، ثم التفتت إلى الخانم كي تهمس: " أنا من زرعَ في رأسها القصة.. أعني، انتقال غني للعمل مع أبيه ". ثم راحت على الأثر ترددُ، دامعة العين: " آه غني، غني.. "
" ثمة شيء آخر، أودّ التحدث به معك بخصوص ابنتك. لقد لحظتُ أنّ سطح منزلك يحتوي على حجرةٍ واحدة على الأقل.. "
" بل على حجرتين، إحداهما المطبخ القديم والأخرى مخصصة لخراف الأضاحي "، قاطعتها الأمّ مبتسمة بطريقتها الودودة من خلال دموعها. وكانت " سوسن خانم " تبغي صرفها عن أحزانها، المستعرّة مجدداً بذكر الفتى المعتقل. فتابعت حديثها: " حسنٌ جداً. إنّ هناك فكرة راودتني، وأرجو أن تكون خيراً بالنسبة لابنتك. إنها حقاً مريضة، ولكنه ليسَ بالمرض العضال والحمد لله. إن حالتها نفسية بدرجة كبيرة، ويمكن التخفيف منها لو أتبعنا علاجاً يناسبها. نوبات الصَرع، تتعلق غالباً بحالة المريض العقلية وما إذا كان قد تعرض لضغط شديد أو أوذيت مشاعره ". تكلمت بصيغة ضمير المذكّر في الجملة الأخيرة، كيلا تجرح إحساس الأم. ثم عادت للقول: " هيَ تحتاج إلى أكثر من الرعاية والحنان، اللتين تجدهما بالطبع لديكِ. فلو كان عندها شيء يشغلها عن أفكارها وذكرياتها، فإنّ ذلك سيسهم في التقليل من نوبات مرضها. مثلاً، أن تحصل على كلبٍ صغير.. "
" كلب..! ألم تسمعي بالحديث الشريف، أنّ بيتاً يقيم فيه كلبٌ لا يمكن أن تدخله الملائكة؟ "، قطعت الأمّ كلام ضيفتها ثانيةً وقد ظهرت علامات الاستياء على ملامحها. وكانت الضيفة قد تكهنت بردّ كهذا، لمعرفتها بمعتقدات العامّة. بقيت ساكتة برهة، موهمة مجادلتها بأنها تعمل فكرها. ثم ما عتمت أن أجابتها بالقول: " بلى، ولكنني سأجلب لها كلباً طاهراً ومعه شهادة طبيب أوروبي! لأن قصد الحديث الشريف يتجهُ للكلاب المتشردة، لما فيها من ضرر لناحية القذارة والسعار. لنتذكّر أنّ الكلبَ مباركٌ في القرآن الكريم، بسبب حكاية أهل الكهف. أنا حقاً لستُ ضليعة بالفقه الإسلاميّ، ولكنني درست الطبّ زمناً! ". نطقت الجملة الأخيرة عفواً، مع أنها لم تندم عليها. فإنها لم تكذب بحال، كونها أمضت القسم الأول من دراستها التحضيرية في موسكو بوصفها طالبة طب. وهيَ ذي " خولة "، تعاود مسك يدها في رقة ولطف فيما الدموع تطفر من عينيها: " أنت حقاً امرأة عظيمة، بل ملاك سماويّ. ولكن.. ولكن علينا أولاً سؤالها، أليسَ كذلك؟ ".
نعم، إنّ " سوسن خانم " كانت قد خرجت من المنزل الأشبه بالرياض، مبتهجة للنتيجة الايجابية، التي بشرّ بها سلفاً جوابُ المريضة: " أرغبُ من كل قلبي أن أحظى بكلب، على أن يكون كبيراً و.. وعلى أن تكون كلبة! ". سارت إذاً مع المرافقة، تتبعهما الأمّ، إلى موقف السيارة الكائن بإزاء جدار المركز الطبيّ. كانت قد أركنت " الرانج روفر " هنالك، لأنه مكانٌ منار بمصابيح الشارع ومكشوفٌ لأعين أصحاب المحلات المجاورة. ها هما تتبادلان القبلات مع الأمّ الملولة، لتنطلقان بعدئذٍ بالسيارة من تحت ظلال شجرة تين، متطاولة من وراء سور المركز الطبيّ بقامتها العملاقة ورائحة أوراقها الحرّيفة.

































رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,092,193,233
- إلِكْترا: الفصل الخامس 3
- إلِكْترا: الفصل الخامس 2
- إلِكْترا: الفصل الخامس 1
- إلِكْترا: الفصل الرابع 5
- إلِكْترا: الفصل الرابع 4
- سيرَة أُخرى 68
- إلِكْترا: الفصل الرابع 3
- إلِكْترا: الفصل الرابع 2
- إلِكْترا: الفصل الرابع 1
- إلِكْترا: الفصل الثالث 5
- إلِكْترا: الفصل الثالث 4
- إلِكْترا: الفصل الثالث 3
- سماءٌ منشقّة
- إلِكْترا: الفصل الثالث 2
- إلِكْترا: الفصل الثالث 1
- هيتشكوك المصريّ؛ مقاربة لأحد أفلامه
- إلِكْترا: الفصل الثاني 5
- إلِكْترا: الفصل الثاني 4
- إلِكْترا: الفصل الثاني 3
- إلِكْترا: الفصل الثاني 2


المزيد.....




- القاهرة: إطلاق جائزة أفضل كتاب مترجم لعام 2018
- عرض فيلم روسي-بيلاروسي في مهرجانين أمريكيين
- مهرجان أفلام الهجرة الدولي يسلط الضوء على المهاجرين في السين ...
- مهرجان أفلام الهجرة الدولي يسلط الضوء على المهاجرين في السين ...
- الشارقة: انطلاق فعاليات وأنشطة أسبوع التراث الإماراتي
- جبل طارق.. الهوية التائهة بين أوروبا والتاج البريطاني
- مغربي ينقذ طبيبة إيطالية من الموت
- عدد مستخدمي المكتبة الإلكترونية في مترو موسكو بلغ 100 ألف شخ ...
- أول فنان عربي يشارك بحفل -أعياد الميلاد- في الفاتيكان
- رحيل الشاعر اللبناني مرشح -جائزة نوبل- موريس عواد


المزيد.....

- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - إلِكْترا: الفصل الخامس 4