أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي(3-3)















المزيد.....



الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي(3-3)


ميثم الجنابي
الحوار المتمدن-العدد: 5876 - 2018 / 5 / 18 - 12:02
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لقد كان توصل الوعي الشعري العربي إلى مطابقة الخيال مع الحقيقية وجعلها مرجعية ضرورية في الإبداع، انتفاضا وجدانيا على فقدان الحرية، ونتيجة لانحلال العلاقة الجوهرية بالتقاليد العربية الإسلامية لإبداع الخيال والخيال المبدع . فالبحث عن الحرية كان يرسي أسس الحرية نفسها. لأن البحث عنها هو إبداع. وعظمته على قدر تأسيسه لها في العلم والعمل، أي في النظرية الشعرية والشعر نفسه. من هنا بروز مسالة "الأصالة الشعرية"، التي لم تكن بدورها سوى الصيغة الظاهرية لحرية الإبداع ونزوعه المغامر في البحث عن رؤية تعبّر في ميدان الشعر عما حصل في تقاليد الإسلام على تسمية "أنا الحق". وذلك لان حرية الإبداع أصالة. وشأن كل أصالة تفترض فردية فردانية هي نتاج معاناة واعية للإشكاليات الجوهرية الكبرى لتاريخ الأمة وارتباط صميمي بالمرجعيات الثقافية الخاصة، وحدس مخلص بالآفاق المرئية والمجهولة. بهذا المعنى كانت آراء المويحلي (1868-1930) دقيقة للغاية عندما أكد في مجرى انتقاده شعر احمد شوقي، من أن الشعر هو ألفاظ ومعاني. وبالتالي فان الرجوع إلى العربية والأخذ عن أصلها واجب من جهة الألفاظ. أما من جهة المعاني فان اطلاعه الكبير على شعر الغربيين أوصله إلى أن باعهم فيه ليس أطول من باع الشرقيين، بل أن الشعر الغربي لحد الآن في المعاني عيال على اليونانيين والفرس والعرب . بينما شدد احمد زكي على أن الشاعر هو رسول قومه. وبهذه الصفة يجب أن يكون بيانه من بيانهم. وبالتالي فخليق به أن يكون أول ناقد لنفسه وان يزن بنفسه حسناته وعيوبه.
وتراكمت في المرحلة الممتدة بين المويلحي ومدرسة ابولو حصيلة الإبداع العربي في بحثه عن الحرية. فقد استعاد احمد زكي في الواقع مضمون الفكرة القرآنية عن أن الله يرسل لكل قوم نبيا بلسانهم. ولكنه طوعها شعريا. وهو تطويع سليم، لان الفكرة القرآنية ذاتها تحتوي في رمزيتها على قدر هائل من الاستعداد للتأويل بسبب تمثلها للمطلق في الموقف مما أسميته بالفردية الفردانية في الإبداع الأصيل، بوصفها معاناة واعية للإشكاليات الجوهرية (الواقعية) للأمة وارتباط صميمي بمرجعياتها وحدس لآفاقها. إلا أن هذه الثالوث الذي يمكن أن تبنى عليه أيضا فلسفة الأصالة الشعرية، تراكم بصورة جزئية في مجرى المواجهات الأولية للإبداع الحر مع واقع الشعر وحالته المعنوية. فبدأ من الشدياق وانتهاء بمدرسة "الفطام التاريخي" التي بلغت ذروتها عند طه حسين، نلاحظ تراكم الحس النقدي المرهف تجاه حالة الشعر والشعراء، كما بلغ صيغته الرفيعة عند المازني.
فنرى الشدياق يتحدث بعد زيارته القاهرة عن قلة الشعراء مثل قلة الكتب فيها. ونراه يتحدث بمرارة ويلوم الشعراء على ارتكاب الضروريات وليس فيها مندوحة. وتوصل في نهاية أحكامه عن حالة الشعر والشعراء إلى القول، بان "الشعر في هذا العصر صار مبتذلا. فبعد أن كان صروحا وحصنا صار رسوما وأطلالا" . بينما قدم المازني في (الديوان) نقدا لاذعا لحالة الأدب والأدباء في مصر، مشيرا إلى أن الأدعياء في كل بلد كثيرون وفي كل قطر كالذباب يعيشون عيالا على الأدب. أما في مصر فالحال على خلاف ذلك! يظهر الدعي فيستولي على الميدان ويخرّ الناس له سجدا إلى الأذقان ويباهون به الأمم والأزمان. بل انه لم يجد في مصر آنذاك شيء عرض للقوم فيه من قبح التورط ومن الجري وراء الأوهام والذهاب إلى أشنع الشناعات وأسوء المنكرات مما عرض لهم في الأدب . وعندما قارن حالة الأدب والأدباء والإبداع والمبدعين في مصر قياسا بأوربا آنذاك، توصل إلى أن الأدب الذي يدعيه أولئك العارفون بالكتابة في مصر والجهال المتدثرون بلباس المعرفة والعامة المتطفلون على موائد الخاصة، فان المرء لا يرى إلا نفوسا ضاوية وعقولا خاوية وأخيلة في التراب ثاوية. بل واعتبر أن من الجناية على مصر أن يسمي هؤلاء النفر بعد اليوم أدباؤها وتراجمة حياة الروح والفكر فيها . بينما ربط طه حسين في مقال له بعنوان (شعر ونثر) حالة جمود الشعر في مصر بكون "الشعراء العرب مصابون بشيء من الكسل العقلي". انهم يزدرون العلم والعلماء وهم اشد الناس انصرافا عن القراءة والدرس والبحث والتفكير. فالشاعر العربي المعاصر يزدري العقل ولا يستعين به. على عكس شعراء العرب في الجاهلية والإسلام، الذين كانوا أصحاب خيال وعقل وعلم. ولم يستثن في نقده هذا شعراء مشهورين وكبار آنذاك مثل احمد شوقي وحافظ إبراهيم ونسيم غيرهم. بل انه لم يجد شيئا جديدا عند الشعراء العرب الجدد. ووجد سبب ذلك أما في جهلهم بالمثل الأدبي الأعلى أو لتأثرهم بالوطنية المزيفة، مثل أن يكون وطنه صاحب الزعامة في الأدب العربي! وفي تحديد موقفه من الشعر في مصر توصل إلى انه ليس في مصر شعر خليق أن يسمى بهذا الاسم. وفي موقفه من "أمير الشعراء" آنذاك (احمد شوقي) أكد على انه لا يعرف له عقيدة صريحة في الشعر ولا يعتقد انه يفكر في الشعر إلا حالما يقوله.
وبغض النظر عن حصر المازني وطه حسين مواقفهما من حالة الأدب العربي في مصر، إلا أنها تعكس آنذاك الحالة المشتركة في العالم العربي ككل. وقد رد الزهاوي في وقتها على هذه الانتقادات الحادة بأسلوب اقرب إلى الواقعية، ولكنها ظلت جزئية وفردية. فقد كان "غلوّ" المازني وطه حسين هو "غلوّ" البحث عن شعر عربي وعن حالة شعرية عربية تتجاوز تاريخ الانحطاط والتقليد، الذي تكمن أسبابه في تحلل الدولة العربية وضعفها الداخلي بعد سقوط مراكزها الثقافية – السياسية الكبرى في بغداد ودمشق والقاهرة والأندلس، أي في مشرق ومغرب ووسط العالم العربي.
فقد سار الوعي النقدي الأدبي العربي للشعر والحالة الشعرية ابتداء من البستاني وانتهاء بالمازني في اتجاه كشف ملامح التقليد والانحطاط. فنرى سليمان البستاني يصف عصر المتأخرين بعصر الانحطاط والتقليد. ويتكلم حول الدولة العربية التي دالت وتغلب الأعاجم عليها. وانه لولا القرآن لبادت لغة قريش المضرية. بل اعتبر بداية عصر الانحطاط في الشعر العربي سبق انقضاء عصر المولدين. وقال بان من الممكن القبول بالتقليد أيضا لو كان صحيحا، ولكنه تقليد شوه وجه الشعر . بينما وجد المازني في التقليد دليلا على ضعف الخيال وانعدام القدرة على الابتداع وكذلك لفقدان الشخصية . ثم أن مسألة الشاعر المعاصر مهما قلد شعر القدماء العرب، فانه لا يستطيع أن يأتي بأفضل مما عندهم ولا أن يأتي بأحسن مما جاءوا به. وهي حالة لا تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى انحطاط دائم في الذوق والحس والمعنى. وتفعل فعلها المشوه بسبب قتلها إمكانية تراكم التجارب الشعرية الحرة. وهي فكرة تلمسها احمد زكي في إشارته إلى حالة الشعر العربي المعاصرة له، عندما اعتبرها "خليط كريه من الحسن والقبيح".
وأثار ذلك منذ بدء عصر النهضة الأدبية العربية المعاصرة شعور النفور من حالة الانحطاط. ولم يخلو أي أديب عربي كبير من إشارة أو لمحة أو موقف أو تقييم أو حكم عميق تجاهها. فنرى المويلحي في معرض حديثه عن ديوان احمد شوقي، يشير إلى أن ضعف الانتقاد أو شبه غيابه التام والاهتمام بالمدح هو سبب التقليد وانحطاط الشعر والحالة الشعرية العربية. ووضع بديلها في قوله عن أن "الانتقاد قائد الاجتهاد والإحسان، ورائد الإجادة والإتقان". وعلق على "المقدمة النظرية" التي كتبها شوقي عن نفسه لديوانه، قائلا بأنها لا تحتوي في الواقع على أكثر من حديث عن نسبه ونسب عائلته. وأنها "مقدمة" لا علاقة لها بالشعر، ولا تحتوي إلا على أربعة أشياء وهي الزهو والسهو والحشو وسلامة النية!!
في حين شدد الزهاوي على ضرورة تجاوز النقد مهمة "تفريغ الأحقاد" وتوجيهه صوب الكشف عن عدم تطابق الشعر مع الواقع أو قلة روعته. بينما وضع المازني مهمة الناقد في أن يرسم صورة صادقة للكاتب ويقدم وزنا عادلا لآثار قلمه ومظاهر نفسه . لهذا دعا إلى شدة النقد بل إلى قسوته وذلك ليقينه بان مهمة النقد تقوم في هدم الوهم المطبق والدسائس المتراكمة. انطلاقا من أن البرهان في حاجة إلى شدة، بينما اللين والهوادة لا يغنيان في هذا المجال بتاتا . وهي "قسوة" بلورت روح (الديوان) ومبادئه الأساسية في التعامل مع أدب الأدباء وشعر الشعراء.
وهنا لم تعد الرؤية النقدية مبنية على أساس موقف عاطفي أو عقلي أو لاعتبارات سياسية أو أيديولوجية، بل مبنية على أسس نقدية شكلت ما أسمته مدرسة (الديوان) بمذهبها الخاص، بوصفه "مذهبا إنسانيا مصريا عربيا"، يهدف إلى دراسة التاريخ الأدبي بشكل خاص من اجل "تحطيم الأصنام الباقية" استنادا إلى قواعد هي "كالميزان في صحتها ودقتها". وعندما تناول المازني حالة الشعر والشعراء، فانه وضع مهمة الكشف عن مستوى الأبعاد "الإنسانية" و"المصرية" في لغة الشعر العربية. وبالتالي مهمة "تحطيم الأصنام الباقية"، التي شكلت آنذاك أعلام وملاذ الحالة الشعرية العربية في مصر. من هنا تهكم المازني "بتسلسل" الشعراء في هرم الشهرة والموقع الاجتماعي بالطريقة التي تجعل من شهرتهم أمرا لا علاقة له بإبداعهم الشعري. فكون محمود سامي باشا البارودي أولهم، فلأنه "باشا عتيق"، وإسماعيل صبري باشا ثانيهم، فلأنه "احدث عهدا بالباشوية والوزارة"، واحمد شوقي ثالثهم، فلأنه "بك متمايز"، وحافظ إبراهيم رابعهم، فلأنه "أحرز الرتبة أخيرا"، وخليل أفندي مطران خامسهم، فلأنه "حاصل نيشان". كل ذلك يجعل المرء يظن أن ترتيبات الأفندية والمشايخ وغيرها هي ترتيبات في ديوان التشريفات لا في ديوان الأدب. وعندما تناول شعر شوقي بالدراسة والتحليل، فانه استهجن تكراره في كل قصيدة عن انه شاعر الشرق والغرب والعرب والعجم وأمير الشعراء وسيد الأدباء. وتوصل إلى أن "ابلغ ما يكون العيب إذا كان منتشرا، واضر ما يكون منه إذا كان متخذا نموذجا للإحسان وقياسا للإتقان" .
فالنقد الأدبي حسب رؤية المازني، ينبغي أن يستند إلى ما في الأدب نفسه والى قواعد خاصة في تقييمه سلبا وإيجابا. أي انه لا قيمة ولا وزن لشهرة الشاعر بحد ذاتها. لان قيمة الأدب والشعر في قيمته الفنية والجمالية (المعنوية). من هنا تشديد المازني على أن اتجاهه النقدي الجديد لا يبالي برأي الأغلبية في موقفهم من الشاعر. وعندما طبق ذلك على شوقي، فانه أشار إلى أن شهرته مصطنعة مشتراة من السنة السفهاء، ويعتمد فيها على دعاية الصحف، التي وجد المازني فيها "خرقا نتنة"، وبالتالي فان "عظمة" شعر شوقي تستمد مقوماتها من الذهنية السائدة التي "احتال شوقي عليها في صنعة الكلام النحوي الحلو". وعندما وضع مختلف قصائد شوقي على محك ميزان الرؤية النقدية الجديدة، فانه كشف عما في شعره من سطحية وابتذال. فكلامه في الموت اقرب إلى كلام الشحاذين والمتسولين مثل قولهم "دنيا غرور" "كلّه فان، الذي عند الله باق"، و"ياما داست جبابرة تحت التراب". واعتبر قصيدته التي استقبل بها (أعضاء الوفد) "نكسة أدبرت بقائلها ثمانية قرون". وطبق هذا الموقف على شعر شوقي متخذا من بعض قصائده المشهورة نموذجا للتحليل النقدي، كما هو الحال بالنسبة لتحليله قصيدة كشف فيها "أربعة عيوب كبرى" دعاها المازني بكل من التفكك والإحالة والتقليد والولع بالأعراض دون الجوهر. والمقصود بالتفكك هو أن تكون القصيدة مجموعا مبددا من أبيات متفرقة لا تؤلف بينها وحدة غير الوزن والقافية، وصفها المازني "بكومة رمل يسميها شوقي قصيدة". أما في الواقع فإنها لا تتعدى كونها أربعة وستون بيتا منظومة في كل شيء أو في لا شيء! وعندما بدل المازني مواقع الأبيات فيها بصورة عشوائية، فانه توصل إلى انه لا خلاف بين "القصيدة" كما وضعها شوقي وكما يمكن أن "يرتبها" أي امرئ كان وفي أية حالة كان! مما يجعلها شيئا اقرب إلى "الأشلاء المقطعة" منها إلى قصيدة. أما الإحالة فهو فساد المعنى. أما التقليد فهو تكرار المألوفات في القوالب اللفظية والمعاني. أما الولع بالأعراض دون الجوهر، فيقوم في استبدال مهمة الشعر، بوصفه تعبيرا عن "الحقائق الخالدة" وليس تعبيرا عما هو عرض زائل. كل ذلك جعل المازني يقول بان شوقي لا يفرق بين تشييع قتيل إلى قبره وزف عروس إلى خدرها. أما "حكمه" فهي أشبه "بحصى الطريق يحرزها من يلتقطها"، أو هو كمن "يحفر البئر للناس على شاطئ النهر".
وطبق المازني هذا الأسلوب بصورة لاذعة في تحليله وتقييمه لشعر حافظ إبراهيم. فقد وجد في شعره "سفر الحوادث اليومية". وإذا كان شرف المعنى وجلالته في صدقه، فكل معنى صادق شريف جليل. بينما لا شيء في شعر حافظ إبراهيم منه. وإذا كانت شهرة شوقي بفضل الصحافة المأجورة، فان شهرة حافظ إبراهيم ورواج دواوينه تعود إلى الإمام محمد عبده. إذ لولا حثّ الإمام الناس على اقتناء دواوينه لكان اليوم نكرة من النكرات، كما يقول المازني . فحافظ إبراهيم رجل نشأ، كما يقول المازني، بين السيف والمدفع. لذا نرى في شعره شيئا من خشونة الجندي وانتظام حركاته واجتهاده وضعف خياله وعجزه عن الابتكار . فهو لا يقول الشعر إلا فيما يسأل فيه. في حين انه ليس من فضل ومزية لقصيدة من القصائد إلا بحسب المعاني التي يريد الشاعر والغرض الذي يؤم. وعلى قدر روعة الموضوع وفخامته أو رقته ولطافته ينبغي أن تكون روعة المعاني وفخامتها أو رقتها وظرفها. فانه ليس أدل على سقم الذوق وتخلف الملكة من تباعد ما بين الغرض وطريقة العبارة عنه وتعادي ما بين المعنى ولفظه . وشعر حافظ إبراهيم هو تجسيد لسقم الذوق وتخلف الملكة. وجعل ذلك المازني يقول، بأنه لو كان للأدب حكومة تنتصف له من المسيء لكان اقل جزاء حافظ على ما ارتكب من الشعر أن يبتاع ما اشتراه الناس من كتبه ثم يحرقها بيده، لان شعره جناية على الأدب. وإذا كان هناك نوع من الشعر ما هو أثم لأنه يفسد الذوق ويعّود الناس على الكذب ويضلل النفوس، فشعر حافظ إبراهيم من هذا النوع .
لقد كان الهمّ العميق وراء المواقف والآراء النقدية للأدب والشعر عند المازني يقوم في محاولته هدم "الأصنام الجديدة". وبالتالي صنمية التقليد والتعظيم المزيف. إذ لم ينج شكري من نقده العنيف، مع انه وجد فيه مقارنة بحافظ "بحرا عميقا زاخرا إلى جانب بركة أجنة"، كما أن الخيال ليقعد بحافظ ويسمو بشكري في السماء، وحافظ مقلد للعرب القدماء في كل شيء وان كسد معنى ما يقول، بينما كسر شكري هذه القيود وفكها عن نفسه . ومع ذلك لم تخلص هذه المقارنة شكري من نقد المازني العارم إياه. فوجه المقارنة هنا لها حدودها التاريخية وبواعثها الملموسة. أما نقده إياه فهو من صميم الرؤية الأدبية وقواعدها الضرورية بالنسبة للنقد الأدبي كما بلورها المازني. لذا نراه أيضا يجد في شكري "صنما من الأصنام ألقت به يد القدر العابثة في ركن خرب على ساحل اليمّ. صنم تتمثل فيه سخرية الله المرّة" . وأهوى بفأسه النقدية على رقبة هذا "الصنم الجديد" بطريقة جعلت منه مسخرة في حياته. وكتب بهذا الصدد يقول "أي بكم أصيب به هذا المنكود، الذي لا يكفيه أن يدعي النطق حتى يريد أن يكون شاعرا ونبيا ورسولا لدين هداية في الأدب" . ولم يقف نقد المازني عند حدود شعراء مصر المشهورين آنذاك، بل وتعدى إلى كتابها وأدباؤها. فنراه يخص المنفلوطي بنقد لاذع يعريه عن كل "الحسنات" التي لفّ بها أسلوبه وشخصيته الأدبية. فهو يعتبره "سيد الاحتيال على الشهرة"، بما في ذلك في "نسبه" الذي يربطه من جهة بالإمام الحسين ومن جهة أخرى "بأسرة تركية كبيرة الشأن". أما كتاباته فانه ليس فيها ما يدل على انه "مثل أبناء آدم إحساسا بالحياة وفهما لها وجريا على سننها وأداء لغرضها" . فهو متكلف في الكلام متصنع العاطفة. أسلوبه يتصف بالنعومة حد الأنوثة، التي اعتبرها المازني أحط أنواع "الأدب" . وذلك لان مهمة الأدب، حسب نظر المازني، تقوم في بعث الروح الفعالة عند الأمم، بينما يعمل المنفلوطي على صنع "أبطال مخنثين". وفي حال النظر إلى كتاباته فإننا نرى البون الشاسع بين أدب تمليه حياة متدفقة عارمة وبين كتابة ميتة محشوة بالصديد كهذه "العبرات" و"النظرات" والسخافات والتلفيقات والمنكرات التي ملأ بها كتبه .
إن المفارقة التاريخية لوعي الذات النقدي العربي في ميدان الأدب بشكل عام والشعري بشكل خاص وجدت تعبيرها في محاولة تجديد الشعر العربي بهيئة (ديوان) لمدرسة جديدة. مع أن "الديوان" هو الصيغة الأكثر تقليدية للشعر العربي والأكثر أصالة في نفس الوقت. غير أن هذه المفارقة تزول في حالة وضع "الديوان" ضمن معايير التقاليد الشعرية العربية، التي وجدت في الشعر "ديوان حياتها". فقد تمثلت مدرسة (الديوان) تقاليد الوعي النقدي العربي ومساعيه لتجديد الشعر المتزامنة مع تعمق الشعور العربي الذاتي الجديد. وهي الحالة التي شخصها سليمان البستاني في تقديمه للإلياذة، عندما أشار إلى أن الشعر العربي "قد رقد طويلا وحان له النهوض بطور جديد وروح حية"، و"أن الأمة شاعرة منذ منتصف القرن التاسع عشر بوجوب مجاراة الزمان". وهو شعور اخذ يبرز أكثر فأكثر في لباس الشعر. ذلك يعني أن الشعر اخذ يعبّر عن مشاعرها الحقيقية، الذي صاغه البستاني بكلمات "بروز الشعر الرقيق بالثوب الأنيق"، وعن نهوضها الجديد الذي صاغه بكلمات "هو قبس فاض من غمرة هلال سيتكامل بفضلهم بدرا" .
وضع البستاني إشكالية تكامل الشعور في شعر بهيئة حالة حتمية مثل تكامل الهلال في بدر. وليس المقصود بالتكامل هنا سوى الصيغة الطبيعية للنمو والارتقاء، التي تحرر بالضرورة مشاعر الأمة من قيود التقليد. وهو شعور وضعه البستاني على لسان الحكمة القائلة، بأنه "قد يأتي الضرر من حيث يرجى النفع". وطبق ذلك على "القيود" الشعرية المتمثلة في القافية. وهي مفارقة لها معناها التاريخي والثقافي أكثر مما هي شعرية بحد ذاتها. فالقافية قيد دون شك، كما أن الوزن قيد بالنسبة للشعر. والإبداع العظيم له قيوده العظيمة. غير أن القيود تصبح تكبيلا للحركة عندما تتحول إلى مظاهر خارجية ملزمة وليس إلى حدود داخلية تنبع من تلقائية الإبداع الحر. وبهذا المعنى تكلم البستاني عن أن اتساع القوافي في اللغة العربية من جملة أسباب التضييق على الشعر. إذ أدى التمسك بقافية واحدة إلى استنزاف طاقة الشاعر وعجزه عن نظم قصيدة طويلة على قافية واحدة. ثم أن الأذن تملّ من سماع قافية واحدة.
بنى البستاني مواقفه وآراءه هذه على إدراكه بضرورة تعدد القافية من اجل فسح المجال أمام الشعر القصصي. وهي مواقف لها قيمتها التاريخية والثقافية فقط. فقد تجاوز الذوق الشعري الحالي الشعر القصصي. ولم تعد له تلك القيمة والأهمية التي ميزته قبل قرون. إذ لا تأثير له ولا أتباع ولا أشياع ولا مؤيدين ولا مستمعين! ولا منظرين يرون فيه عظمة وقدرة وخيال "الروح الآري" والإبداع الأوربي وما شابه ذلك. غير أن آراء البستاني وأمثاله آنذاك استطاعت أن تثير تاريخيا مسالة القيود القائمة في تقليدية القافية وفي القافية كما هي. وان تثير في نفس الوقت إشكالية التقليد والأصالة. من هنا سطحية وابتذال الفكرة التي أثرت على الكثير من الكتاب والأدباء العرب في بداية القرن العشرين مثل العقاد وطه حسين وأمثالهم بصدد "نموذجية" الشعر الغربي (الأوربي). فقد كتب، على سبيل المثال، آنذاك العقاد عما اسماه "بتفوق الخيال الآري"، وان اختلاف الآريين عن الساميين يقوم في انهم أصحاب خيال. وهو سبب افتقار الأدب السامي إلى الشعر القصصي. وعلى ذلك بنى استنتاجه، عن أن أي شاعر كان واسع الخيال قوي التشخيص فهو اقرب إلى الإفرنج في بيانه وأشبه بالآريين في مزاجه وان كان عربيا أو مصريا!!
وهو استنتاج لا منطق فيه، بل مخالف للمنطق. ولا أساس علمي فيه لأنه مجرد تشوش وتشوه في الوعي، ولا تأييد تاريخي له، ولا دليل شعري يسنده. والأكثر من ذلك أن التاريخ المعاصر والإبداع الشعري "الغربي" "الآري" "الإفرنجي" لا يطيق الشعر القصصي ولا "ينتجه" ولا يؤثر فيه. بل أن الشعر نفسه يضمحل تدريجيا بصورة يرثى لها مع تلاش شبه تام للخيال فيه. بحيث انتقل الخيال انتقالا شبه كليا إلى قصص الخيال العلمي. وهو خيال تكنيكي من حيث الجوهر.
وجاء الرد غير مباشر على هذه الآراء، وفي نفس الوقت استمرار لآراء البستاني النقدية السليمة، من جانب الزهاوي. فقد وضع رده في مقالين صغيرين ومكثفين للغاية بعنوان (نزعتي في الشعر) و(النثر والشعر). وحصيلة هذا الرد تقوم في انه ليس للشعر قواعد، بل هو فوق القواعد. وانه أشبه بالأحياء في أتباعه سّنة النشوء والارتقاء. وبالتالي فإذا كان هناك من حاجة للتقليد، فان من الضروري أن تكون الطبيعة أولى بالتقليد. ذلك يعني أن معنى التقليد في الشعر هو أن يساير الطبيعة في تطورها وارتقائها. وعندما واجه مسالة التقليد والتقييد في الشعر، التي ارتبطت بالموقف من القافية، فانه وقف إلى جانب الفكرة القائلة بان القافية ثقل على كاهل الشعر والشعراء. بل واعتبرها بقية من بقايا التقاليد العربية القديمة (الجاهلية) لكلمة كان يكررها الشاعر في آخر كل بيت. من هنا اعتقاده انه لا ضير في تركها. ومع ذلك أنها مفيدة أيضا بالنسبة لتهذيب قدرة الشاعر والإعراب. لهذا وقف إلى جانب تعدد القافية في القصيدة الواحدة وتغييرها حسبما يريد الشاعر. واعتقد أن الشعر ليس بالقافية، بل بالموسيقى التي هي في الوزن. من هنا تأييده لحق الشاعر في أن ينظم على أي وزن شاء من أوزان الخليل وغيرها.
كانت دعوة الزهاوي للتحرر من القافية "الثقيلة" والبقاء في موسيقية الشعر أو أوزانه الصيغة المباشرة لفكرته عن انه ليس للشعر قواعد وانه فوق القواعد. بمعنى أولوية وجوهرية المشاعر الصادقة فيه. فهي "القاعدة" الكبرى التي يجليها الشاعر في العبارة والمعنى. وهو جلاء يفترضه الحس والعقل وسنّة الوجود. فالطبيعة في تجدد. ولا بأس من تقليدها. ولم يقصد الزهاوي بذلك الاندماج في دارونية شعرية أو شعرية دارونية عندما كان يتكلم عن "سنّة النشوء والارتقاء"، بل عن شعرية حية قادرة على التجدد الدائم بما يتوافق مع الحركة الداخلية للأمة و"ارتقاء" شعورها الذاتي. فهو يضع في فكرة التجديد الدائم تصوير الشعور الدائم لرقي الحاضر. إذ لا تجدد في الشعر حتى ينتفض من غبار الماضي، والتجدد هو إثارة ما في نفس أمته من نزوع إلى الجمال. كما أن التجدد هو ثورة على الجامدين. وهو صنع العزيمة الراسخة والاعتماد على النفس بحيث يصبح الشاعر رسول الطبيعة إلى أبنائها. وأخيرا ليس التجديد أن يقلد شعراء الغرب، بل التجديد هو أن لا يقلد الشاعر غير سواه كان ما كان ذلك الغير غريبا يعاصره أو عربيا لا يعاصره . إذ لا معنى لتقليد الغرب، لان لكل أمة شعورا خاصا بها لا تحس به أمة أخرى كالموسيقى. ذلك يعني أن الزهاوي ربط التجديد الداخلي بالتجديد الخارجي، وجعل من مهمة تعميق وترسيخ الشعور الذاتي للشاعر جزءا من ترسيخ وتعميق الشعور الذاتي للأمة. ولا يعني ذلك بالنسبة للزهاوي سوى تعميق وترسيخ جوهرية الانتماء للأمة في تناول إشكالاتها الكبرى المعاصرة. من هنا مطالبته بعدم تقليد الغرب "المعاصر" والعربي "القديم". ذلك لان تقليد الغرب عيب بحد ذاته، ثم انه لا يصنع شعورا حقيقيا ولا يقدر على صنع عزيمة راسخة وتفاؤلا بالمستقبل يعتمد على النفس وقواها الذاتية. ومهمة الشاعر "الجديد" تقوم في تتبع وتعميق وترسيخ الشعور القومي لذي لا يحسه غيره لأنه ينبع من وجود أمته التاريخي.
وبنفس الاتجاه سارت آراء خليل مطران (1873-1949) الذي اعتبر قال بضرورة أن يكون الشعر مرآة صادقة للعصر بمختلف أنواع رقيه. أما تجديده فيفترض بقاءه شرقيا - عربيا - مصريا. أي أن تجديده يفترض بقاءه ضمن تقاليده الثقافية – القومية. في حين أعطى محمد حسنين هيكل (1888-1956) للتجديد بعدا ثوريا عندما ربط فكرة التجديد بالثورة. فالتجديد بالنسبة لهيكل يعني اقتحام الميادين الجديدة والتحلق في عوالم شتى بما في ذلك "عوالم الملائكة والشياطين". إذ الغاية النهائية في الشعر هي تصوير الكمال في الحب والحرية والأمل والألم، أي في توليد وعميق وترسيخ المشاعر الدالة على وجود المعاني غير العادية الملازمة لحياة الناس العامة. ولا سبيل إلى تجديد الشعر إلا بالثورة كتلك التي أدت إلى تجديد النثر. والثورة في الشعر ينبغي أن تبنى على أسس شعرية. إذ ليست الثورات السياسية والاجتماعية والانقلابات وما شابهها أدوات الثورة في الشعر. أنها يمكن أن تكون كذلك في حالة وجود أسس عميقة تسندها المشاعر الإنسانية الصحيحة لا المصالح العابرة، كما يقول هيكل . ووجد هيكل في ظمأ النفوس لحرية الإحساس والعاطفة كما ظمئت من قبل لحرية الفكر وحرية التعبير عنه سبيلا لهذه الثورة. إذ لا طريق للنهضة الكبرى بغير الثورة. بينما بناء الشخصية المستقلة ممكن عبر إعلان الشعراء حرية الشعور وان يقولوا بوحي نفوسهم والهام حياتهم لا بوحي الأقدمين وإلهامهم .
لقد دفع محمد حسنين هيكل علاقة الشعور الذاتي إلى نهايتها "المنطقية" عبر إعلان الثورة سبيل التجديد، وعبر مطابقة التجديد مع الثورة بشكل عام والشعرية بشكل خاص. إلا انه وجد في تلقائيتها الذاتية أو ما دعاه "بظمأ النفوس لحرية الإحساس والعاطفة" وتكامل الشعور الذاتي بضرورة التعبير الحر عنه بوصفه أسلوب التجديد الحق. فهو ضمانة تحقيق الشعراء لحرية الشعور والإبداع الأصيل بما يتوافق مع وحي نفوسهم في مواجهتهم للحياة ومشاكلها.
كانت الصيحة التي أطلقها محمد حسنين هيكل بهذا الصدد الصوت الداخلي التي بلورتها مدرسة (الديوان) عن ضرورة القطع الراديكالي بين تقاليد الماضي الميتة وإعادة إنتاجها في تقليد المعاصرين وبين "شعر المستقبل". وهي فكرة وضعها المازني فيما اسماه بإبانة ماهية "المذهب الجديد في الشعر والنقد والكتابة"، القائمة في "إقامة حد بين عهدين لم يبق ما يسوغ اتصالهما والاختلاط بينهما". وليس هذا القطع الراديكالي في مظهره سوى الصيغة العقلانية والمعتدلة في نفس الوقت بمعايير الإبداع الأصيل. فقد سعى "المذهب الجديد" إلى أن يكون "إنسانيا مصريا عربيا". إنساني، بمعنى تعبيره عن طبع الإنسان خالصا من التقليد المشوه وانه ثمرة لقاح القرائح الإنسانية. ومصري، بمعنى أن دعاته مصريون تؤثر فيهم الحياة المصرية، وعربي، لان العربية لغته . أما من الناحية التاريخية والواقعية فقد كانت مدرسة (الديوان) عربية من حيث لغتها ودعوتها وتعبيرها عن الإنسان، وعن غايتها في التجديد والتحرر من التقليد. "فالإنساني" فيها هو الاستمرار الطبيعي للتجديد العربي، أما "المصري" فهو مادتها المباشرة وموضوعات تجربتها النقدية. أما عروبتها فقد وجدت انعكاسها في كل الأعماق السحيقة للحوافز والغايات القائمة وراء مدرسة (الديوان) نفسها، وبالأخص ما يتعلق منها بالتقييم المفرط للنفس عن أنها "أتمّ نهضة أدبية ظهرت في لغة العرب منذ وجدت"(!). وذلك لان "أدبنا الموروث في اعم مظاهره لم يكن إلا عربيا يدير بصره إلى عصر الجاهلية" . بصيغة أخرى أن ثالوث الإنساني - المصري – العربي ما هو في الواقع سوى محاولة تجديد الموروث الأدبي العربي الخالص بمعايير المعاصرة، والتي شكلت مشروعا لم يتحقق منه سوى ما أبقاه ضمن "الموروث العربي" والمعاصرة.
فقد سعت مدرسة (الديوان) في مقدمتها النظرية إلى تحطيم "الأصنام الباقية على تفصيل المبادئ الحديثة" و"استردافها بنماذج للأدب الراجح من كل لغة" و"صياغة قواعد كالميزان لأقدارها". إلا أنها لم تجسد سوى جزء من "تحطيم الأصنام الباقية". أي أن ما قدمته ونفذته هو السير في اتجاه تعميق وترسيخ ضرورة الشعور الذاتي العربي تجاه ذاته وموروثه عبر بناء الصيغة الأولية للرؤية النقدية اللاذعة تجاهه. وأبقت مشروع "النماذج الأدبية الراجحة" من مختلف اللغات و"ميزانها" في وزن الإبداع الأدبي والشعري في طي البدائل المقترحة والمرغوب بها. وفي هذا النقص تكمن قيمتها التاريخية بالنسبة للغة الشعور الذاتي العربي المعاصر بوصفها لغة الحرية و"الشعر الحر. فقد كتب المازني في (الشعر وغاياته) عن أن "الشعر يلذ قارئه إذا كان للمعاني التي يثيرها في ذهن القارئ في كل ساعة تجديد وفي كل لحظة توليد" . وان "قيمة الشعر ليست فيما حوت أبياته واشتملت عليه شطراته فقط، ولكن قيمته أيضا بما يختلج في نفسك ويقوم في ذهنك عند قراءته. فان الشعر الجيد كالبحر لا يقف عنده الفكر جامدا، وهو كشعاع النور يضئ لك ما في نفسك ويجلو عليك ما في ذهنك" ، أي أن الشعر الكبير هو الذي يشرك القارئ في معاناته بطريقة تجعله شريكا في الحس والرؤية والفعل، ويدفعه إلى تأمل العالم ونفسه ويضئ في أعماقه نور العقل والوجدان بقدر واحد. فالشعر الحقيقي هو موسيقى الشعور المخلص للحرية.
لقد تمخضت معاناة الرؤية الأدبية بشكل عام والشعرية بشكل خاص منذ بدايات النصف الثاني للقرن التاسع عشر عن ترسيخ وتعميق الشعور الذاتي وتحويله إلى لغة الشعر المتحرر من قيود الماضي وتقليديته الخانقة. وتوصل إلى أن حقيقة الشعر هي الحرية، التي صنعت في وقت لاحق عبارة "الشعر الحر". مع أن حقيقة الشعر هي الحرية. و"تحرير" الشعر من القافية لم يكن ضمانة حريته كما أن تحرر الشعر من قيود الماضي لا يعني انه أصبح "شعرا حرا".
لقد وصلت الرؤية النقدية العربية في مجرى بحثها عن الحرية إلى مفارقة "الشعر الحر" وجعله نموذجا وأسلوبا للإبداع الشعري. "فالشعر الحر" ليس معضلة الشعر بحد ذاته، بل معضلة الخلل العميق في مشاعر الأمة وجمود روحها الثقافي. وبالتالي ليس "الشعر الحر" سوى مفارقة لها معناها التاريخي والثقافي فقط. أما جوهرها الفني والجمالي، بوصفه تعبيرا عن الشعور الذاتي للأمة، فانه كان وسيبقى القضية الأكثر تعقيدا بالنسبة لتقاليد المنسوخ والممسوخ في الوعي الذاتي العربي وآفاق رؤيته وتحقيقه للحرية الفردية والاجتماعية والقومية.
***





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,009,190,267
- الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي (2)
- الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي(1-3)
- فلسفة البديل العقلاني العراقي
- الطريق المسدود للطائفية السياسية
- الطائفية السياسية: عقيدة الأفق المسدود
- الطائفية السياسية أداة الخيانة الوطنية
- الدولة العراقية وإشكالية المؤقت والثابت فيها
- محمد عبده وتأسيس الفكرة السياسية والحقوقية للإصلاح
- محمد عبده - تأسيس الروح الثقافي
- محمد عبده ومهمة تأسيس العقل الثقافي
- محمد عبده: إصلاح التربية طريق الإصلاح الحق
- محمد عبده وفكرة التدرج في الإصلاح
- الفكرة الإصلاحية عند الشيخ محمد عبده
- مرجعية الخلافة الذاتية عند محمد عبده
- زكي الارسوزي - الفكرة القومية واللغة العربية
- كراهية الإسلام
- الصراع الديني - المذهبي في المشرق العربي المعاصر
- المشرق العربي وإيران في الصراع الروسي – الأمريكي
- روسيا والصراع من أجل الشرعية في سوريا
- الإمبراطورية (الأمريكية) والجغرافيا السياسية (للعالم العربي)


المزيد.....




- وزير خارجية فرنسا يدين مقتل خاشقجي ويدعو لتحقيق واف
- صلاح يعود للتهديف ثانية ويمنح الفوز لليفربول على هدرسفيلد
- ترامب يقول هناك احتمالات أخرى لعواقب تشمل فرض عقوبات على ال ...
- وزير خارجية فرنسا يدين مقتل خاشقجي ويدعو لتحقيق واف
- ترامب يقول هناك احتمالات أخرى لعواقب تشمل فرض عقوبات على ال ...
- جولة تألق صلاح ومحرز في البريميرليغ
- بالفيديو.. إصابة -خطيرة- لميسي
- الأميركيون ضد المال في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس
- خطيبة خاشقجي للسعودية: والله مُخرجٌ ما كنتم تكتمون
- صدّقت الإنكار والاعتراف.. دول تدور مع السعودية


المزيد.....

- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي
- تأملات فى أسئلة لفهم الإنسان والحياة والوجود / سامى لبيب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي(3-3)