أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سمير طاهر - أثر الأساليب التعليمية في شخصية الفرد العربي






















المزيد.....

أثر الأساليب التعليمية في شخصية الفرد العربي



سمير طاهر
الحوار المتمدن-العدد: 1493 - 2006 / 3 / 18 - 11:31
المحور: المجتمع المدني
    


تبين الأبحاث التجريبية الحديثة أن عملية تعلّم مثمرة تتطلب طالبا فعالا. بمعنى إن الطالب، بوصفه موضوع عملية التعليم، ينبغي أن يكون مشاركا في هذه العملية. ويستشهد أحد هذه الأبحاث بالمثل القائل أن من السهل أخذ الحصان الى الماء ولكن ليس من السهل جعله يشرب. فحين لا يريد الحصان أن يشرب، أي عندما يفتقر الى الحافز لذلك، فإن جهدا كبيرا ينبغي بذله لدفعه الى الشرب. فالأمر إذن يتعلق بخلق الحافز.
الأسلوب التعليمي السائد في مدارس معظم بلداننا العربية هو التحفيز بالعقاب: إجبار الطالب على التعلم عن طريق التهديد بالعقاب (الرسوب، العقاب النفسي، وأحيانا الجسدي..)، فإن لم يؤت التهديد بنتيجة مع أحد الطلاب ولم يحقق نتائج جيدة فإنه (التهديد) ينفذ بحقه، ما يحمّله أضرارا نفسية وحياتية قد تؤثر على باقي مسيرة حياته.
هذا الأسلوب من التحفيز ربما يأتي بنتيجة إيجابية، بمعنى إن من الممكن إجبار فرد علىالتعلم. لكن هذا يجدي مع الطالب القابل لتعلم المادة المعينة، وليس جميع الطلاب لديهم القابلية نفسها. ونذكّر هنا بنظرية العالم العراقي نوري جعفر حول أن ميول وقابليات الأفراد الذهنية يقررها حجم ونشاط فصوصهم الدماغية. فماذا لو أن خواص الطالب الذهنية تجعله غير قابل لتعلم المادة المعينة؟ محتمل أن العقاب سيزداد (لا سيما حين يؤكد القائمون به بأنهم لا يعرفون من يكون نوري جعفر هذا!) وعندها ستنتهي عملية التعلم الى الفشل، الأمر الذي يعني إنتهاء طرفيها (المدرسة والطالب) الى الفشل.
أعتقد أن أسلوب التحفيز بالعقاب لا يستخدم في مدارسنا إختيارا وإنما إضطرارا. والذي يضطر المعلمين اليه هو المادة الدراسية نفسها. فلو كانت المادة منتقاة ومصاغة بشكل علمي دقيق لتتناسب وقابليات الطلاب الذهنية وخواصهم النفسية وإحتياجاتهم الفردية (أي بالنظر الي الطالب كإنسان وليس فقط كمتلق للمعلومات) لما كانت ثمة حاجة لـ "إجبارهم" على تعلمها. فالمعلومة هي التي تعين، تلقائيا، كيفية توصيلها. إن ما يضطر المعلم الى إتباع هذا الأسلوب هو جفاف المادة الدراسية وإنعدام صلتها بحياة الطالب. الطالب لا يرى، ولا يعيش، ولا يطبق، إلا قدرا ضئيلا من المواد الدراسية والباقي معلومات تجريدية عليه أن يحفظها عن ظهر قلب. ثمة إنفصال يحصل بين شخصية الطالب والمواد التي يدرسها كون الأخيرة ليست تطبيقية وتوصيلها لا يتم بصورة تفاعلية. الطالب هنا بعيد جدا عن صفة "المشارك" في عملية التعليم التي أشرنا اليها في المفتتح.
إن هذا الأسلوب لا يُتوقع منه أن يخرّج أفرادا أذكياء وإنما "حَفّيظين" أمينين للنص المدرسي. أما حين يقيض لهؤلاء الحفيظين أن يتولوا بعد تخرجهم وظائف تعليمية فإنهم على الأغلب سيكررون التكنيك الموروث نفسه، ما يعني توريث الغباء!
تشير التجارب في هذ المجال الى عاقبتين للتعليم عن طريق العقاب. الأولى: أن أثره عادة ما يكون قصير المدى. فالمعلومات سرعان ما تنسى بعد إنقضاء فترة التعليم (بعضنا نسي المعلومات راضياً بمجرد خروجه من قاعة الإمتحان آخر السنة!). والثانية: أثره العكسي في الطالب، عندما يتولد لديه شعور عدواني تجاه المواد الدراسية التي "صدعوا رأسه بها"، فهو لم يخترها، لم يُسأل إن كان يحبها أو يحتاج اليها حقا في حياته.
ثمة أثر سلبي آخر لهذا الأسلوب يتمثل بشعور الطالب بعدم الثقة إتجاه المعلم، مصدر المعلومة. وأهمية هذا هي في أن المعلم سيمثل رمزا للسلطة الإجتماعية، حين يوصل للطالب المعلومات التي يريد المجتمع أن يتلقاها الطلاب. عند هذا الربط بين معلومات جافة بعيدة عن إهتمامات الطالب الحقيقية، والإنجبار على تعلمها بواسطة ممثلين للمجتمع (المعلمين) تتهيأ شروط نفسية لتمرد ينتظر فرصته.

التحفيز بالمكافأة
بدلا من هذا الأسلوب يعين سيكولوجيو التعلّم "التحفيز بالمكافأة" كآلية ناجعة للتعلّم. علميا تم التوصل الى هذه النقطة عبر مرحلتين: الأولى ـ دراسة سيكولوجيا الفرد للتوصل الى ماهية الحوافز الرئيسية لديه: ما الذي يريد إرضاءه في نفسه وما هي ميوله. والثانية ـ توظيف هذه المعرفة في مجال التعليم، عبر إرضاء ميول الفرد كمكافأة على تعلّمه.
فيما يخص سيكولوجيا الفرد تبين وجود نوعين من الحوافز للتعلم: خارجية وداخلية. أما الحوافز الخارجية فمنها المكافأة، تجنب العقاب، الحصول على الدرجة العلمية (الشهادة)، سيطرة الفرد على وجوده ومستقبله.. فالفرد يتعلم من أجل الآخرين: لكي يحظى برضاهم، أو إعجابهم، أو يتجنب عقابهم أو يتدبر أمره في عالمهم. وهذا يعني أن الاخرين، بشكل أو بآخر، هم الذين يقررون على الفرد ماذا يتعلم.
والحوافز الداخلية تعني أن الرغبة في تعلم شيء تأتي من داخل الفرد، إرضاء للذات وليس لأي " آخر"، وأن الطالب هو الذي يقرر على نفسه كل المسائل المتعلقة بتعلمه: ماذا يتعلم وكيف ومتى ... الخ
أما في ما يخص توظيف هذه المعرفة في عملية التعليم فقد لاحظ السيكولوجيون أن الحوافز الداخلية تؤتي ثمارا أكثر، و بشكل أكثر أماناً، من الحوافز الخارجية، ولذا أوصوا السلطات التعليمية بالإشتغال عليها وتقويتها. فحين تكون المادة الدراسية غنية بالمعنى، ذات أهداف قريبة المدى وأهداف بعيدة المدى للطالب، ذات طبيعة عملية بحيث يمكن للطالب أن يمارسها، يقاربها حسياً و"يعيشها"، فإن الحوافز الداخلية تقوى لتعلّم هذه المادة. لأن في هذه الحالة ستنفتح أمام الطالب إمكانية أن يكون "فعّالاً" في عملية التعلّم ويأخذ بنفسه مسؤولية هذه العملية ـ وهي الشروط التي يذكرها السيكولوجيون لتحقيق حالة تعلّم مثالية. أما من الناحية العقلية الفسلجية فسيقوم الحافز الذاتي بتسيير نفسه بنفسه (يصبح "ذاتي الحركة") الأمر الذي سيتطلب من الدماغ طاقة أقل مما يتطلبه الحافز الخارجي.
يورد السيكولوجيون أيضا متطلبات أخرى لتقوية الحافز الداخلي: منها أن يشعر الطالب بالأمان في بيئته الدراسية؛ أن يستمتع في دراسة المادة (الأمر الذي يعتمد جزء كبير منه على كفاءة المعلم ومهاراته وشخصيته)؛ أن تكون المواد الجديدة معتدلة الصعوبة وبدرجة معقولة؛ أن تتيح المواد الدراسية للطالب إمكانية أن يتعلمها بنفسه؛ أن يوجد علىالدوام شخص متمكن من المادة الدراسية المعينة لكي يساعد الطالب في تقرير ما إذا كان عليه الإشتغال أكثر عليها أوالإنتقال الى خطوة أخرى. وما نلاحظه في هذه الخصائص، التي إستنبطها باحثون غربيون من دراساتهم وتجاربهم والمطبقة اليوم في مدارس الغرب، أنها تتعاطى مع الطلاب بوصفهم بشرا: أدمغة ذات طاقات محددة وإستعدادات مختلفة؛ مشاعر وعواطف؛ شخصيات وميول .. وفي هذه اللحظة ستقفز الى أذهاننا أسئلة من قبيل: أين الدول العربية من كل هذا؟! هل فكر الجهاز التعليمي في بلداننا، وهو يضع المناهج الدراسية، بالطالب كإنسان؟

مقارنة بين أسلوبين
حين نطالع مناهجنا الدراسية يبدو لنا الأمر وكأنه يتعلق بتغذية حاسوبات ببيانات محددة، والحاسوب الذي يفشل في عملية التخزين يُخرَج من الخدمة. إن العملية لدينا معكوسة تماما عما مذكور أعلاه فلا دخل للطالب في المواد المقررة عليه، لا أثناء وضعها ولا بعده. لم يوضع قياس قابلياته بنظر الإعتبار، ناهيك عن البحث علميا في متطلباته النفسية وخصائصه العاطفية في ما يخص الإستيعاب والتعلم. ومادام العمل معكوسا فمن المتوقع أن تأتي نتائجه معكوسة أيضا: فحيث تكون نتيجة إتباع الأسلوب الحديث المذكور أعلاه هو تخريج أفراد كفوئين ولديهم القدرة على الإبداع والتفوق، في بلدان الغرب، تأتي نتيجة الأسلوب التلقيني الإجباري عندنا هي تخريج أفراد محدودي الكفاءة، إسهامهم ضعيف في تقدم بلدانهم وإسهام بلدانهم ضعيف في تقدمهم. أما من يتوظف منهم في سلك التعليم فسيكرر مع تلاميذه الأسلوب ذاته الذي هو نفسه ضحية له، فتغدو مهمته خلق ضحايا جدد.. إن من يلقي نظرة على أساليب ومناهج التعليم في بعض بلداننا العربية يخيل اليه أن ثمة نية مقصودة لتخريج أجيال من الأغبياء.
ففي الوقت الذي نجد مهمة الأسلوب التعليمي الحديث هي مساعدة الطالب على إكتشاف العالم وذاته، نجد الأسلوب المتبع عندنا يصيب الطالب بالإغتراب. إن الأسلوب الحديث يركز على "محتويات" نفس الطالب من ميول وإهتمامات فيتولى تنميتها بالأنشطة والدروس التطبيقية والإرشاد الى المجالات والمصادر الأخرى لينمي مواهبه بنفسه. لكن هذه المواهب والميول تعتبر في مدارسنا "هوايات أوقات الفراغ" على الطالب أن يمارسها خارج المدرسة! إن الرئيسي في مسألة نمو شخصية الفرد يُركَن في مدارسنا الى مرتبة ثانوية، أما الرئيسي في نظرها فهو "الحِفظ" للنصوص الدراسية، حيث إنه المعيار الشائع لتفوق الطالب وذكائه. وحين لا تتحقق حالة التوحد بين الطالب والمادة الدراسية فمن المتوقع أن تنشأ حالة من الإنفصام. فالطالب موجود في المدرسة وغير موجود، وحيث أنه "لا يجد نفسه" في المواد الدراسية ولا في أساليب التعليم فإن أشياء أخرى خارج أسوار المدرسة ستسكن إهتمامه وخياله، أشياء "يجد نفسه فيها" حقا. هل أراني أبالغ لو قلت أن كثيرا مما تشكو منه مجتمعاتنا: التطرف الديني، الإجرام، العنف ضد النساء، التخلف، الإنحراف بأنواعه... له خيوط متصلة بهذا "الإنفصام" بين الفرد والمدرسة؟
إن ضم الطالب والمادة الدراسية في عالم واحد هو مسؤولية السلطات التعليمية، التي عليها أن تسترشد بتوصيات وبحوث السيكولوجيين في رسم سياستها ووضع مناهجها. ولا يقل أهمية موضوع كفاءة المعلمين عن طريق رفع مستوى معارفهم السيكولوجية وتدريبهم على التعامل الحساس مع الطالب. ما الغاية من التعليم إن لم يعنِ عملية مثمرة للطالب؟ هل الغاية هي مجرد التدرج بـ "الشهادات" حتى التخرج؟ إذن فالغاية ليست "بناء إنسان" ؟ ألا ما أعظم الفرق بين الإثنين!
لكن يستوقفنا هنا أن نظريات التعلّم الحديثة مترجمة الى لغتنا، وتدرّس في أقسام علم النفس في جامعاتنا، وأن بلداننا لا تخلو تماما من البحوث التي يقوم بها متخصصون على الطلبة ويخلصون فيها الى نتائج. فما الذي يجري؟! لماذا لا يحصل تحسين ما؟! ـ لأن السيادة في بلداننا ليست للأفكار النافعة، إنما للسلطة. في الغرب تأخذ توصيات العلماء والباحثين طريقها الى البرلمان وتناقش ثم تتخذ في ضوئها قرارات نافذة. الحكومات هناك تشجع البحوث لأنها سبيلها الى تحسين الأداء. وغني عن القول إن الحال في بلداننا أبعد ما يكون عن ذلك. إن المشكلة عندنا هي الإنفصال بين العلمي والبيروقراطي، بين الحداثة ونمط الدولة القمعية.
ثم ألا نلاحظ أننا نتكلم عن جزء من كل، له ما للكل من حسنات وعليه ما على الكل من مؤاخذات؟ أقصد أن حالة "ضم الطالب والمادة الدراسية في عالم واحد" ، بالتفاصيل التي ذكرتها، تعني ديموقراطية التعليم، حيث للطالب حقوقه الفردية والعلمية، فكيف نتصور تحقيق ديموقراطية تعليم في ظل لا ديموقراطية سياسية؟! من هذا المنظور أظننا نفهم لماذا لم يتم الأخذ بالأساليب الحديثة، الديموقراطية والأكثر إنسانية، في التعليم رغم أنها معروفة، وتدرّس في جامعاتنا. إن ديموقراطية أساليب التعليم لها مرجعية في ديموقراطية كل النظام الإجتماعي، فهي تعبير عنه، ونتيجة له.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,516,780,122
- دعه يخطئ، دعه يتعلم !
- عن سعدي يوسف و الفلوجة


المزيد.....


- - الجندي المجهول - .. وهمومه العصريّة . / مريم نجمه
- هدر المال العام توأم الارهاب ونقص في الوطنية / عبد الاخوة التميمي
- فيلم بوليسي فاشل / حسن إسماعيل
- مطار دمشق يكتب مذكراته / ناجي درويش
- المأزق العراقي ..والحل في قراءة التاريخ ..! / هادي فريد التكريتي
- الحكومة العراقية..متى ..؟! / هادي فريد التكريتي
- رسالة إلى مثقف / محمد البوزيدي
- تحية إلى حبات البذار أمام القصر العدلي / فاضل الخطيب
- مواليد أواخر الخمسينيات من القرن العشرين في العراق / واصف شنون
- الجامعة فضاء النشاط التنويري / عقيل عيدان


المزيد.....

- رمي مهاجرين غير شرعيين في عرض البحر لتخفيف وزن قارب هدد بالغ ...
- بالفيديو.. إسرائيلية: هناك جرائم حرب بغزة من إسرائيل.. ومصري ...
- ألم وحسرة النازحين
- الأمم المتحدة: لا وجود لمكان آمن يلجأ إليه مدنيو غزة
- اعتقال العشرات من ضباط الشرطة في تركيا بتهمة -التجسس على ارد ...
- منظمة حقوقية: أطفال جنوب السودان أصبحوا طعاما للوحوش‎
- هيومن رايتس ووتش تتهم أمريكا بتوريط أفراد يعانون من أعاقات ف ...
- كردستان.. أعداد كبيرة من النازحين العراقيين
- محامون وناشطون سودانيون يتظاهرون دعماً لغزة
- الأمم المتحدة: لا مكان آمن للمدنيين بغزة


المزيد.....

- الدولة والعشيرة في العراق* / شاكر الناصري
- الأقباط ونهاية مرحلة : المطالب الدينية والمطالب المدنية -مجر ... / محمود الزهيري
- مواكب عزاء لحماية الإثم السياسي! / سلام عبود
- اتحاد السنّة والشيعة خطة تصعب مقاومتها! / سلام عبود
- آبار للنفط وأخريات للأحقاد / سلام عبود
- ألغاز السياحة الدينية في زمن المفخخات / سلام عبود
- موسم صيد الطرائد الشيعيّة / سلام عبود
- الطائفيّة أفيون الشعوب الإسلاميّة! (خطر احتكار الحقيقة دينيّ ... / سلام عبود
- بعض ملامح الواقع العراقي على ضوء المنهج الفرويدي وعلم الاجتم ... / سلام عبود
- دور المجتمع المدني في االتحول الديمقراطي / محمد مختار قنديل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سمير طاهر - أثر الأساليب التعليمية في شخصية الفرد العربي