أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ذياب فهد الطائي - ثلاثة اصوات من البصرة /الصوت الاول -الإبن















المزيد.....


ثلاثة اصوات من البصرة /الصوت الاول -الإبن


ذياب فهد الطائي

الحوار المتمدن-العدد: 5872 - 2018 / 5 / 14 - 10:30
المحور: الادب والفن
    


ألأبن (الصوت الاول )


لن اعيش حتى نهاية ألأسبوع.!

قال ابي ذلك بتقريرية كعادته وهو يتخذ قراراته بصوت عميق وببطء شديد، حتى انه كان ينطق الحروف بعفوية تدفع الى تصديقه ،كانت الحروف كأنها مشدودة الى خيط خفي تنسحب فرادى ولكن دون ان تتعرض الكلمات للتجزئة .

كانت أمي واقفة عند الباب تحيطها ظلال مزدوجة من بقايا نهار غائم ترتفع به رطوبة ملحّية والنور الباهت المتردد المندفع عبر الشباك الذي أزيحت ستائره عن زجاج لامعتم تنظيفه حديثا ، كان في عينيها دهشة فاجعة كطفل يتلقى ضربة من شخص يحبه ، فغرت فاها فيما ارتجفت الكفان الرقيقتان وانسكب بعض الشاي من كوب خزفي ملون كانت تحمله.

منذ أربعة ايام ، طلب ان يوضع سريره الى الشباك المطل على فضاء تنفرج عنه نهايات الشارع المفضية الى ساحة ترابية تتوسطها شجرة سرو أكلت الحشرات معظم اوراقها والمتبقية منها تنتشر فوقها ثقوب تيبست اطرافها وغدت سوداء .

رقد ممدا مبديا خليطا من الإجهاد وحرارة مرتفعة بعض الشيء تدفعه الى التنفس بتسارع فيما كانت قطرات بلورية من العرق تتدحرج احيانا على صدغيه .

كان بيتنا في الشارع الفرعي المؤدي الى سوق البصرة القديمة كما اعتدنا تسميتها وهو من البيوت التي كان يسكنها اليهود قبل مغادرتهم المدينة ، وهي عادة بيوت صغيرة مضغوطة في حواري ضيقة بحيث تكاد الشبابيك في الطابق العلوي تتلامس (شناشيلها ) الخشبية المصنوعة من قطع منحوتة بدقة ومهارة والمتقاطعة، بحيث تبدو مليئة بثقوب تسمح بالرؤية وبدخول الهواء ، حصل عليه ابي من مديرية الأموال المجمدة بإيجار زهيد ألأمر الذي لم يسمح لنا بالتفكير بألإنتقال منه رغم تحسن وضعنا المعاشي بعد ان تم تعديل رواتب المعلمين . كانت أمي لاتني تبدي اعجابها بالشناشيل وتجد فيها تحفة (معمارية ) .

تهيمن على البيت رائحة مختلطة من رطوبة تسكن الخشب القديم وأبخرة الأطعمة التي تحضّر يوميا بكميات مميزة من البهارات الهندية ذات الرائحة النفاذة التي يشتهر بها سوق (الهنود ) في العشار، وفي الحقيقة فقد اعتدنا على هذا الخليط بحيث لم يكن يسبب لنا اية مضايقة وقد شعرت بشيء من الاستغراب حين أصر عمي في احدى زياراته المتباعدة لنا على ان نفتح الشباك الوحيد الذي يحتل مساحة كبيرة من واجهة غرفة نوم والدي على الشارع في الطابق العلوي ،وان يظل الباب مفتوحا للتخفيف من غرابة الرائحة التي لم يستسغها .

قلت : سأخرج !

نظرت نحوي والدتي بشيء من العتب والتوبيخ

قلت : لن يموت ابي، سيقرر في آخر لحظة ان يشفى

كان ابي يتخذ قراراته بعناية ويجتهد في ان تكون واضحة , قال مرة انه سيذهب بعد ثلاثة ايام الى المعهد البريطاني في (العشار ) حيث ستعرض ممثلة انكليزية مسرحية شكسبير العظيمة (ماكبث ) لوحدها مستخدمة أقنعة لوجوه ابطال الرواية ، وأفاض بشرح التجربة المسرحية الجديدة وأهميتها وكذلك صعوبة تنفيذ مثل هذا العمل، وحدثنا ونحن نتناول العشاء قبل يومين من عرض المسرحية عن أهمية شكسبير في المسرح العالمي وعن تفاصيل دقيقة عن مسرحية (ماكبث ) وذكر تفصيلات عن الليدي ماكبث وروحها الشريرة وطمعها الذي لايقف عند حد واصرارها على ان يقوم زوجها الذي هو قائد جيش اسكتلنده ، بقتل ضيفه الملك (دنكان ) وهو نائم ، كما حدثنا بشغف عن الساحرات والأشباح وبقية شخصيات المسرحية ، وكان متلهفا لرؤيتهم على المسرح ليتابع تحركهم ومؤامراتهم .

طلب من أمي ان تكوي البدلة الرصاصية والقميص الكحلي وطلب مني ان المّع حذاءه ألأسود ووقف طويلا أمام المرآة يعتني بشعره ويتأكد من ان شواربه قد التفت نهايتهما بدائرة كاملة ثم خرج تودعه أمي بدعاء حار الى الله ان يحفظه ويعيده سالما رغم انها كانت تشعر بألأسف لأنه رفض ان تضع في جيب سترته العلوي بعض حّبات ( الحرمل) .


كنا ننتظره على الشباك وأنا في الطابق الأرضي استمع الى أغاني راديو الشرق الأدنى وحين أطل من رأس الشارع قالت أمي

: افتح الباب لقد جاء أبوك ؟

كان جذلا وفي الحقيقة فقد كان عموما يشعر بقناعة تضفي على ملامحه انطباعا بالرضا ، وحين تبدي أمي (وهذا ما يحدث نادرا ) تذمرا كان يؤكد انه قد حقق الكثير وان الفرص التي ضاعت لاتكاد تذكر ، فقد استطاع ان ينتقل من جندي في الحرب التي قادها بكر صدقي ضد ألآشوريين في شمال العراق الى افضل معلم للغة الأنكيليزية في مدارس البصرة وان يحصل على تكريم ( مديرية المعارف ) عدة مرات .

قالت امي : كيف كانت المسرحية , أرجو ان تكون قد استمتعت بها فقد انتظرتها بشوق !

قال أبي: اية مسرحية ؟

ثم استدرك : آه ماكبث , لم اذهب الى المسرحية , لقد ذهبت الى السينما

قالت امي بأستغراب : السينما !

قال ابي : نعم , كان الأعلان مغريا ولم استطع مقاومته , الفلم ل (كركوري بيك وآفا كاردنر) , وكما تعلمين فهما افضل ممثلين , على ألأقل هذا ما أعتقده , وهو مأخوذ عن قصة بديعة للروائي الأمريكي ( أرنست همنكواي ) , ماكبث مات منذ عام 1057 وقد قرأت الكثير عن المسرحية حتى اني احفظ بعض فصولها ثم لماذا نظل وراء الفضائح والمؤامرات في قصور الملوك وأنا وانت نعرف اننا لن ندخل يوما الى أي قصر ملكي ؟

قالت والدتي : انا لاأعرف !

كانت كمن يتنصل من تهمة قد يترتب عليها مسؤلية ما ، إضافة الى انها كانت تجد في أبي الرجل الذي يعرف كل شيء وكانت تنتابها حالة من النشوة حين تجده يقرأ في كتاب باللغة الأنكليزية وخصوصا حينما يرفع صوته وهو يلوي الكلمات بنغمة متأنية فيما يبرم نهايات شاربيه الدائرييتين ويركز عينيه باهتمام مبالغ به .

كانت شواربه علامة فارقة وفي الحقيقة فأنا لم أصادف في البصرة كلها من له شوارب أبي ألأنيقة والمتساوية والمبرومة النهايات بدائرتين صغيرتين , كان هو يحرص على العناية بهما ويشذبهما يوميا قبل ان يخرج الى الدوام في مدرسة (الموفقية ) ألأبتدائية للبنين أو ليسهر مع اصدقائه ، كنت يوما اتصفح مجلة عربية وعثرت على بعض الصور لقادة لبنانيين يحملون شوارب أبي نفسها ، اسعدني ذلك فقد كنت أعاني من سمعة شواربه في مدرستي وكان الصبية ينادوني (ابن أبو شوارب ) من باب التندر رغم ان آباءهم جميعهم بشوارب ولكن بمقاسات وهيئات مختلفة ، حين اعلمت ابي بأكتشافي

قال: نعم فالزيت الذي استخدمه في تلميعهما وتثبيت ألاستدارة في نهايتيهما من لبنان ولكن هل تعرف من أرشدني الى هذا الزيت ؟

: لا !

: أحد امراء الدروز الذي تعرفت عليه يوما في مدينة ( زحلة) العروس التي لاتشيخ ، ساحكي لك يوما تلك الحكاية لأنها غريبة .

ورغم ان شوارب أبي كانت غاية في ألأناقة وتضفي عليه منظر الصلابة والحزم وانطباع الرجولة المتعالية الا اني كنت قد اتخذت قرارا بأن لا أحمل مثلهما حينما اكبر.

كان اهتمامه الثاني ينصب على حذائه ،فهو دائما نظيف ومدهون على نحو يعطيه لمعانا وقال له يوما احد زملائه في المدرسة , انه يشك في انه كان يلبسه وهو قادم الى المدرسة .

- ربما كنت تضعة تحت أبطك !!

في اليوم السابع قام ابي من فراشه , رمى الشرشف ألأبيض ونهض الى الحمام , تهلل وجه امي بفرحة تتقافز في عينيها وامتلأ وجهها بابتسامة جعلت وجنتيها اكثر اشراقا , كانت تعتقد من اعماقها وبأيمان مطلق ان ماقاله صحيح ولهذا شعرت بانها تعود ثانية الى الحياة وانها لن تضيع من بعده .

قلت : كنت اعرف انه سيعود !

نظرت نحوي بلوم وقالت : لاتتحدث هكذا دونما مشاعر , عليك ان تتذكر دائما انه أبوك ؟!

قلت : لأنه أبي ولأنه يتراجع بآخر لحظة , أقول هذا ، منذ شهر وهو يعدنا بان نذهب يوم الخميس الى بغداد ولكنه لم يحدد اي خميس وبرغم ذلك يكرر صباح كل خميس ان لديه اعمالا اهم من السفر .

عند أول وعد لأول يوم خميس بت احلم بالسفر بالقطار ويداخلني شعور غامض بالدهشة من المحطات التي يدخلها القطار ليلا , حيث يشملها ظلام مليء بالأسرار وعلى الرصيف بضعة مسافرين يستعجلون تسلق السلم الصغير الى العربات وآخرون ينزلون منه ثقالى الخطوات ، فيما باعة الشاي واللحم المشوي الذي لايعرف احد مصدره ينادون عليه ، مادين ايديهم الى النوافذ واستمتعت مع خيالي الذي ملأ ليلتي بصور مبهجة عن المرح واللعب مع اولاد خالي في الكرادة عند الشاطئ الساحر لدجلة , مستعيدا ذكريات سفرة سابقة لهم ،

بيت خالي يقع في منطقة زراعية يتوقف في بدايتها الباص ألأحمر ذو الطابقين والذي كنت اصر ان اصعد الى طابقه الثاني لأحدث اصدقائي عند عودتي الى البصرة , ثم نمشي بين النهر والنخيل واشجار الليمون والبرتقال وبضعة بيوت يفصلها عن الشارع الترابي سياج من الشجيرات الصغيرة والأسلاك وعادة ماتكون البيوت على مسافة من الباب المصنوع من جذوع النخيل أو من الصفيح .
كان بيت خالي في حقيقة ألأمر مكونا من ثلاث بيوت منفصلة يلفها سياج من الطين مرتفع ، قالت امي ان خالي متزوج من ثلاث نساء ولكل امرأة بيت ولهذا فأن لديه خمسة عشر بين بنين وبنات وحين سألتها : لماذا اذا لم يتزوج ابي من ثلاث نساء ليصبح لي أخوة يدافعون عني في المدرسة نهرتني بشدة وقالت
: أبوك رجل عاقل !

ولم افهم في الحقيقة ماعلاقة ألأمر بالعقل ولكني لم أسألها فقد بدت مهمومة ولهذا قررت ان أتزوج عندما اكبر ثلاث نساء وعلى أن تكون واحدة منهن ابنة خالي (عبير)

قال أبي : ماذا يقول هذا الملعون !

قالت امي : لاعليك

لم تكن امي بارعة فيما نسميه المناورة في الحديث , كانت حتى مع صديقاتها من النسوة اللاتي يتجمعن بين آونة واخرى صريحة وعفوية وهي على العموم مقلة في حديثها وترى ان اهم مافي الحياة هو الحب ألأسري لأنه الدائرة التي يجب ان تشغل المرأة نفسها بها، كان هذا الجو الذي يشكل معادلة نموذجية لحياة هانئة ومستقرة هو ماكنت انعم به حقا , قناعة ابي بانه حقق معظم الفرص التي اتيحت له وحب امي الذي يسبغ على البيت سلاما دائما كانا كزورق ينساب في ريح مواتية .
كان ابي يعتني بها في فترات المرض أو ألأجهاد بسبب اعمال البيت التي تبدو احيانا انها بلا نهاية ، ويصر ان يعد الإفطار بنفسه وان تجلس هي الى المائدة واحيانا كان يأتيها بالشاي وهي في الفراش مصرا ألا تتحرك وكانت هي تشعر بحرج كبير يبدو ذلك في قسمات وجهها وفي حركات اصابعها المستمرة .

قال وهو يمشي مرحا : أم حكمت احذري هذا !

حين خرج كان قد انهى تسريح شعره على طريقة (كريكوري بك ) وتأكد من دائرتي شواربه بعد ان دعكهما جيدا بالزيت . كان شعوره بالحياة عميقا هادئا وهو يقبل عليها مسرورا .

بدأت امي مشوارها اليومي في البيت , رتبت الفرش بعد ان ابدلت الأغطية وقامت بكنس غرفة النوم أولا ثم بقية الغرف الثلاث ورشت معطرا برائحة الليمون بعدها دخلت المطبخ ، كانت تمتاز بروح شديدة الولع بالتنظيم وشديدة الصبر على وضع لمسات دقيقة وملائمة ليبدو البيت كله متناسقا وتشع فيه رائحة طازجة ، تقول انها صدمت حين دخلت البيت اول مرة وكان عمري حوالي السنة والنصف، كان يبدو مهجورا ولون الخشب من الداخل باهتا اما من الخارج فقد كان لونه قد تحول الى الرمادي وتغلف الأرضية والزوايا طبقة من الأتربة فالبصرة تمطر في العادة غبارا خشنا هو خليط من رمال تذروها الرياح واتربة من الشوارع المسكونة بها، و ما ارعبها عشرات العناكب التي ملئت شباكها بصيد متنوع فيما راحت هي تتنقل بشيء من ألألفة في ا لمكان , تؤكد انها شعرت بخوف غامض يشد على جسدها كله فترتجف رعبا اخرسا يتمدد الى اطرافها فتحس برودة تسري ببطئ تعصرها كجني يتمطى في فراغ معتم ولكنها تشم رائحته المخيفة ، حاول ابي ان يقنعها بأن يستأجر بعض العمال للقيام بأعمال التنظيف والترميم ولكنها رفضت ، قالت الخوف والرهبة ليستا اكثر من رعشة حمى عابرة لن أحتاج اكثر من ان أتماسك بعض الوقت أو ان أتناول حبتي أسبرو , بعد اربعة ايام كان ابي يقف مدهوشا , كان كل مافي البيت يضج بلمعان يضفي على المكان كله بهجة ، كان الخشب قد تم دهانه وألأرضية أ برزت جمالية البلاط الذي يكسوها كنوعية نادرة لايتم تصنيعها في الايام الحالية ،كان البلاط ابيضا بحواف ذهبية وفي وسط القاعة وفي الغرف تتشكل رسوم هندسية بالغة الروعة ، قامت امي بوضع البخور في كل زوايا البيت كما وضعت مصحفا في كل طابق موضوعا على كرسي خشبي حرصت على تغليفه بقطعة قماش خضراء.

قالت : هذا سيعمل على طرد الجن الذين تركهم اليهود في البيت ليحرسوه لهم ، انه الآن محروس باسماء الله الحسنى في كتابه العزيز ، والآن فقط يمكن ان أنام دون خوف أو كوابيس , مطمئنة على ولدي وعليك .

كانت امي في سنتها النهائية للدراسة الثانوية حينما تزوجها ابي وكونها كانت في القسم ألأدبي فهي على اطلاع بالأدب عموما وكانت من جانبها تجد في نفسها ميلا للشعر ولهذا كانت تحفظ قصائد عديدة للرصافي واحمد شوقي والجواهري وبعض المقطوعات من الموشحات ألأندلسية وكنت اسمعها وهي في المطبخ تردد باستمرار (( جادك الغيث اذا الغيث حمى يازمان الوصل بالأندلس ))
كانت لديها طريقة بسيطة في ابتكار حكايات تقفز فوق حدود الواقع وتنسل بمرونة مدهشة الى احلامي فأنشئ عالما في مخيلتي من تصورات بهيجة ملونة ، ذات صدى كصوت الكناري ألأصفر في القفص الموضوع على افريز شباك الجيران الذين لديهم فتاة (كقطر الندى) بشعر اصفر يتماوج حينما تنحني على ألأفريز لتتطلع الى الشارع فيما تطرف عيناها المندهشتان الخضراوان وفكرت : ستكون الزوجة الثانية !
قالت امي : ولكنها اكبر منك

قلت : وانا سأكبر !

: ولكن لماذا هي ؟!

: لأنها تشبه الحورية التي حدثتيني عنها !

كان أبي يدافع عن الرمانسية وكانت هي برغم تماهي شخصيتها فيه تتلمس احيانا، طريقا مختلفا , كان ابي معتدا بنفسه ويعتقد انه يمثل مركزا لدائرة واسعة وان عليه ان يظل دائما في نقطة المركز هذه محافظا على ذات المسافة لنصف القطر ليضمن ثباتا نسبيا مقبولا ضمن حركة المحيط وكنت بوقت مبكر استطيع ان احدد ان هذه النرجسية والتي يسميها هو باستمرار روح الرومانسية تنطلق من خيال مبالغ في حريته على التمدد بكل الأتجاهات معبرا عن عواطف متباينه وقوية.

لقد بدأت أعي على نحو اكثر وضوحا بعد العام العاشر من عمري وبعد ان استطاعت امي بمثابرتها التي لاتكل معي أن ابدأ قراءات غير مرتبكة لقصص (ارسين لوبين ) اولا والتي كانت تفتنني بمغامراتها وما تفتح من اسرار مدهشة عن عوالم سحرية من المكر والمهارة في التخلص من ألأعداء وكان يسعدني جدا عندما اجد( لوبين ) وقد تخلص من مأزق ما وكان ايضا يملأ احاسيسي بالنشوة فأغفو وانا احلم بان اكونه هنا في البصرة وان اتنقل عبر الشناشيل من شباك لآخر بخفة القط وسرعة الفهد.

قلت لأمي: لقد اكتشفت كنزا !

قالت امي : كيف وأين ؟!

قلت : لقد افتتحت مكتبة جديدة في ( السيف ) وتؤجر الكتب لقاء اربعة فلوس للكتاب الواحد وأرغب في قراءة كتب (روبن هود ) !
قالت أمي : سيكون لك مبلغا اضافيا ولكن كتاب واحد في اليوم !
وافقت وانا اشعر بالرضى وفكرت وانا استلقي على فراشي فيما ظلمة داكنة تحملني الى عوالم مليئة بالغابات وباشباح سريعة الحركة تعلو وجوهها ابتسامة شجاعة .
: كم هو عظيم ان احقق العدل بالقوة !
كانت العطلة الصيفية موزعة بين كرة القدم في الساحة الترابية حيث تراقبني امي باستمرار وترفض ان تسمح لي بالذهاب مع الصبية لخوض مباريات في احياء اخرى وبين قراءة مغامرات( روبن هود) الساحرة.

ذلك كله لم يمنعني من ان ألحظ تحولا في وجه امي ، أولا امتد ببطئ الى سلوكها ، لقد بدأت النظرات المندهشة والمستغربة تتحول الى ترقب ممض وكأنها تعاني من حالة احباط او انكفاء ذاتي مليء بالمرارة , وبدأت تفقد الحماس النابض بالحيوية والمفعم بالمرح واصبحت حركتها في البيت وهي تعمل توحي بحساسية مؤلمة ، وكنت أراها احيانا تضغط على جبهتها بعصبية في محاولة لتخفيف نوبة الصداع التي تلح عليها فتبدو وكأنها تعاني من خذلان يسد عليها منافذ الفرح أو حتى الرغبة بالمشاركة فيه.

أما أبي فلم الحظ عليه تغيرا يذكر , كان لايزال يعتني بشواربه التي تنتهي بدائرتين يشدهما الزيت الذي يدعكهما به كل صباح ، كما كان لايزال يحرص على ان تكون ملابسه التي يستبدلها يوميا , مكوية , وحذاؤه لامعا , بالطبع كانت امي من يقوم بكل العمل المطلوب لهذه ألأناقة الملزمة , كان يبدو دائما كنجوم السينما الذين اراهم في الصور , فهو طويل وجهه دقيق الملامح وشعره بتسريحته ألأزلية يشبه ((كركوري بك) ) حتى اني حرصت ان اشاهد فلما يجمع بين( بك) وآفا كاردنر وقد خرجت بقناعة ان امي اجمل من كاردنر وان شوارب ابي تمنحه ملامح شخصية مؤثرة وهذا ما يجب ان اعترف به رغم اني قررت ان لا اقلدهما عندما اكبر وتنمو شواربي ، كما ان ابي يملك شخصية لها حضور متميز ومؤثر وهذا ماكنت اسمعه من طلاب الصفين الخامس والسادس الذين يدرسهم اللغة الأنكليزية رغم سخريتهم من شواربه كونها فريدة والتي لا يملك أي شخص آخر في البصرة مثلها .

في السابق كان أبي يحرص على العودة الى البيت بعد مشوار المدرسة ولكن مع التغير الذي طرأ على امي كان يذهب عصر كل يوم الى بيت السيدة( ام فريال ) ليعطي ابنتها محاضرة في اللغة الأنكليزية ، وفي الحقيقة فأني رأيت فريال مرة واحدة ولكني لم ارتح لها فقد كانت تبتسم على نحو مفتعل وبكثير من الكراهية وتتصرف بترفع مبتذل ومتعمد لأيصال بعض من مشاعرها الى الآخرين الذين ربما فاتهم الأنتباه الى الأبتسامة المهينه التي تتحشرج بين شفتيها الرفيعتين الى الحد الذي تبدوان فيه احيانا ممسوحتين .

لم ادرك سر العلاقة بين هذين المتغيرين ولكني قررت و بحزم ان لاتنضم هذه (الفريال ) الى زوجاتي , بالمقابل كانت امها امرأة رقيقة وناعمة , صحيح انها تتصرف بشيء من الأرستقراطية (كما قال أبي ) ولكنها كانت تحرص ان لا تتسبب في ايذاء مشاعر الآخرين ،كانت امرأة ممتلئة بضة ، شعرها الأسود ينحدر على كتفيها,
كانت تدرك بيقين وثني انها جميلة وتتنبأ مسبقا بما يمكن ان يكون رد الفعل على نظراتها المبهمة بوعود مرائية من عينيها اللتين يصعب اعطاء وصف دقيق للونهما , اذ يبدو ان سرا غامضا يكمن في اعماق حدقتيهما فيبدوان احيانا نرجسيتين وفي احيان اخرى مزيجا من خضرة مزرقة بتموجات رمادية فاتنة .
قال ابي انها امرأة ساحرة .
كنا مساء نستمع الى اغان متنوعة من الراديو الكبير ذو العين السحرية فيما يتشاغل ابي بشرب الشاي ببطئ وكانت امي ترفو بنطال المدرسة الذي تمزق عند الركبة جراء لعبة كرة قدم صاخبة في الساحة الترابية حينما طرق الباب بشدة فأسرعت بفتحة ،
لأشاهد ام فتحي , امراة عجوز كثيرة الثرثرة تشغل امي احيانا الى الحد الذي تتأخر فيه عن اعداد طعام الغداء وكان هذا مايدفعني الى النقمة على العجائز اللواتي أود لو استطيع الحجر عليهن في غرف مظلمة يتسلين فقط بالصمت الذي يرشح من الزوايا ويطبق على شفاههن المتيبسة فيخلدن الى السكينة الموجعة .

: هل الوالد في البيت ؟!

عجبت بشيء من الحذر فقد بدى لي السؤال مريبا

: وامي ايضا !
قلت ذلك بتخابث
نادت امي لتدخل وقالت وهي تقبلها

: سنشرب الشاي سوية

استأذن أبي ليصعد الى الطابق الثاني ليطالع الجريدة

قالت ام فتحي : ولكني جئت من أجلك !

قال أبي : خيرا ان شاء الله

قالت ام فتحي : الخير كله , وهل جئت يوما بشر والعياذ بالله !

قالت أمي محرجة : كلا ولكنها الكلمة التي تقال

قالت ام فتحي : سأدخل بالموضوع مباشرة

لم افهم لم كل هذا اللف والدوران وراء جدار الكلمات وعبر الظلال الداكنة لمعان يمكن ان لا تصل اليها ألأشعة البيضاء حتى وان بقوا يتدارون وراءها طوال الليل،
تابعت ام فتحي : صديقتي ام فريال تبحث عن مدرس ليعطي ابنتها فريال دروس تقوية باللغة الأنكليزية لأتها ستؤدي امتحان البكالوريا , قال فتحي ان ابو حكمت هو احسن استاذ لغة انكليزية ولهذا فكرت ان اعرض الموضوع عليكم ، اما ألأجور فيمكن ان تبحثوها بينكم مباشرة , هذا لو وافقت !

قال ابي : لابأس

قالت أم فتحي : سأعلم ام فريال , هل يناسبكم ان تزوركم غدا ، تسكن على شط البصرة في( نظران ) وبالمناسبة فهي لاينقصها المال , كانت زوجة مستورد كبير للسجاد ألأيراني الفاخر !

استفز امي كلمة (كانت ) فقالت مستوضحة : والآن ؟!!

: ارملة وهي التي تدير تجارة زوجها !

:آه

قالتها امي طويلة ولم تستطع ان تخفي انفعالها الذي بدا في اختلاج عضلات وجنتيها الموردتين ، بدأ شيطان الغيرة يشق طريقه التي كانت مظلمة يتعذر عليه ان يغذ السير فيها على نحو مباشر ومستقيم فيتيه كدليل لم يكتسب بعد خبرة كافية، الان وضعت العجوز ام فتحي أمامه كشافا صغيرا ولكنه كاف ليتجاوز العوائق الى قلب امي .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,425,955,051
- من حي الزنجيلي في الموصل الى حي النصر في بغداد /الفصل الثالث ...
- من حي الزنجيلي في الموصل الى حي النصر في بغداد-الفصل الثاني ...
- من حي الزنجيلي في الموصل الى حي النصر في بغداد /الفصل الحادي ...
- من حي الزنجيلي في الموصل الى حي النصر في بغداد/الفصل العاشر
- من حي الزنجيلي في الموصل الى حي النصر في بغداد -الفصل التاسع
- من حي الزنجيلي في الموصل الى حي النصر ببغداد-الفصل الثامن
- من رواد الصحافة اليسارية في العراق
- من حي الزنجيلي في الموصل الى حي النصر في بغداد -الفصل السابع
- تطور الحركة النسائية العراقية -ملامح سريعة
- من تاريخ الصحافة العمالية في العراق
- رواية /الفصل السادس
- رواية الفصل الخامس
- رواية ا/لفصل الرابع
- رواية /الفصل الثالث
- رواية الفصل الثاني 04-07-2017
- 04-07-2017 الفصل الاول
- الشخصية والابداع
- المقصلة الفرنسية للنساء أيضا
- المرأة والفلسفة
- في ناحية البو ياسر (عام 1991)


المزيد.....




- العثماني يصفع ابن كيران.. والبيجيدي على صفيح ساخن
- شاهد.. أفلام الموبايل تروي حكايات نساء غزة
- فيلم -أفنجرز: إند غيم- يهزم -أفاتار- ويصبح الأعلى إيرادات عا ...
- اشرف صبحى يعلن عن اطلاق “أوسكار الابداع الافريقى”
- مينا مسعود بطل فيلم -علاء الدين- ضيف مهرجان الجونة السينمائي ...
- العراق: قوات الرد السريع تعتقل قياديا بتنظيم داعش شمالي بغدا ...
- -كاظم الساهر- يغني في إسطنبول بعيد الأضحى
- سينمائي سعودي: المملكة تسعى لافتتاح 350شاشة عرض... والإنتاج ...
- هل تلاشى -الرقص الشرقي- في مقابل -المعاصر-... فنانات يتحدثن ...
- محاولة طعن ممثل على المسرح في الصين


المزيد.....

- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ذياب فهد الطائي - ثلاثة اصوات من البصرة /الصوت الاول -الإبن