أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر حميو - ( حكايات البلبل الفتّان بين جرأة الطرح وخجل التجنيس الأدبي)















المزيد.....

( حكايات البلبل الفتّان بين جرأة الطرح وخجل التجنيس الأدبي)


عامر حميو

الحوار المتمدن-العدد: 5872 - 2018 / 5 / 14 - 05:49
المحور: الادب والفن
    


إذا توفر للجنس الأدبي: محور عام وثيمة لها حبكة تتصاعد تدريجيا ويوفّق كاتبها بإيجاد حلول تدريجية أيضا لما تشابك في متنه السردي، مع تمكن من أدوات فنية تستقطب ذائقة المتلقي، عُدّ ذلك المنجز من جنس الرواية.
ولأن مثل هذه الشروط متوفرة في المنجز الأول للروائية الشابة سمية علي الأسدي ( حكايات البلبل الفتّان ) الصادرة عن دار كلكامش للطباعة والنشر/ 2018 الذي خلا غلافه من التجنيس لأي جنس أدبي، صار لزاما الاطلالة عليه واخضاعه للشروط التي وردت آنفا، لدعم مثل هكذا اقلام شابة لفتيات يستحقن كل الدعم والتشجيع.
وقبل الولوج في شروط التجنيس، لابد لنا أن نؤشر أن (أنسنة الأشياء والحيوانات) في الأعمال الروائية هي من الأدوات القديمة في هذا الجنس، فقد بُنيت (كليلة ودمنة) على عالم يعج بالحيوانات التي أوردت في سياق حكاياها وأحاديثها مع بعضها، حكم ومواعظ مازلنا ليومنا هذا نرددها، وبعضنا يعتبرها ناموسا في حياته، وقبلها كانت (حكايات ألف ليلة وليلة) قد وظفت الحياة والجماد في سردها للأحداث التي تقصها شهرزاد كل ليلة على شهريار الملك المتعطش لسفك دماء الفتيات في مملكته، حتى كاد أن يخلو زمن سلطانه من جنس العذراوات، وفي العصر الحديث زخر جنس الرواية بالأنسنة ، مثل (مزرعة الحيوان) لجورج أرويل التي وظفت الحيوانات في زريبة لأحد المزارعين وجعلت جلّ شخوصها منها، وفي رواية (الدجاجة التي حلمت بالطيران) لصن مي هوانغ وظفت الدجاجة وحيوانات أخرى كشخوص رئيسة لهذا العمل، وهذا الجرد على سبيل المثال لا الحصر، وما يهمنا في الأمر أن روائية عراقية استطاعت أن توظف الأنسنة في منجزها الأول إذ وظّفت (طيرا) كشخصية رئيسة تكون راويا لأحداث سردها، ولم يكن هذا الطير ، الذي وصف بأنه عصفورا في بداية الرواية (أنا متأكد إن أغلبكم استهجن أن يطلق هكذا اسم على عصفور ص8) لكن الروائية تستدرك بعد سطور وفي ذات الصفحة لتعطي اسما لطيرها من خلال اعطاء اسم لوالديه ( في يوم نجاح علاوي الفتى المدلل ل – الحجي- ووحيده على خمس بنات، اشترى له زوج بلابل من – سمير المطيرجي-..ص8) وتعد هذه المثلبة هي القصور الوحيد في رواية سمية التي تُهمل(المثلبة) لها كمنجز أول لفتاة، قد لا تتوفر لها فرصة مثل الروائيين من الرجال لأن يُراجَع لها منجزها من قرّاء يؤشّرون لها الهفوات فيه، بحكم كون موهبتها الابداعية ولدت في محيط محافظ يصعب به للشابة مثلها التحرك واقامة علاقات أدبية واجراء أحاديث مطولة معهم، أو قد تكون عرضت منجزها للمراجعة والتدقيق لكن من راجع لها غفل عن الاشارة لهذا اللبس البسيط.
ورواية (حكايات البلبل الفتّان) تستحق أن تُعد من جنس الرواية رغم صغر حجمها الذي حاولت أن تداريه كاتبتها ودار النشر بتكبير حجم خط طباعتها بشكل ملفت للنظر، لكن عناصر توفر صنعة الرواية كانت حاضرة بها وكما هو آت:
- المحور: ركزت حكايات البلبل الفتان على محور مناقشة أوضاع الناس ودقائق تفاصيلها في بيئة مكانية واحدة محصورة ضمن نطاق الحي مرة والمنطقة في مرة أخرى (دخل -الحجي- مشمراً عن ذراعيه وأرعد وأزبد لأن أصواتهن وصلت الى آخر الحي ص11) و ( ومن يوم تحرري قررت أن آخذ جولة في المنطقة، وأرى العالم وأنقله لكم على طريقتي ص15).
- الثيمة: تحكي الرواية عن رجل أسمه (حجي فليح) يشتري لولده الوحيد (علاوي) بلبلين بسبب نجاحه من الابتدائية، ومن تزاوج هذين البلبلان تخرج بيضة وتفقّس عن بلبل يسميه علاوي تيمنا باسم والده (البلبل فليح) ومن هذه الثيمة تسير بنا الروائية نحو حبكتها.
- الحبكة: بمجرد ان تفقّس البيضة ويخرج البلبل فليح يتنامى للمتلقي ثلاثة أحداث: أولها أنه يكتشف أن من يروي الأحداث هو الراوي المتكلم الذي يعلن عن نفسه أنه (البلبل فليح) فيتولد سؤال ابتدائي: كيف يسرد البلبل فليح أخبار الحي والمنطقة وهو داخل القفص مع أبويه؟ والحدث الثاني هو أن (حجي فليح/ الانسان) يقرر أن يتزوج أبنة الجيران ( فتاة عشرينية، ناعمة، بضّة، رقيقة كنسمة ص9) فتقوم قائمة (أم علاوي) التي أختصر (البلبل فليح) وصفها ب( هي تشبه - جاسم القصاب – مع بعض الاختلاف اليسير وهو وجود الشارب عند الأخير ص10) وكرد فعل من الصبي (علاوي) على التفكك الاسري ورفضا لخطوة حجي(فليح) يقوم بإطلاق سراح البلبل(فليح) وهنا نعرف كيف أستطاع البلبل أن يكون روايا متكلما وينقل لنا كل الأحداث السابقة واللاحقة(وكموقف معارضة لما يفعله أبوه قام وأطلق سراحي أو بتعبير أدق تخلص من شيء بسيط اسمه- فليح – مثل اسم والده ص13) والحدث الثالث: أن هذا البلبل الصغير سوف لا يهجر أبويه في الوقت الذي يمارس فيه تحليقه على بيوت المنطقة ويسمع ما يجري داخل بيوتها ثم يرويه للمتلقي ( فلما حلّقت متجولا وباحثا عن المعرفة، اكتشفت ان هذا العالم تغيّر، بات الناس يمشون وفي رأس بعضهم صفيحة من القمامة، معتقدات سخيفة، أفكار بالية، كلام قبيح، نقد، حقد، حسد، غلو، مباهاة، افكار سياسية ودينية غاية في الحماقة والغباء..ص17) وتمهيد الروائية بهذا الكلام على لسان راويها المتكلم سيسحب المتلقي إلى متابعة أحداث تلقي الضوء على حكايات تناقش بطريقة ذكية هذه المحاور التي أعلن عنها(البلبل فليح) ولا تنسى الروائية أن تجعل راويها يرجع كل مرة ينسحب بها ذكر ما يجري من أحداث في بيت ( حجي فليح) بحجة( اقفلت راجعا الى بيت - الحجي ابو علاوي – لأتفقد أحوال العائلة وما آلت إليه الامور..ص29) وهنا يشير الراوي المتكلم عن ظهور مصدر يزوده بأخبار بيت الحجي اثناء غيابه( وحين وصلت أخبرني أبي أن - أم علاوي – قررت خوض الحرب مع زوجها ص29) واعلان الراوي عن نوع سلاح – ام علاوي – في حربها مع زوجها كونه سلاحا أسودا هو تمهيد ذكي من الروائية لاستقدامه في نهاية الحكاية، ففي حكاية (الدجاجة السوداء) التي تذبحها أم علاوي في (المرحاض) ونسيت ذبحها دون أن يراها أحد، قد جعلت ابنها الصغير يُجن (رأيت علاوي في ضرب من الجنون، تارة يقطع ثيابه، وتارة يجوب الشوارع ذهابا وإيابا مركزا عينيه وساهما في السماء ص77) إذ ( نسيت تلك العجوز الشمطاء - الساحرة – أن تنبه- أم علاوي – أن هذا العمل لا يحظره أحد غيرها...لكن – علاوي – كان شاهد عيان لما فعلته والدته ص77) وهو ذات السبب الذي يجعل الحجي يطلّقها.
ولا تنسى الروائية أن تضع خاتمة لبلبلها الفتّان (لم يعد لنا مكان في هذا البيت الكئيب، حررت والديَّ من القفص وطرنا بعيدا حيث لا عودة ص78).
وهذا الأمر يجعلنا نؤشر نجاحا بارعا للروائية سمية علي الأسدي في صياغة حبكة لروايتها والسير في تناميها بشكل متدرج حتى تصل بها لذروتها( ذبح الدجاجة السوداء) ومن ثم الوصول مع كل شخصية لنهايتها المتوقعة بعد ذلك بشكل تدريجي أيضا.
ولو أضفنا لتوفر كل هذه الصفات الفنية في ( حكايات البلبل الفتّان) نوع الحكايات التي ركّزت على مواضيع ذات بعد خطير في بنية المجتمع العراقي، ومحاولة دراستها بشكل جرئ، عندما ناقشت الروائية الاحتراق الذاتي لمن يعادي الناس في حكاية (احتراق ص19) ومن يفني ذاته في خدمة الآخرين في حكاية(الترتيب ص23) والسحر ومفعوله عند المرأة العراقية في حكاية (تدابير أم علاوي ص29) وحكاية (دجاجة سوداء ص77) مرورا ببائع الخرز والشعوذة الذي لم تنفعه خرزاته في حكاية(صاحب الخواتم ص33) الى مناقشة من يريد أن يسترزق بالدين وموضوعة خلق المزارات الدينية المزورة وكيف يناغي مضمونها عقول الناس البسطاء ليأمنوا بها شيئا فشيئا ويصدقوا وجودها في حكاية (طسّة محمد ص57) وموضوعة الفقد ومن يعيش على وهم من يحب في حكاية(غرفة ميت ص73) نصل إلى نتيجة مفادها أن(حكايات البلبل الفتّان) كتبت بأدوات روائية أجادت سمية علي الأسدي من امساكها والتحكم بها كيفما تشاء لكنها خجلت في نهاية الأمر أن تعطي منجزها الأول صفته الأدبية وأهملت أن تكتب على غلافها (رواية).





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,422,725,943
- منعطف الرشيد رواية عالم صاخب بالحياة لقاع مدينة اسمها بغداد.
- رواية عصير أحمر لشذى سلمان...رومانسية موجعة.
- استنطاق الشخصية الروائية ومحاكمتها لقارئها عند إسماعيل فهد إ ...
- (ذاتية العنوان وفلسفة المتن القصصي في أريج أفكاري لفلاح العي ...
- الحكواتي والروائي
- السيدة التي جعلت في بهار إشكالية إقحام وفبركة


المزيد.....




- جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي.. ترجمان الآفاق للغة ...
- سلطات الشيشان تحظر -الإبداع الحر-!
- العثماني ووفد وزاري هام يحل بالداخلة الجمعة .. وهذا برنامج ا ...
- شاهد: كميات كبيرة من القمح في تونس لا تجد مكانا يحفظها
- فنان مصري مشهور يتعرض لانتقادات لاذعة بسبب إحراجه معجبا أمام ...
- شاهد: كميات كبيرة من القمح في تونس لا تجد مكانا يحفظها
- مهرجان جدة: بعد انسحاب نيكي ميناج، جانيت جاكسون تحل مكانها
- مصر.. وفاة أحد أفراد مسلسل -عائلة ونيس- الشهير
- غسّان مسعود: كل ما قدّمته من أفلام لم يخفني كما أخافني -الاع ...
- كليب جديد لمحمد رمضان وسعد لمجرد يتخطى حاجز المليون في ساعات ...


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر حميو - ( حكايات البلبل الفتّان بين جرأة الطرح وخجل التجنيس الأدبي)