أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سيرَة أُخرى 68















المزيد.....

سيرَة أُخرى 68


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5871 - 2018 / 5 / 13 - 05:12
المحور: الادب والفن
    


1
ليلاً، أنقع الحمّص في جاط مع البيكاربونات. لأبدأ صباحاً بتحضير الفتة، بوضع الحمّص في وعاء على النار بغية سلقه. ثم أحضّر البدوة، وهيَ أهم شيء بالوجبة. رغيفان من الخبز اللبناني ( هكذا يسمونه في السويد )، جعلتهما قطعاً صغيرة في جاط خاص. السمنة المذابة على النار، أضيفت أخيراً على وجه الجاط المزين بالبقدونس والحمّص الحب.
ابني، العابر للجنسيات، أعتذر سلفاً عن مشاركتي قائلاً أنه سبق وتناول الكورنفليكس مع الحليب. قلت له باغراء: " تعال وانظر فقط لهذه الأكلة السورية.. ". هوَ بالفعل يحب مأكولات موطن أبيه، لذلك جاء وألقى نظرة على الجاط: " حسناً، ضع لي قليلاً لكي أتذوقها "، قالها بالسويدية. لقمة لقمتان، ثم طلب مني أن أملاً له صحنه. بل ومد يده أيضاً إلى شرائح البصل اليابس، فأخذ يتناول منها مع كل لقمة: " أوه بابا، تعجبني جداً مأكولاتكم السورية! ".

2
ذات يوم وقبل الظهر بقليل، أشتهيت الفتة ( التسقية ) وابني الصغير شجعني على تحضيرها. بعدما صارت جاهزة، الأفندي ظهرَ أنه كان قد غافلني ونزل بالسكاكر في غرفته. أكل قليلاً، بينما أنا أجهزت على الجاط كله.
أمه أتصلت عند العصر من مكان عملها، وقالت أنها مشتهية الكبة بالصينية. لوازم الأكلة كانت كلها موجودة، وما كان ثمة مهرب من المقدور. عادةً، أنا أحضّر الكبة على يدي ولا أحبذ استعمال الآلة الكهربائية. بعد حوالي ثلاث أرباع الساعة، أخرجت الطبق من الفرن وقدمته مع سلطة خيار باللبن. أبني، هجم على صحنه بشهية وصار يمدح الأكل السوري كعادته. أما أنا، بالكاد أكلت قطعة صغيرة مع السلطة بسبب تراكم الفتة على معدتي.

3
من أقرب المأكولات السورية لقلب ابني الصغير ( ولمعدته أيضاً بطبيعة الحال! )، اللحمة بالصينية. الخبز المرقد، كان مفقوداً لدينا وكذلك البصل. وبخصوص سلطة الخيار، كان الثوم قد نفد من البيت. لكي لا أترك الكتابة، قلت للخانم أن الخبز الفرنسي يفي بالحاجة وسلطة الخيار بدون ثوم ممكنة.. وليسَ بالبصل وحده يحيا الإنسان.
عند ذلك، أخرجت هيَ كيس فول أخضر مجلوب من المغرب حديثاً: " وهذا سيكون مناسباً للطبخة ". ولكن الفول المقلي يحتاج للثوم والبصل، وأنا يديّ الآن باللحم. هكذا تحججتُ. حلت المشكلة، بذهابها إلى المخزن. فيما كنت أرش الملح على الفول، إذا بحفنة كبيرة تفلت من العلبة وتنهمر على الطبق. بعد ساعة، كانت صينية اللحمة قد صارت جاهزة للتقديم. بدأت بالفول لفتح النفس، فوجدته مالحاً جداً. لم أعلق على الموضوع، بل أضفت اللبن فوق الفول ليتناسب الطعم. وكعادة أم الأولاد، أمسكت بالمملحة سلفاً. قلت لها بلهجة بريئة: " بالأول تذوقي الفول، يمكن ملحه مناسب! ".

4
المحاشي، أكلة شهية وخطرت ببالي ذات مرة على الغداء لأن يدي وقعت في الثلاجة على ثلاث حبات فليفلة كبيرة. مكونات الطبخة، كانت متوفرة بما فيها الزعفران المغربي. مع ذلك، قلت لنفسي لأستشير والدتي حتى لا أسهو عن شيء. فتذكرت أنّ كرت الموبايل كان فارغاً من الفلوس. كذلك تكاسلت في العودة إلى ( غوغل )، للاطلاع على وصفة جيدة للطبخة. كل شيء إذاً كان على ما يرام: قليت البصل المفروم مع اللحمة الناعمة والبهارات اللازمة، ثم أضفتها للرز المنقوع.. حشوتُ الفليفلة، ثم وضعتها في إناء مناسب مع دبس البندورة والماء والثوم والزعفران وحامض الليمون.. بعدما بدأ القدر يغلي، أنزلت درجة الحرارة إلى الوسط.
بعد حوالي نصف ساعة الرز داخل الفليفلة بقيَ نيئاً، فيما البقية التي في القدر كانت ناضجة. أضفت المزيد من الماء، ولم يكن الحال أفضل. الخانم، تدخلت عند الساعة السابعة مساء لرفع درجة الحرارة تحت القدر مع وضع ثقل فوق حبات الفليفلة. بعد دقائق، انتشرت في المطبخ رائحة الحريق. المهم، أننا أكلنا محاشي على العشاء. بعد مراجعة ( غوغل )، تبين لي أنني نسيت قلي الرز مع اللحمة وأن أحشي الفليفلة إلى النصف وليس كلها.

5
الكباب الهندي، أكلة بسيطة وطيبة، وعلى يدي صارت تشبه أفلام سينما الأكشن " بوليوود ". بالنسبة لي، فأنا لم أشاهد فيلماً هندياً من الصف الثامن الإعدادي. لكن تذكرت الأكلة، لأن الفليفلة تراكمت لدينا في البراد. المهم، قمت بتتبيل اللحمة وأضفت إليها البقدونس المفروم جيداً. وضعت في طبق الفرن دبس بندورة، ثم رصفت اللحمة وهيَ على شكل الأصبع وبينها شرائح البصل والفليفلة. وإلى الفرن على درجة حرارة 180 لمدة نصف ساعة. في الأثناء، كان الرز المنقوع حاضراً للوضع على النار. بعد عشرين دقيقة كان جاهزاً.
ولكنني، كالعادة، أرتكبت خطأً خطيراً. فقد وضعت قطعة قصدير فوق طبق الكباب الهندي لكي أخفف من تبخر ماء البندورة. ألا تقول أنني وضعت القصدير بالعكس سهواً. هكذا أعدت الطبق إلى الفرن، ورفعت درجة حرارته إلى 250. بعد عشرين دقيقة أخرى، كان كل شيء على ما يرام. ابني الصغير، قال لي بالسويدية بعدما أمتدح الكباب الهندي: " في المرة القادمة، عليك أن تعلمني كيفية تحضير هذه الأكلة! ".

6
أولادي، يفضلون البيتزا شغل يدي. وعلى ذمتي، فإنهم يفضلونها على المطعم وخصوصاً Pizzeria لكرد من تركيا قريبة للمسكن. لأن أصحابها في غاية البخل، كما أن عملهم سيء. بيتزا البيت غلبتها في العجن، لأنني أحبذ شغله باليد لا بالجهاز الكهربائي. أبني الكبير، كان قد وعدنا بالحضور لقضاء العطلة في مدينتنا. قلت أنها مناسبة، لتحضير عدة أقراص من البيتزا.
المواد كانت جاهزة، باستثناء الخميرة. تذكرت عندئذٍ أن البيرة فيها خميرة، فأضفت جرعة كبيرة للماء الفاتر وزيت الزيتون وبدأت بصبها على الطحين. تركت العجينة لتتخمر ساعة زمن. وفي الأثناء جهزت الحشوة من مرتديلا البقر، فليفلة، بصل، زيتون أسود، فطر وبالطبع الجبن الأصفر المبروش. أما الصوص، فهو دبس البندورة مع قليل من زيت الزيتون والأوريغانو ( الزعتر الناشف ). عدتُ بعد ساعة، وإذا العجين تخمر بشكل رائع. إلا أن ابني الكبير، كعادته، لم يشرفنا بالزيارة. مثلما أن أخاه الصغير سبق وأكل عند صديقه السويدي. ما علينا.. المهم، أنا أتيت على قرص البيتزا وكان شهياً بطعم البيرة.

7
يومان، تناولنا فيهما الغداء على الطريقة النباتية. مع أن الكرد ( الجيل القديم )، كانوا يعتبرون الخضار " حشائش ! ". أمس، كنت بالمحل الشرقي واشتريت الزهرة والباذنجان والكوسا لتحضير أكلة مقالي. ولكنني فوجئت عند وصولي للبيت بأن أهم شيء بالمقالي، البطاطا، قد نفدت ولم يبقَ منها سوى حبتين صغيرتين. فاضطررت لقلي بطاطا مفرّزة مخصصة لطفلنا.
ذات يوم، اشتهوا بالبيت الفول المقلي على طريقتنا السورية. وكنت في اليوم البارح قد جلبت أيضاً من المحل الشرقي فول مفرز وكزبرة خضراء. لما ذاب الكيس قمت بفتحه وإذا الفول، لسوء الحظ، مقشر ومفلوق نصفين. سخنت زيت الزيتون في القدر، ووضعت قليلاً من البصل المفروم لدقيقتين ومن ثم الفول. حين قارب على الاستواء، قليتُ على جانب الثومَ مع الكزبرة وأضفتهما للطبخة. على المائدة، كان اللبن حاضراً مع الطبخة التي طعمها يُشبه أي شيء إلا الفول المقلي. ولأنني بدأت الحديث عن جماعتنا، فأختم بالقول أنني أعيش في مدينة محلاتها الشرقية أغلب أصحابها من كرد تركيا والعراق، لا يعرفون الكزبرة من البقدونس!

8
في أحد الأيام، دعيت على الغداء إلى وليمة مشاوي في الطبيعة بالقرب من بيتنا. كان الطقس رائعاً، زقزقة العصافير وخرير النهر وحفيف الأشجار وهلمجرا. الدعوة الكريمة، كانت رداً على دعوتي لأكلة البامية مع الرز في يوم الأمس. البامية، كانت مفرزة ولكنها من النوع الجيد الصغير الحجم. قمت بتحضيرها على طريقة الوالدة. قليت اللحمة الشقف بزيت الزيتون ثم أضفت فوقها البامية. بعدما أحمرت، أضفت عليها الكزبرة المفرومة والثوم وعصرة ليمون. خمس دقائق، ثم أضفت فوقهم دبس البندورة مع قليل من الماء الدسم، الذي سبق أن سلقت به اللحمة. فيما كانت الطبخة تغلي على نار هادئة، كان الرز جاهزاً. من عادتي، أن أتناول البامية بالخبز.
على سيرة الدعوة. ذات مرة وكنتُ أعزب بعدُ، دعيت في ستوكهولم على الغداء عند صديق. طوال الوقت، كانت امرأته تقول لي أنها الأكلة المفضلة لديه، وخصوصاً على يدها الماهرة. لما جلست إلى المائدة، إذا البامية من النوع العراقي الجلط المبزّر؛ مغموسة بماء بندورة مائع؛ مع لحمة ناعمة مسلوقة سلقاً بزناختها؛ لا بهارات ولا ثوم ولا كزبرة ولا ليمون ولا تحزنون!

9
" طباخ روحو "، تعتبر من أشهر الأكلات الشامية. حينَ يسير المرء في إحدى الحارات، ينتبه إلى رائحة الطبخة التي يطغى عليها الثوم والنعنع. قبل أن أقص عليكم الأسطورة المحلية عن اسم هذه الطبخة، عليّ أن أشرح بكلمات سريعة طريقة تحضيرها.
نقطع الباذنجان والكوسا مربعات، ثم نقليها بالزيت لبضع دقائق وبعد ذلك نضيف فوقها الماء ليغمرها تقريباً ونرفع درجة الحرارة. نقلي في طبق آخر البصل المفروم، ثم نضيف إليه اللحمة الناعمة والبهارات. نفرغ اللحمة بعدما تستوي فوق الطبق الأول. علبة بندورة مهروسة ( مع قليل من دبس البندورة )، تضاف إلى الطبخة وتترك على نار هادئة لنصف ساعة تنتهي بوضع النعنع والثوم. في الأثناء، يكون الرز قد نضج.
تقول الأسطورة، أنّ ملكاً لديه ابنة صبية اسمها " روح "، صدّت نفسها فجأة عن الطعام. كل طباخين القصر عجزوا عن إعادة شهية الأميرة. مما أجبر الملك على توجيه المنادي، يعد بمكافأة كبيرة لمن يحضّر طبخة تعجب ابنته. شاب فقير، نجح أخيراً في الوصول إلى مطبخ الملك. حينما مرت الأميرة " روح " من هناك أعجبتها رائحة الثوم والنعنع، المتصاعدة من الطبخة. بعدما أكلت الأميرة بشهية، قال الملك للشاب: " منذ هذا اليوم أنت طباخ روح ". وعلى مر السنين، عرفت هذه الأكلة عند الناس ب " طباخ روحو! ".

10
" الطاجين "، من أشهر الأطباق المغربية وبالوسع تحضيره بالخضار مع اللحم أو الدجاج أو السمك. وهو يؤكل بالخبز، ويفضّل أن يكون شغل فرن البيت. كتبت عن الطاجين أكثر من مرة هنا؛ وأنّ اسمه مستمد من الإناء الفخاري، الذي تطبخ فيه الوجبة. وبالمناسبة، يمكن للمرء العثور في محل شرقي على الإناء الفخاري ( أو الحديدي ) الخاص بالطاجين.
مرةً على الغداء، قررنا تحضير هذا الطبق الشهيّ بلحم الخروف. طريقة تحضير طاجين اللحم سهلة، كما أنّ مكوناتها متوفرة. ثلاث ملاعق كبيرة من زيت الزيتون، تسخن في الطبق على نار هادئة. اللحم المقطع مربعات، يوضع مع شرائح البصل والقليل من الماء، ويغطى بشكل جزئي. كل مرة ينشف فيها الماء، يُسكب المزيد إلى أن ينضج اللحم تماماً. بعد ذلك تضاف شرائح البطاطا، ويفضل أن تكون سميكة. قبل نضوج البطاطا، يمكن إضافة بعض حبات الزيتون الكبيرة واللوز. على الرغم من أنّ الطبق كان شغل يدي من الألف إلى الياء، فإن أم الأولاد سألتني بعد عودتها من العمل: " كيف شفت طعم الطاجين اليوم؟! ".





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,793,303,694
- إلِكْترا: الفصل الرابع 3
- إلِكْترا: الفصل الرابع 2
- إلِكْترا: الفصل الرابع 1
- إلِكْترا: الفصل الثالث 5
- إلِكْترا: الفصل الثالث 4
- إلِكْترا: الفصل الثالث 3
- سماءٌ منشقّة
- إلِكْترا: الفصل الثالث 2
- إلِكْترا: الفصل الثالث 1
- هيتشكوك المصريّ؛ مقاربة لأحد أفلامه
- إلِكْترا: الفصل الثاني 5
- إلِكْترا: الفصل الثاني 4
- إلِكْترا: الفصل الثاني 3
- إلِكْترا: الفصل الثاني 2
- إلِكْترا: الفصل الثاني 1
- إلِكْترا: الفصل الأول 5
- إلِكْترا: الفصل الأول 4
- إلِكْترا: الفصل الأول 3
- إلِكْترا: الفصل الأول 2
- إلكِتْرا: الفصل الأول 1


المزيد.....




- يتيم: مواطن مغربي وأفتخر.. ومسؤول حكومي
- -يوميات رجل منحوس- يعيد الدراما القطرية للشاشات المحلية
- عراقي من البصرة يترأس المنظمة العربية للترجمة
- -طريق السموني-.. غزة تفرض نفسها بمهرجان كان
- البوابة 7 مسرحية مغايرة تستهدف فضح الارهاب في الوطن العربي
- الاتحاد الأوروبي يجدد التزامه بالاتفاق النووي الإيراني وإيرا ...
- القضاء اللبناني يصدر قرارا نافذا بعد حادثة دمج آيات من القرآ ...
- خطّاط تركي يُبدع أكبر -حلية شريفة- بالعالم
- -سعفة الكلب- من نصيب شيواوا بمهرجان كان
- أكاديمي ينفي مزاعم إدمان موتسارت للكحول!


المزيد.....

- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر
- المجموعة القصصية(في اسطبلات الحمير / حيدر حسين سويري
- دراسات نقدية في التصميم الداخلي / فاتن عباس الآسدي
- لا تأت ِ يا ربيع - كاملة / منير الكلداني
- الحلقة المفقودة: خواطر فلسفية أدبية / نسيم المصطفى
- لا تأت ِ يا ربيع / منير الكلداني
- أغصان الدم / الطيب طهوري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سيرَة أُخرى 68