أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال الجزولي - سياسات الذاكرة















المزيد.....

سياسات الذاكرة


كمال الجزولي

الحوار المتمدن-العدد: 5871 - 2018 / 5 / 13 - 01:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


(1)
تبدي بعض المستويات الرَّسميّة في السُّودان، هذه الأيَّام، اهتماماً خاصَّاً بفكرة "العدالة الانتقاليَّة"، لكن بمعزل عن شرط نشوء حالة "انتقال" محدَّدة، لا من "حرب" إلى "سلام"، ولا من "شموليَّة" إلى "ديموقراطيَّة"، مِمَّا يشير إلى خلل أساسي يستوجب الإصلاح في هذا الأسلوب من التَّفكير، وهو ما تناولناه، من قبل، في مناسبات مختلفة، ولن نكلَّ أو نملَّ من تناوله الآن ومستقبلاً، لأثره وخطره المنهجيَّين على مسار الحياة السِّياسيَّة والاجتماعيَّة في بلادنا.
إن ملايين المدنيِّين حول العالم غالباً ما يكونون حطب نار الحروب، دوليَّة كانت، أم داخليَّة. وعلى حين تقع عليهم أكبر الخسائر، يفوز العسكريُّون المحترفون وحدهم، قتلى أو جرحى، بتكريم حكوماتهم، ورعايتها لأسرهم، وإطلاقها ألقاب البطولة عليهم، بصرف النَّظر عن كونهـم ظالمـين أم مظلومـين، وسـواء قاتلوا عن حـقٍّ أم عن باطـل!
كذلك يكون مواطنو الدُّول التي لا تقيم وزناً لحقوق الإنسان عرضة، في العادة، لكلِّ صنوف العسف كسياسة ثابتة لأنظمتها القائمة على فرض رُؤيتها الأحاديَّة، وتشديد قبضتها الشُّموليَّة، حتَّى لو أفضى ذلك لنزاعات أهليَّة مسلحة، أو لإشعال حرائق في طول البلاد وعرضها، مِمَّا يشيع حالات مزرية من الانتهاكات الجَّسيمة للقانون الدَّولي الإنساني، شاملة القتل، والاغتصاب، والتَّعذيب، وهدم المساكن، وتخريب المزارع، ونهب الماشية وسائر الممتلكات، دَعْ التَّنكيل بالمعارضين السِّياسيِّين، والقادة النِّقابيِّين، ونشطاء المجتمع المدني، والملاحقة المنهجيَّة للخصوم، واعتقالهم إداريَّاً، وإخفاءهم قسريَّاً، وتعذيبهم بدنيَّاً ونفسيَّاً، وتصفيتهم جسديَّاً، وتعريضهم لقطع الأرزاق، ولشتَّى أنواع الإذلال، والمعاملة المهينة، غير الإنسانيَّة، والحاطة بالكرامة.
لكن، ولأن صرخة الاحتجاج الدَّاوية التي ما انفكَّت تطلقها شعوب الأرض ضدَّ هذه الطاحونة الرَّهيبة لم تذهـب سُـدى، وإن لـم تقـع نتائجها نفـرة واحـدة، بل بالتَّدريج، فقد تطـوُّر القانون والقضـاء الجَّـنائيَّين الدَّوليَّين مـن مسـتوى المحاكـم الخاصَّـة المؤقَّتة Ad Hock Tribunals، كمحكمتي نورمبرج وطوكيو في عقابيل الحرب العالميَّة الثَّانية، ومحاكم يوغسلافيا السَّابقة في لاهاي، ورواندا في أروشا، وسيراليون وغيرها، خلال العقود الثلاثة الماضية، إلى مستوى المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة التي تأسَّست كمحكمة دَّائمة بموجب "نظام روما Rome Statute" المجاز في المؤتمر الدِّبلوماسي الدَّولي بروما، صيف 1998م، ودخل حيِّز النَّفاذ في 2002م.

(2)
على أن ذلك ليس هو الشَّكل الوحيد الذي بلغته جهود البشريَّة لتصفية "تركة الماضي" المثقلة بالعسف. فقد أفضت المواقف الصَّارمة للشُّعوب المناضلة، وللحكومات الدِّيموقراطيَّة، وللأحزاب التَّقدُّميَّة والليبراليَّة، وللمنظمات والشَّخصيَّات المدنيَّة المدافعة عن حقوق الإنسان، خلال الرُّبع الأخير من القرن المنصرم، إلى اجتراح شكل مستحدث من "العدالة"، ليجري تفعيله خلال فترات "الانتقال"، في أعقاب التَّغييرات الكبرى التي تطفئ نيران "الحروب"، وتبسط "السَّلام"، وتطيح بالأنظمة "الشُّموليَّة"، وترفع رايات "الدِّيموقراطيَّة"، خصوصاً في ما يتَّصل بالانتهاكات الضَّخمة، وسعاً وعمقاً، بما يبرئ جراح الضَّحايا، عبر ترتيبات بعينها جرى التَّواضع، عالميَّاً، على تسميتها بـ "العدالة الانتقاليَّة".
هذا النَّوع من "العدالة"، وإن كان يقتضي، أيضاً، مجابهة "تركة الماضي"، إلا أن ذلك لا يتمُّ، بالضَّرورة، عن طريق آليَّات العدالة "التقليديَّة"وحدها، من قضاة، ونيابات، وشرطة، وسجون، وما إلى ذلك، وإنَّما، أيضاً، بآليَّات "غير تقليديَّة" قوامها ضمان الكشف عن "الحقيقة" في ما جرى، ولفظ العنف نهائيَّاً، وتفادي نزعة الانتقام، واعتماد الوسائل الدِّيموقراطيَّة في أداء "واجب الذَّاكرة"، وفق علم النَّفس الاجتماعي، و"جبر أضرار" الضحايا، بإعادة الاعتبار لهم، مادِّيَّاً ومعنويَّاً، ونقل الشَّعب بأسره من خانة "الرَّعايا" إلى خانة "المواطنين" متساويِّي الحقوق والواجبات، وكفالة قطع الطريق أمام أيِّ انتهاكات في المستقبل، بابتداع شتَّى "الإصلاحات" اللازمة على صعيد السُّلطات كافة، التنفيذيَّة، والتَّشريعيَّة، والقضائيَّة، فضلاً عن الخدمة المدنيَّة، والقوَّات النِّظامية، وعلاقات السِّياسة والتَّساكن بين مختلف مكوِّنات الأمَّة، وغيرها. كلُّ ذلك لأجل ألا يتكرَّر ذلك، ولإجراء "مصالحة" كاملة، ليس مع "نظام حكم" محدَّد، كما قد يتبادر للأذهان خطأ، بل مع "التَّاريخ الوطني" و"الذَّاكرة الوطنيَّة"!

(3)
إن "الحاضر" ما يلبث أن يتسرَّب من بين أيدينا ليصير ماضياً؛ و"المستقبل"، أيضاً، محض نبوءة أو توقُّع أو تكهُّن؛ أمَّا "الماضي" فهو الوحيد الذي يقوم لدينا مقام الخبرة والتَّجربة المتحقِّقتين؛ إنه "الزَّمن" الوحيد الذي يمكننا التَّعاطي معه هكذا معرَّفاً بـ "الألف واللام"، أو تشبيهه بالنهر الذي تنتهي إليه كلُّ سيول الوديان الصَّغيرة (علي أوعبيشة؛ موقع "الموجة" على الشَّبكة).
وإذن، فالمفهوم المركزي في كلِّ ترتيبات "العدالة الانتقاليَّة" هو "أداء واجب الذَّاكرة" لأجل تصفية "تركة الماضي"، باتِّجاه "التَّغيير المستقبلي الشَّامل". فـ "الماضي"، بلا جدال، مفهوم زماني يرتبط، وثيقاً، بمفهوم "الذَّاكرة"، وبدون أداء هذا الواجب إزاءها تظلُّ أيُّ ترتيبات يراد بها تجاوز "الماضي" دائرة في فراغ شكلاني لانهائي، بلا أيِّ مضمون محدَّد أو هدف واضح.
وبما أن "التَّذكُّر" يعني، علميَّاً، إعادة بناء تجارب "الماضي" في "المُخ"، واسترجاع المعلومات والخبرات والمهارات فيه، فإن "الذَّاكرة"، التي تُعتبر ظاهرة فيزيولوجيَّة وسيكولوجيَّة في آنٍ، هي مجموع طاقات "المُخ" التي تحقِّق هذا الاسترجاع، وتشكِّل المصدر الرَّئيس للمعرفة المسترجَعة. ولأجل تفعيل هذا المصدر، تتضافر جميع خلايا الجِّهاز العصبي المنتشرة في كلِّ أجزاء الجِّسم، حيث، باستثارتها، تتشكَّل "الذَّاكرة" التي لا يوجد نموذج نهائي للكيفيَّة التي تعمل بها، وإن كان العلماء قد خلصوا إلي أن أيَّ نموذج مثالي، في هذا الإطار، لا بد أن يستصحب عامل الوعي "الذَّاتي" بما فيه من رغبات، وأحاسيس، ومؤثِّرات فرديَّة أو جمعيَّة.

(4)
يصـدق هذا الحكـم فـي المستوى "الخاص"، مثلما يصدق، أيضاً، فـي المستوى "العام". ولأن جدل "الخاص والعام" يشتغل في المستوى السِّياسي، كما في المستوى الفكري، فقد أفرد "علم السِّياسة" فرعاً لـ "سياسات الذَّاكرة" التي تعتبر الأكثر تأثيراً على مسارات الصِّراع الاجتماعي، ونتائجه، نظريَّاً وتطبيقيَّاً، حسب الباحثة الأكاديميَّة الأمريكيَّة التَّقدُّميَّة ساندرا هيل. فالشُّعوب عادة ما تواجه أنظمتها القمعيَّة، بتأكيد أو دحض "قصص الماضي"، في حين تسعى هذه الأنظمة، بالمقابل، لاغتيال "ذاكرة" شعوبها، بتسفيه دعاواها عن "الماضي"، أو استعمار هذا "الماضي"، أو خلق "ماضٍ زائف"، جملة وتفصيلاً، بتغيير أسماء الأشخاص، والأماكن، وطمس المعالم التَّاريخيَّة، وحظر لغات بعينها، وفرض تعاليم "تديُّنيَّة" معيَّنة، وأعراف ثقافيَّة محدَّدة، وما إلى ذلك من اسـترتيجيَّات مصمِّمـة، خصِّيصـاً، لاختراع "ذاكرة" بديلة، ولفرض "النِّسـيان" بالعُنف!
على أن الشُّعوب ما فتئت تقاوم، بالإظفر والنَّاب، للحفاظ على "ذاكرتها الجَّمعيَّة". وتسوق ساندرا مثلاً لذلك من حركة "أمَّهات البلازا" في الأرجنتين، اللائي قاومن كلَّ محاولات الدِّيكتاتوريَّة العسكريَّة لدفعهنَّ نحو "نسيان" من اختفوا قسراً من أبنائهنَّ، وناهضن مسعاها لفرض اقتصاد سياسي مخترع يعيد تركيب السِّياق الذي وقعت فيه جرائمها على النَّحو الذي تريد، لا كما هو في الواقع، فألحقن هزيمة نكراء بالنِّظام، وحوَّلن عاطفة الأمومة إلى "ذكريات" لا تمَّحي تحدَّين بها "التَّاريخ المفبرك" الذي حاولت السُّلطة إحلاله محلَّ "التَّاريخ الحقيقي" الذي يدحضه.

(5)
هكذا، ورغم أن نهج مجابهة تركة "الماضي" يشمل، على هذه الخلفيَّة العلميَّة والسِّياسيَّة، مختلف أشكال المعالجات، إلا أن إحياء "ذكرى" الضَّحايا، وتكريمهم، بالتَّشاور معهم، أو مع ذويهم، يمثِّل إحدى أهمِّ هذه الأشكال، كإنشاء "النُّصُب التِّذكاريَّة"، و"متاحف الذَّاكرة"، مثال المتحف الذي أقيم داخل مصنع للبطاريَّات بسربينيتسا، في البوسنة، حيث وُضعت، رمزيَّأً، متعلقات 20 من أصل 8000 ضحيَّة من المسلمين الذين ارتكب الصِّرب جريمة تصفيتهم الشَّنعاء فيه؛ وإلى ذلك تحويل المواقع التي كانت، في "الماضي"، معسكرات اعتقال سرِّيَّة، وبيوت أشباح للإخفاء والتَّعذيب، إلى "منتزهات تذكاريَّة"، على غرار منطقة "تازْمَمَرْت" في المغرب، فضلاً عن تفعيل حوار مجتمعي عامٍّ وبنَّاء حول ذلك "الماضي"، يلعب فيه الأدب والفنُّ دوراً كبيراً باتِّجاه العفو، لا النسيان، على حدِّ التَّعبير الدَّقيق لنلسون مانديلا.

***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,389,493,525
- ورقةٌ مستعادةٌ من رُزنامة قديمة: مَارْكْسْ .. بِالبَلَدِي!
- كُوبَا فِي مُفتَرَقِ الطُّرُق!
- درس الجنائية الدولية .. الكيني!
- قيامة دوما: هل العالم على شفير الهاوية؟!
- هباء حقوق الإنسان المنثور!
- المُهَاجِرُونَ غَيْرُ الشَّرْعِيين: فَظَاظَةُ الدَّوْلَةِ وَ ...
- جوبا تطرق باب الجامعة العربية .. فلا ينفتح!
- ستيلا: صَفْحَةٌ مَاجِدَةٌ فِي أَدَبِ الحَرْبِ الصَّافِع!
- آخِرُ العِلاجِ الآيْ سِيْ سِيْ: الرُّوهينغَا والاستِجَارَةُ ...
- مقتلة الغوطة!
- بَيْنَ القَوْمِيينَ الجُّدُدِ والسُّودَانِ الجَّدِيد!
- جَنُوبُ أَفْرِيقيَا: لِلشُؤْمِ وُجُوهٌ كُثْر!
- كِتَابَةُ الوَفَاءِ .. ووفَاءُ الكِتَابَة!
- القُدْسُ: القَرَارُ الأَمْرِيكِيُّ بَيْنَ السِّيَاسَةِ والقَ ...
- الدِّيمُوقرَاطِيَّةُ: أَهَمُّ إشْكاليَّاتِ تَجْدِيدِ اليَسَا ...
- ورقة مستعادة من رُزنامة قديمة زُغْبُ الحَوَاصِلْ!
- تحرير الخرطوم .. في كوبر!
- شتاء الملالي السَّاخن
- البلدوزر
- جورج ويا .. رئيساً!


المزيد.....




- براتب مغر..مطلوب شخص يسافر ويتذوق أشهى اللحوم في أمريكا
- مجلس النواب العراقي يوضح أسباب عدم رفع العلم العراقي خلال لق ...
- جماعات حقوقية تدعو آسيان إلى معالجة أزمة الروهينغا قبل بداية ...
- أمير الكويت يزور العراق وسط التوتر المتصاعد بالخليج
- شاهد: حالة من الهلع الشديد تصيب ركاب طائرة جراء مطبات هوائية ...
- شاهد: دبة قطبية تائهة في مدينة صناعية بشمال سيبيريا
- خمس طرق جديدة توفر الطعام لسكان العالم في عام 2050
- حمه الهمّامي للمنسحبين من الجبهة الشعبية: أنتم رفاقنا ومازال ...
- جماعات حقوقية تدعو آسيان إلى معالجة أزمة الروهينغا قبل بداية ...
- أمير الكويت يزور العراق وسط التوتر المتصاعد بالخليج


المزيد.....

- الصراع على إفريقيا / حامد فضل الله
- وثائق المؤتمر الثالث للنهج الديمقراطي /
- الرؤية السياسية للحزب الاشتراكى المصرى / الحزب الاشتراكى المصرى
- في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي / محمد بودهان
- في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية / محمد بودهان
- في حراك الريف / محمد بودهان
- قضايا مغربية / محمد بودهان
- في الهوية الأمازيغية للمغرب / محمد بودهان
- الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟ / محمد بودهان
- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال الجزولي - سياسات الذاكرة