أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي(1-3)















المزيد.....



الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي(1-3)


ميثم الجنابي
الحوار المتمدن-العدد: 5870 - 2018 / 5 / 12 - 21:39
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إن الشعر العظيم هو بداية ونهاية الوجدان الاجتماعي للأفراد والأمم. فهو يتمثل الطفولة والكهولة دون أن يقع في سذاجة الأولى وخمول الثانية. انه يقف وراء ذاته ويتحصن بها، باعتباره شعورا صادقا عما يختلج في الأعماق السحيقة للأمم، ويتأمل أبعادها المرئية وغير المرئية كما لو انه يرى أفق وجوده في الخطوط الواقعية والوهمية لتماس الأرض والسماء، وأفق معاناته في تأمل انفصام أو التئام الروح والجسد عند الأفراد والجماعات والأمم. فهو يجود بنفسه في انبساط أنغامه الباطنة عندما يتحسس اندفاع الصعود وحركته الحرة، وينتقم لذاته في عباراته الصماء عندما يتحسس السقوط والهاوية. وفي مجرى ذلك يبني "قواعد" وجوده، باعتبارها قواعد وجدانه وشعوره الخالص في تحرير النفس وإلزامها في نفس الوقت بالبقاء ضمن حدود الواجب التاريخي والمثالي.
إلا أن ما يميز الشعر هو عدم تقنينه السلوك بمعايير الفرض الواجب وفرض العين، ولا بحدود الحلال والحرام وفرضيات المندوب والمكروه، لان الفروض والحدود جميعا بالنسبة له حرية لا قيود. وهي المعضلة التي تلازم وجوده ووجدانه للحرية، باعتبارها مصدر إلهامه الذاتي ومعيار قيمته التاريخية في نفس الوقت. وقبل أن تجري إثارة هذه المعضلة أمام الوعي الأدبي العربي بشكل عام والشعري بشكل خاص، كان لابد لها من أن تمر بدهاليز المدارس الأدبية والفكرية والسياسية.
فقد تجمعت في هذه المعضلة واستثيرت كوامن المدارس والفرق كلها. فقد كان وجدان الحرية من فقدانها. وفي هذه المفارقة تفجرت كوامن الوعي العربي الذاتي، التي لم تعد مرتبطة بادراك حالة الانحطاط لأواخر المرحلة العثمانية وتأمل ملامحها الناتئة على خلفية التمدن الأوربي، بل وبفعل تحسس البون الشاسع بين نماذج الرفعة المتسامية لائمة الإبداع العربي الإسلامي الأصيل وتفاهة العينات المنتشرة حينذاك.
وأول من شعر بهذه المفارقة أهل اللغة وأدباءها. إذ لم تكن النهضة العربية حينذاك سوى نهضة أدبها ولغتها. وترتب على ذلك بالضرورة تراكم شحنات الشعور الذاتي. إذ منها كان يمكن استقاء مفردات اللغة الأدبية بشكل عام والشعرية بشكل خاص. ومن هذا الاستقاء تراكمت لغة الشعور الذاتي، بوصفه التيار الوجداني لوعي الذات العربي.
وهو واقع تحسسه بصورة بليغة سليمان البستاني (1856-1925 ) عندما وقف أمام مهمة ترجمة الإلياذة. وهي مهمة كانت تختبئ وراءها بصورة غير واعية مهمة الإفصاح عن ضرورة إحياء العربية كأداة للعروبة. فقد وضعت الإلياذة أمامه مهمة البرهنة على قدرة العربية المتخفية وراء مؤلفات الأقدمين استنطاق ذاتها بما في ذلك في تحسس عوالم الإلياذة القديمة. فالإلياذة اقدم من الشعر الجاهلي. ومن ثم فان الجديد فيها هو جديد العربية في مواجهة ذاتها المعاصرة ومدى قدرتها على تحدي نفسها. إذ ليس في الإلياذة "معاصرة" من حيث موضوعاتها وروحها ورموزها ونظرتها للعالم. كما أنها لا تشكل ثروة معنوية بالنسبة لوعي العربي، وغير قادرة على احتلال موقع المعلقات في الوجدان الشعري العربي.
فالمعلقات ليس من تعليق قصاصات الورق على جدران الكعبة، رغم ما في هذا الخيال من "تقديس" للإبداع الذاتي، بل من تعلق الذاكرة العربية ووجدانها التاريخي في النماذج المثلى لذواتهم الأدبية. فقد ثمن المنتصر فيهن والمهزوم، الممدوح والمذموم رفعة الكلمة والمعنى. كما أن المذهبات لم تكن من خطوط أو خيوط الذهب، رغم ما في هذا الخيال من "تثمين" للإبداع الذاتي، بل من لمعانها المتوهج في الذاكرة العربية ووجدانها التاريخي.
وعندما وقف البستاني أمام الإلياذة يتأمل تعلق اليونانيين (والرومانيين) بها ولمعانها الدائم في وجدانهم التاريخي، فانه حدس في الوقع جوهرية وقوفه أمام الأبعاد الدفينة والعريقة للغة العربية، التي أبدعت في "جاهليتها" شعرا موازيا لها. وإذا كانت هذه المفارقة من الناحية الظاهرية نتاج لثقل التأثير الأوربي في القرن التاسع عشر، فإنها من حيث أعماقها الباطنة كانت استمرارا لتراكم التحرر البطيء للعربية من ثقل العثمانية الآيلة للسقوط. وقد أشار البستاني نفسه إلى أن إخراج أمهات الكتب العربية وكذلك سياسية محمد علي باشا في مصر وتدريس العلوم يقومان وراء النهضة الأخيرة في سوريا ومصر. فهي النهضة التي أثارت تيار الأفكار، الذي "إذا اندفع بأمة فضّ السدود وتجاوز الحواجز" كما يقول البستاني. وان "أبناء العربية شاعرون أن حياتهم بحياة لغتهم. وقد علموا الآن انه لا معين لهم غير أنفسهم على بلوغ أمنيتهم فيها" .
ذلك يعني أن شعور العرب بلغتهم هو مقدمة إبداعهم لغة الشعور الذاتي. فهي المقدمة التي تفضّ السدود وتتجاوز الحواجز. ولا سدود وحواجز غير الانقطاع التاريخي والثقافي للعرب عن لغتهم. فهو المصدر الذي لا ينضب لإبداع المعاني ومواجهة الحياة في مختلف أشكالها وتجلياتها ومشاكلها. لهذا نرى البستاني يقول، بان اللغة العربية شعرية بطبعها. ويربط ذلك بأسباب عديدة منها تفرع مفرداتها وتنوع اشتقاقاتها القياسية على أسلوب لا مثيل له في "اللغات الآرية". فالقوافي فيها مزدحمة وفيها من طرق الحذف والتقدير والتقديم والتأخير مما تفسح المجال للشاعر لصوغ عبارته على قوالب شتى. وعندما قارن اللغة اليونانية بالعربية، فانه توصل إلى انه لا ترجح اليونانية على العربية إلا باتساعها لمشاكلة الألفاظ للمعاني وتوفر النحت فيها لصوغ الألفاظ المركبة. وما عدا ذلك ترجح العربية على اليونانية في اتساع المفردات وتشعب طرق التركيب والخروج بقياس الاشتقاقات إلى "ما لا نهاية له من المعاني". إضافة لذلك أن "خزانة العربية أوسع بما حوت من الألفاظ المفردة التي لا يعبّر عنها في لغات الآخرين إلا بعبارات".
ذلك يعني انه أن لا مشكلة في العربية بحد ذاتها تعيق إمكانية الشاعر في التعبير عن شعوره. فالعربية تحتوي على إمكانية هائلة تقدمها للشاعر بالنسبة لصياغة العبارة على قوالب شتى، كما تقدم له إمكانية "اشتقاق المعاني إلى ما لا نهاية". وفي كمية ألفاظها تفوق لغات الآخرين، وفي نوعية كلماتها قدرة على الدقة متناهية، وصياغة أدق المشاعر وأعمقها في عبارة وجيزة للغاية. ذلك يعني أنها قادرة على مشاكلة الحدس الشعري العظيم بأفضل الطرق، وعلى سبر غور المعاناة العميقة وتقديمها بعبارة تستجيب لصوت المشاعر الصادقة.
لقد أراد البستاني القول، بان في اللغة العربية إخلاص للذات المبدعة في حال إخلاصها للحقيقة. وان تاريخ العربية دليل على ذلك. فقد كانت سابقا في مقدمة اللغات اتساعا لكل صورة ومعنى. وشأن كل كيان حي، فان اللغة العربية عرضة للتبدل والتغير والتطور. والعربية قادرة على استيعاب الجديد في العلوم والحياة، لاسيما وان تاريخ تطورها هو تاريخ الاستخراج الذاتي والاستحداث المتنوع للمعاني، كما يقول البستاني. أي أن ارتقاءها وتبدلها هو حصيلة معاناتها الذاتية، التي شكلت كيانها التاريخي وكينونتها الدائمة في العبارة والمعنى، بوصفهما طرفي المعادلة الأساسيين في الشعر.
فالشعر ليس شعور صادق بالوجود فحسب، بل وحدس واحدي للمعنى القائم وراء تنوع الظواهر والأشياء والعوائق والعلائق. من هنا قدرته على استقطاب "أرواح المعاني" من لغته القومية. وهذا مستحيل دون استعداد اللغة نفسها على تمثل الجديد في معان جديدة قادرة بدورها على مد الشعور بمادة تعبيره، وشحذ قواه على تأمل الآفاق "المجهولة" للمستقبل.
الشعر مستقبل، والماضي فيه هو ذكرى الأجيال المستحيلة في معاناة المعاصرة وإشكالياتها. وبالتالي فان الجديد فيها شعر، كما أن الشعر فيها جديد. وهي معادلة تصنع الثورة الدائمة بهيئة انقلاب مفاجئ أو تغيير عاصف أو فورة جياشة أو انبساط متسام للروح، والتي عادة ما تتغلغل مسبقا في مسامات اللغة. وذلك لان اللغة هي كيان قادر على تقبل كل شئ، ومتصير في كل هيئة، بسبب استحالة الاستيلاء عليها. وذلك لأنها الهيئة المثلى للاستعداد الذاتي وميدان الحرية الباطنة والظاهرة، التي تتمثل تجارب الأفراد والجماعات والأمم. أما الشعر بوصفه لسان وجداها العارم، فانه يعكس تجاربها وتجارب أفرادها وجماعاتها. وفيه تتبرعم أجنة الثورة. وهي ظاهرة لاحظها المازني (1890-1949) عندما قال، بان كل ثورة وانقلاب هو إيذان بمولد فكرة أو مذهب يحسسه الناس جميعا وينشأ الشعراء ليعبروا عن هذه الفكرة أو هذا المذهب.
غير أن الثورة في الشعر هي ليست ثورة على الواقع كما هو، بقدر ما أنها استنهاض له بمعايير الوجدان الخالص. لان الانقطاع في الشعر هو انقطاع عن تجارب الماضي. والثورة ليست قطع، بل تثوير لروح الإبداع. وهي عملية غير متناهية ومحدودة في نفس الوقت باللغة وتقاليد إبداعها الحر. وقد كان نجيب حداد (1868-1899) على حق عندما كتب في مقالة له بعنوان (مقارنة شعر العرب بالإفرنج) عن أن الشعر العربي متفرد بنفسه، نشأ في بلاد العرب وجرى على ألسنتهم وحدهم دون سواهم، على عكس الإفرنج وغيرهم الذين أخذوه عن اليونان والرومان. لقد أراد القول، بان الثورة الممكنة في الشعر العربي هي الاستمرار في تقاليده. وهي فكرة عمقها جميل صدقي الزهاوي(1863-1936) في مقالة له بعنوان (النثر والشعر) كتب فيها يقول، بأنه ليس من الحسن أن يراد من لغة نشأت في أمة للتعبير عن شعورها، هي بحد ذاتها نتاج خاص لمعاناتها الحياتية في عصور طويلة، أن تعبّر عن نماذج لمشاعر أمة أخرى. أي أن لكل أمة تجاربها وتاريخها. أما عظمة إبداعها فمتوقف على كيفية تعبيره الخالص عن تجاربها الذاتية. وبالتالي فان استعارة النماذج من الآخرين أو تقليدها لا يؤدي إلى ثورة، بل يؤدي إلى صنع سراب الأوهام. والشعر ليس وهم، بل تعبير عن شعور الأمم. ومشاعر الأمم مختلفة، لان تجاربها متباينة. لهذا اعتقد انه لا ضرورة ولا معنى لنقد القصيدة العربية على تنوع ما فيها انطلاقا من "نموذجية الغرب" في الشعر. إذ لا نموذجية في شعر الغرب لغيرهم. والقصيدة العربية هي نتاج معاناة طويلة واكثر عراقة في ألوانها وفنونها. أنها كالروض الغناء محتوية على مختلف الأزهار. هذا بدوره اقرب إلى الطبيعة. وليس فيه ما يؤخذ عليه غير كونه ينافي ما يفعله شعراء الغرب. وأخيرا أن لكل أمة سياق ونزعة ليست لأختها، كما يقول الزهاوي.
لقد حدس الزهاوي عمق الأبعاد الثقافية في الإبداع الشعري. فالشعر محدود بما اسماه بسياق الأمة ونزوعها الخاص. وهذا بدوره ليس إلا تجاربها في كل شئ. وهي فكرة تقترب في وضوحها من البديهة. لهذا تبدو شديدة الغموض أحيانا، وبالأخص بالنسبة لأولئك الذين لم يتعلموا رؤية الاختيار في الجبر كما كان يقول الإمام الغزالي، أي أولئك الذين لم يدركوا حدود الحرية في الضرورة ومستلزماتها كما هو الحال عند سلامة موسى (1888-1969)، الذي جعلته أجواء الحرية المعتمة في سماء التقليد الأوربي يكره المتنبئ لأنه "ملك الشعر" ويحب أبي نؤاس لأنه "صعلوك الشعر". أما في الواقع فانهما كلاهما "ملوك" في الشعر، حيث مّثل كل منهما نموذج في الإبداع الشعري كان وسيبقى خارج أهواء المحبة والكراهية، لأنهما أذواق لا تدرك حرية الإبداع في ضرورته التاريخية. وهو تقيم وجد استمراره الفج عند سلامة موسى، المبني على اعتقاد أن "الشعر العربي جاء من شير العبرية(!؟) وتعني الغناء من هنا اقتصاره على الاعتناء بزخرفة اللفظ، بينما هو اختراع وابتكار عند الأوربيين". وبالتالي، فان الشعر الأوربي هو إبداع حقيقي، ولا شعر يساوي الشعر الإنجليزي، كما يقول سلامة موسى. وهو حكم مبني على مقدمات خاطئة ومقارنات مشروطة بتفوق السلع الإنجليزية آنذاك. ومن ثم لا علاقة له بدراسة الشعر العربي بوصفه لغة الوجدان القومي، ولا قيمة علمية فيه بالنسبة لوعي الذات وترسيخ قيم الحرية. إضافة إلى ما فيه من تجن على إنجازات الفكر العربي الأدبي والشعري آنذاك وتسطيح للرؤية النقدية والذوق الجمالي، بدء من البستاني، الذي يمكن عده أحد الأدباء العرب الأوائل الذي أرسى تقاليد الرؤية العلمية والثقافية بهذا الصدد.
فقد استعاد سليمان البستاني الرؤية النقدية الشعرية العربية، التي اعتقدت بان عظمة الشعر في صدقه. وتاريخ الشعر العربي هو تاريخ الصدق في أشكاله المتنوعة ابتداء من الشعر الجاهلي وانتهاء بكبار ممثليه إلى الآن. وليس مصادفة أن يتكلم البستاني عن عظمة الشعر الجاهلي القائمة في صدقه من حيث اللهجة والعبارة والمعنى إضافة إلى أعماقه الإنسانية. فبغض النظر عن خشونة محسوساتهم وكون اغلب شعرهم كان مرتبطا بحروبهم، إلا انه كان في معظمه موافق لأحاسيسهم. ومع هذا كان في لغتهم متسع للغرام والحكمة والحماسة ووصف الشعائر والأخلاق، كما يقول البستاني.
كانت مقارنة البستاني للشعر العربي مع اليوناني من خلال دراسة الإلياذة وملحميات الشعر الجاهلي ترسي بصورة غير مباشرة تقاليد تبني النماذج المصدرية في الشعر. فهو لم يقع فريسة الالتهاب العابر للأفكار السطحية عن أفضلية الشعر الغربي المعاصر. على العكس انه حاول إجراء مقارنة بين مصادر الإبداع الشعري العظيم والبقاء في نفس الوقت ضمن معايير الذوق الشعري وتجاربه القومية الخاصة. فقد رد بصورة غير مباشرة على أولئك الذين سحرتهم للمرة الأولى أساطير اليونان مع أنها أساطير لا غير. أما "اوربتها" فقد جاءت بفعل فراغ الوعي الأسطوري الأوربي (غير اليوناني) من نماذج رفيعة شكلت مصدرا ما قبل تاريخيا للوعي الفلسفي والذوق الشعري، وشحذت بعض جوانبه. وهي أساطير لا نموذجية فيها شأن كل أسطورة. وقد كان البستاني على صواب عندما قارن بين نماذج الشخصيات الأسطورية للإلياذة ونماذج الشخصيات العربية الجاهلية. ومن خلال ذلك أراد القول بان لليونان أساطيرها كما أن للعرب جاهليتهم. وهما تاريخان متمايزان ونموذجان مصدريان في نفس الوقت لكل منه عظمته المحلية والعالمية الخاصة به. أي أن في الإلياذة "جاهلية" يونانية، كما أن في الجاهلية "إلياذة" عربية. وكتب بهذا الصدد يقول، بان المرء يدهش في حال نظره إلى الأشخاص والأقوال. فعنترة مثله مثل أخيل بطل ترتجف لصوته القبائل. وكلاهما يعتزلان القتال وبأثره تتعرض قبائلهم للهزيمة. كما أن نسطور الواعظ مثله مثل قس بن ساعدة الايادي يرّغب ويرّهب. ثم أن شخصية اليوناني من حيث مروءته وجوده وكرمه شبيه بالعربي. بل واعتقد البستاني بان من المحتمل أن تكون حرب البسوس ملحمة في اصلها فقدت منها أجزاء. ثم أن الشعر الجاهلي مليء بملاحم صغيرة عن حوادث خاصة ولعل المعلقات نموذج لها. إذ ليس من اللازم أن يكون شعر جميع الأمم على نسق واحد. بل ربما كان هذا التباين من الأسباب المؤدية إلى إبراز أنواع الجمال، كما يقول البستاني. وليس مصادفة أن تبدع العرب هذا الكم الهائل من الملاحم الصغيرة، كما هو الحال بالنسبة للمعلقات والمجمهرات والمنتقيات والمذهبات والمراثي والمشوبات والملحمات ، كما أبدع العرب ملاحم نثرية سبقت ملحمة دانتي مثلما هو الحال بالنسبة (لرسالة الغفران) للمعري.
لقد كانت آراء البستاني هذه ترمي إلى ترسيخ قيمة التعلم الذاتي على نماذج الإبداع المثلى. من هنا استشهاده بفكرة أبي بكر الخوارزمي القائل، بان "من روى حوليات زهير واعتذارات النابغة وحماسيات عنترة وأهاجي الحطيئة وهاشميات الكميت ونقائض جرير وخمريات أبي نؤاس وتشبيهات ابن المعتز وزهديات أبي العتاهية ومراثي أبي تمام ومدائح البحتري وروضيات الصنوبري ولم يخرج إلى الشعر فلا أشبّ الله قرنه"!! وعلق البستاني على هذه الفكرة قائلا، بان هذا الحكم قول متحمس على من كان الشعر في سجيته، فان مطالعة نفيس الشعر تشحذ الذهن وتهذب اللفظ وتجلو المعنى. فالتعلم على نماذج الإبداع المثلى، المصقولة في تاريخ الثقافة نفسها يؤدي بالضرورة إلى توحيد الذهن واللفظ والمعنى. وهي مكونات جوهرية بالنسبة للشعر والإبداع الشعري. فالنماذج المثلى أو "نفيس الشعر" هي معيار الذوق الفني الرفيع المتلألئ في سماء الثقافة وتاريخ وعيها الذاتي. أنها تبرق من وراء كل شروق وغروب، وتنظر بعيون الحماسة والاعتذار والمدح والهجاء والرثاء والاعتزاز والجد والهزل والوعد والوعيد والعقل والحكمة، وتنطق بلسان الأحوال والمقال إلى ما كان وسيكون بعبارات تتجاوز ألسنة المراحل (التاريخ) مربية ومهذبة وجدان الأجيال وعقولها، وتعزف بأناملها على أوتار المعاناة الدائمة للوجود التاريخي للامة كي تستنطق حكمتها بنوطات الواجب.
احتوت آراء البستاني على إدراك أولي لقيمة المرجعيات الثقافية وأهميتها بالنسبة لشعور المرحلة وإبداعها الشعري. فالإقرار بجوهرية النماذج المثلى بالنسبة للذهن واللفظ والمعنى يعني ضرورتها بالنسبة لوحدة الشعور، وبالتالي لترسيخ ديموته الذاتية بوصفه اقترانا عضويا بنماذج الماضي الرفيعة لا بالماضي بحد ذاته. لهذا نرى سليمان البستاني يعلق على الإلياذة ويشرحها لا لشيء إلا لأنه كان يدرك، بأنه لو عرض الإلياذة على قراء العربية خالية من الشروح لما خالوها إلا هيكلا شعريا لا ترجو فائدته على شئ مما بين أيديهم من الدواوين. لهذا انتهج في شرحه، كما يقول، أسلوبا جديدا يأنس إليه القارئ العربي بالرجوع في نظره إلى أخلاق أمته في جاهليتها وحضارتها والمشهور من أساطيرها وعباداتها والمأثور من آدابها وعاداتها ومناهج شعرائها وأدبائها ومواقف ملوكها وأمرائها وساستها وزعمائها والإعجاب باتساع لغته في الوضع لكل معنى من المعاني الفطرية.
لقد أراد سليمان البستاني استنهاض تاريخ العرب وتقاليدهم وأديانهم وشعرائهم وزعمائهم وقادتهم ومعاركهم من خلال العربية بوصفها الخزين اللغوي لتجاربهم. وهي تجارب متنوعة وعريضة احتوت على استعداد لتجسيد كل المعاني الممكنة. فمجرد قدرتها على احتواء معاني احدى التجارب اليونانية القديمة المثلى دليل على سعتها وعظمتها، لأنها تحتوي إضافة إلى ما فيها من إمكانية تمثل تجارب اليونان في آدابهم وعاداتهم وأساطيرهم وعباداتهم. لهذا جعل من الرجوع إليها رجوعا إلى أخلاق أمته. ولم يقصد البستاني بذلك إعادة إنتاج الجاهلية، بقدر ما كان يطابق ذلك مع جوهرية العروبة الخالصة. إذ لم تعن إشارته إلى اثر "الأسواق الشعرية"، مثل سوق عكاظ في تاريخ توحيد اللغة سوى أهميته بالنسبة لسعة اللغة وعراقة تقاليدها الخاصة في توحيد العرب. أي ليس العرب من وحّد اللغة، بل اللغة هي التي وحّدتهم في أمة. ولعب "سوق الشعر" دورا هائلا بهذا الصدد. فهو الميدان الذي وحّد الزمن والانتماء والحركة في كلّ واحد، بحيث جعل من أسواقهم ميدانا للبيع والشراء والإبداع والعطاء. وهي وحدة نموذجية شكل الإسلام في وقت لاحق نتاجها الطبيعي.
فقد تمثل الإسلام وحدة الزمن والحركة، أي المادي والمعنوي، الطبيعي والماوراطبيعي في رؤيته وعقائده وعباداته. كما تمثل اعتدال العلاقة في كل شئ. فأسواق العرب هي وحدة الروحي والمادي، الديني والدنيوي، والتي شكل الشعر إلى جانب الحج تجلياتها النوعية المثلى. مما جعل من المكونات العربية – الإسلامية جواهر ضرورية بالنسبة للشعر العربي (المعاصر). وبهذا المعنى كان عبد الرحمن شكري (1886-1958) على حق عندما كتب في مقال له بعنوان (آراء في الشعر) على أن الأدب الأوربي ينبغي أن يكون بالنسبة لنا في المنزلة الثانية، ولا يكون الاطلاع عليه مفيدا إلا بعد دراسة الأدب العربي في العصور المختلفة. وهي فكرة وسعها وعمقها احمد زكي (أبو شادي) (1892-1955) في تشديده على أن الفكرة القومية هي أجلى وأبهى مظاهر النهوض السياسي في القرن العشرين. والشاعر القومي كيفما كانت عقيدته ودينه محتم عليه أن لا يغفل الماضي، وان لا يكون من المتجردين، فان التجرد ليس من مستلزمات التطور والتجديد، بل قد يكون من اضداده.
ووضع عبد الرحمن شكري (1880-1958) مقدمته الفكرية الآنفة الذكر في استنتاجه القائل، بان هناك حقائق لا يجوز إنكارها بالنسبة لنا، منها أن الأدب العربي مرتبط ارتباطا وثيقا بالدين الإسلامي. فالعرب لا يمكنهم تهديم الأدب العربي الصميم دون الإساءة إلى الإسلام، الذي يعتبر القرآن أحد معجزاته الكبرى. رغم أن الشاعر ليس إماما دينيا. وان كان من جهة أخرى مطالب في الشرق بان يعتبر الدين من المشخصات القومية لامته. وهو استنتاج صائب من حيث إدراكه لماهية العلاقة بين الماضي والحاضر وبين الثقافة التاريخية والمعاصرة، وصيغة تجليهما في التاريخ العربي، وكذلك ضرورتها بالنسبة للتجديد والحداثة. والمسألة هنا ليست فقط في أن القرآن هو كتاب الإسلام واكبر معجزاته بالنسبة لمعتنقيه، بل ولأنه المصدر الماوراطبيعي لوجودهم الطبيعي. أي المصدر "الخالد" للعربية. وسواء جرى التطرق إليه بمعايير القديم والمحدث الكلامية أو بمنطق الثقافة المعاصرة، فكلاهما يؤديان إلى حقيقة واحدة مفادها جوهريته بالنسبة للغة العربية وآدابها وشعرها.
وهي نتيجة سبق وان سجلها سليمان البستاني عندما قال بان القرآن كان ولا يزال رافد الكتّاب العرب يرجعون إليه في مواضع الإشكال ويتمثلون بعبارته ويتفقهون ببلاغته. فكان من معجزه حفظ اللغة العربية الفصحى على أسلوب واحد منذ ثلاثة عشر قرنا مع تفرق حفظتها وتشتت المتكلمين بها. بصيغة أخرى لقد أعاد البستاني استظهار معنى المعجزة القرآنية في أبعادها الثقافية (والقومية) عندما جعل منها رديفا لحفظ اللغة رغم تشتت الناطقين بها. وبهذا المعنى كان استنتاج البستاني دقيقا أيضا عندما أكد على أن فضل القرآن على الشعر يكاد يضاهي فضله على "لسان العرب". إذ في القرآن من البلاغة ما لم يجتمع له نظير في نثر ولا في شعر. وإذا كان عمر اللغة الحية هو دليل قوتها، بفعل جمعها الدائم للتجارب التاريخية للامة، فان الفضل في كون اللغة العربية أطول اللغات الحية عمرا وأقدمهن عهدا يعود للقرآن دون شك. إضافة لذلك أن القرآن بوصفه كتاب الإسلام جاء في وقت بلغ الشعر العربي (الجاهلي) أوج نهضته كما يقول البستاني. ذلك يعني انه تمثل تجاربه وبلاغته وتعبيره. وإذا استطاع القرآن إسكات شعراء الجاهلية، فلأنه سار في طريق ترسيخ وتعميق بلاغة العرب القديمة. وبهذا يكون قد فتح عوالم جديدة أمام الشعر العربي للارتقاء والتهذيب. إذ لم يعن إسكات الشعراء إغلاق أفواههم ولا منع حرية التعبير عليهم، بقدر ما يعني إدهاشهم وإجبارهم معنويا على الخروج من حدود الجاهلية إلى رحاب الثقافة المتسامية الجديدة. ووضع البستاني هذا الاستنتاج في فكرته القائلة، بان القرآن ما اسكت الشعراء (الجاهليين العرب) إلا ليزيد نهضتهم استحكاما ويملأ حوافظهم ببلاغته الخلابة. فاندفعوا اندفاع السيل المنهمر وأذهانهم ملأى بما أدركت من الشعر الجاهلي، وما ضمت إليه من البلاغة القرآنية فاجتمعت لهم بداهة الفكر وسمو التصور ودقة التعبير. ذلك يعني أن قيمة الإسلام بالنسبة للشعر العربي تنبع من استمراره التاريخي لتراث الجاهلية.
لقد استنبط البستاني قيمة الإسلام بالنسبة للشعر من قيمة الاستمرار الثقافي للعربية، التي شكل القرآن محركها الجديد وحافظها التاريخي. إذ استطاع القرآن أن يقدم أحد النماذج المثلى للإبداع الشعري، كما كانت "معلقات الجاهلية" و"نفيس الشعر" بالنسبة لشحذ الذهن وتهذيب اللفظ وجلوّ المعنى. فقد قدم الإسلام بشكل عام شروطا جديدة للإبداع الشعري تجلت فيما دعاه البستاني باجتماع بداهة الفكر وسمو التصور ودقة التعبير. وهي شروط لا تفقد حيويتها مع مرور الزمن، لأنها من صلب الإبداع الثقافي.
وعلى هذه الخلفية تبدو آراء وأحكام إسماعيل مظهر (1891-1962) بهذا الصدد خطوة كبيرة إلى الوراء. ولعل مفارقة الظاهرة تقوم في أن إسماعيل مظهر ولد في وقت كان سليمان البستاني منهمكا في ترجمة الإلياذة ووضع مقدمة نظرية بمستواها للشعر. بهذا المعنى كانت أحكام إسماعيل مظهر جفاء وجهلا بالعلم والثقافة من جهة، وتسطيحا للوقائع وتشويها لها من جهة أخرى.
فقد انطلق إسماعيل مظهر من مقدمة خاطئة بحد ذاتها عندا أكد على أن للدين اثر في صدّ الروح الشعرية. وذلك لان "صد الروح الشعرية" لا يتحدد بالضرورة بالدين، بقدر ما انه نتاج وتداخل شروط وظروف ثقافية وسياسية وفكرية ملموسة. وان تاريخ الحضارات بما في ذلك المعاصرة يبرهن على أن الدين أو الإلحاد ليس ضمانة "لصدّ الروح الشعرية" أو لانفتاحها. وبالتالي فان اثر الدين بالنسبة للروح الشعرية يتوقف على طبيعة المسار العام للدولة والثقافة. وهي نتيجة تلمس إسماعيل مظهر بعض أطرافها، ولكنه فهمها بصورة مشوهة عندما وجد في تاريخ أوربا "خصوصية" في هذا المجال تقوم في اختلافها عن الشرق بهذا الصدد ربطها بأسباب لا تتعلق بطبيعة الدين كما هو بل بطبيعة البيئة والنشأة المميزة لكل منهما. في الشرق قامت الحضارة على الدين، بينما قامت العقيدة الدينية في الغرب على الحضارة. وهو تصوير مبسط للظاهرة، لأنه لا يعكس واقعية وتاريخية بناء الحضارة على الدين ولا بالعكس. كما انه لا يفسر تباين الشرق والغرب في ميدان الإبداع الشعري. من هنا عدم دقة وسطحية استنتاج ما اسماه "بالخيال غير المقيد بالقدسيات في الغرب" كما هو الحال عند ميلتون في (الفردوس المفقود) ودانتي في (الكوميديا الإلهية). أما في الواقع فان هذا "الخيال غير المقيد بالقدسيات" لا يتعدى ما هو موجود في الإبداع الشعري والنثري الإسلامي، الواقعي منه والخيالي. أما حكمه على أن القرآن قد حصر إعجازه في البلاغة استنادا إلى الآية "وما علمناه الشعر وما ينبغي له" و"ما فرطنا في الكتاب من شئ"، فانه يدل على جهل شبه مطبق بما يقول. والانكى من ذلك استنتاجه النهائي القائل، بان "الشعر ليس مبتغى في ذاته"، وان عبادات الإسلام من صوم وصلاة وغيرها يقيد خيال المرء. ومن هذه التفسيرات توصل إلى أن الدين الإسلامي قيد الشعر من الانطلاق في خياله، وان كل صور الأدب العربي نزعت إلى خدمة الأغراض الأخروية دون الأغراض الدنيوية.
وهي أحكام اقرب إلى التقليد الساذج للنزعة العنصرية في الفكر الأوربي آنذاك، المبنية على أساس التفرقة بين "الذهنية السامية" و"الذهنية الآرية". لهذا ردد إسماعيل مظهر كالببغاء العبارة القائلة بان السامية بروحها الأخروية صورت الطبع الرسيس(!) وهي عاجزة عن اقتحام ميادين الحياة وأثرت على كل من غزتهم(!) في حين أن المصريين ليسوا ساميين، وانهم من سلالات البحر الأبيض المتوسط لا علاقة لهم بآسيا(!)
وهو ابتذال سيطر على جملة من أدباء مصر آنذاك ومثقفيها، بما في ذلك العقاد (1889-1964)، الذي قال بان الآريين أقوام خيال نشئوا في أقطار طبيعتها هائلة فاتسع لهم مجال الوهم. أما الساميون فقد نشئوا في أقطار حاصبة فقويت حواسهم وضعف خيالهم. وهو سبب اتساع الأسطورة بين الآريين وضعفها عند الساميين. وعلى ذلك بنى استنتاجه القائل، بان أيما شاعر كان واسع الخيال قوي التشخيص فهو اقرب إلى الإفرنج في بيانه وأشبه بالآريين في مزاجه وان كان عربيا أو مصريا(!)
إن هذه الاستنتاجات تفند مقدماتها أو بصورة أدق فرضياتها المبتذلة. والقضية هنا ليست فقط في جزمية الحكم الذي أطلقه إسماعيل مظهر عما اسماه "بكل صور الأدب العربي" و"نزوعها كلها لخدمة الأغراض الأخروية"، بل وفي تجنيها المفرط على واقعية "خدمة الأغراض الدنيوية" "لكل صور الأدب العربي". إذ ليس هناك من شعر دنيوي كالشعر العربي (والإسلامي أيضا).
وقد كان الرد غير المباشر لعبد الرحمن شكري على هذه الآراء سليما عندما شدد على أن التعصب ضد الأديان يفقد الشاعر اتزانه وقدته الفنية الذوقية. وينطبق هذا على كل تعصب لرأي سياسي أو اقتصادي. إذ انه قد يفقد الشاعر بصيرته النفسية وذوقه ويقلل من قيمة شعره. لقد أراد القول، بان التعصب للغرب والآرية والفرعونية وما شابه ذلك يؤدي في ظل الواقع المصري والعربي آنذاك إلى فقدان الاتزان والقدرة الفنية والذوق. أما في ميدان الأحكام النظرية، فانه يؤدي بالضرورة إلى إعادة إنتاج الاستلاب والفراغ المعنوي. وهي هوة لا تصنع شعرا بل خيالا مريضا.
ولم تكن آراء إسماعيل مظهر والعقاد الآنفة الذكر سوى خيال مريض مبني على تعصب أجوف لأراء غربية غريبة بحد ذاتها جرى ترديدها دون أدنى تمحيص عقلي نقدي. إذ يكفي المرء مطالعة أي ديوان من دواوين الشعراء العرب والمسلمين الكبار ليكتشف دنيوية الأدب العربي – الإسلامي من حيث مقدماته وحوافزه وصوره وغاياته، بمعنى تعبيره عن مختلف جوانب الحياة المادية والروحية للمجتمع والفرد والثقافة ككل. ثم انه لم يكن ملزما بمحاربة الدين أو وضع الديني بالضد من الدنيوي وذلك لافتقاد هذه "الضرورة" في نظام الثقافة الإسلامية وطبيعة عمرانها (مدنيتها). فالإسلام ليس فقط دين أو عقيدة دينية، بل رؤية كونية. بهذا المعنى لم يكن بإمكانها "تقييد الخيال" أو "صد الروح الشعرية" وما شابه ذلك. بل على العكس. أنها وسعت الخيال إلى أبعاد غير متناهية، تجلت في حصيلتها بمجمل الإبداع العظيم للثقافة الإسلامية، الذي كان وسيبقى أحد المصادر الخالدة "للروح الشعرية" و"خيالها المبدع"، بفعل احتوائه على هذا الكم الهائل من النماذج الشعرية المثلى.
وينطبق هذا أيضا على ما يسمى "بضعف الخيال". فخيال المعري (الضرير) أوسع واعمق واصدق وأدق واكثر سموا وتحررا من خيال دانتي وميلتون. والإبداع العظيم هو المقيد بالقدسيات لا المتحرر منها. غير أن "القدسيات" فنون. ولا ضرورة أن يكون أيا منها نموذجا للجميع. فلكل ثقافة ومرحلة "قدسياتها". والإبداع العظيم هو القادر على بناء منظومة أو رؤية نموذجية تستمد مقوماتها من تحسس وإدراك الأبعاد الطبيعية والماوراطبيعية للإشكاليات الجوهرية للحياة والإخلاص في الإبداع للحق والحقيقة. وسواء جرى ذلك بصورة واقعية أو خيالية أو دمجهما أو بأي صورة أخرى! فالصور أعراض ضرورية لمعان جوهرية. وقيمة الواقعية والخيال وأثرهما في الإبداع الشعري متوقف على عمق وسعة التجارب الاجتماعية ومستوى وكيفية انعكاسها النموذجي في الثقافة التاريخية للأمم.
بصورة أخرى ليس الخيال والواقعية من يصنع شعرا، بل الشعر يصنعه الصراع من اجل الحرية. وان تحسس وإدراك قيمة التجانس والوحدة في الوجود والإخلاص للحق والحقيقة يصنع شعرا. ذلك يعني أن الإبداع الشعري العظيم مرتبط على الدوام بالتحسس الوجداني العميق لوحدة الخير والجمال والعدل، ووجدانهم الخالص من خلال تناقضات الوجود الحية وصورها النموذجية. وبهذا المعنى يمكن فهم بواعث الرؤية المسطحة والساذجة والمخربة لحد ما عند إسماعيل مظهر وأمثاله، على أنها بواعث البحث عن الحرية المفقودة، وليس إدراكا عميقا لضرورتها بوصفها جزءا من نظام الخير والجمال والعدل المتراكم في تجارب العرب والمسلمين. فهي التجارب الوحيدة القادرة على إبداع شعر عربي عظيم، ومن ثم القادرة على أن تعطي للخيال واقعيته، وللواقع نموذجيته بمختلف الصور الممكنة من نقد وتجريم وتحريم وكره وبغض وإعلاء شأن وتقدير وهيام وتبجيل وتقديس.(يتبع...)





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,094,616,910
- فلسفة البديل العقلاني العراقي
- الطريق المسدود للطائفية السياسية
- الطائفية السياسية: عقيدة الأفق المسدود
- الطائفية السياسية أداة الخيانة الوطنية
- الدولة العراقية وإشكالية المؤقت والثابت فيها
- محمد عبده وتأسيس الفكرة السياسية والحقوقية للإصلاح
- محمد عبده - تأسيس الروح الثقافي
- محمد عبده ومهمة تأسيس العقل الثقافي
- محمد عبده: إصلاح التربية طريق الإصلاح الحق
- محمد عبده وفكرة التدرج في الإصلاح
- الفكرة الإصلاحية عند الشيخ محمد عبده
- مرجعية الخلافة الذاتية عند محمد عبده
- زكي الارسوزي - الفكرة القومية واللغة العربية
- كراهية الإسلام
- الصراع الديني - المذهبي في المشرق العربي المعاصر
- المشرق العربي وإيران في الصراع الروسي – الأمريكي
- روسيا والصراع من أجل الشرعية في سوريا
- الإمبراطورية (الأمريكية) والجغرافيا السياسية (للعالم العربي)
- في نقد طه حسين(7)
- في نقد طه حسين(6)


المزيد.....




- فرنسا ترفع مستوى التأهب الأمني بعد هجوم ستراسبورغ
- فيديو: ما هي أهمية مدينة ستراسبورغ الفرنسية؟
- لأول مرة.. بدء ذوبان منطقة -مستقرة- في القارة القطبية الجنوب ...
- جدال وغضب في العلن.. ترامب يهدد قادة الديمقراطيين بتعطيل الح ...
- ترامب يجدد دعمه لولي العهد السعودي وغير قلق من المساءلة
- وزير الداخلية: فرنسا ترفع مستوى التهديد الأمني وتعزز الإجراء ...
- ضغوط في حزب المحافظين الحاكم لسحب الثقة من رئيسة وزراء بريطا ...
- -أنصار الله-: قتلى وجرحى من الجيش السعودي بإحباط زحفين في جا ...
- وزير الخارجية الفرنسي: سيتم منع المظاهرات في -ستراسبورغ- مؤق ...
- وزير الداخلية: فرنسا ترفع مستوى التهديد الأمني وتعزز الإجراء ...


المزيد.....

- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - الشعر ولغة الشعور الذاتي العربي(1-3)