أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - إلِكْترا: الفصل الرابع 3















المزيد.....

إلِكْترا: الفصل الرابع 3


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5870 - 2018 / 5 / 12 - 03:41
المحور: الادب والفن
    


جمدَ المشهدُ خارجَ أعماقها المتألمة، والملتهبة بشعور الجزع، فلم تعُد تميّز كائناته من موجوداته. بلحظةٍ واحدة، كالومض، تجسّدت صورةُ الشاعر في مخيلتها، عذبة حيية؛ تنتمي للحياة بكلّ ما فيها من جمال وقبح، خير وشر، رفعة ووضاعة، أصالة وزيف، طهارة وفحش.. حياة، لعلها تبتعد عنه رويداً مثلما نأى بنفسه عن سفاسفها وقشورها ومظاهرها. ثم انتبهت إلى يدٍ رقيقة، تربت برفق على كتفها. كان " آلان "، المتطلع إليها بعينين يغشاهما حزنٌ واضح، بينما يومئ لها برأسه إلى الناحية المقابلة. تابعت عيناها إيماءته، لتبصر الجماعة على الطرف الآخر من الشارع. لوّحت لها " سميّة " بيدها، وما لبثت أن تبادلت نظرة مواربة مع ابنة الخالة.
على حين فجأة، أنفجرَ في سمعها الصدى القويّ لمياه الوادي، المنحدرة في مجراه مصطدمةً بالصخور. أنفتح عندئذٍ المشهدُ لعينيها مجدداً، مزدحماً بالجلبة والحركة. كان اليوم عطلة نهاية الأسبوع، مما ضاعف عدد المتنزهين وفيهم بعض السيّاح الأجانب وزوّار من المناطق البعيدة. تكلم سكرتيرها، فيما كانا يهمّان بعبور الشارع وسط الغبار ودخان الشواء: " أتمنى أن يستعيدَ الشاعر عافيته، وأن أحظى بمعرفته عن قرب. لقد قرأتُ له أكثر من كتابٍ، فأعجبني شعره وفكره على حدّ سواء. يحقّ لمراكش أن تفخرَ به كأحد أعلامها المبدعين، النادرين ". انكفأ رأسُها ببطء، إشارةً إلى موافقته الرأي. وكانت قد استعادت زمامَ نفسها، فيما خطواتها تتسع للحاق بالآخرين ممن أضحوا سلفاً داخل المطعم ـ المقهى. وكان هوَ المكان ذاته، الذي اعتادوا على ارتياده كلّ مرة أثناء زياراتهم الجماعية للمنتزه.
كانوا هنالك قد أخذوا أماكنهم حلف طاولةٍ عريضة، مطلّة على الوادي بارتفاع لا يتجاوز المترين. الوادي، امتلأ بالحصى الناصع، المستقر تحت الماء ككنز من الفضة الثمينة.. الفضة، التي يقدّرها الأمازيغ أكثر من الذهب، لخصلةٍ فيهم ما تفتأ مجهولة إن كان لدى مواطنيهم أو الأجانب. وهيَ ذي إحدى اللواتي ينتمينَ للفئة الأخيرة، تدلف إلى المكان مع سكرتيرها. أفسحوا للسيّدة السورية مكاناً بجانب الطبيب؛ هوَ من أفضى إليها مذ برهة بالخبر المشئوم. كان قد فعل ذلك، وكأنما الخبرُ يخصّ شخصاً من عالمٍ غريب. لقد فكّرت " سوسن خانم " في الأمر، فيما بعد بطبيعة الحال. إذاك، قدّرت أنه عارضٌ يُنبئ بخَرَف العجوز.. أو أنهما، كشقيقين يفصل بينهما أعوامٌ كثيرة، لم يكونا على انسجام لناحية العقلية والمسلك.

*
فيما بعد أيضاً، أنصتت مع الآخرين لقصة الساعات الأخيرة من حياة الشاعر. كانت حينذاك قد قدمت إلى الفيللا، بغيَة تقديم العزاء للعجوز بشقيقه الأصغر. ولأن المغاربة لا يهتمون بعادة مجالس التعزية، فإنّ الخانم تساءلت هناك ما إذا كان بالوسع دعوة الرجل للحضور. فما عتمَ الطبيبُ " عبد المؤمن " أن جاءَ على وجه السرعة، ليقتحمَ الصالة برائحة عَرَقه المنبعثة من كل أطراف جرمه الضخم. بدا أنه لم يلحظ وجودها في بادئ الأمر، أو خلط بينها وبين " زين ". إذ أقترب من هذه المرافقة بإعياء، ماداً لها كفّ الضفدع البارد اللزج: " أشكركِ يا سيدتي، لأنكِ تجشمت مشقة المجيء كي تواسينني برحيل أخي و.. الحق أنني، سعيد بمعرفتك أيتها الشابة اللطيفة..! "، نطق جملته الأخيرة بشيء من الخجل وقد أدرك خطأه. هنا، أشارت له " سميّة " بيدها إلى الوجهة الصحيحة وهيَ تكبت ضحكة منتفخة في فمها.
في حضرة الرجل العجوز، استعادت الخانم ما قرأته عنه قبلاً في مذكرات " شيرين " لناحية تناقض شخصيته؛ حيويته في النقاش السياسيّ، وفي مقابل ذلك، شهوته الجنسية المستعرّة. أما الآن، وبعد سنوات ثلاث حَسْب، يُمكن القول أنه باتَ حطامَ انسان. حتى حركته أضحت ضعيفة، تحتاج لمساعدة في أوان صعود الأدراج ونزولها. شكله أيضاً لاحَ أنه تغيّرَ، ولو أنه ما أنفكّ محتفظاً بكرشه الكبير. إذ غارت عيناه وهزلت وجنتاه، مما جعل أنفه يستطيل كحال الطاعنين في السنّ. وكان يخفي صلعه بقبعة أفرنجية مستديرة، متدلية من تحتها خصلات شعر متبقية على جوانب رأسه، حرصَ على صبغها بالحنّة السوداء. بيْدَ أنّ العجوزَ ظهرَ أكثر تأثراً، حينَ حدثهم عن تلك الساعات السابقة لرحيل شقيقه الأصغر:
" كان ‘ المهدي ‘ في حجرة العناية المشددة، ثمة في مدينة طنجة. فإنّ الأطباء اتفقوا على عدم جدوى نقله لمستشفى خاص في الرباط لما يُمكن أن يسببه السفر من خطورة على حياته. وليسَ مستبعداً، كما أتضحَ لاحقاً، أنهم يئسوا من إمكانية إنقاذه. على ذلك، بعثوا وراء زوجته كي تحضر مع أولادهما من مراكش. قبيل وصولها، كان أخي المسكين يهذي مكرراً اسم امرأة بعينها ‘ شيرين، شيرين! ‘. فلما وصلت.. امرأته. ماذا كان اسمها؟ نعم، وصلت للمستشفى أخيراً! جلست على طرف السرير، ثم هزت رجلها من كتفه. كان مستديراً بوجهه إلى الجدار، فلما أحسّ بالمرأة إلى جانبه، فإنه ألتفت إلى ناحيتها وقد أشرق وجهه سعادةً.. مع أنّ بدنه اهتز بشدة، حتى أن الطبيبَ كادَ يُخرجها من الغرفة. ولكن المسكين، وكان يحتضر، لم يدَع يدها أبداً. راح يخاطبها من خلال دموعه: ‘ سامحيني لأنني أسأت لكِ، أنتِ.. أنت الفتاة الطيبة الطاهرة.. ‘. ثم أردفَ مستجمعاً قواه، ليعيد جملته نفسها مشدداً على المفردات الأخيرة. كان مُسْتغرَباً بالنسبة لامرأته أن يكلمها الزوجُ بهذه الطريقة.. ولو أنهم أخبروها، سلفاً، بكونه على فراش الموت. المسكينة، لم تكن لتعلم حينئذٍ أنه يتصوّرها حبيبته تلك، السورية، التي كانت قد سافرت قبل ذلك إلى.. إلى.. إلى السويد! ".
أسبوعان على الأثر، وجاء دَور شقيق زوجة الراحل، " الأستاذ محمد "، كي يُدهش الخانم بمعلومة أكثر جدّة فيما يخصّ صديقها الراحل. أتصل بها هاتفياً، راجياً إياها إعطائه عنوان " فرهاد " في السويد. كان الرجل قد قرر الهجرة مع أسرته إلى تلك البلاد، مدفوعاً من قبل شقيقته بالدرجة الأولى. على أيّ حال، اعتذرت " سوسن خانم " لعدم معرفتها عنوان صديقهم القديم. ولكنها أخبرته عن الرسالة الأخيرة، التي وصلتها منه على عنوانه في موسكو وكان قد أفاد فيها بعزمه على السفر للسويد وأنه سيبدأ من هناك بإرسال نقوداً للأسرة الكريمة، الراعية لابنته. في سياق الحديث، تطرقت الخانم إلى فجيعة رحيل صديقها الشاعر: " لقد صادفَ أن التقيتُ مع شقيقه الكبير عند تلك الأسرة الكريمة، وهوَ من قصّ علينا الساعات الأخيرة من حياته في المستشفى.. ". وإذا به يقطع كلامها، قائلاً بنبرة ساخرة: " العجوز، على غالب الظن، يعاني من الخَرف! فإنّ المهدي، رحمه الله، وُجدَ ميتاً صباح ذلك اليوم، هناك في مقر إقامته الفندقية. والوفاة، كانت نتيجة نوبة قلبية حادة ".





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,911,351,186
- إلِكْترا: الفصل الرابع 2
- إلِكْترا: الفصل الرابع 1
- إلِكْترا: الفصل الثالث 5
- إلِكْترا: الفصل الثالث 4
- إلِكْترا: الفصل الثالث 3
- سماءٌ منشقّة
- إلِكْترا: الفصل الثالث 2
- إلِكْترا: الفصل الثالث 1
- هيتشكوك المصريّ؛ مقاربة لأحد أفلامه
- إلِكْترا: الفصل الثاني 5
- إلِكْترا: الفصل الثاني 4
- إلِكْترا: الفصل الثاني 3
- إلِكْترا: الفصل الثاني 2
- إلِكْترا: الفصل الثاني 1
- إلِكْترا: الفصل الأول 5
- إلِكْترا: الفصل الأول 4
- إلِكْترا: الفصل الأول 3
- إلِكْترا: الفصل الأول 2
- إلكِتْرا: الفصل الأول 1
- ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل العاشر 5


المزيد.....




- وفاة الكاتب الأردني خيري منصور
- تفاصيل مثيرة... أول تسريبات من كتاب الممثلة الإباحية عن علاق ...
- مصر.. اختفاء مفاجئ لتمثال غربي الإسكندرية
- -الكتاب الأخضر- يتصدر -تورونتو- ويستعد لـ -الأوسكار- (صور+في ...
- وفاة الكاتب الأردني خيري منصور
- صدور الترجمة العربية لرواية «حكاية تالا»، للكاتب الفلسطيني - ...
- أزياء النجوم تزين حفل جوائز إيمي 2018
- مجلس النواب يحدث لجنة موضوعاتية مكلفة بتقييم التعليم الأولي ...
- #ملحوظات_لغزيوي: قصتي (نا) مع الحريك !
- بعد الروسية.. هل يحصل ديبارديو على الجنسية التركية؟


المزيد.....

- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - إلِكْترا: الفصل الرابع 3