أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نادية خلوف - سجن الرّوح-23-















المزيد.....

سجن الرّوح-23-


نادية خلوف
الحوار المتمدن-العدد: 5867 - 2018 / 5 / 8 - 20:51
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يرحلون وأبكيهم، وعندما يعودون لا وقت لهم كي يعرفوني من جديد، فزيارتهم قصيرة لا تكفي إلا للغرض الذي أتوا من أجله، وفي أغلب الأحيان يكون القصد من الزّيارة الالتقاء بفتى أو فتاة إن كان الشّاب أو الفتاة عازباً أو مطلّقاً، وبعضهم يفتح أعمالاً. ينسون لأنّ البيئة تغيّرت ، والحديث عن الحياة اختلف ما بينهم وبيننا، فلكل مكان هموم مختلفة. أصبح الرّابط ضعيفاً لا يتجاوز السلام الجيّد. أيضاً.
كنت في تلك الأيّام التي مضت بلمح البصر، ولم نفهم منها شيئاً. أؤمن أنّ الوطن لا يعوّض، كما كنت غارقة بحبّه – أعني الوطن- بشكل سطحي دون أن أعرف شيئاً عن معناه، وأن الوطن الحقيقي هو الذي يحميك ويحمي حقوقك.
لم أكن أعرف أعرف أبعاد قضيّة السّريان في القامشلي، و لا أنّهم هربوا من المذابح في تركيا. رغم أنّ أمي ربتها سيدة أرمنية كونها كانت يتيمة الأم. كنت أعتقد أن الأرمن فقط هم من تعرّضوا للمذابح. كان عقلي مبرمجاً على إيديولوجية معينة ،وغير مقتنع بما هو مبرمج عليه ، لكنني قفلت عليه بمسامير من فولاذ، فيه نافذة صغيرة فقط مفتوحة على العالم الخارجي. الضّغط الذي كنت أشعر به لو بحت بما أريد وما لا أريد سوف يقع كالصاعقة على رأس من أحبّ .
كنت محتارة من سبب هجرة أصدقائي، وآسف لأنّهم لم يستوعبوا أن مغادرة الأماكن موجعة. أبكيهم لليلة كاملة عندما يغادرون، وبعضهم يعود، ولا كأننا عرفنا بعضنا البعض يوماً. عندما عادت جارتي في زيارة بعد اكتسابها الجنسية الألمانية كي تزوج بناتها. رأيت الفرق. كان يبدو على وجوههم النّعمة. سألتها: ماذا تعملين الآن في ألمانيا؟
قالت: أعمل عملاً محترماً. إنّني عاملة نظافة أعيش من عرق جبيني، يحترمني النّاس. لم أعقّب على الأمر، وفكرّت فيما بعدز هل يمكن أن أعمل عاملة نظافة في أيّ مكان من العالم، وأنا محام، وأحمل شهادة جامعيّة، ومناضلة من أجل حقوق المرأة؟
أتاني الجواب على الفور: لو حذفت تلك الصّفات فأنت لا شيء. المحاماة ليست كما كانت في السابق لمن يجيد الترافع وفهم القانون، إن لم تكن لك علاقات مع الأجهزة الأمنيّة بالدرجة الأولى تقاسمينهم الغلة فأنت لست محامية. أما الشهادة الجامعية فقد نلتها بسبب الفراغ. لماذا يدرس الطلاب؟ يدرسون أملاً في الحصول على عمل، وكنت تمارسين الحلم والخيال بأنّك سوف تمتهنين القضاء، فلا أصبحت قاض، ولا كان دخلك كمحام يكفي. اقتنعتُ على الفور أن ممارسة عمل ما بأجر ربما يكون من أفضل الأشياء كي لانقتل وقتنا فيها ببرمجة الفراغ بين النّضال السّياسي-الفارغ-والمناقشات العقيمة.
. . .
سوف أتحدّث عن مرحلة الثمانينيات حيث أرسل الكثير من الشباب السّريان إلى الخدمة الإلزامية ومن ثم إلى المشاركة في الحرب اللبنانية ربما تحت عنوان ضد إسرائيل من خلال قتل المسيحيين، وربما اللبنانيين ، كما يحدث في سورية اليوم حيث يقتل السّنة للخلاص من الإرهاب وكنضال في سبيل القضيّة الفلسطينيّة، ولا أعرف إن كان الأمر مقصوداً أن يرسل السّريان إلى لبنان كي يموتوا، لكنّني حضرت بعض المآتم ومنها مأتم جارنا لحدو ابن أبو الياس، ومن ندب النساء فهمت بعضاً منعمق الكارثة.
ومع أنّ بعض السّريان كما بعض الأكراد ، والعرب يتبوؤون المناصب حيث كان الحديث الشّائع في القامشلي أن المدير يجب أن يكون علوياً، ونائب المدير سريانياً. لكن للحقيقة وجه آخر، فقد اتهم السّريان بأنّهم موالون للكتائب اللبنانية والجميع اتهمهم -معارضة الجبهة، أو المعارضة القومية - وبما أنّ الكتائب خونة فإن المسيحيين بشكل عام والسريان بشكل خاص أيضاً خونة، وهذا المفهوم الاجتماعي لا زال سائداً، وربما بشكل أكبر الآن.
هذا ما عرفته في تلك الفترة، وربما كان بعض المسيحيين يعملون مع الكتائب كون الحرب طائفية، وكونهم متواجدون في لبنان، وكون المليشيات سواء كانت مسلمة، أو مسيحيّة تستقطب الفقراء. هي عمل بمقابل، بالنسبة لي أحترم آل الجميل، وثقافة من سمعت حدسثهم على الشّاشات يومها. من قبل الأحداث لكنّني لم أكن أجرؤ على قول ذلك. كنت سوف أقتل كخائنة.
آخر المهاجرين الذين ودّعتهم كانت عائلة أبو الياس، اعتبرت في تلك المرحلة أنّني فقدت عائلتي حيث كنت أزورهم يومياً برفقة أولادي، وهم يرحّبون بي، لم أصدّق الأمر وأصبت بالحداد لأشهر.
. . .
عندما ضاقت علي الحياة، وتمّ حصاري. كنت أبحث عنهم- أعني أصدقائي السّريان-وأمنّي نفسي بمنقذ منهم، لكن عندما ألتقيهم لا أطلب المساعدة، فعزّة نفسي جعلتني أحرم من كثير من الأشياء الجميلة. هو في النّهاية جمود وليست عزة نفس.
بدأت أسأل نفسي: كيف عرفت تلك المرأة السّريانيّة أن سورية مكاناً غير صالح للعيش؟ وكان الجواب من أصدقائي حيث قالوا أنّ أقاربهم من الطرف التّركي هم من ساعدوهم، وشجعوهم بسبب تواجدهم الطويل في الغرب. وقد كانت هجرة أغلب السّريان السّوريين من لبنان كلبنانيين متضررين من الحرب، ولم يبرزوا جوازات سفرهم السّورية بل مزّقوها بمجرّد وصولهم.
طبعاً عرفت في وقت متأخر لماذا كان أحدهم متنفّذ في سورية ،ويملك مجموعة دكاكين، وثري . غادر بين عشيّة وضحاها. إنّه الخوف من المستقبل.
وكما أنّ لسريان هاجروا أيام الحرب اللبنانية. كذلك هاجر الأكراد السوريين في التّسعينات مع الأكراد العراقيين، ومن المفارقات أن أحد أصدقاؤنا الأكراد، وكان عامل بلاط يصنّف على أنّه مهزوز الشخصيّة من قبل أصدقائه. هاجر إلى هولندا، حيث عمل مع نحّات هولندي، ويبدو أنّ تصنيفه كفنان لم يتأخر، وقد أتى وقت انتفاضة الأكراد في القامشلي ومعه كاميرا من أحدث الأنواع، فاعتُقل وهو يصوّر المتظاهرين، لكنّ الحكومة الهولندية تدّخلت وأخرجته فهي لا تسمح باعتقال أحد مواطنيها.
كان نزيف الهجرة مستمرّاً عند السّريان والأكراد بينما العرب يذهبون إلى الخليج.
والحياة تتراجع مع خلو القامشلي من يهودها ومغادرة أغلب سريانها. إلى أن وصلت إلى ماهي عليه فيما بعد ، وأصبحت الحياة -بالنسبة لي- مستحيلة فيها حيث شعرت بالحصار المادي والمعنوي فغادرت إلى دبي.
. . .
هناك عداء معلن للأكراد من الدّولة ، فهم خونة انفصاليون في كل الأزمنة والعهود، ، لكن العداء للسّريان خفيّ، كما الفيروس يصيبك بالعدوى فأنت في النهاية تتبنى أفكار الطّبقة المنتجة للحكم، وتلك الصّداقات عند الفئات الحزبية لا علاقة لها بالواقع، وحتى في الحزب الشيوعي كان يشار إلى السريان بأنهم اشتركيون ديموقراطيون وليسوا شيوعيين. ، وليسوا أشداء، ولا يستطيعون مخالفة أمريكا.
علاقات المصالح لا تنتهي، والكثير من السريان والعرب المهاجرين لديهم شركاء ومصالح في دمشق وهم يتشاركون في الرّبح ولا يخفون تعاطفهم مع الأسد- رغم أنّهم غادروا كي لا يقتلوا تحت مسمى خائن، لكنّهم اليوم في الغرب في أمان، وأؤلئك الذين يقيمون شراكات معهم كانوا يقيمونها يوم كانوا في سورية أيضاً، لكن الآية عكست فقد كانوا يحتاجون لرضا النّظام كونهم يعيشون على الأرض، والنظام اليوم يحتاج لرضاهم ويقدم لهم التّسهيلات. الوضع عند الأكراد مختلف ، بغض النظر إلى إيديولوجية الأحزاب. أغلب الأكراد هم ضد نظام الأسد ببساطة لأنّ الأسد حرمهم من حقوقهم جميعها وقتلهم في كلّ المناسبات.
. . .
في ذلك الزمان العبثي نسيت أجمل الأشياء
أجمل ما في الحياة "الحبّ"
لم تكن ليالي دافئة ، كانت مكشوفة مفضوحة
كنت فدائية في سبيل لا شيء
السّياسة. تسرق عمرك
لم أخلق إلا للحبّ، كان حبّي كبيراً
لم أتجرّأ على البوح به يوماً
نعم. كنت أتمناه، وكان يرغب بي
علاقة مستحيلة بين عقيدتين
لا مشكلة لي لو انتميت لمن أحبّ
ولا مشكلة لديه لو انتمى لي
المشكلة في ذلك التّخلف الذي نعشقه
قتل دفاعاً عن الوطن
قتلت على مرّ الأيّام
كان يعرف عدد دقّات قلبي
كم بكينا قبل الوداع
وكم كان المستحيل كبيراً
المستحيل هو الذي يحكم تخلّفنا
نسير خلفه كهدف سام
ويمدّ لسانه لنا. قضايانا دائماً برسم المستحيل. . .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,044,855,883
- عصر سقوط النجوم
- سجن الرّوح 22
- من القصص الإنسانية
- في يوم الصّحافة
- سجن الرّوح-21-
- حركة نورديا النازية في شمال أوروبا هي معاون مطيع لروسيا
- سجن الرّوح -20-
- شجن الرّوح-19-
- المرأة خاطئة إلى أن يثبت العكس، واليوم تثبت العكس
- الحكم على بيل كوسبي
- سجن الرّوح -18-
- هذا الإرهاب ليس داعشياً.إنها مجموعة إنسيلز الكارهة للنساء وا ...
- سجن الرّوح-17-
- هل وسائل التواصل تكفي لبناء ديموقراطية ؟
- أمريكا تبحث عن مخلّص
- سجن الرّوح -16-
- سجن الرّوح -15-
- هل يوجد احتمال نشوء حرب عالميّة ثالثة؟
- سجن الرّوح -14-
- اجتماع مجلس الأمن غير الرّسمي في السّويد


المزيد.....




- مباني -جنيات- غريبة الأطوار تظهر في أنحاء جزيرة بريطانية
- ميركل تؤيد فكرة إنشاء جيش أوروبي موحد
- اجتماع لمجلس الأمن الدولي لمناقشة تطورات أعمال العنف في غزة ...
- ترامب يغرد ويتهكم على مقترح ماكرون ببناء جيش أوروبي
- اجتماع لمجلس الأمن الدولي لمناقشة تطورات أعمال العنف في غزة ...
- -محتجز في وظيفة لا أحبها-.. كيف تتعامل مع أزمة ربيع العمر؟
- ترحيب أممي بالتهدئة في الحديدة وبريطانيا تعلن نقل عشرات الجر ...
- بولتون: تسجيلات مقتل خاشقجي لا تشير لتورط محمد بن سلمان
- مصر: أحكام مخففة ترسخ إفلات الشرطة من العقاب
- الحريري يتهم حزب الله بعرقلة تشكيل الحكومة


المزيد.....

- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نادية خلوف - سجن الرّوح-23-