أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس علي العلي - من مذكرات جندي على ساتر الحجابات....ح2















المزيد.....

من مذكرات جندي على ساتر الحجابات....ح2


عباس علي العلي

الحوار المتمدن-العدد: 5867 - 2018 / 5 / 8 - 13:38
المحور: الادب والفن
    


رشيد الذي عرفت حكمته اليوم متجلية تماما بالرغم من أنه كان على الدوام يأخذ الأمور بالهزار والكذب المتعمد، كان يكذب ويؤلف الحكايات العجيبة ليجعل ممن هو حوله في عالم أخر من النسيان وتجاوز كل منغصات الحياة وما أكثرها، حسم الأمر بكلمة واحدة وهو يضع أبريق الشاي على (الجولة) وقد أخرج علب البسكويت والجبن الكرافت من صناديق أعاشة الطوارئ المكدسة في زاوية الملجأ، قالها بوضوح سيد حمزة لا يمكنك أن تخرق سفينتنا بقرارك لوحدك رصاصة واحدة تكفي لأنهي نزاع القوم كما أنهى حرملة ذلك الأمر أجلس وكن عاقلا وإلا لا يمكنك أن ترى الشمس ثانية.
لأول مرة يسود الهدوء موضعنا وعادت بعض القفشات الجميلة من رشيد وحواس تدفعنا للتشبث بالأمل وقررنا جميعا بعد أن اقسمنا على المصحف أن لا نتخذ قرارا فرديا فحياتنا ومستقبلنا أكبر من رغبة فرد أو عدة أفراد، وضع رشيد جدول المناوبة كل ساعتين على شخصين لتكون ثلاث وجبات مهمتنا أولا رصد الجوار وثانيا التنبيه بعدم لفت نظر أي شخص لتواجدنا هنا بأي ثمن، ولأني كنت قد أستغرقت بالنوم طويلا فقد كنت أول من أستلم الواجب ومعي ناجي النجار من الساعة الثامنة حتى الساعة العاشرة، على أن تكون الوجبة الثانية سيد حمزة ورشيد والأخيره حواس ورفيق رحل لاحقا في مكان أخر لم يك أحد يتوقع أنه مصيدة موت، إنه كاظم المعيدي أكبرنا سنا وقد ألتحق بفوجنا متأخرا، كاظم كان بكاءه المستمر على بناته السته فهو لم يملك في الوجود غير محل صغير أستخرجه من داره ليتدبر به رزقه، في بيته لا تجد رجل أخر فقط أمه العجوز وزوجته وبناته.
أنتهى الواجب وأنصرف ناجي وطلبت منه أن لا يوقظ حمزة بل يستدعي رشيد فقط فما زلت أستطيع البقاء بالواجب وحمزة متعب ومرهق ومتوتر نفسيا، دقائق حتى جاء رشيد وهو يبتسم قال أعرف أنك لم توقظ حمزة حتى تأمن أنه لا يفعلها، إني أشاركك الهاجس وأخاف منه فلا تغرك لمحة الصمت التي هو عليها إنه ما زال يفكر بتسليم نفسه، ليس جبنا ولكنه ليس لديه شيء يخسره فهو في جميع الحالات يظن بنفسه أنه فرد زائد في المجتمع، حتى في بيته وبين عائلته لا يتمتع بأدنى أهتمام، إنه مهزوم من الداخل، أستغرقنا في أحاديث كثيرة شرقنا وغربنا وأتفقنا على أكثر من فكرة بعد نجاتنا من هذا الحال، فهو صديقي وأيضا من نفس منطقتي فبين النجف والكوفة ليس هناك مسافة تذكر، نقضي أكثر الأيام في الأجازة مع بعض، كلما أطلب منه أن يحلق لي شعري هنا في الفوج فيعتذر ويقوللا أسمح لنفسي أن أجلسك على (التنكة) وأنت محامي قد الدنيا، وعندما نذهب في الأجازة وأطلب منه ذلك في المحل فيعتذر أيضا ويقول أحلق لشخص بدينار أفضل من أن أحلق لك أنتظرني حتى ينصرف الزبائن.
تعدت الساعة الثانية ليلا وما زالت الرمايات متقطعة ونرى من خلال فتحة الرصد أنوار بعيدة بفضل أنفجارات القذائف ورمي المدافع البعيدة، بين فترة وفترة نسمع أصوات عجلات عسكرية تمر جيئة وذهابا وأصوات الدراجات النارية التي تذهب وتجئ أكثر، أنهم حرس خميني البشعين، هؤلاء كتل متحركة من العقد والحقد على كل ما هو عراقي وما هو عربي، إنهم معبئون بالكراهية وقد سدت لديهم أي فكرة يمكن أن تستشف منها إنهم بشر ومسلمون وعلى ذات المذهب الذي نعتنق، وحوش كاسرة ليس أمامهم غير الموت وخلفهم الموت أنهم جند الله الذين يزرعون الفناء في الأرض كما يقولون يطلبون الثارات من الضحايا البسطاء، نهض رشيد لينام فقد أستهلكنا واجبنا وواجب الذي خلفنا، ما زلت أشعر بقدرة على البقاء في الواجب والحقيقة أن التوتر أخذ مني كل رغبة حقيقية بالنوم، سألني من تريد أن يكون رفيقك، سعد نعم أنه سعد فقد ثار في بالي مجموعة أسئلة وإشكالات فكرية تتعلق بالحياة والفناء وبحاجة إلى رفيق فيلسوف لنقضي بقية الليل.
لم يك سعد بمزاج مناسب فقد جاء ومعه جهاز الراديو ملتصقا بأذنه يكاد أو يكاد أن يسمع صوته، جلس لأكثر من عشر دقائق صامتا ومصغيا لما يبثه الجهاز ثم أقفل الجهاز وتركه جانبا وقال، تعرف يا صديقي أن كل التحليلات والأخبار التي أسمعها الأن لا توحي بأمل لنا في عودة قطعاتنا فما زال التقدم الإيراني صوب شرق البصرة مستمرا والإنكسار اللا مبرر للقوات العراقية مستمرا، لإنهم على بعد بضعة كيلومترات عن البصرة وفي تقديري أن ما بيننا وبين أقرب قطعات عراقية لا يقل عن خمسة عشر إلى عشرين كيلو متر، الأمر في غاية الغرابة أننا ننتظر معجزة في الوقت الذي ترسم فيه الوقائع أستحالة منطقية على الأقل في الوقت الحاضر أن يأت أحد لنجدة ستة أفراد والبصرة مهددة بالسقوط في أي لحظة.
كان وقع الكلام عليا كالصاعقة تماما فقد عرف عني أني سريع التشاؤم سريع التفاؤل في مثل هذه الأحداث، الحل يا صديقي.... لا حل ولا معجزة ولا قانون ولا منطق يبرر بقائنا هنا ولنفترض أننا بقينا لعدة أيام ستنفذ كل الأرزاق والماء أهم ما ينقصنا بالرغم من أن رشيد نجح بجلب (جلكانين) من موضع قريب، قد يكفينا ليوم غد .... وبعدها.... لم أملك جواب ولكن هناك حدس قوي يعتريني برغم حالة الأحباط واليأس أن هناك فرصة لربما يبعث الله لنا غرابا أو حمامة ترينا كيف نتدبر أمرنا، حاولت مرارا أن أخفف من يأس سعد أو أجره لحديث أخر كان الرجل عنيدا جدا فقد تلبسه اليأس القاتل.... صمت طويل مر على وجودنا مع بعض، أرى القلق ظاهرا في كل حركاته وهو يدخل ويخرج وأحيانا يخرج من الموضع كاملا، فقد كنت أخشى أن تثير حركاته أحد بالقرب منا أو لبما ترصدنا المناظير الليلية.
كان مفعول القسم على المصحف صامدا ومرت ثلاثة أيام علينا ونحن الأن في اليوم السادس والعشرون من شباط دون أن يختل توازننا مع بدء نفاذ الماء والأرزاق، لقد خرج كاظم ورشيد أكثر من مرة للبحث عن ماء أو أي شيء أخر في المواضع المجاورة أو القريبة برغم من خطر شبكة الألغام أو نتعرض للكشف، الغريب أن أصوات القرب بدأت مرة أخرى تقترب منا رويدا رويدا وحركة العجلات والدبابات الإيرانية تزداد عنفا، جلس رشيد في مكان الرصد ليحلل بأعتباره الأفهم من عسكريا وقد خدم قبلنا في الجيش مرتين، في منتصف الظهر بدأت النيرات تتجاوز موقعنا بأتجاه الشرق وبكثافة بل وأن حركة غير مشهودة سابقا لعجلات الأنقاذ والأسعاف تمر مسرعة بأتجاه الأراضي الإيرانية، طلب منا العريف رشيد أن نجتمع ومن كان نائما تم إيقاضه، أعد الشاي كما في كل مرة وأحضر أخر وجبة بسكويت وجبن ليكون حسب ما يقول أنها الوليمة الأخيره، سعد عقب على كلامة أنه الغداء الأخير للسيد رشيد.
أنهى الجميع مراسيم الوليمة بأنتظارالمخطط العسكري ورئيس أركان الحضيرة العريف رشيد عما في جعبته من حديث، رأيت في وجه رشيد شيء ما قد يكون قرارا مهما أو ربما أنه قد حلم ليلة أمس بشيء يريدنا أن نستمه له، قال في البداية أظن أننا الآن أمام خيار واحد لا بد أن نستجيب له وبيننا قسم، أما أن نذهب جميعا للحياة أو نذهب جميعا لطريق الأخر، حسب قرائتي لما يجري حولنا علينا أن نتوقع أما هجوم عكسي اليوم ينقذنا من هذا السجن الأنفرادي أو ننهي هذه المهزلة بقرار ما أما أنا فقراري القتال بثلاثين رصاصة أو أموت بواحدة منها لكن لا يمكنني أن أقبل الأسر، سيد حمزة قال أنا قلت لكم لا فائدة من أول الأمر لنسلم أنفسنا بأي حال فقد نجد فرصة للنجاة بعيدا عن شظايا القنابل والقنابر، سعد صامت وكاظم يبكي وناجي الوحيد الذي تغير لونه نحو اللون الأصفر المخضر، أنا صامت... قلت في نهاية المطاف لننتظر المساء فأمامنا ساعات للتفكير.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,364,615,066
- أيام على شط السوارية... ذكريات لا تنسى
- بيان التجمع المدني الديمقراطي للتغير والأصلاح
- ملاحظات على الفتوى الصادرة من مرجعية النجف حول موضوع الأنتخا ...
- تجريد العقل كأداة للتوافق بين الدين والعلم
- إشكالية تحرير الفكر الإنساني من الزمان والمكان
- طريق الفلسفة طريق الإنسان للكمالات العقلية
- الفلسفة بين ماضيها ومستقبل مفتوح على اللا حدود
- هل يفلت العقل من الحدود المنطقية التي يتبناها؟
- مقاربات في مفاهيم التاريخية وحركة الزمن
- نداء إلى غريب في وطنه
- نظرية تكامل المعارف في صنع واقع الإنسان
- من أناشيد الفقر
- ولادة الإنسان الفطرية بين العقل والإيمان ح1
- ولادة الإنسان الفطرية بين العقل والإيمان ح2
- من مذكرات جندي على ساتر الحجابات....ح1
- أبتهالات في حضرة اليأس
- مسارات الصيرورة المجتمعية ودور القائد الملهم _ مجتمع المدينة ...
- الشخصية العربية وروح التنازع
- ما بين المقدس والمنجس ضاعت القيمة المعرفية للفكرة المثالية.
- الدين والتدين مفهوم دائر بين النكوص والتعارض ح1


المزيد.....




- رغم قرار الإيقاف.. -القاهرة والناس- تذيع حلقة جديدة من -شيخ ...
- جلال الدين الرومي.. ملهم العاشقين وحكيم الصمت
- رئيس أوكرانيا يستعيد دور الممثل الكوميدي للحظات
- نزار بركة من بيت الصحافة: -المغاربة ماعرفينش فين ماشين مع هذ ...
- ولد سلمي : المجتمع الدولي في المراحل النهائية لاذابة البوليس ...
- بسمة وهبة تؤدي العمرة بعد ساعات من طلاقها -شيخ الحارة-
- منظمة تاماينوت تستنكر استمرار العبث التشريعي في حق الامازيغي ...
- شاهد.. نشر مقطع فيديو من جزء ثان لفيلم -الجاذبية- الروسي
- -لعنة- زواج ياسمين الخطيب تقصم ظهر-شيخ الحارة-
- فيلم فلسطيني يحقق فوزا كبيرا في مهرجان كان


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس علي العلي - من مذكرات جندي على ساتر الحجابات....ح2