أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عباس علي العلي - ما بين المقدس والمنجس ضاعت القيمة المعرفية للفكرة المثالية.















المزيد.....

ما بين المقدس والمنجس ضاعت القيمة المعرفية للفكرة المثالية.


عباس علي العلي

الحوار المتمدن-العدد: 5858 - 2018 / 4 / 27 - 17:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ما بين المقدس والمنجس ضاعت القيمة المعرفية للفكرة المثالية.


الفكرة المثالية العقلية من خصائصها الذاتية قدرتها على فرز قراءات مختلفة لأنها أساسا نتاج عقلي غير محكوم بقانون حدي مثل القاعدة العلمية، وإن كانت الأخرى قابلة بالقوة على ذلك لكنها محكومة دوما بالبرهان والمنطق الذي لا يقبل تعدد ما ولا تستقيم مع تعدد النتائج المتبناة على البرهان إلا في حدود ما تصح تجربته بظرف أخر ووفق قواعد جديدة، من هنا صارت الأفكار المثالية معرضا حقيقيا لكل ما يمكن أن تفرزه نتائج القراءات العقلية الذوقية لتعدد صور التعقل وتعدد صور اليقين العقلي تبعا لذلك.
فمهما كانت الفكرة المثالية ناضجة ومحكمة بالمنطق يبقى العقل الإنساني يستطيع الدوران حولها لينظر لها من زواية ذاتية خاصة به بعيدا عن كون المضوع يحتمل الأختلاف أو لا يحتمل، الأخلاق والقيم والعقائد والأداب والفنون كثيرا ما ينشأ فيها هذا التنوع الذوقي العقلي، وكثيرا أيضا ما يتباعد الخط المشترك بين العقول في فهمها طالما لم يكن لدينا معيار قاسم أو قاعدة مشتركة قياسية في ذلك، هذا الأمر له من التحسين والتقبيح ما يجعل الأمر محل تفاوت في التقييم والإقرار ببشرية العقل الطبيعية كونه لم يكتمل ولم يتوحد في قضية مشتركة أبدا، من حيث أن الأختلاف كعامل إثراء ضروري في دائرة التنوع المنطقي إذا كان في مؤداه الطبيعي ينتج حراكا عقليا ومعرفيا إيجابيا، ومن قبائح ما يلتصق فيه أيضا أن بعض العقول التي تتمسك بأحادية وجهة النظر تجعل منه موضوع أختلاف وتخالف وتعارض سلبي مؤذي للفكر وللواقع، عندما تفرض الأنا الذاتية المتضخمة قانونها وسلطتها على العقل وعلى الواقع.
موضوع بحثنا اليوم واحد من تلك المواضيع التي دار فيها وعليها ومنها الخلاف في التقييم وفي التمسك به يقينا وأقصد به موضوع المقدس والمنجس في الفكر الديني، بالرغم من القواعد الدينية الأولية التي يجب أن يتمسك بها المؤمن الديني أن المعيارية الأساسية في قبول أو رفض فكرة ما يرتبط بقصديات وعلات وغايات وبناء النص الديني، فالإنسان المؤمن غير مخول لا بالتغيير ولا بالأستحداث ولا بالتعليل خارج ما يحمله النص من أساس الفكرة وجوهر الموضوع، فليس من حقه أن يتوسع في مد الفكرة بحيث تخرج عن إطارها الطبيعي وفقا للنسق الفكري لبناء النص الديني محمولا على النسقية العامة لأصل فكرة الدين، كما ليس من حقه تضييق حدود الفكرة بحيث يحيلها إلا ما يشبه الصنم الذي لا يتحرك ويتوقف عن الظاهر البنائي متمسكا بحق المفردة أن تكون الحاكم على العقل ظاهريا.
المقدس الديني أو المحل الطبيعي للتقديس كما تنص النصوص ينحصر في دائرة محددة وبينه ومحكمة المراد منها التفريق بين ما لا يمكن أن يكون منجسا في أي حال لا قبل ولا بعد ولا في الأصل ولا في النتيجة ولا في الموضوع ولا في الذات، فالمقدس بهذا التعريف هو الطاهر الطبيعي المطلق من أي صفة أو فعل أو حدث أو ظرف لا زمانيا ولا مكانيا ولا حال يقبل التطهر أو التطهير أصلا فهو طاهر مطلقا في جميع الأحوال {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى}طه12، هذه الصورة تبين أن مدارس التقديس لا يمكن أن يتسامح مع موضع تنجيس ولو أفتراضا أو أحتمالا، لذا فكان الله هو القدوس الذي لا يمكن أن يكون مثله شيء ولا يجوز مقارنته أو مقاربته بأي حال مع غيره {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}الحشر23، فهو كما هو لا غيره مشترك ولا يجوز أن يشترك معه أحد في هذه الدائرة المغلقة ولا يقدس أحدا من خلقه ولا يمكن أن تنتسب القداسة لغيره لأنه هو القدوس بذاته.
قد يظن البعض أن الله مثلا حين يشير للوادي المقدس أو لروح القدس إنما يناقض قولنا بأن لا مقدس ولا قدوس غيره، والحقيقة هذا الكلام مبني على توهم معرفي فالأرض المقدسة لم تستمد قدسيتها من ذاتها وإنما الله وصفها بذلك ومنحها بعض القداسة لعلة الأرتباط بقدوسيته هو، أما روح القدس فليس تقديسا بقدر ما يحمل من صفة القدسية لأنه يحمل كلام ومراد القدوس، فهو موضوعيا نال الصفة وليس ذاتيا بما فيه هو، الموضوع يتعلق بجانب مالك الصفة والمتصرف بها وهو الذي حدد وأشار حصرا دون إمكانية لأحد من خلقه أن يجعلها خارج إرادته أو خارج صلاحياته، فالمقدس هنا من يحمل من القدوس ما فيه وليس أعتباطا أو درجة يمكن الوصول لها بطريق بشري، فبيت الله الذي هو ببكة لم يكن مقدسا ولم يوصف بالمقدس برغم الأرتباط بينه وبين القدوس ولا يجب أن نعده مقدسا بأي حال لأن الله لم يمنحه ماهية قدسية كما لم يمنحها لأحد من في الوجود.
القاعدة الأساسية إذا كل ما يمكن أن يكون ممكنا عليه أن يتطهر أو يطهر لا يمكن أن يكون مقدس لتنافي الطبيعة بين الطهر المطلق وبين محنمل الطهر والتطهر، الإنسان الطبيعي وحسب النص الديني تعتريه حالات تنجس ومعرض للنجاسة والتنجيس وإن تطهر أو حتى الذي طهره الله في نص أو لحالة لأنه قد يكون قبل التطهير نجسا أو منجسا أو تلحقه نجاسة والدليل أن الله طهره من الدنس والنجس، ولو كان طاهرا مطلقا لما تدخل الله في تطهيره أصلا لحال أو لقضية معينة أو لظرف أخر، فمع كل ما كان علينا أن نتذكر أن الإنسان خلق من مني يمنى يستوي في ذلك المطهر وغير المطهر {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى}القيامة37، وهذا خطاب عام لكل إنسان بغض النظر عن الصفة اللاحقة له أو الحال الذي سيكون، إلا في حالة أن يكون غير إنسان أو إنسان غير طبيعي.
من المتعارف عليه أن الإنسان وحسب التعاليم الدينية السائدة التي تلقيناها من الرسل والأنبياء أن في حالة موت الإنسان يوجب تغسيله وتكفينه ودفنه وفقا لكل شريعة بقوانينها، الهدف والغاية من التغسيل والتكفين تطهير الجسد الميت من نجاسة الموت أو ما يلحق بها من نجاسة أصلية أو مفترضة، الوضوء للصلاة مقدمة طهارة لا بد منها، الغسل والأستحمام وتطهير البدن من الحدثين الأكبر والأصغر ومن نجاسة الجنابة واجبات ضرورية لجعل البدن المؤمن بدن طاهر، يشترك في ذلك المطهر وغير لمطهر فهي قاعدة عامة عامة واجبة الأتباع، بمعنى أن حتى المطهر ربانيا ملزم بالمحافظة على الطهارة الخارجية وإلا لم ينتفع بالطهارة المضافة ويعرضها للأنتهاك، يستوي بذلك مع غيره، النتيجة التي نستخرجها هنا أنه مع وجود التطهير الرباني الموضوعي لا يمكن أن يكون ذلك كافيا ليجعل منه معوصوما طبيعيا ضد النجس والرجس علما أن الرجس شكلا من أشكال النجاسة وليس العكس {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً }الأحزاب33، فالتطهير هنا من الرجس وليس من النجاسة الطبيعية.
الرجس إذا هو كل حال أو موضوع أو صفة سلوك تلحق الإنسان نتيجة فعل خارجي وليس من ذات الشيء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }المائدة90، وكذلك يصيب الله به من يشاء من خلقه في حالة أن هناك دواع سلوكية تفرض هذا الترجس عليه {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }الأنعام125، وأيضا في نص أخر {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام145، والدليل أن الله تعالى بموجب النص منح في حال الأضطرار وعدم البغي أن يكون الرجس مسموحا به بحدود الحالة وأشتراطاتها، ولكن الله لا يقبل من المتنجس أو النجس أن يعتذر بمثل ما أعتذر به المترجس {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }التوبة28.
من هنا فالمتنجس الطبيعي حتى لو تم تطهيره تطهيرا كما في النص المذكور في الفقرة السابقة لا يمكن أن يكون مقدسا ولا يجب وضع صفة القداسة له، أولا لأنه كان أو سيكون أو قابلا للحوق فكرة النجاسة فيه أو التنجس وإن طهر من الرجس، ثانيا يتخالف ويتعارض ذلك مع تعريف المقدس بذاته بأستحالة أن يكون في حال ممكن حتى لو أحتمالا أو فرضا أن يصاب بحالة أو صفة أو موضوع تنجس، هنا علينا كمؤمنين بالنص أن ننصاع له ولنسقية المفهوم الديني ولا يكفي فيه رغبتنا أو حبنا أو إرادتنا أن ندخل أحدا ما في دائرة القداسة أو إخراج شيء منها لأننا محكوم علينا بالمتابعة والألتزام بالحكم الأصلي بناء على تقديم ما قدمه والأمتناع عن التلاعب أو التحريف أو التأويل خارج دائرة الحكم الشرعي بإلزاميته ولزوميته على العقل الإيماني.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,396,663,035
- الدين والتدين مفهوم دائر بين النكوص والتعارض ح1
- الدين والتدين مفهوم دائر بين النكوص والتعارض ح2
- قضية الحرية والأختيار في التدين ح2
- قضية الحرية والأختيار في التدين ح1
- إشكالية الإنسان بين النزوع الفطري وأستحكامات الوجود المادي ح ...
- إشكالية الإنسان بين النزوع الفطري وأستحكامات الوجود المادي ح ...
- هل الفكر الديني شموليا خارج حدود الزمان والمكان أم إنعكاس لر ...
- هل الفكر الديني شموليا خارج حدود الزمان والمكان أم إنعكاس لر ...
- شذرات فكرية
- هل الفكر الديني شموليا خارج حدود الزمان والمكان أم إنعكاس لر ...
- تكامل الدين والعلم في تكوينية العقل الإنساني وجودا ونتاج
- التدوين وإشكالية المحافظة على النص الديني الأصل كمعيار قياسي
- الفلسفة ووظيفة التغيير
- دروس في الأدب الثوري..... ح1
- من الأدب الثوري .....ح2
- المعرفة والتجربة وصورتهما في المدرسة العقلانية
- هل الأخلاق والأخلاقية ضرورة للمجتمع الإنساني
- العرب الضاربة والعرب الهاربة.
- الدين والتوسط الكهنوتي وبدعة المرجعية الفكرية.
- إشكالية سلطنة الدين في المجتمع.


المزيد.....




- دار الإفتاء المصرية تحدد نسبة الكحول المسموح بتناولها
- جدل حول إجازة دار الإفتاء المصرية الحلف بالكعبة والنبي
- الكنيسة الأوكرانية تحرم بطريرك كييف الفخري من حقوقه وأملاكه ...
- وزير الأوقاف السوري: الحركات الوهابية والإخوان لا تمت للإسلا ...
- ترامب: عقوبات مشددة تستهدف المرشد الأعلى الإيراني
- الحريات الدينية في خطاب الإسلامويين
- ما سر -ميغاليث.. أحجار الجنة- في منطقة بريتاني غرب فرنسا؟
- مهمة -بومبيو- في السعودية... وعلاقتها بقرار الحرب وجماعة الإ ...
- افتاء مصر: الحلف بالنبي محمد والكعبة لا حرج فيه.. ومغردون يس ...
- تشاد... مقتل 11 عسكريا في هجوم لـ-بوكو حرام-


المزيد.....

- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عباس علي العلي - ما بين المقدس والمنجس ضاعت القيمة المعرفية للفكرة المثالية.