أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - آرام كربيت - في البادية السورية



في البادية السورية


آرام كربيت

الحوار المتمدن-العدد: 5858 - 2018 / 4 / 27 - 11:04
المحور: الادب والفن
    


في العام 1980 كنت أعمل في محطة تصفية المياه الخامية على بعد 47 كيلومترا من مدينة الحسكة. هناك غصة في صدري ما زالت قائمة لم يزلها الزمن برتابته وقسوته.
توغلت بالسيارة في عمق البادية السورية من نقطة ال 47 باتجاه الفرات. هناك وعلى طول البادية، المياه الجوفية مرة ثقيلة المذاق لا تصلح للشرب. ويعتمدوا على مياه الأمطار في شرب الشاي في فصل الشتاء والربيع أما السكان القريبين من نهر الفرات فيضطرون للذهاب إليه مصطحبين معهم حميرهم وقواديسهم لملأ الماء فيه.
وعلى أمتداد هذه الأراضي كان صبيان حافظ الاسد, أجهزة بقاءه, أي استخباراته, يزرعون هذه البادية المحرمة دوليا لإبقاءها كعلف للمواشي بالقمح والشعر واستثمار هذه الأموال لأنفسهم كمنفعة متبادلة بينه وبينهم.
إنهم ديايثة ومرتزقة وهو ساقط ومجرم كبير. يغطي عليهم قذارتهم وقذارة نفسه.
تغلغلت في هذا البادية عمق مسافة ستين كيلومترا على خط محطة ابو فاس وتجاوزتها إلى أن وصلت إلى ضعية صغيرة معزولة عن العالم.
أردت أن أضع أحداثيات خزان ماء فيها حسب المخطط. كان التعب والجوع والعطش قد فعل فعله فيني وفي العاملين اللذين كانا معي. بحثت عن المكان الذي سنبني الخزان عليه إلى أن اهتديت إليه.
جاء رجل عربي، عجوز يقارب الثمانين سنة أو أكثر، متوسط القامة عليه هيبة ووقار، شعره أبيض كالحليب ووجهه سمح. يبدو أن الأيام عجنته وعلمته الحكمة والصبر.
قلت له بلغة الشاب الغر:
ـ عماه، هل لي أننأرتاح قليلا تحت سقف بيتك أننا عطشا ونحتاج إلى الماء.
نظر إلي وفي عينيه انكسار على نفسه وشفقة على شاب بمثابة أبنه.
كانت القرية منسية تماما لا أعرف على ماذا كانوا يعيشون ويقتاتون لقمة عيشهم في هذه البقعة المنبوذة من هذا العالم المترامي الأطراف. الفقر مدقع، لا ماء ولا كهرباء. ودولة العصابة بإشراف دولي، دولة الجريمة المنظمة ولصوصها تسرق قوتهم.
فعندما يتحكم في دولة ما أو بلد ما كتلة بشرية صغيرة أو فئة صغيرة محدودة من الناس، توحدهم طائفة، تتمايز عن المجتمع بلغتها المتعالية ومصالحهم المنفصلة عن المجتمع أخلاقا وسلوكا لا يمكن إلا أن نسميهم محتلين.
قال لي:
ـ تفضل يا ابن أختي. الدار دارك.
أعاد النظر إلي بشيء من الاستغراب.:
تفضل وأجلس وسيأتيك الماء.
كنت أعلم أن المياه مرة لا تصلح للشرب، بيد اني غالبت نفسي وطلبته. أعرف أنني طلبت شيئاً ثميناً.
جلب لي ولمن معي طاسة عيران بارد.
قال:
ـ إشربوا يا أولاد أخي، تبردوا.
من عادة العرب أن يقدموا الغذاء لمن يدخل دارهم. حقيقة لم أكن أعلم إن كان لدى أهل القرية طعام أو خضار أو أي شيء له علاقة بهذا العصر، بيد أني قلت لنفسي:
ـ سارتاح قليلا، عشرة دقائق وأمشي.
بعد أن شربت أشرت إلى العمال:
ـ علينا أن نذهب. وقفت على قدمي وهممت لأودع هذا الرجل الوقور الجميل.
قال لي:
ـ إلى أين ستذهب؟
قلت:
ـ يجب أن اعود إلى ال 47 بأسرع وقت، ومن هناك إلى الحسكة، إنهم بانتظارنا، العمال والفنيين والمهندسيين ولن يتحركوا إلا إذا كنا بينهم. ووقت الدوام الرسمي قارب على الانتهاء.
قال:
ـ عليك دين يجب أن تدفعه يا ابن أخي.
نظرت إليه, إلى وجهه السمح، قلت:
ـ دين؟
ـ نعم يا ابن أخوي عليك دين. إن خرجت من هنا يجب أن تدفعه أو أن تجلس.
قلت:
ـ ولماذا؟ لدي عمل كثير. كثرة الله خيركم، شربنا العيران وارتوينا, وتبردنا ويجب أن أمشي.
ـ الطعام على النار. أنت لا تعرف الأصوال لن أحاسبك على ما فعلته وتفعله. إن دخولك إلى بيتي كان بإرادتك، بيد ان خروجك ليس بإرادتك. عليك أن تأكل طعامك أو تدفع حقه.
ابتسم بلطف وكأنه كان يسر من طيشي وغروية الحياة في حياتي.
تدخل العاملان، قالا:
ـ سأمحه يا عم. إنه لا يعرف العادات والتقاليد العربية.
قال:
ـ سأسامحه من أجلكما.
جلست بصمت. بعد لحظات جاء الطعام خبز عربي على الساج خبز للتو وفوقه لحم دجاج.
خجلت من نفسي لإدراكي للظروف القاسية التي يمرون بها ولإحساسي أنني ساسرق لقمة أطفال هذه العجوز. شعرت أن اللقمة ستكون سمًا في حلقي. نظرت إلى العجوز بحزن عميق، قلت له:
ـ لو أعلم أنك ستقدم لي هذا الطعام في هذه المنطقة الشحيحة لما جئت إلى بيتك.
نظر إلي, والحزن يأكله, قال:
ـ ابن أخوي عيب هذا الكلام. أنت تمزقنا بهذا الكلام، الخير واجد وكله بفضل الله. هذا لا يجوز. الدار دارك ونحن ضيوفك.
حقيقة شعرت بالخجل، بالإحراج من هذا الكرم الكبير من أهلنا في هذه المنطقة المنهوبة من قبل الحاكم الساقط حافظ الاسد وعائلته وزلمه وجزء من طائفته التي تعاونت معه على نهب سوريا وتخريبها.
الناس في بلدي قبلوا القهر والجوع والذل على مضض، وعندما ثاروا لتغيير مصيرهم وقفت الولايات المتحدة وروسيا واسرائيل وايران والخليج وتركيا زجزء من المعارضة المدحنة معه ضدنا، ضد هذا الرجل المهمش السبعيني وأهلنا وأولاده.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,328,077,757
- التمرد 5
- التمرد 4
- ذكريات من القامشلي 2
- التمرد 3
- لماذا الغرب متسامح مع الإسلام؟
- التمرد 2
- من ذاكرتي في القامشلي
- إعادة هيكلة الدولة
- التمرد
- استانبول
- من ذاكرة الجزيرة السورية 3
- الخروج من الذاكرة 2
- الحسكة
- أمي
- سعرت باتمان والسلطنة
- السفينة والبطيخ
- ثانوية ابن خلدون
- في المناجير
- في رأس العين
- في ضيعة تل كيفجي


المزيد.....




- كيف أخذتنا أفلام الخيال العلمي إلى الثقب الأسود؟
- جميلون وقذرون.. مقاتلو الفايكنغ في مخطوطات العرب وسينما الغر ...
- جائزة ويبي تكرم فيلم -أونروا.. مسألة شخصية- للجزيرة نت
- -بعد ختم الرسول- في السعودية.. سمية الخشاب تظهر في سوريا (ص ...
- بوناصر لقيادة العدل والإحسان: شكرًا يا أحبتي !
- الرميد يكشف مسارات اعداد التقرير حول القضاء على التمييز العن ...
- الذكاء الاصطناعي: هل يتفوق الكمبيوتر يوما ما على الفنانين ال ...
- شرطة سريلانكا تنفذ تفجيرا محكوما بالقرب من سينما سافوي في كو ...
- لفتيت يلتزم بالرد على شروط الكدش لتوقيع اتفاق الحوار الإجتما ...
- شرطة سريلانكا تنفذ تفجيرا محكوما بالقرب من سينما سافوي في كو ...


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - آرام كربيت - في البادية السورية